النص المفهرس
صفحات 281-300
الآية : ٧٥ ٢٨١ سُؤَ العمران قال ابن جبير: يعني الوافر . وَاللَّهُ ذُو الْتَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِطَارٍ يُؤَدِّوِ إِلَيْكَ﴾ شروعٌ في بيانِ نوعٍ آخرَ من مَعايِيهم. و((تأمنه)) من أَمِنته بمعنى ائتمنُّه. والباء قيل: بمعنى على، وقيل: بمعنى في، أي: في حِفْظِ قنطار. والقنطارُ تقدَّم قنطارٌ مِن الكلام فيه. يُروى أنَّ عبد الله بن سلام استودعه قرَشيٌّ ألفاً ومئتي أُوقيةٍ ذهباً فأدَّاه إليه. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ يِدِينَارٍ لَّا يُؤَّوْءٍ إِلَيْلَ﴾ كِفْنحَاص بن عازوراء؛ فإنَّه يُروى أنه استودعه قُرَشِيٌّ آخَرُ ديناراً فجحده. وقيل: المأمونُ على الكثير النصارى؛ إذ الغالب فيهم الأمانة، والخائنون في القليل اليهودُ إذ الغالبُ عليهم الخيانة، وروي هذا عن عكرمة. والدينارُ لفظٌ أعجميٌّ وياؤه بدلٌ عن نون، وأصله: دِنَّار، فأُبدل أولُ المِثْلَينِ يَاءً لوقوعه بعد كسرة، ويدلُّ على الأصل جمعُه على دنانير؛ فإنَّ الجمع يَردُّ الشيءَ إلى أصله، وهو في المشهور: أربعةٌ وعشرون قيراطاً، والقيراط: ثلاثُ حَبَّات من وسّط الشعير، فمجموعه: اثنتان وسبعون حيَّة. قالوا: ولم يختلف جاهليةً ولا إسلاماً. ومن الغريب ما أخرجه ابن أبي حاتم(١) عن مالك بن دينار أنه قال: إنَّما سمّي الدِّينار ديناراً لأنه دينٌ ونار، ومعناه: أنَّ مَن أخذه بحقّه فهو دينُه، ومَن أَخَذه بغير حلّه فلّه النارُ. ولعلَّه إبداءُ إشارةٍ من هذا اللفظ، لا أنه في نفس الأمر كذلك، كما لا يخفى على(٢) مالِكِ درهم من عقلٍ، فضلاً عن مالِكِ دينار. وقرئ: ((يؤدّو) بكسر الهاء مع وَضْلِها بياءٍ في اللفظ، وبالكسر من غير ياء، وبالإسكان إجراءً للوصل مجرَى الوقف(٣)، وبضمِّ الهاء ووَصْلِها بوارٍ في اللفظ، وبضمِّها من غير واو (٤). (١) في تفسيره ٢/ ٦٨٣ . (٢) في الأصل: عن. (٣) وهذه قراءة أبي عمرو وشعبة وحمزة وأبي جعفر، والتي قبلها وهي قراءة الكسر من غير ياء قرأ بها يعقوب وقالون، وهشام بخلف عنه، والباقون بإشباع الكسرة، وهو الوجه الثاني لهشام. ينظر التيسير ص٨٩، والنشر ٣٠٥/١ (٤) القراءتان في إعراب القرآن للنحاس ٣٨٨/١، والبحر ٥٠٠/٢. سُورَةُ العمران ٢٨٢ الآية : ٧٥ ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قََّبِمَاً﴾ استثناءٌ من أعمِّ الأحوال أو الأوقات، أي: لا يؤدِّه إليك في حالٍ من الأحوال، أو في وقت من الأوقات، إلا في حالِ دوامٍ قيامك، أو في وقتِ دوامٍ قيامِك. والقيامُ مَجَازٌ عن المبالغة في المطالَبة، وفسَّره ابنُ عباس رضى الله تعالى عنهما بالإلحاح، والسديُّ: بالملازمة والاجتماع معه، والحَسنُ: بالملازمة والتَّقاضي. والجمهورُ على ضمِّ دالِ («دُمت)»، فهو عندهم كـ ((قُلت))، وقرئ بكسر الدال(١)، فهو حينئذٍ على وزان: خِفْت، وهو لغة. والمضارع على اللغة الأولى: يدوم کـ ((يقوم))، وعلى الثانية: یدام کـ «یخاف)). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ترْكُ الأداء المدلولِ عليه بقوله سبحانه وتعالى: ((لا يؤده)» ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ ضميرُ الجمع عائدٌ على ((مَنْ)) في ((مَن إن تأمنه بدينار))، وجُمِع حَمْلاً على المعنى، والباء للسببية، أي: بسببٍ قولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُنْتُعَنَ سَبِيلٌ﴾ أي: ليس علينا فيما أَصَبْناه من أموال العرب عتابٌ وذٌّ. أخرج ابنُ جرير عن ابن جريج قال: بايَع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية، فلمَّا أسلموا تَقاضَوهم عن بيوعهم، فقالوا: ليس [لكم] علينا أمانةٌ، ولا قضاءً لكم عندنا؛ لأنكم تركتُم دِينكم الذي كنتم عليه، واذَّعَوا أنهم وَجَدوا ذلك في كتابهم، فقال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ (٢) أي: أنهم كاذبون. وقال الكلبي: قالت اليهود: الأموال كلُّها كانت لنا، فما في أيدي العرب منها فهو لنا، وإنهم ظلَمونا وغَصَبونا، فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم. وأخرج ابن المنذر وغيرُه عن سعيد بن جبير قال: لمَّا نزلت ﴿وَمِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُنَِّنَ سَبِيلٌ﴾ قال النبيُّ وَّ: ((كذب أعداءُ الله، ما من شيءٍ كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميَّ هاتين، إلا الأمانة فإنها مؤدَّاةٌ إلى البَرِّ والفاجر))(٣). (١) القراءات الشاذة ص٢١. (٢) تفسير الطبري ٥١٢/٥، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٤، وأخرجه أيضاً الطبري ٥١١/٥، وابن أبي حاتم ٢ /٦٨٤ . الآية : ٧٦ ٢٨٣ سُورَةُ العَمْرَانَ والجارُّ والمجرور متعلِّق بـ ((يقولون))، والمراد: يَفْتَرون. ويجوز أن يكون حالاً من الكذب مقدَّماً عليه. ولم يجوِّز أبو البقاء(١) تعلَّقَه به؛ لأن الصِّلة لا تتقدم على الموصول، وأجازه غيرُه؛ لأنه كالّرف يُتوسَّع فيه ما لا يتوسّع في غيره. بَى﴾ جوابٌ لقولهم: ((ليس علينا في الأميين سبيل)) وإيجابٌ لِمَا نَفَوه، والمعنى: بلى عليهم في الأميين سبيل. ﴿مَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾﴾ استئنافٌ مقرِّر للجملة التي دَّت عليها ((بلى)) حيثُ أفادت بمفهومها المخالفِ ذَّ مَن لم يَفِ بالحقوق مطلقاً، فيدخلون فيه دخولاً أولياً. و((مَن)) إمّا موصولةٌ أو شرطية، و((أوفى)) فيه ثلاث لغات: إثباتُ الهمزة، وحذفُها مع تخفيف الفاء وتشديدها، والضميرُ في ((عهدِه)) عائدٌ على ((مَن))، وقيل: يعود على ((الله))، فهو على الأول مصدرٌ مضافٌ لفاعله، وعلى الثاني مصدرٌ مضاف لمفعوله أو لفاعله. ولا بدَّ من ضميرٍ يعودُ على ((مَن)) من الجملة الثانية، فإمَّا أن يقام الظاهر مقامَ المضمَر في الربط إن كان ((المتقين)): ((مَن أوفى))، وإمَّا أن يُجعل عمومُه وشمولُه رابطاً إن كان ((المتقين)) عاماً. وإنَّما وُضع الظاهرُ موضع المضمر على الأول تسجيلاً على المُوفين بالعهد بالتقوى، وإشارةً إلى علَّة الحكم، ومراعاةً لرؤوس الآي، ورجّح الأول بقوة الربط فيه. وقال ابنُ هشام(٢): الظاهرُ أنَّه لا عموم، وأنَّ ((المتقين)) مساوٍ لمَن تقدَّم ذِكْرُه، والجوابُ لفظاً أو معنَى محذوفٌ، تقديره: يحبُّه الله، ويدلُّ عليه: ((فإن الله)) إلخ. واعترضَه الحلبيُّ بأنَّه تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه(٣). وقوله: الظاهر أنه لا عموم ... ، في حيِّز المنع، فإنَّ ضمير ((بعهده)) إذا كان الله، فالالتفات عن الضمير إلى الظاهر لإفادة العموم كما هو المعهود في أمثاله؛ قاله بعضُ المحققين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الَِّ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أخرَج الستةُ وغيرُهم عن ابن (١) في الإملاء ٨٩/٢. (٢) في المغني ص ٦٥٩- ٦٦٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٨/٣. (٣) الدر المصون ٢٦٩/٣. سُولَةُ العَقْرَانَ ٢٨٤ الآية : ٧٧ مسعود راه قال: قال رسول الله ◌َله: ((مَن حَلَف على يَمينِ هو فيها فاجرٌ ليقطعَ بها مالَ امرئ مسلمٍ لَقِيَّ اللهَ وهو عليه غَضْبَانُ» فقال الأشعثُ بن قيس: فِيَّ واللهِ كان ذلك، كان بيْنِيَّ وبينَ رجلٍ من اليهود أرضٌ، فَجَحَدني، فقدَّمته إلى النبيِّ ◌ِدِ، فقال لي رسولُ اللهِ ﴿﴿: ((أَلَّكَ بيَّنَةٌ؟)) قلت: لا. فقال اليهودي: ((اخْلِف)). فقلت: يا رسول الله، إذاً يَخْلِف فيذهبُ مالي، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ إلخ(١). وأخرج البخاريُّ وغيرُه عن عبد الله بن أبي أوفى: أنَّ رجلاً أقام سلمةً له في السوق فحلف بالله لقد أَغْطَى بها ما لم يُعْطِه، ليُؤْقِعَ فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت هذه الآية(٢). وأخرج أحمد وابن جرير - واللفظ له - عن عدي بن عميرة قال: كان بين امرئ القيس ورجلٍ من حَضْرَمَوتَ خصومةٌ، فَارْتَفّعا إلى النبيِّ وَ*، فقال للحضرَمِيِّ: (بيّتَك وإلا فَيَِّينُه)) قال: يا رسولَ الله، إن حلّف ذهَب بأرضي! فقال رسولُ الله وَ لِ: (مّن حَلَّف على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطعَ بها حقَّ أخيه، لَقِيّ اللهَ تعالى وهو عليه غَضْبانُ» فقال امرؤ القيس: يا رسولَ الله فما لِمَن تركها وهو يعلم أنها حقٌّ؟ قال: ((الجَنَّة)» قال: فإنّي أُشهدك أني قد تَركتُها. فنزلت(٣). وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في أبي رافع وكنانة (٤) بنٍ أبي الحُقَّيق وكعب بن الأشرف ومحيّيّ بنٍ أخطب، حرَّفوا التوراة، وبدَّلوا نعتٌ رسولِ اللهِوَ﴾، وحُكْمَ الأمانات وغيرهما، وأخذوا على ذلك رِشوةً(٥). وروي غير ذلك، ولا مانع من تعدُّدٍ سبب النزول كما حقّقوه. (١) صحيح البخاري (٢٤١٦، ٢٤١٦)، وصحيح مسلم (١٣٨)، وسنن أبي داود (٣٢٤٣)، سنن الترمذي (١٢٦٩)، وسنن النسائي الكبرى (٥٩٤٨)، وسنن ابن ماجه (٢٣٢٣)، وهو عند أحمد (٣٥٩٧). (٢) صحيح البخاري (٢٠٨٨). (٣) مسند أحمد (١٧٧١٦)، وتفسير الطبري ٥١٨/٥. وامرؤ القيس هو ابن عابس بن المنذر الكندي. الإصابة ١/ ١٠٠. (٤) في الأصل و(م) ولبابة، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في المصادر. (٥) تفسير الطبري ٥١٦/٥ دون قوله: حرفوا التوراة وبدلوا ... ، وذكره بتمامه الواحدي في أسباب النزول ص ١٠٧-١٠٨، وأبو السعود ٥١/٢، وعنه نقل المصنف. الآية : ٧٧ ٢٨٥ سُولَة الطيران والمراد بـ ((يشترون)»: يستبدلون. وبالعهد: أمرُ الله تعالى، وما يلزم الوفاءُ به. وقيل: ما عَهِدَه إلى اليهود في التوراة مِن أَمْرٍ النبيِّ ◌َ ﴾. وقيل: ما في عقل الإنسان من الزَّجر عن الباطل والانقياد إلى الحقِّ. وبالأيمان: الأيمانُ الكاذبة. وبالثَّمَن القليل: الأَغْواضُ النَّزرةُ أو الرشا، ووصف ذلك بالقلّة لقلَّته في جَنْبٍ ما يَفوتُهم من الثواب، ويَحْصل لهم من العقاب. ﴿أُوْلَبْدَكَ لَ خَلَقَ لَّهُمْ فِي الأَخِرَةِ﴾ أي: لا نصيب لهم من نَعيمها بسبب ذلك الاستبدال. ﴿وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بما يَسُرُّهم، بل بما يسوؤهم وقتَ الحسابِ لهم؛ قاله الجبائيّ. أو لا يكلِّمهم بشيء أصلاً، وتكون المحاسبةُ بكلام الملائكة لهم بأمرٍ الله تعالى إياهم؛ استهانةً بهم. وقيل: المراد أنَّهم لا ينتفعون بكلمات الله تعالى وآياته، ولا يخفى بُعْدُه. واستُظْهِر أن يكون هذا كنايةً عن غضبه سبحانه عليهم. ﴿وَلَا يَنْكُ إِلَّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لا يعطف عليهم ولا يَرْحمُهم، كما يقول القائل: انظر إليَّ، يريد: ارحمني، وجعله الزمخشريُّ مجازاً عن الاستهانة بهم والسُّخط عليهم، وفرَّق بين استعماله فيمَن يجوز عليه النظر المفسَّر بتقليب الحَدَقة وفيمَن لا يجوز عليه ذلك، بأنَّ أصله - فيمَن يجوز عليه - الكناية؛ لأنَّ مَن اعتدَّ بالإنسان التفت إليه وأعاره نظَرَ عينيه، ثم كثُر حتى صار عبارةً عن الاعتداد والإحسان مجازاً، وإن لم يكن ثَمَّ نظَرٌ، ثم جاء فيمَن لا يجوز عليه النظر مجرَّداً لمعنى الإحسان مجازاً عمَّا وقع كنايةً عنه فيمَن يجوز عليه النظر (١). وفي ((الكشف)»: إنَّ في هذا تصريحاً بأنَّ الكناية يُعتبَر فيها صُلوُ إرادة الحقيقة وإن لم تُرَدْ، وأنَّ الكنايات قد تَشْتَهِرُ حتى لا تبقى تلك الجهةُ ملحوظة، وحينئذٍ تلحقُ بالمجاز، ولا تُجعل مجازاً إلا بعد الشُّهرة؛ لأنَّ جهة الانتقال إلى المعنى المجازيّ أولاً غير واضحة، بخلاف المعنى المَكْنيّ عنه(٢). وبهذا يندفعُ ما ذكّرَه غيرُ واحد من المخالفة بين قولي الزمخشريِّ في جَعْلٍ بَسْطِ اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوَطَتَانٍ﴾ [المائدة: ٦٤] مجازاً عن الجُود تارَةٌ (١) الكشاف ٤٣٩/١. (٢) حاشية الشهاب ٣٩/٣. سُورَةُ الَ ◌ّغْرَانَ ٢٨٦ الآية : ٧٨ وكنايةً أُخرى؛ إذ حاصلُه أنه إن قطع النظر عن المانع الخارجيّ كان كنايةً ثم أُلحق بالمجاز، فيُطلق عليه أنه كنايةٌ باعتبار أصله قبل الإلحاق، ومجازٌ بعده، فلا تناقضَ بينهما كما توهموه(١)، فتدبّر. والظرفُ متعلِّقٌ بالفعلين، وفيه تهويلٌ للوعيد. ﴿وَلَا يُزَكِّيهِ﴾ أي: ولا يحكم عليهم بأنهم أزکیاء، ولا يُسمِّیهم بذلك، بل يحكم بأنهم كَفَرَةٌ فَجَرَة؛ قاله القاضي. وقال الجبائيُّ: لا يُنزلهم منزلةَ الأزكياء. وقيل: لا يطهِّرهم عن دنس الذنوب والأوزارِ بالمغفرة. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ ٧﴾ أي: مؤلِم موجِعٌ، والظاهر أنَّ ذلك في القيامة، إلا أنه لم يقيّد به اكتفاءً بالأول. وقيل: إنه في الدنيا بالإهانة وضرْبِ الجزية؛ بناءً على أنَّ الآية في اليهود. ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا﴾ أي: إن مِن أهل الكتاب الخائنين لَجَماعةً ﴿يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ﴾ أي: يحرِّفونه؛ قاله مجاهد. وقيل: أصلُ اللَّيِّ الفتلُ، من قولك: لَوَيْت يدَه، إذا فتلتَها، ومنه: لويتُ الغريمَ، إذا مَطَلْتَه حقَّه. قال الشاعر: تُطِيلينَ لَيَّاني وأنتِ مَليَّةٌ وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوِشَاحِ التَّقاضيا(٢) وفي الخبر: ((لَيُّ الواجِدِ ظُلْمٌ)) (٣). فالمعنى: يَفتلون أَلْسِنَتَهم في القراءة بالتحريف في الحَرَكات ونحوِها تغييراً يتغيّرُ به المعنى، ويرجع هذا في الآخرة إلى ما قاله مجاهد(٤). وقريبٌ منه ما قيل: إنَّ المراد: يُميلون الألسنةَ بمُشابِهِ الكتاب. والألسنةُ جمعُ لسان، وذكر ابنُ الشحنة(٥) أنه يذكَّر ويؤنَّث، ونقل عن أبي عمرو بن العلاء أنَّ مَن أَنَّه جمعَه على ألسُن، ومَن ذَكَّره جمَعَه على أَلْسِنة. (١) المصدر السابق، وينظر الكشاف ١/ ٦٢٧. (٢) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٣٠٦/٢ برواية: تسيئين لَيَّاني ... (٣) أخرجه أحمد (١٧٩٤٦)، وأبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي في المجتبى ٣١٦/٧ من حديث الشريد بن سويد الثقفي ته، وعلَّقه البخاري قبل الحديث (٢٤٠١)، ولفظه عندهم: ((ليُّ الواجد يُحِل عِرْضَه وعقوبته)». وفي البخاري: قال سفيان: ((عرضه)): يقول: مَطَلْتَني، وعقوبته: الحبس. (٤) أخرجه عنه الطبري ٥/ ٥٢٢ بلفظ: يحرِّفونه. (٥) أحمد بن نعمة بن حسن الحجار الخياط الرُّحَلة المعمر، شهاب الدين أبو العباس، توفي سنة (٧٣٠هـ). الوافي بالوفيات ٢١٨/٨. الآية : ٧٨ ٢٨٧ سُؤَدَّةُ الَ ◌ّعْرَانَ وعن الفرَّاء أنه قال: اللِّسان بعينه لم أسمعه من العرب إلا مذكَّراً(١). ولا يخفَى أنّ المُثبِتَ مقدَّم على النافي. والباءُ صلة، أو للآلة، أو للظرفية، أو للمُلاَبَسة، والجارُّ والمجرورُ حالٌ من الألسنة، أي: مُلْتَِّسةً بالكتاب. وقرأ أهل المدينة: ((يلوُّون)) بالتشديد(٢)، فهو على حدٍّ: ﴿لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥]. وعن مجاهد وابن كثير :: ((يَلُون) على قَلْبِ الواو المضمومةِ همزةً، ثم تخفيفها بحذفها وإلقاءٍ حركتها على الساكن قبلها(٣)، كذا قيل. واعتُرض عليه: بأنه لو نُقلت ضمةُ الواو لِمَا قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين كفى في التوجيه، فأيُّ حاجةٍ إلى قلب الواو همزة؟ ورُدَّ بأنه فُعِلَ ذلك ليكون على القاعدة التصريفية، بخلاف نَقْلِ حركة الواو ثم حذفها على ما عُرِف في التصريف. ونظر فيه بعض المحقّقين (٤) بأنَّ الواو المضمومة إنَّما تُبدَل همزةٌ إذا كانت ضمَّتُها أصلية، فهو مخالف للقياس أيضاً. نعم قرئ: ((يَلْؤُون)) بالهمز في الشواذِّ وهو يؤيِّده، وعلى كلِّ ففيه اجتماعُ إعلالين، ومِثْلُه كثير. وأمَّا جعله من الوَلْي بمعنى القُرْب، أي: يقرِّبون ألسنتَهم بمَيْلها إلى المحرَّف، فبعيد من الصحيح قريبٌ إلى المحرَّف. ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾ أي: لتظنُّوا أيها المسلمون أنَّ المحرَّف المدلولَ عليه بالليِّ - أو المشابِهَ - مِن كتاب الله تعالى المُنزلِ على بعض أنبيائه عليهم الصلاة والسلام. وقرئ: ((ليحسبوه)) بالياء(٥)، والضمير أيضاً للمسلمين. ﴿وَمَا هُوَ مِنَ اُلْكِتَبِ﴾ ولكنه من قِبَل أنفسهم. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أي: ويزعمون صريحاً - غيرَ مُكْتَفينَ بالتورية والتَّعريض - أنَّ المحرَّف أو المشابِهَ نازلٌ من عند الله ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الَّهِ﴾ أي: وليس هو نازلاً من عند الله تعالى. والواو للحال، والجملة حالٌ من ضمير المبتدأ في الخبر. (١) المذكر والمؤنث للفراء ص ١٣ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٩/١، والكشاف ٤٣٩/١، والمحرر الوجيز ٤٦٠/١. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٠/١، والكشاف ٤٣٩/١، وذكر القراءة أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢١، وقراءة ابن كثير المشهورة عنه كقراءة الجماعة. (٤) هو الشهاب في الحاشية ٤٠/٣، والكلام السابق منه. (٥) القراءات الشاذة ص٢١ . سُؤَةُ الْعِنْراَ ٢٨٨ الآية : ٧٨ وفي جملة ((ويقولون)) إلخ تأكيدٌ للنفي الذي قبلها، وليس الغرض التأكيد فقط، وإلَّا لَمَا توجَّه العطف، بل التشنيع أيضاً بأنهم لم يكتفوا بذلك التعريض، حتى ارْتَكبوا هذا التصريحَ، وبهذا حصلت المغايرةُ المقتضيةُ للعطف، والإظهارُ في موضع الإضمار لتهويل ما أقدموا عليه. واستدلَّ الجبائيُّ والكعبيُّ بالآية على أنَّ فِعْلَ العبد ليس بخَلْق الله تعالى، وإلّا صَدَّقَ أولئك المحرِّفون بقولهم: ((هو من عند الله)) لكن الله تعالى كذَّبهم. ورُدَّ بأنَّ القوم ما اذَّعوا أنَّ التحريف مِن عند الله وبخَلْقِه، وإنما ادَّعوا أنَّ المحرَّف منزّلٌ من عند الله، أو حكمٌ من أحكامه، فتوجَّه تكذيبُ الله تعالى إياهم إلى هذا الذي زَعَموا. والحاصل: أنَّ المقصود بالنفي - كما أشرنا إليه - نزوله من عنده سبحانه، وهو أخصُ من كونه من فِعْلِهِ وخَلْقِهِ، ونفيُّ الخاصِّ لا يستلزم نفيَ العام، فلا يدلُّ على مذهب المعتزلة القائلين بأنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لهم لا لله تعالى. ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي: في نِسْبَتِهم ذلك إلى الله تعالى تعريضاً وتصريحاً. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم كاذبون عليه سبحانه، وهو تسجيلٌ عليهم بأنَّ ما افترَوه عن عمْدٍ لا خطأ. وقيل: ((يعلمون)) ما عليهم في ذلك من العقاب. روى الضحاك عن ابن عباس: أنَّ الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعاً؛ وذلك أنهم حرَّفوا التوراة والإنجيل، وأَلْحَّقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه. وروى غير واحد: أنَّها في طائفةٍ من اليهود، وهم كعب بن الأشرف ومالك وحيي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمرو الشاعر، غَيَّروا ما هو حبَّةٌ عليهم من التوراة . واختلف الناسُ في أنَّ المحرَّف هل كان يُكتبُ في التوراة أم لا؟ فذهب جمعٌ إلى أنه ليس في التوراة سوى كلام الله تعالى، وأنَّ تحريف اليهود لم يكن إلا تغييراً وقتَ القراءة، أو تأويلاً باطلاً للنّصوص، وأمَّا أنهم يكتبون ما يرومون في التوراة على تعدُّد نُسَخِها، فلا. واحتجُّوا لذلك بما أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منِّه أنه قال: إنَّ التوراة والإنجيل كما أنزلهما اللهُ تعالى لم يغيَّر منهما حرف، ولكنهم الآية : ٧٨ ٢٨٩ سُوْدَةُ آلْ عُقْرَانَ يُضِلُّون بالتحريف والتأويل، وكُتُبٍ كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، ويقولون: إنَّ ذلك من عند الله. وما هو من عند الله، فأما كتب الله تعالى فإنَّها محفوظةٌ لا تُحوَّل(١). وبأنَّ النبيَّ ◌َّ كان يقول لليهود إلزاماً لهم: ((ائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)»(٢) وهم يَمْتنعون عن ذلك، فلو كانت مغيَّرة إلى ما يُوافق مَرَامَهم ما امتنعوا، بل وما كان يقول لهم ذلك رسولُ الله وَّر؛ لأنه يعود على مَطلَبه الشريف بالإبطال. وذهب آخرون إلى أنهم بدَّلوا وكتبوا ذلك في نفْس كتابهم، واحتجُّوا على ذلك بكثير من الظواهر، ولا يمنع من ذلك تعدُّد النُّسَخ، إمّا لاحتمال التواطؤ، أو فعل ذلك في البعض دون البعض، وكذا لا يمنع منه قولُ الرسول لهم ذلك؛ لاحتمال عِلْمِهِ وَّهُ ببقاء بعضٍ ما يَفي بغَرَضه سالِماً عن التغيير، إمَّا لجهلهم بوجه دلالته، أو الصرْف الله تعالى إياهم عن تغييره، وأمَّا ما رُوي عن وهب فهو - على تقدير ثُبوته عنه - يحتمل أن يكون قولاً عن اجتهاد، أو ناشئاً عن عدم استقراءٍ تامٌّ، وممَّا يؤيِّد وقوعَ التغيير في كُتب الله تعالى، وأنها لم تبقَ كيوم نزلت، وقوعُ التناقضِ في الأناجيل وتعارُضُها وتَكَاذِّبُها وتَهافُتُها ومصادمتُها بعضها ببعض، فإنَّها أربعةُ أناجيل : الأول: إنجيل ((مثَّى)) وهو من الاثني عشر الحواريين، وإنجيلُه باللغة السّريانية، كَتَبه بأرض فلسطين بعد رفْعِ المسيح إلى السماء بثماني سنين، وعدَّةُ إصحاحاته: ثمانيةٌ وستُّون إصحاحاً . والثاني: إنجيل ((مرقس)) وهو من السبعين، وكتب إنجيله باللغة الفرنجية بمدينة رومِيَّة بعد رفع المسيح باثنتي عشرة سنة، وعدَّةُ إصحاحاته: ثمانية وأربعون إصحاحاً . والثالث: إنجيل ((لوقا)) وهو من السبعين أيضاً، كتب إنجيله باللغة اليونانية بمدينة الاسكندرية بعد ذلك، وعدةٌ إصحاحاته: ثلاثة وثمانون إصحاحاً. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٦٨٩/٢، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٤٦/٢. (٢) أخرجه البخاري (٧٥٤٣)، ومسلم (١٦٩٩) من حديث ابن عمر سُورَةُ أَلِّعَقْرَانَ ٢٩٠ الآية : ٧٨ والرابع: إنجيل ((يوحنا)) وهو حبيب المسيح، كتب إنجيله بمدينة إقسس من بلاد رومية بعد رفع المسيح بثلاثين سنة، وعدَّةُ إصحاحاته في النُّسخ القبطية: ثلاثة وثلاثون إصحاحاً . وقد تضمَّن كلُّ إنجيل من الحكايات والقصص ما أَغْفَله الآخر، واشتمل على أمور وأشياء قد اشتمل الآخَرُ على نقيضها أو ما يُخالفها، وفيها ما تحكُم الضرورةُ بأنه ليس مِن كلام الله تعالى أصلاً، فمِن ذلك أن متَّى ذكَر أن المسيح صُلِب وصُلِب معه لصَّان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وأنهما جميعاً كانا يهزءان بالمسيح مع اليهود ويعيِّرانه(١) . وذكر لوقا خلافَ ذلك فقال: إنَّ أحدهما كان يَهزأ به، والآخر يقول به: أمَا تَتَّقي الله تعالى، أمَّا نحن فقد جُوزينا، وأمَّا هذا فلم يَعمل قبيحاً، ثم قال للمسيح: يا سيدي اذكرني في ملكوتك. فقال: حقاً إنك تكون معي اليوم في الفردوس(٢). ولا يخفى أنَّ هذا يَؤُولُ إلى التناقض، فإنَّ اللِّصين عند مثَّى كافران، وعند (لوقا)) أحدُهما مؤمِن والآخرُ كافر، وأَغْفَل هذه القصةَ مرقس ويوحنا. ومنه أنَّ لوقا ذكَر أنه قال يسوع: إنَّ ابن الإنسان لم يأتِ ليُهْلِك نفوسَ الناس ولكن ليُحيي. وخالفه أصحابُه، وقالوا: بل قال: إنَّ ابن الإنسان لم يأتِ ليلقي على الأرض سلامةً لكن سيفاً، ويُضْرِمِ فيها ناراً(٣). ولا شك أنَّ هذا تناقضٌ؛ أحدهما يقول: جاء رحمة للعالمين، والآخر يقول: جاء نقمةً على الخلائق أجمعین. ومن ذلك أنّ متَّى قال: قال يسوع للتلاميذ الاثني عشر: أنتم الذين تكونون في الزمن الآتي جلوساً على اثني عشر كرسيّاً تَدينون اثني عشر سبط إسرائيل (٤). فشهِد للكلِّ بالفوز والبِّ عامَّةً في القيامة. ثم نقَض ذلك متَّى وغيرُه وقال: مضى واحدٌ من (١) إنجيل متى ص ١١٦. (٢) إنجيل لوقا ص٢٧٥ . (٣) ينظر إنجيل متى ص ٦٥، وإنجيل لوقا ص٢٣٩. (٤) إنجيل متى ص ٩١، ووقع في الأصل: بني إسرائيل. الآية : ٧٩ ٢٩١ سُورَةُ الِ ◌ّعْرَانَ التلاميذ الاثني عشر - وهو يهوذا صاحب صندوق الصدقة - فارتشى على يسوع بثلاثين درهماً، وجاء بالشرطي فسلّم إليهم يسوعَ، فقال يسوعُ: الويل له، خيرٌ له أن لا يولد(١). ومنه أنَّ متَّى أيضاً ذكَر أنه لمَّا حُمِل يسوع إلى فيلاطس القائد قال: أيُّ شرِّ فعَل هذا؟ فصرَخ اليهود وقالوا: يُصْلَب يصلَب. فلمَّا رأى عزْمَهم، وأنه لا ينفع فيهم، أخذ ماء وغسل يديه، وقال: أنا بريء من دم هذا الصدِّيق وأنتم أَبْصَرُ(٢). وأكذبَ يوحنا ذلك فقال: لمَّا حُمِل يسوع إليه قالَ لليهود: ما تريدون؟ قالوا : يُصْلَب، فضرَب يسوعَ ثم سلَّمه إليهم(٣) .. . إلى غير ذلك ممَّا يَطول، فإذا وقع هذا التغيير والتحريف في أصول القوم ومتقدِّميهم، فما ظنُّك في فروعهم ومتأخِّريهم: وإذا كان في الأنابيب خَيْفٌ . وقَع الطَّيْشُ في صدُورِ الصعاد(٤) ويا ليت شعري، هل تنبّه ابنُ منبِّه لهذا، أمْ لم يتنبّه، فقال: إنَّ التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى؟ سبحان الله هذا من العَجَب العُجاب! ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُنُواْ عِبَادًا ◌ِّىِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تنزيهٌ لأنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام إثرَ تنزيه الله تعالى عن نِسْبة ما افترَاه أهلُ الكتاب إليه. وقيل: تكذيبٌ وردٌّ على عَبَدة عيسى عليه السلام. وأخرج ابن إسحاق وغيرُه(٥) عن ابن عباس ◌ًِّا قال: قال أبو رافع القرظيُّ (١) إنجيل متى ص ١١٠-١١٤، وإنجيل يوحنا ص٣٤٩، وإنجيل لوقا ص٢٦٩ و٢٧١، وإنجيل مرقس ص١٦٩-١٧٢. (٢) إنجيل متى ص ١١٥ . (٣) إنجيل يوحنا ص٣٥٢، وإنجيل مرقس ص١٧٤ . (٤) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ١٣٤/٢ برواية: خلف، بدل: حيف. قال الشارح: أنابيب الرمح: ما بين كل عقدتين، والخلف الاختلاف، والطيش هنا بمعنى الاضطراب، والصعاد جمع صعدة، وهي قناة الرمح، أي: إذا اختلفت أنابيب الرمح اضطرب صدره، فلم يستقم عند الطعن . (٥) هو في سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٤، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري ٥٢٤/٥، والبيهقي في دلائل النبوة ٣٨٤/٥. سُورَةُ العُمْرَانَ ٢٩٢ الآية : ٧٩ حين اجتمعت الأحْبَارُ من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله وَخلقه وَدَعاهم إلى الإسلام: أتريدُ يا محمدُ أن نعبدك كما تعبدُ النَّصارى عيسى ابنَ مريم؟ فقال رجلٌ من أهل نَجْرَان نصرانيٍّ يقال له الرئيس(١): أو ذاك تريدُ مِنَّا يا محمد؟ فقال رسول الله وَله: (مَعَاذَ الله أن نعبدَ غيرَ اللهِ أو نأمرَ بعيادة غيره، ما بذلك بَعَثَني ولا بذلك أمرَني)) فأنزل الله تعالى الآية. وأخرج عبد بن حُميد عن الحسن قال: بلغني أن رجلاً قال: يا رسول الله، تسلّم عليك كما يسلِّم بعضُنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: ((لا ولكنْ أَكْرِموا نبيَّكم واعْرِفوا الحقَّ لأهله، فإنَّه لا ينبغي أن يُسجَد لأحدٍ من دون الله تعالى)) فنزلت(٢). وأخرج ابن أبي حاتم [عن ابن جريج] قال: كان ناس من يهود يتعبدون الناسَ مِن دون ربِّهم بتحريفهم كتاب الله تعالى عن موضعه، فقال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾(٣) إلخ. والمعنى: ما يصحُّ، وقيل: ما ينبغي. وقيل: لا يجوز لأحدٍ. وعبّر بالبشر إيذاناً بعلَّة الحكم؛ فإنَّ البشرية مُنافيةٌ للأمر الذي أسنده الكفَرَةُ إلى أولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام. والجارُّ خبرٌ مقدَّم لـ ((كان))، والمنسبكُ من ((أنْ)) والفعلِ بعدُ اسمُها، ولا بدَّ الاستقامة المعنى من ملاحظة العطف؛ إذ لو سكت عنه لم يصحَّ؛ لأنَّ الله تعالى قد آتى كثيراً من البشر الكتاب وأَخَويه. وعطفَ الفعل على منصوب ((أنْ)) بـ ((ثم)) تعظيماً لهذا القول، فإنَّه إذا انتفى بعد مهلة كان انتفاؤه بدونها أَولى وأَخْرَى، فكأنه قيل: إن هذا الإيتاءَ العظيمَ لا يُجامِعُ هذا القول أصلاً، وإن كان بعد مهلة من هذا الإنعام. و((الحكمُ)) بمعنى الحكمة، وقد تقدَّم معناها . والعباد جمع عبد، قال القاضي: وهو هنا من العبادة، ولم يقل: عبيداً لأنه من العبودية، وهي لا تمتنع أن تكون لغير الله تعالى، ولهذا يقال: هؤلاء عبيد زيدٍ، (١) في مصادر التخريج: الرِّبِيس، ووقع بعده في سيرة ابن هشام: ويروى الريِّس والرئيس. (٢) الدر المنثور ٤٦/٢-٤٧ . (٣) الدر المنثور ٤٦/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، والخبر في تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٩١ وتفسير الطبري ٥٢٥/٥ . الآية : ٧٩ ٢٩٣ سُورَةُ الِ غَزَانَ ولا يقال: عباده، والظرف الذي بعده متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً له، أي: عباداً كائنين ((لي)). و((من دون الله)) متعلِّق بلفظ ((عباداً)) لِمَا فيه من معنى الفعل، ويجوز أن يكون صفةً ثانية، وأن يكون حالاً؛ لتخصيص النكرة بالوصف، أي: مُتَجاوزين الله تعالى إشراكاً أو إفراداً، كما قال الجبائي، فإنَّ التجاوز متحقِّقٌ فيهما حَتْماً، ثم إنَّ هذا الإيتاء في الآية حقيقةٌ على الروايتين الأُوْلَيَيْن، مجازٌ على الرواية الأخيرة، كما لا يخفى. ﴿وَلَكِنْ كُنُواْ رَبَِّنِينَ﴾ إثباتٌ لِمَا نُفي سابقاً، وهو القولُ المنصوب بـ ((أنْ))، كأنه قيل: ما كان لذلك البشر أن يقولَ ذلك، لكن يقولَ: كونوا ربَّانيين، فالفعل هنا منصوبٌ أيضاً عطفاً عليه، وجوِّز رَفْعُه [عطفاً](١) على المعنى؛ لأنه في معنى: لا يقول. وقيل: يصحُّ عدم تقدير القول على معنى: لا تكونوا قائلين لذلك، ولكن کونوا ربَّانیین. وفسَّر عليٍّ كرَّم الله وجهه وابنُ عباس الرَّبانيَّ بالفقيه العالِم. وقتادةُ والسديُّ: بالعالِم الحكيم. وابنُ جبير: بالحكيم التقي. وابن زيد: بالمدبِرِ أمرَ الناس. وهي أقوالٌ متقاربة. وهو لفظُ عربيٍّ لا سريانيٌّ على الصحيح، وزعم أبو عبيدة(٢) أنَّ العرب لا تعرفه . وهو منسوبٌ إلى الرَّبِّ كـ : إلهيّ، والألفُ والنون يزادان في النسب للمبالغة كثيراً، كـ: لِحْيَاني لعظيم اللِّحية، والجُمَّاني لوافِرِ الجُمَّة(٣)، ورَقَباني بمعنى غليظ الرَّقبة. وقيل: إنه منسوب إلى ربَّان - صفةٌ كعَطْشان - بمعنى مُربِّي. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٨)﴾ الباءُ للسببية متعلِّقةٌ بـ ((کونوا))، أي: کونوا كذلك بسبب مثابرێکم علی تعلیمکم الکتاب ودراستِکم له، والمطلوبُ أن لا ينفكّ العلم عن العمل؛ إذ لا يعتدُّ بأحدهما بدون الآخر. وقيل: متعلّقة بـ ((ربَّانيين)) لأنَّ فيه معنى الفعل، وقيل: بمحذوفٍ وقع صفةً له. (١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٣/ ٤٠، والكلام منه. (٢) في مجاز القرآن ١/ ٩٧. (٣) وهي مجتمع شعر الرأس. القاموس (جمم). سُورَةُ الْ عَمْرَانَ ٢٩٤ الآية : ٨٠ والدِّراسةُ: التكرار، يقال: دَرَس الكتابَ، أي: كرَّره، وتُظْلَق على القراءة. وتكريرُ ((بما كنتم)) للإشعار باستقلال كلٌّ من استمرار التعليم واستمرارِ القراءة - المُشْعِرِ به جَعْلُ خبرِ ((كان)) مضارعاً - بالفضل وتحصيل الربّانية. وقدَّم تعليمَ الكتاب على دراسته لوفور شرَفِه عليها، أو لأنَّ الخطاب الأول لرؤسائهم، والثاني لمَن دونهم. وقيل: لأنَّ متعلَّقَ التعليم الكتابُ، بمعنى: القرآن، ومتعلَّق الدراسة الفقهُ، وفيه بُعْدٌ بعيد وإنْ أشعر به كلامُ بعض السلف. وقرَأ نافع وابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ومجاهد: ((تَعْلَمون))(١) بمعنى: عالِمِين. وقرئ: ((تُدرِّسون)) بالتشديد(٢)، من التدريس. و: ((تُدْرِسون))(٣) من الإدراس بمعناه، ومجيء أَفْعلَ بمعنى فعَّل كثيرٌ، وجوِّز كونُ القراءة المشهورة أيضاً بهذا المعنى، على أن يكون المراد: تُدرِّسونه للناس. ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الَْكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًا﴾ قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب: (ولا يأمرَكم)) بالنصب(٤) عطفاً على ((يقولَ))، و((لا)): إمَّا مَزيدةٌ لتأكيد معنى النفي الشائع في الاستعمال، سِيَّما عند طول العهد وتخلّل الفصل، والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه اللهُ تعالى ذلك، ويرسلَه للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة وتركٍ الأنداد، ثم يأمرَ الناسَ بأن يكونوا عباداً له، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، فهو كقولك: ما كان لزيد أن أكُرِمَه ثم يُهِينَني ولا يَسْتَخِفَّ بي. وإمَّا غير زائدة؛ بناءً على أنه وَّه كان ينهى عن عبادة الملائكة والمسيح وعزيرٍ عليهم السَّلام، فلمَّا قيل له: أنتَّخذُك ربّاً؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يَتَّخِذَه الله تعالى نبيًّا، ثم يأمر الناسَ بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء، مع أنَّ مَن يريد أن يستعبدَ شخصاً يقول له: ينبغي أن تعبدَ أمثالي وأكفائي. وعلى هذا يكون المقصودُ من عدم الأمر النهيَ وإن كان أعمّ منه؛ لكونه أمسَّ بالمقصود وأَوْفَقَ للواقع. (١) التيسير ص٨٩، والنشر ٢٤٠/٢. (٢) القراءات الشاذة ص٢١. (٣) المحتسب ١٦٣/١. (٤) التيسير ص٨٩، والنشر ٢٤٠/٢. الآية : ٨١ ٢٩٥ سُورَةُ العَزَانَ وقرأ باقي السبعةِ: ((ولا يأمُرُكم)) بالرفع (١) على الاستئناف، ويحتمل الحاليةَ؛ قيل: والرفعُ على الاستئناف أظهر، وينصرُه قراءةُ: ((ولن يأمركم))(٢)، ووجّهت الأظهرية بالخلوِّ عن تكلّفِ جَعْلٍ عدمِ الأمرِ بمعنى النهي، وبأنَّ العطف يستدعي تقديمه على ((لكنْ))، وكذا الحالية أيضاً. وقرئ بإسكان الراء(٣) فراراً من توالي الحركات. وعلى سائر القراءات ضميرُ الفاعل عائدٌ على ((بشر»، وجوِّز عودُه في بعضها على ((الله)) تعالى، وجوِّز الأمران أيضاً في قوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُّكُمْ بِالْكُفْرِ﴾ والاستفهام فيه للإنكار، وكونُ مَرْجعِ الضمير في أحدِ الاحتمالين نكِرةً يجعلُه عاماً. ﴿َبَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ ﴾﴾ استدلَّ به الخطيب على أنَّ الآية نزلَت في المسلمينِ القائلين: أفلا نسجد لك(٤)؟ بناءً على الظاهر. ووجّه كونُ الخطابِ للكفار، وأنَّ الآية نزلت فيهم، بأنه يجوز أن يقال لأهل الكتاب: ﴿أَيَأْمُُّم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُ مُسْلِمُونَ﴾ - أي: منقادون مستعدُّون للدِّين الحقِّ - إرخاءً للعِنان واستدراجاً. والقول: بأنَّ كلَّ مصدِّقٍ بنبيِّه مسلمٌ، ودعواه أنه أمره نبيُّه بما يوجب كفرَه دعوى أنه أمرَه بالكفر بعد إسلامه، فدلالة هذا على أنَّ الخطاب للمسلمين ضعيفةٌ في غاية السقوط كما لا يخفى. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ ◌َجَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْهُرَُّّهُ﴾ الظرفُ منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ مخاطَبٍ به النبيُّ وَّة، أي: اذكر وقتَ ذلك، واختار السمينُ كونَه معمولاً لـ ((أقررتم)) الآتي(٥)، وضعَّفه عبدُ الباقي بأنَّ خطاب ((أأقررتم)) بعد تحقّق أخذ الميثاق، وفيه (١) عدا أبا عمرو، فإنه قرأ بإسكان الراء واختلاسها. التيسير ص٨٩، والنشر ٢٤٠/٢-٢٤١. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٢٤/١، وتفسير الطبري ٥٣٣/٥. (٣) وهي قراءة أبي عمرو كما سلفت الإشارة إليه. (٤) ينظر الكشاف ١/ ٤٤٠، وتفسير الرازي ٢٢١/٨، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤١/٣، وتفسير أبي السعود ٥٣/٢. (٥) كذا ذكر، والذي في الدر المصون ٢٨٣/٣ أن العامل فيه ((قال)) من قوله: ((قال أأقررتم)) قال السمين: وهو واضح جداً، وكذا ذكره أبو حيان في البحر ٥٠٨/٢ وقال: وهو حسن إذ لا تكلُّفَ فيه. سُورَةُ الِ غَيْرَانَ ٢٩٦ الآية : ٨١ تردّدٌ. وعطفُه على ما تقدَّم من قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَكَةُ) - كما نقله الطبرسي(١) - بعيدٌ. واختلف في المراد من الآية؛ فقيل: إنَّها على ظاهرها، ويؤيِّد ذلك ما أخرَجه ابنُ جرير عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه قال: لم يبعث الله تعالى نبياً، آدم فمَن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمَّدٍ وَّهِ: لَئِن بُعث وهو حيٌّ لَيؤمِنَنَّ به ولَينصرَنَّه، ويأمره فيأخذ العهدَ على قومه، ثم تلا الآية(٢). وعدمُ ذِكْرِ الأمم فيها حينئذٍ، إمَّا لأنهم معلومون بالطريق الأَولى، أو لأنَّه استغنى بذكْرِ النبيين عن ذِكْرهم، ففي الآية اكتفاءُ(٣)، وليس فيها الجمع بين المتنافيين. وقيل: إن إضافة الميثاق إلى النبيين إضافةٌ إلى الفاعل(٤)، والمعنى: وإذ أخذ اللهُ الميثاقَ الذي وثَّقْه النبيُّون على أُمَمِهم؛ وإلى هذا ذهب ابن عباس، فقد أخرج ابن المنذر وغيرُه عن سعيد بن جبير، أنه قال: قلتُ لابن عباس: إن أصحاب عبدَ الله يقرؤون: ((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيتكم)) إلخ، ونحنُ نقرأ: (مِيثَقَ النَّبِنَ)؟! فقال ابن عباس: إنَّما أخذ الله تعالى ميثاق النبيين على قومِهم(٥). وأشار بذلك ظُبه إلى أنه لا تناقضَ بين القراءتين كما توهّم حتى ظنَّ أنَّ ذلك منشأُ قولِ مجاهد - فيما رواه عنه ابن المنذر وغيره - أن (وَإِذْ أَخَذَ الَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ) خطأ من الكتَّاب، وأنَّ الآية كما قرَأ عبدُ الله (٦)، وليس كذلك؛ إذ لا يصلح ذلك وحدَه منشأ، وإلا لزِم الترجيحُ بلا مرجِّح، بل المنشأ لذلك - إن صحَّ ولا أظنُّ - ما يُعلم بعد التأمُّل فيما أَسْلَفناه في المقدِّمات، وبسَطنا الكلامَ عليه في ((الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية)). (١) في مجمع البيان ٣/ ١٣٠ . (٢) تفسير الطبري ٥٤٠/٥ . (٣) وهو أن يقتضي المقام شيئين بينهما تلازمٌ وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة. الإتقان ٨٣٠/٢. (٤) في الأصل: من إضافة المصدر إلى الفاعل. (٥) الدر المنثور ٤٧/٢، وقوله: إنما أخذ الله ميثاق ... إلخ أخرجه الطبري ٥٣٩/٥. (٦) الدر المنثور ٤٧/٢، وهو في تفسير الطبري ٥٣٨/٥. قال أبو حيان في البحر ٥٠٨/٢: وهذا لا يصح عنه؛ لأن الرواة الثقات نقلوا عنه أنه قرأ: (النبيين)، كعبد الله بن كثير وغيره. وإن صح ذلك عن غيره فهو خطأ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان. الآية : ٨١ ٢٩٧ سُورَةُ العمران وقيل: المراد: أمم النبيِّين، على حذف المضاف؛ وإليه ذهب الصادق وقيل: المضاف المحذوفُ: أولاد، والمراد بهم على الصحيح: بنو إسرائيل؛ لكثرة أولاد الأنبياء فيهم، وأنَّ السياق في شأنهم، وأيِّد بقراءة عبد الله المُشارِ إليها، وهي قراءة أبيّ بن كعب أيضاً (١). وقيل: المراد: وإذ أخذ الله ميثاقاً مثلَ ميثاقٍ النبيين، أي: ميثاقاً غليظاً على الأمم، ثم جعل ميثاقهم نفسَ ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة. وقيل: المراد من النبيين: بنو إسرائيل، وسمَّاهم بذلك تهكُّماً؛ لأنهم كانوا يقولون: نحن أَوْلى بالنبوَّة من محمَّدٍ، لأنَّا أهل الكتاب والنبيون كانوا منَّا، وهذا كما تقول لمَن ائتمنتَه على شيء فَخَان فيه، ثم زعم الأمانة: يا أمينُ ماذا صنعتَ بأمانتي؟ وتعقّبَه الحلبيُّ بأنه بعيد جدًّا؛ إذ لا قرينة تبيّن ذلك(٢). وأجيب بأن القائل به لعلَّه اتَّخذ مقالهم المذكور قرينةً حالية. وقيل: إنَّ الإضافة للتعليل لأدنى مُلابَسةٍ، كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاقَ على الناس لأجْلِ النبيَّين، ثم بيَّنه بقوله سبحانه: (لَمَآ ءَاتَيْتُكُم) إلخ. ولا يخفى أنَّ هذا أيضاً من البُعد بمكان؛ وقال الشهاب: لم نَرَ مَن ذَكَر أنَّ الإضافة تفيد التعليلَ في غير كلام القائل(٣) . واختار كثيرٌ من العلماء القولَ الأول. وأخْذُ الميثاق من النبيين له بَّـ ـ على مادلَّ عليه كلامُ الأمير كرَّم الله تعالى وجهه - مع علْمِه سبحانه أنهم لا يدركون وقته، لا يمنع من ذلك، لِمَا فيه - مع ما عَلِمَه الله تعالى من التعظيم له وِّ، والتفخيم ورفعةِ الشأن والتنويه بالذِّكر - ما لا ينبغي إلا لذلك الجَنَاب، وتعظُمُ الفائدةُ إذَا كان ذلك الأخْذ عليهم في كُتبهم لا في عالم الذَّرِّ، فأنه بعيد کُبُعد ذلك الزمان كما عليه البعضُ. ويؤيّد القولَ بأَخْذِ الميثاقِ من الأنبياء، الموجبِ لإيمان مَن أدركه عليه الصلاة (١) تفسير الطبري ٥٣٩/٥، والكشاف ٤٤١/١. (٢) الدر المصون ٢٨٤/٣. (٣) حاشية الشهاب ٤١/٣. سُورَةُ العَمْرَانَ ٢٩٨ الآية : ٨١ والسلام منهم به، ما أخرجه أبو يعلى عن جابر قال: قال رسول الله تعالى عليه وسلم: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنِّهم لن يَهدُوكم وقد ضَلُّوا، فإمّا أن تُصدِّقوا بباطل، وإمّا أن تُكَذِّبوا بحقٍّ، وإنه واللهِ لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حَلَّ له إلّا أن يَتَّبعني))(١). وفي معناه أخبارٌ كثيرة وهي تؤيِّد بظاهرها ما قلنا، ومن هنا ذهب العارفون إلى أنه وَ﴿ هو النبيُّ المطلَق والرسولُ الحقيقيُّ والمشرِّع الاستقلاليُّ، وأنَّ مَن سواه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم التبعيَّةِ له وَله. هذا وقد عدُّوا هذه الآيةَ من مشكلات القرآن إعراباً، وقد غاص النحويون في تحقيق ذلك وشقُّوا الشعر فيه. ولنذكر بعضَ الكلام في ذلك فنقول: قال غير واحد: اللام في (لَمَآ ءَاتَيْتُكُم) على قراءة الفتح والتخفيف - وهي قراءةُ الجمهور - موظّئةٌ للقسم المدلول عليه بأخذ الميثاق؛ لأنه بمعنى الاستحلاف، وسمِّيت بذلك لأنَّها تسهّل تفهُّم الجواب على السامع، وعرَّفها النحاة كما قال الشهاب(٢): بأنَّها اللام التي تدخل على الشرط - سواءٌ ((إنْ)) وغيرُها، لكنَّها غلبت في إنْ - بعد تقدُّم القسم لفظاً أو تقديراً؛ لتُؤذِنَ أنَّ الجواب له لا للشرط، كقولك: لئن أَكْرَمْتَني لأُكْرِمِنَّك، ولو قلت: أُكرِمْك، أو: فإِنَّي أكرمُك، أو ما أَشْبَهه ممَّا يجاب به الشرط، لم يَجُزْ على ما صرَّح به ابن الحاجب، وخالفه الفرَّاء فيه فجوَّز أن يجاب الشرطُ مع تقدُّم القسم عليه، لكنَّ الأول هو المصحَّح. وكونُها يجب دخولها على الشرط هو المشهور، وخالف فيه بعضُ النحاة؛ قال: يجوز دخولها على غير الشرط؛ إمّا مطلقاً أو بشرطِ مشابهته للشرط كـ ((ما)) الموصولةِ دون الزائدة. وقال الزمخشريُّ في سورة هود: إنه لا يجب دخولها على كَلِم المجازاة(٣)، ونقله الأزهري عن الأخفش، وذكر أن ثعلباً غلَّطه فيه(٤)، فالمسألة خلافيّة. (١) مسند أبي يعلى (٢١٣٥)، وهو عند أحمد (١٤٦٣١) قال الحافظ في الفتح ٥٢٥/١٣: في سنده مجالد بن سعید وهو لین. (٢) في الحاشية ٤١/٣. (٣) ينظر الكشاف ٢/ ٢٩٥، وينظر أيضاً ١/ ٤٤١. (٤) ينظر تهذيب اللغة ١٥/ ٤١١ . الآية : ٨١ ٢٩٩ سُورَةُ العَقْرَانَ و((ما)) شرطيةٌ في موضع نصب بـ ((آتَيتُ))، والمفعولُ الثاني ضميرُ المخاطَب، و((مِن)) بيانٌ لـ ((ما))، واعتُرِضَ بأنَّ حَمْلَ (مِن)) على البيان شائعٌ بعد الموصولة وأمَّا بعد الشرطية فيحتاج إلى النقل، ومثلُ ذلك القولُ بزيادتها؛ لأنَّ زيادتها بعد الموصولة أيضاً كزيادتها بعد الشرطية محتاجٌ لِمَا ذكر. وأجيب بأنَّ السمين نقل ما يدل على الوقوع عند الأئمة(١)، وفي ((جنى الداني)): ومِن الناس مَن قال: إنَّ ((من)) تزاد بالشروط في غير باب التمييز، وأمَّا فيه فتزاد وإن لم تستوف الشروط، نحو: لله درُّكَ مِن رجلٍ (٢). ومن هنا قال مولانا عبد الباقي: يجوزُ أن تكون (مِن)) تبعيضيةً ذُكرت لبيانِ ((ما)) الشرطية، أو زائدةً داخلةً على التمييز. و((لَتُؤمِنُنَّ)) جوابُ القسم وحدَه على الصحيح، ولدلالته على جواب الشرط، واتحادٍ معناهما، تَسامح بعضهم فجعله سادًّا مَسَدَّ الجوابين، ولم يُرِدْ أنه جوابُ القسم وجواب الشرط؛ لتَنَافيهما من حيث إنَّ الأول لا محلَّ له، والثاني له محل، والقول: بأنَّ الجملة الواحدة قد يحكم عليها بالأمرين باعتبارين، التزامٌ لِمَا لا يَلْزَمُ. وجوَّزوا كونَ ((ما)) موصولةً، واللامُ الداخلةُ عليها حينئذٍ لامُ الابتداء، ويُشعر كلام البعض أنَّ اللام بعدُ موطِّئَةٌ، وكأنه مبنيٌّ على مذهبٍ مَن جوَّز دخول الموظّئة على غير الشرط من النحاة كما مرَّ. وهي على هذا التقدير مبتدأ، والخبر إمَّا مقدَّر أو جملةُ ((لتؤمنن)) مع القسم المقدَّر، والكلام في مثله شھیر. وأُورد عليه أنَّ الضمير في ((به)) إن عاد على المبتدأ - على ما هو ظاهر - كان الميثاق هو إيمانهم بما آتاهم، والمقصودُ من الآية أخذُ الميثاق بالإيمان بالرسول و * ونصرته، وإن عاد على الرسول كالضمير الثاني المنصوبِ العائدِ عليه مطلقاً دفعاً للزوم التفكيك، خلت الجملة التي هي خبرٌ عن العائد. وأجيب بأنَّ الجملة المعطوفةَ لمَّا كانت مشتملةً على ما هو بمعنى المبتدأ الموصول - ولذلك استغني عن ضميره فيها مع لزومه في الصِّلتين المتعاطفتين في (١) ينظر الدر المصون ٥٧/٢ - ٥٨ و٢٨٦/٣. (٢) الجنى الداني في حروف المعاني، لبدر الدين حسن بن قاسم المرادي ص٥٤. سُورَةُ آلِ ◌ّعْرَانَ ٣٠٠ الآية : ٨١ المشهور - وكان ضمير ((به)) راجعاً للرسول، مع ملاحظةِ ((مصدِّقٌ لِمَا معكم)) القائم مقامَ الضميرِ العائدِ على ((ما)) = اكتفى بمجرَّد ذلك عن ضميرٍ في خبرها؛ لارتباط الكلام بعضِه ببعض، وإلى ذلك يشير كلام الإمام السُّهَيْليِّ في ((الروض الأُنْف))(١). ولا يخفى أنه - مع ما فيه من التكلُّفِ - مبنيٌّ على اتحاد ما أوتوه، وما هو معهم، وفي ذلك إشكالٌ؛ لأن ((آتيناكم)) و((جاءكم)) إن كان كلاهما مستَقْبلين، فالظاهر أنَّ المراد بـ ((ما آتيتكم)) (٢): القرآنُ؛ لأنه الذي يؤتَوْه في المستقبل باعتبار إيتائه للرسول الذي كلِّفوا باتِّباعه، وبما معهم: الكتب التي أوتوها، وحَمْلُه على القرآن یأباه الذوق؛ لأنه مع كونه ليس معهم بحَسَب الظاهر لا يَظْهَرُ حُسْنٌ لكون القرآن مصدِّقاً للقرآن، وهو لازمٌ على ذلك التقدير. وإن كانا ماضيين ظهر الفسادُ من جهة أنَّ هذا الرسولَ الذي أوجب الله تعالى عليهم الإيمان به ونصرته لم يَجِئ إذ ذاك. وإن كان الفعل الأول ماضياً والثاني مستقبلاً، جاء عدمُ التناسُبِ بين المعطوفَيْنِ وهما ماضيان لفظاً، وفيه نوعُ بُعْدٍ. ولعلَّ المجُيبَ يختار هذا الشقَّ، ويتحمَّل هذا البعدَ؛ لِمَا أنَّ (ثُم)) مع كونه لا يُعبأ بمثله لضَعْفِه تهون أمره. وجوَّز أبو البقاء على ذلك التقدير(٣) كونَ الخبر ((من كتاب))، أي: الذي آتيتكُمُوه من الكتاب، وجَعَل النكرة هنا كالمعرفة، وسوَّغْ كونَ العائد على الموصول من المعطوف محذوفاً، أي: جاءكم به، مع عَدَم تحقَّقِ شروطِ حذفِ مثلٍ هذا الضمير عند الجمهور، بل مع خللٍ في المعنى؛ لأنَّ المُؤتَى كتابُ كلِّ نبيٍّ في زمانٍ بعثته وشريعته، والجائي به الرسولُ هو القرآنُ - بحَسَب الظاهر - لا کتابُ کل نبيٍّ، وعَودُ الضمير المقدَّرِ يستدعي ذلك، وعلى تقديرِ التزامِ كونِ المُؤْتَى القرآن أيضاً - كما يقتضيه حَمْلُ الفعلين على الاستقبال - يَرِدُ أنه لا معنى لمجيء الرسول إليهم بالقرآن بعد إيتائهم القرآن بمهلة، والعطفُ بـ (ثُم)) كالنصِّ بهذا المعنى، وعلى تقديرٍ التزامِ كونِ الجائي به الرسولُ هو كتابُ كلِّ نبيَّ بنوع من التكلُّف، يكون وصفُ الرسول بكونه مصدِّقاً لِمَا معكم كالمستغنَى عنه، فتدبر. (١) ٢٦٥/١. (٢) في (م): آتيناكم. (٣) يعني على تقدير ((ما)) موصولة. وموضعها رفع بالابتداء، واللام لام الابتداء.