النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
التفسير الإشاري (٥٢-٦٣)
ومَن قال: إنه رُفِع إلى السماء الدنيا بيَّن الحكمة: بأنَّ إِفاضة روحه كانت
بواسطة جبريل عليه السلام وهو عبارةٌ عن روحانية فلّك القمر، وبأنَّ القمر في
السماء الدنيا، وهو آيَةٌ ليليةٌ تناسب علْمَ الباطن الذي أُوتيه المسيحُ عليه السلام.
ولم يُعتبر الصوفيةُ قدَّس اللهُ تعالى أسرارهم القول بأنه يَدور حوْلَ العرش؛ لأنَّ
ذلك مقامُ النهاية في الكمال، ولهذا لم يعرج إليه سوى صاحب المقام المحمود ◌َا
الجامعُ بين الظاهر والباطن.
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلٍ ءَادٌَ﴾ في أنَّ كلّ منهما خارقٌ للعادةِ خارجٌ عن
دائرتها، وإن افترَقا في أنَّ عيسى عليه الصلاة والسلام بلا ذَكّرٍ، بل من نطفةٍ أنثى
فقط، كان في بعضها قوَّةُ العقدِ وفي البعض الآخر قوَّة الانعقاد، كسائر النُّطف
المرّبة من مَّنِيَّين في أحدهما القوةُ العاقِدة وفي الآخر المُنْعَقِّدة، وأنَّ آدم عليه
الصلاة والسلام بلا ذكّرَ ولا أنثى، ﴿خَلَتَهُ مِن تُرَابٍ﴾ أي: صوَّر قالَبه من ذلك
﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إشارة إلى نفخ الروح فيه، وكونه من عالم الأمر، نظراً إلى
روحه المقدّسة التي لم تَرْتکِض في رَچِم.
﴿وَمَنْ حَلَ فِيهِ﴾ أي: الحقِّ، أو في عيسى عليه السَّلام بالحُجَج الباطلة ﴿فَقُلْ
تَعَالَزًا﴾ إلخ، أي: فادعُه إلى المباهلة بالهيئة المذكورة.
قال بعض العارفين: اعلم أنَّ لمباهلة الأنبياء عليهم السلام تأثيراً عظيماً سببُه
اتصالُ نفوسهم بروح القدس، وتأييدُ الله تعالى إياهم به، وهو المؤثّر بإذن الله تعالی
في العالم العنصري، فیکون انفعالُ العالم العنصري منه كانفعال أبداننا من روحنا
بالعَوّارض الواردة عليه، كالغضب والخوف والفكر في أحوال المعشوق وغير
ذلك، وانفعالُ النفوس البشرية منه كانفعال حواسِنا وسائر قوانا من عوارض
أرواحنا، فإذا اتَّصل نفسٌ قدسيَّ به، أو ببعض أرواح الأجرام السماوية والنفوس
الملكوتية، كان تأثيرها في العالم عند التوجُّه الاتصاليّ تأثيرَ ما يَّصل به، فينفعل
أجرامُ العناصر والنفوسُ الناقصة الإنسانية منه بما أراد حسب ذلك الاتصال؛ ولذا
انفَعَلت نفوسُ النصارى من نفْسه عليه الصلاة والسلام بالخوف، وأحْجَمَت عن
المباهلة وطلّبت المُؤَادعة بقبول الجزية. انتهى.
وادَّعى بعضُهم أنَّ لكلِّ نفس تأثيراً، لكنه يختلف حَسْبَ اختلاف مراتبٍ
سُورَةُ الْعَمْرَانَ
٢٦٢
الآية : ٦٤
النفوس، وتفاوت مراتب التوجّهات إلى عالم التجرُّد. وفيه كلامٌ طويل، ولعلَّ
الثَّوبة تُفضي إلى تحقيقه. وهذا وتطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفُس ظاهرٌ لمَن
أحاط خُبْراً بما قدمناه في الآيات الأُوَل، والله تعالى الموفِّقُ.
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ نزلت في وفد نصارى نجْران؛ قاله السُّدِّيُّ والحسن وابن
زيد ومحمد بن جعفر بن الزبير. وروي عن قتادة والربيع وابن جُرَيج: أنها نزلت في
يهودِ المدينة. وذهب أبو عليٍّ الجبائيُّ(١) أنها نزلت في الفريقين من أهل الكتاب،
واستظهره بعضُ المحقّقين لعمومه.
﴿َتَعَالَوْ﴾ أي: هَلُمُّوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ أي: كلام، كما قال الزَّجَّاج(٢)، وإطلاقُها
على ذلك في كلامهم من باب المَجاز المُرسَل، وعلاقتُه تُجوِّز إطلاقَها على المركّب
الناقص، إلا أنَّه لم يوجد بالاستقراء. وقيل: إنه من باب الاستعارة، وليس بالبعيد.
وقرئ: ((كِلْمة) بكَسْرِ الكاف وإسكان اللام على التخفيف والنقل (٣).
﴿سَوَآَ﴾ أي: عَدْلٍ؛ قاله ابنُ عباس والربيع وقتادة. وقيل: إنَّ (سواء)) مصدرٌ
بمعنى مستوية، أي: لا يختلف فيها التوراةُ والإنجيل والقرآن، أو: لا اختلافَ فيها
بكلِّ الشرائع. وهو في قراءة الجمهور مجرورٌ على أنه نعت لـ ((كلمة))، وقرئ بنصبه
على المصدر(٤).
﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ﴾ متعلِّق بـ ((سواء)» ﴿أَلَّ نَعْبُدَ﴾ أي: نحن وأنتم ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بأن
نوحِّده بالعبادة ونُخْلِصَ فيها. وفي موضع ((أن)) وما بعدها وجهان ــ كما قال
أبو البقاء(٥) - الأول: الجرُّ على البدلية من ((كلمة))، والثاني: الرفع على الخبر
المحذوف، أي: هي أنْ لا نعبد إلا الله، ولولا عملُ ((أنْ)) لجاز أن تكون تفسيرية.
(١) كما في مجمع البيان ١٠٥/٣ .
(٢) في معاني القرآن ٤٢٤/١.
(٣) القراءات الشاذة ص٢١، والبحر ٢/ ٤٨٢ عن أبي السَّمال، وذكر عنه أبو حيان أيضاً:
((كَلْمة)) كضَرْبة.
(٤) القراءات الشاذة ص٢١ عن الحسن.
(٥) في الإملاء ٢/ ٨٠-٨١.
الآية : ٦٤
٢٦٣
سُورَةُ العَتْرَانَ
وقيل: إنَّ الكلام تمَّ على ((سواء))، ثم استؤنف فقيل: بيننا وبينكم أن لا نعبد،
فالظرف خبرٌ مقدَّمٌ، و((أن)) وما بعدها مبتدأ مؤخّر.
﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا﴾ من الأشياء، على معنى: لا نَجعل غيرَه شريكاً له في
استحقاق العبادة، ولا نَرَاه أهلاً لأن يُعبد، وبهذا المعنى يكون الكلام تأسيساً،
والظاهر أنه تأكيدٌ لِمَا قبلَه، إلا أنَّ التأسيس أكثرُ فائدة.
وقيل: المراد: ولا نشرك به شيئاً من الشّرك. وهو بعيد جدًّا.
﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَا أَرْبَابًا مِن دُونِ اَلَّهِ﴾ أي: لا يُطيع بعضُنا بعضاً في
معصية الله تعالى؛ قاله ابن جريج. ويؤيِّده ما أخرجه الترمذيُّ وحَسَّنَهُ من حديث
عديٌّ بن حاتم أنَّه لمّا نزلت هذه الآية قال (١): ما كُنَّا نَعبدهم يا رسول الله!
فقال ◌َله: ((أما كانوا يُحَلِّلون لكم ويحرِّمون فتأخذون بقولهم؟)) قال: نعم. فقال
عليه الصلاة والسلام: ((هو ذاك)). قيل: وإلى هذا أشار سبحانه بقوله عزَّ مِن قائل:
﴿أَّخَذُوَأْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَنَهُمْ أَزْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
وعن عكرمة: أنَّ هذا الاتِّخاذ هو سجود بعضِهم لبعض.
وقيل: هو مِثْلُ اعتقاد اليهود في عُزير أنه ابن الله، واعتقادِ النصارى في المسيح
نحوَ ذلك.
وضمير (نا)» على كلِّ تقدير للناس، لا للمُمْكن - وإن أمكن - حتى يشمل
الأصنام؛ لأنَّ أهل الكتاب لم يَعبدوها .
وفي التعبير بالبعض نكتةٌ، وهي الإشارة إلى أنهم بعضٌ من جِنْسِنا، فكيف
یکونون أرباباً؟ !.
فإن قلت: إنَّ المخاطَبين لم يَتَّخذوا البعضَ أرباباً من دون الله، بل اتّخذوهم
آلهةً معه سبحانه؟
(١) كذا ذكر المصنف، والذي في سنن الترمذي (٣٠٩٥) - والخبر فيه بنحوه - أن هذا كان لما
سمع عدي بنُ حاتم رسولَ الله وَّهَ يقرأ قوله تعالى: ﴿أَّخَذُوَا أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن
دُونِ اللَّهِ﴾.
أما قول المصنف بأن الترمذي حسنه فلعله تبع فيه الشهاب في حاشيته على البيضاوي
٣٣/٣، والصواب أن الترمذي لم يحسنه، وإنما قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من
حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.
٢٦٤
الآية : ٦٥
أجيب: بأنه أريد: من دون الله وحده، أو يقال: بأنه أتى بذلك للتنبيه على أن
الشِّرك لا يجامع الاعترافَ بربوبيته تعالى عقلاً؛ قاله بعضهم.
وللنصارى - سؤَّد اللهُ تعالى حفّهم - الحظّ الأوفر من هذه المنهيَّات، وسيأتي
إن شاء الله تعالى بيانُ فرَقِهم وتفصيل كفرِهم على أتمّ وجه(١).
﴿وَإِن تَوَّلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ المراد: فإن تولَّوْا عن مُوافَقَتِكم
فيما ذُكِر ممَّا اتَّفق عليه الكتبُ والرسلُ بعد عرضه عليهم، فاعلموا أنهم لزمتهم
الحَجَّةُ، وإنَّما أبوا عِناداً، فقولوا لهم: أَنْصِفُوا واعترفوا وأقرُّوا بأنَّا على الدِّين
الحقِّ. وهو تعجيزٌ لهم أو هو تعريضٌ بهم؛ لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم
قالوا: إنَّا لسنا كذلك، وإلى هذا ذهب بعضُ المحقّقين.
وقيل: المراد: فإن تولَّوا فقولوا: إنَّا لا نَتَحاشى عن الإسلام، ولا نُبالي بأحدٍ
في هذا الأمر، فاشهدوا بأنَّا مسلمون، فإنَّا لا نُخفي إسلامنا كما أنَّكم تخافون
وتُخفون كُفْرَكم ولا تعترفون به؛ لعدم وُثُوقِكم بنصر الله تعالى. ولا يخفى أنَّ هذا
على ما فيه إنَّما يَحْسُنُ لو كان الكلام في منافقي أهلٍ الكتاب؛ لأنَّ المنافقين هم
الذين يَخافون فيُخفون، وأمَّا هؤلاء فهم معترفون بما هم عليه كيف كان، فلا يحسن
هذا الكلامُ فيهم.
و «تولَّوا)» هنا ماضٍ، ولا يجوز أن يكون التقدير: تتولوا؛ لفساد المعنى؛ لأنَّ
(فقولوا)، خِطابٌ للنبيّ {8 # والمؤمنين، و((تتولوا)) خطابٌ للمشركين، وعند ذلك
لا يبقى في الكلام جواب.
﴿يَأَهْلُ الْكِنَبِ﴾ خطاب لليهود والنصارى. ﴿لِمَّ تُحَتَجُّونَ فِيَ إَِّهِيمَ﴾ أي:
تُنازِعون وتُجادلون فيه، ويدَّعي كلٍّ منكم أنه عليه السَّلام كان على دينه؛ أخرج ابنُ
إسحاق وابن جرير عن ابن عباس * قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبارُ يهود
عند رسول الله *، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلَّا يهوديًّا.
وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلَّا نصرانيًّا. فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (٢).
(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَّا تَقُولُوا قَلَكَةٌ﴾ [النساء: ١٧١].
(٢) سيرة ابن هشام ٥٥٣/١، وتفسير الطبري ٥/ ٤٨١.
الآية : ٦٥
٢٦٥
سُورَةُ العمران
والظرفُ الأول متعلَّقٌ بما بعده، وكذا الثاني، و ((ما)) استفهامية، والغرض
الإنكار والتعجّبُ عند السمين(١)، وحذفت ألفُها لمَّا دخل الجارُّ، للفَرْق بينها وبين
الموصولة. والكلام على حذف مضافٍ، أي: [في] دِين إبراهيم، أو شريعته؛ لأنَّ
الذوات لا مجادلة فيها .
﴿وَمَآ أَنْزِلَتِ التَّوْرَدُ﴾ على موسى عليه السلام ﴿وَ الْإِنجِيلُ﴾ على عيسى عليه
السلام ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِوَةٌ﴾ حيث كان بينه وبين موسى عليهما السَّلام خمسُ مئةٍ وخمسٌ
وستون سنة. وقيل: سبعُ مئة. وقيل: ألف سنة. وبين موسى وعيسى عليهما السلام
ألفٌ وتسعُ مئةٍ وخمسٌ وعشرون سنة، وقيل: ألفا سنةٍ، وهناك أقوال أُخَر.
﴿َثَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ الهمزةُ داخلةٌ على مقدَّر، هو المعطوف عليه بالعاطف
المذكور على رأي، أي: ألا تَتَفكّرون فلا تعقلون بطلانَ قولِكم. أو: أَتقولون ذلك
فلا تعقلون بُظْلانَّه. وهذا تجهيلٌ لهم في تلك الدعوى وتَحْمِيق، وهو ظاهرٌ إن
كانوا قد ادَّعوا - كما قال الشهاب(٢) - أنه عليه السَّلام منهم حقيقة، وإن كان
مدَّعاهم أنَّ دِين إبراهيم يوافق دين موسى أو دين عيسى، فهو يهوديٍّ أو نصراني
بهذا المعنى، فتجهيلُهم ونفيُّ العقل عنهم بنزول التوراة والإنجيل بعدَه مُشْكِلٌ،
إلا أنْ يُدَّعى بأنَّ المراد: أنه لو كان الأمر كذلك لَّمَا أوتي موسى عليه السلام
التوراةً ولا عيسى عليه السلام الإنجيل، بل كانا يُؤمران بتبليغ صُحُف إبراهيم؛ كذا
قيل.
وأنت تعلم أنَّ هذا لا يَشفي الغليلَ؛ إذ لقائلٍ أن يقول: أيُّ مانع من اتّحاد
الشريعة مع إنزال هذَّيْن الكتابين لغرَضٍ آخرَ غيرٍ بيانٍ شريعةٍ جديدةٍ ؟ على أنّ
الصحف لم تكن مشتملةً على الأحكام، بل كانت أمثالاً ومواعظ كما جاء في
الحديث(٣). ثم ما قاله الشهاب وإنْ كان وجهُ التجهيل عليه ظاهراً، إلا أنَّ صدور
تلك الدَّعوى من أهل الكتاب في غاية البُعد؛ لأنَّ القوم لم يكونوا بهذه المثابة من
الجَهَالة، وفيهم أحبار اليهود ووفدُ نجران، وقد ذُكِرِ أنَّ الأخيرَيْن كانت لهم شدَّة
(١) في الدر المصون ٢٣٥/٣، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) في الحاشية ٣٤/٣.
(٣) أخرجه مطولاً ابن حبان (٣٦١) من حديث أبي ذر ت ◌ُله.
سُؤَدَقُ الغَنْرَان
٢٦٦
الآية : ٦٦
في البحث؛ فقد أخرج ابن جرير عن عبد الله بن الحارث الزبيدي أنه قال: سمعتُ
النبيَّ ◌َّه يقول: ((ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً، فلا أراهم ولا يَرَوْني)) من
شدَّة ما كانوا يُمارون النبيَّ ◌َ(١).
اللهمَّ إلَّا أن يقال: إنَّ الله تعالى أعمَى بصائرهم في هذه الدعوى ليكونوا
ضحكةً لأطفال المؤمنين. أو: إنهم قالوا ذلك على سبيل التعنُّت والعناد؛ ليَغيِظَ
كلٌّ منهم صاحبَه، أو ليُوهموا بعض المؤمنين ظنًّا منهم أنهم - لكونهم أُمِّين غير
مطّلعين على تواريخ الأنبياء السالِفِين - يزلزلهم مثلُ ذلك، ففضَحهم اللهُ تعالى، أو
أنَّ القوم في حدٍّ ذاتهم جَهَلَةٌ لا يعلمون وإن كانوا أهل كتاب، وما ذَكَرِه ابن
الحارث لا يدلُّ على عِلْمهم كما لا يخفى.
وقيل: إنَّ مراد اليهود بقولهم: إنَّ إبراهيم عليه السلام كان يهوديًّا، أنَّه كان
مؤمناً بموسى عليه السلام قبل بعثته على حدِّ ما يقوله المسلمون في سائر المرسَلين
عليهم الصلاة والسلام، من أنهم كانوا مؤمنين بنبيِّنَا وََّ قبلَ بعثته، كما يدلُّ عليه
تبشيرهم به، وأنَّ مراد النصارى بقولهم: إنَّ إبراهيم كان نصرانياً نحو ذلك، فردَّ اللهُ
تعالى ذلك(٢) عليهم بقوله سبحانه: (وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّ مِنْ بَعْدِيَةٌ) أي:
ومن شأن المتأخّر أن يشتمل على أخبار المتقدِّم، لاسيما مثل هذا الأمر المهم،
والمَفْخَر العظيم، والمنَّةِ الكبرى. (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) ما فيهما؛ لتعلَموا خلوَّهما عن
الإخبار بيهوديَّته ونصرانيّته اللَثين زعمتموهما .
ثم نَبَّه سبحانه على حماقتهم بقوله جلَّ وعلا: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلاءٍ﴾ أي: أنتم هؤلاء
الحمقى ﴿حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ، عِلَّمٌ﴾ كأمْرٍ موسى وعيسى عليهما السلام ﴿فَلِمَ
تُعَلْجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ، عِلْمٌ﴾ وهو أمرإبراهيم عليه السَّلام، حيث لا ذِكْرَ لدينه في
كتابكم، أو لا تعرُّض لكونه آمنَ بموسى وعيسى قبل بعثتيهما أصلاً، وليس المراد
وصفَهم بالعلم حقيقة، وإنَّما المراد: هَبْ أنكم تحاجُّون فيما تدَّعون عِلْمه على
ما يَلوح لكم من خلال عبارات كتابكم وإشاراته في زغْمِكم، فكيف تحاجُون
فيما لا عِلْمَ لكم به ولا ذِكْرَ ولا رمزَ له في كتابكم البتة؟!
(١) تفسير الطبري ٤٦٦/٥، وهو في مسند البزار (٣٧٨٦)، وفي إسناده ابن لهيعة.
(٢) قوله: ذلك، ليس في (م).
الآية : ٦٦
٢٦٧
سُؤَدَقُ آلْ عَشْرَانَ
و(ها)) حرفُ تنبيه، واظّرد دخولها على المبتدأ إذا كان خبرُه اسم إشارة، نحو:
ها أنا ذا، وكَرِّرت هنا للتأكید.
وذهب الأخفش أنَّ الأصل: أأنتم، على الاستفهام فقُلبت الهمزة هاءً، ومعنى
الاستفهام عنده التعجّبُ من جَهالتهم. وتعقَّبه أبو حيان: بأنَّه لا يَحسُن ذلك؛ لأنه
لم يُسمع إبدال همزة الاستفهام هاءً في كلامهم إلا في بيت نادر(١). ثم الفصلُ بين
الهاء المُبْدَلةِ وهمزةٍ ((أنتم)) لا يناسب؛ لأنَّه إنَّما يُفصل لاستثقال اجتماع الهمزتين،
وهنا قد زال الاستثقال بإبدال الأولى هاءً.
والإشارة للتحقير والتنقيص، ومنها فُهم الوصف الذي يَظهر به فائدةُ الحَمْل.
وجملة ((حاججتم)) مستأنفةٌ مبيّنة للأولى(٢).
وقيل: إنها حاليَّةٌ؛ بدليل أنه يقع الحال موقعها كثيراً، نحو: ها أناذا قائماً،
وهذه الحال لازمة.
وقيل: إنَّ الجملة خبر عن ((أنتم))، و((هؤلاء)) منادى حُذف منه حرف النداء.
وقيل: ((هؤلاء)) بمعنى الذين خبر المبتدأ، وجملة ((حاججتم)) صلته، وإليه
ذهب الكوفيون، وقرَّاؤهم يقرؤون: ((ها أنتم)) بالمد والهمز، وقرأ أهل المدينة
وأبو عمرو بغير همزٍ ولا مدٍّ إلا بقَدْرٍ خروج الألف الساكن، وقرأ ابن كثير ويعقوب
بالهمز والقصر بغير مدٍّ، وقرأ ابن عامر بالمدِّ دون الهمز(٣).
ذلك. ولك
﴿وَللَّهُ يَعْلَمُ﴾ حالَ إبراهيم وما كان عليه. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
أن تعتبر المفعولَ عامًّا، ويدخل المذكور فيه دخولاً أوَّليًّا .
والجملة تأكيدٌ لنفي العلم عنهم في شأن إبراهيم عليه السَّلام، ثم صرَّح بما نطقَ
به البرهانُ المقرّر، فقال سبحانه:
(١) وهو قول الشاعر:
وأتى صواحبها فقلن هذا الذي منح المودة غيرنا وجفانا
يريد: أذا الذي. ينظر البحر ٤٨٦/٢، والمغني ص ٤٥٥، والدر المصون ٢٣٧/٣، وشرح
المفصل ١٠/ ٤٢.
(٢) والتقدير: أنتم هؤلاء الأشخاصُ الحمقى، وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم حاججتم ... ،
وعلى هذا الوجه يكون: ((أنتم)) مبتدأ، و((هؤلاء)» خبره. الدر المصون ٢٤٠/٣.
(٣) تفسير الرازي ٧٤/٨ دون ذكر يعقوب، وفي نسبة بعض هذه القراءات خلاف عما في النشر
٤٠٠/١.
٢٦٨
الآية : ٦٧
﴿مَا كَانَ إِنَّهِمُ يَهُودِنًا﴾ كما قالت اليهود﴿وَلَا نَصْرَائِبًا﴾ كما قالت النصارى،
﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا﴾ أي: مائلاً عن العقائد الزائغة، ﴿مُسْلِمًا﴾ أي: مُنْقاداً لطاعة
الحقِّ، أو موحّداً؛ لأنَّ الإسلام يَرِدُ بمعنى التوحيد أيضاً، قيل: وينصره قوله
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ أي: عَبَدة الأصنام، كالعرب الذين كانوا
يَدَّعون أنهم على دينه، أو سائرٍ المشركين ليعمَّ أيضاً عبدةَ النار كالمجوس، وعبدةً
الكواكب كالصابئة. وقيل: أراد بهم اليهود والنصارى؛ لقول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ أَبْنُ
اللَّهِ﴾ وقول النصارى: ﴿اٌلْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] تعالى الله عن ذلك علوًّا
كبيراً. وأصل الكلام: وما كان منكم، إلا أنه وضَع المُظْهَرَ موضعَ المُضمّرٍ
للتعريض بأنهم مشركون، والجملةُ حينئذٍ تأكيدٌ لِما قبلها .
وتفسيرُ الإسلام بما ذُكِر هو ما اختاره جميٌ من المحقّقين، واذَّعوا أنه لا يصحُ
تفسيره هنا بالدين المحمَّدي؛ لأنه یَرِد علیه أنه کان بعدہ بکثیر، فکیف یکون
مسلماً؟ فيكون كادِّعائهم تهوُّده وتنصُّره المردودَ بقوله سبحانه: ﴿وَمَّاً أَنْزِلَتِ التَّوْرَةُ
وَآلْإِنِيلُ إِلَّ مِنْ بَعدوةٌ﴾ فَيرِد عليه ما وَرَد عليهم، ويشترك الإلزامُ بينهما. وفسَّره
بعضهم بذلك، وأجاب عن اشتراك الإلزام بأنَّ القرآن أخبرَ بأنَّ إبراهيم كان مسلماً،
وليس في التوراة والإنجيل أنه عليه الصلاة والسلام كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، فظهر
الفرْقُ.
وقال العلامة النَّيْسابوريُّ(١): فإن قيل: قولُكم: إنَّ إبراهيم عليه السلام على
دين الإسلام، إنْ أردتُم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصًّا بدين الإسلام،
وإن أردتم في الفروع لزِم أن لا يكون نبيُّنَا وَ﴿ صاحبَ شريعة بل مقرّرٌ لشّرْع مَن
قبله، قيل: يُختار الأول والاختصاصُ ثابتٌ؛ لأنَّ اليهود والنصارى مخالِفون
للأصول في زماننا؛ لقولهم بالتثليث وإشراكٍ عزير عليه السلام، إلى غير ذلك. أو
الثاني ولا يلزم ما ذُكر؛ لجواز أنه تعالى نّسَخ تلك الفروعَ بشرعٍ موسى عليه
السلام، ثم نَسَخ نبيُّنَا وَإِ شرعً موسى بشريعته التي هي موافقةٌ لشريعة إبراهيم
صلواتُ الله تعالى وسلامه عليه، فيكون عليه الصلاةُ والسلام صاحبَ شريعةٍ، مع
موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع. انتهى.
(١) في غرائب القرآن ٢١٧/٣.
الآية : ٦٧
٢٦٩
ولا يخفى ما في الجواب على الاختيار الثاني مِن مزيد البُعد، بل عدم
الصحّة؛ لأنَّ نسْخَ شريعةٍ إبراهيم بشريعة موسى، ثم نسخَ شريعة موسى بشريعة نبيِّئاً
عليهم الصلاة والسلام الموافقةِ لشريعة إبراهيم، لا يجعَل نبيَّنا صاحب شريعة
جديدة، بل يقال له أيضاً: إنه مقرِّرٌ لشرعٍ مَن قبلَه وهو إبراهيم عليه السلام، وأيضاً
موافقةُ جميع فروع شريعتنا لجميع فروع شريعة إبراهيم ممَّا لا يمكن بوجوٍ أصلاً؛ إذ
من جملة فروع شريعتنا فرضيةٌ قراءة القرآن في الصلاة، ولم ينزل على غير نبيّنا ##
بالبدیھة، ونحو ذلك کثیر.
وموافقة المُعَم في حيِّز المنع، ودون إثباتها الشُّمُّ الرَّاسيات، وقوله تعالى:
﴿أَنِ أَتَّعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمٌ﴾ [النحل: ١٢٣] ليس بالدليل على الموافقة في الفروع؛ إذ الملّة
فيه عبارة عن التوحيد، أو عنه وعن الأخلاق، كالهدى في قوله تعالى: ﴿أُوْلَهَ
الَّذِينَ هَدَى اَللَّهٌ فَيْهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠].
واعترَض الشهاب(١) على الجواب على الاختيار الأول بالبُعد، كاعتراضه على
الجواب على الاختيار الثاني بمجرَّده أيضاً، وذكر أنَّ ذلك سببُ عدولٍ بعض
المحقّقين عمَّا يقتضيه كلامُ هذا العلّامة، من أنَّ المراد بكون إبراهيم ((مسلماً)» أنه
على ملَّة الإسلام، إلى أنَّ المراد بذلك أنَّه مُنْقَادٌ بحَمْلِ الإسلام على المعنى
اللغوي، وادَّعى أنه سالمٌ من القدح.
ونُظِر فيه: بأنَّ أَخِذَ الإسلام لغويًّا لا يناسب بحثَ الأدیان والكلامَ فیه،
فلا يخلو هذا الوجهُ عن بعد، ولعلَّه لا يقصر عمَّا إذَّعاه من بُعدِ الجواب الأول،
كما لا يخفى على صاحب الذوق السليم.
هذا وفي الآية وجهٌ آخر - ولعلَّه يخرج من بين فَرْثٍ ودّم - وهو أنَّ أهل الكتاب
لمَّا تنازعوا؛ فقالت اليهود: إبراهيم منَّ، وقالت النصارى: إنّه منَّا، أرادت كلُّ طائفةٍ
أنه عليه السلام كان إذ ذاك على ما هم عليه الآن من الحال، وهو حالٌ مخالفٌ لِمًا
عليه نبيُّهم في نفس الأمر، موافقٌ له زعماً على معنى موافقة الأصول للأصول، أو
الموافقة فيما يُعدُّ في العُرْف موافقةً ولو لم تكن في المعظم، وليست هذه الدَّعوى من
(١) في الحاشية ٣٥/٣.
سُورَةُ العَقْرَانَ
٢٧٠
الآية : ٦٨
البطلان بحيث لا تخفى على أحدٍ، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: (وَمَا أُنزِلَتِ
التَّوْرَةُ وَالْإِنِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِيِةٌ) أي: وليسا مشتمِلَيْن على ذلك، وهو من الحَرِيِّ بالذِّكر
لو كان، ثم أشار سبحانه إلى ما هم عليه من الحَمَاقة على وجهٍ أتمَّ، ثم صرَّح سبحانه
بما أشار أولاً فقال: (مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُودِيًّا) أي: من الطائفة اليهودية المخالفة لِما جاء
به موسى عليه السلام في نفس الأمر، (وَلَا نَصْرَانِيًّا) أي: من الطائفة النصرانية
المخالفة لِمَا جاء به عيسى عليه السلام كذلك، (وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) أي: على
دين الإسلام الذي ليس عند الله دِينٌ مرضيٍّ سواه، وهو دين جميع الأنبياء صلوات الله
تعالى وسلامه عليهم، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ أولئك اليهود والنصارى ليسوا من
الدِّين في شيء؛ لمخالفتهم في نفس الأمر لِمَا عليه النبيَّان بل الأنبياء، ثم أشار إلى
سبب ذلك بما عرَّض به من قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). فعلى هذا يكون
المسلم - كما قال الجصاص(١)، وأشرنا إليه فيما مرَّ مراراً -: المؤمنَ ولو من غير هذه
الأمَّة، خلافاً للسيوطي في زعمه أنَّ الإسلام مخصوصٌ بهذه الأمة(٢). هذا ما عندي
في هذا المقام، فتدبَّر فلمَسْلَك الذِّهن اتِّساع.
﴿إِنّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِهِيمَ﴾ ((أولى)): أفعلُ تفضيلٍ من: وَلِيَه يَلِيْه وَلْياً، وألفُه
منقلبةٌ عن ياء؛ لأنَّ فاءه واوٌ فلا تكون لامُه واواً؛ إذ ليس في الكلام ما فاؤه ولامُه
واوان إلا واو (٣). وأصلُ معناه: أقرب، ومنه ما في الحديث: ((لأَوْلَى رَجُلٍ
ذَكَر )) (٤). ويكون بمعنى: أَحَقَّ، كما تقول: العالِمُ أَولى بالتقديم، وهو المراد هنا،
أي: أقربُ الناس وأخصُّهم بإبراهيم ﴿لَلَِّينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أي: كانوا على شريعته في
زمانه، أو اتّبعوه مطلقاً، فالعطف في قوله سبحانه: ﴿وَهَذَا النَِّئُ﴾ من عَظْفٍ
الخاصِّ على العام، وهو معطوفٌ على الموصول قبله الذي هو خبرُ ((إنَّ».
(١) في أحكام القرآن ١٦/٢ .
(٢) في رسالة له بعنوان: إتمام النعمة في اختصاص الإسلام بهذه الأمة. وهي في كتاب
الحاوي للفتاوى ص٢١٣ وما بعدها .
(٣) يعني اسمَ حرف التهجي، أو اسمَ حرف المعنى كواو النسق. ينظر الإملاء ٨٣/٢، والدر
المصون ٢٤٣/٣.
(٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٦٥٧)، والبخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥) عن ابن
عباس ﴿يَا، وتمامه: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو الأولى رجل ذكر)).
الآية : ٦٨
٢٧١
سُورَةُ آلِ عُمَانَ
وقرئ بالنصب عطفاً على الضمير المفعول، والتقدير: لَلَّذين اتبعوا إبراهيم
واتَّبعو هذا النبيَّ. وقرئ بالجر عطفاً على إبراهيم(١)، أي: إنَّ أولى الناس بإبراهيمَ
وهذا النبيِّ لَلَّذين اتَّبعوه، واعتُرض بأنه كان ينبغي أن يُثَنَّى ضمير («اتَّبعوه)) ويقال:
اتّبعوهما. وأجيب بأنه من باب: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوءُ﴾ [التوبة: ٦٢] إلَّا أنَّ
فيه - على ما قيل - الفصلَ بين العامل والمعمول بأجنبيٍّ، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ
ءَامَنُوا) إن كان عطفاً على ((الذين اتَّبعوه)) يكون فيه ذلك أيضاً، وإن كان عطفاً على
(هذا النبي)) فلا فائدة فيه، إلّا أن يُدَّعى أنها للتنويه بذكرهم، وأمَّا التزامُ أنه من
عطف الصِّفات بعضِها على بعض حينئذٍ، فهو كما ترى.
ثم إنَّ كون المتَبعين لإبراهيم عليه السلام في زمانه أولى الناسِ به ظاهرٌ، وكون
نبيِّنا وَّرَ أَولاهم به لموافقة شريعته للشريعة الإبراهيمية أكثر من موافقةٍ شرائع سائر
المرسَلين لها، وكون المؤمنين من هذه الأُمة كذلك لتبعيَّتهم نبيّهم فيما جاء به ومنه
الموافق.
﴿وَلَهُ وَبِىُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ ينصرهم ويُجازيهم بالحسنى، كما هو شأن الوَلي،
ولم يقل: وليُّهم؛ تنبيهاً على الوصف الذي يكون اللهُ تعالى به وليًّا لعباده، وهو
الإيمان؛ بناءً على أن التعليق بالمشتقِّ يقتضي عِلِيَّة(٢) مبدأ الاشتقاق.
ومن ذلك يُعلم ثبوتُ الحكم للنبيِّ بدلالة النصِّ، قال ابن عباس طيبًا: قال
رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمتَ أنَّا أَولى بدِين إبراهيم منك ومن غيرك،
وأنه كان يهوديًّا، وما بك إلَّا الحسد، فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية(٣).
وأخرج عبد بن حميد من طريق شَهْر بنٍ حَوْشَب قال: حدَّثني ابن غَثْم(٤): أنَّه
(١) القراءتان في القراءات الشاذة ص٢١.
(٢) في (م): عليه، والمثبت من الأصل، وهو الصواب، وينظر حاشية الشهاب ٣٦/٣.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ١٠٠.
(٤) هو عبد الرحمن بن غنم، كما في أسباب النزول للواحدي ص ١٠٠، وقد نقله المصنف عن
الدر المنثور ٤١/٢-٤٢، وله شاهد من حديث أم سلمة ﴿ا أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة
ابن هشام ٣٣٤/١، وأحمد (١٧٤٠)، وآخر من حديث ابن مسعود عند أحمد (٤٤٠٠)،
وثالث من حديث أبي موسى في طبقات ابن سعد ١٠٦/٤، ومسند عبد بن حميد (٥٥٠)،
وأخرجه أبو داود (٣٢٠٥) مختصراً، ورابع من حديث جعفر عند الطبراني في الكبير (١٤٧٨).
سُولُ الطيران
٢٧٢
الآية : ٦٨
لمَّا خرَج أصحابُ النبيِّ ﴾ إلى النَّجاشيِّ أدرَكهم عمرو بنُ العاص وعمارة بنُّ
أبي معيط (١)، فأرادوا عَنّتَهم والبغيّ عليهم، فقدموا على النَّجاشيّ وأخبروه أنَّ
هؤلاء الرَّهْط الذين قدموا عليك من أهل مكة يريدون أن يحيلوا(٢) عليك ملكك،
ويُفسدوا عليك أرضَك، ويَشتموا ربَّك. فأرسَل إليهم النجاشيُّ، فلمَّا أن أتوه قال:
ألا تسمعون ما يقول صاحباكم هذان - لعمرو بن العاص وعمارة بن أبي مُعَيْط -
يَزعمان أنَّما جئتم لتحيلوا عليَّ ملكي، وتُفسدوا عليَّ أرضي؟ فقال عثمان بن
مظعون وحمزة: إن شئتم خَلُّوا بين أحدنا وبين النجاشيّ فليكلِّمه أيُّنا أحدثكم
سِنًا(٣)، فإن كان صواباً فالله يأتي به، وإن كان أمراً غير ذلك قلتم: رجل شابٌّ،
لكم في ذلك عذرٌ، فجمع النجاشيّ قسِّيسيه ورهبانيته وتراجمته، ثم سألهم:
أرأيتكم صاحبكم هذا الذي من عنده جئتم، ما يقول لكم، وما يأمركم به،
وما ينهاكم عنه، هل له كتاب يقرؤه؟ قالوا: نعم، هذا الرجل يقرأ ما أنزل الله
تعالى عليه وما قد سمع منه، ويأمر بالمعروف، ويأمر بحُسن المجاورة، ويأمر
باليتيم، ويأمر بأن يُعبد الله وحدّه، ولا يُعبد معه إلهٌ آخر، فقرأ عليه سورة الروم
والعنكبوت، وأصحاب الكهف ومريم، فلمَّا أنْ ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن
يُغضبه عليهم، قال: واللهِ إنهم يَشتمون عيسى ويَسبُّونه. قال النجاشي: ما يقول
صاحبُكم في عيسى؟ قال: يقول: إنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه وروحه، وكلمتُه ألقاها
إلى مريم، فأخذ النجاشيُّ نفئةً من سواكه قَدْرَ ما يقدي العين، فَحلف: ما زاد
المسيحُ على ما يقول صاحبكم بما يَزِن ذلك القذى في يده من نّفْثوِ سواكه، فأبشِروا
(١) كذا في الدر المنثور وأسباب النزول، والصواب أنه عمارة بن الوليد أو عبد الله بن
أبي ربيعة؛ قال ابن كثير في البداية والنهاية ١٨٨/٤-١٨٩: والذي وقع في سياق ابن
إسحاق أنهما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة والذي ذكره موسى بن عقبة والأموي
وغير واحد أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة ... وقد قيل: إن قريشاً
بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين؛ الأولى مع عمرو بن العاص وعمارة والثانية
مع عمرو وعبد الله بن أبي ربيعة.
(٢) وقع في الدر المنثور: يخبلوا، وكذا في الموضع الثاني: لتخبلوا.
(٣) في الدر المنثور: فلنكلمه فأنا أحدثكم سنًّا، وذكر حمزة له في هذا الموضع وهم؛
فحمزة ، لم يكن فيمن هاجر إلى الحبشة، والذي في الروايات السابقة أن الذي تكلم
عند النجاشي هو جعفر له. وينظر البداية والنهاية ١٦٥/٤ وما بعدها.
الآية : ٦٩
٢٧٣
سُوَلَةُ الْعَنْرَانَ
ولا تخافوا فلا دهونةً - يعني بلسان الحبشة: اللوم - على حزب إبراهيم. قال
عمرو بن العاص: ما حزبُ إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرَّهْط وصاحبُهم الذي جاؤوا من
عنده، ومّن الَّبعهم. فأنزلت ذلك اليوم في خصومتهم على رسول الله{148 وهو
بالمدينة: ﴿إِنَ أَقْلَ النَّاسِ بِإَِّهِيمٌ﴾ الآية.
﴿وَذَّت ◌ََّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُعِلُوْتُمْ﴾ المشهورُ أنَّها نزلت حين دعا اليهودُ
حذيفة وعمَّاراً ومعاذاً إلى اليهودية، فالمراد بأهل الكتاب اليهود. وقيل: المراد بهم
ما يَشمل الفريقين. والآيةُ بيانٌ لكونهم دعاةً إلى الضلالة إِثْرَ بيانِ أنَّهم ضالّون،
وأخرج ابن المنذر عن سفيان أنه قال: كلُّ شيءٍ في ((آل عمران)» من ذِكْرٍ أهل
الكتاب فهو في النَّصارى(١). ولعلَّه جارٍ مَجْرَى الغالب.
و(من)) للتبعيض، والطائفةُ رؤساؤهم وأحبارهم. وقيل: لبيان الجنس،
والطائفةُ جميعُ أهل الكتاب، وفيه بُعْدٌ. و(لو)) بمعنى أنْ المصدرية، والمُنْسَبك
مفعولُ ((ودَّ))، وجوَّز إقرارُها على وضْعِها، ومفعول ((وَ)) محذوف، وكذا جواب
(لو) والتقدير: ودَّت إضلالَكم ولو يضلونكم لَسُرُّوا بذلك.
ومعنی «یُضِلُّونكم)): یردُّونكم إلی کفركم، قاله ابن عباس. أو يهلكونكم؛ قاله
ابن جَرِيرٍ الطبري (٢). أو يوقعونكم في الضلال، ويُلقون إليكم ما يُشكّكونكم به في
دِینکم؛ قاله أبو علي، وهو قريب من الأول.
﴿وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ﴾ الواو للحال، والمعنى على تقدير إرادة الإهلاك
من الإضلال: أنهم ما يُهلكون إلا أنفسَهم؛ لاستحقاقهم بإيثارهم إهلاكَ المؤمنين
سخطّ اللهِ تعالى وغضبه.
وإن كان المرادُ من الإهلاك الإيقاعَ في الضلال فيحتاج إلى تأويل؛ لأنَّ القوم
ضالُّون، فيؤدّي إلى جَعْلِ الضالُّ ضالًّا، فيقال: إنَّ المراد من الإضلال: ما يَعود
مِن وَبَالِه، إمّا على سبيل المجاز المُرْسَل، أو الاستعارة، أي: ما يتخّاهم
الإضلالُ، ولا يعود وبالُه إلا إليهم؛ لِمّا أنَّهم يضاعف به عذابهم. أو المراد
(١) الدر المنثور ٤٢/٢، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٦٧٦/٢.
(٢) في تفسيره ٤٨٩/٥.
سُورَةُ الْعَنْرَانَ
٢٧٤
الآية : ٧٠
بأنفسهم أمثالُهم المجانِسون لهم، وفيه - على ما قيل - الإخبارُ بالغيب، فهو
استعارةٌ أو تشبيهٌ بتقديرِ: أمثالَ أنفُسِهم؛ إذ لم يتهوَّد مسلمٌ ولله تعالى الحمدُ.
وقيل: إنَّ معنى إضلالِهم أنفسَهم: إصرارُهم على الضلال بما سوَّلت لهم
أنفسهم، مع تمكّنهم من اتِّباع الهدى بإيضاح الحُجَج، ولا يخلو عن شيء.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ أي: وما يَفطُنون بكون الإضلال مختصًّا بهم لِمَا اعترى
قلوبَهم مِن الغشاوة؛ قاله أبو علي. وقيل: وما يشعرون بأنَّ الله تعالى يُعلِم
المؤمنين بضلالهم وإضلالهم. وفي نفي الشعور عنهم مبالغةٌ في ذمِّهم.
﴿يَتَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَأَنْتُمُ تَشْهَدُونَ (®﴾ أي: لِمَ تكفرون
بما يُتلى عليكم من آيات القرآن، وأنتم تعلمون ما يدلُّ على صحتها ووجوبٍ
الإقرار بها من التوراة والإنجيل.
وقيل: المراد: ((لِمَ تكفرون)) بما في كتبكم من الآيات الدالّة على نبوَّتِهِ وَهِ،
(وأنتم تشهدون)) الحُججَ الدالّة على ذلك.
أو: ((لِم تكفرون)) بما في كتبكم من أنَّ الدِّين عند الله الإسلام، وأنتم تشاهدون
ذلك.
أو: ((لم تكفرون)) بالحجج الدالّة على نبوَّته وَلّهِ ((وأنتم تشهدون)) أنَّ ظهور
المعجزة يدلُّ على صِدْقٍ مدَّعي الرسالة، أو أنتم تشهدون إذا خَلَوتم بصحّة دِين
الإسلام.
أو: ((لِمَ تكفرون بآيات الله)) جميعاً، وأنتم تعلمون حقِّيتها(١) بلا شبهةٍ بمنزلةٍ
علمِ المشاهدةَ.
﴿َأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾ أي: تَستُرونه به، أو تخلطونه به،
والباء صِلة. وفي المراد أقوال:
أحدها: أنَّ المراد تحريفُهم التوراة والإنجيل؛ قاله الحسن وابن زيد.
وثانيها: أنَّ المراد إظهارُهم الإسلامَ وإبطانُهم النفاق؛ قاله ابن عباس وقتادة.
(١) في الأصل: حقيقتها، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٦/٢، والكلام منه.
الآية : ٧١ و ٧٢
٢٧٥
سُورَةُ آل عمران
وثالثها: أنَّ المراد الإيمانُ بموسى وعيسى، والكفرُ بمحمَّدٍ عليهم الصلاة
والسلام.
ورابعها: أنَّ المراد ما يَعلمونه في قلوبهم من حَقِّية (١) رسالته وَّهِ، وما يُظهِرُونه
من تكذيبه؛ عن أبي عليٍّ وأبي مسلم.
وقرئ: ((تُلَبِسُون)) بالتشديد، وهو بمعنى المخلَّف.
وقرأ يحيى بن وثّاب: (تَلْبَسون))(٢)، وهو من لبستُ الثوبَ، والباء بمعنى مع،
والمراد من اللُّْس: الاتصافُ بالشيء والتلُبُّسُ به، وقد جاء ذلك فيما رواه البخاريُّ
في الصحيح عن عائشة (٣)، أنَّه ◌ِّر قال: ((المتشبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابِسٍ ثَوْبَيْ زُوْرٍ)).
﴿وَتَكْتُونَ الْحَقَّ﴾ أي: نبوَّةَ محمَّدٍ وََّ، وما وجدتموه في كُتبكم من نَعْتِه
والبشارةِ به ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أنه حقٌّ.
وقيل: تعلمون الأمورَ التي يصحُّ بها التكليف. وليس بشيءٍ.
﴿وَقَالَتْ ظَائِفَةٌ﴾ أي: جماعةٌ، وسمِّيت بها لأنه يُسوَّى بها حَلْقَةٌ يُطاف حولها .
﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ - أي: اليهود - لبعضهم: ﴿مَامِنُوا﴾ أي: أَظْهِروا الإيمانَ ﴿بِلَّذِىّ
أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ وهم أصحابُ رسول الله بَّهِ. وقيل: النبي عليه الصلاة
والسلام وأصحابه. ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أي: أوَّلَه، كما في قول الربيع بن زياد:
مَن كان مسروراً بمقتلِ مالكٍ فليأتِ نِسْوتَنا بوجْهِ نهارٍ (٤)
وسمِّي وجهاً لأنَّه أولُ ما يُواجِهك منه، وقيل: لأنه كالوجه في أنه أعلاه
(١) في الأصل: حقيقة.
(٢) هذه القراءة والتي قبلها في الكشاف ٤٣٦/١، والبحر ٤٩١/٢.
(٣) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٣٦/٣، والصواب أن الحديث عند البخاري
(٥٢١٩) عن أسماء بنت أبي بكر ﴿تا، وهو في مسند أحمد (٢٦٩٢١)، وصحيح مسلم
(٢١٣٠). وأخرجه من حديث عائشة ؤنا أحمد (٢٥٣٤٠)، ومسلم (٢١٢٩).
(٤) مجاز القرآن ١/ ٩٧، وتفسير الطبري ٤٩٨/٥، ومعاني القرآن للزجاج ٤٢٩/١، والأغاني
١٩٦/١٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٩٩٥/٢ وفيه: ساحتنا، بدل: نسوتنا، وقد
تعجب أبو الفضل ابن العميد - كما نقل المرزوقي - من إيراد أبي تمام للفظ ((نسوتنا)) وقال:
وهذه لفظة شنيعة. ومالك هو ابن زهير العبسي.
٢٧٦
الآية : ٧٣
وأشرفُ ما فيه. وذكر الثعالبيّ أنه في ذلك(١) استعارةٌ معروفة.
﴿وَأَكْفُرُوَاْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (*) بسبب هذا الفعل عن اعتقادٍ (٢) حَقِّيةٍ ما أُنزل
عليهم. قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبارٍ يهود خيبرَ وقُری
عرينةً، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دِين محمَّدٍ أول النهار باللسان دون
اعتقاد(٣)، واكفُروا آخرَ النهار، وقولوا: إنَّا نظرنا في كتبنا وشاوَرْنا علماءنا فوجدنا
محمَّداً ليس بذاك، وظهر لنا كذبُه وبطلانُ دِينِهِ. فإذا فعلتُم ذلك شكَّ أصحابُه في
وينهم وقالوا: إنَّهم أهل الكتاب وهم أعلمُ به، فيرجعون عن دِينهم إلى دينكم.
وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: كان هذا في شأن القِبلة؛ لمَّا حوِّلت إلى الكعبة
شقَّ ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمِنوا بالذي أُنزل على محمَّدٍ
مِن أمرٍ الكعبة وصلَّوا إليها أولَ النهار، وارجعوا إلى قِبْلَئكم آخِرَه لعلهم يشُون.
والتعبيرُ بـ ((ما أُنزل)) بناءً على ما يقوله المؤمنون، وإلا فهم يكذّبون ولا يصدِّقون
أنَّ الله تعالى أنزَل شيئاً على المؤمنين.
وظاهرُ الآية يدلُّ على وقوع أمرٍ بعضِھم لبعضٍ أن يقولوا ذلك. وأمَّا امتثالُ
الأمرٍ من المأمور فمسكوتٌ عن بيانٍ وقوعِه وعدمِه. وعن بعضهم: أنَّ في الأخبار
ما يدلُّ على وقوعه.
﴿وَلَا تُؤْمِنَّوْا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُنْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤَّْ أَحَدٌّ مِثْلَ مَآ أُوْبِيتُمْ أَوْ
مُهَُ عِنْدَ رَّكُمْ﴾ في نَظُم الآيةِ ومعناها أوجُهٌ لَخَّصها الشهابُ من كلام بعض
المحقّقين (٤):
أحدها أنَّ التقدير: ولا تؤمنوا بأنْ يُؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم - وهم المسلمون
أوتوا كتاباً سماويًّا كالتوراة ونبيًّا مرسلاً كموسى - وبأنْ يُحاُوكم ويَغلبوكم بالحَّة
يوم القيامة، إلا لأتباعكم. وحاصلُه أنهم نَهَؤْهم عن إظهار هذّيْن الأمرين
(١) يعني في استعارته ليكون بمعنى الأول، وذكره عن الثعالبي الشهاب في الحاشية ٣٦/٣.
(٢) في (م): اعتقادهم.
(٣) في (م): الاعتقاد.
(٤) هو القزويني صاحب كتاب الكشف على الكشاف، والكلام في حاشية الشهاب ٣٧/٣.
:
الآية : ٧٣
٢٧٧
للمسلمين، لئلّا يَزدادوا تصلُّباً، ولمشركي العرب لئلّا يبعثّهم على الإسلام، وأتى
بـ ((أو)) على وزانٍ ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] وهو أبلغ، والحملُ
على معنى ((حتى)) صحيحٌ مرجوح(١). وأتى بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمُدَى هُدَى اللَّهِ)
معترضاً بين الفعل ومتعلّقه، وفائدةٌ الاعتراض الإشارةُ إلى أنَّ كيدهم غيرُ ضارِّ لمَّنِ
لَطَفَ اللهُ تعالى به بالدخول في الإسلام، أو زيادةِ التصلَّب فيه. ويُفيد أيضاً أنَّ
الهدى هداه، فهو الذي يتولَّى ظهوره ﴿يُرِدُونَ لِيُعْفِقُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَنْوَمِهِمْ وَهُ مُّ نُورِيٍ﴾
[الصف: ٨]. فالمراد بالإيمان إظهارُه كما ذكّرَه الزمخشريُّ(٢)، أو الإقرارُ اللسانيّ
كما ذكرَه الواحدي(٣)، والمراد من التابعين المتصلِّبُ منهم، وإلا وقع ما فُرُّوا منه.
وثانيها أنَّ المراد: ولا تؤمنوا هذا الإيمانَ الظاهر الذي أَتَيْتُم به وجْهَ النهار
إلّا لَمّن كان تابعاً لدِينكم أوَّلاً - وهم الذين أسلموا منهم - أي: لأَجْلٍ رجوعِهم؛
لأنه كان عندهم أهمّ وأوقع، وهم فيه أرغبُ وأطمع، وعند هذا تمَّ الكلام، ثم
قيل: (إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) أي: فمَن يهدي اللهُ فلا مضِلَّ له، ويكون قوله تعالى:
(أَن يُؤْلَّ) إلخ على هذا معلِّلاً لمحذوف، أي: لِأنْ يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، ولمًا
يَتصلُ به من الغلبة بالحيَّة يوم القيامة دبّرتم ما دَبَّرتم، وحاصلُه: أنَّ داعِيّكم إليه
ليس إلا الحَسَد، وإنَّما أتى بـ ((أو) تنبيهاً على استقلال كلٍّ من الأمرين في غيظهم
وحَمْلِهم على الحسد حتى دبَّروا ما دَبَّروا، ولو أتى بالواو لم تقع هذا الموقعَ،
للعلم بلزوم الثاني للأول؛ لأنه إذا كان ما أُوتوا حقّاً غلّبوا يوم القيامة مُخالِفَهم
لا مَحَالَة، فلم يكن فيه فائدةٌ زائدة، وأمَّا ((أو)) فتُشْعِرُ بأنَّ كلّ مستقلٌ في الباعثية
على الحسد والاحتشاد في التدبير، والحملُ على معنى ((حتى)) ليس له موقعٌ يَروع
السامع وإن كان وجهاً ظاهراً.
ويؤيِّد هذا الوجه قراءة ابن كثير: ((أَأَنْ يُؤتى)» بزيادةٍ همزةِ الاستفهام(٤)، للدلالة
على انقطاعه عن الفعل واستقلاله بالإنكار. وفيه تقييدُ الإيمانِ بالصادر أولَ النهار
(١) يعني شعمل (أو) على معنى حتى.
(٢) في الكشاف ١/ ٤٣٧.
(٣) في الوسيط ٤٥٠/١.
(٤) التيسير ص٨٩، والنشر ٢/ ٢٤٠.
سُورَةُ الْعِنْرَانَ
٢٧٨
الآية : ٧٣
بقرينة أَنَّ الكلام فيه، وتخصيصُ ((مَن تَبعَ)) بمُسلميهم بقرينة المُضيِّ؛ فإنَّ غيرهم
متَّبعُ دِينَهم الآن أيضاً، وعن الزمخشريِّ(١) أنَّ ((أن يؤتى)) إلخ من جملة المَقُول،
كأنه قيل: قلْ لهم هذَيْن القولين، ومعناه: أكَّد عليهم أنَّ الهدى ما فَعَلَ اللهُ تعالى
مِن إيتاء الكتاب غيرَكم، وأَنْكِر عليهم أن يَمْتَعِضوا مِن أن يؤتى أحدٌ مثلَه، كأنه
قيل: قل: إنَّ الهدى هدى الله، وقل: لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ما قلتم
وكذَّبتم ما كذبتم (٢) .
وثالثها: أن يقرّر ((ولا تؤمنوا)) على ما قُرِّر عليه الثاني، ويُجعلَ ((أن يُؤتى)) خبر
(إنَّ))، و((هُدى الله)) بدل من اسمها، و((أو)) بمعنى حتى على أنها غاية سببية،
وحينئذٍ لا ينبغي أن يُخصَّ ((عند ربكم)) بـ ((يوم القيامة) بل بالمحاجَّة الحقَّةِ كما أشير
إليه في ((البقرة))(٣)، ولو حُملت على العطف لم يلتئم الكلام.
ورابعها: أن يكون ((ولا تؤمنوا إلا لمن)) إلخ باقياً على إطلاقه، أي: واكفروا
آخرَه واستمِرُّوا على ما كنتم فيه من اليهودية ولا تقرُّوا لأحدٍ إلا لمَن هو على
دِينكم، وهو من جملة مَقولِ الطائفة، ويكون ((قل إن الهدى)) إلخ أمراً للنبيِّ وَلِّ أن
يقول ذلك في جوابهم، على معنى: قل إنَّ الهدى هدى اللهِ فلا تُنْكِروا أن يؤتى
حتى تحاجُوا، وقرينةُ الإضمارِ أنَّ ((ولا تؤمنوا)) إلخ تقريرٌ على اليهودية، وأنه لا دينَ
يساويها، فإذا أُمِرِ وَلِّ أن يجيبهم، عُلِم أنَّ ما أنكروه غير منكَرٍ وأنه كائن، وحَمْلُ
((أو)) على معناها الأصلي حينئذٍ أيضاً حسنٌ؛ لأنه تأييدٌ للإيتاء، وتعريضٌ بأنَّ مَن
أوتي مثلَ ما أوتوا هم الغالبون.
وقرئ: ((إن يؤتى)) بكسرٍ همزةٍ ((إنْ)) على أنها نافية(٤)، أي: قولوا لهم:
ما يؤتى .. ، وهو خطابٌ لمَن أسلم منهم رجاءَ العَوْد، والمعنى: لا إيتاءَ
ولا محاجّة، فـ ((أو)) بمعنى ((حتى))، وقدِّر («قولوا)) توضيحاً وبياناً؛ لأنه ليس استئنافاً
(١) لم نقف عليه عند الزمخشري، وقد وقع في حاشية الشهاب بدلاً منه: وعن المصنف، ولعله
يعني صاحب الكشف.
(٢) في (م): وكدتم ما كدتم، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في حاشية الشهاب.
(٣) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٧٦) من سورة البقرة.
(٤) القراءات الشاذة ص٢١.
الآية : ٧٣
٢٧٩
سُؤَدَّةُ الَ ◌ّعْرَانَ
تعليلاً، وقوله تعالى: ((قل إن الهدى)) إلخ اعتراضٌ ذُكر قبل أن يتمَّ كلامهم؛
للاهتمام ببيانِ فسادٍ ما ذهبوا إليه.
وأرجحُ الأوجه الثاني لتأيُّده بقراءةٍ ابن كثير، وأنه أفيدُ من الأول وأقلُّ تكلُّفاً
من باقي الأوجه، وأقربُ إلى المساق. انتهى (١).
وأقول: ما ذكره في الوجه الرابع من تقدير: فلا تنكروا أن يؤتى ... إلخ، هو
قول قتادة والربيع والجبائي، لكنهم لم يجعلوا ((أو)) بمعنى ((حتى)) وهو أحد
الاحتمالَيْن اللذيْن ذكرهما .
وكذا القول بإبدال ((أن يؤتى)) من ((الهدى)) قولُ السديِّ وابن جريج، إلا أنهم
قدَّروا ((لا)) بين ((أن)) و((يؤتى))، واعترَض عليهما أبو العباس المبرِّد بأنَّ ((لا)) ليست
ممَّا تحذف هاهنا، والتَزَم تقديرَ مضافٍ شاع تقديره في أمثال ذلك، وهو: كراهة،
والمعنى: إنَّ الهدى كراهة أنْ يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، أي: ممَّن خالَفَ دِينَ
الإسلام؛ لأنَّ الله لا يَهدي مَن هو كاذبٌ كَفَّار، فهُدى اللهِ تعالى بعيدٌ من غير
المؤمنين(٢). ولا يخفىَ أنه معنىّ متوعِّرٌ وليس بشيء.
ومثله ما قاله قومٌ من أنَّ ((أن يؤتى)) إلخ تفسيرٌ لـ ((الهدى))، وأنَّ المؤتَى هو
الشرع، وأنَّ ((أو يحاجوكم)) عطفٌ على ((أوتيتم))، وأنَّ ما يُحاجُّ به العقلُ، وأنَّ
تقدير الكلام: إن هدى الله تعالى ما شرَع أو ما عهِد به في العقل.
ومِن الناس مَن جعل الكلام مِن أول الآية إلى آخرها مِن الله تعالى
خطاباً للمؤمنين، قال: والتقدير: ولا تؤمِنوا أيها المؤمنون إلا لمَن تَبع دِینکم،
وهو دِين الإسلام، ولا تصدِّقوا أن يؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم من الدِّين، فلا نبيَّ بعدَ
نبيِّكم عليه الصلاة والسلام، ولا شريعةً بعد شريعتكم إلى يوم القيامة، ولا تصدِّقوا
بأن يكون لأحدٍ حجَّةٌ عليكم عند ربكم؛ لأن دِينكم خيرُ الأديان، وجعل ((قل إنَّ
الهدى هدى الله)) اعتراضاً للتأكيد وتعجيلِ المَسَرَّة. ولا يَخْفَى ما فيه، واختيارُ
(١) من قوله: لتأيُّده بقراءة ابن كثير .. إلخ لم نقف عليه في المطبوع من حاشية الشهاب.
(٢) ينظر قول المبرد في المحرر الوجيز ٤٥٦/١، ومجمع البيان ١١٧/٣، والبحر ٤٩٥/٢،
والدر المصون ٢٥٥/٣.
سُورَةُ العَقْرَانَ
٢٨٠
الآية : ٧٤
البعض له، والاستدلالُ عليه بما قاله الضحاك(١): إن اليهود قالوا: إنَّا نَحُجُّ عند
ربنا مَن خالفنا في ديننا، فبيَّن اللهُ تعالى لهم أنهم هم المُدْحضون المغلوبون، وأنَّ
المؤمنين هم الغالبون = ليس بشيء؛ لأن هذا البيان لا يتعيَّن فيه هذا الحملُ
كما لا يخفى على ذي قلبٍ سليم، والضميرُ المرفوعُ من ((يحاجوكم)) على كلِّ تقديرٍ
عائدٌ إلى ((أحد)) لأنه في معنى الجمع؛ إذ المراد به غير أتباعهم.
واستَشْكّلَ ابنُّ المنير(٢) قَطْعَ ((أن يؤتى)) عن ((لا تؤمنوا)) على ما في بعض
الأوجه السابقة بأنه يلزم وقوع ((أحد)) في الواجب؛ لأنَّ الاستفهام هنا إنكار،
واستفهام الإنكار في مثله إثبات، إذ حاصلُه أنه أَنكر عليهم ووبَّخهم على ما وقع
منهم - وهو إخفاء الإيمان- بأنَّ النبوة لا تخصُّ بني إسرائيل لأجل العلَّتين
المذكورَتَيْن، فهو إثبات محقّقٌ، ثم قال: ويمكن أن يقال: رُوعيتْ صيغةُ الاستفهام
وإن لم يكن المراد حقيقتّه، فحسُن دخول ((أحد» في سياقه لذلك، وفيه تأمُّلٌ.
فتأمَّلْ وتدبّر، فقد قال الواحدي: إنَّ هذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه تفسيراً.
﴿قُلٌ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَّدِ اللَّهِ﴾ رٌّ وإبطالٌ لِمًا زعموه بأوضح حجّةٍ. والمراد من
الفضل: الإسلام؛ قاله ابن جريج. وقال غيره: النبؤَّةُ. وقيل: الحُجّجُ التي أُوتیها
النبيُّ ◌َ# والمؤمنون. وقيل: نِعَمُ الدِّين والدنيا، ويدخل فيه ما يناسب المقام
دخولاً أوَّليًّا .
﴿يُؤّْدٍ مَن يَشَُّ﴾ أي: مِن عباده ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ﴾ رحمةً، وقيل: واسعُ القدرةِ
يفعل ما يشاء ﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ بِمصالح العباد. وقيل: يعلم حيث يجعل رسالته.
﴿يََْعُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ قال الحسن: هي النبوة. وقال ابن جريج:
الإسلام والقرآن. وقال ابن عباس: هو وكثرةُ الذِّكر لله تعالى. والباءُ داخلةٌ على
المقصور، وتدخل على المقصور عليه، وقد نظّم ذلك بعضُهم فقال:
دخولها على الذي قد قَصَروا
والباءُ بعد الاختصاص يكثر
ذكره الحَبْرُ الإمامُ السَّيدُ
وعكسُه مستعملٌ وجيِّد
(١) ذكر قوله الطبرسي في مجمع البيان ١١٧/٣، وهو الذي استدل به على هذا القول.
(٢) في الانتصاف على هامش الكشاف ١/ ٤٣٧،