النص المفهرس

صفحات 241-260

الآية : ٥٥
٢٤١
سُورَةُ الْعِشْرَانَ
وأورَد بعضُ الناس هاهنا إشكالات، وهي: أنَّ الله تعالى كان قد أيَّده بجبريل
عليه السلام كما قال سبحانه: ﴿وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، ثم إنَّ طرَف جَنَاحِ
من أجنحة جبريل كان يكفي للعالَم، فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه؟!
وأيضاً: أنه عليه السلام لمَّا كان قادراً على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه
والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتتهم ودفع(١) شوكتهم، أو على إسقامهم وإلقاءٍ
الزَّمانة والفَلَج عليهم، حتى يصيروا عاجزين من التعرُّض له؟
وأيضاً: لمَّا خلَّصه من الأعداء بأنْ رَفَعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شَبَهه
على الغير؟
وأجيب عن الكلِّ: بأنَّ بناء التكليف على الاختيار، ولو أَقْدرَ اللهُ تعالى جبريلَ
أو عيسى عليهما السلام على دفع الأعداء، أو رَفَعَه من غير إلقاء شَبَهه إلى السماء،
لَبَلَغت معجزته إلى حدِّ الإلجاء.
والقولُ بأنَّ فَتْحَ بابٍ إلقاء الشَّبِ يوجب ارتفاع الأمانِ عن المحسوسات(٢)،
وأنه يُفضي إلى سقوط الشرائع، وإبطال التواتر(٣)، وأيضاً إنَّ في ذلك الإلقاء
تمويهاً وتخليطاً، وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى = ليس بشيء.
أمَّا أوّلاً: فلِأَنَّ إلقاء شَبهِ شخصٍ على آخر، وإنْ كان ممكناً في نفسه إلَّ أنَّ
الأصل عدمُ الإلقاء، واستقلالُ كلٍّ من الحيوان بصورته التي هي له، نعم لو أَخبر
الصَّادقُ بإلقاء صورة شخصٍ على آخر قلنا به واعتقدناه، فحينئذٍ لا يرتفع الأمان
عن المحسوسات، بل هي باقيةٌ على الأصل فيها فيما لم يُخْبر الصادقُ بخلافه.
على أنَّ إبطال التواتر بفتح هذا الباب ممنوع؛ لأنه لم يُشترط في الخبر أن يكون
(١) في الأصل: ورفع.
(٢) جاء في شرح هذا المعنى في تفسير الرازي ٧٤/٨: فإني إذا رأيت ولدي، ثم رأيته ثانياً،
فحينئذ أجوِّز أن يكون هذا الذي رأيته ثانياً ليس بولدي، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً
يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد؛ لاحتمال أنه ألقي شبهه على غيره.
(٣) لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس، فإذا
جاز وقوع الغلط في المبصرات، كان سقوط خبر التواتر أولى. تفسير الرازي ٨/ ٧٤،
وغرائب القرآن للنيسابوري ٢٠٥/٣.

سُورَةُ الَّغْرَانَ
٢٤٢
الآية : ٥٥
عن أمرٍ ثابت في نفس الأمر، بل يكفي فيه كونُه عن أمرٍ محسوسٍ على ما قاله
بعضُ المحقّقين.
وأمَّا ثانياً: فلأنَّ التَّمويه والتلبيس إنْ كان إلى الأعداء، فلا نسلِّم أنه ممَّا لا يليق
بالحكمة، وإن كانت النجاةُ ممَّا تُمْكِن بدون الإلقاء. وإن كان ذلك على أوليائه
فلا نسلِّم أنَّ في الإلقاء تمويهاً، لأنهم كانوا عارفين يقيناً أنَّ المصلوب(١) الشَّبَهُ
لا عيسى عليه السلام، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
والقولُ بأنَّ المصلوب قد ثبت بالتواتر أنه بقي حيًّا زماناً طويلاً، فلولا أنه كان
عيسى لأظهر الجزَع وعرَّف نفسَه، ولو فعل ذلك لاشتهر وتواتر، ليس بشيء أيضاً:
أمَّا أولاً: فلأنَّ دعوى تواتُرٍ بقاءِ المصلوبِ حيًّا زماناً طويلاً ممَّا لم يُثبتها
برهانٌ، والثابتُ أنَّ المصلوب إنَّما صُلب في الساعة الثانية من يوم الجمعة ومات
في الساعة السادسة من ذلك اليوم، وأُنزل ودُفن، ومقدارُ أربع ساعات لا يُعدُّ زماناً
طويلاً كما لا يخفى.
وأمَّا ثانياً: فلأنَّ عدمَ تعريفِ المصلوب نفسَه: إمَّا لأنه أدركته دهشةٌ منعته من
البيان والإيضاح، أو لأنَّ الله تعالى أخذ على لسانه فلم يستطع أن يُخبر عن نفسه،
صوناً لنبيِّه عليه السلام أن يفصحَ الرَّجلُ عن أمره، أو لأنه لصدِّيقيَّته آثرَ
المسيحَ بنفسه وفعل ذلك بعَهْدٍ عَهِده إليه رغبةً في الشهادة، ولهذا ورَّى في الجواب
الذي نَقَلته النصارى في القصة، وقد وعد المسيحَ عليه السلام التلاميذُ - على
ما نَقَلوا قبلُ - بقولهم: لو دُفعنا إلى الموت معك لمتنا، والشَّبهُ في جملتهم، فوقَّی
بما وعَد من نفسه على عادة الصدِّيقين من أصحاب الأنبياء عليهم السلام، فهو
من: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. ومَن ذهب إلى أنَّ الشَّبه
كان من الأعداء لا من الأولياء، روى أنه جعَل يقول لليهود عند الصَّلْب: لستُ
المسيح وإنَّما أنا صاحبُكم، لكنه لم يُسمع ولم يُلتفت إلى قوله وصَلَبوه. والقولُ
بأنه لو كان ذلك لتواتر، لا يخفى ما فيه لمَن أحاط بما ذَكَرناه خبراً، فتأمَّلْ.
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أن يكون تطهيره عليه السلام بتبعيده
(١) في (م): المطلوب، في الموضعين، وهو تصحيف.

الآية : ٥٥
٢٤٣
سُوَرَةُ العَقْرَانَ
منهم بالرَّفع، ويحتمل أن يكون بنجاته ممَّا قصدوا فِعْله به من القتل، وفي الأول
جعَلَهم كأنهم نجاسة، وفي الثاني جعَل فعلَهم كذلك، والأول هو الظاهر، وإلى
الثاني ذهب الجبائي.
والمرادُ من الموصول اليهودُ، وأتى بالظاهر - على ما قيل - دون الضمير إشارةً
إلى علَّة النجاسة وهي الكفر.
وأخرج ابن جرير وابنُ أبي حاتم عن الحسن، أنَّ المراد من الموصول: اليهودُ
والنصارى والمجوس وكفارُ قومه (١).
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّعُوكَ﴾ قال قتادة والحسن وابن جريج وخلقٌ كثير: هم أهلُ
الإسلام، اتّبعوه على ملَّته وفطرته من أُمَّة محمدٍ وَلِ.
﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَا﴾ وهم اليهود، أو سائر مَن شمَله هذا المفهوم، فإنَّ
المؤمنين يَعْلُونهم بالحجَّة أو السيف في غالب الأمر.
وأخرج ابنُ جرير عن ابن زيد أنَّ المراد من الموصول الأول النصارى، ومن
الثاني اليهودُ، وقد جعَل سبحانه النَّصارى فوقَ اليهود، فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى
إلا وهم فوقَ اليهود في شرق الدُّنيا وغربِها(٢). وعلى هذا يكون المرادُ من الاتِّباع
مجرَّدَ الادِّعاء والمحبّة، ولا يضرُّ في غَلَبتهم على اليهود غلبةُ المسلمين عليهم.
وإذا أريد بالاتِّباع ما يشمل اتِّباع المسلمين، وهذا الاتباعُ يصحُّ أن يراد
بالمتَّبعين ما يشملُ المسلمين والنصارى مطلقاً؛ مَن آمن به قبل مجيء نبيِّنا وَه
ونسخِ شريعته، ومَن آمن به - بزَعْمِه - بعد ذلك. وقد يرادُ من الاتِّباع الاتِّبَاعُ
بالمعنى الأول، فيجوز أن يُراد من المتَّبِعِين المسلمون والقِسْمُ الأول من النصارى.
وتخصيصُ المتَّبعين بهذه الأمة، وحملُ الاتِّباع على المجيء بعدُ، ممَّا لا ينبغي
أن يخرَّج عليه الكتابُ الكريم، كجَعْل الخِطاب للنبيِّ وَِّ، وأنَّ الوقف على ((الذين
كفروا)»(٣).
(١) تفسير الطبري ٥/ ٤٥٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٦٦٢/٢.
(٢) تفسير الطبري ٤٥٥/٥ .
(٣) يعني: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ينظر الدر المصون ٢١٣/٣.

سُورَةُ الِغْرَانَ
٢٤٤
الآية : ٥٦
﴿إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ﴾ متعلِّق بالجَعْل، أو بالاستقرار المقدَّر في الظرف. وليس
المراد أنَّ ذلك ينتهي حينئذٍ ويتخلَّص ((الذين كفروا)) من الذِّلة، بل المراد أنَّ
المتَّبعين يَعلونهم إلى تلك الغاية، فأمَّا بعدَها فيفعلُ اللهُ تعالى ما يُريد.
ومن الناس مَن حملَ الفوقية على العلوِّ الرتبي والفوقيةِ بحَسَبِ الشرف، وجعل
التقييد بـ ((يوم القيامة)) للتأبيد، كما في قولهم: ما دامت السماءُ، وما دار
الفَلَكُ؛ بناءً على ظنِّ أنَّ عدمَ انتهاء علوِّ المؤمنين وذلّة الكافرين إلى ذلك اليوم
موجبٌ لهذا الجَعْل، وليس بذلك.
﴿ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيرُكم بعد يوم القيامة ورجوعُكم، والضمير لعيسى
عليه السَّلام والطائفتين، وفيه تغليبٌ على الأظهر. و((ثم)) للتراخي، وتقديمُ الظرفِ
للقَصْر المفيدِ لتأكيد الوعد والوعيد. ويحتمل أن يكون الضمير لمَن اتّبع وكفر فقط،
وفيه التفاتٌ للدلالة على شدَّة إرادة إيصال الثواب والعقاب، لدلالة الخطاب على
الاعتناء.
﴿فَأَحْڪُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: فأقضي بینکم إثرَ رجوعِكم إليَّ، ومصیرکم بين يديّ.
من أمور الدِّين، أو من أمر عيسى عليه السَّلام،
﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)
والظرف متعلِّق بما بعده، وقدِّم رعايةً للفواصل.
﴿فَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ تفسيرٌ للحكم المدلول عليه بقوله
سبحانه: (فَأَحْكُمُ)، وتفصيلٌ له على سبيل التقسيم بعد الجمع، وإلى ذلك ذهب
كثيرٌ من المحقّقین.
واعتُرض بأنَّ الحكم مرتَبٌ على الرجوع إلى الله تعالى، وذلك في القيامة
لا محالة، فكيف يصحُّ تفسيره بالعذاب المقيَّد بقوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾؟
وأُجيب بوجوه:
الأول: أنَّ المقصود التأبيدُ وعدمُ الانقطاع من غير نظرٍ إلى الدنيا والآخرة.
الثاني: أنَّ المراد بالدنيا والآخرة مفهومهما اللغوي، أي: الأول والآخر،
ويكون ذلك عبارةً عن الدوام، وهذا أبعدُ من الأول جدًّا.
الثالث: ما ذَكر صاحبُ («الكشف)): من أنَّ المرجع أعمُّ من الدنيوي

الآية : ٥٦
٢٤٥
سُورَةُ آلِ عَقْرَانَ
والأخروي، وقولُه سبحانه: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) غايةُ الفوقيةِ لا غايةُ الجَعْلِ،
والرجوعُ مُتَراخٍ عن الجَعْل وهو غير محدود، على وِزان قولِك: سأعِيرُك سُكنى هذا
البيت إلى شهر، ثم أخلع عليك بثوب من شأنه كذا وكذا. فإنه يلزمُ تأخّر الخَلْعِ
عن الإعارة لا الخَلْعِ، وعلى هذا توفيةُ الأجر لغُنْم الدَّارَين.
ولا يخفى أنَّ في لفظِ ((كنتم)) في قوله جلَّ وعلا: (فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)
بعضُ نَبْوَةٍ عن هذا المعنى، وأن المعنى: أحكمُ بينكم في الآخرة فيما كنتم فيه
تختلفون في الدنيا .
الرابع: أنَّ العذاب في الدنيا هو الفوقيةُ عليهم، والمعنى: أَضمُّ إلى عذاب
الفوقية السابقة عذاب الآخرة؛ قال في ((الكشف)): وفيه تقابُلٌ حسن، وأنَّ هذه
الفوقية مقدِّمةُ عذابِ الآخرة ومؤكِّدته، وإدماج أنها فوقيةُ عدلٍ لا تسلُّط وجود.
ولا يخفى أنه بعيدٌ من اللفظ جدًّا؛ إذ معنى أعذِّبه في الدُّنيا والآخرة ليس إلَّا:
أنّي أفعل عذابَ الدَّارين، إلّا أن يقال: إنَّ إيجاد الكلِّ لا يلزم أن يكون بإيجاد(١)
كلِّ جزء، فيجوز أن يُفعل في الآخرة تعذيب الدَّارين بأنْ يُفعل به عذاب الآخرة،
وقد فُعل في الدنيا عذابُ الدنيا، فيكون تمامُ العذابين في الآخرة.
الخامس: أنَّ ((في الدنيا والآخرة)) متعلِّق بـ ((شديد)) تشديداً لأمر الشدّة. وليس
بشيء كما لا يخفى.
والأَّولى من هذا كلِّه ما ذكره بعضُ المحقّقين، أن يُحمل معنى (ثم)) على
التَّراخي الرُّتبي، والترقِّي من كلام إلى آخر، لا على التراخي في الزمان، فحينئذٍ
لا يلزم أن يكون رجوعهم إلى الله تعالى متأخِّراً عن الجَعْل في الزمان، سواء كان
قولُه جلَّ شأنه: (إِلَى يَوْرِ الْقِيَةِ) غايةً للجَعْل أو الفوقية، فلا محذور. ثم إنَّ المرادَ
بالعذاب في الدنيا إذلالُهم بالقتل والأسرِ والسَّبي وأَخْذِ الجزية ونحو ذلك، ومَن لم
يُفعل معه شيءٌ من وجوه الإذلال فهو على وَجَل؛ إذ يَعلم أن الإسلام يَطلبه، وكفى
بذلك عذاباً. وبالعذاب في الآخرة عقابُ الأبد في النار.
(١) في الأصل و(م): إن اتخاذ الكل لا يلزم أن يكون باتخاذ، والمثبت من حاشية الشهاب
٣١/٣ والكلام منه.

سُورَةُ الْعَزَانَ
٢٤٦
الآية : ٥٧
﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾﴾ أي: أعوانٍ يدفعون عنهم عذابَ الله. وصيغة
الجمع - كما قال مولانا مفتي الروم(١) - لمقابلة ضمير الجمع، أي: ليس لكلِّ واحدٍ
منھم ناصرٌ واحد.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ﴾ بيانٌ لحال القِسْم الثاني، وبدأ بقِسْم
الذين كفروا؛ لأنَّ ذِكْر ما قَبْلَه من حُكم الله تعالى بينهم، أولُ ما يتبادر منه في بادئ
النظر التهديدُ، فناسَبَ البداءةَ بهم، ولأنهم أقربُ في الذِّكر لقوله تعالى: (فَوْقَ الَّذِينَ
كَفَرُوًا)، ولكون الكلام مع اليهود الذين كفروا بعيسى عليه السلام وهمُّوا بقَتْله.
﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمُّ﴾ أي: فيوفِّر عليهم ويُتِمِّم جزاءَ أعمالِهِم القَلْبية والقالبية،
ويُعطيهم ثوابَ ذلك وافياً من غير نقص. وزعم بعضهم (٢) أنَّ تَوْفِيةَ الأجور هي قَسْمُ
المنازل في الجَنَّة، والظاهرُ أنها أعمُّ من ذلك.
وعلَّق التوفية على الإيمان والعمل الصالح، ولم يعلِّق العذابَ بسوى الكفر؛
تنبيهاً على درجة الكمال في الإيمان، ودعاءً إليها، وإيذاناً بعِظَم قُبح الكُفر.
وقرأ حفص، ورويس عن يعقوب: ((فيوفيهم)) بياء الغيبة، وزاد رويس ضمَّ
الهاء، وقرَأ الباقون بالنون(٣) جَرْياً على سَنَن العظمة والكبرياء ولعلَّ وجهَ الالتفات
إلى الغيبة على القراءة الأولى الإيذانُ بأنَّ توفية الأجر ممَّا لا يقتضي لها نَصَب
نَفْس؛ لأنها من آثار الرحمة الواسعة، ولا كذلك العذاب.
والموصول في الآيتين مبتدأ خبرُه ما بعد الفاء، وجوِّز أن يكون منصوباً بفعلٍ
محذوفٍ يفسِّره ما ذُكر. وموضعُ المحذوف بعد الصلة كما قال أبو البقاء(٤)،
ولا يجوز أن يقدَّر قبل الموصول؛ لأنَّ ((أمَّا)) لا يَليها الفعلُ (٥).
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٢/ ٤٤-٤٥ .
(٢) هو ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤٥/١.
(٣) التيسير ص٨٨، والنشر ٢٤٠/٢.
(٤) في الإملاء ٢/ ٧٥-٧٦.
(٥) فيكون التقدير: فأما الذين كفروا أعذِّب فأعذِّبهم، وتكون المسألة من باب الاشتغال؛ قال
السمين في الدر ٢١٥/٣: وهذا ينبغي ألا يجوز؛ لعدم الحاجة إليه، مع ارتكاب وجه
ضعيف جدًّا في أفصح الكلام.

الآية : ٥٨
٢٤٧
سُورَةُ العَقْرَانَ
، أي: لا يُريد تعظيمهم، ولا يرحمهم ولا يُثني
CV
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِينَ
عليهم. أو المراد: يُبغضهم، على ما هو الشائع في مثل هذه العبارة، والجملة
تذييلٌ لِمَا قبله (١)، مقرِّر لمضمونه.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور من أمر عيسى عليه السَّلام. والإتيانُ بما يدلُّ على
البعد؛ للإشارة إلى عِظَم شأن المُشار إليه، ويُعْدِ منزلته في الشَّرَف.
﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أي: نَسْرُده ونذكره شيئاً بعد شيء، والمراد: تَلَوْناه، إلَّا أنه
عَبَّر بالمضارع استحضاراً للصورة الحاصلة، اعتناءً بها. وقيل: يُمكن الحَمْلُ على
الظاهر؛ لأنَّ قصَّة عيسى عليه السلام لم يُفرغ منها بعدُ.
﴿مِّنَ اْلَيَتِ﴾ أي: الحجج الدالَّةِ على صِدْقٍ نبوَّتِك؛ إذ أَعْلَمتَهم بما لا يعلمُه
إلا قارئُ كتابٍ أو معلِّمٌ، ولستَ بواحدٍ منهما، فلم يبق إلا أنَّك قد عرَفْتَه من طريق
الوحي.
﴿وَالذِّكْرِ﴾ أي: القرآن. وقيل: اللوح المحفوظ، وتفسيرُه به لاشتماله عليه.
و (مِن)) تبعيضية على الأول، وابتدائية على الثاني، وحملُها على البيانِ وإرادة بعضٍ
مخصوصٍ من القرآن بعيدٌ.
﴿الْحَكِيمِ ﴾﴾ أي: المُحْكَم المتقن نظمُه، أو الممنوع من الباطل. أو
صاحب الحكمة؛ وحينئذٍ يكون استعماله لِمَا صدرَ عنه ممَّا اشتمل على حكمته، إمّا
على وجه الاستعارة التبعية في لفظ ((حكيم))، أو الإسناد المجازيِّ بأنْ أُسند للذِّكر
ما هو لسببه وصاحبُه. وجَعْلُه من باب الاستعارة المَكْنية التخييلية - بأن شبّه
القرآن بناطقٍ بالحكمة، وأثبت له الوصف بـ ((حكيم)) تخييلاً - مُخْوِجٌ إلى تكلُّفٍ
مشهورٍ في دفعِ شُبْهَةِ ذكْر الطرفين حينئذٍ، فتأمل.
وجوِّز في الآية أوجهٌ من الإعراب:
الأول: أنَّ ((ذلك)) مبتدأ، و((نتلوه)) خبرُه، و((عليك)) متعلِّق بالخبر، و((من
الآيات)) حالٌ من الضمير المنصوب، أو خبرٌ بعد خبر، أو هو الخبرُ وما بينهما حالٌ
(١) في (م): قبل.

سُورَةُ الِ غَيْرَانَ
٢٤٨
الآية : ٥٩
من اسم الإشارة، على أنَّ العامل فيه معنى الإشارة لا الجارّ والمجرور، قيل: لأنَّ
الحال لا يتقدَّم العاملَ المعنوي.
الثاني: أن يكون («ذلك)) خبراً لمحذوف، أي: الأمرُ ذلك، و((نتلوه)) في موضع
الحال من «ذلك))، و((من الآيات)) حالٌ من الهاء.
الثالث: أن يكون ((ذلك)) في موضع نصبٍ بفعلٍ دلَّ عليه ((نتلو))، فيكون ((من
الآيات)) حالاً من الهاء أيضاً.
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ ذَكَر غيرُ واحدٍ أنَّ وَقْدَ نجران قالوا لرسول الله ◌َّ: مالك
تشتمُ صاحبنا؟ قال: ((ما أقول؟)) قالوا: تقول: إنه عبد الله. قال: ((أجلْ هو عبدُ اللهِ
ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى العَذْرَاء البتول)) فغضبوا وقالوا: هل رأيتَ إنساناً قٌ من
غير أب؟ فإن كنتَ صادقاً فَأَرِنا مثلَه. فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
وأخرج البيهقيُّ في ((الدلائل))(٢) من طريق سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن
جدِّه: أنَّ رسول الله وَّله كَتَب إلى أهل نجران قبلَ أن ينزل عليه ﴿طس﴾ سليمان:
(بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب(٣)، من محمَّدٍ رسولِ الله إلى أسقُف نجران
وأهلِ نجران، إنْ أسلمتم فإِنِّي أحمَدُ الله إليكم إلهَ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأمَّا
بعدُ: فإنِّي أدعوكم إلى عبادة الله تعالى من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من
ولاية العباد، فإنْ أبَيْتُم فالجزيةُ، فإن أبيتم فقد أُذنتُم(٤) بحربٍ. والسَّلام)) فلمَّا قرَأ
الأسقف الكتاب فَظِعَ به، وذعر ذُعراً شديداً، فبعث إلى رجلٍ من أهل نجران يقال
له: شُرخبيل بن وَدَاعة، فدفع إليه كتاب رسول الله وَ له فقرأه، فقال له الأسقف:
ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وَعد الله تعالى إبراهيم في ذرِّية إسماعيل من
(١) أخرجه الطبري ٥/ ٤٦٠ - ٤٦٢ عن ابن عباس وقتادة والسدي وعكرمة وابن زيد وابن
جريج.
(٢) ٥/ ٣٨٥-٣٨٩ مطولاً، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية وقال: فيه غرابة.
(٣) قال ابن القيم في زاد المعاد ٦٤٢/٣: أما قوله: إنه * كتب إلى نجران: باسم إله إبراهيم
وإسحاق ويعقوب، فلا أظن ذلك محفوظاً، وقد كتب إلى هرقل: بسم الله الرحمن الرحيم،
وهذه كانت سنَّته في كتبه إلى الملوك. اهـ. وقوله في الخبر: قبل أن ينزل عليه: ﴿طس﴾
سليمان، قال ابن القيم: وذلك غلط على غلط؛ فإن هذه السورة مكية باتفاق.
(٤) في الدلائل وزاد المعاد وتفسير ابن كثير: آذنتكم.

الآية : ٥٩
٢٤٩
سُورَةُ آل عمران
النبوة، فما يُؤْمَن أنْ يكون هذا الرَّجلُ نبيًّا، وليس لي في النبوَّة رَأيٌ، لو كان أمرٌ
من أمر الدنيا أشرتُ عليك فيه، وجهدتُ لك. فبعث الأسقفُ إلى واحدٍ بعد واحد
من أهل نجران، فكلُّهم قال مثل قول شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا
شُرَحَبيل وعبدَ الله بن شُرَحَبيل وجَبَّار بنَ فيض، فيأتونهم بخَبَرٍ رسول الله وَّل،
فانطلق الوفدُ حتى أَتَوا رسولَ الله وَّر، فسألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألةُ
حتى قالوا: ما تقولُ في عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله وَلاير: ((ما عندي فيه شيءٌ
يومي هذا؟ فأقيموا حتى أُخبرَكم بما يقال لي في عيسى صبحَ الغَدَاة)) فأنزل اللهُ هذه
الآية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى) إلى قوله سبحانه: (فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ) فأبَوْا أن
يُقرُّوا بذلك، فلما أصْبَح رسولُ اللهِ وَ ﴿ الغدَ بعْدَ ما أَخبرَهم الخبرَ، أقبل
مشتمِلاً على الحسن والحسين في خميلةٍ له وفاطمةُ تمشي عند ظَهْرِهِ للمُلاعَنَةِ؟ وله
يومئذٍ عِدَّةُ نِسوة، فقال شرحبيلُ لصاحبيه: إنِّ أرى أَمْراً مقبلاً (١)، إن كان هذا
الرجل نبيًّا مرسلاً فلاعَنَّاهُ لا يبقى على ظهر الأرض منَّا شعرٌ ولا ظفرٌ إلا هلَك،
فقال له: ما رأيك؟ فقال: رأيي أن أُحكّمُهُ؛ فإنِّي أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً،
فقالا له: أنت وذاك. فتلقَّى شرحبيلُ رسولَ الله وَّر، فقال: إِنِّي رأيت خيراً من
ملاعنتك. قال: ((وما هو؟)) قال: حُكمك اليوم إلى الليل وليلك إلى الصباح،
فما حَكَمتَ فينا فهو جائز، فرجع رسولُ اللهِ وَّه ولم يُلاعنهم وصالَحهم على
الجزية. وروي غير ذلك كما سيأتي قريباً.
والمَثَل هنا ليس هو المَثَلَ المستعملَ في التشبيه والكاف زائدة - كما قيل به -
بل بمعنى الحال والصفة العجيبة، أي: إنَّ صفة عيسى.
﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أي: في تقديره وحُكمه، أو فيما غاب عنكم ولم تَطّلعوا على
كنههِ. والظَّرفُ متعلِّق فيما تعلَّق به الجارُّ في قوله سبحانه: ﴿كَمَثَلِ ءَادَمٌ﴾ أي:
كصفته وحالِهِ العجيبة التي لا يَرتابُ فيها مرتابٌ.
﴿خَلَهُ مِن تُرَابٍ﴾ جملةٌ ابتدائيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، مبيِّنةٌ لوجه الشبهِ
باعتبار أنَّ في كلِّ الخروجُ عن العادة، وعدمُ استكمال الطرفين، ويحتمل أنه جيء
(١) في (م) وتفسير ابن كثير: ثقيلاً، والمثبت من الأصل وباقي المصادر.

سُوْدَةُ الَ ◌ّعْرَانَ
٢٥٠
الآية : ٦٠
بها لبيان أنَّ المشبّه به أغرب وأخرقُ للعادة، فيكون ذلك أقطعَ للخصم وأحسمَ
لمادة شُبْهته. و((مِن)) لابتداء الغاية متعلِّقة بما عندها، والضميرُ المنصوبُ لـ ((آدم))،
والمعنى: ابتدأُ خَلْقَ قالَبِه من هذا الجنس.
﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ أي: صِرْ بشراً فصارَ، فالتراخي على هذا زمانيٌّ،
إذ بين إنشائه ممَّا ذكر وإيجاد الروح فيه وتصييرِه لحماً ودماً زمانٌ طويل، فقد روي
أنَّه بعد أن خلق قَالَبه بقي ملقى على باب الجنة أربعين سنةً لم تُنفخ فيه الروحُ.
والتعبيرُ بالمضارع مع أنَّ المقام مقامُ المُضيِّ؛ لتصوير ذلك الأمر الكامل بصورة
المشاهَد الذي يقع الآن؛ إيذاناً بأنه من الأمور المستغربةِ العجيبة الشأن. وجوِّز أن
يكون التعبير بذلك لِما أنَّ الكون مستقبلٌ بالنظر إلى ما قبلَه.
وذهب كثيرٌ من المحقّقين إلى أنَّ ((ثم)) للتراخي في الإخبار لا في المخبَر
به(١)، وحملوا الكلام على ظاهره، ولا يضرُّ تقدُّم القول على الخلق في هذا
الترتيب والتراخي، كما لا يخفى.
والضميرُ المجرور عائدٌ على ما عاد عليه الضميرُ المنصوب، والقولُ بأنَّه عائد
على عيسى ليس بشيء؛ لِمَا فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه، ولا قرينةَ تدلُّ عليه.
قيل: وفي الآية دلالةٌ على صحّة النظر والاستدلال؛ لأنه سبحانه احتجَّ على
النصارى، وأثبت جَواز خَلْقِ عيسى عليه السلام من غير أبٍ بخَلْقِ آدم عليه السلام
من غير أبٍ ولا أمٌّ، ثم إنَّ الظاهر أنَّ عيسى عليه السلام خَلَّقه الله سُبحانه من نطفةٍ
مريم عليها السلام بجَعْلِها قابلةً لذلك ومستعدَّة له، كما أشرنا إليه فيما تقدَّم.
والقول بأنه خُلِقٍ من الهواء كما خلق آدم من التراب، ممَّا لا مُستَنَدَ له من عقلٍ
ولا نقل، و﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] لا يدلُّ عليه بوجهٍ أصلاً.
﴿أَلْحَقُّ مِن رَّيِكٌ﴾ خبرٌ لمحذوف، أي: هو الحقُّ، وهو راجعٌ إلى البيان
والقَصَصِ المذكورِ سابقاً، والجارُّ والمجرور حالٌ من الضمير في الخبر. وجوِّز أن
(١) وهذا كما نقول: أخبرك أني أعطيك اليوم أَلْفاً، ثم أخبرك أني أعطيتك أمسٍ قبله ألفاً.
فأمس متقدم على اليوم، وإنما جاء بثم لأن خبر اليوم متقدم على خبر أمس، وجاء خبر
أمس بعد مُضيٍّ خبر اليوم. وينظر تفصيل هذه المسألة في الدر المصون ٢١٩/٣ -٢٢٠.

الآية : ٦١
٢٥١
سُورَةُ أَلَ ◌ّغَيْرَانَ
يكون («الحق)) مبتدأ، و((من ربك)) خبره. ورجّح الأولُ بأنَّ المقصود الدلالةُ على
كون عيسى مخلوقاً كآدم عليهما السلام هو الحقُّ، لا ما يزعمه النصارى، وتطبيقُ
كونهما مبتدأ وخبراً على هذا المعنى لا يتأتّى إلا بتكلُّفِ إرادة أنَّ كلَّ حقِّ - أو
جِنسه - من الله تعالى، ومن جملتِهِ هذا الشأنُ، أو حَمْل اللام على العهد بإرادة
((الحق)) المذكور.
ولا يخفى ما في التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره وَّل من
اللَّطافة الظاهرة.
خطابٌ له وَّةِ، ولا يضرُّ فيه استحالةُ وقوع
: تَكُ مِّنَ اُلْهُمْتِینَ
الامتراءِ منه عليه الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥]، بل قد ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين:
إحداهما: أنه ◌َ﴿ إذا سمِعِ مثلَ هذا الخطاب تحرَّكت منه الأريحيَّة، فيَزْدادُ في
الثبات على اليقين نوراً على نور.
وثانيتهما: أنَّ السامع يتنبَّه بهذا الخطاب على أمرٍ عظيم، فينزع وينزجرُ عمَّا
يُورِثُ الامتراءَ؛ لأنه ◌َّله مع جلالته التي لا تصل إليها الأماني إذا خوطب بمثله
فما يُظنُّ بغيره؟ ففي ذلك زيادةٌ ثباتٍ له صلوات الله تعالى وسلامه عليه ولطف
بغيره. وجوِّز أن يكون خطاباً لكلِّ مَن يقف عليه ويَصلُح للخطاب.
﴿فَمَنْ حَاَكَ﴾ أي: جادَلَك وخاصَمك مِن وقْدِ نصارى نجران؛ إذ هم
المُتَصدُّون لذلك. ﴿فِيهِ﴾ أي: في شأن عيسى عليه السلام؛ لأنه المحدَّث عنه
وصاحب القصة. وقيل: الضمير للحقِّ المتقدِّم؛ لقربه وعدمٍ بُعد المعنى.
﴿مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: الآيات المُوجبة للعلم، وإطلاقُ العلم
عليها إمَّا حقيقة؛ لأنها - كما قيل - نوع منه، وإمَّا مجاز مرسل، والقرينة عليه ذكر
المحاجَّة المقتضية للأدلة.
والجارُّ والمجرور الأخير حالٌ من فاعلِ ((جاءك)) الراجع إلى ((ما)) الموصولةِ،
و(من)) من ذلك تبعيضية، وقيل: لبيان الجنس.

سُورَةُ العَمْرَانَ
٢٥٢
الآية : ٦١
﴿فَقُلْ﴾ أي: لمَن حاجك ﴿تَعَالَوْ﴾ أي: أَقِلوا بالرَّأي والعزيمة، وأصلُه: طلبُ
الإقبال إلى مكان مرتفع، ثم تُوسِّع فيه فاستعمل في مجرَّد طلب المجيء ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا
وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَاءَكُمّ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ أي: يَدْعُ كلٌّ منا ومنكم أبناءه ونساءه
ونفسَه للمباهَلَة، وفي تقديم مَن قدِّم على النَّفْس في المباهلة مع أنَّها مِن مظانٌ
التَّلف، والرجلُ يخاطر لهم بنفسه؛ إيذانٌ(١) بكمالٍ أَمْنِهِ وَّر، وكمال يقينه في
إحاطة حفظِ الله تعالى بهم، ولذلك - مع رعاية الأصل في الصِّيغة فإنَّ غيرَ المتكلِّم
تبعٌ له في الإسناد - قدَّم ◌َِّ جانبَه على جانِب المخاطَِّين.
﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي: نَتَباهل، فالافتعال هنا بمعنى المُفاعلة، وافتعل وتفاعل
أَخوان في كثيرٍ من المواضع، كاشتوَرَ وتَشاور، واجتور وتجاورَ. والأصلُ في
البهلة - بالضم والفتح - كما قيل: اللعنةُ والدعاء بها، ثم شاعت في مطلَق الدعاء،
كما يقال: فلان يَبتَهلُ إلى الله تعالی في حاجته.
وقال الرَّاغب(٢): بَهْلُ الشيءِ والبعير: إهمالُه وتخليتُه، ثم استُعمِل في
الاسترسال في الدعاء سواءٌ كان لعناً أوْ لا، إلَّا أنه هنا يُفَسَّر باللعن؛ لأنه المراد
الواقع فيه، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ
- أي: في أمر عيسى عليه السلام - فإنه معطوفٌ على ((نَبتهل)) مفسِّرٌ للمراد منه،
أي: نقول: لعنهُ الله على الكاذبين، أو: اللهمَّ الْعَنِ الكاذبين.
أخرج البخاريُّ ومسلم أنَّ العاقِبَ والسيد أَتَيا رسول الله وَلَّ، فأراد أن
يُلاعنهما، فقال أحدُهما لصاحبه: لا تُلاعِنه، فوالله لَئِن كان نبيًّا فلاعَنَنَا لا نفلحُ
نحن ولا عَقِبُنا من بعدنا. فقالوا له: نعطيك ما سألتَ، فابعث معنا رجلاً أميناً.
فقال: ((قم يا أبا عبيدة)) فلما قام، قال: ((هذا أمين هذه الأمة))(٣).
وأخرج أبو نعيم في ((الدلائل))(٤) من طريق عطاء والضَّحاك عن ابن عباس: أنَّ
(١) في الأصل و(م): إيذانا، والصواب ما أثبتناه. ينظر تفسير أبي السعود ٤٦/٢.
(٢) في مفرداته (بهل)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٢/٣.
ـُ،
(٣) صحيح البخاري (٤٣٨٠)، وصحيح مسلم (٢٤٢٠) من حديث حذيفة بن اليمان ظ
وأخرجه أحمد (٢٣٢٧٢)، وقصة الملاعنة ليست عند أحمد ومسلم.
(٤) كما في الدر المنثور ٣٩/٢، ولم نقف عليه في المطبوع من الدلائل.

الآية : ٦١
٢٥٣
ـرَةُ العمران
ثمانيةً من أساقفة أهل نجران قدموا على رسول الله وَّر منهم العاقب والسيد،
فأنزل الله تعالى (قُلّ تَعَالَوَا) الآية، فقالوا: أخِّرنا ثلاثة أيام. فذهبوا إلى بني قريظة
والنضير وبني قينقاع، فاستشاروهم فأشاروا عليهم أن يُصالحوه ولا يُلاعنوه،
قالوا: هو النبيُّ الذي نجده في التوراة. فصالَحوا النبي ◌َّ على ألف حُلَّةٍ في
صفر، وألفٍ في رجب، ودراهم.
وروي أنهم صالَحوه على أن يعطوه في كلِّ عام ألفَي حُلَّةٍ وثلاثاً وثلاثين درعاً،
وثلاثة وثلاثين بعيراً، وأربعاً وثلاثين فرساً (١).
وأخرج في ((الدلائل)) أيضاً (٢) من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن
عباس: أن وفد نَجْرَان من النصارى قدموا على رسول الله بَّهِ وهم أربعةَ عشر
رجلاً من أشرافهم منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده
وصاحبُ رأيهم، فقال رسول الله وَّه: ((أَسْلِما)) قالا: أسلمنا. قال: ((ما أسلمتما))
قالا: بلى قد أسلمنا قبلَك. قال: ((كذبتُما، يَمنعكما من الإسلام ثلاثٌ فيكما:
عبادتكما الصليبَ، وأكلُكما الخنزيرَ، وزعمكما أن الله ولداً)) ونزل (إِنَّ مَثَلَ
عِيسَى) الآية. فلمَّا قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول. ونزل (فَمَنْ حَاجَّكَ)
الآية، فقال لهم رسول الله وَّهِ: ((إنَّ الله تعالى قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن
أباهلكم)) فقالوا: يا أبا القاسم، بل نَرْجعُ فننظر في أمرنا ثم نأتيك. فخَلا بعضُهم
ببعض وتصَادَقوا فيما بينهم، قال السيد للعاقب: قد واللهِ عَلِمتم أن الرَّجُل نبيٍّ
مرْسَلٌ ولئن لاعنتموه إنه لَاسْتِئصالُكم، وما لا عَنَ قومٌ نبيًّا قٌ فبقي كبيرُهم
ولا نبت صغيرُهم، فإن أنتم لن تَّبعوه، وأبيتم إلا إلْفَ دِينكم، فوَادِعوه وارْجعوا
إلى بلادكم. وقد كان رسولُ اللهِ وَّهِ خِرَج ومعه عليٍّ والحسنُ والحسين وفاطمةُ،
فقال رسول الله وَله: ((إن أنا دعوتُ فأمِّنوا أنتم)). فأبوا أن يُلاعنوه وصالَحوه على
الجزية .
(١) قطعة من خبر أخرجه الطبري ٤٧١/٥ عن السدي، وأخرجه بنحوه أبو داود (٣٠٤١) من
طريق السدي عن ابن عباس، قال المنذري كما في نصب الراية ٤٤٥/٣: في سماع السدي
من ابن عباس نظر. وأخرجه أبو عبيد في الأموال (٥٠٢) عن أبي المليح الهذلي.
(٢) برقم (٢٤٥)، وهو في الدر المنثور ٣٩/٢.

سُورَةُ الَ ◌ّغْرَانَ
٢٥٤
الآية : ٦١
وعن الشعبي: فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((لقد أتاني البشيرُ بهلكة أهلِ نجران، حتى
الطيرُ على الشجر، لو تمُّوا على الملاعنة))(١).
وعن جابر: ((والذي بعثني بالحقِّ لو فَعَلَا لأمطر الوادي عليهما ناراً))(٢).
وروي أنَّ أَسْقُفَ نجران لمَّا رأى رسول الله وَّهِ مقبِلاً ومعه عليٍّ وفاطمةٌ
والحسنان ظمه، قال: يا معشرَ النَّصارى، إنِّي لأَرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن
يُزِيلَ جَبَّلاً من مكانه لأَزاله، فلا تُباهلوا وتهلكوا(٣).
هذا وإنَّما ضمَّ رسولُ اللهِ وَّ إلى النفس الأبناءَ والنساءَ، مع أنَّ القَصْدَ من
المباهلة تبيُّنُ الصَّادقِ من الكاذب، وهو يختصُّ به وبمن يباهله؛ لأنَّ ذلك أتُّ في
الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، وأكملُ نكايةً بالعدوِّ، وأوفرُ إضراراً به
لو تمَّت المباهلة.
وفي هذه القصة أوضح دليل على نبوَّته وََّ، وإلَّا لَمَا امتنعوا عن مباهلته،
ودلالتها على فضل آل اللهِ ورسوله وَّهِ ممَّا لا يَمتري فيها مؤمنٌ، والنصب جازم
الإيمان.
واستدلَّ بها الشيعة على أولويَّة عليٍّ - كرَّم الله تعالى وجهه - بالخلافة بعدَ
رسولِ الله وَّر، بناءً على رواية مجيء عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه مع رسول الله وَّر،
ووجّه أنَّ المراد حينئذٍ بأبنائنا الحسنُ والحسين، وبنسائنا فاطمةُ، وبأنفسنا الأميرُ،
وإذا صار نفسَ الرسول - وظاهرٌ أنَّ المعنى الحقيقيَّ مستحيل - تعيَّن أن يكون المراد
المساواة، ومَن كان مساوياً للنبيِّ وَّ فهو أفضلُ وأولى بالتصرُّف من غيره،
ولا معنى للخليفة إلَّا ذلك.
وأجيب عن ذلك :
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٤٩/١٤، والطبري ٤٦٩/٥-٤٧٠. وأخرج أحمد (٢٢٢٥) بإسناد
صحيح من حديث ابن عباس ها عن النبي ◌َّهر: « .... ولو خرج الذين يباهلون
رسول الله وَ﴿ لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً)).
(٢) أخرجه مطولاً أبو نعيم في الدلائل (٢٤٤).
(٣) ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في الكشاف ٤٣٤/١، وأخرجه بنحوه الحاكم ٢/ ٥٩٣-٥٩٤
عن جابر «څ.

الآية : ٦١
٢٥٥
سُورَةُ آلِّغْرَانَ
أمّا أولاً: فبأنَّا لا نسلِّم أنَّ المراد بـ ((أنفسنا)): الأمير، بل المراد نفسُه
الشريفة وَ*، ويجعل الأمير داخلاً في الأبناء، وفي العُرف يُعدُّ الخَتَن ابناً من غير
ريبة، ويُلتزم عمومُ المجاز إن قلنا: إنَّ إطلاق الابن على ابن البنت حقيقة. وإن
قلنا: إنَّه مجاز، لم يَحْتَجْ إلى القول بعمومه، وكان إطلاقه على الأمير وابنيه
على حدٍّ سواء في المجازيَّة.
وقولُ الطبرسي(١) وغيره من علمائهم: إنَّ إرادة نفْسِه الشريفةِ وَّ من ((أنفسنا))
لا تجوز؛ لوجود «نَدْعُ» والشخصُ لا يدعو نفسَه = هذيانٌ من القول؛ إذ قد شاع
وذَاعَ في القديم والحديث: دَعَته نفْسُه إلى كذا، ودعوتُ نفسي إلى كذا، وطوَّعتْ
له نفْسُه، وأمرْتُ نفسي، وشاورْتُها، إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة
الواقعة في كلام البُلَغاء، فيكون حاصلُ («نَدْعُ أنفسَنا)»: نُحْضِر أنفُسَنا، وأيُّ محذورٍ
في ذلك؟ على أنَّا لو قرَّرنا الأمير من قِبل النبيِّ وَّ لمصداق ((أنفسنا))، فمَن نقرِّره
من قِبَل الكفار؟ مع أنهم مشتركون في صيغة («نَدْعُ))؛ إذ لا معنى لدعوة النبيِّ وَّلـ
إياهم وأبناءهم ونساءهم بعد قوله: ﴿تَعَالَوًا﴾ كما لا يخفى.
وأمَّا ثانياً: فبأنَّا لو سلَّمنا أنَّ المراد بـ ((أنفسنا)) الأمير، لكن لا نسلِّم أنَّ المراد
من النفس ذاتُ الشخص؛ إذ قد جاء لفظُ النفسِ بمعنى القريبٍ والشَّريك في الدِّين
والملَّة، ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]،
﴿وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ
خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] فلعلَّه لمَّا كان للأمير اتصالٌ بالنبيِّي ◌َّرَ في النَّسب والمصاهرة،
واتحادٌّ في الدِّين، عبّر عنه بالنَّفْس، وحينئذ لا تلزَم المساواة التي هي عمادُ
استدلالِهم. على النَّه لو كان المراد مساواتِهِ في جميع الصفات، يَلزَمُ الاشتراكُ في
النبوة والخاتمية والبعثةِ إلى كافَّة الخلق، ونحو ذلك، وهو باطلٌ بالإجماع؛ لأنَّ
التابع دون المتبوع، ولو كان المراد المساواة في البعض لم يَحصل الغرض؛ لأنَّ
المساواةَ في بعض صفاتِ الأفضل والأولى بالتصرُّف لا تَجعلُ مَن هي له أفضلَ
وأولى بالتصرُّف بالضرورة.
(١) في مجمع البيان ٣/ ١٠٢ .

سُورَةُ العَزَانَ
٢٥٦
الآية : ٦١
وأمَّا ثالثاً: فبأنَّ ذلك لو دلَّ على خلافةِ الأمير - كما زعموا - لزم كونُ الأمير
إماماً في زمَنِهِ وََّ، وهو باطلٌ بالاتفاق، وإن قيِّد بوقتٍ دون وقت، فمع أنَّ التقييد
ممَّا لا دليل عليه في اللفظ، لا يكون مفيداً للمدَّعي؛ إذ هو غيرُ متنازَعٍ فيه؛ لأنَّ أهل
السُّنَّة يُثبتون إمامته في وقتٍ دون وقت، فلم يكن هذا الدليل قائماً في محلِّ النزاع.
ولضَعْفٍ الاستدلالِ به في هذا المطلب، بل عدم صحته، كالاستدلال به على
أفضلية الأمير عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه على الأنبياء والمرسلين عليهم السَّلام لزَعْمِ
ثبوتٍ مساواته للأفضل منهم فيه = لم يُقِمْه محقِّقو الشيعةِ على أكثر من دعوى كونِ
الأمير والبتول والحسنين أعزَّةً على رسول الله وَّر، كما صنَع عبدُ الله المشهديُّ في
كتابه ((إظهار الحق)).
وقد أخرج مسلم والترمذيُّ وغيرهما عن سعد بن أبي وقَّاص قال: لمَّا نزلت
هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ﴾ إلخ، دعا رسولُ اللهِله عليًّا وفاطمة وحَسَناً وحُسَيناً
فقال: ((اللهمَّ هؤلاءِ أَهْلي))(١).
هو المشهورُ
وهذا الذي ذَكَرْناه من دعائه وَّه هؤلاء الأربعة المتناسبَةَ
المعوَّلُ عليه لدى المحدِّثين. وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد، عن
أبيه ﴿ه: أنَّه لمّا نزلت هذه الآية جاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان
وولده، وبعليٍّ وولده(٢). وهذا خلافُ ما رواه الجمهور.
واستدلَّ ابن أبي علان من المعتزلة (٣) بهذه القصّة أيضاً على أنَّ الحَسَنيْن كانا
مكلَّفين في تلك الحال؛ لأنَّ المباهلة لا تجوز إلَّا مع البالغين. وذهب الإماميةُ إلى
أنه يُشترط فيها كمالُ العقل والتمييز، وحصولُ ذلك لا يتوقّف على البلوغ، فقد
يَحصل كمالٌ قبلَه ربمَّا يزيد على كمال البالغين. فلا يمتنع أن يكن الحَسَنان إذ ذاك
غيرَ بَالغيْن، إلا أنَّهما في سِنِّ لا يمتنع معها أن يكونا كامِلَي العقل، على أنَّه يجوز
أن يخرق اللهُ تعالى العادات لأولئك السَّادات ويَخصَّهم بما لا يشاركهم فيه غيرُهم،
(١) صحيح مسلم (٢٤٠٤): (٣٢)، وسنن الترمذي (٢٩٩٩)، واللفظ له، وهو عند أحمد (١٦٠٨).
(٢) تاريخ ابن عساكر ١٧٧/٣٩.
(٣) عبد الله بن أبي علان أبو محمد قاضي الأهواز، صنف الكتب الكثيرة في علم الكلام
وغيره، توفي سنة (٤٠٩هـ). النجوم الزاهرة ٢٤٣/٤. وقوله في مجمع البيان ١٠١/٣.

الآية : ٦٢
٢٥٧
سُول ◌ُ الطفرات
فلو صحّ أنَّ كمال العقل غيرُ معتاد في تلك السنِّ لَجَاز ذلك فيهم إبانةً لهم عمَّن
سواهم، ودلالةٌ على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم به (١)، وهم القومُ الذين
لا تُحصى خصائصُهم.
وذهب النواصبُ(٢) إلى أنَّ المباهلَة جائزةٌ لإظهار الحقِّ إلى اليوم، إلّا أنَّه يُمنع
فيها أن يُحْضَر الأولاد والنساء، وزعموا - رفعَهم اللهُ تعالى لا قَدْراً، وحّهم
ولا حّ عنهم وِزْراً - أنَّ ما وقَع منهِ ﴿﴿ كان لمجرَّد إلزام الخَصْم وَتَبْكِيته، وأنه
لا يدلُّ على فضل أولئك الكرام، على نبيّنا وعليهم أفضل الصلاة وأكملُ السَّلام،
وأنت تعلم أنَّ هذا الزعم ضربٌّ من الهَذَيان، وأثرٌ من مسِّ الشيطان:
وليس يَصِحُّ في الأذهانِ شيءٌ إذا احتاج النَّهارُ إلى دليلٍ (٣)
ومَن ذهب إلى جواز المباهلة اليوم على ◌ِرْز ما صنّع رسول الله (8 4﴾، واستدلَّ
بما أخرجه عبد بن حميد(٤)، عن قيس بن سعد: أنَّ ابن عباس ◌ِ﴿ما كان بينه وبين
آخر شيء، فدعاه إلى المباهلة وقرأ الآية ورفع يديه فاستقبل الرُّكن. وكأنه يُشير
بذلك رَّله إلى كيفية الابتهال، وأنَّ الأيديّ تُرفع فيه، وفيما أخرجه الحاكم(٥)
تصريحٌ بذلك، وأنها تُرفع حذوَ المناكبِ.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: المذكور في شأن عيسى عليه السلام؛ قاله ابن عباس ﴿لَهُوَ
اُلْتَصَصُ الْعَنّ﴾ جملةٌ اسمية خبرُ ((إنَّ). ويجوز أن يكون ((هو)) ضميرَ فِضْلٍ لا محلَّ له
من الإعراب، و((القصص)) هو الخبر، وضميرُ الفصل يُفيد القصرَ الإضافيَّ كما يفيده
تعريف الطَّرَفين. و((الحقُّ)) صفةُ ((القصص)) وهو المقصودُ بالإفادة، أي: إنَّ هذا هو
(١) مجمع البيان ١٠١/٣.
(٢) هم قوم يتدينون ببغضة علي عليه، ويزعمون أنه لم يكن مصيباً في حروبه. فتح الباري
٥٤٣/١، واللسان (نصب).
(٣) البيت للمتنبي، وهو في شرح ديوانه ٢١٥/٣ برواية: وليس يصح في الأفهام ...
(٤) كما في الدر المنثور ٢/ ٤٠ .
(٥) في المستدرك ٣٢٠/٤ من حديث ابن عباس ها، أن رسول الله 48* قال: ((هكذا
الإخلاص)، يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، ((وهذا الدعاء)» فرفع يديه حذو منكبيه، ((وهذا
الابتهال)) فرفع يديه مدًّا، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله:
ذا منكرٌ بمَرَّة.

سُورَةُ الغَزَانَ
٢٥٨
الآية : ٦٢
الحقُّ، لا ما يدَّعيه النصارى من كون المسيح عليه السلام إلهاً، أو ابن الله،
سبحانه وتعالى عمَّا يقوله الظالمون علوًّا كبيراً.
وقيل: إنَّ الضمير للقصر والتأكيد لو لم يكن في الكلام ما يفيد ذلك، وإن كان
كما هنا فهو لمجرَّد التأكيد. والأول هو المشهور، وعليه الجمهور، ولعلَّه الأَوْجَه.
واللام لامُ الابتداء، والأصلُ فيها أن تدخل على المبتدأ، إلا أنهم يزحِلِقونها
إلى الخبر لئلا يتوالى حرفا تأكيدٍ، وإذا جاز دخولُها على الخبر كان دخولُها على
الفصل أَجوَزَ؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ، فافهم.
و﴿ اَلْقَصَمُ﴾ على ما في ((البحر)) مصدر (١) قولهم: قصَّ فلانٌ الحديثَ يقصُّه قصًّا
وقَصَصَاً، وأصلُه: تتبّع الأثر، يقال: خرَج فلان يقصُّ أثرَ فلان، أي: يتتَبَّعه ليعرفَ
أين ذهب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيةٍ﴾ [القصص: ١١]، أي: تتبّعي
أثرَه، وكذلك القاصُّ في الكلام لأنه يَتَبَّع خبراً بعد خبر، أو يتبَّع المعاني ليورِدَها.
وهو هنا فَعَلٌ بمعنى مفعول، أي: المقصوص الحقُّ. وقرئ: (لَهْو)) بسكون الهاء(٢).
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ اللّهُ﴾ ردٌّ على النصارى في تثليثهم، وكذا فيه ردٌّ على سائر
الثَّنوية. و((مِن)) زائدة للتأكيد كما هو شأن الصِّلات، وقد فهم أهلُ اللسان - كما قال
الشهاب(٣) - أنها لتأكيد الاستغراقِ المفهوم من النكرة المَنْفيَّة لاختصاصها بذلك في
الأكثر، وقد توقَّف محبُّ الدِّين(٤) في وجه إفادة الكلمات المزيدة للتأكيد بأيِّ طريق
هي، فإنها ليست وضعيَّةً، وأجاب بأنَّها ذوقية يَعرِفها أهلُ اللسان. واعتُرض بأنَّ
هذا حوالةٌ على مجهول فلا تفيد، فالأَولى أن يقال: إنَّها وضعيةٌ، لكنه من باب
الوضع النوعي، فتدبّر.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الغالب غلبةً تامَّةً، أو القادر قدرةً كذلك، أو الذي
لا نظير له. ﴿اٌلْحَكِيمُ ﴾ أي: المتقِنُ فيما صنَع، أو المحيط بالمعلومات.
(١) البحر ٤٨٢/٢، وما بعده من الدر المصون ٢٢٩/٣.
(٢) في الأصل و(م) بسكون الواو، والمثبت هو الصواب. والقراءة بسكون الهاء وردت عن
أبي عمرو والكسائي وأبي جعفر وقالون. التيسير ص٧٢، والنشر ٢٠٩/٢.
(٣) في حاشيته ٣٢/٣.
(٤) لعله محمد بن أحمد الحنفي المدعو بمولانا زاده، المتوفى سنة (٨٥٩هـ)، اختصر الکشاف،
وله حاشية على مفتاح العلوم للسكاكي. كشف الظنون ٢/ ١٤٨١، وهدية العارفين ٢٠١/٢.

التفسير الإشاري (٥٢- ٦٣)
٢٥٩
سُورَةُ آلعمران
والجملةُ تذييلٌ لِمَا قبلها، والمقصود منها أيضاً قصرُ الإلهية عليه تعالى ردًّا على
النصارى، أي: قصر إفرادٍ، فالفصل والتعريف هنا كالفصل والتعريف هناك،
فما قيل: إنهما ليسا للحصْر؛ إذ الغالبُ على الأغيار لا يكون إلَّا واحداً، فيلغو
القصر فيه إلا أن يُجعل قصرَ قلبٍ والمقامُ لا يلائمه = ممَّا لا عصام له كما لا يخفى.
﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن اتِّباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البيّنات،
وهذا على تقدير أن يكون الفعل ماضياً، ويحتمل أن يكون مضارعاً وحُذفت منه
إحدى التاءين تخفيفاً، وأصله: تتولّوا.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِلْمُفْسِدِينَ ﴾﴾ أي: بهم، أو: بكم، والجملةُ جوابُ الشرط في
الظاهر، لكن المعنى على ما يترتَّب على علمه بالمفسدين من معاقبته لهم، فالكلام
للوعيد. ووضع الظاهر موضعَ الضمير تنبيهاً على العلَّة المقتضية للجزاء والعقاب،
وهي الإفساد.
وقيل: المعنى على أنَّ الله عليم بهؤلاء المجادلين بغير حقٌّ، وبأنهم لا يُقْدمون
على مُباهلتك؛ لمعرفتهم نبوَّتك وثبوت رسالتك. والجملةُ على هذا أيضاً - عند
التحقيق - قائمةٌ مقامَ الجواب، إلا أنه ليس الجزاءَ والعقاب، والكلامُ مُنْسَاقٌ
لتسليته وَ *. ولا يخفى ما فيه.
ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾ أي: شاهَدَ ﴿عِيسَى﴾ بواسطة النور
الإلهي المُشرِقِ عليه ﴿مِنْهُمُ اٌلْكُفْرَ﴾ أي: ظُلْمتَه، أو نفْسَه، فإنَّ المعاني تَظْهَر
للكُمَّلِ على صوَر مختلفةٍ باختلافها فيرونها، وحكي عن الباز قدِّس سره أنه قال:
إنَّ الليل والنهار يأتياني فيُخبِرَاني بما يَحْدُث فيهما! وعن بعض العارفين أنه يشاهد
أعمال العباد كيف تَصْعَدُ إلى السماء، ويرى البلاءَ النازلَ منها.
﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ﴾ في حال دعوتي ﴿إِلَى اللهِ﴾ سبحانه، بأن يلتفت إلى
الاشتغال بتكميل نفْسه وتهذيب أخلاقها، حتى يَصْلُح لتربية الناقصين، فينصرني
ويُعينني في تكميل الناقص وإرشاد الضَّالِّ.
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ المبيِّضون ثيابَ وجودِهم بمياه العبادة، ومطرقةِ المجاهدة،
وشمسٍ المراقبة: ﴿فَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ﴾ أي: أعوان الفانِين فيه الباقين به، ومنهم عيسى

سُولُ العَمَانَ
٢٦٠
التفسير الإشاري (٥٢-٦٣)
عليه السَّلام ﴿ءَامَثًا بِاللَّهِ﴾ الإيمانَّ الكامل، فاشهد ﴿يَأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون
لأمرك حيث إنه أمرُ الله سبحانه.
﴿رَّشَآ ءَامَّنَا بِمَّاً أَنَزَّلْتَ﴾ وهو ما نوَّرت به قلوب أصفيائك من علوم
غَيْبِك ﴿وَأَنَّمَعْنَا الرَّسُولَ﴾ فيما أَظْهر من أوامرك ونواهيك؛ رجاءً أن يوصلنا ذلك إلى
محبَّتِك. ﴿فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ أي: مع مَن يَشهدك ولا يشهد معك سواك، أو
الحاضرين لك المراقبين الأمْرك.
﴿وَمَكَرُوا﴾ أي: الذين أحسّ منهم الكفرَ، واحتالوا مع أهلِ الله بتدبير النفس،
فكان مكرُهم مكرّ الحقّ عليهم، لأنه المُزيِّن ذلك لهم، كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ زَيِّنًا
لِكُلِّ أُمٍَّ عَمْلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨ ] فهو الماكِرُ في الحقيقة، وهذا معنى: ﴿وَمَكَرَ آَّهُ﴾
عند بعضٍ، والأَّولى القولُ باختلاف المَكْرَيْن على ما يقتضيه مقامُ الفرْق، وقد سئل
بعضُهم: كيف يَمْكُر الله؟ فصَاح وقال: لا علَّة لصُنْعه، وأنشأ يقول:
ونَفْسي لا تُنازِعُني سِواكا
فدینگ قد ◌ُپلتُ علی ھَواکا
وإن لم يُبْقِ حُبُّك لي حرَاكا
أُحبُّك لا ببعضي بل بكُلِّي
وتفعلُه فيحسُنُ منك ذاك(١)
ويَقْبُحُ مِن ◌ِواك الفعلُ عندي
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىَ إِّ مُتَوَفِيكَ﴾ عن رَسْمِ الحُدوثية ﴿وَرَائِعُكَ إِلَى﴾ بنعْتِ الرُّبوبية
﴿وَمُطَهْرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بشغل سرِّكُ عَن مطالَعة الأغيار. أو: متوفِيك عنك،
وقابضُك منك، ورافعُك عن نُعوت البشرية، ومطهّرُك من إرادتك بالكلية.
وقيل: إنَّ عيسى عليه الصلاة والسلام لمَّا أحسَّ منهم الكفر، وعَلِمَ أنَّهم بَعَثوا
مَن يَقتلُه، قال للحواربين: إنِّي ذاهبٌ إلى أبيٍ وأبيكم السَّماويِّ، أي: مَّصِلٌ بروح
القدس، ومتطهِّر من علاقة عالم الرِّجس، فأُمِدُّكم بالفيض کي تستجاب دعوتُکم
الخلْقَ بعدي. فشبِّه للقوم صورةٌ جَسَدانيةٌ هي مَظْهر عيسى روحِ الله تعالى بصورة
حقيقةٍ عيسى، فظنُّوها هو، فصلبوها ولم يعلموا أنَّ الله تعالى رفعَه إلى السماء
الرابعة التي هي فلك الشمس، وحكمةُ رفعِه إلى ذلك أنَّ روحانيته عبارةٌ عن
إسرافيل عليه الصلاة والسلام، ويشاركه المسيح في سرِّ النفخ.
(١) الأبيات لأبي نواس، وهي في ديوانه ص ٤٧٧.