النص المفهرس

صفحات 221-240

التفسير الإشاري (٤٢-٥١)
٢٢١
سُورَةُ آل عمران
قال الله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَكَةُ﴾ أي: ملائكةُ القوى الروحانية لمريم
النفْسِ الطاهرة الذَّكية: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنكِ﴾ لكمال استعدادِك، ووفور قابليَّتك
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ عن الرذائل والأخلاق الرديَّة ﴿وَأَصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ﴾ النفوسِ الشهوانية
المتدرِّعةِ بجلباب الأفعال الذميمة.
﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُقِى لِرَبِّكِ﴾ أي: دَاومي على الطاعة له بالائتمار بما أَمَر، والانزجارِ
عمَّا نَهَى ﴿وَأَسْجُدِى﴾ في مساجد الذلِّ ﴿وَأَزْكَعِى﴾ في محاريب الخضوع مع
الخاضعين، فإنَّ في ذلك إقامةَ مَراسمِ العبودية، وأداءَ حقوقِ الربوبية، والله تعالى دَرُّ
مَن قال:
ويقبُحُ إلا العَجْزُ عندِ الحَبَائِبِ(١)
ويَحْسُنُ إظهارُ التجلُّدِ للعدى
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي: من أخبار غيب وجودك ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾ يا نبيَّ الروحِ
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي لدى القوى الروحانية والنفسانية، والمراد ما كنت ملتفتاً
إليهم، بل كنت في شغل شاغل عنهم ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾ أقلامَ استعداداتهم التي يَكتبون
بها صُحفَ أحوالهم وتوراة أطوارهم، ويطرحونها في بَحْر التدبير ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ﴾
ويدبِّرِ ﴿مَرْيَ﴾ النفسِ بحَسَب رأيه ومقتضى طبعهِ ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾
في مقام الصَّدر، الذي هو محلُّ اختصام القوى في طلَب الرياسة قبل الرِّياضة، وفي
حالها ﴿إِذْ قَالَتْ﴾ ملائكةُ القوى الروحانية حين غلبت: ﴿يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾
بمقتضى التوجُّه إليه ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ جامعةٍ لحروف الأكوان، وهو القلب المحيط
بالعوالم ﴿أَسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ لأنه يَمْسحُك بالنور، أو لأنَّه مُسِحَ به ﴿وَجِيهَا فِ الدُّنْيَا﴾
لتدبيره أمرَ المعاش، فيطيعُه إنسُ القوى الظاهرة وجِنُّ القوى الباطنة، ووجيهاً في
الآخرة لقيامه بتدبير المَعَاد، فيطيعهُ ملكوتُ سماء الأرواح. أو شريفاً مرفوعاً في
الدنيا، وهي عبارةٌ عن تجلِّي الأفعال، وفي الآخرة وهي عبارةٌ عن تجلِّي الأسماء.
﴿وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ﴾ أي: المعدودين من جملة مقرَّبي الحضرةِ القابلين لتجلِّ الذات،
وفي الخبر: ((ما وسعتني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلْبُ عبدي المؤمن))(٢).
(١) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص ٥٠ برواية :... ويقبح غير العجز عند الأحبة.
(٢) قال ابن تيمية كما في تنزيه الشريعة ١٤٨/١، والمصنوع ص ١٦٤ : هو موضوع. وقال
ملا علي القاري: لا يعرف له إسناد مرفوع ... وقال الزركشي: وضعته الملاحدة.

سُورَةُ الَّعَتْرَانَ
٢٢٢
التفسير الإشاري (٤٢-٥١)
﴿وَيُكَلِمُ النَّاسَ﴾ بما يرشدهم في مَهْد البدَن وقت تغذِّيه بلبان السُّلوك إلى مَلِك
الملوك ﴿وَكَهْلًا﴾ بالغاً طَوْرَ شيخ الروح، وواصلاً وسط الطريق.
﴿قَالَتْ رَبٍّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ﴾ مثلَ هذا ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ﴾ وهو تعجّبٌ من
ولادتها ذلك من غير تربيةِ معلِّم بشريٍّ؛ لِمَا أنَّ العادة جَرَت بأنَّ الوصول إلى
المقامات العليَّة إنما هو بواسطة شيخ مرشِدٍ يعرف الطريقَ ويدفع الآفات، وقد شاع
أنَّ الإنسان متى سلك بنفسه ضَلَّ، أو لم يَفُز بكثير، ومن كلامهم: الشجرةُ التي
تَنْبُتُ بنفسها لا تُثْمِر.
﴿قَالَ كَذَلِكِ اَللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ فلهُ أن يصطفي مَن شاء من غير تربيةٍ مُرَبٍّ،
ولا إرشادٍ مُرْشدٍ، بل بمجرَّدِ الجذبةِ الإلهية، وهذا شأنُ المُرَادِينَ وبعضِ المُريدين:
للمَعالي وما لذاك اختيارُ
رُبَّ شَخصٍ تقودُهُ الأقدارُ
وهو عنها مُسْتوحِشٌ نفَّارُ(١)
غافل والسعادةُ احتضنتهُ
﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ بالتعليم الإلهيّ الغنيِّ عمَّا يُعهد من الوسائط، كتاب العلوم
المعقولة، وحِكَمَ الشرائع، ومعارف الكتب الإلهية من توراة الظاهر، وإنجيل
الباطن، ويجعلُه رسولاً إلى الروحانيين من بني إسرائيل الروح، قائلاً: ﴿أَنِّ قَدْ
جِثْتُكُم﴾ من عالم الغيب بآيةٍ عظيمة، وهي: ﴿أَنَّ أَغْلُقُ لَكُم﴾ بالتربية من طين
النفوس البشرية ﴿كَهَيَْةٍ﴾ الطائر إلى جناب القُدْسِ بجناحي الرَّجاء والخوف
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ بنفث العِلم الإلهيِّ، ونفسِ الحياةِ الحقيقية ﴿فَيَكُونُ طَيْا﴾ أي: نفساً
حيَّةً طائرةً في فضاء الجمال والجلال إلى رياض جناب الحقِّ سبحانه ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ .
﴿وَأَبْرِىءُ الْأَكْمَةَ﴾ أي: الأعمى المحجوبَ برؤية الأغيار عن رؤية نور الأنوار
﴿وَاْأَبْرَسَ﴾ المُبتلى بأمراض الرذائل والعقائد الفاسدة التي أوجبت مخالفة لون
بشرته الفطرية ﴿وَأُخْىِ﴾ موتى الجهل بحياة العِلم الحقيقية ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾.
﴿وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ﴾ أي: تتناولون من الشهوات واللذات ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ في
بيوت نيَّاتكم من الآمال التي هي كَسَرابٍ بقيعة ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآَيَةٌ
لَكُمْ﴾ نافعةً ﴿إِن كُنتُم ◌ُّؤْمِنِينَ﴾.
(١) البيتان للشيخ عبد الغني النابلسي، وهما في ديوانه ص٢٠٨.

الآية : ٥٢
٢٢٣
سُؤَدَةُ الَ ◌ّغْرَانَ
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ﴾ توراة الظاهرِ؛ فإنه أحدُ المظاهر ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم
بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بسبب عِنادكم وقَصْرِكم الحقَّ على بعض مظاهره، وأشير
بذلك إلى علْم الباطن، والمرادُ من البعض: إمَّا الكلُّ، على حدٍّ ما قيل في قوله
تعالى: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، وإمَّا ظاهِرُ معناه، فيكون إشارةً
إلى أنَّ مِن الباطن ما يَحْرُم كشْفُه، فقد قال مولانا زينُ العابدين:
لقيل لي: أنت ممَّن يَعْبدُ الوَثَنا
ورُبَّ جوهر علْم لو أبوح به
يرون أقبح ما يأتونهُ حَسنًا
ولَاسْتَحِلَّ أناسٌ مسلمون دمي
إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا(١)
وقد تقدَّم في هذا أبو حسن
﴿وَجِئْتُكُم بِكَايَةٍ﴾ بعد أخرى ﴿مِّن رَّبِّكُمْ فَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في مخالفتي ﴿وَأَطِعُونِ﴾
فيما فيه كمال نشأتكم ﴿إِنَّ اللَّ رَبِّ وَرَبُّكُمْ﴾ فهو الذي يوصلكم إلى ما فيه
كمالُكم ﴿فَأَعْبُدُوهُ﴾ بالذلِّ والانكسار والوقوف على بابه بالعجز والافتقار، وامتثلوا
أمرَه ونهيه ﴿هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: يوصلُكم إليه ويَقِدُ بكم عليه.
﴿فَلَمَّاً أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ شروعٌ في بيان مآلِ أحواله عليه السلام،
وما قبلُ(٢) يحتمل أن يكون كلُّه من قِبَل الملائكة شرحاً لطرفٍ منها داخلاً تحت
القول، ويحتمل أن يكون الكلام قد تمَّ عند قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾،
ولا يكون ﴿أَنِّ قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ إلخ متعلِّقاً بما قبله، ولا يكون داخلاً تحت القول،
ويكون المحذوف هناك: فجاء عيسى كما بشّر الله تعالى رسولاً إلى بني إسرائيل
بـ ﴿أَنِّ قَدْ ◌ِثْتُكُمْ بِكَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية، والفاء هنا مفصِحةٌ بمثل المقدَّر هناك على
التقدير الثاني.
وأصلُ الإحساس: الإدراكُ بإحدى الحواسِّ الخمْسِ الظاهرة، وقد استعير هنا
استعارةً تبعيةً للعلم بلا شبهة. وقيل: إنه مجاز مرسل عن ذلك، من باب ذِكْر
(١) طبقات الشافعية ٢٣١/٢، ونسبها الخطيب في تاريخ بغداد ٤٨٩/١٢ لكلثوم بن عمرو
العتابي.
(٢) في (م): وقيل، بدل: وما قبل، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.

سُورَةُ العَقْرَانَ
٢٢٤
الآية : ٥٢
الملزوم وإرادة اللازم، والدَّاعي لذلك أنَّ الكفر ممَّا لا يُحَسُّ، والقولُ بأنَّ المراد
إحساسُ آثار الكفرِ، ليس بشيءٍ.
والمرادُ من الكفر إصرارُهم عليه وعتوُّهم فيه، مع العزيمة على إيقاع مكروهٍ به
عليه السلام، وقد صحَّ أنه عليه السلام لقي من اليهود - قاتلهم الله تعالى - شدائد
كثيرة؛ أخرج إسحاق بنُ بشر وابن عساكر(١) من طرقٍ عن ابن عباس ظًّا قال: كان
اليهود يجتمعون على عيسى عليه السلام ويستهزؤون به، ويقولون له: يا عيسى،
ما أَكَل فلانٌ البارحةَ، وما ادَّخر في بيته لغَدٍ؟ فيخبرُهم ويسخرون منه، حتى طالَ
ذلك به وبهم، وكان عيسى عليه السلام ليس له قرَارٌ ولا موضع يُعرف، إنَّما هو
سائحٌ في الأرض، فمرَّ ذات يوم بامرأةٍ قاعدةٍ عند قبر وهي تبكي، فسألها فقالت:
ماتت ابنةٌ لي لم يكن لي ولدٌ غيرها، فصلَّى عيسى ركعتين ثم نادى: يا فلانةُ قومي
بإذن الرَّحمن فاخرجي. فتحرَّك القبرُ، ثم نادى الثانية فانْصَدَعَ القبر، ثم نادى الثالثة
فخرجت وهي تَنْفُض رأسهَا من التراب.
فقالت: يا أمَّاه ما حمَلَك على أن أذوق كربَ الموت مرتين؟ يا أمَّاه اصبري
واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روحَ الله سَلْ ربِّي أن يَردَّني إلى الآخرة، وأن
يهوّن عليَّ كُرَب الموت. فدعا ربه، فقبضها إليه، فاستوت عليها الأرضُ. فبلغ
ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً .
وروي عن مجاهد: أنهم أرادوا قتله ولذلك استنصر قومَه.
و ((من)) لابتداء الغاية متعلِّقٌ بـ ((أحس))، أي: ابتدأ الإحساس من جهتهم، وجوَّز
أبو البقاء(٢) أن يتعلق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الكفر، أي: لمَّا أحسَّ الكفر حالَ
کونه صادراً منهم.
﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ﴾ المقولُ لهم الحواريون، كما تشير إليه آية الصف:
﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ﴾ الآية [الصف: ١٤]. وكونُه جميعَ بني إسرائيل لقوله
تعالى: ﴿فَمَنَت ◌َآَيِفَةٌ مِنْ بَنِىَ إِسْرَقِيلَ وَكَفَرَت ◌َيِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] ليس بشيء؛ إذ
(١) في تاريخه ٤٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣.
(٢) في الإملاء ٢/ ٧٣.

الآية : ٥٢
٢٢٥
سُورَةُ الِ غَيْمَانَ
الآيةُ ليست بنصٍّ في المدَّعى؛ إذ يكفي في تحقَّق الانقسام بلوغُ الدعوة إلى
الجميع .
والأنصارُ جمعُ نَصير، كالأشراف جمع شريف. وقال قومٌ: هو جمعُ نَصْرٍ،
وضعَّفه أبو البقاء، إلا أن يقدَّر فيه مضافٌ، أي: مَن صاحبُ نَصْري، أو تجعله
مصدراً وُصِف به(١) .
والجارُّ والمجرور إمّا أن يتعلَّق بمحذوفٍ وقع حالاً من الياء، وهي مفعولٌ به
معنى، والمعنى: مَن ينصرني حالَ كوني مُلتجئاً إلى الله تعالى، أو ذاهباً إلى الله.
وإمَّا أن يتعلَّق بـ ((أنصاري)) مضمَّناً معنى الإضافة، أي: مَن الذين يضيفون أنفسهم
إلى الله في نَصْري؟(٢).
وفي ((الكشاف)) في تفسير سورة الصف ما حاصِلُه ممَّا يُخالف ما ذكره هنا: أنَّ
إضافةَ ((أنصار)) للياء إضافةُ ملابسةٍ، أي: مَن حزبي ومشارِكيَّ في توجُّهي لنُصرة الله
تعالى، ليطابق جوابَهم الآتي، ولا يصحُّ أن يكون معناه: مَن ينصرني مع الله، لعدم
المطابقة (٣)
.
وفيه: أنَّ عدمَ المطابقة غيرُ مسلَّم؛ إذ نصرةُ الله تعالى في الجواب ليست على
ظاهرها، بل لا بدَّ من تجوُّزٍ أو إضمارٍ في نصرِهم لله تعالى، ويُضمَر ما تحصل به
المطابقةُ. نعم كونُ ((إلى)) بمعنى ((مع)) لا يخلو عن شيء، فقد ذكر الفرَّاءُ أنَّها
إنَّما تكون كذلك إذا ضُمَّ شيءٌ إلى آخر، نحو: الذودُ إلى الذَّود إبل(٤)، أي: إذا
ضمَمْتَه إليه صَارَ إبلاً، ألا تراك تقول: قدم زيد ومعه مالٌ، ولا تقول: وإليه مالٌ،
وكذا نظائرُه(٥) .
(١) المصدر السابق.
(٢) ذكر هذين الوجهين الزمخشري في الكشاف ٤٣٢/١، وينظر ما سيأتي.
(٣) الكشاف ١٠١/٤، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٢٩/٣.
(٤) الذَّود: ثلاثة أبعرة إلى العشرة، أو خمس عشرة، أو عشرِين، أو ثلاثين، أو ما بين الثنتين
والتسع، ولا يكون إلا من الإناث، وقولهم: الذَّود إلى الذَّوْد إبل، يدل على أنها في موضع
اثنتين؛ لأن الثنتين إلى الثنتين جمع. القاموس (ذود).
(٥) معاني القرآن للفراء ٢١٨/١، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٢٩/٣.

سُورَةُ الْعَنْرَانَ
٢٢٦
الآية : ٥٢
فالسَّالمُ عن هذا الحَمْلِ من التفاسير - مع اشتماله على قلَّة الإضمار - أولى،
ومن هنا اختار بعضهم كون ((إلى)) بمعنى اللام، وآخرون كونها بمعنى ((في)).
وقال في ((الكشف)): لعلَّ الأشبه في معنى الآية - والله تعالى أعلم - أن يُحمل
على معنى: مَن ينصرني مُنْهِياً نصره إلى الله تعالى، كما يقتضيه حرفُ الانتهاء دون
تضمينٍ، كأنه عليه السلام طَلَب منهم أن ينصروه لله تعالى لا لغرضٍ آخر، مُدمجاً
أنَّ نصرة الله تعالى في نُصرة رسوله، وجوابُهم المحكيُّ عنهم بقوله سبحانه: ﴿قَالَـ
الْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ﴾ شديد الطّباق له، كأنهم قالوا له(١): نحن ناصِروكَ لأنه
نصرُ الله تعالى للغرض الذي رمزَ إليه، ولو قالوا مكانه: نحن أنصارك، لَمَا وقع
هذا الموقع. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ جَعْل ((إلى) بمعنى اللام أو ((في)) التعليليتين يحصل طلبة المسيح
التي أُشير إليها على وجهٍ لعلَّه أقلُّ تكلُّفاً ممَّا ذكر(٢)، وكأنَّ اختيار ذلك لِمَا قاله
الزجَّاج من أنه لا يجوز أن يقال: إنَّ بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى
الآخر، ولكنَّ الحرفَيْن قد يتقاربان في الفائدة، فيَظنُّ الضعيفُ العلم باللغة أنَّ
معناهما واحد، وليس بذلك(٣). فليفهم.
والحواريون: جمع حَوَارِيٍّ، يقال: فلانٌ حواريُّ فلانٍ، أي: خاصَّتُه من
أصحابه وناصِرُه، وليس الحَوَاريُّ جمعاً ككراسيّ - على ما وُهِم - بل هو مفرَدٌ
منصرفٌ كما صرَّح به المحقِّقون. وذكر العلّامةُ التفتازاني أنه مفردٌ وأَلِفُه من
تغييرات النَّسب.
وفيه أنَّ الألف إذا زيدتْ في النسبة وغيَّرت بها تخفّفُ الياء في الأفصح في
أمثاله، والحَوَاريُّ بخلافه(٤)؛ لأنَّ تخفيف يائه شاذٌّ كما صرَّحوا به، وبه قرئ في
الآية(٥) .
(١) قوله: له. ليس في (م).
(٢) في الأصل: ذكره.
(٣) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٤١٦/١.
(٤) حاشية الشهاب ٢٩/٣.
(٥) القراءات الشاذة ص٢١، والمحتسب ١٦٢/١.

الآية : ٥٢
٢٢٧
سُورَةُ الَّغْرَانَ
وأصله من التحوير، أي: التبييض، ومنه الخُبْزُ الحُوَّارَى: الذي نُخِل مرَّة بعد
أُخرى. والحواريات للحضريات نساءِ المدن والقرى؛ لِمَا أنه يَغلب فيهنَّ البياضُ
لعدم البروز للشمس، ويطلق الحَوَاريُّ على القصَّارِ أيضاً؛ لأنَّه يبيِّض الثيابَ. وهو
بلغة النَّبط: هُوَّارَى بضم الهاء وتشديد الواو وفتح الراء؛ قاله الضحاك.
واختُلف في سبب تسمية أولئك القوم بذلك؛ فقيل: سُمُّوا بذلك لبياض
ثيابهم، وهو المروي عن سعيد بن جبير. وقيل: لأنهم كانوا قصَّارين يُبيِّضون
الثيابَ للناس، وهو المَرْويُّ عن مقاتل وجماعة. وقيل: لنَقَاءِ قلوبهم وطهارةٍ
أخلاقهم؛ وإليه يشير كلامُ قتادة.
وفي تعيين أنهم من أيِّ الطوائف من الناس خلافٌ أيضاً؛ فقيل: قوم كانوا
يصطادون السَّمك فيهم يعقوب وشمعون ويوحنا، فمرَّ بهم عيسى عليه السلام فقال
لهم: أنتم تصيدون السَّمك، فإن اتَّبعتموني صِرْتم بحيث تصيدون الناسَ بالحياة
الأبدية؟ فقالوا له: مَن أنت؟ قال: عيسى ابنُ مريم عبدُ الله ورسولُه. فطلبوا منه
المعجزة، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة فما اصطاد شيئاً، فأمر عيسى
عليه السلام بإلقائها في الماء مرَّةً أُخرى، ففعل، فاصطاد ما ملأ سفينتين، فعند
ذلك آمنوا به عليه السَّلام.
وقيل: هم اثنا عشر رَجُلاً، أو تسعةٌ وعشرون من سائر الناس، اتَّبعوا عيسى
عليه السلام، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روحَ الله جعنا. فيضربُ بيده على الأرض
فيخرج لكلِّ واحدٍ رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عَطِشنا، فيضرب بيده على الأرض
فيخرج الماء فيشربون. فقالوا: مَن أفضلُ منا؛ إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا أسقيتنا،
وقد آمنًّا بك؟ فقال: أفضلُ منكم مَن يعمل بيده ويأكل مِن كَسْبِهِ، فصاروا يَغسلون
الثياب بالکِرَاء ويأكلون.
وقيل: إنَّ واحداً من الملوك صنَع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه
السلام على قصعة، فكانت القصعة لا تَنقص، فذكر ذلك للملك، فذهب إليه
الملِك مع أقاربه فقالوا له: مَن أنت؟ قال: عيسى ابنُ مريم. فقال الملك: إنِّي
تارٌ مُلكي ومتَبِعُك، فتبعه مع أقاربه فأولئك هم الحواريون.
وقيل: إنَّ أمَّه دفعته إلى صَبَّاغٍ، فكان إذا أراد أن يعلِّمه شيئاً وجَدَه أعلمَ به

سُورَةُ الِ غَيْرَانَ
٢٢٨
الآية : ٥٢
منه، فغاب الصَّبَّاغ يوماً لمُهمٌّ، وقال له: هاهنا ثيابٌ مختلفة، وقد جعلتُ على كلِّ
منها علامةً، فاصبغها بتلك الألوان. فطبخ عيسى عليه السلامُ حُبًّا(١) واحداً وجعل
الجميع فيه، وقال: كُوني بإذن الله كَمَا أُريد، فرجع الصَّباغُ فأخبره بما فعل، فقال:
أفسدت علي الثياب، قال: قم فانظر، فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً
أصفر، كما كان يريد، فتعجَّب الحاضرون منه وآمنوا به، وكانوا الحواريين.
ونقل جمعٌ عن القفَّال: أنه يجوز أن يكون بعضهم من الملوك، وبعضهم من
الصيادين، وبعضهم من القصَّارين، وبعضهم من الصبَّاغين، وبعضهم من سائر
الناس، وسُمُّوا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصارَ عيسى عليه السلام،
والمخلِصين في محبَّته وطاعته.
والاشتقاق كيف كانوا هو الاشتقاق، ومأخذه إمّا أن يؤخذ حقيقيًّا وإما أن
يؤخذ مجازياً، وهو الأوفقُ بشأن أولئك الأنصار.
وقيل: إنَّه مأخوذ من حَارَ بمعنى رَجَع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ﴾
[الانشقاق: ١٤] وكأنهم سُمّوا بذلك لرجوعهم إلى الله تعالى.
ومن الناس من فسَّر الحواريَّ بالمجاهد(٢)، فإنْ أريد بالجهاد ما هو المتبادر
منه أشكل ذلك، حيث إنه لم يصحَّ أن عيسى عليه السلام أمر به، وادَّعاه بعضهم
مستدلا بقوله تعالى: ﴿َمَنَتَ تَفَةٌ مِّنْ بَبِّي إِسْرَِّيَلَ وَكَفَرَت ◌َِّفَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى
عَدُوِّهِ فَسَبَحُواْ ظَهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] ولا يَخْفَى أنَّ الآية ليست نصًّا في المقصود؛
لجواز أن يراد بالتأييد: التأييدُ بالحجَّة وإعلاء الكلمة.
وإنْ أريد بالجهاد جهادُ النفس بتجريعها مَرَائرَ التكاليف لم يُشْكِل ذلك.
نعم استَشْكل أنَّ عيسى عليه السلام إذا لم يكن مأموراً بالقتال، فما معنى طلَبِهِ
الأنصار؟
وأُجيبَ: بأنَّه عليه السلام لمَّا علم أنَّ اليهود يُريدون قتلَه استنصر للحِمَاية
(١) الحُبّ: الجرة، أو الضخمة منها. القاموس (حبب).
(٢) ذكره ابن الأنباري في الزاهر ٢٨/١، واستدل مَن قاله بقول الشاعر:
ونحن أناس يملأ البيضَ هامُنا ونحن حواريون حين نزاحف
والبيت لمسكين الدارمي كما في البرصان والعرجان للجاحظ ص٥١٥.

الآية : ٥٣
٢٢٩
سُورَةُ أَلَ عَثْرَانَ
منهم - كما قاله الحسن ومجاهد - ولم يستنصر للقتال معهم على الإيمان بما جاء به،
وهذا هو الذي لم يُؤمر به لا ذلك. بل رُبَّما يُدَّعَى أنَّ ذلك مأمورٌ به لوجوب المحافظة
على حِفْظ النفس، وقد روي أن اليهود لمَّا طلبوه ليقتلوه قال للحواربين: أُكم يُحبُّ
أن يكون رفيقي في الجنة على أن يُلْقَى فيه شَبَهي فيُقْتَل مكاني؟ فأجابه إلى ذلك
بعضُهم (١). وفي بعض الأناجيل أنَّ اليهود لمَّا أخذوا عيسى عليه السلام سَلَّ شمعون
سيفَه فضرَبَ به عبداً كان فيهم لِرَجُلٍ من الأحبار عظیم، فرمی بأُذنه، فقال له عيسى
عليه السلام: حَسْبُكَ، ثم أدْنَى أُذُنَ العبدِ فردَّها إلى موضعها، فصارتَ كما كانت(٢).
وقيل: يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجّة، ولتمييز الموافق
من المخالف، وذلك لا يستدعي الأمرَ بالجهاد كما أمر نبيُّنا روحُ جسدٍ
الوجود وَّ*، وهو الظاهر لمَن أنصَف.
والمراد من أنصار الله: أنصارُ دِينه ورسولِه وأعوانُهما، على ما هو المشهور.
﴿ءَامَنَّا بِالَّهِ﴾ مستَنَّدٌ لتلك الدَّعوى، جاريةٌ مجرى العلَّة لها ﴿وَأَشْهَدْ﴾ عطف
على ((آمنا))، ولا يضرُّ اختلافُهما إنشائيةً وإخباريةً؛ لِمَا تحقَّق في محلّه.
وقيل: إنَّ ((آمنا)) لإنشاء الإيمان أيضاً فلا اختلاف.
﴿يَأَنَا مُسْلِمُونَ ﴾﴾ أي: مُنقادون لِمَا تُريده منَّا، ويَدخل فيه دخولاً أوَّليّاً
نُصرَتُهم له. أو: بأنَّ ديننا الإسلام الذي هو دِين الأنبياء مِن قَبلك، فهو إقرارٌ
معنّى بنبوَّةِ مَن قبلَه عليه السَّلام، وهذا طلبٌ منهم شهادتَه - عليه السلام - لهم يوم
القيامة حين تشهد الرُّسلُ لقومهم وعليهم، إيذاناً - كما قال الكَرْخِيُّ - بأنَّ مَرْمَی
غَرَضِهم السعادةُ الأخروية.
وجاء في ((المائدة)): ﴿يأَنَا﴾ [الآية: ١١١]؛ لأنَّ ما فيها - كما قيل - أولُ كلام
الحواريين، فجاء على الأصل، وما هنا تكرارٌ له بالمعنى، فناسبَ فيه التخفيف؛
لأنَّ كلَّا من التخفيف والتكرار فرعٌ، والفرعُ بالفرع أَوْلی.
﴿رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنزَلْتَ﴾ عَرْضٌ لحالِهم عليه تعالى بعدَ عرْضِها على رسولِه؛
استمطاراً لسحائب إجابة دعائهم الآتي. وقيل: مبالغةٌ في إظهار أمرِهم.
(١) سيأتي الخبر مطولاً ص٢٣١ من هذا الجزء.
(٢) ينظر إنجيل لوقا ص٢٧١، وإنجيل يوحنا ص٣٤٩-٣٥٠.

سُورَةُ الْغَيْرَانَ
٢٣٠
الآية : ٥٤
﴿وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ أي: امتثلنا ما أتى به منك إلينا.
﴿فَأُكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴾﴾ أي: محمدٍ وَّرِ وأمَّتِه؛ لأنهم يشهدون للرُّسل
بالتبليغ، ومحمدٌ ◌َپے يشهدُ لهم بالصدق؛ رواه عكرمة عن ابن عباس پًا. وروى
أبو صالح عنه: أنَّهم مَن آمَنَ من الأمم قبلهم.
وقيل: المراد من ((الشاهدين)): الأنبياءُ؛ لأنَّ كلَّ نبيّ شاهدٌ لأُمته وعليها.
وقال مقاتل: هم الصّادقون.
وقال الزَّجَّاج(١): هم الشاهدون للأنبياء بالتصديق.
وقيل: أَرَادوا: مع المستغرِقين في شهود جلالك، بحيثُ لا نُبالي بما يَصل
إلينا من المشاقِّ والآلام، فيسهُل علينا الوفاءُ بما التزَمنا من نُصرة رسولِك.
وقيل: أرادوا: اكتب ذِكْرَنا في زُمرة مَن شَهِدَ حضرتَك من الملائكة المقرَّبين،
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ كِثَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]. ولا يخفى ما في هذا
الأخير من التكلّف. والمعنى على ما عَداه: أَدخِلْنا في عِداد أولئك، أو في عداد
أتباعهِم. وعبَّروا عن فِعْل الله تعالى ذلك بهم بلفظ: ((فاكتبنا))؛ إذ كانت الكتابةُ تقيِّد
وتضبط ما يُحتاج إلى تحقيقه وعِلْمه في ثاني حالٍ.
وقيل: المراد: اجعل ذلك وقدِّره في صحائف الأَزَل. ومن الناس مَن جعل
الكتابة كنايةً عن تثبيتهم على الإيمان في الخاتمة. والظرف متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع
حالاً من مفعول ((اکتبنا)).
﴿وَمَكَرُواْ﴾ أي: الذين أحسَّ منهم الكفرَ؛ إذ وثَّلُوا به من يَقتله غِيلَةٌ
﴿وَمَكَرَ الَهُ﴾ بأن أَلْقَى شَبَهه عليه السَّلام على غيره فصُلِب، ورَفَعَه إليه؛ قال ابن
عباس: لمَّا أراد ملِكُ بني إسرائيل قتلَ عيسى عليه السلام، دخلَ خوخةً وفيها كُوَّة،
فرفعه جبريل عليه السلام من الكوَّة إلى السماء، فقال الملِكُ لرجل منهم خبيثٍ:
ادخل عليه فاقتله. فدخل الخوخةً، فألقى الله تعالى عليه شَبَهَ عيسى عليه السلام،
فخرج إلى أصحابه يُخبرهم أنه ليس في البيت، فقتلوه وصلَبوه وظنُّوا أنه عيسى(٢).
(١) في معاني القرآن ١/ ٤١٨.
(٢) ذكره مطولاً البغوي ١/ ٣٠٧ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.

الآية : ٥٤
٢٣١
سُورَةُ الْعِنْرَانَ
وقال وهب: أسَرُوه ونصَبوا خشبةً ليصلبوه، فأظلمت الأرضُ، فأرسل اللهُ
الملائكة فحالوا بينه وبينهم، فأخذوا رجلاً يقال له: يهوذا، وهو الذي دلَّهم على
عيسى، وذلك أنَّ عيسى جمعَ الحواربين تلك الليلةَ وأوصاهم، ثم قال: لَيَكْفُرنَّ بي
أحدُكم قبل أن يصيح الديكُ، فيبيعني بدراهم يسيرة، فخرَجوا وتفرَّقوا وكانت
اليهود تطلبه، فأتى أحدُ الحواريين إليهم وقال: ما تجعلون لي إن دَلَلتكم عليه؟
فجعلوا له ثلاثين درهماً، فأخذها ودلَّهم عليه، فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى عليه
السلام، فأُدخل البيت، ورُفع عيسى، فأخذوه وقال: أنا الذي دَلَلتُكم عليه. فلم
يلتفتوا إلى قوله وصَلَبوه وهم يظُّون أنه عيسى، فلمَّا صُلِب شَبَهُ عيسى وأتى على
ذلك سبعةُ أيام، قال الله تعالى لعيسى: اهبط على مريم، ثم لتجمع لك الحواريين،
وبثَّهم في الأرض دُعاةً، فهبط عليها واشتعل الجبلُ نوراً، فجمعت له الحواريين
فبثَّهم في الأرض دُعاةً، ثم رَفَعه الله سبحانه، وتلك الليلة هي الليلة التي تدخّن فيها
النَّصارى، فلما أصبح الحواريون قصد كلٌّ منهم بلدةَ من أرسله عيسى إليهم(١).
وروي عن غير واحد: أنَّ اليهود لمَّا عزَموا على قتله عليه السلام اجتمع
الحواريون في غُرفة، فدخل عليهم المسيحُ من مِشْكَاة الغُرْفة، فأخبرَ بهم إبليسُ
جمعَ اليهود، فركب منهم أربعةُ آلاف رجلٍ فأخذوا بابَ الغرفةِ، فقال المسيح
للحواريين: أيُّكم يَخرج ويُقْتل ويكون معي في الجنة؟ فقال واحد منهم: أنا
يا نبيَّ الله. فألقى عليه مِدْرَعةً من صوف وعمامةً من صوف وناوله عثَّازه، وأُلقي
عليه شَبَهُ عيسى عليه السَّلام، فخرَج على اليهود فقتلوه وصلَبوه، وأمَّا عيسى عليه
السلام فكَساه اللهُ النورَ وقطع عنه شهوةَ المَطْعَمَ والمشْرَب ورفعَه إليه. ثم إنَّ
أصحابه لمَّا رأوا ذلك تفرَّقوا ثلاث فِرَقٍ، فقالت فرقةٌ: كان اللهُ فينا فصعد إلى
السماء. وقالت فرقة أخرى: كان فينا ابنُ الله عز وجل ثم رفَعه اللهُ سبحانه إليه.
وقالت فرقة أخرى منهم: كان فینا عبد الله ورسولُه ما شاء الله ثم رفعه إليه. وهؤلاء
هم المسلمون، فتظاهرت عليهم الفرقتان الكافرتان فقتلوهم، فلم يزل الإسلام
مُنْدَرِسَ الآثار إلى أن بَعثَ اللهُ تعالى محمداً وَلَ(٢).
(١) الخبر في تفسير البغوي ٣٠٧/١، ووقع في آخره: فلما أصبح الحواريون حدَّث كلُّ واحد
منهم بلغة مَن أرسله عيسى إليهم.
(٢) أخرجه بنحوه النسائي في الكبرى (١١٥٢٧)، وابن أبي حاتم ٤/ ١١١٠ عن ابن عباس ,

سُورَةُ العمران
٢٣٢
الآية : ٥٤
وروي عن ابن إسحاق: أنَّ اليهود عذَّبوا الحواريين بعد رفع عيسى عليه
السلام، ولقوا منهم الجهد، فبلغ ذلك ملِكَ الروم، وكان ملكُ اليهود من رعيَّته
واسمُه داود بن نوذا، فقيل له: إنَّ رجلاً من بني إسرائيل ممَّن تحت أمرٍك كان
يُخبرهم أنه رسولُ الله تعالى، وأراهم إحياءَ الموتى وإبراءَ الأكمهِ والأبرص، وفعَل
وفعَل. فقال: لو علمتُ ذلك ما خلَّيت بينهم وبينه، ثم بعث إلى الحواريين
فانتزَعَهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام فأخبروه، فبايعهم على دينهم
وأنزلَ المصلوبَ فغيَّبه، وأخذ الخشبة فَأَكْرَمها، ثم غَزَا بني إسرائيل، فَقَتل منهم
خَلقاً عظيماً، ومنه ظهر أصلُ النصرانية في الرُّوم، ثم جاء بعده ملِكٌ آخر يقال له
ططيوس(١)، وغزا بيتَ المَقْدسِ بعد رفع عيسى عليه السلام بنحوٍ من أربعين سنة،
فقَتَل وسَبَى ولم يترك في بيت المقدس حَجَراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظةُ
والنضير إلى الحجاز.
هذا وأصلُ المَكْر قيل: الستر(٢)، ومنه: مَكَر الليلُ، إذا أظلم. وقيل:
الالتفاف(٣)، ومنه المُكور: لضربٍ من الشجر ذي التفاف(٤)، واحدُه مَكْر،
والمَمْكورةُ من النساء: للملتقَّة الخَلْقِ مَظْويَّتِ.
وفسّره البعضُ: بصرف الغير عمَّا يقصده بحيلة.
وآخرون: باختداع الشخص لإيقاعه في الضرر، وفرَّقوا بينه وبين الحيلة بأنَّها
قد تكون لإظهار ما يَعْسُر من الفعل من غير قصدٍ إلى الإضرار، والمكرُ حيلةٌ على
الشخص تُوقعه في مثل الوَهَق(٥)، وقالوا: لا يُطلق على الله تعالى إلا بطريق
المُشاكلة؛ لأنه منزَّه عن معناه، وغيرُ محتاج إلى حِيلة، فلا يقال ابتداءً: مكر الله
= قوله، وقال ابن كثير عند تفسير الآية (١٥٨) من سورة النساء: هذا إسناد صحيح إلى ابن
عباس.
(١) في (م): طيطوس، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤٣/٢، والكلام منه.
(٢) في (م): الشر، وهو تصحيف.
(٣) في الأصل و(م): الالتفات، والمثبت هو الصواب، ينظر الدر المصون ٢١٢/٣.
(٤) في الأصل و(م): ذي التفات، والمثبت هو الصواب.
(٥) الوَهَق محركة ويسكَّن: الحبل يُرمى في أنشوطة، فتؤخذ به الدابة والإنسان. القاموس
(وهق).

الآية : ٥٥
٢٣٣
سُورَةُ العَقْرَانَ
سبحانه، وإلى ذلك ذهب العضُد(١) وجماعةٌ، وخالَفَهم الأبهريُّ وغيرُه فجوَّزوا
الإطلاق بلا مشاكلةٍ، مستدلِّين بقوله تعالى: ﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ
اُللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] فإنه نُسب إليه سبحانه ابتداء.
ونُقل عن الإمام(٢): أن المَكْرَ إيصالُ المكروهِ إلى الغير على وجهٍ يَخْفَى فيه،
وأَنَّه يَجُوزُ صدورُه عنه تعالى حقيقةً. وقال غيرُ واحد: إنَّه عبارةٌ عن التدبير المحكم،
وهو ليس بممتنع عليه تعالى؛ وفي الحديث: ((اللهم امكُرْ لي ولا تَمْكُرْ بي))(٣).
ومَن ذهب إلى عدم الإطلاق إلَّا بطريقِ المُشاكلة أجاب عن الاستدلال بالآية
ونحوها: بأنَّ ذلك من المشاكلة التقديرية كما في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١٣٨]. ولا يخفى ما فيه.
فالأَولى القول بصحَّة الإطلاقِ عليه سبحانه ابتداءً بالمعنى اللائق بجلاله جلَّ
جلالُه، وممَّا يؤيِّد ذلك قولُه سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَلِكِينَ ﴾﴾ أي: أقواهم مَكْراً
واشدُّهم، أو أنَّ مَكْرَه أحسن وأوقعُ في محلّة لبعده عن الظلم، فإنه يُبعد المشاكلة.
﴿إِذْ قَالَ اللّهُ﴾ ظرف لـ ((مَكَر))، أو المحذوفٍ نحو: وقع ذلك، ولو قُدِّر: ((اذكر))
كما في أمثاله لم يَبْعُد. وتعلَّقه بالماكرين بعيدٌ؛ إذ لا يظهر وجهٌ حسنٌ لتقييد قوَّةٍ
مكره تعالى بهذا الوقت.
﴿يَعِيسَىّ إِ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَ﴾ أخرج ابن أبي حاتم (٤) عن قتادة قال: هذا من
المقدَّم والمؤثّر، أي: رافعُك إليَّ ومتوفِّيك. وهذا أحدُ تأويلاتٍ اقتضاها مخالفةٌ
ظاهر الآية للمشهور المُصَرَّح به في الآية الأُخرى، في قوله نَّهِ: ((إنَّ عيسى لم
يَمُتْ، وإنَّه راجعٌ إليكم قبلَ يومِ القيامة)»(٥).
(١) هو عضد الدين الأيجي، وذكر قوله الشهاب في الحاشية ٣/ ٣٠.
(٢) هو الرازي في تفسيره ٧١/٨، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٣/ ٣٠.
(٣) ذكره بهذا اللفظ ابن الأثير في النهاية (مكر). وهو قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٩٩٧)،
وأبو داود (١٥١٠)، والترمذي (٣٥٥١) عن ابن عباس رضيًّا برواية: (( ... ولا تمكر عليَّ)).
قال الترمذي: حسن صحيح.
(٤) في تفسيره ٢/ ٦٦١.
(٥) أخرجه الطبري ٤٤٨/٥، وابن أبي حاتم ٤/ ١١١٠ من طريق الحسن عن النبي وَلّ مرسلاً.

سُورَةُ العَزَانَ
٢٣٤
الآية : ٥٥
وثانيها: أنَّ المراد: إنِّي مستوفي أجلك ومميتُك حَتْفَ أنفِك، لا أسلِّطُ عليك
مَن يَقتلك. فالكلام كنايةٌ عن عصمته من الأعداء وما هم بصدده من الفَتْكِ به عليه
السَّلام؛ لأنه يلزم من استيفاءِ اللهِ تعالى أجلَه، وموتِه حتف أنفِه ذلك.
وثالثها: أنَّ المراد: قابضُك ومستوفي شخصك من الأرض، مِن توفَّى المالَ،
بمعنى: استوفاه وقَبَضَه.
ورابعها: أنَّ المراد بالوفاة هنا النومُ؛ لأنهما أَخَوَان ويُطْلَق كلٌّ منهما على
الآخر.
وقد روي عن الربيع: أنَّ الله تعالى رفَع عيسى عليه السَّلام إلى السماء وهو
نائمٌ رِفْقاً به. وحكي هذا القولُ والذي قبله أيضاً عن الحسن.
وخامسها: أنَّ المراد: أجعلُك كالمتوفَّى لأنه بالرفع يُشْبِهه .
وسادسها: أنَّ المراد: آخذُك وافياً بروحك ويَدَنِك، فيكون: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَ﴾
كالمفسِّر لِمَا قبله.
وسابعها: أنَّ المراد بالوفاة موتُ القوى الشهوانية العائقةِ عن إيصاله
بالملكوت.
وثامنها: أنَّ المراد: مُسْتَقبلٌ عملك.
ولا يخلو أكثرُ هذه الأوجه عن بُعدٍ، لا سيما الأخير.
وقيل: الآيةُ محمولةٌ على ظاهرها، فقد أخرج ابنُ جرير عن وهب أنه قال:
توفَّى اللهُ تعالى عيسى ابنَ مريم ثلاثَ ساعات من النَّهار حتى رَفَعَه إليه(١).
وأخرح الحاكم عنه: أنَّ الله تعالى توقَّى عيسى سبع ساعاتٍ ثم أحياه، وأنَّ
مريم حمَلَت به ولها ثلاثَ عشرةَ سنةً، وأنَّه رُفع وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين، وأنَّ أمَّه
بقيت بعد رَفْعِه ستَّ سنين(٢). ووَرَد ذلك في روايةٍ ضعيفة عن ابن عباس.
(١) تفسير الطبري ٥/ ٤٥٠.
(٢) المستدرك ٥٩٦/٢، وقد ذكر وهب هذا على أنه مِن زَعْم النصارى.

الآية : ٥٥
٢٣٥
سُورَةُ الْ عَقْرَانَ
والصحيح كما قال القرطبي(١): أنَّ الله تعالى رَفَعَه من غير وفاةٍ ولا نومٍ. وهو
اختيارُ الطبري(٢)، والروايةُ الصحيحةُ عن ابن عباس. وحكايةُ أنَّ الله تعالى توقَّاه
سبع ساعات، ذَكّر ابنُ إسحاق أنها مِن زَعْمِ النَّصارى(٣).
ولهم في هذا المقام كلامٌ تَقْشَعرُّ منه الجلود، ويزعمون أنَّه في الإنجيل،
وحاشا لله ما هو إلا افتراءٌ وبهتان عظيم، ولا بأس بنقله وردِّه، فإنَّ في ذلك ردًّ
دعواهم فيه عليه السلام الربوبيةَ على أتمٍّ وجه، فنقول:
قالوا: بينما المسيحُ مع تلاميذه جالسٌ ليلةَ الجمعة لثلاثَ عشرةَ ليلةً خَلَت من
شهر نيسان، إذ جاء يَهْوذَا الإسْخريوطي أحدُ الاثْنَيْ عشر(٤) ومعه جماعةٌ معهم
السيوفُ والعِصيُّ من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب، وقد قال لهم يهوذا :
الرجل الذي أُقَبِّلُ هو هو فأمسِكوه. فلمَّا رأى يهوذا المسيح قال: السلام عليك
يا معلِّم. ثم أمْسَكوه، فقال يسوع: مثل ما يُفعل باللصوص خرجتم لي بالسيوف
والعصيِّ وأنا عندكم في الهيكل كلَّ يوم أعلِّم فلم تتعرَّضوا لي، لكن هذه ساعةٌ
سلطان الَّلَمة. فذَهَبوا به إلى رئيس الكهنة حيث تجتمع الشيوخ، وتبعهُ بُطْرُس من
بعيد ودخلَ معه الدارَ ليلاً، وجلسَ ناحيةً منها متنكراً ليرى ما يَؤُولُ أمرُه إليه،
فالتمس المشايخُ على يسوع شهادةً يقتلونه بها، فجاء جماعةٌ من شهود الزُّور، فشهد
منهم اثنان أنَّ يسوع قال: أنا أقدرُ أن أنقضَ هيكل الله تعالى وأبنيه في ثلاثة أيام،
فقال له الرئيس: ما تجيب عن نفسك بشيء؟ فسكت يسوع، فأقسم عليه رئيسُ
الكَهَنة: بالله الحيِّ أنت المسيحُ؟ فقال: أنت قلتَ ذاك وأنا أقول لكم من الآن:
لا ترون ابنَ الإنسان حتى تَروه جالساً عنَ يمين القوَّة(٥)، وآتياً في سحاب السماء،
(١) في تفسيره ١٥٣/٥.
(٢) في تفسيره ٤٥٢/٥ .
(٣) أخرجه عنه الطبري ٥/ ٤٥٠-٤٥١ .
(٤) يعني أحد تلاميذ المسيح الاثني عشر، وهو الذي حدَّث المسيح بخيانته كما سلف ص٢٣١
من هذا الجزء. وينظر إنجيل متى ص١٠٩و١١١، وإنجيل لوقا ص٢٧١، وإنجيل مرقس
ص١٧٠، وإنجيل يوحنا ص٣٤٩.
(٥) في إنجيل متى ص١١٢: عن يمين القدير، وجاء في حاشيته أن الترجمة اللفظية: عن يمين
القدرة.

سُورَةُ الِ عَشْرَانَ
٢٣٦
الآية : ٥٥
وإنَّ ناساً من القيام هاهنا لا يذوقون الموت حتى يرون ابن الإنسان آتياً في ملكوته.
فلمَّا سمع رئيس الكهنة ذلك شقَّ ثيابَه وقال: ما حاجتنا إلى شهادة يهوذا، قد
سمعتم، ماذا ترون في أمره؟ فقالوا: هذا مستوجبٌ الموت. فحينئذٍ بصقوا في وجه
البعيد ولطموه وضرَبوه وهزؤوا به، وجعلوا يلطمونه ويقولون: بَيِّنْ لنا مَن لَطَمك.
ولمَّا كان من الغد أسلموه لفيلاطس القائد، فتصايَحَ الشعبُ بأسْرِهِ: يُصلَب يُصْلَب.
فتحرَّج فيلاطس من قتله، وقال: أيُّ شرِّ فعل هذا؟ فقال الشيوخ: دمُّه عليهم وعلى
أولادهم(١)، فحينئذٍ ساقه جندُ القائد إلى الإبروطوريون، فاجتمع عليه الشعبُ
ونزعوه ثيابه وألبسوه لباساً أحمر، وضَفَروا إكليلاً من الشَّوك وتركوه على رأسه،
وجعلوا في يده قصبة، ثم جَثَوا على ركبهم يهزؤون به ويقولون: السلام عليك
یا ملك الیھود، وشرعوا یبصقون علیه ویضربونه في رأسه، ثم ذهبوا به وهو يحمل
صليبَه إلى موضع يعرِف بالجُمْجُمة، فصلبوه وسمَّروا يديه على الخشبة، فسألهم
شَرْبةَ ماء، فأعطوه خلَّا مدافاً بمرٍّ، فذاقه ولم يسغه، وجلس الشُّرَطُ فاقتسموا ثيابه
بينهم بالقُرعة، وجعلوا عند رأسه لوحاً مكتوباً: هذا يسوع ملك اليهود؛ استهزاءً
به، ثم جاؤوا بلصَّين فجعلوهما عن يمينه وشماله تحقيراً له.
وكان اليهود يقولون له: يا ناقضَ الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلِّص نفسك،
وإنْ كنتَ ابنَ الله كما تقولُ انزل عن الصليب، وقال اليهود: هذا يزعمُ أنه خلَّص
غيرَه، فكيف لم يَقْدِرْ على خلاص نفسه؟! إن كان متوكِّلاً على الله تعالى فهو ينجيه
ممَّا هو فيه. ولمَّا كان ست ساعات من يوم الجمعة صرَخ يسوع وهو على الصليب
بصوتٍ عظيمٍ: أُوي ألُوي إيما صاصاً(٢)، أي: إلهي إلهي لِمَ تَرَكتَني وخذلتني؟
وأخذ اليهود إسفنجة فيها خلٌّ ورفعها أحدُهم على قصبةٍ وسقاه، وقال آخر: دعوه
حتى نرى مَن يخلِّصه. فصرخَ يسوع وأمال رأسَه وأسلم الروح.
وانشقَّ حجاب الهيكل، وانشقَّت الصخور، وتفتَّحت القبور، وقام كثيرٌ من
القِدِّيسين من قبورهم، ودخلوا المدينة المقدَّسة، وظهروا للناس. ولمّا كان المساء
(١) يعني على الشعب الذي صاح: يصلب، وجاء في إنجيل متى ص ١١٥: فأجاب الشعب
بأجمعه: دمُّه علينا وعلى أولادنا .
(٢) كذا في الأصل و(م)، وفي الأناجيل: لمَّا شَبَقْتاني، بدل: إيما صاصا.

الآية : ٥٥
٢٣٧
سُورَةُ الْ عُقْرَانَ
جاء رجلٌ من الرَّامة(١) يسمَّى يوسف بلفائف نقية، وتركه في قبرٍ كان قد نحته في
صخرة، ثم جعل على باب القبر حَجَراً عظيماً، وجاء مشايخ اليهود من الغد الذي
بعد الجمعة إلى فيلاطس القائد فقالوا: ياسيِّدي ذَكَرنا أنَّ ذلك الضالَّ كان قد ذَكَر
لتلاميذه: أنا أقومُ بعد ثلاثة أيام، فلو أمرتَ مَن يَحْرُس القبرَ حتى تمضي المدةُ؛
كي لا تأتي تلاميذه ويَسْرِقوه، ثم يُشيعون في الشعب أنه قام، فتكون الضلالة الثانية
شرًّا من الأولى، فقال لهم القائد: اذهبوا وسدُّوا عليه واحرسوه كماتريدون،
فمضَوا وفعلوا ما أرادوا، وفي عشية يوم السبت جاءت مريمُ المَجْدلانيةُ ومريمُ
رفيقتُها لينظرن إلى القبر.
وفي إنجيل مرقص (٢) إنَّما جاءت مريم يومَ الأحد بغَلَس، وإذا مَلَكٌ قد نزَل من
السماء برجَّةٍ عظيمة فألقى الحجر عن القبر، وجلس عنده وعليه ثياب بيض کالبرق،
فكاد الحرَس أن يموتوا من هيبته، ثم قال للنسوة: لا تخافا قد علمتُ
أنكما جئتما تطلبان يسوعَ المصلوبَ، ليس هو هنا إنه قد قام، تعالَيْنَ انظرن إلى
المكان الذي كان فيه الربُّ، واذهبا وقولا لتلاميذه: إنه سبقكم إلى الخليل(٣).
فمضتا وأخبرَتا التلاميذ، ودخلَ الحرَّاسُ وأخبروا رؤساء الكهنةِ الخبرَ، فقالوا :
لا تنطقوا بهذا، ورَشَوْهم بفضَّةٍ على كتمان القضية فقبلوا ذلك منهم، وأشاعوا أنَّ
التلاميذ جاؤوا وسرَقوه، ومهدت المشايخُ عذرَهم عند القائد، ومضت الأحد عشر
تلميذاً إلى الخليل (٤) وقد شكَّ بعضُهم، وجاء لهم يسوع وكلَّمهم وقال لهم: اذهبوا
فعمّدوا كلَّ الأمم وعلِّموهم ما أوصيكم به، وهو ذا أنا معكم إلى انقضاء الدهر.
انتھی .
وهاهنا أمور:
(١) في الأصل و(م): من ألزامه، والمثبت من إنجيل متى ص ١١٧، وإنجيل لوقا ص٢٧٦ وفيه:
وهي مدينة لليهود. وفي معجم البلدان ١٨/٣: هي من قرى بيت المقدس، بها مقام إبراهيم
الخليل.
(٢) ص١٧٧ .
(٣) في الأناجيل: إلى الجليل.
(٤) في إنجيل متى ص١١٩: فذهبوا إلى الجليل، إلى الجبل الذي أمرهم يسوع أن يذهبوا إليه.
وليست في باقي الأناجيل.

سُورَةُ الْ عُقْرَانَ
٢٣٨
الآية : ٥٥
الأول: أنه يقال للنصارى: ما ادَّعيتُموه من قتل المسيح وصَلْبِهِ، أتنقلونه تَواتُراً
أو آحاداً؟ فإن زعموا أنه آحاداً لم تتمَّ بذلك حجَّةٌ، ولم يثبت العلم؛ إذ الآحاد لم
يُؤْمَنْ عليهم السَّهو والغفلةُ والتواطؤ على الكذب، وإذا كان الآحاد يَعْرِضُ لهم
ذلك، فكيف يُحتجُّ بقولهم في القطعيَّات؟
وإن عَزَوا ذلك إلى التواتُر، قلنا لهم: أحدُ شروط التواتر استواءُ الطَرَفين فيه،
والواسطةُ بأن يكون الإخبار في كلِّ طبقة ممَّن لا يمكن مواطأته على الكذب، فإنْ
زعمتم أنَّ خبرَ قتلِ المسيح كذلك، أَكَذَبتُم نصوصَ الإنجيل الذي بأیدیکم؛ إذ قال
نَقلَتُه الذين دوَّنوه لكم، وعليه معوَّلكم: إنَّ المأخوذ للقتل كان في شرذمةٍ قليلة من
تلامذته، فلمَّا قُبض عليه هرَبوا بأسْرِهم، ولم يتبعه سوى بطرس من بعيدٍ، فلما دخل
الدارَ حيث اجتمعوا نظرت جاريةٌ منهم إليه فعرفته فقالت: هذا كان مع يسوعَ،
فحلف أنه لا يعرف يسوع ولا يقول بقوله، وخادعهم حتى تركوه وذهب، ولم يكد
يذهب. وأنَّ شابًّا آخر تبعه وعليه إزارٌ، فتعلَّقوا به فترك إزارَه يأيديهم وذهب عرياناً.
فهؤلاء أصحابُه وأتباعه لم يحضر أحدٌ منهم بشهادة الأناجيل(١). وأمَّا أعداؤه
اليهود الذين تزعمون أنهم حضَروا الأمر، فلا نسلِّم أنهم بلغوا عددَ التواترٍ، بل
كانوا آحاداً، وهم أعداءٌ يمكن تواطؤهم على الكذب على عدوِّهم؛ إيهاماً منهم
أنهم ظفروا به وبلغوا منه أمانيهم، فانخرَم شرط التواتر.
ويؤيِّد هذا أنَّ رؤساء الكَهَنة فيما زعمتم رَشَوا الحُرَّاسَ، فلا يبعدُ أن تكون هذه
العصابة من اليهود صلَبوا شخصاً من أصحاب يسوع، وأوهموا الناسَ أنه المسيحُ؛
لتتمَّ لهم أغراضُهم، على أن الإخباريين ذكروا أنَّ بختنصَّر قَتل علماءَ اليهود في
مشارق الأرض ومغاربها لأنهم حرَّفوا التوراةَ وزادوا فيها ونقصوا، حتى لم يبقَ
منهم إلا شرذمةٌ، فالمخبرون لم يبلغوا حدَّ التواتر في الطبقة الوسطى أيضاً.
الثاني: أنَّ في مثل هذا الفصل ما تحكمُ البَدَاهةُ بكذبه، وما تَضحكُ النَّكْلَى
منه، وما يُبعده العقلُ، مثل قولهِ للكهنة: إنَّكم من الآن لا ترون ابنَ الإنسان.
(١) في (م): الإنجيل، وينظر إنجيل متى ص١١٣، وإنجيل مرقس ص ١٧٢-١٧٣، وإنجيل لوقا
ص٢٧١ - ٢٧٢.

الآية : ٥٥
٢٣٩
سُورَةُ العَقْرَانَ
يريدون بالإنسان الرَّبَّ سبحانه، فإنه لم يَرِد إطلاقُ ذلك عليه جلَّ شأنُه في كتاب.
وقولِه: إنَّ ناساً من القيام هاهنا ... إلخ، فإنه لم يَرَ أحدٌ من القيام هناك - قبل
موته - عيسى عليه السلام آتياً في ملكوته.
وقولِ المَلَك للنسوة: تعالَيْن فانظرن إلى الموضع الذي كان فيه الرَّبُّ، فإنه
يقال فيه: أَرَبُّ يُقْبَرُ وإلهٌ يُلْحَد! أنَّ لترابٍ يَغْشَى وجْهَ هذا الإله، وتبًّا لكفَن ستَرَ
محاسنه، وعجباً للسماء کیف لم تَبد وهو سامِگُها، وللأرض لم تَمِد وهو ماسِكُها،
وللبحار كيف لم تغِض وهو مُجْرِيها، وللجبال كيف لم تَسِر وهو مُرْسِيها، وللحيوان
كيف لم يُصْعَق وهو مُشْبِعُه، وللكون كيف لم يُمْحَق وهو مُبْدِعُه! سبحانَ الله کیف
استقام الوجودُ والرَّبُّ في اللُّحُود، وكيف ثبت العالَم على نظام والإلهُ في الرَّغَامِ؟!
إنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة بهذا الرَّبِّ، والرَّزِيةِ بهذا الإله، لقد ثكلته أُمُّه،
وعَدِمہ - لا أبا لك - قومُه !.
وقولِه: إلهي إلهي لِمَ خَذَلْتَني، فإنه يُنافي الرِّضا بمُرِّ القضاء، ويناقضُ التسليمَ
لأحكام الحكيم، وذلك لا يَليقُ بالصالحين فضلاً عن المُرْسَلين، على أنه يُبطِل
دعوى الرُّبوبية التي تزعمونها، والألوهيةِ التي تَعتقدونها .
وقولهم: إنه قام كثيرٌ من القدِّيسين من قبورهم .. إلخ، فإنه كذبٌ صريح؛ لأنه
لو كان صحيحاً لأطبق الناسُ على نَقْله، ولزَالَ الشُّ عن تلك الجموع في أمر
يسوع.
وقولهم: مضَت الأحدَ عشر تلميذاً إلى الخليل(١) .. إلخ، فإنه قد انطفأ فيه
سراجُ التلميذ الثاني عشر على ما يَقتضيه قولُ المسيح: ويلٌ لمن يُسلم ابنَ
الإنسان(٢)، مع أنَّ يسوع بزعمكم قال لتلاميذه الاثني عشر، وفيهم يهوذا
الإسخَرْيوطيُّ الذي أَسْلَمه للقتل: إنكم ستجلسون يومَ القيامة على اثني عشر كرسياً
تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل(٣).
(١) سلفت الإشارة إلى أنها في الأناجيل: الجليل.
(٢) ينظر إنجيل مرقس ص ١٧٠ .
(٣) إنجيل متَّى ص٩١.

سُورَةُ الَّعُقْرَانَ
٢٤٠
الآية : ٥٥
وقولهم: إنه سأَلَهم شربةً ماءٍ، فإنه في غاية البُعْد؛ لأنَّ الإنجيل مصرِّحٌ بأنَّ
المسيح كان يَظْوي أربعين يوماً وأربعين ليلةً(١)، ومثلهُ لا يَجْزَع من فِراق الماء
ساعةً، لا سيّما وقد كان يقول لتلاميذه: إنَّ لي طعاماً لا تعرفونه، إلى غير ذلك.
الثالث: إنَّ ما ذكروا من قيام المسيح من قبره ليلةَ السبت مع صَلْبه يوم الجمعة
مخالفٌ لِمَا رواه متى في إنجيله، فإنه قال فيه: سأل اليهودُ المسيحَ أن يُريهم آيةً،
فقال: الجيلُ الشّرِّير الفاسقُ يَطلُب آيَةً، فلا يُعطى إلّا آية يونيان(٢) النبيِّ - يعني
يونس عليه السلام - لأنه أقام في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، وكذلك ابنُ
الإنسان يُقيم في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال.
الرابع: أنَّ في هذه القصَّة ما يدلُّ دلالة واضحةً على أنَّ المصلوب هو الشَّبه،
وأنَّ الله تعالى حَمَى المسيحَ عليه السلام عن الصَّلْب، كما سيتَّضحُ لك ذلك مع
زيادةٍ تحقيقٍ عند قوله تعالى: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
هذا وإنَّما أكَّد الحكم السّابق اعتناءً به، أو لأنَّ تسلُّط الكفار عليه جعل المقام
مقام اعتقادٍ أنهم يقتلونه.
وأراد سبحانه بقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَ﴾: رافعُك إلى سمائي. وقيل: إلى كرامتي.
وعلى كلٍّ فالكلام على حذفِ مضافٍ، إذ من المعلوم أن الباري سبحانه ليس بمتحيِّز
في جهة. وفي رفعه إلى أيِّ سماء خلافٌ، والذي اختاره الكثير من العارفين أنه رُفِع
إلى السماء الرابعة، وعن ابن عباس ﴿ها: أنه رَفَعه إلى السماء الدنيا، فهو فيها يُسَبِّحُ
مع الملائكة، ثم يُهبطه اللهُ تعالى عندَ ظهور الدَّجال على صخرة بيت المقدس(٣).
وفي ((الخازن))(٤) أنَّه سبحانه لمَّا رَفَعه - عليه السلام - إليه كَسَاه الرِّيش وألبسه
النورَ، وقطع عنه لذَّة المطعم والمَشْرب، فطارَ مع الملائكة فهو معهم حولَ
العرش، وصار إنسيًّا مَلَكِيًّا أرضيًّا سماويًّا.
(١) ينظر إنجيل متى ص٤٣.
(٢) في إنجيل متى ص ٧١: يونان.
(٣) كذا ذكر، والذي في حديث نزول المسيح عند مسلم (٢٩٣٧) الذي يرويه النواس بن
سمعان به أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق.
(٤) ١/ ٣٥٥.