النص المفهرس
صفحات 201-220
الآية : ٤٧ ٢٠١ سُورَةُ العَقْرَانَ شَمِطَ(١)، ثم شاخ، ثم كَبُرَ، ثم هَرِم، ثم دَلَف(٢)، ثم خَرِف، ثم أُهْتِر، ومحا ظلُّه: إذا مات. وهذا الترتيبُ إنَّما هو في الذكور، وأمَّا في الإناث فيقال للأنثى مادامت صغيرة: طفلة، ثم وليدة إذا تحرَّكت، ثم كاعِبٌ إذا كَعَبَ ثديُها، ثم ناهِدٌ، ثم مُعْصِرٌ إذا أدركت، ثم عانسٌ إذا ارتفعت عن حدِّ الإعصار، ثم خَوْدٌ إذا توسَّطت الشباب، ثم مُسْلِفٌ إذا جاوزت الأربعين، ثم نَصَفٌ إذا كانت بين الشباب والتعجيز، ثم شهلةٌ كهلةٌ إذا وجدت من الكبر وفيها بقيةٌ وجَلَد، ثم شَهْرَبةٌ إذا عجزت وفيها تماسكٌ، ثم حيزبون إذا صارت عالية السِّنِّ ناقصةَ العقل، ثم قلعمٌ ولِظْلِطٌ إذا انحنى قدُّها وسقطت أسنانها . وعلى ما ذكر في سن الكهولة يراد بتكليمه - عليه السلام - كهلاً تكليمُه لهم كذلك بعد نزوله من السماء، وبلوغه ذلك السنَّ؛ بناءً على ما ذهب إليه سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وغيرهما: أنه عليه السلام رُفع إلى السماء وهو ابن ثلاث ثلاثين سنة، وأنه سینزلُ إلى الأرض ویبقی حيًّا فيها أربعاً وعشرين سنة، کما رواه ابن جرير بسندٍ صحيح عن كعب الأحبار(٣)، ويؤيِّد هذا ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: قَد كلَّمهم عيسى في المهد، وسيُكلِّمهم إذا قتل الدَّجال وهو يومئذٍ كهلٌ (٤). ﴿وَمِنَ الصَّلِينَ ﴾﴾ أي: ومعدوداً في عدَادِهم، وهو معطوف على الأحوال السابقة . ﴿قَالَتْ﴾ استئناف مبنيٌّ على السؤال، كأنه قيل: فماذا كان منها حين قالت لها الملائكة ذلك؟ فقيل: قالت: ﴿رَبِّ أَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ﴾ يحتمل أن يكون الاستفهامُ مجازيًّا، والمرادُ التعجُّبُ من ذلك والاستبعادُ العادي، ويحتمل أن يكون حقيقيًّا على معنى أنه يكون بتزوُّجٍ أو غيرِه. (١) الشَّمَط: بياض الرأس يخالط سواده. القاموس (شمط). (٢) دلف: مشى رويداً مُقارِبَ الخطو كمشي المقيَّد، وهو فوق الدبيب. معجم متن اللغة (دلف). (٣) تفسير الطبري ٤٤٩/٥ . (٤) تفسير الطبري ٥/ ٤١٤. سُورَةُ الِغْرَانَ ٢٠٢ الآية : ٤٧ وقيل: يحتمل أن يكون استفهاماً عن أنه: من أيِّ شخصٍ يكون؟ وإعرابُ هذه الجملة على نحو إعراب الجملة السابقة في قصَّة زكريا عليه السلام. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ جملةٌ حاليَّةٌ محقِّقةٌ لِما مرَّ ومقوِّيةٌ له، والمَسيسُ هنا كناية عن الوطء، وهذا نفيٌّ عامٌّ للتزوُّج وغيره. والبَشَرُ يطلَق على الواحد والجمع، والتنكيرُ للعموم، والمرادُ عمومُ النَّفي لا نفيُ العموم، وسمِّي بشراً لظهور بشرته، أو لأنَّ الله تعالى باشَرَ أباه وخلَقَه بیدیه . ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كسابقه، والفاعلُ ضميرُ الرَّبِّ، والملَكُ حكى لها المَقُولَ - وهو قولُه سبحانه: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ - إمّا بلا تغيير فيكون فيه التفاتٌ، وإمَّا بتغيير. وقيل: إنَّ الله تعالى قال لها ذلك بلا واسطةٍ ملكٍ. والأولُ مبنيٌّ على أنه تعالى لم يكلِّم غيرَ الأنبياء، بل غَيْرَ خاصَّتهم عليهم الصلاة والسلام. وقيل: القائلُ جبريلُ عليه السلام، وليس على سبيل الحكاية، والقرينةُ عليه ذِكْرُ الملائكة - عليهم السلام - قبله، وحَمْلُ ((ربِّ)) - فيما تقدَّم - على ذلك أَبْعِدُ بَعيدٍ. وقد مرَّ عليك الكلام في مثل هذه الجملة، خلا أنَّ التعبير هنا بـ ((يخلق)) وهناك بـ ((يفعل)) لاختلاف القصَّتين في الغرابة، فإن الثانية أغرب، فالخلْقُ المُنْبِئُ عن الاختراع أنسبُ بها، ولهذا عقَّبه ببيان كيفيته فقال سبحانه: ﴿إِذَا قَضَ أَمْرًا﴾ أي: أراد شيئاً، فالأمرُ واحدُ الأمور، والقضاءُ في الأصل: الإحكام، وأُطلق على الإرادة الإلهيةِ القَطْعيَّة المتعلّقة بإيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وسمِّيت بذلك لإيجابها ما تعلَّقت به البتة، ويطلق على الأمر، ومنه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣]. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (39﴾ أي: فهو يكون، أي: يحدث، وهذا عند الأكثرين تمثيلٌ لتأثيرِ قدرته في مراده بأمرِ المُطَاع للمطيع في حصول المأمورِ من غير امتناعٍ وتوقّفٍ وافتقارٍ إلى مزاولةِ عملٍ واستعمالِ آلةٍ، فالممثَّل: الشيءُ المكوَّن بسرعةٍ من غير عملٍ وآلة، والممثَّلُ به: أمرُ الآمرِ المُطاع لمأمورٍ به مطيعٍ على الفور (١)، وهذا اللَّفظُ مستعارٌ لذلك منه. (١) في الأصل: على سبيل الفور. الآية : ٤٧ ٢٠٣ سُورَةُ الْ عَثْرَانَ وأنت تعلم أنه يجوز فيه أن يكون حقيقةً بأن يُراد تعلُّقُ الكلام النفسيِّ بالشي الحادث على أن كيفية الخَلْق على هذا الوجه. وعلى كِلا التقديرين المرادُ من هذا الجوابِ بيانُ أنَّ الله تعالى لا يُعجزه أن يَخْلُق ولداً بلا أب، لأنه أمرٌ ممكنٌ في نفسِه، فيصحُّ أن يكون متعلَّقَ الإرادة والقدرة. كيف لا ، وكثيراً ما نشاهد حدوثَ كثيرٍ من الحيوانات على سبيل التولَّد، كحدوث الفأر عن المَدَر، والحيَّات عن الشعر المتعفِّن، والعقارب عن الباذروج(١)، والذباب عن الباقلاء، إلى غير ذلك، غايته الاستبعادُ، وهو لا يوجب ظنّاً فضلاً عن علم، وبعدَ إخبار الصادقِ عن وجود ذلك الممكنِ يجبُ القطع بصحّته. والقول: بأنَّ المادّة فيما عُدَّ ونحوِهِ موجودةٌ، وبعدَ وجودها لا ريب في الإمكان دون ما نحن فيه؛ لأن مادة الآدميِّ مَنِيَّان، وليس هناك إلا مَنيٍّ واحدٌ، أو لا منيَّ أصلاً، فكيف يُمكن الخلق؟ ليس بشيء؛ أمَّا على مذهبنا: فلأنَّ الإيجاد لا يتوقف على سبق المادة، وإلا لتسلسل الأمرُ، وأمَّا على مذهب المنكرين: فيجوز أن يكون منيُّ الأنثى بنفسه، أو بما ينضمُّ إليه ممَّا لا يعلمه إلا الله تعالى، بحالةٍ يَصلح أن يكون مادةً، وقصارى ما يلزم من ذلك الاستبعادُ، وهو لا يُجدي نفعاً في أمثال هذه المقامات. ويجوز أيضاً أن يقيم الله تعالى غير المنيِّ مقامَ المنيِّ، وأيُّ مُحالٍ يلزمُ من ذلك؟ ألا ترى كيف أقيم التراب مقامَ المنيِّ في أصل النوع؟ ودعوى أنَّ الإقامة مشروطة بكون ذلك الغيرِ خارجَ الرَّحِم، وأمَّا الإقامةُ في الرَّحم فممّا لا إمكان لها، غيرُ بيِّنةٍ ولا مبينة، بل العقلُ لا يفرِّق بين الأمرين في الإمكان، وإنما يفرِّق بينهما في موافقة العادة وعدمها، وهو أمرٌ وراءَ ما نحن فيه. ومن الناس (٢) مَن بَيَّن هذا المطلبَ: بأنَّ التخيُّلات الذهنيةَ كثيراً ما تكون (١) في الأصل و(م): البادورج، والمثبت من غرائب القرآن للنيسابوري ١٩٣/٣، وعنه نقل المصنف، وتفسير الرازي ٨/ ٥١ والكلام فيه بنحوه. وما ذكروه مخالف لحقائق العلم فلا يصح الاحتجاج به. والباذروج نبات. ينظر المعتمد ليوسف بن عمر ص ١٤، واللسان (حبق) و(حوك) و(صمر). (٢) هو النيسابوري في غرائب القرآن ١٩٣/٣. سُورَةُ الِّعْرَانَ ٢٠٤ الآية : ٤٧ أسباباً لحدوث الحوادث، كتصوُّر حضور المنافي للغضب، وكتصوُّر السُّقوط لحصول(١) السقوط للماشي على چِذع ممدودٍ فوق فضاء، بخلافه لو كان على قرار من الأرض، وقد جعلت الفلاسفةُ هذا كالأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات، فما المانعُ أن يقال: إنَّها لمَّا تخيَّلت صورةَ جبريل، كفى ذلك في عُلوق الولد في رحمها؛ لأنَّ منيَّ الرجل ليس إلَّا لأَجْلِ العَقْد، فإذا حصل الانعقادُ لمنيٍّ المرأة بوجهٍ آخر أمكن علوقُ الولد. انتهى. وليس بشيءٍ؛ لأنه يعود بالنقص لحضرة البتول، وإنها لَتُنَزَّه ساحتُها عن مثل هذا التخيُّل كما لا يخفى، وفي جواب هذه الطاهرة ليوسف النجار ما يؤيِّد ما قلناه؛ فقد أخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر(٢)، عن وهب أنَّه قال: لمَّا استقرَّ حملُ مريم وبشَّرها جبريل وَثِقِتْ بكرامة الله تعالى، واطمأنّت وطابت نفْساً، وأولُ مَن اطّلع على حمْلِها ابنُ خالٍ لها يقال له يوسف، واهتمَّ لذلك وأَحْزَنَه، وخَشِي البليَّةَ منه؛ لأنه كان يخدمها، فلمَّا رأى تغيُّرَ لونها وكِبَرَ بطنِها عظُمَ عليه ذلك، فقال معرِّضاً لها: هل يكون زَرْعٌ من غيرِ بَذْرٍ؟! قالت: نعم. قال: وكيف يكون ذلك؟ قالت: إنَّ الله تعالى خلَق البذرَ الأولَ من غير نباتٍ، وأنبت الزرعَ الأول من غيرِ بَذْرٍ، ولعلَّك تقول: لَمْ يَقْدِرْ أن يَخْلُق الزرعَ الأول إلَّا بالبذر؟ ولعلَّك تقول: لولا أن استعان الله تعالى عليه بالبذر لغلبه، حتى لا يقدر على أن يَخلقه ولا يُنْبِته؟ قال يوسف: أعوذ بالله أن أقولَ ذلك، قد صَدَقْتِ وقلتِ بالنورِ والحِكَم، وكما قَدَرَ أن يخلُق الزرع الأولَ ويُنبتَه من غيرِ بذرٍ يَقْدِرُ أن يجعل زرعاً من غير بذر، فأخبريني: هل يَنْبُتُ الشجرُ من غير ماءٍ ولا مطر؟ قالت: ألم تعلم أنَّ للبذر والماء والمطر والشجر خالقاً واحداً؟ فلعلَّك تقول: لولا الماءُ والمطر لم يقدر على أن يُنْبِتَ الشجرَ؟ قال: أعوذ بالله أن أقولَ ذلك، قد صَدَقْتِ فأخبريني خَبَرَكِ، قالت: بشَرني اللهُ تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فعِلم يوسف أنَّ ذلك أمرٌ من الله تعالى لسببٍ خيرٍ أراده بمريم، فسَكَت عنها، فلم تَزَلْ على ذلك حتى ضربها الطَّلْق، فنوديت : أن اخرجي من المحراب، فخرجت. (١) في (م): بحصول، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في غرائب القرآن. (٢) في تاريخه ٨٩/٧٠. الآية : ٤٨ ٢٠٥ سُؤَدَةُ الَّغَزْرَانَ ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ﴾ عطفٌ على ((يبشِّركِ))، أي: إنَّ الله يبشِّرُكِ بكلمة، ويُعلِّم ذلك المولودَ المعبَّرَ عنه بالكلمة الكتابَ، ولا يَرِدُ عليه طولُ الفَصْلِ؛ لأنَّه اعتراضٌ لا يضرُّ مثلُه. أو على ((يخلق)) أي: كذلك اللهُ يخلق ما يشاء ويعلِّمه. أو على (يكلِّم)) فتكون في محلِّ نصبٍ على الحال، والتقدير: يبشِّركِ بكلمةٍ مكلماً للناس ومعلِّماً الكتابَ. أو على ((وجيهاً)). وجوِّز أن تكون جملةً مستأنفةً ليست داخلةً في حيِّز قولِ الملائكة عليهم السلام، والواو تكونُ للاستئناف وتقع في ابتداء الكلام كما صرَّح به النحاةُ، فلا حاجة - كما قال الشِّهاب(١) - إلى التأويل بأنها معطوفةٌ على جملةٍ مستأنفةٍ سابقةٍ، وهي ((وإذ قالت)) إلخ، ولا إلى مقدَّرة، ولا إشكالَ في العطف كما قال النِّحرير، وكذا لا يُدَّعَى أنَّ الواو زائدة، كما قال أبو حيان(٢). فهذه أوجُهٌ من الإعراب مختلفةٌ بالأولوية، وأغربُ ما رأيتُه ما نقلَه الطبرسيُّ عن بعضهم: أنَّ العطف على جملة ((نوحيه إليك))(٣)، بل لا يَكادُ يَستَطِيبِهُ مَن سَلِم له ذوقُه. و﴿الْكِنَبَ﴾ مصدرٌ بمعنى الكتابة، أي: يعلِّمه الخط باليد؛ قاله ابن عباس، وإليه ذهب ابن جريج، ورُوي عنه أنه قال: أعطى اللهُ تعالى عيسى عليه السلام تسعةَ أجزاءٍ من الخط، وأعطى سائرَ الناس جزءاً واحداً . وذهب أبو عليٍّ الجبائيُّ إلى أنَّ المراد بعضُ الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه عليهم السلام سوى التوراةِ والإنجيل، مثل الزبورِ وغيرهٍ (٤). وذهب كثيرون: إلى أنَّ ((أل)) فيه للجنس، والمراد جنس الكتب الإلهية. إلَّا أنَّ المأثور هو الأول. والقولُ بأن المراد بالكتب الجنسُ، لكنْ في ضمن فردَيْن هما التوراةُ (١) في الحاشية ٢٧/٣ . (٢) في البحر ٤٦٣/٢، والكلام من حاشية الشهاب ٢٧/٣. (٣) مجمع البيان ٣/ ٨٥، ولم يُجزْه الطبرسي لأنها - كما قال - تخرج من معنى البشارة لمريم. (٤) مجمع البيان ٨٦/٣. سُورَةُ الِغْرَانَ ٢٠٦ الآية : ٤٩ والإنجيل، وتُجعل الواو فيما بعدُ(١) زائدةً مقحَمةً، وما بعدها بدلاً أو عطفَ بیان = من الهذيان بمكان. وقرأ أهل المدينة وعاصمٌ ويعقوب وسهل: ((ويعلِّمه)) بالياء(٢)، والباقون بالنون، قيل: وعلى ذلك لا يَحْسنُ بعض تلك الوجوهِ إلا بتقديرِ القول، أي: إنَّ الله يبشِّركِ بعيسى ويقول: ((نعلمه))، أو: وجيهاً ومَقولاً فيه: نعلِّمه الكتاب. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: الفقهَ وعلمَ الحلالِ والحرام؛ قاله ابن عباس. وقيل: جميعَ ما عُلِّمه من أمور الدِّين، وقيل: سنَن الأنبياء عليهم السلام. وقيل: الصوابَ في القول والعمل، وقيل إتقانَ العلوم العقلية، وقد تقدَّم الكلام على ذلك. ﴿وَالتَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلَ ﴾ أُفردا بالذِّكر على تقديرِ أنْ يُراد بالكتاب ما يشملهما؛ لوفورٍ فَضْلِهما وسموِّ شَأُوِهما على غيرهما. وتعليمُه ذلك قيل: بالإلهام، وقيل: بالوحي، وقيل: بالتوفيق والهداية للتعلُّم. وقد صحَّ أنه عليه السلام لمَّا ترَغْرَع - وفي روايةِ الضَّحِّاك عن ابن عباس: لمَّا بلَغ سبعَ سنين - أَسْلَمتْه أمَّه إلى المعلِّم، لكن الروايات متضافرة أنه جعَل يسألُ المعلِّمَ كلمَّا ذكر له شيئاً عمَّا هو بمعزِلٍ عن أن ينبض فيه ببنتِ شَفَةٍ، وذلك يؤيِّد أنَّ عِلْمَه مَحْضُ موهبةٍ إلهيةٍ وعطيةٍ رَبَّانية. وذكر ((الإنجيل)) لكونه كان معلوماً عند الأنبياء والعلماء، متحقِّقاً لديهم أنه سينزل. ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِىّ إِسْرَوِيلَ﴾ منصوبٌ بمضمَرٍ يَجرُّ إليه المعنى معطوفاً على (علِّمه))، أي: ونجعلُه رسولاً، وهو الذي اختاره أبو حيان(٣)، وقيل: أنه منصوبٌ بمضمرٍ معمولٍ لقولٍ مضمرٍ معطوفٍ على ((يعلِّمه))، أي: ويقول عيسى: أُرسلتُ رسولاً، ولا يَخْفَى أنَّ عطف هذا القول على ((يعلِّمه)) إذا كان مستأنفاً ممَّا ليس فيه كثيرُ بأسٍ، وأمَّا على تقديرٍ عَظْفِه على ((يبشرك)) أو ((يخلق)) فقد طعن فيه العلّامة التفتازاني بأنه يكون التقدير: إنَّ اللهَ يبشّركِ - أو: إنَّ اللهَ يخلق ما يشاء - ويقولُ (١) يعني في قوله: ((والتوراة)). البحر ٤٦٣/٢. (٢) التيسير ص ٨٨، والنشر ٢/ ٢٤٠ عن عاصم ونافع وأبي جعفر ويعقوب. (٣) في البحر ٢/ ٤٦٤-٤٦٥ . الآية : ٤٩ ٢٠٧ سُورَةُ الِ عِنْرَانَ عيسى كذا، وفيه العطف على الخبر، ولا رابطً بينهما إلا بتكلَّفٍ عظيم. وفي ((البحر))(١): أنَّ هذا الوجهَ مطلقاً ضعيفٌ؛ إذ فيه إضمارُ شيئين: القولُ ومَعمولهُ، والاستغناءُ عنهما باسمٍ منصوب على الحال المؤكِّدة. واختار بعضُهم عَطْفَه على الأحوال المتقدِّمةِ مضمَّناً معنى النُّطْقِ، فلا يضرُّ كونُها في حكم الغيبة مع كونِ هذا في حكم التكلَّم؛ إذ يكون المعنى: حال كونه وجيهاً ورسولاً ناطقاً بكذا. والرسول على سائر التقادير صفةٌ كشَكُور وصَبور، وفَعول هنا بمعنى مُفْعَل. واحتمالُ أنَّ يكون مصدراً كما قال أبو البقاء(٢) - مثلُه في قول الشاعر: [أَلَا] أبْلِغْ أَبَا سَلمى رسولاً تَرُوعُه(٣) ويُجعل معطوفاً على ((الكتاب)) أي: ويعلِّمه رسالةً - بعيدٌ لفظاً ومعنّى؛ أمَّا الأول: فلِإِنَّ المتبادر الوصفيةُ لا المصدرية. وأما ثانياً: فلأنَّ تعليم الرسالة ممَّا لا یکاد یوجد في كلامهم. والظرف إمَّا متعلِّق بـ ((رسولاً))، أو بمحذوفٍ وقع صفة له، أي: رسولاً كائناً إلى بني أسرائيل، أي: كلِّهم. قيل: وتخصيصُهم بالذُكر للإيذان بخصوصٍ بعثته، أو للرَّد على مَن زعَم من اليهود أنه مبعوثٌ إلى غيرهم. ولي في نسبة هذا الزعم لبعض اليهود تردُّدٌ، وليس ذلك في الكتب المشهورة، والذي رأيناه فيها أنهم في عيسى الذي قصَّ اللهُ تعالى علينا من أمره ما قصَّ فرقتان : فرقةٌ ترميه - وحاشاه - بأفظع ما رَمَتْ به أمَّةٌ نبيَّها، وهم أكثر اليهود. (١) ٢ / ٤٦٤. (٢) في الإملاء ٦٨/٢ . (٣) وعجزه: ولو حلَّ ذا سدٍ وأهلي بعَسْجَل، والبيت للعباس بن مرداس السلمي، كما في شرح ديوان الحماسة المرزوقي ٤٣٣/١، ومعجم البلدان ١٢١/٤، ومعجم ما استعجم ٩٢١/٣ وما بين حاصرتين منه، وفيه: بعثجل، بدل بعسجل. قال المرزوقي: يقول: أدّ إلى أبي سلمى رسالة تفزِّعه، على ما بيننا من البعد، وذو سِدْرٍ موضع فيه السِّدر، وعَسْجَل موضع من حرَّة بني سليم، وبينهما مسافة بعيدة. سُورَةُ العَقْرَانَ ٢٠٨ الآية : ٤٩ وفرقةٌ يقال لهم العنَانيَّة أصحاب عنان بن داود رأس الجالوت(١)، يصدِّقونه في مواعظه وإشاراته، ويقولون: إنَّه لم يخالف التوراةَ البتة، بل قرَّرها ودعا الناسَ إليها، وإنَّه من المستجيبين لموسى عليه السلام، ومن بني إسرائيل المتعبِّدين [بالتوراة] وليس برسولٍ ولا نبيٍّ، ويقولون: إنَّ سائر اليهود ظلموه: حيث كذَّبوه أولاً ولم يعرفوا مُدَّعاه، وقتلوه آخِراً ولم يعرفوا مرامه ومَغْزَاه. نعم: من اليهود فرقةٌ يقال لهم العيسوية - أصحاب أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهانيِّ، الذي يسمِّيه بعضُهم بعوفيد(٢) ألوهيم - يزعمون أنَّ لله تعالى رسولاً بعد موسى عليه السلام يسمى المسيح، إلا أنه لم يأت بعد، ويدَّعون أنَّ له خمسةً من الرُّسل يأتون قبلَه واحداً بعد واحدٍ، وأنَّ صاحبهم هذا أحدُ رسله . وكلٌّ من هذه الأقوال بعيدٌ عمَّا اذَّعاه صاحبُ القيلِ بمراحل، ولعلَّه وجد ما يُوافق دعواه، ومَن حَفِظ حجَّةٌ على مَن لم يَحْفَظ. هذا واختُلف في زمن رسالته عليه السَّلام، فقيل: في الصِّبا وهو ابن ثلاثٍ سنين. وفي ((البحر)): أن الوحي أتاه بعدَ البلوغ وهو ابنُ ثلاثين سنة، فكانت نبوَّتُه ثلاثَ سنين، قيل: وثلاثةَ أشهرٍ وثلاثةَ أيام، ثم رُفع إلى السماء، وهو القولُ المشهور. وفيه: أنَّ أول أنبياءٍ بني إسرائيل يوسف، وقيل: موسى، وآخرهم عيسى على سائرهم أفضل الصلاة وأكمل السلام(٣). (١) رأس الجالوت هو رئيس اليهود، كما أن الأسقف رأس النصارى، والموبذ رأس المجوس. ثمار القلوب للثعالبي ص ٣٢٢، والعنانية فرقة تخالف سائر اليهود في السبت والأعياد وينهون عن أكل الطير والظباء والسمك والجراد، ويذبحون الحيوان على القفا. الملل والنحل ٢١٥/١، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) في الأصل و(م): بعرقيد، والمثبت من الملل والنحل، ومعنى عوفيد ألوهيم: عابد الله. وإسحاق بن يعقوب كان في زمن المنصور، وقد اتبعه بشر كثير من اليهود، وادعوا له آيات ومعجزات، وزعم أنه نبي، وأنه رسول المسيح المنتظر، وقيل: إنه قتل مع أصحابه لما حارب أصحاب المنصور بالري. الملل والنحل ٢١٥/١ - ٢١٦. (٣) البحر ٤٦٥/٢ . الآية : ٤٩ ٢٠٩ سُورَةُ آل عمران وقرأ اليزيدي: ((ورسولٍ)) بالجرِّ (١) على أنَّه معطوفٌ على ((كلمة))، أي: يبشِّركِ بكلمةٍ وبرسول. ﴿أَنِّ قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ معمولٌ لـ ((رسولاً))؛ لِمَا فيه من معنى النُّطق، وجوَّز أبو البقاء (٢) كونَه معمولاً لمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((رسولاً))، أي: رسولاً ناطقاً - أو مُخْبِراً - بأني، وكونَه بدلاً من ((رسولاً)) إذا جعلته مصدراً، أي: ونعلِّمه أنِّي قد جئتكم، أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ على تقدير المصدرية أيضاً، أي: هو أنِّي، فالمُنْسَبِكُ إِمَّا في محلِّ جرِّ أو نصبٍ أو رفع. وقولُه تعالى: ﴿إَِايَةٍ﴾ في موضع الحال، أي: محتجًا أو مُلْتبساً بآية، أو متعلّقٌ بـ ((جئتكم)) والباء للمُلاَسَة أو للتعدية، والتنوين للتفخيم دون الوحدة لظهور ما ينافيها(٣) وقرئ: ((بآيات)) (٤). ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةٌ لـ ((آيةٍ))، وجوِّز تعلُّقه بـ ((جئتُ))، و((من)) في التقديرين لابتداء الغاية مَجازاً. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين؛ لتأكيد إيجابِ الامتثالِ لِمَا سيأتي من الأوامر، أو لأنَّ وصف الربوبية يناسبُ حالَ الإرسال إليهم. ﴿أَنَّ أَغْلُقُ لَكُمْ مِنَ اُلْطِينِ كَهَثَةِ اٌلَّيْرِ﴾ بدلٌ من قوله سبحانه: ﴿أَنِّ قَدْ جِثْتُكُمْ﴾، أو من («آية))، أو منصوبٌ على المفعولية لمحذوفٍ، أي: أعني، أو مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمقدَّرٍ، أي: هي أني ... إلخ. وقرأ نافع: ((إني)) بكسر الهمزة على الاستئناف(٥). والمرادُ بالخلق: التصوير والإبراز على مقدارٍ معيَّن، لا الإيجادُ من العدم كما يشير إليه ذكر المادة. (١) القراءات الشاذة ص ٢٠. (٢) في الإملاء ٢٩/٢. (٣) أي: ما ينافي الوحدة، وهو تعدُّد الآيات وكثرتها. ينظر تفسير أبي السعود ٣٨/٢. (٤) القراءات الشاذة ص ٢٠-٢١ عن ابن مسعود ئه. (٥) التيسير ص٨٨، والنشر ٢٤٠/٢. سُورَةُ الِ غَمْرَانَ ٢١٠ الآية : ٤٩ والهيئة مصدرٌ بمعنى المُهيَّأ، كالخلق بمعنى المخلوق. وقيل: إنها اسمٌ لحال الشيء وليست مصدراً، وإنما المصدرُ التهيُّؤْ والثَّهييءُ(١)، فهي على الأول جوهرٌ وعلى الثاني عَرَضٌ، وفسروها بالكيفية الحاصلة من إحاطة الحد الواحدِ أو الحدود بالجسم، والمعنى: أني أقدِّر - لأُجْل تحصيل إيمانكم، ودفع تكذيبكم إياي - من الطين شيئاً مثل الطير المهيّأ، أو هيئةً كائنةً كهيئته. والكاف إمَّا اسمٌ - كما ذهب إليه أبو الحسن(٢) - في موضع نصبٍ على المفعولية لـ ((أخلق))، أو نعت لمفعولٍ محذوفٍ له(٣). وإما حرفٌ ـ كما ذهب إليه الجمهور - فتتعلق بمحذوفٍ وقع نعتاً أيضاً لِمَا وقع هو نعتاً له على تقدير الاسمية. وقرأ يزيد وحمزةُ: ((كهيَّة)) بتشديد الياء(٤). وكان ابن المقسم يقول: بلغني أنَّ خلفاً يقول: إنَّ حمزة يترك الهمزة ويحرِّك الياء بحركتها. وقرأ أهل المدينة ويعقوب: (الطائر)) ومثله في ((المائدة))(٥). ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ الضمير للهيئة المقدَّرة في نظم الكلام، لكن بمعنى الشيء المهيّأ، لا بمعنى العرَض القائم به؛ إذ لا يصحُّ أن يكون ذلك محلًّا للنفخ، وذَّر الضمير هنا مراعاةً للمعنى كما أنَّث في المائدة مراعاةً للَّفظ، قيل: وصحَّ هذا لعدم الالتباس(٦)، ووقع في كلام غير واحدٍ كونُ الضمير للكاف بناءً على أنها اسم، ويعود ذلك في الحقيقة إلى عَوْد الضمير إلى الموصوف بها، واعترضه ابنُ هشام(٧): بأنه لو كان كما زعموا لسُمع في الكلام: مررتُ بكالأسَدِ. وبعضهم (٨): بأنَّ عود الضمير إليها غيرُ معهود. وقرئ: ((فيها))(٩). (١) في (م): الهيء والتهيؤ. وينظر الدر المصون ١٩٢/٣، واللباب في علوم الكتاب ٢٤٢/٥. (٢) هو الأخفش، كما في الدر المصون ١٩٣/٣. (٣) أي: لـ ((أخلق))، والتقدير: أني أخلق لكم هيئة مثل هيئة الطير. الدر المصون ١٩٢/٣. (٤) هي قراءة حمزة وقفاً، كما في التيسير ص٣٩ - ٤٠، ويزيد هو ابن القعقاع أبو جعفر والقراءة عنه في النشر ٤٠٥/١. (٥) وهي قراءة أبي جعفر وحده من العشرة، كما في النشر ٢٤٠/٢. (٦) في (م): الإلباس. (٧) في المغني ص٢٣٩. (٨) هو الشهاب في الحاشية ٢٨/٣. (٩) تفسير أبي السعود ٣٩/٢. الآية : ٤٩ ٢١١ سُورَةُ الِ عُقْرَانَ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ حيَّاً طيَّاراً كسائر الطيور. وقرأ المفضل: ((فتكون)) بتاء التأنيث(١)، ويعقوب وأبو جعفر ونافع: ((طائراً))(٢). ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ((يكون))، أو بـ ((طيراً))، والمراد: بأمر الله، وأشار بذلك إلى أنَّ إحياءه من الله تعالى، ولكن بسبب النفخ. وليس ذلك لخصوصيةٍ في عيسى عليه السلام، وهي تكوّنُه من نَفْخِ جبريل عليه السلام، وهو روحٌ محضّ - كما قيل(٣). بل لو شاء الله تعالى الإحياءَ بنفخ أيِّ شخصٍ كان، لَكَان من غير تخلُّفٍ ولا استعصاء. قيل: وفي هذه المعجزةَ مناسبةٌ لخلْقِهِ من غير أبٍ. واختلف هل كان ذلك بطلبٍ واقتراح، أم لا؟ فذهب المعْظَمُ إلى الأول؛ قالوا: إنَّ بني إسرائيل طلبوا منه على سبيل التعنُّت - جرياً على عادتهم مع أنبيائهم - أن يخلق لهم خفاشاً، فلمَّا فعل قالوا: ساحرٌ. وإنما طلبوا هذا النوعَ دون غيره لأنه أكملُ الطير خلقاً، وأبلغ دلالةً على القدرة؛ لأنَّ له ناباً وأسناناً، ويَحيضُ ويلد، ويطير بغير ريش، وله آذان وثَدْيٌ وضَرْعٌ يخرج منه اللبن، ويُرى ضاحكاً كما يضحكُ الإنسان، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنّما يرى في ساعتين: بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يُسفر جدّاً. والمشهورُ أنه لم يخلُق غير الخفاش، وأخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس(٤). قال وهب: كان يطيرُ ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً؛ ليتميَّز عن خلقِ الله تعالى بلا واسطة. وقيل: خلق أنواعاً من الطير. وذهب بعضهم إلى الثاني، فقد أخرج ابنُ جرير(٥) عن ابن إسحاق: أن عيسى عليه السلام جلس يوماً مع غِلْمانٍ من الكتَّاب، فأخذ طِيناً ثم قال: أجعلُ لكم من هذا الطِّين طائراً؟ قالوا: أو تستطيعُ ذلك؟! قال: نَعَم، بإذن ربِّي. ثم هيَّه حتى إذا (١) لم نقف عليها . (٢) التيسير ص٨٨، والنشر ٢٤٠/٢. (٣) هو قول الرازي في تفسيره ٨/ ٦٠. (٤) كما في الدر المنثور ٣٢/٢. (٥) في تفسيره ٤١٩/٥ . سُورَةُ الَّعَنْرَانَ ٢١٢ الآية : ٤٩ جعله في هَيْئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: كُنْ طائراً بإذن الله تعالى، فخرَج يطير من بين كَفّه، وخرج الغِلْمانُ بذلك من أَمْرِه، فذكروه لمعلِّمهم وأفْشَوه في الناس. ﴿وَأَرِيُ الْأَكْمَةَ﴾ عطفٌ على ((أَخْلُق))، فهو داخلٌ في حيِّز ((أنِّي)). والأكمهُ: هو الذي وُلد أعمى، أخرجه ابنُ جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس(١). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاءٍ عنه: أنَّه الممسوحُ العينِ(٢)، الذي لم يُشقَّ بصرُه، ولم يُخلق له حَدَقة. قيل: ولم يكن في صَدر هذه الأُمة أكمهُ بهذا المعنى غير قتادة بن دعامة السَّدُوسيِّ صاحبِ التفسير. وعن مجاهد: أنَّه الذي يُبصر بالنهار ولا يبصر بالليل. وعن عكرمةَ: أنه الأعمش (٣) . أي: أُخلِّص الأكمَهَ من الكَمَه ﴿وَالْأَبْرَمَ﴾ وهو الذي به الوَضَحُ المعروف، وتخصيصُ هذَيْن الأمرين لأنَّهما أمران مُعْضِلان أعْجَزا الأطباء، وكانوا في غاية الحذاقة مع كثرتهم في زَمَنِهِ، ولهذا أراهم اللهُ تعالى المعجزةَ من جنس الطِّب، كما أرى قومَ موسى عليه السلام المعجزة بالعصا واليدِ البيضاء، حيث كان الغالبُ عليهم السِّحر، والعربَ المعجزةَ بالقرآن حيث كان الغالبُ عليهم عصْرَ رسول الله وَيّ البلاغة. والاقتصارُ على هذيْن الأمرَيْن لا يدلُّ على نفي ما عداهما، فقد روي أنَّه عليه السَّلام أبرأ أيضاً غيرهما، وروي عن وهب أنه ربَّما اجتمع على عيسى عليه السلام من المَرْضى خمسون ألفاً، مَن أطاق منهم أن يَبلغه بلَغه، ومَن لم يُطِق ذلك منهم أتاه عيسى عليه السلام فمَشَى إليه، وكان يُداويهم بالدعاء إلى الله تعالى بشرط الإيمان. وكان دعاؤه الذي يَدعو به للمرضى والزَّمنى والعميان والمجانين وغيرهم: اللهمَّ أنت إلهُ مَن في السماء وإلهُ مَن في الأرض، لا إلهَ فيهما غيرُك، وأنت جبَّارُ مَن في السماء وجبارُ مَن في الأرض، لا جبَّارَ فيهما غيرُك، وأنت مَلِكُ مَن في السماء وملك (١) تفسير الطبري ٥/ ٤٢٢ . (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٥٥. (٣) أخرجهما الطبري ٤٢١/٥ و٤٢٣، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٥٥. الآية : ٤٩ ٢١٣ سُورَةُ العَقْرَان مَن في الأرض، لا ملكَ فيهما غيرُك، قدرتُك في الأرض كقدرتك في السماء، وسلطانُك في الأرض كسلطانك في السماء، أسألُك باسمك الكريم، ووجهِك المنير، وملكك القديم، إنك على كلِّ شيء قدير. ومن خواصِ هذا الدعاء - كما قال وهب - أنه إذا قرئ على الفَزِع والمجنون، وكُتب له وسُقي منه، نَفَع إن شاء الله تعالى. ﴿وَأُخْىِ الْمَوْقَ بِذْنِ اللَّهِ﴾ عطفٌ على خبر ((أنّ))، وقيَّد الإحياءَ بالإذن كما فعل في الأول؛ لأنَّه خارِقٌ عظیم یکادُ يُتوهّم منه ألوهیةُ فاعِلِه؛ لأنه ليس من جنس أفعال البشر. وکان إحياؤه بالدعاء، وکان دعاؤه: يا حي يا قيوم. وخبرُ: أنه كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى: تبارك الذي بيده الملك، وفي الثانية: تنزيل ((السجدة)، فإذا فرَغ مدَح الله تعالى وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفيُّ، يا دائمُ، يا فَرْدُ، يا وِتْرُ، يا أحدُ، يا صَمَد = قال البيهقي: ليس بالقوي(١) . وقيل: إنَّه كان إذا أراد أن يُحيي ميتاً ضرَب بعصاه الميت، أو القبرَ، أو الجمجمة، فيحيا بإذن الله تعالى، ويكلِّمه ويموت سريعاً. وأخرج مُحيي السُّنة(٢) عن ابن عباس أنه قال: قد أحيا عليه السَّلام أربعةً أنفس: عازر(٣) وابنَ العجوز وابنةَ العاشِرِ وسامَ بنَ نوح، فأمَّا عازر فكان صديقاً له، فأرسلت أختُه إلى عيسى: أنَّ أخاك عازر مات، وكان بينه وبين عازر مسيرةُ ثلاثة أيام، فأتاه هو وأصحابه، فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره، فدعا الله تعالى عيسى، فقام عازر ووَدَكُهُ يَقْطُر، فخرج من قبره وبقي زماناً وُلِد له. (١) الأسماء والصفات (١٦١)، وهو من طريق محمد بن طلحة عن رجل قال ... وذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٤١ من طريق محمد بن طلحة بن مصرف، عن أبي بشر، عن أبي الهذيل قوله. قال ابن كثير عند تفسير الآية (١١٠) عن سورة المائدة: وهذا أثر عجيب جدّاً . (٢) هو البغوي في تفسيره ٣٠٣/١، وقد ذكره دون إسناد، وذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص٣٩٦ دون نسبة. (٣) قيده صاحب القاموس (عزر) على وزن هاجر. سُورَةُ الَّعْرَانَ ٢١٤ الآية : ٤٩ وأمَّا ابنُ العجوز فمُرَّ به ميتاً على عيسى عليه السلام على سريرٍ يُحمل، فدعا اللهَ تعالى عيسى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه، وحمل السريرَ على عنقه، ورجع إلى أهله فبقي زماناً ووُلد له. وأمَّا ابنةُ العاشِرِ فكان أبوها رجلاً يأخذ العشور ماتت له بنتٌ بالأمس، فدعا اللهَ تعالی وأحياها، وبقيت زماناً ووُلد لها . وأمَّا سام بن نوح فإنَّ عيسى عليه السلام جاء إلى قبره، فدعا باسم الله تعالى الأعظم، فخرج من قبره وقد شاب نصفُ رأسه خوفاً من قيام السَّاعة، ولم يكونوا يَشيبون في ذلك الزَّمان، فقال: أَقَدْ قامت الساعةُ؟ قال: لا، ولكن دعوتُك باسم الله تعالى الأعظم. ثم قال له: مُتْ، قال: بشرطِ أن يعيذني اللهُ تعالى من سكّرَات الموت. فدعا اللهَ تعالى له، ففعل. وفي بعض الآثار: أنَّ إحياءه ساماً كان بعد قولهم له عليه السلام: إنك تُحيي مَن كان قريبَ العهد من الموت، ولعلَّهم لم يموتوا بل أصابتهم سكتةٌ، فأخي لنا سام بنَ نوح. فأحياه، وكان بينه وبين موته أكثرُ من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: صدِّقوه فإنَّه نبيٌّ، فآمَنَ به بعضُهم وكذَّبه آخرون، فقالوا: هذا سحرٌ فأرِنا آيةً. فنَّاهم بما يأكلون وما يدَّخرون(١). وقد وَرَد أيضاً أنه عليه السلام أحيا ابن ملِكٍ ليستخلِفَه في قصَّة طويلة، وأحيا خِشْفاً (٢) وشاةً وبقرة. ولفظ ((الموتى)) يعمُّ كلَّ ذلك. ﴿وَأَنَبِتُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمَّ﴾ ((ما)) في الموضعين موصولةٌ، أو نكرةٌ موصوفة، والعائدُ محذوف، أي: تأكلونه وتذَّخرونه، والظرفُ متعلِّق بما عنده وليس من باب التنازع. والادِّخارُ: الخَبْءُ، وأصلُ ((تدَّخرون)): تَذْتَخِرون بذالٍ مُعجَمةٍ فتاءٍ، فَأُبْدِلتْ التاءُ دالاً، ثم أُبدلت الذَّالُ دالاً وأُدغِمَتْ، ومن العرب مَن يقلب التاء ذالاً ويُدْغِم. (١) تفسير أبي الليث ٢٦٩/١. (٢) هو ولد الظبي أول ما يولد، أو أول مشيه. القاموس (خشف). الآية : ٤٩ ٢١٥ سُورَةُ العَزِءَ وقد كان هذا الإخبارُ بعد النبوة وإحيائه الموتى عليه السلام على ما في بعض الأخبار. وقيل: قبلُ، فقد أخرج ابن عساكر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه قال: كان عيسى عليه السلام وهو غلامٌ يلعب مع الصبيان، يقول لأحدهم: تريد أن أخبرك ما خبَّأتْ لك أمُّك؟ فيقول: نعم. فيقول: خبَّأت لك كذا وكذا، فيذهب الغلامُ منهم إلى أمِّه فيقول لها: أطعميني ما خبَّأْتِ لي، فتقول: وأيُّ شي خبَّاتُ لك؟! فيقول: كذا وكذا. فتقول: مَن أخبرك؟! فيقول: عيسى ابن مريم، فقالوا: والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع عيسى ليفسدنَّهم. فجمعوهم في بيت وأغلقوه عليهم، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم، حتى سمع ضوضاءهم في بيت، فسأل عنهم فقال: ما هؤلاء، كأنَّ هؤلاء الصبيانُ؟ قالوا: لا، إنما هي قردةٌ وخنازير قال: اللهم اجعلهم قردةً وخنازير، فكانوا كذلك(١). وذهب بعضهم أنَّ ذلك كان بعد نزول المائدة، وأيِّد بما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن عمار بن ياسر ◌ُّبه في الآية أنه قال: ﴿وَأُنَّبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ﴾ من المائدة ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدَّخروا، فادَّخروا وخانوا، فجعلوا قردةً وخنازير(٢). ويمكن أن يقال: إنَّ كلَّ ذلك قد وقع. وعلى سائر التقادير فالمرادُ الإخبارُ بخصوصيَّة هذين الأمرين كما يُشعِرُ به الظاهرُ. وقيل: المرادُ الإخبار بالمغيَّبات، إلا أنه قد اقتصر على ذكر أمرين منها، ولعلَّ وجه تخصيص الإخبار بأحوالهم؛ لتيقُّنهم بها، فلا يبقى لهم شُبهةٌ، والسرُّ في ذكر هذين الأمرين بخصوصهما أن غالب سعي الإنسان وصَرْفِه(٣) ذهنَه لتحصيل الأكلِ الذي به قِوَامُه، والادِّخارِ الذي يطمئنَّ به أكثرُ القلوب، ويسكن منه غالب النفوس، فليُقهم. وقرئ: (تَذْخَرون)) بالذال المعجَمة والتخفيف(٤). (١) تاريخ ابن عساكر ٣٧٣/٤٧، والدر المنثور ٣٥/٢. (٢) تفسير عبد الرزاق ١٢١/١ - ١٢٢، وأخرجه بنحوه الترمذي (٣٠٦١) مرفوعاً وموقوفاً، وقال: ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً . (٣) في (م): وصرف. (٤) القراءات الشاذة ص ٢٠، والبحر ٢/ ٤٦٧ عن الزهري ومجاهد. سُورَةُ الْعِنْرَانَ ٢١٦ الآية : ٥٠ ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: المذكور من الخوارق الأربعة العظيمة، وهذا من كلام عيسى عليه السلام حكاه الله تعالى عنه. وقيل: هو من كلام الله تعالى سِيق للتوبيخ . ﴿لَيَةٌ﴾ أي: جنسَها، وقرئ: (لآيات))(١). ﴿لَكُم﴾ دالَّةً على صحَّة الرسالة دلالةً واضحةً، حيث لم يكن ذلك بتخلَّلِ آلاتٍ، وتوسُّطِ أسبابٍ عاديةٍ، كما يفعله الأطباء والمنجّمون. ومن هنا يُعلم أن علم الجَفْر(٢) وعلمَ الفَلَكِ ونحوَهما، لمَّا كانت مقرونةً بأصولٍ وضوابطَ، لا يقال عنها: إنَّها علْمُ غيبٍ أبداً؛ إذ علمُ الغيب شرطُه أن يكون مجرَّداً عن الموادِّ والوسائط الكونية، وهذه العلوم ليست كذلك؛ لأنها مرتَّبةٌ على قواعدَ معلومةٍ عند أهلها، لولاها ما عُلِمت تلك العلوم، وليس ذلك كالعلم بالوحي؛ لأنه غير مكتسب، بل اللهُ تعالى يَختصُّ به من يشاء، وكذا العلم بالإلهام فإنَّه لا مادةَ له إلا الموهبةُ الإلهيةُ، والمنحةُ الأزلية. على أن بعضهم ذهب إلى أن تلك العلوم لا يحصل بها العلم المقابل للظنِّ، بل نهاية ما يحصل الظنُّ الغالب، وبينه وبين علم الغيب بونٌ بعيد. وسيأتي لهذا تتمةٌ إن شاء الله تعالى. ﴿إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴾﴾ فيه مجازُ المشارَفة، أي: إن كنتم موفّقين للإيمان، ويحتمل أن يكون المعنى: إنْ كنتم مصدِّقين، وجوابُ الشرط على التقديرين محذوفٌ، أي: انتفعتم بذلك. ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَنةِ﴾ عطفٌ إمَّا على المضمر الذي تعلَّق به قوله تعالى: ((بآية))، أي: قد جئتكم محتجّاً - أو متلبّساً - بآية .. إلخ، ومصدقاً لِمَا . . إلخ، وإمَّا على ((رسولاً)) وفيه معنى النُّطْقِ مثله. وجوِّز أن يكون منصوباً بفعلٍ دلَّ عليه ((قد جئتكم))، أي: وجئتكم مصدقاً .. إلخ. (١) المحرر الوجيز١/ ٤٤٠ - ٤٤١، والبحر ٤٦٨/٢ عن ابن مسعود ة (٢) زعموا أنه علم يتعلق بالقضاء والقدر، وأن الإمام عليًا به هو أول من وضعه، ثم توارثه أهل البيت ومَن ينتمي إليهم، وكانوا يكتمونه عن غيرهم! ينظر كشف الظنون ١/ ٥٩١. الآية : ٥٠ ٢١٧ سُورَةُ العَقْرَانَ وقوله سبحانه: (مِنَ التَّوْرَةِ) في موضع نصبٍ على الحال من الضمير المستترِ في الظرف، والعامل فيه الاستقرار، أو الظرفُ نفسُه لقيامه مقامَ الفعل، ويجوز أن يكون حالاً من ((ما)) فيكون العامل فيه ((مصدِّقاً». ومعنى تصديقه عليه السلام للتوراة: الإيمانُ بأن جميع ما فيها حِكْمَةٌ وصَواب. وقيل: إنَّ تصديقه لها مجيتُه رسولاً طبقَ ما بشَّرتْ به. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ معمولٌ لمقدَّرٍ بعد الواو، أي: وجئتكم لأُحِلَّ، فهو من عَظْفٍ الجملةِ على الجملة. أو معطوفٌ على ((بآية)) من قوله سبحانه: ((جئتكم بآية))؛ لأنه في معنى: لأُظهرَ لكم آيَةً ولأُحلَّ، فلا يَرِدُ أنه لا يصحُّ عطفُ المفعول له على المفعول به. أو معطوفٌ على ((مصدقاً))، ويُلتزمُ التأويل بما يجعلهما من باب واحد وإن كان الأول حالاً والثاني مفعولاً له، فكأنه قيل: جئتكم لأصدِّق ولأُحِلَّ. وقيل: لابدَّ من تقديرٍ: جئتكم فيها كلِّها؛ إذ لا يُعطف نوعٌ من المعمولات على نوعٍ آخر. ﴿بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في شريعة موسى عليه السلام؛ أخرج ابن جرير وابنُ أبي حاتم عن الربيع أنه قال: كان الذي جاء به عيسى أَلْينَ ممَّا جاء به موسى عليهما السلام، وكان قد حرِّم عليهم فيما جاء به موسى عليه السلام لحومُ الإبل والثُّروبُ، فأحلَّها لهم على لسان عيسى، وحرِّمت عليهم شحومُ الإبل فَاحِلَّت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السَّمك، وفي أشياءَ من الطّير ممَّا لا صِيصِيَةً له، وفي أشياءَ أُخَر حرَّمها عليهم وشدَّد عليهم فيها، فجاء عيسى بالتَّخفيف منه في الإنجيل(١). وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله(٢). وهذا يدلُّ على أنَّ الإنجيل مشتمِلٌ على أحكام تُغايرُ ما في التوراة، وأنَّ شريعة عيسى نَسَخت بعض شريعة موسى، ولا يُخلُّ ذلك بكونه مصدِّقاً للتوراة؛ فإنَّ النَّسَخَ بيانٌ لانتهاءِ زمان الحكم الأولِ، لا رفعٌ وإبطال، كما تقرَّر، وهذا مثلُ نسخ القرآن بعضه ببعض . (١) تفسير الطبري ٤٣٢/٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٥٧ ٦٥٨. قوله: الثُّروب، جمع ثَرْب: وهو شحم رقيق يغشِّي الكَرِش والأمعاء. وقوله: صيصية، هي شوكة الديك التي في رجليه. التاج (ثرب) و(صيص). (٢) الدر المنثور ٣٥/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٤٣١/٥ -٤٣٢. سُورَةُ العَقْرَان ٢١٨ الآية : ٥٠ وذهب بعضهم إلى أنَّ الإنجيل لم یخصَّ أحكاماً، ولا حوی حلالاً ولا حراماً، ولكنَّه رُموزٌ وأمثال، ومواعظُ وزَواجِرُ، وما سوى ذلك من الشرائع والأحكام فمُحَالَةٌ على التوراة، وإلى أنَّ عيسى عليه السلام لم يَنسخ شيئاً ممَّا في التوراة، وكان يَسْبِت ويُصلِّي نحو بيت المقدس ويحرِّم لحمَ الخنزير، ويقول بالختان، إلا أنَّ النَّصارى غيّروا ذلك بعد رَفْعِه، فانَّخذوا يوم الأحد بدلَ يومِ السبت لِمَا أنه أولُ يوم الأسبوع ومبدأ الفيض، وصلَّوا نَحْوَ المَشْرِق لِمَا تقدَّم، وحملوا الختان على ختان القلب وقَطْعِه عن العلائق الدنيوية، والعوائق عن الحضرة الإلهية، وأحلُّوا لحم الخنزير، مع أنَّ مرقس حكى في إنجيله أنَّ المسيح أتلف الخنزير، وغرَّق منه في البحر قطيعاً كبيراً(١). وقال لتلامذته: لا تعطوا القدس الكلابَ، ولا تُلقوا جواهركم قدَّامَ الخنازير(٢). فقرَنها بالكلاب. وسببُ ذلك زعمُهم أنَّ بطرس رأى في النَّوم صحيفةً نزلت من السماء، وفيها صُوَرُ الحيوانات وصورةُ الخنزير، وقيل له: يا بطرس كُلْ منها ما أحببتَ. ونُسب هذا القولُ إلى وهب بنٍ مُنبِّهِ، والذاهبون إليه أوَّلوا الآية بأنَّ المراد: ما حرَّمه علماؤهم تشهِّياً، أو خطأ في الاجتهاد، واستدلُّوا على ذلك بأنَّ المسيح عليه السلام قال في الإنجيل: ما جئتُ لأُبطِلَ التوراة، بل جئت لأُكْمِلها(٣). ولا يخفى أنَّ تأويل الآية بما أوَّلوه به بعيدٌ في نفسه، ويزيده بُعداً أنه قرئ: ((حرَّم)) بالبناء للفاعل(٤)، وهو ضميرُ ((ما بين يدي)) أو الله تعالى. وقرئ أيضاً: ((حَرُمٌ)) بوزن كَرُم(٥). وأنَّ ما ذكروه من كلام المسيح عليه السلام لا ينافي النسخَ؛ لِمَا علمتَ أنَّه ليس بإبطال، وإنَّما هو بيانٌ لانتهاء الحكم الأول، ومعنى التكميلِ ضمُّ السياسة الباطنة التي جاء بها إلى السياسة الظاهرة التي جاء بها موسى عليه السلام - على ما قيل - أو نسخُ بعضٍ أحكام التوراة بأحكامٍ هي أوفقُ بالحكمة وأولى بالمصلحة وأنسبُ بالزمان، وعلى هذا يكون قولُ المسيح حجَّةٌ للأوَّلین لا علیھم، (١) إنجيل مرقس ص ١٤١، وإنجيل متى ص٥٩ - ٦٠. (٢) إنجيل متى ص ٥٥. (٣) إنجيل متى ص٤٧، وفيه: لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة أو الأنبياء، ما جئت لأُبْطِلَ بل جئت لأكمل. (٤) المحرر الوجيز ٤٤١/١، والبحر ٤٦٨/٢ عن عكرمة. (٥) القراءات الشاذة ص ٢٠، وتفسير القرطبي ٥/ ١٤٧. الآية : ٥١ ٢١٩ سُورَةُ الَّغَمْرَانَ ولعلَّ ما ذهبوا إليه هو المعوَّلُ عليه كما لا يخفي على ذوي العرفان. ﴿وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِّنْ زَّيِّكُمْ﴾ الكلام فيه كالكلام في نظيره، وقرئ: ((بآيات))(١). ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في عدم قبول ما جئتكم به ﴿وَأَطِيعُونِ ﴾﴾ فيما آمركم به وأنهاكم بأمر الله تعالى. بيانٌ للآية المأتيِّ بها ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ (® على معنى: هي قولي: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَنِّ وَرَبُّكُمْ﴾، ولمَّا كان هذا القولُ ممَّا أجمع الرُّسل على حَقِّيَّته، ودَعَوا الناس إليه، كان آية دالَّةً على رسالته، وليس المراد بالآية على هذا المعجزةَ ليَرِدَ أنَّ مثل هذا القولِ قد يَصدرُ عن بعض العوامِّ، بل المرادُ أنه بعدَ ثبوت النبوَّةِ بالمعجزة كان هذا القولُ - لكونه طريقةَ الأنبياء عليهم السلام - علامةً لنبوَّته تطمئنُّ به النفوسُ. وجوِّز أن يُراد من الآية المعجزة، على طرْزِ ما مرَّ. ويقال: إنَّ حصول المعرفةِ والتوحيدِ والاهتداءِ للطريق المستقيم في الاعتقادات والعبادات عمَّن نشأ بين قومٍ غيَّرِوا دِينَهم، وحرَّفوا كُتب الله تعالى المُنزلةَ، وقتلوا أنبياءهم، ولم يكن ممَّنَ تعلَّم من بقايا أخبارهم(٢)، مِن أعظم المعجزات وخوارق العادات. أو يقال: من الجائز أن يكون قد ذكر الله تعالى في التوراة: إذا جاءكم شخصٌ من نَعْتِهِ كذا وكذا، ويَدعوكم(٣) إلى كيت وكيت، فاتَّبعوه فإنَّه نبيٌّ مبعوثٌ إليكم. فإذا قال: أنا الذي ذُكرتُ بكذا وكذا من التُّعوت، كان من أعظم الخوارق. وقرئ: ((أنَّ الله))(٤) بفتح همزةِ ((أنَّ) على أنَّ المُنْسَبِكَ بدلٌ من ((آية))، أو أنَّ المعنى: جئتكم بآيةٍ دالةٍ على أنَّ الله إلخ، ومثل هذا محتملٌ على قراءة الكسر أيضاً، لكن بتقدير القول(٥)، وعلى كلا التقديرين يكون قوله تعالى: (فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) اعتراضاً . (١) القراءات الشاذة ص ٢٠ - ٢١. (٢) فى الأصل: أحبارهم. (٣) في (م): يدعوكم. (٤) القراءات الشاذة ص ٢٠. (٥) والتقدير: وجئتكم بآية من ربكم قولي: إن الله، فقولي بدل من ((آية)). الدر المصون ٢٠٥/٣. سُورَةُ الْعُمان ٢٢٠ التفسير الإشاري (٤٢-٥١) وقد ذكر غيرُ واحد: أنَّ الظاهر أنَّ هذه الجملة معطوفةٌ على جملة ((جئتكم)) الأولى، وكرِّرت ليتعلَّق بها معنَى زائدٌ، وهو قولُه سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَنِّ﴾ أو للاستيعاب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ الْعَرَ كُرٍَّ﴾ [الملك: ٤]، أي: جئتكم بآيةٍ بعد أخرى ممَّا ذكرتُ لكم، من خلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص، والإحياء، والإنباء بالمَخْفيَّات، ومن ولادتي بغير أبٍ، ومن كلامي في المهد، ونحو ذلك. والكلام الأول لتمهيد الحُجَّة عليهم، والثاني لتقريبها إلى الحكم، وهو إيجابُ حكم تقوى الله تعالى وطاعته، ولذلك جيء بالفاء في ((فاتقوا الله)) كأنه قيل: لما (١) جئتكم بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة فاتقوا الله ... إلخ. وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهُ﴾ إلخ. ابتداءَ كلامٍ، وشروعاً في الدعوة - المشار إليها(٢). بقولٍ مُجْمَلٍ؛ فإنَّ الجملة الاسمية المؤكَّدة بـ ((إنَّ) للإشارة إلى استكمالِ القوة النظرية بالاعتقاد الحقِّ الذي غايته التوحيد، وقوله تعالى: ﴿فَأَعْبُدُوهٌ﴾ إشارة إلى استكمال القوة العملية؛ فإنه بملازمة(٣) الطاعة التي هي الإتيانُ بالأوامر، والانتهاءُ عن المناهي. وتعقيبُ هذَيْن الأمرين بقوله سبحانه: ﴿هَذَا صِرَطُ مُسْتَقِيمٌ﴾ تقريرٌ لِمَا سبق، ببيانِ أنَّ الجمع بين الأمرين: الاعتقادِ الحق، والعملِ الصالح، هو الطريقُ المشهودُ له بالاستقامة. ومعنى قراءة الفتح على ما ذُكر: لأنَّ الله ربِّي وربُّكم فاعبدوه، فهو كقوله تعالى: ﴿لِإِيلَفِ قُرَيْشٍ﴾ إلخ. والإشارةُ إمَّا إلى مجموع الأمرين، أو إلى الأمر الثاني المعلول للأمر الأول، والتنوينُ إمَّا للتعظيم أو للتبعيض. وجملةُ ((هذا)) إلخ - على ما قيل - استئنافٌ لبيانٍ المقتضي للدعوة. هذا والإشارةُ في هذه الآيات ظاهرةٌ كالعبارة، سِوى أنَّ تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس يحتاج إلى بيانٍ، فنقول: (١) بكسر اللام وتخفيف الميم، ويجوز فتح اللام وتشديد الميم. ينظر حاشية الشهاب ٢٩/٣. (٢) قوله: المشار إليها، يعني في قوله: ((وأطيعون))، أي: وأطيعوني فيما أدعوكم إليه. تفسير البيضاوي ٢/ ٢١ . (٣) في (م): ملازمة، والمثبت من الأصل وتفسير البيضاوي ٢/ ٢١، والكلام منه.