النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ٤٢
١٨١
سورة آلعمران
فإن القول بنبوتها شهيرٌ، بل مال الشيخ تقيُّ الدين السّبكيُّ في الحلبيات وابن السيد
إلى ترجيحه(١)، وذُكر أنَّ ذِكْرَها مع الأنبياء في سورتهم(٢) قرينةٌ قوية لذلك.
وأمَّا ثانياً: فلأن الاستدلال بالآية لا يصحُّ؛ لأنَّ المذكور فيها الإرسالُ، وهو
أخصُّ من الاستنباء على الصحيح المشهور، ولا يلزم من نفي الأخصِّ نفيُ الأعمِّ،
فافهم.
﴿وَطَهَرَكِ﴾ أي: من الأدناس والأقذار التي تَعْرِض للنساء، مثل الحيْض
والنفاس، حتى صِرْتٍ صالحةً لخدمة المسجد؛ قاله الزجاج(٣). وروي عن الحسن
وابن جبير أنَّ المراد: طهّرك بالإيمان عن الكفر، وبالطاعة عن المعصية. وقيل:
نزَّهك عن الأخلاق الذميمة والطبائع(٤) الرديئة. والأَوْلى الحملُ على العموم، أي:
طهَّرك من الأقذار الحسِّيَّة والمعنوية والقلبية والقالبية.
﴿وَأَصْطَفَتِكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ يحتمل أن يراد بهذا الاصطفاء غيرُ
الاصطفاء الأول، وهو ما كان آخِراً من هبة عيسى عليه السلام لها من غير أبٍ،
ولم يكن ذلك لأحدٍ من النساء، وجَعْلِها وإياه آيةً للعالمين. ويحتمل أن يراد به
الأول، وكرِّر للتأكيد وتبيين من اصطفاها عليهنّ.
وعلى الأول يكون تقديم حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتها بعيسى - عليه
السَّلام - للتنبيه على أنَّ كلَّ منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير، وله نظائر قد مرَّ
بعضُها، وعلى الثاني لا إشكال في الترتيب، وتكون حكمةُ تقدُّم هذه المقاولة على
البشارة الإشارةَ إلى كونها - عليها السلام - قبل ذلك مستعدَّةً لفيضان الروح عليها
بما هي عليه من التبتل والانقياد حسب الأمر، ولعلَّ الأوَّلَ أولى كما قال
الأمام(٥)؛ لِمَا أنَّ التأسيس خيرٌ من التأكيد.
(١) ذكر قولهما الشهاب في الحاشية ٢٥/٣.
(٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلَِّىّ أَحْصَنَتْ فَرْحَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآَ
ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١].
(٣) في معاني القرآن ١/ ٤١٠.
(٤) في (م): والطباع.
(٥) هو الرازي في تفسيره ٨/ ٤٦.

سُورَةُ العَزَانَ
١٨٢
الآية : ٤٢
والمرادُ من ((نساء العالمين)) قيل: جميع النساء في سائر الأَعصار، واستُدِل به
على أفضليَّتها على فاطمةَ وخديجةَ رضي الله تعالى عنهن، وأيِّد ذلك بما أخرجه
ابن عساكر في أحدِ الظُّرق، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله وَله: ((سيدةُ
نساءِ أهلِ الجَنَّة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية امرأةٌ
فرعون))(١).
وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن مكحول - وقريبٌ منه ما أخرجه الشيخان عن
أبي هريرة - قال: قال رسول الله وَل: ((خير نساءٍ رَكِبْن الإبلَ نساءُ قريش، أحناه
على ولدٍ في صغره، وأرعاه على بَعْلِ في ذات يده، ولو علمتُ أنَّ مريم ابنةَ عمران
ركِيَت بعيراً ما فضَّلتُ عليها أحداً))(٢).
وبما أخرجه ابن جرير عن فاطمة صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلَّم، أنها
قالت: قال لي رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((أنتِ سيدةُ أهلِ الجَنَّة إلا مريمَ البَتُولَ))(٣).
وقيل: المراد نساءُ عالَمِها فلا يلزم منه أفضليتُها على فاطمة ◌َّا، ويؤيِّده
ما أخرجه ابنُ عساكر من طريق مقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبيِّ وَله
أنه قال: ((أربع نسوة ساداتُ عالَمِهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم،
وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رَله، وأفضلُهن عالَما فاطمة))(٤).
(١) تاريخ ابن عساكر ٧٠/ ١٠٧، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١٢١٧٩). قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ٢٠١/٩: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجال الكبير رجال الصحيح.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٧٤/١٢، وأخرجه مرفوعاً متصلاً بهذا اللفظ ابن أبي عاصم في السنة
(١٥٣٣) من حديث أبي هريرة به. وأخرجه أحمد (٧٦٥٠)، والبخاري (٥٠٨٢)، ومسلم
(٢٥٢٧) دون قوله: ((ولو علمت أن مريم .... )) وذكر أحمد ومسلم في آخره قول
أبي هريرة: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط. وذكره البخاري تعليقاً (٣٤٣٤). قال
الحافظ في الفتح ٩/ ١٢٥: فكأنه (يعني أبا هريرة) أراد إخراج مريم من هذا التفضيل،
فلا يكون تفضيل نساء قريش عليها .
(٣) تفسير الطبري ٣٩٦/٥، وأخرجه أيضاً الترمذي (٣٨٧٣) و(٣٨٩٣)، والنسائي في الكبرى
(٨٣٠٨) و(٨٤٥٩) و(٨٤٠٦).
(٤) تاريخ ابن عساكر ١٠٧/٧٠-١٠٨، ومقاتل هو ابن سليمان، قال الحافظ في التقريب:
كذّبوه ومجروه.

الآية : ٤٢
١٨٣
سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ
وما رواه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) بسندٍ صحيح لكنه مرسل: ((مريم
خير نساء عالَمِها))(١).
وإلى هذا ذهب أبو جعفر عظُه(٢)، وهو المشهور عن أئمة أهل البيت.
والذي أميلُ إليه: أنَّ فاطمة البتولَ أفضلُ النساء المتقدِّمات والمتأخّرات من حيث
إنها بَضْعَةُ رسول الله وَلِّ، بل ومن حيثيَّاتٍ أُخَرَ أيضاً، ولا يُعكِّر على ذلك الأخبارُ
السَّابقة؛ لجواز أن يراد بها أفضليةُ غيرها عليها من بعض الجهات، وبحيثيةٍ من
الحيثيات، وبه يُجمع بين الآثار، وهذا سائغٌ على القول بنبوَّة مريم أيضاً؛ إذ البضْعِيَّة
من رُوح الوجود وسيدِ كلِّ موجود لا أراها تُقَابَل بشيء، وأين الثُّريا من يد المتناوِل؟.
ومن هنا يُعلم أفضليتُها على عائشة ◌َُّ، الذاهبُ إلى خلافها الكثيرُ محتجِّين
بقوله وَلجر: ((خذوا ثُلُثَيْ دِينكم عن الحُمَيْراء))(٣)، وقوله عليه الصلاة والسلام:
((فضْلُ عائشةَ على النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّريدِ على الطعام)»(٤). وبأنَّ عائشة يوم القيامة في
الجنة مع زوجها رسولِ الله وَّيه، وفاطمة يومئذٍ فيها مع زوجها عليٍّ كرم الله وجهه،
وفرْقٌ عظيم بين مقام النبيِّ بَّر ومقام عليٍّ كرم الله تعالى وجهه.
وأنت تعلم ما في هذا الاستدلال، وأنَّه ليس بنصِّ على أفضليَّة الحميراءِ على
الزهراء:
أمّا أولاً: فلأنَّ قُصارى ما في الحديث الأول على - تقديرِ ثبوتِه - إثباتُ أنَّها
عالِمةٌ إلى حيثُ يؤخذ منها ثُلثا الدِّين، وهذا لا يدلُّ على نفي العلم المماثل لعلمها
عن بضْعَته عليه الصلاة والسلام. ولعِلْمِه وَِّ أنَّها لا تَبقى بعدَه زمناً مُعتدّاً به يمكنُ
أخذُ الدِّين منها فيه، لم يقل فيها ذلك، ولو عَلِم لربَّما قال: خذوا كلَّ دِينكم عن
(١) مسند الحارث (٩٩٠ - زوائد الهيثمي) من طريق عروة بن الزبير عن النبي وَّر، وتمامه
(وفاطمة خير نساء عالمها)، وهو مرسل صحيح الإسناد كما ذكر المصنف، وينظر المطالب
العالية ٤ /٦٨.
(٢) وهو محمد بن علي بن الحسين، أبو جعفر الباقر، وذكر قوله الطبرسي في مجمع البيان ٣/ ٧٧.
(٣) هذا حديث باطل كما ذكر ابن القيم في المنار المنيف ص٥٩-٦١، وقال الملا علي القاري
في المصنوع ص٩٨: لا يعرف له أصل. وقال ابن حجر: لا أعرف له إسناداً، ولا رأيته في
شيء من كتب الحديث، إلا في النهاية لابن الأثير. ينظر كشف الخفاء ٤٤٩/١-٤٥ .
(٤) أخرجه أحمد (١٢٥٩٧)، والبخاري (٣٧٧٠)، ومسلم (٢٤٤٦) من حديث أنس ـ

سُورَةُ الِ غَيْرَانَ
١٨٤
الآية : ٤٢
الزَّهراء، وعدمُ هذا القول في حقِّ مَن دلَّ العقلُ والنقلُ على عِلْمه لا يدلُّ على
مفضُوليَّته، وإلا لكانت عائشة أفضلَ من أبيها رَّهِ، لأنه لم يُرْوَ عنه في الدِّين
إلا قليلٌ؛ لقلَّة لُبثه وكثرةٍ غائلته بعد رسول الله وَّه، على أنَّ قوله عليه الصلاة
والسلام: ((إنِّي تاركٌ فيكم الثَّقَلَين: كتابَ الله تعالى وعِتْرتي، لا يفترقان حتى يَرِدا
عليَّ الحوض))(١) يقوم مقام ذلك الخبر وزيادة، كما لا يخفى، كيف لا وفاطمةُ عُوّا
سيدةُ تلك العِثْرة؟!
وأمَّا ثانياً: فلأنَّ الحديث الثاني معارَضٌ بما يدلُّ على أفضلية غيرها
يفج
عليها، فقد أخرج ابن جرير، عن عمَّار بن سَعدٍ أنَّه قال: قال لي رسول الله وَّ:
((فُضِّلت خديجةُ على نساء أُمَّتي، كما فضِّلت مريم على نساء العالمين))(٢). بل هذا
الحديث أظهرُ في الأفضلية وأكملُ في المدح عند مَن انْجَابَ عن عين بصيرته
غَيْنُ(٣) التعصُّب والتعسُّف؛ لأن ذلك الخبَرَ وإنْ كان ظاهراً في الأفضلية، لكنَّه قيل
ولو على بُعد: إن ((أل)) في النساء فيه للعهد؛ والمرادُ بها الأزواجُ الطاهرات
الموجودات حين الإخبار، ولم يقل مثل ذلك في هذا الحديث.
وأمَّا ثالثاً: فلأنَّ الدليل الثالثَ يَستدعي أن يكون سائر زوجات النبي ◌َّ أفضلَ
من سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ لأنَّ مقامهم بلا ريبٍ لیس
كمقام صاحب المقام المحمود ولار، فلو كانت الشركة في المنزل مستدعيةً للأفضلية
لزم ذلك قطعاً، ولا قائلَ به.
وبعد هذا كلِّه، الذي يَدور في خَلَدي أنَّ أفضل النساء فاطمةُ، ثم أمُّها، ثم
عائشة، بل لو قال قائل: إنَّ سائر بِناتِ النبيِّ بَّر أفضلُ من عائشة، لا أرى عليه
بأساً، وعندي بيْنَ مريم وفاطمة توقُّفٌ، نظراً للأفضلية المُطلقة، وأمَّا بالنظر إلى
الحينيَّة فقد علمتَ ما أميلُ إليه، وقد سئل الإمام السُّبكيُّ عن هذه المسألة فقال:
(١) أخرجه أحمد (١١١٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري ظبه. وأخرجه الترمذي (٣٧٨٨)،
والنسائي في الكبرى (٨٠٩٢) من حديث زيد بن أرقم ريته. وله شاهد عند مسلم (٢٤٠٨)
من حديث زيد بن أرقم دون قوله: ((لا يفترقان)) وينظر التعليق عليه في حاشية مسند أحمد.
(٢) تفسير الطبري ٣٩٦/٥.
(٣) الغين: الغيم، يقال: غِين على قلبه غَيناً، أي: غُطّ عليه وأُلْبس، أو أحاط به الرَّيْن.
القاموس (غین).

الآية : ٤٣
١٨٥
سُؤَدَّةُ الَّعْرَانَ
الذي نختاره ونَدينُ اللهَ تعالى به أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ وٍَّ أفضلُ، ثم أُّها، ثم
عائشة. ووافقه في ذلك البلقيني. وقد صحَّح ابنُ العماد أنَّ خديجةَ أيضاً أفضلُ من
عائشة، لِمَا ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة حين قالت: قد رَزَقك اللهُ
تعالى خيراً منها، فقال لها: ((لا والله ما رزقني اللهُ تعالى خيراً منها، آمَنَتْ بي حين
كذَّبني الناسُ، وأَعْطَتْني مالَها حين حَرَمني الناس))(١)، وأيّد هذا بأن عائشة أَقْرَأها
السَّلام النبيُّ وَّهَ من جبريل(٢)، وخديجةَ أَقْرَأها السلامَ جبريلُ من ربِّها(٣). وبعضهم
لمَّا رأى تعَارُضَ الأدلة في هذه المسألة توقّف فيها، وإلى التوقّف مال القاضي
أبو جعفر الأسْرُوشَنِيُّ(٤) منَّا، وذهب ابنُ جَمَاعة(٥) إلى أنَّه المذهبُ الأسلم.
وأشكلُ ما في هذا الباب حديثُ الثريد، ولعلَّ كثرةَ الأخبارِ الناطقةِ بخِلافِهِ
تهوِّن تأويله، وتأويلُ واحدٍ لكثيرٍ أهونُ من تأويل كثيرٍ لواحدٍ والله تعالى هو الهادي
إلى سَوَاءِ السبيل.
﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾ الظاهرُ أنه من مَقول الملائكة أيضاً؛ وضَّوْها بالمحافظة
على الصلاة بعد أن أخبروها بعُلوِّ درجتها وكمالِ قُرْبِها إلى الله تعالى؛ لئَلَا تَفْتُر
ولا تغفل عن العبادة، وتكريرُ النداء للإشارة إلى الاعتناء بما يَرِدُ بعدُ، كأنه هو
المقصود بالذات وما قبله تمهيدٌ له.
والقنوت: إطالةُ القيام في الصَّلاة؛ قاله مجاهد. أو إدامةُ الطاعة؛ قاله قتادة،
وإليه ذهب الراغب(٦). أو الإخلاص في العبادة؛ قاله سعيد بن جبير. أو أصلُ
القيام في الصلاة؛ قاله بعضهم.
ـها.
(١) أخرجه مطولاً أحمد (٢٤٨٦٤) من حديث عائشة
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٢٨١)، والبخاري (٣٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٧) من حديث عائشة شـ
(٣) أخرجه أحمد (٧١٥٦)، والبخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢) من حديث أبي هريرة
(٤) في الأصل و(م): الاستروسني، والمثبت من الأنساب للسمعاني ٢٣٢/١، ومعجم البلدان
١/ ١٧٧، وقيدها السمعاني بضم الهمزة، وياقوت بفتحها، وهي بلدة كبيرة وراء سمرقند
كما ذكر السمعاني، وأبو جعفر هو محمد بن عمرو، أحد قضاة بخارى وسمرقند، توفي سنة
(٤٠٤ هـ). الجواهر المضيّة ٢٩٢/٣.
(٥) محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، قاضي القضاء بدر الدين أبو عبد الله الكناني
الحموي الشافعي، توفي سنة (٧٣٣ هـ). الوافي بالوفيات ١٨/٢.
(٦) في مفرداته (قنت).

سُوَدَةُ الَّعْمَانَ
١٨٦
الآية : ٤٣
والتعرُّض لعنوان الربوبية للإشعار بعلَّة وجوب امتثال الأوامر.
﴿وَأَسْجُدِى وَأَرْكَتِى مَعَ الزَّكِينَ ﴾﴾ يحتمل أن يكون المراد من ذلك كلِّه الأمرَ
بالصلاة، إلا أنه أمر سبحانه لها بذكر أركانها مبالغةً في إيجاب المحافظة عليها؛
لِمَا أنَّ في ذِكْر الشيءِ تفصيلاً تقريراً ليس في الإجمال.
ولعلَّ تقديم السجود على الركوع لأنه كذلك في صلاتهم. وقيل: لأنه أفضل
أركان الصَّلاة، وأقصى مراتبِ الخضوع، وفي الخبر: «أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه
وهو ساجد))(١). أو للتنبيه على أنَّ الواو لا توجب الترتيب، أو ليقترن ((اركعي))
بالرَّاكعين؛ للإيذان بأنَّ مَن ليس في صلاتهم ركوٌ ليسوا مُصَلِّين.
وكلٌّ من هذه الأوجه لا يَخلو عن دغدغة:
أمَّا أولاً: فلأنَّه إنَّما يتمُّ على القول بأنَّ القيام ليس أفضلَ من السجود، كما نُقل
عن الإمام الشافعي.
وأمَّا الثاني: فلأنَّ خطاب القرآن مع مَن يَعلم لغةً العرب لا مع مَن يتعلَّم منه
اللغة.
وأمَّا الثالث: فلأنَّ تَمَامِيَّته تتوقف على بيان وجهِ أنه لِمَ لَمْ يعبر بالساجدين
تنبيهاً على أنَّ مَن لا سجدةَ في صلاته ليس من المصلِّين؟ وكأنّ وجه ذلك ما يُستفاد
من كلام الزمخشريِّ، حيث قال: ويحتمل أن يكون في زمانها مَن كان يقوم ويسجدُ
في صلاته ولا يركع، وفيه مَن يركع، فأُمِرَت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع
مَن لا يركع(٢). فالنكتة في التعبير ما جعلت نكتة في ذكر: ﴿وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾.
واعترضه أيضاً بعضُهم: بأنه إذا قدِّم الركوع، وقيل: واركعي مع الراكعين
واسجدي، يحصلُ ذلك المقصود، ولا مَدخلَ للتقديم والتأخير في إفادة ذلك.
وقيل: المراد بالسجود وحدَه الصلاةُ، كما في قوله تعالى ﴿وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ﴾
[ق: ٤٠] والتعبيرُ عن الصلاة بذلك من التعبير بالجزء عن الكلِّ. ويرادُ بالركوع
(١) أخرجه أحمد (٩٤٦١)، ومسلم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة
(٢) الكشاف ٤٢٩/١.

الآية : ٤٣
١٨٧
سُورَةُ العَقْرَانَ
الخشوعُ والتواضع، وكان أمرُها بذلك حفظاً لها من الوقوع في مَهاوي التكبُّر
والاستعلاء بما لها من علوِّ الدرجة.
والاحتمالُ الأولُ هو الظاهر (١)، ويؤيِّده ما أخرجه ابن جرير عن الأوزاعي
قال: كانت تقوم حتى يسيل القيحُ من قدَميها(٢). وما أخرجه ابن عساكر في الآية
عن أبي سعيد قال: كانت مريم تصلِّي حتى تَرِمَ قدماها (٣)
والأكثرون على أنَّ فائدة قوله سبحانه: ﴿مَعَ اٌلَّكِينَ﴾ الإرشادُ إلى صلاة
الجماعة، وإليه ذهب الجبائي(٤).
وذكر بعضُ المحقّقين أنَّ نكتة التعبير بذلك في هذا المقام دون: واسجدي مع
الساجدين، الإشارةُ إلى أنَّ مَن أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك رَكعةً من الصلاة.
وعُورض بأنه لو قيل: واسجدي مع الساجدين، لربَّما كان فيه إشارة إلى أنَّ مَن
أدرك السجود مع الإمام فقد أدرك الجماعة، ولعلَّ هذه الإشارة أولَى من الأُولى في
هذا المقام، واستلزامُ ذلك أنَّ مَن أدرك ما بعد السجود معه لا يُدرك الجماعة في
حيِّزْ المنع. ولا يخفى أنَّ المعارِض والمعارَض ليسا بشيء عند المنصِفين، وأحسنُ
منهما ما أشار إليه صاحب ((الکشاف».
وزعم بعضهم(٥): أن ((مع)) مجازٌ عن الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع،
أي: افعلي كفعل الراكعين وإن لم تُؤْقِعي الصلاة معهم، قال: لأنَّها كانت تصلِّي
في محرابها، وأيضاً إنَّها كانت شابةً، وصلاةُ الشَّوَابِّ في الجماعة مكروهة.
واعترض بأنه ارتكابٌ للتجوُّز الذي هو خلافُ الأصل من غير داع، وكونُها
كانت تصلِّ في محرابها أحياناً مسلَّمٌ، لكنْ لا يدلُّ على المدَّعى أيضاً؛ لجواز
اقتدائها وهي في المحراب، وكراهةُ صلاة الشابّة في الجماعة لم يتحقَّق عندنا ثبوتُها
(١) ويعني به القول بأن المرادَ هو الأمر بالصلاة، وأن ذكر الأركان هو للمبالغة في إيجاب
الحفاظ عليها، كما سلف في بداية تفسير الآية.
(٢) تفسير الطبري ٣٩٩/٥.
(٣) تاريخ ابن عساكر ١٠٠/٧٠، وأخرجه عبد الرزاق ١٢٠/١، والطبري ٣٩٩/٥ عن مجاهد.
ووقع في (م): تورم، بدل: ترم.
(٤) ذكر قوله الطبرسي في مجمع البيان ٣/ ٧٧.
(٥) هو أبو حيان في البحر ٢/ ٤٥٧ .

سُورَةُ الْ عَمْرَانَ
١٨٨
الآية : ٤٤
في شرع من قبلنا، على أنَّ الماتريديَّ نفى كراهةَ صلاةٍ مريم في الجماعة وإن كانت
شابَّةً - وقلنا بكراهة صلاة الشَّوابِّ في شرعهم أيضاً- وعلَّله بكون القوم الذين كانت
تصلِّي معهم كانوا ذوي قَرابةٍ ورَحِم، ولذلك اختصموا في ضمِّها وإمساكها(١).
وربَّما يعلَّل بعدم خشية الفتنة وإن كانوا أجانب، ويُستأنس لهذا بذهابها مع يوسف
لملء القُلَّة في المفازة، ولعلَّ أولئك الذين تركع معهم من هذا القبيل. وإن قلنا :
إنَّها تقتدي وهي في مِحرابها إمَّا وحدَها أو مع نسوة، زال الإشكالُ.
وجاء ﴿مَعَ الزَّكِينَ﴾ دون الراكعات لأنَّ هذا الجمع أعمُّ؛ إذ يشمل الرِّجالَ
والنساء على سبيل التغليب، ولمناسبة رؤوس الآي، ولأنَّ الاقتداء بالرِّجال أفضل
إن قلنا: إنَّها مأمورةٌ بصلاة الجماعة.
وادَّعى بعضهم أنَّ في التعبير بذلك مدحاً ضمنيًّا لمريم عليها السَّلام، ولم
يقيِّد الأمرين الأخيرين بما قيد به الأمر الأول، اكتفاءً بالتقييد من أول وَهْلةٍ.
وقال شيخ الإسلام: إنَّ تجريد الأمر بالركنين الأخيرين عمَّا قيِّد به الأول لِمَا
أنَّ المراد تقييدُ الأمر بالصلاة بذلك، وقد فعل حيث قيّد به الركن الأول منها(٢).
ولعلَّ ما ذكرناه أولى لأنَّه مطَرد على سائر الأقوال في القنوت.
وأخرج ابن أبي داود في ((المصاحف))(٣) عن ابن مسعود رضيبه أنه كان يقرأ:
«واركعي واسجدي في السَّاجدین)).
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم ذِكْرُه من تلك الأخبار البديعة الشأن، المُرْتَقيةِ من
الغَرَابة إلى أعلى مكان، وهو مبتدأ خبرُه قولُه تعالى: ﴿مِنْ أَبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أي: من
أخبار ما غاب عنك وعن قومك ممَّا لا يُعرَف إلَّا بالوحي، على ما يُشير إليه
المقام، والجملةُ مستأنفَةٌ لا محلَّ لها من الإعراب.
وقوله تعالى: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾ جملةٌ مستقلَّة مبيِّنةٌ للأولى، والإيحاءُ: إلقاء
المعنى إلى الغير على وجهٍ خفيّ، ويكون بمعنى إرسال المَلَك إلى الأنبياء وبمعنى
الإلهام، والضمير في ((نوحيه)) عائدٌ إلى ((ذلك)) في المشهور، واستُحسن عودُه إلى
(١) تأويلات أهل السنة لأبي منصور الماتريدي ٢٦٨/١، والبحر المحيط ٢/ ٤٥٧.
(٢) تفسير أبي السعود ٣٥/٢.
(٣) برقم (١٦٥).

الآية : ٤٤
١٨٩
سُورَةُ العمران
الغيب؛ لأنه حينئذٍ يَشملُ ما تقدَّم من القصص، وما لم يتقدَّم منها، بخلافٍ ما إذا
عاد إلى ((ذلك)) فإنه حينئذٍ يُوهم الاختصاصَ بما مضى، وجوِّز أن تكون هذه
الجملة خبراً عن المبتدأ قبلها، و((من أنباء الغيب)) إمَّا متعلِّق بـ ((نوحيه))، أو حال
من مفعوله، أي: نوحيه حالَ كونه بعضَ أنباءِ الغيب. وجَعْلُه حالاً من المبتدأ رأيُ
البعض (١). وجوَّز أبو البقاء (٢) أن يكون التقدير: الأمرُ ذلك، فيكون ((ذلك)) خبراً
لمبتدأ محذوف، والجارُّ والمجرور حالٌ منه، وهو وجهٌ مَرْذُولٌ لا ينبغي أن يخرَّج
عليه كلامُ الملِكِ الجلیل.
وصيغةُ الاستقبال عند قومٍ للإيذان بأنَّ الوحي لم ينقطع بعدُ.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيِّهِمْ﴾ أي: عند المتنازِعِينَ، فالضميرُ عائدٌ إلى غير مذكور دلَّ عليه
المعنى، والمقصود من هذه الجملة تحقيقُ كونِ الإخبار بما ذُكر عن وحي على
سبيل الثَّهُم بمُنْكِريه، كأنه قيل: إنَّ رسولَنا أخبركم بما لا سبيل إلى معرفته
بالعقل، مع اعترافكم بأنه لم يَسمعه ولم يقرأه في كتاب، وتنكرون أنَّه وحيّ، فلم
يَبْقَ مع هذا ما يحتاج إلى النفي سوى المشاهَدةِ التي هي أظهرُ الأمور انتفاءً؛
الاستحالتها المعلومة عند جميع العقلاء.
ونَّه على ثبوت قصَّة مريم مع أنَّ ما عُلِمٍ بالوحي قصَّةُ زكريا عليه السلام أيضاً؛
لِمَا أنَّ تلك هي المقصودةُ بالإخبار أولاً، وإنما جاءت القصَّةُ الأُخرى على سبيل
الاستطراد، ولاندراج بعضٍ قصّةٍ زكريا في ذكرٍ مَن تكفَّل، فما خلَت الجملةُ عن
تنبيهٍ على قصَّتِه في الجملة.
وروي عن قتادة: أنَّ المقصود من هذه الجملة تعجيبُ اللهِ سبحانه نبيَّه عليه
الصلاة والسلام من شدَّة حرصِ القومِ على كَفَالة مريمَ والقيام بأمرها، وسيق ذلك
تأكيداً لاصطفائها عليها السلام. ويَبْعَدُ هذا الفصلُ بين المؤكِّدَ والمؤكَّد، ومع هذا
هو أولى ممَّا قيل: إنَّ المقصود منها التعجيبُ من تدافُعِهم لكفالتها؛ لشدّةِ الحال
ومزيدِ الحاجة التي لَحِقَتهم، حتى وفِّق لها خيرُ الكُفلاء زكريا عليه السلام(٣)، بل
(١) ذكره السمين في الدر المصون ٣/ ١٧٠.
(٢) في الإملاء ٢/ ٦٣ .
(٣) ذكر هذا القول وقول قتادة قبله الطبرسي في مجمع البيان ٧٩/٣.

سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ
١٩٠
الآية : ٤٤
يكاد يكون غيرَ صحيح درايةً ورواية، وعلى كلِّ تقدير لا يُشْكِلُ نفيُ المشاهدةِ مع
ظهور انتفائها عند کلِّ أحد.
﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ﴾ أي: يَرْمُونها ويَطرحونها للاقتراع، والأقلامُ جمعُ قلم،
وهي التي كانوا يكتبون بها التوراةَ، واختاروها تبرُّكاً بها. وقيل: هي السِّهام من
النِّشَاب وهي القِدَاح. وحكى الكازرونيُّ أنها كانت من نُحاسٍ، وهي مأخوذةٌ من
القَلْم بمعنى القَطْع، ومنه قُلامةُ الظُّفر، وقد تقدَّم بيانُ كيفية الرَّمي(١). وفي عِدَّة
الأقلام خلافٌ، وعَن الباقر أنها كانت ستةً. والظرف معمولٌ للاستقرار العاملِ في
(لديهم))، وجَعْلُه ظرفاً لـ ((كان)) - كما قال أبو البقاء(٢) - ليس بشيء.
﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ من تتمَّة الكلام الأول، وجَعْلُه ابتداءَ استفهام مفسدٌ
للمعنى، ولمَّا لم يصلح ((يلقون)) للتعلّق بالاستفهام لَزِم أن يقدَّر ما يرتبط به النِّظام،
فذكَر الجُلُّ له ثلاثةَ أوجه:
أحدها: أن يقدَّر: ينظرون أيُّهم يكفلُ، وحيث كان النظر ممَّا يؤدِّي إلى
الإدراك، جاز أن يتعلَّق باسم الاستفهام کالأفعال القلبية، کما صرَّح به ابن
الحاجب وابن مالك في ((التسهيل))(٣).
وثانيها: أن يقدَّر: ليعلموا أيهم يكفل.
وعلى الأول الجملةُ حالٌ ممَّا قَبْلَها، وعلى الثاني في موضع المفعول له،
ولا يخفى أنَّ الإلقاء سببٌ لنفْس العلم، لكنه سببٌ بعيد، والقريب هو النظر إلى
ما ارتفع من الأقلام.
وثالثها: أن يقدَّر: يقولون، أو: ليقولوا أيهم ... إلخ. واعتُرض بأنه لا فائدةَ
يُعتدُّ بها في تقدير: يقولون، ولا يَنْساقُ المعنى إليه، بل هو مجرَّد إصلاحٍ لفظيٍّ
(١) ص١٤٥ من هذا الجزء.
(٢) في الإملاء ٢/ ٦٣، وهو قول أبي علي الفارسي أيضاً، وهذا القول لا يتحقق على اعتبار أن
كان الناقصة قد سُلبت الدلالة على الحدث وتجردت للزمان، فكيف تعمل في الظرف
والظرف وعاء للحدث؟ إلا إذا اعتبرت ((كان)) هنا تامة، بحيث يكون المعنى: وما وُجد في
ذلك الوقت. ينظر البحر ٤٥٨/٢، والدر المصون ١٧١/٣ .
(٣) ص٧٢، ونقل المصنف هذا القول عن ابن الحاجب وابن مالك عن حاشية الشهاب ٢٦/٣.

الآية : ٤٤
١٩١
سُؤَدَّةُ الِ عَقْرَانَ
لموقع ((أيُّهم))؟ وأجيبَ بأنه مفيد وينساق المعنى إليه بناءً على أنَّ المراد بالقول
القولُ للبيان والتعيين(١).
واعتُرض أيضاً تقديرُ القول مقروناً بلام التعليل، بأنَّ هذا التعليل هنا ممَّا
لا معنى له؟ وأجيب بتأويله كما أوّل في سابقه. وقيل: يؤوَّل بالحكم، أي: ليقولوا
ولِيَحْكموا أيُّهم ... إلخ.
والسّكاكي(٢) يقدِّر هاهنا: ينظرون ليعلموا، ولعلَّ ذلك لمراعاة المعنى واللفظ،
وإلا فتقديرُ النظرِ أو العلم يُغني عن الآخر.
وبعضُ المحقّقين لم يقدِّر شيئاً أصلاً، وجَعَل ((أيُّهم)) بدلاً عن ضمير الجمع،
أي: يلقي كلُّ مَن يقصدُ الكفالةَ وتتأَتَّى منه. ولا يخفى أنه من التكلُّف بمكان.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾﴾ في شأنها تنافساً على كَفَالتها، وكان هذا
الاختصامُ بعد الاقتراع في رأي، وقبله في آخر، وتكريرُ ((ما كنت لديهم)) مع تحقّقٍ
المقصود بعطفٍ ((إذ يختصمون)) على ((إذ يلقون))؛ للإيذان بأنَّ كلَّ واحدٍ من عدم
الحضور عند الإلقاء، وعدم الحضور عند الاختصام، مستقلٌّ بالشهادة على
نبوَّتِهِ وَ ال*، لا سِيَّما على الرأي الثاني في وقت الاختصام؛ لأنَّ تغيير الترتيب في
الذِّكر مؤكِّد لذلك، قاله شيخ الإسلام(٣) .
واختلف في وقت هذا الاقتراع والتَّشَاحُ على قولين:
أحدهما وهو المشهور المعوَّل عليه: أنَّه كان حين ولادتِها وحَمْلِ أمِّها لها إلى
الكنيسة، على ما أشرنا إليه من قبلُ (٤).
وثانيهما: أنَّه كان وقتَ كِبَرِها وعجزِ زكريا عليه السلام عن تربيتها، وهو قولٌ
مرجوح، وأوهنُ منه قولُ مَن زعمَ أن الاقتراع وقع مرتين: مرَّةً في الصِّغر، وأُخرى
في الكِبر.
(١) أي: ليبينوا أو يعيِّنوا الكافل. حاشية الشهاب ٢٦/٣.
(٢) في مفتاح العلوم ص٢٧٩ .
(٣) تفسير أبي السعود ٣٦/٢.
(٤) ص ١٤٥ من هذا الجزء.

سُؤَدَّةُ الْعَنْرَانَ
١٩٢
الآية : ٤٥
وفي هذه الآية دلالةٌ على أنَّ القرعة لها دخلٌ في تمییز الحقوق، وروي عن
الصادق ﴿به أنه قال: ما تَقارَع قومٌ ففوَّضوا أمرهم إلى الله عز وجل، إلا خرج
سهْمُ المُحِقِّ. وقال: أيُّ قضية أعدلُ من القضية إذا فوّض الأمرُ إلى الله سبحانه،
أليس الله تعالى يقول: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]؟
وقال الباقر ربه: أولُ مَن سُوهِم عليه مريمُ بنتُ عمران ثم تلا: (وَمَا كُنْتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ).
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ﴾ شروعٌ في قصَّةِ عيسى عليه السلام، والمرادُ بالملائكة
جبريلُ عليه السلام على المشهور، والقولُ شفاهيٌّ كما رواه ابنُ أبي حاتم عن
قتادة (١). و((إذ)) المضافةُ إلى ما بعدها بدلٌ من نظيرتها السَّابقةِ بدلَ كلٍّ من كلٍّ،
وقيل: بدل اشتمال. ولا يضرُّ الفصل إذ الجملةُ الفاصلةُ بين البدلِ والمبدلِ منه
اعتراضٌ جيء به تقريراً لِمَا سبق، وتنبيهاً على استقلاله وكونِه حقيقاً (٢) بأن يعدَّ على
حياله من شواهد النبوّة. قالوا: وترك العطف بناءً على اتّحاد المخاطَب
والمخاطِب، وإيذاناً بتقارُن الخِطابين، أو تقَارُبهما في الزمان.
وجوَّز أبو البقاء (٣) كونَ الظرف منصوباً بـ ((اذكر)) مقدَّراً، وأن يكون ظرفاً
لـ «يختصمون)).
وقيل: إنَّه بدل من ((إذ)) المضافةِ إليه. واعتُرض بأنَّ زمنَ الاختصام قبلَ زمن
البشارة بمدَّةٍ، فلا تصحُّ هذه البدلية، والتزام أنَّه بدلُ غلطٍ غلطً؛ إذ لا يقع في
فصيح الكلام.
وأجيب: بأنه يعتبر زمانٌ ممتدٌّ يقع الاختصام في بعضه والبشارةُ في بعضٍ آخر،
وبهذا الاعتبار يصحُّ أن يقال: إنَّهما في زمانٍ واحدٍ، كما يقال: وقع القتالُ
والصُّلح في سنةٍ واحدة، مع أنَّ القتال واقعٌ في أوَّلها مثلاً والصلح في آخرها.
قيل: ولا يحتاج إلى هذا على الاحتمال الثاني ممَّا ذكره أبو البقاء؛ بناءً على
ما روي عن الحسن أنَّها عليها السَّلام كانت عاقلةً في حال الصغر، فيحتمل أنها
وردت عليها البُشرى إذ ذاك، وفيه بُعْدٌ، بل الآثار ناطقةٌ بخلافه.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٥٠.
(٢) في الأصل و(م): حقيقياً، والمثبت من تفسير أبي السعود ٣٦/٢، والكلام منه.
(٣) في الإملاء ٢/ ٦٤ .

الآية : ٤٥
١٩٣
سُورَةُ آلْ عَمْرَانَ
﴿يَمَّرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ كلمة ((من)) لابتداء الغاية مجازاً، وهي متعلّقةٌ
بمحذوفٍ وقع صفة لـ ((كلمة))، وإطلاقُ ((الكلمة)) على مَن أُطلقت عليه باعتبار أنَّه
خُلِقِ من غير واسطةٍ أبٍ، بل بواسطةِ((كن)) فقط على خلاف أفراد بني آدم، فكان
تأثير ((الكلمة)) في حقِّه أظهرُ وأكمل، فهو كقولك لمن غَلَبَ عليه الجودُ مثلاً:
مَحْضُ الجود، وعلى ذلك أكثر المفسِّرين، وأيَّدوا ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ
عِيسَى عِندَ اُلَّهِ كَمَثَلِ ءَادَّمٌ خَلَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
وقيل: أطلق عليه ذلك لأنَّ الله تعالى بشّر به في الكتب السَّالفة، ففي التوراة
في الفصل العشرين من السّفر الخامس: أقبل الله تعالى من سِيْنا، وتجلَّى من
ساعير، وظهر من جبال فاران(١). وسينا جبلُ التجلِّي لموسى، وساعير جبلُ بيت
المقدس وكان عيسى يتعبَّد فيه، وفاران جبلُ مَّة، وكان متَحَّثَ سيدِ المرسلين ◌َِّ،
وهذا كقولٍ مَن يُخبر بالأمر إذا خرج موافقاً لِمَا أَخبر به: قد جاء كلامي.
وقيل: لأنَّ الله تعالى يهدي به کما يهدي بكلمته.
ومن الناس مَن زعم أنَّ ((الكلمة)) بمعنى البشارة، كأنه قيل: بيشارة منه، ويُبعده
ظاهرُ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَتُهَا إِلَى
[النساء: ١٧١] ولعلَّه يرجّح أول الأقوال كما يرجِّحه عدمُ اطّراد الأقوال
مَريمَ
الأُخَر، وإن لم يكن لازماً في مثل ذلك.
وفي ((يُبِشِّركِ) هنا من القراءات مثل ما فيها فيما تقدَّم.
﴿أَسْمُهُ﴾ الضميرُ راجعٌ إلى («الكلمة»، وذَّره رعايةً للمعنى لكونها عبارةً عن
مذكَّر، و((اسم)) مبتدأُ خبرُه: ﴿الْسَسِيحُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿عِيسَى﴾ يحتمل أن يكون بدلاً، أو عطفَ بيان، أو توكيداً
بالمرادف كما أشار إليه الدنوشريُّ(٢)، أو خبراً آخَرَ. أو خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أو
(١) العهد القديم، سفر تثنية الاشتراع ص ٤١١.
(٢) عبد الله بن عبد الرحمن الشافعي المصري، النحوي اللغوي، له تآليف كثيرة في النحو،
منها: حاشية على شرح التوضيح، توفي سنة (١٠٢٥ هـ). خلاصة الأثر في أعيان القرن
الحادي عشر ٥٢/٣.

سُورَةُ الَّغْرَانَ
١٩٤
الآية : ٤٥
منصوباً بإضمار: أعني، مَدْحاً، وحَذْفُ المبتدأ والفعل؛ قيل: على سبيل الجواز.
ومقتضى ما ذكروه في النَّعت المقطوع أن يكون على سبيل الوجوب.
وقوله تعالى: ﴿أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ صفة لـ ((عيسى))، وعلى تقدير كونه منصوباً يُلتزم
القولُ بالقطع على أنه خبر لمبتدأ محذوف(١).
ومَن جعل هذه الثلاثة أخباراً عن المبتدأ أَورد عليه بأنَّ الاسم في الحقيقة
(عيسى))، و((المسيح)) لقبٌ، و((ابن)) صفةٌ، فكيف جعلت الثلاثة خبراً عنه؟
وأجيب: بأنَّ المراد بالاسم معناه المصطلَحُ، وهو العلَمُ مطلقاً، وليس هو
بمعنى مقابل اللقب، بل ما يعمُّه وغيره، وأنَّ إضافته تفيد العموم؛ لأنَّ إضافة اسم
الجنس قد يُقصَد بها الاستغراق، وأنَّ إطلاقه على ((ابن مريم)) على طريق التغليب.
وقيل: المراد بالاسم معناه اللغويُّ - وهو السِّمةُ والعلامة المميزة لا العلَم،
ولا مانع حينئذٍ من جَعْلِ مجموع الثلاثة خبراً؛ إذ التمييز بذلك أشدُّ من التمييز بكلِّ
واحد، فَيَؤُولُ المعنى إلى قولك: الذي يُعْرَفُ به ويُميَّز به عما سواه مجموعُ الثلاثة.
وبهذا - كما في ((الانتصاف))(٢) - خلاصٌ من إشكال يُوردونه فيقولون: ((المسيح))
في الآية إنْ أُريدَ به التسمية - وهو الظاهر - فما موقع ((عيسى ابن مريم)) والتسميةُ
لا توصف بالنبوة؟ وإنْ أريد به المسمَّى بهذه التسميةِ لم يلتئم مع قوله سبحانه:
(اسْمُهُ). ووجه الخلاص ظاهرٌ، ولعدم ظهور هذا التوجيه لبعضهم التزم الخلاص
من ذلك بأنَّ المسيحَ خبرٌ عن قوله تعالى: ((اسمه)) والمرادُ التسميةُ، وأمَّا ((عيسى
ابن مريم» فخبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: هو، ويكون الضمير عائداً إلى المسمَّى
بالتسمية المذكورة، منقطعاً عن ((المسيح)).
والمشهورُ أنَّ ((المسيح)) لقبُه عليه السلام، وهو له من الألقاب المشرِّفة
كالفاروق، وأصله بالعِبْريَّة مشيحا، ومعناه: المبارك. وعن إبراهيم النخعيِّ:
الصِّدِّيق. وعن أبي عمرو بن العلاء: الملِك.
(١) يعني على تقدير كون ((عيسى)) منصوباً بفعل محذوف، يلتزم القول بأن ((ابن)) خبرٌ لمبتدأ
محذوف.
(٢) ١/ ٤٣٠ على هامش الكشاف، وما قبله هو قول الزمخشري.

الآية : ٤٥
١٩٥
سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ
و((عيسى)) معرَّب أيشوع، ومعناه السَّيد.
وعن كثير من السَّلف: أنَّ ((المسيح)) مشتقٌّ من المَسْحِ. واختلفوا في وجهِ
إطلاقه على عيسى عليه السَّلام؛ فقيل: لأنَّه مُسِح بالبركة واليُمن، وروي ذلك عن
الحسن وابن جبير.
وقيل: لأنه كان يَمْسَحِ عَيْنَ الأَكْمَه فيبصر، وروي ذلك عن الكلبي.
وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ بيده إلا بَرِىء؛ ورواه عطاء والضحاك عن
ابن عباس.
وقال الجبائي: لأنه كان يمسح بدُهنِ زيتٍ بورك فيه، وكانت الأنبياء تتمسَّح به.
وقيل: لأنَّ جبريل مسحه بجناحيه وقت الولادة ليكون عوذةً من الشيطان الرجيم.
وقيل: لأنه حين مَسَح الله تعالى ظَهْر آدم عليه السلام فاستخرج منه ذرَّات(١)
ذرِّيته، لم يَرُدَّه إلى مقامه كما فعل بباقي الذرَّات، بل حَفِظه عنده حتى ألقاه إلى
مريم، فكان قد بقي عليه اسمُ المسيح، أي: المَمْسُوح.
وقيل وقيل، وهذه الأقوالُ تُشعر بأنَّ اللفظ عربيٍّ لا عِبِرْي، وكثير من المحقّقين
على الثاني، واختاره أبو عبيدة(٢)، وعليه لا اشتقاقَ؛ لأنَّه لا يَجري على الحقيقة
في الأسماء الأعجمية.
وفي ((الكشف)): أنَّ الظاهر فيه الاشتقاقُ؛ لأنه عربيٍّ دَخَل عليه خواصُ
كلامهم، جُعِل لقبَ تشريف له عليه السلام، كالخليل لإبراهيم. وجَعْلُه معرَّباً ثم
إجراؤه مجرى الصِّفات في إدخال اللام لأنه في كلامهم بمعنى الوصف، خلافُ
الظاهر.
ومن الناس مَن ادَّعى أن دخول اللام لا ينافي العُجْمة، فإنَّ التوراة والإنجيل
والإسكندر لم تُسمع إلا مقرونةً بها مع أنَّها أعجمية، ولعل ذلك لا ينافي أظهريَّةً
(١) في الأصل: ذوات.
(٢) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: أبو عبيد، كما في تهذيب اللغة ٣٤٨/٤، وتفسير
القرطبي ١٣٦/٥، والبحر ٤٦٠/٢ .

سُورَةُ الْعَنْرَانَ
١٩٦
الآية : ٤٥
كونِ محلِّ النزاع عربيًّا. نعم قيل في عيسى: إنَّه مشتقٌّ من العيس، وأنَّه إنَّما سمِّي
به عليه السلام لأنه كان في لونه عيسٌ، أي: بياضٌ تعلوه حُمرة، كما يشير إليه
خبرُ: ((كأنما خرج من ديماس))(١).
إلا أنَّ المعوَّل عليه فيه أنه لا اشتقاقَ له، وأن القائل به كالرَّاقم على الماء.
وهذا الخلافُ إنما هو في هذا المسيح، وأمَّا المسيح الدَّجال فعربيٍّ إجماعاً،
وسمِّي به لأنه مُسِحَت إحدى عينيه، أو لأنه يَمْسَحُ الأرضَ، أي: يقطعها في المدَّة
القليلة. وفرَّق النخعي بين لقب روحِ الله وعدوِّه: بأن الأول بفتح الميم والتخفيف،
والثاني بكسر الميم وتشديد السين كَشرِّير، وأنكره غيرُه وهو المعروف.
ثم القائلون باللَّقَبِيَّة في الآية، وكونِ عيسى بدلاً مثلاً، خَصَّ الكثيرُ منهم مَنْعَ
تقديم اللقب على الاسم بما إذا لم يكن أَشْهَرَ منه حقيقةً أو ادِّعاءً، أمَّا إذا كان
أشهرَ كما هنا، فإنه يجوز التقديمُ كما نصَّ عليه ابنُ الأنباري(٢)، ولا يختصُّ بغير
الفصيح كما فيما إذا لم یکن کذلك.
والمشهور فيما إذا كان الاسمُ واللقب مفرَدَيْن إضافةُ الأول للثاني، وفي
((المفضَّل)) تَعيُّنها(٣)، وصنيعُ سيبويه يشير إلى ذلك(٤). ومَن جوَّز التَّبعية استدلَّ
بقولهم: هذا يحيى عينان؛ إذ لو أُضيف لقيل: عينين، وحَمْلُه على لغةٍ مَن يُلْزِمُ
المثنى الألفَ يردُّه أنَّ الرواية بضمِّ النون، ولو كانت الروايةُ بالكسر لأمَكْنَ ذلك
الحَمْلُ، فلا يتمُّ الاستدلال، وكذا لو كانت بالفتح؛ لأنَّه يمكنُ حينئذٍ أن يكون
اللقب مجروراً بالإضافة إلا أنَّ الفتحة فيه نائبةٌ عن الكسرة بناءً على القول بأنَّ
المسمَّى به يجوز أن يُعرب كما لا ينصرف، لكن أنت تعلم أنَّ قُصارى ما يثبتُه هذا
الاستدلال الورودُ في هذا الجزئيّ، وأمَّا أنَّه يثبت الاطّراد فلا، ولعلَّ المانع
إنَّما يمنع ذلك، ويدَّعي أنَّ المظَّرد هو الإضافةُ لكنْ بشرطِ أنْ لا يمنع منها مانعٌ؛
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٧٨٩)، والبخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨) عن
أبي هريرة
(٢) ذكر قوله أبو حيان في البحر ٢/ ٤٦٠.
(٣) ينظر شرح المفصل لابن يعيش ٣٣/١.
(٤) الكتاب ٢٩٤/٣.

الآية : ٤٥
١٩٧
سُورَةُ لِ ◌ّعَقْرَانَ
فلا تجوز فيما إذا قارنت ((أل)) الوضعَ؛ لمنعها عن ذلك، فلا يقال: الحارث ◌ُرْزِ
بالإضافة، وكذا إذا كان اللَّقبُ وصفاً في الأصل، نحو: إبراهيمُ الخليل، على
ما نصَّ عليه ابن الحاجب في ((شرح المفصل))؛ لأنَّ الموصوف لا يضاف إلى صفته
في المشهور. ومن الناس مَن جعل ما نحن فيه من هذا القبيل، وهو مبنيٌّ على
مذهبٍ من يقول: إنَّ المسيح صفةٌ في العربية، ومع هذا في المسألة خلافُ ابنِ
هشام؛ فإنَّه يجوِّز الإضافة في هذا القِسْمِ أيضاً، وتمامُ البحث في كتبنا النَّحْوية
فليُفْهم.
وإنَّما قيل: ((ابنُ مريم)) مع كون الخطاب لها؛ تنبيهاً على أنه يولد من غير أبٍ،
ولو كان له أبٌّ لنُسب إليه، وفي ذلك رمزٌ إلى تفضيل الأمّ أيضاً. وقيل: إنَّ في
ذلك ردّاً للنصارى. وأَبْعَدَ مَن ادَّعى أنَّ هذه الإضافة لمدح عيسى عليه السلام؛ لأنَّ
الكلام حينئذٍ في قوَّة: ابن عابدة.
هذا واعلم أنَّ لفظ ((ابن)) في الآية يُكتب بغير همزةٍ؛ بناءً على وقوعه صفةً بين
عَلَمين؛ إذ القاعدةُ أنه متى وقع كذلك لم تُكتب همزته، بل تُحذف في الخطّ تبعاً
لحذفها في اللفظ لكثرة استعماله كذلك، ومتى تقدَّمه عَلَمٌ لكنْ أضيف إلى غير عَلَم
كـ : زيد ابنُ السُّلطان، أو تقدَّمه غيرُ علَم، وأضيف إلى علم كـ : السلطان ابن زید،
أو وقع بين ما ليسا علَّمَيْن كـ : زيد العاقل ابن الأمير عمرو، كتبت الألف ولم تُحذف
في الخطّ في جميع تلك الصُّور، والكُتَّاب كثيراً ما يخطئون في ذلك، فيحذفون
الهمزة منه في الكتاب أينما وقع، وقد نصَّ على خطئهم في ذلك ابنُ قتيبة (١) وغيره.
ومن هنا قيل: إنَّ الرسم يرجِّح التَّبعية، نعم في كون ذلك مطَّرِداً فيما إذا كان المضاف
إليه عَلَمَ الأمِّ خلافٌ، والذي أختاره الحذفَ أيضاً إذا كان ذلك مشهوراً.
﴿وَجِيهًا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ الوجيهُ: ذو الجاه والشّرَف والقَدْر. وقيل: الكريم
على مَن يسأله، فلا يُردُّ لكَرَم وجهه عنده، خلاف مّن يبذل وجهَه للمسألة فيُرَدُّ.
ووجاهته في الدنيا بالنيوة والتقدُّم على الناس، وفي الآخرة بقبول شفاعته وعلوِّ
درجته .
(١) في أدب الكاتب ص٢١٦ - ٢١٧.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٩٨
الآية : ٤٦
وقيل: وجاهته في الدُّنيا بقبول دعائه بإحياء الموتى، وإبراءِ الأكمه والأبرص.
وقيل: بسبب أنه كان مبرَّءاً من العيوب التي افتراها اليهودُ عليه، وفي الآخرة
ما تقدَّم.
وليست الوجاهة بمعنى الهيئة والبزة؛ ليقال: كيف يكون وجيهاً في الدنيا، مع
أنَّ اليهود قاتلهم الله عامَلوه بما عاملوه؟ على أنَّه لو كان المعنى على ذلك لا تَقْدَح
تلك المعامَلَةُ فيه، كما لا تقدح على التقادير الأُوَل، كما لا يخفى على المتأمل.
ونصب ((وجيهاً)) على أنه حالٌ مقدَّرةٌ من ((كلمة))، وسوَّغْ مجيءَ الحالِ منها - مع
أنّها نكرةٌ - وصفُها بما بعدها، والتذكيرُ باعتبار المعنى كما أُشير إليه، وجُعلت
الحال مقدَّرةً لأنَّ الوجاهة كانت بعد البشارة.
ومن الناس مَن جعل الحالَ من ((عيسى))، وقال أبو البقاء: لا يجوزُ ذلك،
وكذا لا يجوز جَعْلُه حالاً من ((المسيح)) أو من ((ابن مريم)) لأنَّها أخبار، والعاملُ
فيها الابتداء، أو المبتدأ، أو هما، وليس شيءٌ من ذلك يعمل في الحال، وكذا
لا يجوز أيضاً أن يكون حالاً من الهاء في ((اسمُه)) للفصل الواقع بينهما، ولعُدْمِ
العاملِ في الحال(١).
والظرفُ متعلِّق بما عنده؛ لِمَا فيه من معنى الفعل (٢).
﴿وَمِنَ اُلْمُقَرَّبِينَ ﴾﴾ أي: عند الله يومَ القيامة؛ قاله قتادة. وقيل: هو إشارةٌ إلى
رَفْعِه إلى السماء وصُحْبتِه الملائكةَ. وقيل: من المقرَّبين من الناس بالقبول
والإجابة، وهو معطوفٌ على ((وجيهاً))، أي: ومقرَّباً من جملة المقرَّبين.
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ عطفٌ على الحال الأولى أيضاً، وعطفُ
الفعل على الاسمِ لتأويله به سائغٌ شائع، وهو في القرآن كثير(٣)، والظرفُ حالٌ من
(١) الإملاء ٦٦/٢، وقوله: ولعدم العامل، يريد به أن الحال لا تجيء من المضاف إليه، وهو
مذهب أبي البقاء كما ذكر السمين في الدر ١٧٩/٣ .
(٢) يعني أن قوله: ((في الدنيا)) متعلّق بـ ((وجيهاً)). الدر المصون ١٧٩/٣.
(٣) كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوّأْ إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَنَّفَّتِ وَيَقْبِضْنٌّ﴾ [الملك: ١٩] أي: وقابضات. الدر
المصون ١٧٨/٣.

الآية : ٤٦
١٩٩
وَةُ العمران
الضمير المُسْتَكنّ في الفعل، ولم يُجعل ظرفاً لغواً متعلقاً به مع صحَّته؛ لعَظْفٍ
(وكهلاً)) عليه، والمراد: يكلِّمهم حالَ كونه طفلاً وكهلاً، والمقصودُ التسويةُ بين
الكلام في حال الطفولية وحال الكهولة، وإلا فالكلام في الثاني ليس ممَّا يختصُّ به
عليه السلام، وليس فيه غرابة. وعلى هذا فالمجموعُ حالٌ، لا كلٌّ على الاستقلال.
وقيل: إنَّ كلَّ منهما حالٌ، والثاني تبشيرٌ ببلوغ سِنِّ الكهولة وتحديدٌ لعمره.
والمهدُ: مقرُّ الصَّبي في رضاعه، وأصلُه مصدرٌ سمِّي به، وكان كلامُه في
المهد ساعةً واحدة بما قصَّ الله تعالى لنا، ثم لم يتكلّم حتى بلغَ أوانَ الكلام؛ قاله
ابن عباس. وقيل: كان يتكلّم دائماً، وكان كلامه فيه تأسيساً لنبوَّته وإرهاصاً لها؛
على ما ذهب إليه ابن الإخشيد(١)، وعليه يكون قوله: ﴿وَجَعَلَى نِيًّا﴾ [مريم: ٣٠]
إخباراً عمَّا يؤول إليه. وقال الجبائيُّ: إنَّه سبحانه أكمَل عقلَه عليه السلام إذ ذاك،
وأوحى إليه بما تكلّم به مقروناً بالنبوة.
وجوِّز أيضاً أن يكون ذلك كرامةً لمريم دالَّة على طهارتها وبراءةٍ ساحتها
مما نسَبَه أهلُ الإفك إليها. والقولُ بأنه معجزةٌ لها بعيد، وإنْ قلنا بنبوَّتها .
وزعمت النصارى أنه عليه السلام لم يتكلّم في المهد ولم ينطق ببراءة أمِّه
صغيراً، بل أقام ثلاثين سنةً واليهودُ تقذفُ أمُّه بيوسف النَّجار، وهذا من أكبر
فضائحهم الصَّادِحة بردِّ ماهم عليه من دعوى الألوهية له عليه السلام، وكذا تنقُّله
في الأطوار المختلفة المتنافية؛ لأنَّ مَن هذا شأنُه بمعْزلٍ عن الألوهية. واعترضوا
بأنَّ كلامه في المهد من أعجب الأمور، فلو كان لنُقِل، ولو نُقل لكان النصارى
أولى الناس بمعرفته!
وأُجيبَ: بأن الحاضرينَ إذ ذاك لم يبلغوا مبلغَ التواتر، ولمَّا نقلوا كُذِّبوا،
فسَكَتوا، وبقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآنُ به، وهذا قريبٌ على قول ابن
عباس: إنه لم يتكلّم إلا ساعةً من نهار، وعلى القول الآخَر- وهو أنه بقي يتكلّم .
(١) أحمد بن علي بن بيغجور، أبو بكر، العلامة شيخ المعتزلة صاحب التصانيف، من كتبه:
نقل القرآن، وكتاب المعونة في الأصول، توفي سنة (٣٢٦ هـ). السير ٢١٧/١٥. وقوله في
مجمع البيان ٨٣/٣.

سُورَةُ الْ عُمْمَانَ
٢٠٠
الآية : ٤٦
يقال: إنَّ الناس اشتغلوا بعدُ بنقل ما هو أعجبُ من ذلك من أحواله، کإحياء
الموتى، وإبراءِ الأكمه والأبرص، والإخبارِ عن الغيوب، والخَلْقِ من الطين كهيئة
الطير، حتى لم يَذكُرِ التكلُّمَ منهم إلا النزرُ، ولا زال الأمر بقلَّةٍ حتى لم يبقَ مُخْبِرٌ
عن ذلك(١)، وبقي مكتوماً إلى أن أظهره القرآن.
وبعد هذا كلِّه لك أن تقول: لا نسلِّم إجماعَ النصارى على عَدَم تكلُّمه في المهد،
وظاهرُ الأخبار - وقد تقدم بعضُها - يشير إلى أنَّ بعضهم قائلٌ بذلك، وبفرضٍ
إجماعهم نهايةُ ما يلزم الاستبعادُ، وهو بعدَ إخبار الصادق لا يُسمِنُ ولا يُغني من
جوع عند مَن رَسَخ إيمانهُ، وقَوِيَ إِيقانه، وكم أجمع أهل الكتابين على أشياء نطقَ
القرآن الحقُّ بخلافها، والحقُّ أحقُّ بالاتِّباعِ، ولعلَّ مرامهم من ذلك ﴿أَن يُطْفِئُوا نُورَ
اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبِىَ اللهُ إِلَّ أَنْ يُتِبَّ نُورَهُ، وَلَوَ كَرِهَ الْكَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].
والكهلُ ما بين الشابِّ والشيخ، ومنه اكتهل النبتُ: إذا طال وقَوِيَ، وقد ذكر
غيرُ واحدٍ: أنَّ ابنَ آدم ما دام في الرَّحم فهو جنين، فإذا وُلد فهو وليد، ثم ما دام
يرضع فهو رَضيعٌ، ثم إذا قُطِع اللبن فهو فَطيم، ثم إذا دبَّ ونَمَا فهو دارِجٌ، فإذا بلغَ
خمسة أشبار فهو خُماسي، فإذا سقطت رواضِعُه فهو مَثْغُور، فإذا نبتت أسنانه فهو
مُثَّغِر - بالتاء والثاءِ(٢) كما قال أبو عمرو - فإذا قارَبَ عَشْرَ سنين أو جاوزها فهو
مُتَرَعرِع وناشئ، فإذا كاد يبلغ الحلم أو بلَغه فهو يافع ومُرَاهق، فإذا احتلم
واجتمعت قوَّته فهو حَزَوَّر، واسمه في جميع هذه الأحوال غُلام، فإذا اخضرَّ شاربُه
وأخذ عِذارُه(٣) يسيل قيل: قد بَقَل وجهُه، فإذا صار ذا فَتَاءٍ فهو فتى وشارخ، فإذا
اجتمعت لحيته وبلغ غايةً شبابه فهو مجتمع، ثم مادام بين الثلاثين والأربعين فهو
شابٌّ، ثم كهلٌ إلى أن يستوفي الستين.
ويقال لمَن لاحت فيه أَماراتُ الكِبَر: وَخَطَه الشَّيْبُ، ثم يقال: شابَ، ثم
(١) في الأصل: بذلك، بدل: عن ذلك.
(٢) وأصله اثْتَغَرَ، وهو افْتَعَل من الثَّغر، فمنهم مَن يقلب تاء الافتعال ثاءً ويدغم فيها الثاء
الأصلية، ومنهم مَن يقلب الثاء الأصلية تاءً ويدغمها في تاء الافتعال. ينظر اللسان والتاج
(ثغر).
(٣) عِذَار الغلام: جانب لحيته. المعجم الوسيط (عذر).