النص المفهرس
صفحات 161-180
الآية : ٣٩ ١٦١ سُورَةُ العَقْرَانَ ثم اعلمْ أنَّ الصَّلاة في المَحاريب المشهورة الموجودةِ الآن في مساجد المسلمين قد كَرهها جماعةٌ من الأئمة، وإلى ذلك ذهَب عليٍّ كرَّم اللهُ وجهه وإبراهيم رَحِمَهُ اللهُ، فيما أخرجه عنهما ابنُ أبي شيبة (١)، وهي من البِدَع التي لم تكن في العَصْر الأول، فعن موسى (٢) الجهني قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا تزالُ أمتي بخيرٍ ما لم يَتَّخذوا في مساجدهم مذابحَ كمذابحِ النَّصارى»(٣). وعن سالم(٤) بن أبي الجعد قال: كان أصحابُ محمَّدٍ نَّهِ يقولون: إنَّ مِن أشراط السّاعة أن تتّخذ المذابح في المساجد. وعن ابن عمرو(٥) ﴿مَا أنَّ النبيِ وَّليل قال: ((اتقوا هذه المذابح)) يعني المحاريب(٦)، والرواياتُ في ذلك كثيرة، وللإمام السُّيوطي رسالة مستقلّةٌ فيها(٧). ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكَ بِيَحْيَ﴾ أي: بأنَّ الله، وبعد إسقاط حرف الجرِّ المطَّرد في ((أنَّ)) و((أنْ)) يجوزُ في المُنْسَبك اعتبارُ النصب واعتبار الجرِّ، والأول مذهب سيبويه والثاني مذهب الخليل(٨). (١) في المصنف ٥٩/٢، ولفظه: عن علي أنه كره الصلاة في الطاق، ومثله عن إبراهيم. (٢) في الأصل و(م): أبي موسى، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في المصادر على ما يأتي. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٩/٢، وذكره السيوطي في الدر ٢١/٢، وفي إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب ص١٦، وهو حديث مرسل. (٤) في الأصل و(م): عبد الله، وفي الدر المنثور ٢/ ٢١ عبيد، والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة ٥٩/٢. (٥) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٦) أخرجه البيهقي ٤٣٩/٢، والطبراني كما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٠/٨، وذكره السيوطي في إعلام الأريب ص١٤. وقال الهيثمي: المحاريب صدور المجالس، كذلك ذكره ابن الأثير في مادة حرب. اهـ. وهو في النهاية (حرب)، وبه جزم المناوي في فيض القدير ١٤٤/١، وردًّ على السيوطي في استدلاله بهذا الحديث على النهي عن اتخاذ المحاريب في المساجد. (٧) واسمها: إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب، كما ذكرناه آنفاً. (٨) كذا ذكر المصنف، والذي في الكتاب ١٢٨١٢٧/٣ عكسه، فقد نقل سيبويه عن الخليل القول بالنصب، ثم قال: ولو قال إنسان إن ((أن)) في موضع جر في هذه الأشياء، ولكنه حرف كثر في كلامهم فجاز فيه حذف الجار، لكان قولاً قويًّا. سُورَةُ الَّعْمَانَ ١٦٢ الآية : ٣٩ وقرأ حمزة(١) وابن عامر بكسر همزة: ((إن))، وخرِّج على إضمار القول، وهو مذهب البصريين، أو على إجراء النِّداء مجرى القول؛ لأنه نوع منه، وهو مذهب الکوفیین. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((يُبْشِرُكَ)) من الإبشار، وقرئ: ((يَبْشُرُكَ)) من الثلاثي(٢). أخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال: مَن قرأ يُبَشِّر مثقّلةً فإنه من البشارة، ومَن قرأ يَبِشُرُ مخفَّفة بنصب الياء، فإنه من السُّرور(٣). و((يحيى)) اسمٌ أعجميٌّ على الصحيح، وقيل: عربيٍّ منقولٌ من الفعل، والمانعُ له من الصَّرف على الأول العَلَميَّةُ والعُجْمَة، وعلى الثاني العَلَميَّة ووزن الفعل. والقولُ بأنَّه لا قاطعَ لمنع صَرْفِه؛ لاحتمالِ أنْ يكون مبنيًّا بجعلِ العَلَمِ جملةٌ بأنْ یکون فيه ضميرٌ كما في قوله: نُبِّئْتُ أخوالي بني يزيدُ(٤) ليس بشيء؛ لِمَا في ذلك الاحتمال من التكلُّف المستَغْنى عنه ما يكادُ يكون دليلاً قطعيًّا للقطع. والقائلون بعَرَبَّته منهم مَن وجَّه تسميتَه بذلك بأنَّ الله تعالى أَحيا به عُقْرَ أُمِّه، (١) في الأصل و(م): نافع، والمثبت من السبعة ص٢٠٥، والتيسير ص٨٧، والنشر ٢٣٩/٢. (٢) كذا قال، والصواب أن ((يَبْشُركَ)) بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين من الثلاثي المخفف هي قراءة حمزة والكسائي كما في التيسير ص٨٧ والنشر ٢٣٩/٢، وحجة القراءات لابن زنجلة ص١٦٣. أما قراءة: ((يُبْشِركَ)) من الرباعي: أبشر، فهي قراءة ابن مسعود وحميد بن قيس ومجاهد، وهي في القراءات الشاذة ص ٢١، والمحتسب ١٦١/٢، والبحر ٢/ ٤٤٧ . (٣) تفسير الطبري ٣٦٩/٥، والدر المنثور ٢١/٢ وعنه نقل المصنف. (٤) الرجز في شرح المفصل ٢٨/١، ومغني اللبيب ص٨١٧، والخزانة ٢٧٠/١، واللسان (زيد). قال ابن سيده كما في اللسان: ضمِّن الفعل الضمير فصار جملة فاستوجبت الحكاية لأن الجمل إذا سمِّي بها فحكمها أن تحكى. وقال البغدادي: هذا البيت في غالب كتب النحو، ولم يعزُه أحد إلا العيني، فإنه قال: هو لرؤبة بن العجاج، وقد تصفحت ديوانه فلم أجده فيه. اهـ. وهو في ملحقات ديوان رؤبة ص١٧٢ . الآية : ٣٩ ١٦٣ سُورَةُ العَقْرَانَ وروي عن ابن عباس ﴿ها. ومنهم مَن وجَّه ذلك بأن الله تعالى أَحيا قَلْبَه بالإيمان، وروي عن قتادة. وقيل: سمِّي بـ ((يحيى)) لأنه في عِلْمِ اللهُ سبحانه أنَّه يُستَشْهَد؛ والشهداءُ أحياءٌ عند ربِّهم يرزقون. وقيل: لأنَّه يحيا بالعلم وَالحِكْمة اللتَّيْن يُؤتاهما. وقيل: لأنَّ الله يُحيي به الناسَ بالهدى. قال القرطبيُّ: كان اسمُه في الكتاب الأول حَيًا (١). ورأيتُ في إنجيل متى(٢) أنه عليه السَّلام كان يُدعى يُوحنَّا المَعْمَداني، لِمَا أنه كان يعمِّد الناس في زمانه، على ما تحكيه كتب النصارى. وجَمْعُ ((يحيى)): يَحْيَوْنَ رفعاً، ويَحْيَيْنَ جرَّا ونصباً، وتثنيتُة كذلك يَحْيَيانِ ويَحْيَيْنِ، ويقال في النَّسب إليه: يَحْيِيٌّ بحذف الألف، ويَحْيَوِيّ بقَلْبِها واواً، ويَحْيَاويّ بزيادة ألف قبلَ الواو المنقلبةِ عن الألف الأصلية، وفي تصغيره: يُحَيَّى بوزن فُعَيْل. قال مولانا شيخ الإسلام (٣): وينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكيّاً بعبارةٍ من الله عزَّ وجلَّ على منهاج: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، كما يلوِّحُ به مراجعتُه عليه السَّلام في الجواب إليه تعالى بالذَّات لا بواسطة الملَك. والعدولُ عن إسناد التبشير بنون العظمة - حسبما وقع في سورة مريم - للجَري على سنَن الكبرياء، كما في قول الخلفاء: أميرُ المؤمنين يَرْسُم لك كذا، وللإيذان بأن ما حُكي هناك من النداء والتبشير، وما يترتَّب عليه من المُحَاورة، كان كلُّ ذلك بواسطة الملَكِ بطريق الحكاية منه سبحانه، لا بالذَّات كما هو المتبادِر، وبهذا يتَّضحُ اتِّحادُ المعنى في السُّورتين الكريمتين، فتأمَّل. انتهى. وكأن الذَّاعي إلى اعتبار ما هنا محكيًّا بعبارةٍ من الله تعالى ظهورُ عدم صحَّةٍ كونِ ما في سورةٍ مريم من عبارة الملَك غيرَ محكيٍّ من الله تعالى، وأنَّ الظاهر اتحاد الدُّعاءين، وإلا فما هنا ممَّا لا يَجبُ حَمْلُه على ما ذُكِر لولا ذلك، والملوحُ (١) تفسير القرطبي ١١٥/٥. (٢) ينظر ص٤١-٤٢ منه. (٣) هو أبو السعود في تفسيره ٣٢/٢. سُورَةُ الَ عَمْرَانَ ١٦٤ الآية : ٣٩ غيرُ موجب، كما لا يخفى. ولا بدَّ في الموضعين من تقدير مضاف كالولادة؛ إذ التبشيرُ لا يتعلَّق بالأعيان، ويَؤُولُ في المعنى إلى ما هناك، أي: إنَّ الله يُبَشِّرُك بولادةِ غلامِ اسمُه یحیی. ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ نصب على الحال المقدَّرة من ((يحيى))، والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام، وهو المَرْويُّ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعليه أَجِلَّةُ المفسِّرين. وإنما سمِّي عيسى عليه السلام بذلك لأنه وُجِدَ بكلمةٍ ((كن)) من دون توسُّطِ سببٍ عاديٍّ، فشابه البديعيات التي هي عالَمُ الأمر. و ((من)) لابتداء الغاية مجازاً، متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((كلمة))، أي: بكلمةٍ كائنةٍ منه تعالى، وأُريد بهذا التصديقِ الإيمانُ، وهو أولُ مَن آمن بعيسى عليه السلام، وصدّق أنه کلمةُ الله تعالی وروح منه، في المشهور. أخرج أحمد عن مجاهد قال: قالت امرأة زكريا لمريم: إنِّي أجدُ الذي في بطني يتحرَّكُ للَّذي في بطنِك (١). وأخرج ابن جَرِيرٍ من طريق ابن جُرَيْج عن ابن عباس قال: كان يحيى وعيسى ابنَيْ خالةٍ، وكانت أمُّ يحيى تقول لمريم: إنِّي أَجِدُ الذي في بَطني يَسْجُدُ للذي في بَطْنِك. فذلك تصديقُه له(٢). وكان أكبرَ من عيسى بستة أشهر كما قال الضَّحاك وغيرُه. وقيل: بثلاث سنين. قيل: وعلى كلِّ تقدير يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمانٌ مديدٌ؛ لأنَّ مريم وَلَدتْ وهي بنتُ ثلاثَ عشرةَ سَنةً، أو بنت عشر سنين. واعتُرض بأن هذا إنَّما يتمُّ لو كان دعاء زكريا عليه السلام زمن طفولية مريم قبل العشر أو الثلاث عشرة، وليس في الآية سوى ما يُشعِر بأنَّ زكريا عليه السلام لمَّا تكرَّر منه الدخولُ على مريم، ومشاهدتُه الرِّزقَ لديها، وسؤالُه لها وسماعُه منها ذلك الجواب، اشتاق إلى الولد فَدعا بما دَعا، وهذا الدعاءُ كما يُمكن أن يكون في مبادئ الأمر يُمكنُ أن يكون في أواخره قُبيل حَمْلٍ مريم، وكونُه في الأواخر غيرُ (١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢١/٢ لكتاب الزهد لأحمد، ولم نقف عليه في المطبوع منه، وأخرجه الطبري ٥/ ٣٧١. (٢) تفسير الطبري ٥/ ٣٧٢. ومعنى السجود هنا الخضوع والتعظيم، كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٠.٤٤٢ الآية : ٣٩ ١٦٥ سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ بعيد؛ لِمَا أنَّ الرَّغبة حينئذٍ أوفر حيث شاهد - عليه السلام - دوامَ الأمر وثباتَه زمنَ الطفولية وبعدَها، وهذا قلَّما يوجد في الأطفال؛ إذ الكثير منهم قد يُلقي الله تعالى على لسانه في صِغَره ما قد يكون عنه بمراحلَ في كِبَره، فليس عندنا ما يَدلُّ صريحاً على أنَّ بين الولادةِ والتبشير مدةً مديدة، ولا بين الدعاءِ والتبشير أيضاً، نعم عندنا ما يدلُّ على أنَّ يحيى أكبرُ من عيسى عليهما السَّلام، وهو ممَّا اتَّفق عليه المسلمون وغيرُهم؛ ففي ((إنجيل متى)) ما يصرِّح بأنه وُلِد قبلَه، وقتلَه هيرودس قبل رَفْعِه، وأنَّه عمَّد المسيح (١). والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال. وحُكي عن أبي عُبَيْدَةً أنَّ معنى ((بكلمة من الله): بكتابٍ منه (٢). والمراد به الإنجيل، وإطلاقُ ((الكلمة)) عليه كإطلاقها على القصيدة في قولهم: كلمة الحُوَيْدِرةِ(٣)، للعَيْنِيَّة المعروفة بالبلاغة. ﴿وَسَيِّدًا﴾ عطف على ((مصدِّقاً))، وفسَّره ابن عباس بالكريم، وقتادةٌ بالحلیم، والضَّحاكُ بالحَسَنِ الخُلُقِ، وسالمٌ بالثَّقي، وابن زيد بالشَّريف، وابن المسيب بالفقيه العالِم، وأحمد بن عاصم بالرَّاضي بقضاء الله تعالى، والخليلُ بالمطاع الفائق أقرانه، وأبو بكر الوراقُ بالمتوكِّل، والترمذيُّ بالعظيم الهِمَّة، والثوريُّ بمَن لا يَحْسُد، وأبو إسحاق(٤) بمَن يَفوق بالخير قومَه، وبعضُ أهلِّ اللغة بالمَالِك الذي تَجِبُ طاعتُه، إلى غير ذلك من الأقوال. وكلُّ ما فيها من الأوصاف ممَّا يَصلُح ليحيى عليه السلام؛ لأنها صفاتُ كمَال، وأحقُّ الناس بصفات الكمال النبيُّون، إلَّا أنَّ أصل معنى ((السَّيد)) مَن يَسودُ قومَه ويكون له أتباعٌ، ثم أُطلق على كلِّ فائقٍ في دينٍ أو دُنيا، ويجوز أنْ يراد به هنا: الفائقُ في الدِّين، حيث إنَّه عليه السَّلام لم يهمَّ بمعصيةٍ أصلاً كما ورَد ذلك من طرقٍ عديدة. (١) ينظر إنجيل متى ص٤٢ وص٧٧. (٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٩١/١، وقد ردًّ قوله الطبري ٣٧٣/٥، وذكر أن ذلك جهل منه بتأويل الكلمة، واجتراءٌ على ترجمة القرآن بالرأي. (٣) هو قطبة بن أوس بن محصن، ويسمَّى أيضاً الحادرة، ومعناه الضخم، وهو شاعر جاهلي مُقِلٌّ. وقد روي أن الحويدرة ذُكر لحسان فقال: لعن الله كلمته تلك، يعني قصيدته. ينظر الأغاني ٣/ ٢٧٠، ومعاني القرآن للنحاس ٣٩/١، والكشاف ٤٢٨/١. (٤) هو الزجَّاج، وكلامه في معاني القرآن له ٤٠٦/١. سُورَةُ العمران ١٦٦ الآية : ٣٩ وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ بَّرِ قال: ((كلُّ ابنِ آدَمَ يَلْقَى اللهَ بذَنْبِ قد أذنبه، يعذِّبُه عليه إنْ شاء أو يرحمُه، إلَّا يحيى بن زكريا))(١). وجوِّز أن يراد ما هو أصلُ معناه، فإنه عليه السَّلام كان سيدَ قومه وله أتباعٌ منهم، غايةُ الأمر أنَّ تلك رياسةٌ شرعية، والإتيان به إِثرَ قوله تعالى: ((مصدِّقاً))؛ للإشارة إلى أنه نبيٌّ كعيسى عليه السلام، وليس من أُمَّتِه كما يُفْهِمُه ظاهراً قولُه سبحانه: ﴿مُصَدِّقَا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ . ﴿وَحَصُورًا﴾ عطفٌ على ما قبله، ومعناه: الذي لا يأتي النِّساءَ مع القُدرة على ذلك؛ قاله ابن عباس في إحدى الرِّوايات عنه. وفي بعضها: أنه العِنِّين الذي لا ذَكَرَ له يَتأتى به النِّكاح، ولا يُنزِل. وروى الحقَّاظُ عن رسول اللهِوَّهِ أَنَّ ما معه عليه السلام كان كالأُنملة. وفي بعض الرِّوايات: كالقَذَاة، وفي أُخرى: كالنَّواة، وفي بعضٍ كهُذْبة الثَّوب(٢) . قيل: والأصحُّ الأول؛ إذ العِنَّهُ عَيْبٌ لا يجوز على الأنبياء، وبتسليم أنها ليست بَعَيْبٍ فلا أقلَّ أنَّها ليست بصفةٍ مدحٍ، والكلامُ مخرجٌ مخرجَ المدح، وما أخرجه (١) تفسير ابن أبي حاتم ٦٤٤/٢ (٣٤٧٠)، وتاريخ ابن عساكر ١٩٤/٦٤، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٦٥٥٢)، وابن عدي٦٥١/٢. وهو من طريق حجاج بن سليمان الرعيني، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به. قال ابن أبي حاتم: قال أبي: لم يكن هذا الحديث عند أحد غير الحجاج، ولم يكن في كتاب الليث [بن سعد]. وقال الذهبي في الميزان ٤٦٢/١: حجاج بن سليمان الرعيني عن الليث، قال ابن يونس: في حديثه مناكير، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، ومشاه ابن عدي . (٢) وردت معاني هذه الروايات في حديث أبي هريرة السالف، وفي حديث أخرجه الطبراني ٣٧٧/٥ - ٣٧٨، وابن أبي حاتم في العلل ٢/ ١٤٠، وفي التفسير ٦٤٣/٢، والحاكم ٢/ ٣٧٣. وقد اضطربت الروايات في راويه، فوقع في بعض المصادر: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي بعضها: عن عمرو بن العاص وفي تفسير ابن أبي حاتم: عن ابن العاص، لا يُدْرَى عبد الله أو عمرو. وأخرجه ابن أبي شيبة ٥٦١/١١، وأحمد في الزهد ص١١٤، وابن أبي حاتم ٦٤٣/٢ عن عبد الله بن عمرو موقوفاً، قال ابن كثير: وهو أقوى إسناداً من المرفوع، بل وفي صحة المرفوع نظر. الآية : ٣٩ ١٦٧ سُورَةُ الِّعْرَانَ الحُفَّاظُ - على تقدير صحَّته - يمكن أن يقال: إنه من باب التمثيل والإشارة إلى عدم انتفاعه عليه السَّلام بما عنده لعدمٍ مَيْلِه للنِّكاح؛ لِمَا أنه في شُغلٍ شاغِلٍ عن ذلك. ومن هنا قيل: إنَّ التبثُّل لنوافل العبادات أفضلُ من الاشتغال بالنِّكاح، استدلالاً بحالٍ يحيى عليه السَّلام. ومن ذهب إلى خلافه احتجَّ بما أخرجه الطبرانيُّ عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أربعةٌ لُعِنوا في الدُّنيا والآخرة وأَمَّنَتِ الملائكةُ: رجلٌ جَعَلَه اللهُ ذَكَراً فأَنَّث نَفْسَه وتَشَبَّه بالنساء، وامرأةٌ جعلها اللهُ أَنثى فتذكَّرَت وتشبَّهت بالرِّجال، والذي يُضِلُّ الأعمى، ورجلٌ حَصُورٌ؛ ولم يَجْعَلِ اللهُ حَصُوراً إلا يَحْيَى بنَ زكريّا))(١). وفي رواية: ((لَعَنَ اللهُ والملائكةُ رجلاً تَحَصَّر بعد يحيى بن زكريا))(٢). ويجوز أن يراد بالحَصُور: المُبالغُ في حَصْرِ النَّفْسِ وحَبْسِها عن الشهوات مع القدرة، وقد كان حالُه عليه السلام أيضاً كذلك؛ أخرج عبدُ الرزاق عن قتادة موقوفاً(٣)، وابنُ عساكر عن معاذ بن جبل مرفوعاً: أنَّه عليه السلام مرَّ في صِباه بصِبيان يلعبون، فدَعَوه إلى اللَّعب فقال: ما لِلَّعبِ خُلِقْتُ(٤). ﴿وَنَبِيًا﴾ عطفٌ على ما قبلَه مترتِّبٌ على ما عُدِّد من الخِصَال الحميدة. ﴿مِّنَ الَلِينَ ﴾﴾ أي: ناشئاً منهم، أو معدوداً في عدادهم، فـ ((مِن)) على الأول للابتداء، وعلى الثاني للتبعيض. قيل: ومعناه على الأول: ذو نَسَب، وعلى الثاني: معصوم. وعلى التقديرين لا يَلغو ذِكْرُه بعد ((نبيًّا)». وقال يقال(٥): المرادُ من الصَّلاح ما فوقَ الصَّلاح الذي لا بدَّ منه في منصبٍ (١) المعجم الكبير (٧٨٢٧)، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب. (٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه ١٩٦/٦٤ من طريق معاوية بن صالح عن بعضهم رَفَع الحدیث. (٣) كذا نقل المصنف عن السيوطي في الدر المنثور ٢٦١/٤، والصواب أن عبد الرزاق رواه من قول معمر، كما في تفسير عبد الرزاق ١٢٠/١ و٤/٢، وكذا رواه أحمد في الزهد ص ١١٤ عن عبد الرزاق عن معمر. (٤) تاريخ ابن عساكر ١٨٣/٦٤. (٥) هو قول أبي السعود في تفسيره ٣٢/٢. سُورَةُ الِ عَمْرَانَ ١٦٨ الآية : ٤٠ النبوَّة البتة من أقاصي مراتبه، وعليه مَبْنَى دعاءِ سليمان عليه السلام: ﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] ولعلَّه أولى مما قبل(١). ﴿قَالَ رَبٍّ أَنَّى يَكُونُ لِ عُلَمٌ﴾ استئنافٌ مبني على السؤال، كأنه قيل: فماذا قال زكريا عليه السلام حينئذٍ؟ فقيل: ((قال رب)» إلخ. وخاطب عليه السَّلام ربَّه سبحانه ولم يخاطب الملك المنادي طَرْحاً للوسائط مبالغةً في التضرُّع وجدًّا في الثَُّّل. و((أَنَّى)) بمعنى: كيف، أو: مِن أين. و((كان)) يجوز أن تكون تامَّة وفاعلُها ((غلام)) و((أنَّى)) واللام متعلقان بها. ويجوز أن تكون ناقصةً و((لي)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقَع حالاً؛ لأنه لو تأخّر لكان صفةً، وفي الخبر حينئذٍ وجهان: أحدهما: ((أنى)) لأنها بمعنى كيف، أو من أين، والثاني: أنَّ الخبرَ الجارُّ، و((أنَّى)) منصوبٌ على الظرفية. وفي التنصيص على ذِكْر الغلام دلالةٌ على أنه قد أُخبر به عند التبشير، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ أَسْمُهُ, يَحْيَى﴾ [مريم: ٧]. ﴿وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ﴾ حالٌ من ياء المتكلِّم، أي: أَدْرَكَني الكِبَرُ وأَّرَ فيَّ، وأُسند البلوغ إلى الكِبَرِ توسُّعاً في الكلام، كأنَّ الكِبَر طالِبٌ له وهو المطلوب؛ روي عن ابن عباس: أنَّه كان له عليه السلام حين بشِّر بالولد مئةٌ وعشرون سَنةً، وكانت امرأته بنتَ ثمانٍ وتسعين سنة، وقيل: كان له من العمرِ تسعٌ وتسعون سنةً. وقيل: اثنتان وتسعون، وقيل: خمس وثمانون، وقيل: خمس وسبعون، وقيل : سبعون، وقيل: ستون. ﴿وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ جملةٌ حاليةٌ أيضاً؛ إمَّا من ياء ((لي)) أو ياءِ ((بلغني)). والعاقرُ: العقيمُ التي لا تَلِدُ، من العُقر، وهو: القَطْعُ، لأنَّها ذات عُقْرٍ من الأولاد، وصيغةُ ((فاعِل)) فيه للنَّسب وهو في المعنى مفعول، أي: معقورة، ولذلك لم تلحق تاء التأنيث؛ قاله أبو البقاء(٢). وكانت الجملة الأولى فعليّةً لأنَّ الكِبَر يتجدَّد شيئاً فشيئاً، ولم يكن وَصْفاً لازماً، وكانت الثانية اسميةً لأنَّ كونها عاقراً وصفٌ لازمٌ لها، وليس أمراً طارئاً عليها . (١) في الأصل: قيل. (٢) في إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٦١ . الآية : ٤٠ ١٦٩ سُورَةُ آلِ ◌ّغْرَانَ وإنما قال ذلك عليه السلام - مع سَبْقِ دعائه بذلك، وقوَّة يقينه بقدرة الله تعالى عليه، لا سيَّما بعد مشاهدته عليه السلام الشواهدَ السَّالفة - استفساراً عن كيفيَّة حصول الولد: أَيُعْطَاهُ على ما هو عليه من الشَّيب ونكاحِ امرأةٍ عاقر، أمْ يتغيَّر الحالُ؟ قاله الحسن. وقيل اشتَبه عليه الأمرُ: أَيُعطَى الولدَ من امرأته العجوزِ، أم من امرأةٍ أُخرى شابّةٍ؟ فقال ما قال. وقيل: قال ذلك على سبيل الاستعظام لقُدرة الله تعالى، والتَّعجّب الذي يَحْصُلُ للإنسان عند ظهور آيةٍ عظيمة، كمن يقول لغيره: كيف سمَحَتْ نفْسُك بإخراج ذلك المُلْكِ النفيس من يدك؟! تعجّباً من مجُوده. وقيل: إنَّ الملائكة لمَّا بشَّرته بيحيى، لم يعلم أنه يُرزق الولد من جهة التَّبني، أو من صُلبه؟ فذَكَر ذلك الكلامَ لیزول هذا الاحتمالُ. وقيل: إنَّ العبدَ إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء، وطَلبَه من السَّيِّد، ووعَدَه السيدُ بإعطائه، ربَّما تكلّم بما يستدعي إعادة الجواب؛ ليلتذَّ بالإعادة، وتسكنَ نفْسُه بسماع تلك الإجابة مرَّةً أخرى، فيحتمل أن يكون كلامُ زكريا عليه السلام هذا مِن هذا الباب. وقيل: قال ذلك استبعاداً من حيثُ العادة، لأنه لمَّا دعا كان شابًّا، ولمَّا أُجيب كان شيخاً، بناءً على ما قيل: إنَّ بَيْن الدُّعاء والإجابةِ أربعين سنةً، أو ستين سنةً، كما حُكي عن سفيان بن عُيَّيْنة، وكان قد نَسي دعاءه. ولا يخفى ما في أكثر هذه الأقوال من البُعْدِ . وأبعدُ منها ما نقل عن السُّدِّيِّ: أنَّ زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البِشارة، فقال: إنَّ هذا الصَّوت من الشَّيطان وقد سَخِرَ منك، فاشتبه الأمر عليه فقال: ((ربِّ أَنَّى يكون لي غلام))(١) وكان مقصودُه من ذلك أن يُريه الله تعالى آيةً تدلُّ على أنَّ ذلك الكلام من الوحي لا من الشيطان. (١) في الأصل و(م): ولد، والمثبت من تفسير الطبري ٥/ ٣٨٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٤٥، والدر المنثور ٢٢/٢، وتفسير الرازي ٤١/٨ وعنه نقل المصنف. سُودَةُ العمران ١٧٠ الآية : ٤٠ ومثلُه ما رَوَى ابنُ جرير عن عِكْرِمَة أنه قال: أتاه الشيطان فأراد أن يُكَدِّر عليه نِعمةَ ربِّه، فقال: هل تدري مَن ناداك؟ قال: نعم، ناداني ملائكةُ ربِّي. قال: بل ذلك الشيطانُ، ولو كان هذا مِن ربِّك لأخفاه إليك كما أخفيتَ نداءك. فقال: ((ربِّ اجعل لي آية))(١) . واعترضَه القاضي(٢) وغيرُه: بأنه لا يجوزُ أن يَشتبه كلامُ الملائكة بكلامِ الشَّيطان عند الوحي على الأنبياء عليهم السَّلام؛ إذ لو جوَّزنا ذلك لا رتفعَ الوثوقُ عن كلِّ الشرائع. وأجيبَ: بأنه يُمكن أن يقال: إنه لمَّا قامت المعجزاتُ على صِدق الوحي في كلِّ ما يتعلَّق بالدِّين، فلا جَرَمَ يحصل الوثوقُ هناك بأنَّ الوحي من الله تعالى بواسطة الملك، ولا يدخل الشيطانُ فيه، وأمَّا فيما يتعلق بمصالح الدُّنيا - والولدُ أشبه شيءٍ بها - فربَّما لم يتأكَّد ذلك بالمُعْجِز، فلا جَرَمَ بقي احتمال كون ذلك الكلامِ من الشيطان، ولهذا رجع إلى الله تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال. وأنت تعلم أنَّ الاعتراض ذكرٌ والجواب أنثى، ولعل هذا المبحث يأتيك إن شاء الله تعالى مستوفى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَزْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنََّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [الحج: ٥٢]. وبالجملة: القول باشتباه الأمر على زكريا عليه السلام في غاية البُعد، لا سيما وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه قال: إن الملائكة شافهته عليه السلام بذلك مُشَافَهَةً، فبشّرته بیحیی(٣). ﴿قَالَ﴾ أي: الربُّ، والجملة استئناف على طِرْزِ ما مرَّ ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾﴾ أي: يفعلُ الله ما يشاء أن يفعلَه من الأفعال العجيبة الخارقة للعادة، فعلاً مثلَ ذلك الفعل العجيب والصنعِ البديع، الذي هو خَلْقُ الولدِ مع الحالة التي (١) في الأصل و(م): رب أنى يكون لي ولد إلخ، والمثبت من تفسير الطبري ٣٨٣/٥، والدر المنثور ٢٢/٢. (٢) هو القاضي عبد الجبار، والكلام من تفسير الرازي ٤١/٨. (٣) تفسير الطبري ٣٦٩/٥ و٣٨٦، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢٢/٢، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ١/ ١٢٠ . الآية : ٤١ ١٧١ سُورَةُ الِ عَشْرَانَ يُستَبْعَدُ معها الخَلْقُ بحسب العادة، فالكاف في محلِ نصبٍ على أنها صفةٌ لمصدرٍ محذوف، والإشارة لذلك المصدر، وقدِّم الجارُّ لإفاد القَصْرِ بالنسبة إلى ما هو أدنى من المُشار إليه، واعتبرت الكاف مُفْحَمةً لتأكيد الفَخَامة المُشْعِر بها اسمُ الإشارة، على ما أشير إليه من قبلُ في نظيره(١). ويَحتمل الكلام أوجهاً أُخَر: الأول: أن يكون الكاف في موضع الحالِ من ضميرِ المصدرِ المقدَّرِ معرفةً، أي: يفعلُ الفعلَ كائناً مثلَ لك. الثاني: أن يكون في موضع الرَفعِ على أنه خبرٌ مقدَّم، و((الله)) مبتدأ مؤخّر، أي: كهذا الشأنِ العجيبِ شأنُ اللهِ تعالَى، وتكون جملة ((يفعل ما يشاء)» بياناً لذلك الشأن المبهم. الثالث: أن يكون ((كذلك)) في موضع الخبر لمبتدأ محذوفٍ، أي: الأمرُ كذلك، وتكون جملةُ ((الله يفعل ما يشاء)) بياناً أيضاً. الرابع: أن يكون ذلك إشارةً إلى المذكور من حال زكريا عليه السلام، كأنه قال: ربِّ على أيِّ حال يكون لي الغلام؟ فقيل له: كما أنت يكون الغلام لك، وتكون الجملة حينئذٍ تعليلاً لما قبلها. كذا قالوا، ولا يخفى ما في بعض الأوجه من البُعد، وعلى كلِ تقديرٍ التعبيرُ بالاسم الجليل رَوماً للتعظيم. ﴿قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِيَّ ءَايَةٌ﴾ أي: عَلَامةً تدلُّني على العُلوق(٢)، وإنّما سألَها استعجالاً للسُّرور؛ قاله الحسن. وقيل: ليتلقَّى تلك النعمةَ بالشكر حين حصولها، ولا يؤخّرَ حتى تظهر ظهوراً معتاداً، ولعلَّ هذا هو الأنسبُ بحال أمثاله عليه السلام. وقولُ السدي: إنه سأل الآية، ليتحقَّق أنَّ تلك البشارةَ منه تعالى لا من الشيطان، ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفاً . والجَعْلُ إِمَّا بمعنى التصيير فيتعدَّى إلى مفعولين أوَّلهما ((آيَةً))، وثانيهما ((لي)) (١) ينظر ما سلف ٨/٣، عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسًَّا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والكلام من تفسير أبي السعود ٣٣/٢. (٢) من قولهم: عَلِقت المرأة، أي: حَبِلَت. اللسان (علق). سُودَةُ آل عمران ١٧٢ الآية : ٤١ والتقديم لأنه المسوِّغ لكون ((آية)) مبتدأً عند الانحلال. وإمَّا بمعنى الخَلْقِ والإيجاد فيتعدَّى إلى مفعولٍ واحد وهو («آيةً)) و((لي)) حينئذٍ في محلِّ نصبٍ على الحال من (آيَةً))؛ لأنَّه لو تأخّر عنها كان صفةً لها، وصفةُ النَّكرة إذا تقدَّمَت عليها أُعربتْ حالاً منها، كما تقدَّمت الإشارةُ إليه غير مرَّةٍ. ويجوز أن يكون متعلِّقاً بما عنده (١)، وتقديمُه للاعتناء به والتشويقِ لِمَا بعده. ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ أي: أنْ لا تقدِرَ على تكليمهم من غير آفةٍ، وهو الأنسب يكونه آيةً، والأوفقُ لِمَا في سورة مريم، وأخرج ابنُ جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن نُفَيرٍ (٢) قال: رَبَا لسانه في فيه حتى مَلأَّه فمَنَعَه الكلام. والآيةُ فيه عدمُ منعِه من الذكرِ والتسبيح. وعلى كِلَا التقديرين عدمُ التكليم اضطراري. وقال أبو مسلم(٣): إنه اختياريٌّ، والمعنى: آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلُّم إلا بالذِّكر والتسبيح. ولا يخفى بُعْدُه هنا، وعليه وعلى القولين قبلَه يَحتملُ أن يراد من عدم التكليم ظاهرُه فقط - وهو الظاهر - ويحتمل أن يكون كنايةٌ عن الصِّيام؛ لأنهم كانوا إذ ذاك إذا صاموا لم يكلِّموا أحداً، وإلى ذلك ذهب عطاء، وهو خلافُ الظاهر، ومع هذا يتوقّف قَبولُه على توقيف. وإنَّما خصَّ تكليم الناس للإشارة إلى أنه غيرُ ممنوعٍ من التكلُّم بذكر الله تعالى. ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ أي: متوالية. وقال بعضهم: والمرادُ: ثلاثة أيام ولياليها. وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي: لياليَ ثلاثة أيام؛ لقوله سبحانه في سورة مريم: ﴿ثَثَ لَيَالٍ﴾ [الآية: ١٠]. والحقُّ أنَّ الآية كانتَ عدَمَ التكليم ستةَ أفرادٍ، إلَّا أنه اقتَصر تارةً على ذكر ثلاثة أيام منها، وأُخرى على ثلاث ليال، وجُعِلَ مالم يُذكر في كلِّ تبعاً لِمَا ذكر. قيل: وإنما قدّم التعبير بالأيام لأنَّ يومَ كلِّ ليلة قبلَها في حساب الناس يومَئذٍ، وكونُه بعدها إنما هو عند العرب خاصَّةً كما تقدمت الإشارة إليه (٤). (١) يعني بـ ((اجعل)). ينظر الدر المصون ١٦٤/٣، وتفسير أبي السعود ٣٤/٢. (٢) في الأصل و(م): معتمر، والمثبت من تفسير الطبري ٣٨٧/٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٤٦، والدر المنثور ٢٢/٢، والكلام منه. (٣) قوله في تفسير الرازي ٨/ ٤٣. (٤) ص٩٧ من هذا الجزء. الآية : ٤١ ١٧٣ سُورَةُ العُمْ انا واعتُرض بأنَّ آيةَ الليالي متقدِّمةٌ نزولاً؛ لأنَّ السُّورة التي هي فيها مكيةٌ، والسورةُ التي فيها آية الأيام مدنيةٌ. وعليه يكون أولُ ظهورٍ هذه الآية ليلاً، ويكون اليومُ تبعاً للَّيلة التي قبلها على ما يقتضيه حسابُ العرب، فتدبَّر فالبحثُ محتاجٌ إلى تحریرٍ بعدُ. وإنما جُعل عَقْلُ اللسان آيةَ العُلوق لتَخْلُصَ المدة لِذِكْر الله تعالى وشكْرِه قضاءً لحقِّ النعمة، كأنه قيل له: آيةُ حصولِ النِّعمة أن تُمْنَع عن الكلام إلا بشكرها، وأحسن الجواب على ما قيل ما أُخذ من السؤال، كما قيل لأبي تمَّام: لِمَ تقولُ ما لا نفهمُ؟ فقال: لِمَ لا نفهمُ ما يُقال! وهذا مبنيٌّ على أنَّ سؤال الآية منه عليه السلام إنما كان لتلقّي النعمة بالشكر، ولعلَّ دلالة كلامه على ذلك بواسطة المقام، وإلَّا ففي ذلك خَفاءٌ كما لا يخفى. وأخرج عبد الرزاق وغیرُه عن قتادة أن حَبْسَ لسانه علیه السلام کان من باب العقوبة؛ حيثُ طلَب الآية بعد مُشافهة الملائكة له بالبِشارة(١). ولعلَّ الچِناية حينئذٍ من باب: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين، ومع هذا حُسنُ الظنِّ يَميلُ إلى الأول، ومذهب قتادة لا آمنُ على الأقدام الضعيفة قَتَادَهُ(٢). ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ أي: إيماءً، وأصلُه التحرُّك، يقال: ارْتَمَزَ، أي: تحرَّك، ومنه قيل للبحر: الرَّاموز، وأخرج الطستيُّ(٣) عن ابن عباس: أنَّ نافع بن الأزرق سأله عن الرَّمز، فقال: الإشارةُ باليد والوحيُّ بالرأس(٤)، فقال: وهل تعرفُ العربُ ذلك؟ قال: نعم، أمَا سمعتَ قولَ الشاعر: ما في السماء من الرحمن مرتمز(٥) إلَّا إليه وما في الأرض من وَزَر وعن مجاهد أن ((الرَّمْز)) هنا كان تحريكَ الشفتين، وقيل: الكتابة على الأرض. (١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٨٦/٥، وابن أبي حاتم ٦٤٥/٢. (٢) القتاد: شجرٌ صُلْبٌ له شوكة كالإبر. (٣) في مسائله، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٢٣/٢، وأخرجه أيضاً ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٧٦/١. (٤) في إيضاح الوقف والابتداء: الوحي بالحاجب، بدل: الإشارة باليد والوحي بالرأس. (٥) في إيضاح الوقف والابتداء: من رمزٍ، بدل: مرتمز. سُؤَدَّةُ العَزَانَ ١٧٤ الآية : ٤١ وقيل: الإشارة بالمسبِّحة. وقيل: الصوت الخَفي. وقيل: كلُّ ما أَوْجَبَ اضطراباً في الفَهْم كان رمزاً. وهو استثناءٌ منقطع بناءً على أنَّ الرَّمز: الإشارةُ والإفهامُ من دون كلام، وهو حينئذٍ ليس من قبيل المستثنى منه. وجوِّز أن يكون مثَّصلاً بناءً على أنَّ المراد بالكلام: ما فُهم منه المَرَامُ، ولا رَيْب في كون الرمز من ذاك القبيل، ولا يخفى أنَّ هذا التأويل خلافُ الظاهر، ويلزمُ منه أن لا يكون استثناءٌ منقطعٌ في الدنيا أصلاً؛ إذ ما من استثناء إلَّا ويمكن تأويله بمثل ذلك، ممّا يجعله متَّصلاً، ولا قائل به. وتعقّب ابنُ الشَّجريِّ النصب على الاستثناء هنا مطلقاً، وادَّعى أنَّ ((رَمْزاً) مفعول به منتصبٌ بتقدير حذف الخافِضٍ، والأصل: أنْ لا تكلِّم الناسَ إلا برمزٍ، فالعامل الذي قبل ((إلَّا)) مفرَّغ في هذا النحو للعمل فيما بعدها، بدليل أنَّك لُو حذفت ((إلَّا)) وحَرف النفي استقامَ الكلامُ، تقول في نحو ما لقيتُ إلَّا زيداً: لقيتُ زيداً، وفي ما خرج إلَّا زيد: خرج زيدٌ، وكذا لو قلت: آيتك أن تكلِّم الناس رمزاً، استقام. وليس كذلك الاستثناء، فلو قلت: ليس القوم في الدار إلَّا زيداً، أو: إلا زيد، ثم حذفت النفي وإلا، فقلتَ: القومُ في الدار زيداً، أو زيد، لم يستقم، فكذا المنقطع نحو: ما خرج القومُ إلَّا حماراً، لو قلت: خرَجَ القوم حماراً، لم يستقم (١). قاله السفاقسيُّ. وقرأ يحيى بن وثَّاب: ((إلَّا رُمُزاً) بضمتين(٢) جمع رَموز كرَسول ورُسُل. وقُرئ: (رَمَزاً)) بفتحتين(٣) جمع رامِزٍ، كخادِمِ وخَدَم، وهو من نادرِ الجَمْع، وعلى القراءتين يكون حالاً من الفاعل والمفعولِ معاً، أي: مُتَرَامِزين. ومثلُه قولُ عَنْتَرة: روانِفُ الْيَتَيْك وتُسْتطَارا(٤) متى مَا تَلْقني فَرْدَیْنِ تَرْجُفْ (١) أمالي ابن الشجري ٣/ ١٧٤ . (٢) القراءات الشاذة ص ٢٠، وهي في المحتسب ١/ ١٦١ عن الأعمش. (٣) القراءات الشاذة ص ٢٠، عن الأعمش. (٤) ديوان عنترة ص٤٣. قوله: روانف، جمع رانفة: وهي ناحية الآلية، وقيل: أسفل الآلية. اللسان (رنف). الآية : ٤١ ١٧٥ سُورَةُ العَرَانَ وجوز أبو البقاء(١) أن يكون ((رُمُّزاً)) على قراءة الضمِّ مصدراً(٢)، وجعلَه مسكّنَ الميم في الأصل، والضمُّ عارِضٌ للإتباع، كاليُسْر واليُسُر، وعليه لا يختلفُ إعرابُه، فافهم. ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ﴾ أي: في أيام الحبسة شكراً لتلك النِّعمة، كما يُشعر به التعرُّض العنوان الربوبية. وقيل: يحتمل أن يكون الأمر بالذِّكر شكراً للنعمة مطلقاً لا في خصوص تلك الأيام، وأن يكون جميعَ أيام الحمل لتعودَ بركاته إليه، والمُنساقُ إلى الذِّهن هو الأول. والجملة مؤكّدةٌ لِما قبلها، مبينةٌ للغرض منها. واستَشْكل العطف من وجهين: الأول: عطف الإنشاء على الإخبار، والثاني: عطف المؤكِّد على المؤگَّد؟ وأُجيبَ بأنه معطوفٌ على محذوف، أي: اشكر واذكر، وقيل: لا يبعد أن يجعل الأمر بمعنى الخبر عطفاً على ((لا تكلم))، فيكون في تقدير: أنْ لا تكلِّم وتذكُرَ ربَّك، ولا يَخْفى ما فيه. ﴿كَثِيرًا﴾ صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أو زمانٍ كذلك، أي: ذكراً كثيراً، أو زماناً كثيراً. ﴿وَسَبِخْ بِالْعَشِ﴾ وهو من الزَّوال إلى الغروب؛ قاله مجاهد، وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل. ﴿وَالْإِنْكَرِ ﴾﴾ أي: وقته، وهو من الفجر إلى الضحى. وإنّما قدِّر المضافُ لأنَّ الإبكار بكسر الهمزة مصدرٌ لا وقت، فلا تَحْسُنُ المقابلة، كذا قيل، وهو مبنيٌّ على أنَّ العشيَّ جمعُ عشيةٍ، الوقت المخصوص، وإليه ذهب أبو البقاء(٣). والذي ذهب إليه المعظم أنه مصدرٌ أيضاً على فعيل، لا جمع، وإليه يشير كلام الجوهريّ(٤)، فافهم. وقرئ: ((والأبكار)) بفتح الهمزة(٥)، فهو حينئذٍ جمع بَكَر كسَحَر لفظاً ومعنى، وهو نادرُ الاستعمال. (١) في الإملاء ٢/ ٦٢ . (٢) بعدها في الأصل: أيضاً. (٣) في الإملاء ٢/ ٦٢ . (٤) ينظر الصحاح (عشا). (٥) القراءات الشاذة ص٢٠. سُوَرَةُ الْ عُقْرَانَ ١٧٦ التفسير الإشاري (٣٨-٤١) قيل: والمرادُ بالتسبيح الصلاةُ، بدليلٍ تقيُّده بالوقت كما في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]. وقيل: الذِّكرُ اللسانيُّ، كما أنَّ المراد بالذِّكر الذكرُ القلبيُّ. وعلى كِلا التقديرين لا تكرارَ في ذِكْرِ التسبيح مع الذِّكر. و((أل) في الوقتين للعموم، وأَبَعَدَ مَن جعلها للعهد، أي: عشيّ تلك الأيام الثلاثة وأبكارها. والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بما عنده، وليس من باب التنازع في المشهور، وجوَّزه بعضهم، فيكون الأمرُ بالذِّكر مقيَّداً بهذين الوقتين أيضاً. وزعَم بعضهم(١) أن تقييده بالكثرة يدلُّ على أنه لا يفيد التكرار. وفيه - بعد تسليم أنه مقيَّدٌ به فقط - أنَّ الكثرة أخصُّ من التكرار. هذا ومن باب البُطون في الآيات: أنَّ زكريا عليه السّلام كان شيخاً همّاً (٢)، وكان مرشداً للناس، فلمَّا رأى ما رأى تحرَّكت غَيْرَةُ النبوّة، فطلب من ربِّه ولداً حقيقياً يقوم مقامه في تربية الناس وهدايتهم، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُّنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ﴾ أي: مُطَهَّرةً من لَوْث الاشتغال بالسِّوى، منفردةً عن إرادتها، مقدَّسة من شهواتها . ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَآِّمٌ﴾ على ساق الخدمة ﴿يُصَلّى فِى الْمِحْرَابِ﴾ وهو محلٌّ المراقبة ومُحاربةِ النفس: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَ﴾ وسمِّي به لأنَّ مَن شاهد الحقَّ في جمال نبوته يحيا قلبُه من موت الفَتْرة، أو لأنه هو يحيا بالنبوة والشهادة ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ الَهِ﴾ وهو ما ينزلُ به الملك على القلوب المقدَّسة. ﴿وَسَيِّدًا﴾، وهو الذي غلب عليه نورُ هيبةٍ عَزَّةِ الحقِّ. وقال الصادق: هو المُبَاينُ للخلق وصفاً وحالاً وخُلُقاً. وقال الجنيد: هو الذي جاد بالكونَيِّن طلباً لربِّه. وقال ابنُ عطاء: هو المتحقِّق بحقيقة الحقِّ. وقال ابن منصور: هو من خلا عن أوصاف البشرية، وحَلِي بنعوت الربوبية. وقال محمد بن علي: هو مَن استوت أحوالُه عند المَنْع والإعطاء والردِّ والقَبول. (١) هو البيضاوي، ينظر حاشية الشهاب ٢٥/٣. (٢) هو الشيخ الفاني. القاموس (همم). التفسير الإشاري (٣٨-٤١) ١٧٧ سُورَةُ الَّعْرَانَ ﴿وَحَصُورًا﴾ وهو الذي حُصِر ومُنِعٍ عن جميع الشهوات، وعُصم بالعصمة الأزلية. وقال الإسكندراني: هو المنزَّه عن الأكوان وما فيها . ﴿وَنَبِيًا﴾ أي: مرتفِعَ القَدْر بهبوط الوحي عليه، ومعدوداً ﴿مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ وهم أهلُ الصَّفِّ الأول من صفوف الأرواح المجنَّدة المشاهِدة للحقِّ في مَرَايا الخَلْقِ. ﴿قَالَ﴾ استعظاماً للنِّعمة: ﴿أَّ يَكُونُ لِ عُلَهٌ و﴾ الحالُ ﴿قد بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ﴾ وهو أحدُ الموانع العادية ﴿وَأَمْرَأَتِ عَاقِرٌ﴾ وهو مانعٌ آخر ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ حسْبما تقتضيه الحِكمةُ ﴿قَالَ رَبٍّ أَجْعَل لِّيَّ ءَايَةٌ﴾ على العُلُوق؛ لأشكرك على هذه النعمة؛ إذ شكرُ المنعِم واجبٌ، وبه تدوم المواهبُ الإلهية. ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ بأنْ يُخْصَرَ لسانُك عن محادثتهم؛ ليتجرَّد سرُّك لربِّك، ويكونَ ظاهرُك وباطنك مشغولاً به. ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ تدفع به ضِيقَ القلب عند الحاجة، وحقيقةُ الرَّمز عند العارفين: تعريضُ السِّر إلى السرِّ، وإعلامُ الخاطر للخاطر، بنعت تحريك سلسلةِ المُواصلة بين المخاطَب والمخاطِب. ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا﴾ بتخليص النِّية عن الخَطَرَات، وجمع الهموم بنعت تصفية السِّر في المناجاة، وتحيُّر الرُّوح في المشاهدات ﴿وَسَيِّحْ﴾ أي: نزِّه ربَّك عن الشِّرْكة في الوجود ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَرِ﴾ بالفناء والبقاء. وإن أردتَ تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس فتقول: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيًّا﴾ الاستعدادِ ﴿رَبٌَّ، قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَُّنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ﴾ وهي النفسُ الطَّاهرةُ المقدَّسةُ عن النَّقائص ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ مَمَّن صدَق في الطَّلَب. ﴿فَنَادَتْهُ﴾ ملائكةُ القوى الرَّوحانيةِ ﴿وَهُوَ قَآَمٌ﴾ منتهِضٌ لتكميل النَّشأة ﴿يُصَلِى﴾ ويدعو في مِحْرَاب التضرُّع إلى الله تعالى، المفيض على القوابل بحسب القابليَّات: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ يَحْيَ﴾ وهو الرُّوحُ الحيُّ بروح الحقِّ والصفاتِ الإلهية ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ الَهِ﴾ وهي ما تُلقيها ملائكةُ الإلهام من قِبَل الفيَّاض المُظْلَق ﴿وَسَيِّدًا﴾ لم تَمْلِكه الشهوات النفسانيةُ ﴿وَحَصُورًا﴾ أي: مبالغاً في الامتناع عن اللذائذ الدنيوية ﴿وَنَبِيًّا﴾ بما يتلقَّاه من عالم الملكوت، ومعدوداً ﴿مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ لهاتيك الحضرة، القائمين بحقوق الحقِّ والخلق لاتِّصافه بالبقاء بعد الفناء. سُورَةُ العَزَانَ ١٧٨ التفسير الإشاري (٣٨-٤١) ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّ﴾ أي: كيف ﴿يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ﴾ وضَعفُ القوى الطبيعية ﴿وَأَمْرَأَتِ﴾ وهي النفس الحيوانية ﴿عَاقِرٌ﴾ عَقِيمٌ عن ولادة مثل هذا الغلام؛ إذ لا تَلِدُ الحِيَّةُ إلا حيَّةً. ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ﴾ في غَرَابة الشأن ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ من العجائب التي يَستبعدُها مَن قيَّده النظرُ إلى المألوفات، وبقي أسيراً في سجن العادات. ﴿قَالَ رَبٍّ أَجْعَل ◌ِيَّ ءَايَةٌ﴾ على ذلك لأشكُرَك مُسْتَمْطِراً زيادةَ نِعَمِك التي لا منتهى لها. ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ وهم ما يأنسُ به من اللذائذ المُباحة ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ وهي يومُ الفناء بالأفعال، ويومُ الفناء بالصفات، ويومُ الفناء بالذات ﴿إِلَّا رَهْزًا﴾ أي: قَدْراً يسيراً تدعو الضرورة إليه ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ﴾ الذي ربَّاك حتى أوصلك إلى هذه الغاية ﴿كَثِيرًا﴾ حيث مَنَّ عليك بخيرٍ كثير ﴿وَسَيِّحْ﴾ أي: نزِّه ربَّك عن نقائص التقيُّد بالمظاهر ﴿يَاَلْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ﴾ أي: وقتي الصَّحو والمَحْو. وبعضُ الملتزمين لذكر البطون ذكر في تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس: أنَّ القوى البدنية امرأةُ عمران الروح، نذرت ما في قوتها من النَّفس المطمئنة، فوضَعت أنثى النفسِ، فكفلها (١) زكريا الفِكر، فدخل عليها زكريا محراب الدِّماغ، فوجد عندها رزقاً من المعاني الحدسية التي انكشفت لها بصفائها، فهنالك دعا زكريا الفكر بتركيب تلك المعاني، واستوهب ولداً مقدَّساً عن(٢) لَوْث الطبيعة، فسمع الله تعالى دعاءه، فنادته ملائكة القوى الروحانية، وهو قائمٌ في أمره بتركيب المعلومات، يُناجي ربَّه باستنزال الأنوار في محراب الدِّماغ(٣): ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكَ بَحْيَى﴾ العقلِ ﴿ُصَدِّقًا﴾ بعيسى القلب، الذي هو كلمةٌ ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ لتقدُّسه عن عالم الأجرام ﴿وَسَيِّدًا﴾ لجميع أصناف القوى ﴿وَحَصُورًا﴾ عن مباشرة الطبيعة ﴿وَنَبِيًّا﴾ بالإخبار عن المعارف والحقائق وتعليم الأخلاق، ومنتظِماً في سِلك الصالحين، وهم المجرَّدات ومقرَّبو الحضرة. (١) في تفسير ابن عربي ١٢٦/١ (والكلام منه): فكفَّلها الله. (٢) في الأصل و(م): من، والمثبت من تفسير ابن عربي. (٣) في تفسير ابن عربي: يناجي ربه باستنزال الأنوار، ويتقرب إليه بالتوجه إلى عالم القدس في محراب الدماغ. الآية : ٤٢ ١٧٩ سُورَةُ العَقْرَانَ ﴿قَالَ رَبٍّ أَّ يَكُونُ﴾ ذلك ﴿وَقَدْ بَلَغَنِىَ﴾ كِبَرُ منتهى الطّور ﴿وَأَمْرَأَتِ﴾ وهي طبيعةُ الروح النفسانية ﴿عَاقِرٌ﴾ بالنور المجرَّد. فطلب لذلك علامةً، فقيل له: علامة ذلك الإمساكُ عن مُكالمة القوى البدنية في تحصيل مآربهم من اللذائذ ﴿ثَلَثَةَ أَيَّامٍ﴾ كلُّ يومٍ عَقْدٌّ تامٌّ من أطوار العمر، وهو عشْرُ سنين ﴿إِلَّ﴾ بالإشارة الخفية، وأُمِر بالذِّكر في هذه الأيام التي هي مع العشْر الْأَول - التي هي سِنُّ التمييز- أربعون سنةً. انتهى، وهو قريبٌ مما ذكرته، ولعلَّ ما ذكرتُه ـ على ضَعْفي - أولى منه، وباب التأويل واسعٌ، وبطونُ كلامِ الله تعالى لا تُحْصَى. ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَكَةُ﴾ تتمةٌ لشرح أحكام اصطفاء آل عمران، ووقعت قصَّةُ زكريا ويحيي عليهما السلام في البين؛ لِمَا فيها مما يؤكِّد ذلك الاصطفاء، ((وإذ)) في المشهور منصوب بـ ((اذكر))، والجملةُ معطوفة على الجملة السَّابقة عطف القصّة على القصة وبينهما كَمَالُ المناسبة؛ لأنَّ تلك مَسُوقةٌ أولاً وبالذات لشرح حال الأمّ، وهذه لشرح حال البنت، والمرادُ من الملائكة رئيسُهم جبريل عليه السَّلام، والكلامُ هنا كالكلام فيما تقدَّم. وجوَّز أبو البقاء كونَ الظرف معطوفاً على الظرف السابق(١)، وناصبه ناصبه. والأوّلُ أولى، والمرادُ: اذْكُر - أيضاً - من شواهد اصطفاء أولئك الكرام وقتَ قولِ الملائكة عليهم السَّلام: ﴿يَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنكِ﴾ أي: اختارك من أول الأمر، ولطف بكِ وميَّزَك على كلِّ محرَّرٍ، وخصَّكِ بالكرامات السَّنِيَّة، والتأكيدُ اعتناء بشأن الخبر. وقولُ الملائكة لها ذلك كان شفاهاً على ما دلَّت عليه الأخبار ونَطَقت به الظواهرُ، وفي بعض الآثار ما يقتضي تكرُّر هذا القول من الملائكة لها؛ فقد أخرج ابنُ جرير عن ابن إسحاق أنه قال: كانت مريم حبيساً في الكنيسة ومعها فيها غلامٌ اسمُه يوسف، وقد كان أمُّه وأبوه جعلاه نذيراً حبيساً، فكانا في الكنيسة جميعاً، وكانت مريمُ إذا نفذ ماؤها وماءُ يوسف أخذا قُلَّتيْهما فانطَلَقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن ثم يَرجِعان، والملائكة في ذلك مقبِلَةٌ على مريم بالبشارة: ﴿يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنكِ﴾ الآية. فإذا سمع ذلك زكريا - عليه السَّلام - قال: إنَّ لابنةِ عِمَرانَ لشأناً(٢). (١) يعني قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَنَ﴾ كما في الإملاء ٦٢/٢. (٢) تفسير الطبري ٣٩٧/٥. سُورَةُ الْ عَبْرَانَ ١٨٠ الآية : ٤٢ وقيل: إن الملائكة عليهم السَّلام أَلْهموها ذلك. ولا يخفى أنَّ تفسير القول بالإلهام وإسنادَه للملائكة خلافُ الظاهر، وإن كان لا منْعَ من أن يكون بواسطتهم أيضاً، على أنه قولٌ لا يَعضده خبرٌ أصلاً. وعلى القول الأول يكون التكليمُ من باب الكرامة التي يُمُنُّ بها الله سبحانه على خواصِ عباده، ومَن أنكرها زَعَم أنَّ ذلك إرهاصٌ وتأسيسٌ لنبوَّة عيسى عليه السلام، أو معجزةٌ لزكريا عليه السلام. وأُوْرِدَ على الأول: أنَّ الإرهاص في المشهور أن يتقدَّم على دعوى النبوة ما يُشبه المعجزة، كإظلال الغمام لرسول الله وَله، وتكلَّم الحَجَر معه، وهذا بظاهره يقتضي وقوعَ الخارق على يدِ النبيِّ، لكن قبل أن يُنَّأ، لا على يد غيره كما فيما نحن فیه. ویمکن أن يدفع بالعناية. وأُورد على الثاني بأنه بعيد جدّاً، إذ لم يقع الكلام مع زكريا عليه السلام، ولم يقترن ذلك بالتحدِّي أيضاً، فكيف يكون معجزةً له؟ واستَدلَّ بهذه الآية مَن ذهب إلى نبوة مريم؛ لأنَّ تكليم الملائكة يقتضيها، ومنعه اللقانيُّ(١) بأنَّ الملائكة قد كلَّموا من ليس بنبيِّ إجماعاً، فقد روي أنهم كلَّموا رجلاً خرج لزيارة أخ له في الله تعالى، وأخبروه أنَّ الله سبحانه يُحبُّه كحبِّه لأخيه فيه(٢). ولم يقل أحدٌّ بنبوته، وادَّعى أنَّ مَن توهّم أنَّ النبوة مجرَّدُ الوحي ومكالمةٍ المَلَك فقد حاد عن الصواب. ومن الناس(٣) مَن استدلَّ على عدم استنباء النساء بالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [الأنبياء: ٧]. ولا يخفى ما فيه. أمَّا أولاً: فلأن حكاية الإجماع في غاية الغرابة، فإن الخلاف في نبوة نسوة - كحواء، وآسية، وأم موسى، وسارة، وهاجر، ومريم - موجودٌ، خصوصاً مريم؛ (١) هو القاضي برهان الدين، إبراهيم بن محمد بن محمد، أبو إسحاق المالكي، توفي سنة (٨٩٦ هـ). الضوء اللامع ١٦١/١، وشذرات الذهب ٥٣٩/٩. (٢) أخرجه أحمد (٧٩١٩)، ومسلم (٢٥٦٧) من حديث أبي هريرة لحظاته. (٣) هو البيضاوي، ينظر حاشية الشهاب ٢٥/٣.