النص المفهرس

صفحات 101-120

التفسير الإشاري (١٨ -٢٧)
١٠١
سُورَةُ الِ غَيْرَانَ
أن يُقْضَى دَينُك؟)) قلت: نعم. قال: ((قل: اللهم مالكَ الملكِ، تؤتي الملك من
تشاء، وتنزعُ الملكَ ممَّن تشاء، وتعزُّ مَن تشاء، وتذلُّ من تشاء، بيدك الخير إنك
على كلِّ شيءٍ قدير، رحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَهما، تُعطي منهما من تشاء،
وتمنع منهما مَن تشاء، اقض عنِّ ديني، فلو كان عليك ملءُ الأرض ذَهَباً أُدِّي
عنك))(١) وفي رواية للطبراني الآية بتمامها(٢).
ومن باب الإشارة في هذه الآيات: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ، لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ أي: أَبَان
بدلائل الآفاق والأنفس أنه لا إله في الوجود سواه، أو شهِد بذاته في مقام الجمع
على وحدانيته، حيث لا شاهِدَ ولا مشهودَ غيره، ﴿و﴾ شهِد ﴿ اَلْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْمِلْمِ﴾
بذلك، وهي شهادة مَظاهرِه سبحانه في مقام التفصيل. ومِن القوم مَن فرَّق بين
الشهادتين: بأنَّ شهادةَ الملائكة من حيث اليقين، وشهادة أولي العلم من حيث
المشاهدة. وأيضاً قالوا: شهادةُ الملائكة من رؤية الأفعال، وشهادة أولي العلم من
رؤية الصِّفات. وقيل: شهادة الملائكة من رؤية العَظَمة، ولذا يغلب عليهم
الخوف، وشهادةُ العلماء من رؤية الجَمَال، ولذا يغلب عليهم الرَّجاء.
وشهادةُ العلماء متفاوتة؛ فشهادةُ بعضٍ من الحالات، وشهادةُ آخرين من
المقامات، وشهادةُ طائفة من المكاشفات، وشهادة فرقة من المشاهدات.
وخَواصُ أهل العلم يشهدون به له بنعت إدراك القِدم وبُروز نورِ التوحيد من
جَمَال الوحدانية، فشهادتهم مستغرقة في شهادة الحقِّ؛ لأنهم في محلِّ المحوِ.
﴿قَبِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي: مقيماً للعدل بإعطاء كلٍّ من الظهور ما هو له بحسب
الاستعداد، فیتجلَّی علیه علی قَدْر دعائه.
(١) الدر المنثور ١٤/٢ عن كتاب الدعاء لابن أبي الدنيا، وأخرجه بهذا اللفظ الطبراني في
مسند الشاميين (٢٣٩٨)، وأبو نعيم في الحلية ٢٠٤/٥ من طريق عطاء الخراساني عن معاذ
به. قال أبو نعيم: غريب من حديث عطاء أرسله عن معاذ. اهـ. وأخرجه بنحوه من طريق
آخر عن معاذ الطبراني في الصغير (٥٥٨) وفيه: (( .. رحمن الدنيا والآخرة، تعطيهما من
تشاء وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك)) قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ١٨٦/١٠: رجاله ثقات.
(٢) المعجم الكبير ٢٠/(٣٢٣) و(٣٣٢).

سُورَةُ آلْ عَنْرَانَ
١٠٢
التفسير الإشاري (١٨ -٢٧)
﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ﴾ فلا يَصلُ أحدٌ إلى معرفة كنهه وكنهِ معرفته.
﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يُدبِّر كلَّ شيء، فيعطيه من مراتب الكمال(١) ما يُطيق.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ﴾ المَرْضي ﴿عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَهُ﴾ وهو المقامُ الإبراهيمي المُشار إليه
بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ﴾ [آل عمران: ٢٠] أي: نَفْسي وجُمْلتي، وانخلَعتُ عن أنِيَّتي اله
تعالی، ففنيْتُ فیه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ﴾ وهم المَحْجُوبون عن الدِّين، والساترون للحقِّ
بالمَيْل مع الشهوات ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ﴾ الدَّاعين إلى التوحيد وهم العبادُ الواصلون
الكامِلون ﴿وَيَقْتُّلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ وهو نفيُ الأغيار، وقصرُ الوجود
الحقِّ على الله تعالى ﴿مِّنَ النَّاسِ﴾.
ويحتمل أن يشار بالذين كفروا إلى قوى النفس الأمَّارة، وبالنبيين إلى أنبياء
القلوب المُشَرَّفة بوحي إلهام الغيوب، وبالآمرين بالقسط: القوى الروحانية التي هي
من جنود أولئك الأنبياء وأتباعِهم. فبشِّر أولئك الكافرين ﴿يِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وهو
عذابُ الحِجاب والبُعدِ عن حضرة ربِّ الأرباب.
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ﴾ أي: بَطَلتْ وانحظّت عن حيِّز الاعتبار ﴿أَعْمَلُهُمْ﴾ لعدم
شرطها، وهو التوحيد﴿فِي الدُّنْيَا﴾ وهي عالم الشهادة ﴿وَالْآَخِرَةِ﴾، وهي عالمُ الغيب
﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ لسُوء حظّهم وقلَّة استعدادهم.
﴿أَزْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْحِكِتَبِ﴾ كعُلماء السُّوء، وأَحبار الضَّلال ﴿يُدْعَوْنَ
إِلَى كِتَبِ اللهِ﴾ الناطق بمقام الجَمْعِ والفَرْق ﴿لَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ وبين الموحِّدين. ﴿ثُمَّ يَوْلَى
فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم ◌ُعْرِضُونَ﴾ عن قبول الحقِّ؛ لفرْط حِجابهم واغترارِهم بما أوتوا.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ﴾ نارُ البعد ﴿إِلَّ أَيَّامًا تَّعْدُودَاتٍ﴾ أي: قليلة يسيرة
﴿وَغَرَّهُ فِ دِينِهِمْ﴾ الذي هم عليه ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من القضايا والأَقْبِسة التي جاءت
بها عقولُهم المَشوبة بظلمات الوَهْم والخَيَال.
﴿فَكَيْفَ﴾ يكون حالُهم ﴿إِذَا جَمَعْنَهُمْ﴾ بعد تفرُّقهم في صحراء الشُّكوك،
وتمزيق سِباعِ الأوهام لهم ﴿ِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيَةٍ﴾ وهو يوم القيامة الكبرى، الذي يظهر
(١) في (م): التوحيد.

الآية : ٢٨
١٠٣
سُورَةُ العَقْرَانَ
فيه الحقُّ لمُشْكِرِهِ ﴿وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ صالحةٍ وطالحةٍ ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ بواسطة
استعدادها، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ جزاء ذلك.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: المَلك المتصرِّف في مَظاهِرك من غير مُعارِض
ولا مُدافع، حَسْبَما تقتضيه الحِكمةُ ﴿تُؤْنِ الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾ وهو مَن اخترته للرِّياسة
الباطنة، وجعلته متصرِّفاً بإرادتك وقدرتك ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَآءُ﴾ بأن تنقله إلى
غيره باستيفاء مدَّةٍ إقامته في عالم الأجسام وتكميل النشأة، أو تَحرِمُ من تشاء عن
إيتاء ذلك الملك؛ لظُلْمه المانع له من أن ينالَ عهدك، أو يُمنح رِفِدَك.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَآءُ﴾ بإلقاء نورٍ من أنوار عزَّتك عليه؛ فإن العزّة لله جميعاً ﴿وَتُذِلُ مَنْ
تَشَاءٌ﴾ بسَلْبٍ لباسٍ عزَّتك عنه، فيبقى ذليلاً ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرٌ﴾ كلُّه وأنت القادرُ مطلقاً،
تُعطي على حسب مشيئتك، وتتجلَّى طِبِقَ إرادتك، وتَمنحُ بقدْرٍ قابِليةِ مَظاهِرٍكَ.
﴿تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ﴾ تُدْخِلُ ظُلمةَ النفْس في نور القلب فيُظلم ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ
اَلَّيْلِ﴾ وتُدخل نورَ القلب في ظلمة النفس فتستنيرُ، وتخلطهما معاً مع بُعد المناسبة
بينهما، وتُخرج حيَّ القلب من ميت النَّفْس، وميتَ النفسِ من حيٍّ القلب، أو تخرج
حيَّ العلم من ميت الجهل، وميتَ الجهل من حيِّ العلم ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَآَهُ﴾ من النِّعم
الظاهرة والباطنةِ، أو من إحداهما فقط ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ إذ لا حَجْرَ عليك.
هذا ولمَّا بَيَّن سبحانه أن إعطاء المُلك والإعزازِ من الله تعالى، وأنه على كل شيء
قدير، نبّه المؤمنين على أنه لا يَنبغي أن يُوالوا أعداء الله تعالى لقرابةٍ أو صَداقةٍ جاهلية
أو نحوهما، أو أنْ لا يَسْتَظْهِروا بهم؛ لأنه تعالى هو المُعِزُّ والقادر المُطْلَق = بقوله عزَّ
قائلاً: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ قال ابن عباس: كان الحَجَّاج بن عمرو
وكَهْمَس بن أبي الحَقيق، وقيس بن زيد - والكلُّ من اليهود - يُباطِنُون نفراً من الأنصار
ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفَاعةُ بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد(١) بن خَيْئَمة
لأولئك النَّفر: اجتنبوا هؤلاء اليهودّ، واحذروا لزومَهم ومُباطَنْتَهم؛ لا يفتنوكم عن
دِينكم، فأبى أولئك النفرُ إلَّا مباطنتهم وملازمتَهم، فأنزل الله هذه الآية(٢).
(١) في الأصل و(م): وسعيد، والمثبت هو الصواب. ينظر الإصابة ٤/ ١٤٠.
(٢) أخرجه الطبري ٣١٦/٥، وهو في أسباب النزول للواحدي ص٩٦.
١

سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ
١٠٤
الآية : ٢٨
وقال الكلبيُّ: نزلَت في المنافقين عبد الله بن أبيٍّ وأصحابه، كانوا يتولَّون
اليهود والمشركين، ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم الّفرُ على
رسول الله ◌َ، فأنزل الله تعالى الآية، ونهى المؤمنين عن فِعلِهم.
وروى الضَّحاكُ عن ابن عباس أنها نزلت في عُبادةَ بن الصَّامت الأنصاريِّ،
وكان بدريًّا نقيباً، وكان له حُلفاء من اليهود، فلمَّا خرجَ رسول الله وَّه يومَ
الأحزاب، قال عبادة: يا نبيَّ الله إنَّ معي خمسَ مئةٍ من اليهود، وقد رأيتُ أن
يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدوِّ، فأنزل الله تعالى ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾ إلخ(١).
والفعل مجزوم بلا الناهية، وأجاز الكسائيُّ فيه الرفع على الخبر؛ والمعنى على
النهي أيضاً. وهو متعدٍّ لمفعولين، وجوِّز أن يكون متعدِّياً لواحد. فـ ((أولياءً)) مفعولٌ
ثان، أو حال، وهو جمعُ وليٍّ بمعنى المُوالي، من الوَلْيِ وهو القُرْب.
والمراد: لا يُراعوا أموراً كانت بينهم في الجاهلية، بل يَنبغي أن يُراعوا ما هم
عليه الآن مما يقتضيه الإسلامُ من بُغْضٍ وحُبِّ شَرْعيَّيْن يصحُّ التكليف بهما،
وإنَّما قيَّدنا بذلك لِمَا قالوا: إن المَحبَّة لقرابةٍ أو صداقة قديمةٍ أو جديدةٍ خارجة عن
الاختيار معفوَّةٌ ساقطة عن درجة الاعتبار.
وحَمْلُ الموالاة على ما يعمُّ الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض،
ومذهبنا - وعليه الجمهور - أنه يجوز، ويُرْضَخ لهم، لكنْ إنَّما يُستعان بهم على قتال
المشركين لا البُغاة، على ما صرَّحوا به. وما روي عن عائشة ◌َّا أنها قالت: خرجَ
رسول الله وَّ﴿ لبدرٍ، فتبعه رجلٌ مشرك كان ذا جراءة ونجدة، ففرح أصحابُ النبيِّ وَّل
حين رأوه، فقال له النبيُّ وَّ: ((ارجع فلن أستعين بمشرك))(٢) فمنسوخٌ بأنَّ النبيَّ ◌َّ
استعانَ بيهود بني قَيْنُقاع ورضَخ لهم (٣)، واستعان بصفوان بن أمية في هَوَازِن(٤).
(١) أسباب النزول للواحدي ص٩٦-٩٧ من طريق جويبر عن الضحاك به، وجويبر متروك.
(٢) أخرجه أحمد (٢٥١٥٨)، ومسلم (١٨١٧) مطولاً .
(٣) أخرجه الشافعي في الأم ٧/ ٣١١ من طريق الحسن بن عمارة عن مقسم عن ابن عباس، وقال
البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٣٠٧: لم أجده إلا من حديث الحسن بن عمارة، وهو ضعيف.
(٤) قطعة من خبر طويل أخرجه مالك في الموطأ ٥٤٣/٢-٥٤٤ عن الزهري. وقال ابن عبد البر
في التمهيد ١٩/١٢: لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل
السير، وابن شهاب إمام أهلها، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.

الآية : ٢٨
١٠٥
سُورَةُ العَزَانَ
وذكر بعضُهم جوازَ الاستعانة بشرط الحاجة والوثوقٍ، أمَّا بدونهما فلا تجوز،
وعلى ذلك يُحمل خبرُ عائشة، وكذا ما رواه الضَّحاك عن ابن عباس في سبب
النزول، وبه يَحصل الجمعُ بين أدلَّة المنع وأدلَّة الجواز.
على أن بعض المحققِّين ذكَر أن الاستعانة المنهيَّ عنها إنما هي استعانةُ الذليل
بالعزيز، وأما إذا كانت من باب استعانة العزيز بالذَّليل فقد أُذن لنا بها، ومن ذلك
اتّخاذ الكفار عبيداً وخَدَماً، ونكاح الكتابيات منهم، وهو كلامٌ حسن كمالا يخفى.
ومن الناس مَن استدلَّ بالآية على أنه لا يَجوز جَعْلُهم عمَّالاً، ولا استخدامهم
في أمور الديوان وغيره. وكذا أَدخلوا في المُوالاة المنهيِّ عنها السلام والتعظيم،
والدعاء بالكُنية، والتوقير بالمَجَالس. وفي ((فتاوى)) العلامة ابن حجر جوازُ القيام
في المجلس لأهل الذِّمة (١)، وعدَّ ذلك من باب البر والإحسان المأذون به في قوله
تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ تَبَرُؤُهُمُّ
وَتُقْسِطُواْ إِلَهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
ولعلَّ الصحيح أنَّ كلَّ ما عدَّه العُرْفُ تعظيماً، وحَسِبه المسلمون موالاةً، فهو
منهيٌّ عنه ولو مع أهل الذِّمة، لا سيّما إذا أوقع شيئاً في قلوب ضعفاء المؤمنين،
ولا أرى القيامَ لأهل الذِّمة في المجلس إلا من الأمور المحظورة؛ لأن دلالته على
التعظيم قويّةٌ، وجعلُه من الإحسان لا أراه من الإحسان، كما لا يخفى.
﴿مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينٌ﴾: حال من الفاعل، أي: مُتجاوزين المؤمنين إلى الكافرين
استقلالاً أو اشتراكاً، ولا مفهوم لهذا الظرف، إمَّا لأنه ورَد في قومٍ بأعيانهم والَوا
الكفّار دون المؤمنين، فهو لبيان الواقع، أو لأنَّ ذِكْرَه للإشارة إلى أنَّ الحقيق
بالموالاة هم المؤمنون، وفي موالاتهم مندوحةٌ عن موالاة الكفار.
وكونُ هذه النُّكتة تقتضي أن يقال: مع وجود المؤمنين، دون ((من دون المؤمنين))
في حيِّز المنع، وكونُه إشارة إلى أنَّ ولا يتهم لا تُجامع ولاية المؤمنين؛ في غاية الخفاء.
وقيل: الظرف في حيِّز الصفة لـ ((أولياء)). وقيل: متعلِّق بفعل الاتِّخاذ، و(من))
لابتداء الغاية، أي: لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكانٍ دون مكانٍ المؤمنين.
(١) لم نقف على هذا الكلام في كتاب الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي.

سُؤَةُ العَبْرَانَ
١٠٦
الآية : ٢٨
﴿وَمَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ﴾ أي: الاتخاذَ، والتعبيرُ عنه بالفعل - كما قال شيخ الإسلام -
للاختصار، أو لإيهام الاستهجان بِذكْره(١). و((مَن)) شرطية، و((يفعل)) فعل الشرط،
وجوابه: ﴿فَلَيْسَ مِنَ الَّهِ فِي شَىْءٍ﴾ والكلام على حذف مضاف، أي: من ولايته، أو
من دِينه. والطّرف الأول حال من ((شيء)) والثاني خبر ((ليس)). وتنوين ((شيء))
للتحقير، أي: ليس في شيء يصحُّ أن يُطلق عليه اسم الولاية أو الدِّين؛ لأن موالاة
المتضادين مما لا تكادُ تدخل خيمة الوقوع، ولهذا قيل:
صديقُكَ لَيْسَ النّوك عنك بعازِبٍ(٢)
تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّني
وقيل أيضاً:
فقد عاداكَ وانقطعَ الكلامُ(٣)
إذا والى صديقٌك مَن تُعادي
والجملة معترضة.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُوا﴾ - على صيغة الخطاب بطريق الغيبة - استثناءٌ
مفرَّغ من أعمِّ الأحوال، والعامل فيه فعلُ النهي معتبراً فيه الخطاب، أي:
لا تتخذوهم أولياء في حالٍ من الأحوال، إلا حال اتِّقائكم. وقيل: استثناء مفرَّغ
من المفعول لأجله، أي: لا يتّخذ المؤمن الكافرَ وليًّا لشيء من الأشياء إلا للتقية.
﴿مِنْهُمُ﴾ أي: من جهتهم. و ((من)) للابتداء، متعلّق بمحذوف وقع حالاً من قوله
تعالى: ﴿تُقَلَّةٌ﴾؛ لأنه نعت النكرة وقد تقدَّم عليها، والمراد بـ ((التُّقاة)) ما يُتَّقى منه،
وتكون بمعنى: اتِّقاء، وهو الشائع، فعلى الأول يكون مفعولاً به لـ ((تَّقوا)»، وعلى
الثاني مفعولاً مطلقاً له.
و(منهم)) متعلّق به، وتعدَّى بـ ((مِن)) لأنه بمعنى خاف، وخاف يتعدَّى بها
نحو: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزَا﴾ [النساء: ١٢٨] و﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ
(١) تفسير أبي السعود ٢٣/٢.
(٢) البيت لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٣٦٤/١. النوك بالضم والفتح: الحمق. والعازب:
البعيد. القاموس (نوك) و(عزب).
(٣) ذكره ابن عبد البر في بهجة المجالس ٦٨٩/١، وأبو إسحاق الوطواط في غرر الخصائص
الواضحة ص٤٣٢ .

الآية : ٢٨
١٠٧
سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ
جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢] والمجرورُ في موضع أحد المفعولين، وترك المفعول
الآخر للعلم به، أي: ضرراً ونحوه.
وأصل تقاة: وُقَيَة، بواوٍ مضمومة وياءٍ متحرِّكة بعد القاف المفتوحة، فأُبدلت
الواو المضمومة تاءً كتُجَاه، وأبدلت الياء المتحركة ألفاً لتَحَرُّكها وانفتاحِ ما قبلها،
ووزنه: فُعَلَة؛ كتُخَمَة وتؤَدَة، وهو في المصادر غيرُ مَقِيس وإنما المقيسُ اتقاء كاقتدار.
وقرأ أبو الرَّجاء وقتادة: ((تقِيَّة))، بالياء المشددة(١)، ووزنُها فعيلة، والتاء بدل
من الواو أيضاً.
وفي الآية دليلٌ على مشروعية التَّقِيّة، وعرَّفوها بمحافظة النَّفْس، أو العِرض،
أو المال، من شرِّ الأعداء.
والعَدوُّ قسمان: الأول: من كانت عداوته مَبْنِيَّةً على اختلاف الدِّين، كالكافر
والمسلم. والثاني: من كانت عداوته مبنيَّةً على أَغراض دنيوية، كالمال والمَتاع
والملك والإمارة.
ومن هنا صارت التقية قسمين: أما القسم الأول: فالحكمُ الشرعيُّ فيه أنَّ كلَّ
مؤمنٍ وقَع في محلٌّ لا يمكن له أن يُظهِر دِينَه لتعرُّض المخالِفِينَ، وجَب عليه
الهجرةُ إلى محلٌّ يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلاً أن يبقى هناك
ويُخفِيَ دينَه ويتشبَّثَ بعذرِ الاستضعاف؛ فإنَّ أرضَ الله تعالى واسعةٌ.
نعم إن كان ممَّن لهم عذرٌ شرعيٍّ في تَرْك الهجرة، كالصبيان والنساء والعميان
والمحبوسين، والذين يُخوِّفهم المخالفون بالقتل، أو قتلِ الأولاد، أو الآباءِ، أو
الأمهات، تخويفاً يُظنُّ معه إيقاعُ ما خوّفوا به غالباً - سواء كان هذا القتل بضرب
العُنُقِ، أو بحبس القوت، أو بنحو ذلك - فإنه يجوز له المُكثُ مع المخالف،
والموافقةُ بقَدْرِ الضرورة، ويجب عليه أن يسعى في الحِيلة للخروج والفِرار بدينه.
ولو كان التخويف بفوات المنفعة، أو بلُحوق المشقّة التي يمكنه تَحمُّلها،
كالحبس مع القوت، والضربِ القليل الغير المهلك، لا يجوز له موافقتهم.
(١) المحرر الوجيز ٤١٩/١، والبحر ٤٢٤/٢، وهي قراءة يعقوب من العشرة. النشر ٣٢٩/٢.

سُورَةُ الْعِنْرَانَ
١٠٨
الآية : ٢٨
وفي صورة الجواز أيضاً موافقتُهم رُخصة، وإظهارُ مذهبه عزيمةٌ، فلو تَلِفت
نفسُه لذلك فإنه شهيدٌ قطعاً. ومما يدلُّ على أنها رخصة ما رُوي عن الحسن: أنَّ
مسيلمةَ الكذَّابَ أخذ رجلين من أصحاب رسولِ الله وَِّ، فقال لأحدهما: أتشهدُ
أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. فقال: أتشهدُ أنِّ رسول الله؟ قال: نعم. ثم دعا
بالآخر، فقال له: أتشهدُ أن محمداً رسولُ الله؟ قال: نعم. فقال: أتشهد أنِّ
رسول الله؟ قال: إنِّي أَصمُّ. قالها ثلاثاً، وفي كلِّ يُجيبه بـ: إنِّي أصَمُّ، فضرب
عُنُقَه، فبلغ ذلك رسولَ الله وََّ، فقال: ((أمَّا هذا المقتولُ فقد مضىَ على صِدْقِهِ
ويقينه، وأخذَ بفضله فهنيئاً له، وأمَّا الآخر فقد رَخَّصه اللهُ تعالى فلا تَبِعةً عليه))(١).
وأمَّا القسم الثاني: فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه؛ فقال
بعضهم: تجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وبدليل
النهي عن إضاعة المال.
وقال قوم: لا تجب؛ إذ الهجرةُ عن ذلك المقام مصلحةٌ من المصالح الدنيوية،
ولا يعود مِن تَرْكها نقصان في الدِّين؛ لاتِّحاد المِلَّة. وعدوُّه القويُّ المؤمنُ
لا یَتعرَّض له بالسوء من حیث هو مؤمن.
وقال بعضهم: الحقُّ أن الهجرة هنا قد تجب أيضاً إذا خاف هلاكَ نفسه أو
أقارِبِهِ أو هَتْكَ حُرمَته بالإفراط، ولكن ليست عبادةً وقُربةً حتى يترتَّب عليها الثوابُ،
فإنَّ وجوبها لمَحْضِ مصلحةٍ دنيوية لذلك المهاجر، لا لإصلاح الدِّين ليترتب
عليها الثوابُ، وليس كلُّ واجب يُثاب عليه؛ لأنَّ التحقيق أنَّ كلَّ واجبٍ لا يكون
عبادة، بل كثير من الواجبات مالا يترتَّب عليه ثوابٌ، كالأكل عند شدَّة المَجَاعة،
والاحترازِ عن المَضَرَّات المعلومة أو المظنونة في المرض، وعن تناول السُّموم في
حال الصحّة، وغير ذلك، وهذه الهجرة أيضاً من هذا القبيل، وليست هي كالهجرة
إلى الله تعالى ورسوله وَ ل﴿ لتكون مستوجِبَةً بفضل الله تعالى لثواب الآخرة.
وعدَّ قوم من باب التقيةِ مداراةَ الكفّار والفَسَقة والظّلَمة، وإلانة الكلام لهم،
والتبسُّم في وجوههم، والانبساط معهم، وإعطاءهم لكفِّ أذاهم وقطعٍ لسانهم
(١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٣٢٦).

الآية : ٢٨
١٠٩
سُورَةُ الغَتْمَانَ
وصيانةِ العِرْض منهم، ولا يُعَدُّ ذلك من باب الموالاة المنهيِّ عنها، بل هي سنَّةٌ
وأمر مشروع.
فقد روى الدَّيْلمي عن النبيِّ وَّر أنه قال: ((إنَّ الله تعالى أمرَني بمُداراةِ الناس
كما أمرني بإقامة الفرائض))(١). وفي رواية: ((بعثت بالمداراة))(٢).
وفي الجامع: ((سيأتيكم ركبٌ مُبْغَضون فإذا جاؤوكم فرخِّبوا بهم))(٣).
وروى ابن أبي الدنيا: ((رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراةُ الناس))(٤).
وفي رواية البيهقي: ((رأسُ العقل المداراةُ))(٥). وأخرج الطبراني: ((مدارةُ الناس
صدقةٌ)(٦). وفي رواية له: ((ما وَقَى به المؤمن عِرْضَه فهو صدقة))(٧) .
وأخرج ابنُ عديٍّ وابن عساكر: ((مَن عاش مُدارياً مات شهيداً؛ قُوا بأموالكم
أعْرَاضکم، ولیصانع أحدُكم بلسانه عن دِینه»(٨).
(١) الفردوس بمأثور الخطاب ١٧٦/١، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٤٤٧/٢-٤٤٨،
وهو من حديث عائشة رؤيا. وفي إسناده بشر بن عبيد الدارسي، كذبه الأزدي، وقال ابن
عدي: منكر الحديث عن الأئمة، بيِّن الضعف جدًّا. الميزان ٣٢٠/١.
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٨٤٧٥) من حديث جابر ظه، وضعفه.
(٣) جامع الأصول ٦٥٠/٤، وأخرجه أبو داود (١٥٨٨) من حديث جابر بن عتيك ـ
(٤) قضاء الحوائج لابن أبي الدنيا (١٧) وأخرجه أيضاً أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢٨٣/٢،
وهو من طريق سعيد بن المسيب عن النبي ◌ٍَّ، وهو بالإضافة إلى إرساله فيه علي بن زيد بن
جدعان، وهو ضعيف، ويرويه عن علي بن زيد هشيم، ولم يسمعه منه، كما قال الإمام أحمد.
(٥) شعب الإيمان (٨٤٤٦) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ظلبه مرفوعاً. قال
البيهقي: وَضْلُه منكر، وإنما يروى منقطعاً، ثم أخرجه من طريق سعيد بن المسيب عن
النبي ◌َله، وقد سلف الكلام عليه في التعليق السابق.
(٦) المعجم الأوسط (٤٦٦)، وأخرجه أيضاً ابن حبان (٤٧١)، وابن الجوزي في العلل
(١٢١٥)، وهو من حديث جابر به، قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن
رسول الله ◌َ، وإنما يعرف بالمسيب بن واضح، وهو في مقام المجهول.
(٧) أخرجه عبد بن حميد (١٠٨١)، وابن عدي ١٩٥٨/٥، والدارقطني (٢٨٩٥)، والحاكم
٥٠/٢ وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: فيه عبد الحميد (وهو ابن الحسن الهلالي) ضعفوه.
(٨) الكامل لابن عدي ٧٧٤/٢، وتاريخ ابن عساكر ٣٢٦/٤ من حديث عائشة ﴿ا، دون قوله:
(من عاش مدارياً مات شهيداً)). وفي إسناده الحسين بن المبارك الطبراني، قال عنه ابن
عدي: أحاديثه مناكير. وقوله: من عاش مدارياً مات شهيداً، وأخرجه أبو نعيم في الحلية
١٨٣/٥-١٨٤ عن مكحول قوله، بلفظ: من مات مدارياً ...

سُورَةُ العَنْرَانَ
١١٠
الآية : ٢٨
وعن عروة(١) عن عائشة ﴿ّا، قالت: استأذن رجلٌ على رسول الله وَله وأنا
عندَه، فقال رسول الله وَّيقول: ((بئس ابن العشيرة)) - أو ((أخو العشيرة)) - ثم أذن له
فألَان له القول، فلما خَرَج قلتُ: يارسول الله، قلتَ ما قلت ثم ألنتَ له القولَ؟
فقال: ((يا عائشة إنَّ من أَشَرِّ الناس مَن يتركه الناسُ - أو يَدعه الناسُ - اتِّقاءً
فُحْشِهِ»(٢).
وفي البخاري عن أبي الدرداء: إنَّا لنَكْشِرُ في وجوهِ أقوامٍ وإن قلوبنا
لتلعنُهم (٣). وفي رواية الكشميهنيّ: وإن قلوبنا لتقليهم(٤). وفي رواية ابن
أبي الدنيا وإبراهيم الحربي(٥) بزيادة: ونضحك إليهم(٦).
إلى غير ذلك من الأحاديث، لكن لا تنبغي المداراة إلى حيثُ يُخدَش الدِّين،
ويُرتكب المنكرُ، وتسيء الظنون.
ووراء هذا التحقيق قولان لفئتين متباينتين من الناس، وهم الخوارج والشيعة:
أمَّا الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقيةُ بحالٍ، ولا يُراعى المالُ وحِفظُ
النفس والعِرض في مقابلة الدِّين أصلاً، ولهم تشديداتٌ في هذا الباب عجيبة، منها
أن أحداً لو كان يصلي وجاء سارقٌ أو غاصبٌ ليسرِقَ أو يغصبَ مالَه الخطيرَ،
لا يقطعُ الصلاة، بل يَحرم عليه قطعها .
وطعنوا على أبي بَرْزَةً(٧) الأسلمي صحابيٍّ رسول الله وَّه بسبب أنه كان يُحافظ
(١) في الأصل و(م): بردة، والمثبت هو الصواب.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤١٠٦)، والبخاري (٦٠٣٢)، ومسلم (٢٥٩١).
(٣) علقه البخاري بصيغة التمريض قبل الحديث (٦١٣١). وقال الحافظ في الفتح ٥٢٨/١٠:
الكشر ظهور الأسنان، وأكثر ما يطلق عند الضحك.
(٤) ذكرها الحافظ في الفتح ٥٢٨/١٠.
(٥) في الأصل و(م): الحرمي، والمثبت هو الصواب. ينظر فتح الباري ٥٢٨/١٠، وتغليق
التعليق ١٠٣/٥، وقد عزا الحافظ فيهما هذه الرواية لإبراهيم الحربي في غريب الحديث.
(٦) الحلم لابن أبي الدنيا (١٠٩)، وأخرجه بهذه الرواية هناد في الزهد (١٢٥٠)، والحافظ في
تغليق التعليق ٥/ ١٠٣.
(٧) وقع في الأصل و(م): بريدة، بدل: أبي برزة، والمثبت هو الصواب.

الآية : ٢٨
١١١
سُورَةُ العَقْرَانَ
[على](١) فَرَسه في صلاته كي لا يهرب(٢)، ولا يخفى أنَّ هذا المذهب من التَّفريط
بمكان.
وأمَّا الشيعةُ فكلامهم مضطربٌ في هذا المقام، فقال بعضهم: إنَّها جائزةٌ في
الأقوال (٣) كلِّها عند الضرورة، وربَّما وجبَت فيها لضربٍ من اللَّطف والاستصلاح،
ولا تجوز في الأفعال كقتل المؤمنِ، ولا فيما يُعلم - أو يَغلب على الظنِّ - أنه إفسادٌ
في الدِّين، وقال المفيد(٤): إنها قد تجب أحياناً، وقد يكون فعلُها في وقت أفضلَ
من تَرْكِها، وقد يكون تَرْكُها أفضل من فعلها .
وقال أبو جعفر الطوسيُّ: إن ظاهرَ الرِّوايات يدلُّ على أنها واجبةٌ عند الخوف
على النفس(٥).
وقال غيره: إنَّها واجبةٌ عند الخوف على المال أيضاً، ومستَحبَّةٌ لصيانة
العِرض، حتى يُسَنُّ لِمَن اجتمع مع أهل السُّنَّة أن يوافقهم في صلاتهم وصيامهم
وسائرٍ ما يدينون به، ورووا عن بعض أئمة أهل البيت: مَن صلَّى وراءَ سُنِّيٍّ تَفيَّةً
فكأنما صلَّى وراء نبيٍّ، وفي وجوب قضاء تلك الصلاة عندَهم خلافٌ، وكذا في
وجوب قضاء الصوم على مَن أفطر تقيةً - حيثُ لا يَحلُّ الإفطار - قولان أيضاً.
وفي أفضلية التقية من سُنِّيٍّ واحد - صيانةً لمذهب الشيعة عن الطّعن - خلافٌ
أيضاً، وأفتى كثير منهم بالأفضلية.
ومنهم مَن ذهب إلى جواز - بل وجوب - إظهار الكفر لأدنى مخافةٍ أو طمع،
ولا يخفى أنه من الإفراط بمكان.
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) أخرجه البخاري (١٢١١) من طريق شعبة عن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل
الحرورية، فبينا أنا على جرف نهر، إذا رجل يصلي وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة
تنازعه، وجعل يتبعها - قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي - فجعل رجل من الخوارج يقول:
اللهم افعل بهذا الشيخ ...
(٣) كذا في الأصل و(م)، وفي مجمع البيان ٥٦/٣ (والكلام منه): الأحوال.
(٤) هو عبد الجبار بن عبد الله، أبو الوفا المقري الرازي شيخ الطبرسي. ينظر طبقات أعلام
الشيعة في القرن السادس ص١٥٢. وذكر قوله الطبرسي في مجمع البيان ٥٦/٣.
(٥) مجمع البيان ٥٦/٣ .

سُورَةُ الْعِنْرَانَ
١١٢
الآية : ٢٨
وحَمَلُوا أكثرَ أفعال الأئمة - مما يوافق مذهبَ أهل السنة، ويقوم به الدليل على
ردِّ مذهب الشيعة - على التقية، وجعلوا هذا أصلاً أصيلاً عندهم، وأسَّسوا عليه
دِينَهم، وهو الشائع الآن فيما بينهم، حتى نَسبوا ذلك للأنبياء عليهم السلام؛ وجُلُّ
غَرَضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشدين ﴿ه، ويَأبى اللهُ تعالى ذلك؛ ففي
كتبهم ما يُبطل كونَ أمير المؤمنين عليٍّ كرَّم الله وجهه وبَنِيه ◌ِ﴿ه ذوي تقيةٍ، ويُبطل
أيضاً فضلها الذي زَعموه.
ففي كتاب ((نهج البلاغة)) الذي هو أصحُّ الكتب بعد كتاب الله تعالى - في
زعمهم - أن الأمير كرَّم الله تعالى وجهَه قال: علامةُ الإيمان إيثارُك الصِّدق حيثُ
يضرُّك على الكذب حيثُ ينفعك. وأين هذا من تفسيرهم قوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] بأكثركم تَقِيَّة؟!
وفيه أيضاً: أنه كرَّم الله تعالى وجهه قال: إنِّي واللهِ لو لقيتُهم واحداً وهم طِلاعُ
الأرض كلِّها ما باليتُ ولا استوحشتُ، وإنِّي من ضَلالتهم التي هم فيها، والهُدى
الذي أنا عليه، لَعَلى بصيرةٍ من نفْسي ويقينٍ من ربِّي، وإلى لقاء الله تعالى وحسنٍ
ثوابه لمنتظرٌ راجٍ. وفي هذا دلالةٌ على أنَّ الأمير لم يَخَف وهو منفردٌ من حرب
الأعداء وهم جمَوٌَّ، ومثلهُ لا يُتصوَّرُ أن يتأتَّى فيما فيه هدم الدِّين.
وروى العياشيُّ عن زرارة بن أعين، عن أبي بكر بن حزم أنه قال: توضأ رجلٌ
ومسح على خفَّيْه، فدخل المسجد، فجاء عليٌّ كرم الله تعالى وجهه فوجأ على رقبته
فقال: ويلك، تصلِّي وأنت على غير وضوء؟! فقال: أَمَرَني عمرُ. فأخذ بيده فانتهى
به(١) إليه ثم قال: انظر ما يقول هذا عنك. ورفع صوته على عمر تظلبه، فقال عمر:
أنا أمرتُه بذلك. فانظر كيف رَفَعَ الصوت وأنكر ولم يتأقّ.
وروى الراوندي شارح ((نهج البلاغة))(٢) ومعتقِدُ الشيعة عن سلمان الفارسيِّ أنَّ
(١) قوله: به، ليس في (م).
(٢) واسم هذا الشرح: منهج البلاغة، لأبي الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسن، المعروف
بقطب الدين الراوندي، من أعظم علماء الإمامية ومحدثيهم، من كتبه: خلاصة التفاسير،
وفقه القرآن، وقصص القرآن، وغيرها، توفي سنة (٥٧٣هـ) ودفن بقم. مصادر نهج البلاغة
وأسانيده لعبد الزهراء الحسيني الخطيب ٢٠٧/١ .

الآية : ٢٨
١١٣
سُورَةُ آلِّعْرَانَ
عليًّا بلغه عن عمر أنه ذكر شيعته، فاستقبله في بعض طرقات المدينة وفي يد عليٍّ
قوسٌ فقال: يا عمر، بلغني عنك ذِكْرُك لشيعتي. فقال: ارْبَعْ على ظلعك(١). فقال
عليٍّ : إنك هاهنا. ثم رمى بالقوس على الأرض، فإذا هي ثعبانٌ كالبعير فاغراً فاه
وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه، فقال عمر: الله الله يا أبا الحسن، لا عُدْتُ بعدها في
شيءٍ. فجعل يتضرَّع، فضرب بيده على الثعبان فعادت القوس كما كانت، فمضى
عمر إلى بيته. قال سلمان: فلمَّا كان الليل دعاني عليٍّ فقال: سِرْ إلى عمر فإنه
حُمِلَ إليه مالٌ من ناحية المشرق وقد عزم أن يخبِّئه، فقل له: يقول لك عليٍّ:
أَخْرِج ما حُمِلَ إليك من المَشْرِق ففرِّقه على مَن هو لهم، ولا تُخَبِّه فأفضحَك. قال
سلمان: فمضيتُ إليه وأدَّيتُ الرسالة، فقال: أخبرني عن أمر صاحبك، من أين
عَلِمَ به؟ فقلت: وهل يَخْفَى عليه مثُل هذا؟ فقال: يا سلمان، اقبَلْ عِّي ما أقول
لك، ما عليٍّ إلا ساحرٌ، وإِنِّي لمستيقنٌ بك، والصوابُ أن تفارقه وتصيرَ من
جملتنا. قلت: ليس كما قلتَ، لكنه وَرِثَ من أسرار النبوّة ما قد رأيتَ منه، وعنده
أكثر من هذا. قال: ارجع إليه فقل: السمعُ والطاعةُ لأمرك. فرجعتُ إلى عليٍّ
فقال: أحدِّثكَ عمَّا جرى بينكما؟ فقلت: أنت أعلمُ منِّي. فتكلَّمَ بما جرى بيننا، ثم
قال: إنَّ رُعْبَ الثعبان في قلبه إلى أن يموت. وفي هذه الرواية ضَرْبُ عنق التقيَّةِ
أيضاً؛ إذ صاحبُ هذه القوس تُغنيه قوسُه عنها، ولا تُحْوِجُه أن يزوِّج ابنته أمَّ كلثومٍ
من عمر خوفاً منه وتقيّةً.
وروى الكُليني عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله أنه قال: إنَّ الله عزَّ وجل
أنزل على نبيّه وَ﴿ كتاباً، فقال جبريل: يا محمد، هذه وصيتُك إلى النُّجباء. فقال:
((ومن النجباءُ يا جبريل؟)) فقال: عليّ بن أبي طالب وولدُه. وكان على الكتاب
خواتمُ من ذهب، فدفعه رسول الله وَّه إلى عليٍّ وأمره أن يفكَّ خاتماً منه فيعملَ
بما فيه ثم دفعه إلى الحسن ففكّ منه خاتماً فعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين ففكَ
خاتماً، فوجد فيه: أن اخرجْ بقومك إلى الشَّهادة، فلا شهادة لهم إلا معك، واشترِ
نفسَك الله تعالى، ففعل. ثم دفعَه إلى عليٍّ بن الحسين، ففكّ خاتماً فوجَد فيه: أن
(١) أي: ارفق بنفسك وكُفَّ. ووقع في الأصل و(م): صلعتك، وهو تصحيف. ينظر الصحاح
واللسان والتاج (ربع).

سُورَةُ الْعَنْزَانَ
١١٤
الآية : ٢٨
أَظْرِق واصمُت، والزم منزلك، واعبُدْ ربَّك حتى يأتيك اليقين، ففعل. ثم دفعه إلى
ابنه محمد بن عليٍّ ففكّ خاتماً، فوجد فيه: حدِّث الناسَ وأَقْتِهِم، وانشرْ علومَ أهل
بيتِك، وصدِّق آباءك الصَّالحين، ولا تَخافنَ أحداً إلا الله تعالى، فإنه لا سبيل لأحدٍ
عليك. ثم دفعَه إلى جعفر الصادقِ ففكَّ خاتماً فوجد فيه: حدِّث الناس وأَفْتِهم
ولا تخافنَّ إلا الله تعالى، وانشُر علومَ أهل بيتك، وصدِّق آباءك الصالحين؛ فإنك
في حِرْزٍ وأمان، ففعل، ثم دفعه إلى موسى، وهكذا إلى المَهْدي.
ورواه من طريق آخر عن معاذ أيضاً، عن أبي عبد الله، وفي الخاتم الخامس:
وقل الحقَّ في الأمنِ والخوف، ولا تخشَ إلا الله تعالى. وهذه الروايةُ أيضاً
صريحةٌ بأنَّ أولئك الكرام ليس دِينُهم التَّقية كما تزعمه الشيعة.
وروى سليم بن قيس الهلاليُّ الشيعيُّ من خبرٍ طويل: أنَّ أمير المؤمنين
قال: لمَّا قُبِض رسولُ اللهِ وَّهِ ومالَ الناسُ إلى أبي بكر فبايَعوه، حملتُ فاطمةَ
وأخذتُ بيدِ الحسن والحسين، ولم نَدَعْ أحداً من أهل بدرٍ وأهل السّابقة من
المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله تعالى حقِّي. ودَعوتُهم إلى نُصرتي، فلم
يَستجب لي من جميع الناس إلا أربعة: الزبيرُ وسلمان وأبو ذرِّ والمقداد. وهذه
تدلُّ على أن الثَّقِيَّة لم تكن واجبةً على الإمام؛ لأن هذا الفعل عند من بايع
أبا بكرِ رَُ فيه ما فيه.
وفي كتاب أبان بن عياش: أنَّ أبا بكر بعثَ إلى عليٍّ قُنْفُذاً حين بايعه الناسُ
ولم يبايعه عليٍّ، وقال: انطلق إلى عليٍّ وقل له: أجبْ خليفةَ رسولِ اللهِ وَله.
فانطلق فبلَّغه، فقال له: ما أسرعَ ما كَذَبتم على رسولِ اللهِ وَّهِ وارتَدَدْتم، واللهِ
ما استخلفَ رسولُ الله ◌َ ﴾ غيري.
وفيه أيضاً أنه لمَّا لم يُجِبْ عليٍّ غضب عمرُ، وأضرمَ النارَ بباب عليٍّ وأحرقه
ودخّل، فاستقبلته فاطمة وصاحت: يا أبتاه ويا رسولَ الله، فرفَع عمر السيفَ وهو
في غمده، فَوَجَأْ به جنبَها المبارَك، ورفع السوطَ فضرب به ضِرعها، فصاحت:
يا أبتاه. فأخذ عليٍّ بتلابيب عُمَرَ وهزَّه ووجأ أنفَه ورقبته.
وفيه أيضاً أنَّ عمر قال لعليٍّ: بايع أبا بكر. قال: إنْ لم أفعل ذلك؟ قال: إذاً

الآية : ٢٨
١١٥
سُورَةُ الِ عُقْرَانَ
واللهِ تعالى لأَضربنَّ عُنُقَك. قال: كذبتَ واللهِ يا ابن صُهاك(١) لا تقدرُ على ذلك،
أنت أَلْأَمُ وأضعفُ من ذلك.
فهذه الروايات تدلُّ صريحاً أن الثَّقيةَ بمراحل عن ذلك الإمام؛ إذ لا معنى لهذه
المناقشة والمُسَابَّة مع وجوب التقية.
وروى محمد بن سنان أنَّ أمير المؤمنين قال لعمر: يا مغرورُ، إنِّي أراك في
الدنيا قتيلاً بجراحةٍ من عبد أمٌّ معمر، تحكُمُ عليه جوراً فيقتلك ويَدخلُ بذلك
الچِنان على رغم منك.
وروي أيضاً أنَّه قال لعُمَرَ مرَّةً: إنَّ لك ولصاحبك الذي قمت مقامه هَتْكاً
وصَلْباً، تُخرجان من جِوار رسول الله وَّل﴿ فَتُصلبان على شجرةٍ يابسة، فتُورق فيفتتن
بذلك مَن وَالَاكُما، ثم يُؤْتَى بالنار التي أُضرمت لإبراهيم، ويأتي جرجيس ودانيال
وكلُّ نبيٍّ وصِدِّيق فَتُصْلَيان فيها، فتُحْرَقان وتَصيران رَماداً، ثم تأتي ريحٌ فَتَنْسِفُكما في
اليمِّ نَسْفاً.
فانظُر باللهِ تعالى عليك مَن يَروي هذه الأكاذيبَ عن الإمام كرَّم الله تعالى
وجهه، هل ينبغي له أن يقولَ بنسبة الثَّقية إليه؟ سبحان الله تعالى، هذا العَجَب
العُجاب والداءُ العُضال!
وممَّا يَرُدُّ قولَهم أيضاً: أنَّ النَّقية لا تكون إلا لخوف؟ والخوف قسمان:
الأول: الخوفُ على النفس، وهو مُنْتَفٍ في حقِّ حَضَرَات الأئمة بوجهين:
أحدهما: أنَّ موتهم الطبيعيَّ باختيارهم، كما أثبت هذه المسألةَ الكلينيُّ في
((الكافي)) وعقَد لها باباً، وأجمع عليها سائرُ الإمامية.
وثانيهما: أن الأئمة يكون لهم عِلْمٌ بما كان وما يكون، فهم يعلمون آجالَهم
وكيفيات موتِهم وأوقاته بالتفصيل والتخصيص، فقَبْلَ وَقْتِه لا يخافون على أنفسهم،
ويُتَاقون في دِينهم، ويَغُرُّون عوامَّ المؤمنين.
(١) صُهاك كغراب: من أعلام النساء. التكملة للصاغاني (صهك) والتاج (صهك). ويدعي
الشيعة أن صُهاك هو اسم جدة عمر ظه. ينظر الاحتجاج للطبرسي ص٧٢.

ـرَةُ العمران
١١٦
الآية : ٢٨
القسم الثاني: خوف المَشَقَّةِ والإيذاء البَدَني، والسَّبِّ والشَّتم وهتكِ الحُرمة،
ولا شكَّ أن تحمُّل هذه الأمورِ والصبرَ عليها وظيفةُ الصلحاء، فقد كانوا يتحمَّلون
البلاءَ دائماً في امتثال أوامرِ الله تعالى، وربَّما قابلوا السَّلاطين الجبابرة، وأهلُ
البيت النبويِّ أَولى بتحمُّل الشدائد في نُصرة دِين جدِّهم ◌ََّ.
وأيضاً لو كانت التقيةُ واجبةً لم يتوقف إمامُ الأئمة عن بَيْعة خليفةِ رسول الله وَّهُ
ستةَ أشهر، وماذا منَعَه من أداء الواجب أولَ وَهْلَةٍ؟
وممَّا يَرُدُّ قولَهم في نِسبة الثَّقية إلى الأنبياء عليهم السَّلام بالمعنى الذي
أرادوه (١) قولُه تعالى في حقّهم: ﴿الَّذِينَ يُلِّغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا
إِلَّا اللَهُ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] وقولهُ سبحانه لنبيِّهِ نَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآَ
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتْهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسُِ﴾ [المائدة:
٦٧] إلى غير ذلك من الآيات.
نعم لو أرادوا بالتقية المداراةَ التي أشرنا إليها، لكان لنسبتها إلى الأنبياء
والأئمة وجهٌ، وهذا أحدُ مَحْمَلين لِمَا أخرجه عبد بن حميد عن الحسن أنه قال:
التقيةُ جائزةٌ إلى يوم القيامة(٢). والثاني حَمْلُ الَّقية على ظاهرها، وكونُها جائزةٌ
إنَّما هو على التفصيل الذي ذَكَرْناه.
ومن الناس من أوجب نوعاً من التقية خاصًّا بخواصِّ المؤمنين، وهو حفظ
الأسرار الإلهية عن الإفشاء للأغيار الموجبٍ لمفاسدَ كلِّيةٍ، فتراهم متى سئلوا عن
سرٍّ أَبهموه وتكلَّموا بكلام لو عُرِض على العامة - بل وعلى علمائهم - ما فهموه،
وأَفرغوه بقوالبَ لا يَفْهَمُ المرادَ منها إلا مَن حَسَا من كأسهم، أو تعظَّرَت أرجاءُ
فؤادِهِ من عَبير عَنْبَرِ أنفاسهم، وهذا وإنْ ترتَّب عليه ضلالُ كثيرٍ من الناس، وانجرَّ
إلى الطَّعن بأولئك السَّادةِ الأكياس، حتى رمَى الكثيرَ منهم بالزندقة، وأفتى بقتلهم
مَن سمع كلامَهم وما حقَّقه، إلا أنهم رأوا هذا دون ما يترتَّب على الإنشاء من
(١) في (م): أراده.
(٢) ذكره عن عبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١٦/٢، وعلقه البخاري قبل الحديث
(٦٩٤٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٥٩/١٢.

الآية : ٢٨
١١٧
سُورَةُ العمران
المفاسد التي تعمُّ الأرضَ، وحنانيك، بعضُ الشرِّ أهونُ من بعض، وكتمُ الأسرار
عن أهلها فيه فواتُ خيرٍ عظيم وموجبٌ لعذاب أليم.
وقد يقال: ليس هذا من باب الثَّقية في شيء، إلّا أنَّ القوم تكلَّموا بما طَفَح
على ألسنتِهم وظهرَ على علانيتهم، وكانت المعاني المرادةُ لهم بحيث تَضيقُ عنها
العبارةُ، ولا يحومُ حوْلَ حِماها سوى الإشارة، ومَن حَذَا حذوَهم واقتفى في
التجرُّد أثرَهم، فَهِم ما قالوا، وتحقَّق ما إليه مالوا، ويؤيِّد هذا ما ذكره الشعرانيُّ
قدِّس سِرُّه في ((الدُّرَر المنثورة في بيان زُبَدِ العلوم المشهورة))(١) مما نصّه: وأمَّا زُبْدةُ
علمٍ التصوف الذي وضَع القومُ فِيه رسائلَهم، فهو نتيجةُ العملِ بالكتاب والسُّنَّة،
فمَنَ عمِل بما علِم تكلّم كما تكلَّموا، وصار جميعُ ما قالوه بعضَ ما عنده؛ لأنه
كلَّما ترقَّى العبدُ في باب الأدب مع الله تعالى دقَّ كلامُه على الأفهام، حتى قال
بعضهم لشيخه: إنَّ كلامَ أخي فلان يَدقُّ عَلَيَّ فَهْمُه؟ فقال: لأنَّ لك قميصين وله
قميصٌ واحد، فهو أعلى مرتبةً منك. وهذا هو الذي دعا الفقهاءَ ونحوَهم من أهل
الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن، وليس ذلك بباطن؛ إذ الباطنُ إنَّما هو
علم الله تعالى، وأمَّا جميع ما عَلِمَه الخَلْقُ على اختلاف طبقاتهم فهو من علم
الظاهر؛ لأنَّه ظهر للخلق، فاعلم ذلك. انتهى.
فعلى هذا، الإنكارُ على القوم ليس في محلّه.
﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَةٌ﴾ أي: عقابَ نَفْسِه؛ قاله ابن عباس ﴿ًّا. وفيه تهديدٌ
عظيم مشعِرٌ بتناهي المنهيِّ عنه في القُبح، حيث علَّق التحذيرَ بنفسه.
وإطلاقُ النفْس عليه تعالى بالمعنى الذي أَراده جائزٌ من غير مشاكلةٍ على
الصحيح، وقيل: النفس بمعنى الذَّات، وجوازُ إطلاقه حينئذٍ بلا مشاكلةٍ ممَّا لا كلامَ
فيه عند المتقدِّمين، وقد صرَّح بعضُ المتأخرين بعدم الجواز - وإنْ أُريدَ به الذاتُ -
إلا مشاكلة.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٨َ﴾ أي: المَرْجِعُ. والإظهارُ في مقام الإضمار لتربية
المهابة وإدخال الرَّوعة، قيل: والكلام على حذفِ مضافٍ، أي: إلى حُكمهِ أو
(١) ص٥٦.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١١٨
الآية : ٢٩ و٣٠
جزائه، وليس باللازم. والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قَبْلَه، ومحقِّقٌ لوقوعه
حتماً.
﴿قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: تُسِرُّوا ما في قلوبكم من الضمائر التي من
جملتها ولايةُ الكفَّار، وإنما ذَكَر الصَّدرَ لأنه محلُّ القلب ﴿أَوْ تُّدُوهُ﴾ أي: تُظْهِروه
فيما بينكم ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فيؤاخِذَكم به عند مصيركم إليه، ولا ينفعكم إخفاؤه.
وتقديمُ الإخفاء على الإبداء قد مرَّت الإشارةُ إلى سرِّه(١).
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ من إيراد العامِّ بعد الخاص تأكيداً له
وتقريراً. والجملة مستأنفة غير معطوفةٍ على جواب الشَّرط.
﴿وَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ إثباتٌ لصفة القدرة بعد إثبات صفةِ العلم،
وبذلك يكمل وَجْهُ التَّحذير، فكأنَّه سبحانه قال: ويحذِّركم اللهُ نفسَه؛ لأنَّه مَّصف بعلم
ذاتيٌّ محيطٍ بالمعلومات كلِّها، وقدرةٍ ذاتية شاملةٍ للمقدورات بأسرها، فلا تَجسُرواً
على عِصيانه وموالاةٍ أعدائهِ؛ إذ ما من معصية - خفيةً كانت أو ظاهرة - إلَّا وهو مطّلعٌ
عليها، وقادرٌ على العقاب بها. والإظهار في مقام الإضمار لِمَا علمتَ.
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ من النفوس المكلَّفة ﴿مَا عَيِلَتْ﴾ في الدنيا ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ وإن
كان مثقال ذرة ﴿تُحُضَرًا﴾ لديها، مشاهَداً في الصُّحف. وقيل: ظاهراً في صُوَرٍ .
وقيل: تجدُ جزاءَ أعمالِها محضَراً بأمر الله تعالى. وفيه من التهويل ما ليس في
((حاضراً))، وهو مفعول ثان.
﴿َوَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ﴾ عطف على ((ما عملت))، و((مُحْضَراً)) مُحْضَرٌ فيه معنىّ،
إلا أنه خُصَّ بالذِّكر في ((الخير)) للإشعار بكون الخير مراداً بالذات، وكونِ إحضار
الشرِّ من مقتضيات الحكمة التشريعية، كما قال شيخ الإسلام(٢). وتقديرُ ((محضراً))
في النّظم وحذفُه للاقتصار بقرینة ذِكْره في الأول ممَّا قاله الأكثرون، ویکون من
العطف على المفعولَين وهو جائز، كما في ((الدرِّ المَصُون))(٣)، ولم يَجعلوه من
قبيل: علمتُ زيداً فاضلاً وعمراً، وهو ليس من باب الاقتصار على المفعول
(١) ٥٠٨/٣.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ٢٤/٢.
(٣) ١١٧/٣.

الآية : ٣٠
١١٩
سُورَةُ العَزَانَ
الأول، بل من قبيل: زيد قائم وعمرو، وهو مما حذف فيه الخبرُ كما صرَّحوا به،
فيلزم الاقتصارُ ضرورةً، والفرقُ بين المبتدأ والمفعول في هذا الباب وهمٌ (١).
ولك أن تجعل ((تجد)) بمعنى تُصيب، فيتعدَّى لواحد، و((محضَراً)) حال.
﴿َتَوَهُ﴾ أي: تتمنَّى، وهو عاملٌ في الظرف، أي: تتمنَّى يومَ ذلك ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا
وَبَيْنَهُ﴾ أي: بين ذلك اليوم ﴿أَمَدَّأَ بَعِيدًا﴾. وقيل: الضمير لـ ((ما عملت)) لقُربه،
ولأنَّ اليوم أُحضر فيه الخير والشرُّ، والمتمثَّى بُعْدُ الشرِّ، لا ما فيه مطلقاً،
فلا يَحسن إرجاعُ الضمير لـ ((اليوم))، وإلى ذلك ذهب في ((البحر))(٢)، ورُدَّ بأنه
أبلغُ؛ لأنه يودُّ البُعْدَ بينه وبين اليوم مع ما فيه من الخير؛ لئلا يَرَى ما فيه من
السوء.
والأمد: غايةُ الشيء ومُنتهاه، والفرق بينه وبين الأَبَدِ: أنَّ الأبد مدَّةٌ من الزمان
غيرُ محدودة، والأمد مدةٌ لها حدٌّ مجهول. والمراد هنا: الغايةُ الطويلة. وقيل:
مقدارُ العمر. وقيل: قَدْرُ ما يُذهب به من المشرق إلى المغرب.
وذهب بعضهم (٣) إلى أنَّ المرادَ بالأمد البعيد: المسافةُ البعيدة. ولعلَّه الأظهر،
فالتمنِّي هنا من قبيل التمنِّي في قوله تعالى: ﴿يَلَّتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقِينِ﴾
[الزخرف: ٢٨]. وهذا الذي ذكر في نظم الآية هو ما ذهب إليه كثيرٌ من أئمة
التفسير، وقال أبو حيان(٤): إنه الظاهر في بادئ الرأي، مبنيٌّ على أمرٍ اختلَف
النحاةُ في جوازه، وهو كون الفاعل ضميراً عائداً على ما اتَّصل به معمول الفعل
المتقدِّم، نحو: غلامَ هند ضرَبَتْ هي، والآية من هذا القبيل على ذلك التخريج؛
لأن الفاعل بـ ((تودُّه عائدٌ على شيء اتَّصل بمعمول ((تودُّ»، وهو ((يوم)) لأنه مضافٌ
إلى ((تَجِدُ كل نفس))، والتقدير: تودُّ كلُّ نفسٍ يومَ وِجْدانِها ما عملت من خيرٍ وشرِّ
محضراً لو أنَّ بينها .. إلخ، وجمهورُ البصريين على جواز ذلك، وهو الصحيح،
ومنه قوله :
(١) حاشية الشهاب ٣/ ١٧.
(٢) ٢/ ٤٢٧.
(٣) هو الزمخشري في الكشاف ٤٢٣/١.
(٤) في البحر ٤٢٦/٢.

سُورَةُ الَّغْرَانَ
١٢٠
الآية : ٣٠
أجلَ المرءِ يَسْتَحِثُ ولا يَدْ
ري إذا يبتغي حُصُولَ الأماني(١)
أي: المرء في وقتِ ابتغائه حصول الأماني يَسْتَحِثُّ أجلَه ولا يدري، والفرَّاءُ
والأخفش(٢) وغيره من البصريين على عدم الجواز؛ لأن هذا المعمول فضلةٌ فيجوز
الاستغناءُ عنه، وعَوْدُ الضميرِ على ما اتَّصل به يُخرجه عن ذلك؛ لأنه يلزم ذكر
المعمول ليعودَ الضميرُ الفاعل على ما اتَّصل به، ولا يَخْفَى وهنُه.
وفي الآية أَوْجُهُ أُخَر؛ منها: أنَّ ناصب الظرف ((قدير))، ولا يرِد عليه تقييدُ
قدرتِه سبحانه بذلك اليوم؛ لأنه إذا(٣) قَدَر في مثله عُلِمٍ قُدْرَتُه في غيره بالطريق
الأَولى. ومنها: أنه منصوب بـ ((المصير))، أو باذكروا (٤) أو بـ ((يحذِّركم)) مقدَّراً،
فیکون مفعولاً به، أو بالعقاب المضاف الذي اُشعر به کلامُ ابن عباس
وصرَّحوا بأنه على تقدير تعلُّقه بنحو ((اذكروا))، يجوز في ((ما عملت)) أن يكون
مبتدأً خبرُه جملةُ ((تودُّ)، وأن يكون معطوفاً على ((ما)) الأُولى، وجملةُ ((توُّ) إمَّا
مستأنَفةٌ جواباً لسؤالٍ مقدَّر، كأنَّ سائلاً قال حين أُمروا بذكر ذلك اليوم: فماذا
يكون إذ ذاك؟ فقيل: ((تودُّ لو أنَّ بينها)) إلخ. أو حال من فاعل ((تجد))، أي: اذكروا
يومَ تجدُ كلُّ نفسٍ ما عملت من خير وشرِّ محضراً وادَّةً تباعُدَ ما بينها وبينه.
وجوِّز أن يكون حالاً من ضمير ((عملت)) لقُرْبه.
واعتُرض بأن ((الوداد)» إنمَّا هو وقتَ وِجدانِ العمل حاضراً في الآخرة، لاوقتَ
العمل في الدنيا، والحاليةُ من ضمير ((عملت)) تقتضيه، فلا وجهَ لها .
وأجيب بأنها حالٌ مقدَّرة على معنى: يوم تجد كل نفس كذا مقدَّراً وِدادُه، أي:
حالَ كونه ثابتاً في قَدَرِنا ودادُه، فالودادُ وإنْ لم يكن مقارِناً للعمل، إلا أنَّ كون
الوداد ثابتاً في قَدَر الله تعالى وقضائه مقارنٌ له، وهذا مثل ما قيل في قوله تعالى:
﴿وَبَشَّرْنَهُ بِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢].
(١) البحر ٤٢٧/٢، والدر المصون ١١٦/٣، وحاشية الشهاب ١٧/٣.
(٢) ذكر قولهما: أبو حيان في البحر ٤٢٦/٢ .
(٣) في (م): إذ.
(٤) في (م): بالذكر.