النص المفهرس

صفحات 81-100

الآية : ٢١
٨١
سُورَةُ الِ عُقْرَانَ
﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ﴾ عطف على الجملة الشرطية، والمعنى: فإن
حاجَّك أهلُ الكتاب فقابِلْهم بذلك، فإنْ أَجْدَى فعمِّم الدعوةَ وقل للأَسْوَد والأحمر:
﴿وَأَسْلَمْثُرَّ﴾ متَّبعين لي كما فعَل المؤمنون، فإنه قد جاءكم من الآيات ما يُوجبه
ويَقتضيه، أم أنتم على كفركم بآيات اللهِ تعالى، وإصرارِكم على العناد؟ وهذا
كما تقول إذا لخَّصتَ لسائلٍ مسألةً، ولم تَدَعْ من طرق البيان مسلكاً إلا سلكتَه: فهل
فهمتَها؟ على طَرْزِ: ﴿فَهَلْ أَنُْم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] إثرَ تفصيل الصوارف عن تعاطي
ما حرّم تعاطيه، وفي ذلك تعييرٌ لهم بالمعاندة وقلَّة الإنصاف، وتوبيخٌ بالبلادة
وجمود القريحة. والكثيرون على أنَّ الاستفهامَ للتقرير وفي ضمنه الأمرُ.
ووضع الموصول موضع الضمير لرعاية التقابل بين المتعاطفين. والمراد من
((الأميين)): الذين لا يكتبون من مشركي العرب؛ قاله ابن عباس وغيره.
﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾ أي: اتَّصفوا بالإسلام والدِّين الحقِّ ﴿فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ على تضمين
معنى الخروج، أي: اهتدوا خارجين من الضَّلال، كذا قيل، وبعضُ يفسِّر الاهتداء
باللازم وهو النفع، أي: فقد نفعوا أنفسَهم، قالوا: وسبب إخراجهِ عن ظاهره أنَّ
الإسلام عينُ الاهتداء، فإنْ فُسِّر على الأصل اتَّحد الشرط والجزاء، وفيه منع ظاهر.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْ﴾ أي: أَعْرَضوا عن الإسلام ولم يقبلوا ﴿فَإِنَّا عَلَيْكَ الْبَغُ﴾ قائمٌ
مقام الجواب، أي: لا يضرُّك شيئاً؛ إذ ما عليك إلا البلاغُ وقد أدَّيتَهُ على أكمل
وجهٍ وأَبْلَغِه، وهذا قبل الأمر بالقتال، فهو منسوخ بآية السيف.
· تذييلٌ فيه وعدٌ على الإسلام، ووعيدٌ على التولِّي
﴿وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٥
عنه .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِتَايَتِ اللَّهِ﴾ أيَّةِ آيةٍ كانت، ويَدخل فيهم الكافرون بالآيات
الناطقةِ بِحَقِّيَّة الإسلام دخولاً أوَّلْيّاً. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هم أهلُ الكتاب
الذين كانوا في عصره وَلتر؛ إذ لا معنى الإنذار الماضي.
قال القطب: وإسنادُ القتل إليهم ولم يصدر منهم قتلٌ لوجهين:
أحدهما: أن هذه الطريقة لمَّا كانت طريقةً أسلافهم صحَّت إضافتُها إليهم؛ إذ
صُنْعُ الأبِ قد يُضاف إلى الابن، لا سِيَّما إذا كان راضياً به.
الثاني: أن المراد: من شأنهم القتلُ إن لم يوجد مانع.

سُورَةُ الْ عَنْرَانَ
٨٢
الآية : ٢٢
والتقييدُ بـ ((غير حقٌّ)) لِمَا تقدم، وتُركت ((أل)) هنا دون ما سبق لتفاوت مخرج
الجملتين. وقد مرَّ ما ينفعك في هذه الآية فتذكَّر(١).
وقرأ الحسن: ((يقتّلون النبيين))(٢).
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بالعدل، ولعلَّ تكرير
الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت، أو باختلافهما في الوقت. أخرج ابن
جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ
الناس أشدُّ عذاباً يومَ القيامة؟ قال: ((رجلٌ قتلَ نبيّاً أو رجلاً أمَرَ بالمعروف ونهى
عن المنكر)) ثم قرأ الآية، ثم قال ◌َله: ((يا أبا عبيدة قَتَلتْ بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين
نبيًّا أولَ النهار في ساعةٍ واحدةٍ، فقام مئة رجلٍ وسبعون رجلاً من عُبَّادِ بني إسرائيل
فأمَروا مَن قتلَهم بالمعروف، ونَهَوهم عن المنكر، فقُتلوا جميعاً من آخر النهار من
ذلك اليوم، فهم الذين ذَكَر اللهُ تعالى))(٣).
وقرأ حمزة: ((ويقاتلون الذين))(٤). وقرأ عبد الله: ((وقاتلوا)) وقرأ أبيٍّ: ((ويقتلون
النبيين والذين يأمرون))(٥).
﴿فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ خبر ((إِنَّ)، ودَخَلت الفاءُ فيه لتضمُّن الاسم
معنى الشرط، ولا يمنع الناسخُ الذي لم يغيِّر معنى الابتداء من الدخول، ومتى غيَّر
كـ ((ليت، ولعلَّ)) امتنع ذلك إجماعاً. وسيبويه والأخفش يمنعانه عند النسخ مطلقاً،
فالخبر عندهما قولُه تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الذُّنْيَا وَاْلْآَخِرَةِ﴾
وجملة ((فبشرهم) معترضة بالفاء، كما في قولك: زيدٌ - فافهم - رجلٌ صالح، وقد
صرَّح به النحاة في قوله:
فاعلمْ فعلمُ المرء ينفعه أنْ سوف يأتي كلُّ ما قُدِرا(٦)
(١) ينظر ما سلف ٢١١/٢.
(٢) الكشاف ٤٢٠/١، والبحر ٤١٣/٢ .
(٣) تفسير الطبري٥/ ٢٩١، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٢٠ -٦٢١. قال الحافظ في تخريج
أحاديث الكشاف ص٢٥: فيه أبو الحسن مولى بني أسد، وهو مجهول.
(٤) التيسير ص٨٧، والنشر ٢٣٨/٢.
(٥) قراءة عبد الله وقراءة أبيٍّ في الكشاف ١/ ٤٢٠، والبحر ٤١٤/٢.
(٦) سلف ١/ ٤٢٨.

الآية : ٢٢
٨٣
سُؤَةُ الْعَزَانَ
ومَن لم يفهم هذا قال: إنَّ الفاء جزائية وجوابُها مقدَّمٌ من تأخير، والتقدير:
زيد رجلٌ صالح، وإذا قلنا لك ذلك فافهم.
وعلى الأول هو استئناف(١)، و((أولئك)) مبتدأ، وما فيه من البُعد - على
المشهور - للإيذان ببعد منزلتِهم في فظاعة الحال، والموصول خبرُه، أي: أولئك
المتَّصفون بتلك الصِّفات الشنيعة، الذين بطلَت أعمالهم وسقطت عن حيِّز الاعتبار،
وخَلَت عن الثمرة في الدنيا، حيث لم تُحقَنْ دماؤهم وأموالهم، ولم يَسْتحقُّوا بها
مَدْحاً وثناءً، وفي الآخرة حيث لم تدفع عنهم العذابَ، ولم ينالوا بسببها الثواب،
وهذا شاملٌ للأعمال المتوقِّفة على النية، ولغيرها .
ومن الناس مَن ذهَب إلى أنَّ العمل الغيرَ المتوقّف على النية كالصدقة وصلة
الرَّحم ينتفع به الكافر في الآخرة ولا يحبط بالكفر، فالمراد بالأعمال هنا ما كان
من القسم الأول، وإن أُريدَ ما يشمل القسمين التُزِمَ كونُ هذا الحكم مخصوصاً
بطائفة من الكفار، وهم الموصوفون بما تقدَّم من الصفات، وفيه تأمُّل.
﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّصِينَ (٣) يَنصرونهم من بأس اللهِ تعالى وعذابه في أحدٍ
الدَّارين، وُجُمع ((الناصر)) لرعاية ما وقع في مقابلته، لا لنفي تعدُّدِ الأنصار لكلِّ
واحدٍ منهم، وقد يُدَّعى أن مجيء الجمع هنا أحسن من مجيء المفرد لأنه رأس
آية. والمرادُ من انتفاء ((الناصرين)) انتفاءُ ما يترتَّب على النصر من المنافع والفوائد،
وإذا انتفت من جمعٍ فانتفاؤها من واحدٍ أولى.
ثم إن هذا الحكم وإن كان عامًّا لسائر الكفار كما يؤذِن به قوله تعالى: ﴿وَمَا
لِلّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] إلا أنَّ له هنا موقعاً، حيث إن هؤلاء الكَفَرةَ
وُصِفوا بأنهم يقتلون الذين يأمرون بالقسط - وهم ناصِرو الحقِّ، على ما أشار إليه
الحديث(٢) - ولا يوجد فيهم ناصرٌ يَحول بينهم وبين قتلٍ أولئك الكرام؛ فقُوبلوا
لذلك بعذابٍ لا ناصرَ لهم منه، ولا معينَ لهم فيه .
ومن الناس مَن زعمَ أنَّ في الآية مقابلةَ ثلاثة أشياءٍ بثلاثة أشياء: الكفر بالعذاب،
وقتل الأنبياء بحبْطِ الأعمال، وقتل الآمرين بانتفاء الناصر، وهو كما ترى.
(١) أي: جملة ((أولئك .. إلخ)) استئناف على القول بأن جملة ((فبشرهم)) هي خبر ((إن)). ينظر
تفسير أبي السعود ٢٠/٢.
(٢) يعني حديث أبي عبيدة ◌َه الذي سلف قريباً.

سُورَةُ العَقْرَانَ
٨٤
الآية : ٢٣
﴿أَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ﴾ تعجيبٌ للنبيِّ وَّهِ أو لكلِّ مَن يتأتَّى
منه الرؤيةُ من حالِ أهل الكتاب، وأنهم إذا عضَّتهم الحجَّةُ فرُّوا إلى الضجَّة،
وأعرَضوا عن المَحَجَّة. وفيه تقريرٌ لِما سبق من أنَّ الاختلاف إنَّما كان بعد مجيء
العلم.
وقيل: إنه تنويرٌ لنفي الناصر لهم حيث يصيرون مغلوبين عند تحكيم كتابهم.
والمراد بالموصول: اليهود، وبالنصيب: الحظّ. و((مِن)) إمّا للتبعيض، وإمّا
للبيان على معنى: نصيباً هو الكتاب، أو نصيباً منه؛ لأن الوصول إلى ◌ُنهِ كلامهِ
تعالى متعذِّر، فإنْ جعل بياناً كان المراد إنزالَ الكتاب عليهم، وإن جعل تبعيضاً
كان المراد هدايتهم إلى فَهْم ما فيه. وعلى التقديرين اللامُ في ((الكتاب)) للعهد،
والمراد به التوراة، وهو المرَويُّ عن كثير من السَّلف. والتنوين للتكثير.
وجوِّز أن يكون اللام في ((الكتاب)) للعهد، والمراد به اللوح. وأن يكون
للجنس، وعليه: النصيب: التوراةُ. و((مِن)) للابتداء في الأول ويحتملها، والتبعيضٍ
في الثاني، والتنوينُ للتعظيم، ولك أن تجعله على الوجه السَّابق أيضاً كذلك.
وجوِّز - على تقدير أن يراد بالنصيب ما حصل لهم من العلم - أن يكون التنوين
للتحقير. واعتُرض بأنه لا يساعده مقامُ المبالغة في تقبيح حالِهم؟ وأجيب بأنه
يحتمل أن يكون المقصود تعبيرَهم بتمرُّدهم واستكبارهم بالنصيب الحقيرِ عن متابعة
مَن له علمٌ لا يوازنهُ علومُ المرسلين كلِّهم.
والتعبير عمَّا أوتوه بالنصيب؛ للإشعار بكمال اختصاصه بهم، وكونِه حقًّا من
حقوقهم التي يجب مراعاتها والعمل بموجبها .
وقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَ كِنَبِ اللهِ﴾ إمَّا جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لمحلِّ التعَجُّب،
وإمّا حالٌ من الموصول، والمراد بكتاب اللهِ التوراةُ، والإظهار في مقام الإضمار
لإيجاب الإجابة، والإضافةُ للتشريف وتأكيدٍ وجوبِ المراجعة، وإلى ذلك ذهب
ابن عباس رضي وغيره.
وقد أخرج ابن إسحاق وجماعةٌ عنه قال: دخلَ رسولُ اللهِ وََّ بِيتَ المِدْراس
على جماعةٍ من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال النعمان بن عمرو والحارث بن
زيد: على أيِّ دِينٍ أنت يا محمد؟ قال: ((على ملَّة إبراهيم ودِينِه)) قالا: فإنَّ إبراهيم

الآية : ٢٣
٨٥
سُورَةُ الْعَنْزَانَ
كان يهوديّاً؟ فقال لهما رسولُ اللهِ وَله: ((فهلمًا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم))
فأبَيا عليه، فأنَزَل اللهُ تعالى الآية(١).
وفي ((البحر)): زَنَى رجلٌ من اليهود بامرأة ولم يكن بعدُ في ديننا الرجمُ، فتحاكموا
إلى رسول الله ◌َ ﴿ تخفيفاً على الزانيين لشرفهما، فقال رسول الله وَلجر: ((إنما أحكمُ
بكتابكم)) فأنكروا الرجمَ، فجيء بالتوراة، فوضع حبرُهم ابنُ صوريا يدَه على آية
الرَّجم، فقال عبدُ الله بن سلام: جاوزها يا رسول الله. فأظهرَها، فرجما، فغضبت
اليهودُ فنزلت(٢). وهو المرويُّ عن ابن جريج، وحكي عن ابن عباس ◌َؤُها أيضاً.
وذهب الحسنُ وقتادة إلى أنَّ المراد بكتاب الله تعالى القرآنُ، دُعوا إليه لأنَّ
ما فيه موافقٌ لِما في التوراة من أصول الدِّيانة وأركان الشريعة، والصِّفةِ التي تقدَّمت
البشارةُ بها، أو لأنهم لا يَشكُّون في أنه كتاب الله تعالى المنزَّل على خاتم رسله.
﴿لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قيل: أي: ليَفصل الحقَّ من الباطل بين الذين أوتوا وهم
اليهود، وبين الداعي لهم وهو النبيُّ ◌َّز، في أمر إبراهيم عليه السلام، أو في حكم
الرجم، أو في شأن الإسلام، أو بين مَن أسلم منهم ومَن لم يسلم، حيثُ وقع
بينهم اختلاف في الدِّين الحقِّ، وعلى هذا - وهو المرضيُّ عند البعض وإن لم يوافق
سببَ النزول، وربَّما أحوجَ إلى ارتكاب مجازٍ في مرجعِ الضمير - لا يتعيَّنُ أن يكون
الداعي رسول الله ێ .
وقرئ: ((ليُحْكم)) على البناء للمفعول(٣)، ونسب ذلك إلى أبي حنيفة.
﴿ُمَّ يَتَوَلَّى فَرِقٌ مِنْهُمْ﴾ عطف على (يُدْعَوْن))، و((ثم)) للتراخي الرُّتبي، وفيه استبعادُ
تولِّيهم بعد علمهم بوجوب الرجوع إليه، و((منهم)) صفة لـ ((فريق))، ولعلَّ المراد بهذا
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٢-٥٥٣، وأخرجه الطبري ٢٩٣/٥ و٢٩٤. وفي إسناده محمد بن
أبي محمد مولى زيد بن ثابت وهو مجهول الحال كما في التقريب. قوله: بيت المذراس،
هو البيت الذي يدرسون فيه. النهاية (درس).
(٢) البحر ٤١٦/٢ عن الكلبي، وذكره عنه الواحدي في أسباب النزول ص ٩٣. مختصراً.
وأخرجه بنحوه البخاري (٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩) من حديث ابن عمر ◌ًا دون ذكر نزول
الآية.
(٣) هي قراءة أبي جعفر. النشر ٢٢٧/٢.

سُورَةُ العمران
٨٦
الآية : ٢٤
الفريق أكثرُهم علماً؛ ليُعلم تَولِّي سائرِهم من باب الأولى، قيل: وهذا سبب العدول
عن ((ثم يتولون). وقيل: الذين لم يُسْلموا، ووجهُ العدول عليه ظاهرٌ، فتدبَّر.
٣)﴾ جوِّز أن تكون صفةً معطوفة على الصِّفة قبلها، فالواو
﴿وَهُم مُّعْرِضُونَ
٢٣
للعطف، وأن تكون في محلِّ نصب على الحال من الضمير المستكِنُّ في ((منهم))،
أو من ((فريق)) لتخصيصه بالصِّفة، فالواو حينئذٍ للحال وهي إما مؤكِّدة لأنَّ التولِّيَ
والإعراضَ بمعنّى، وإمَّا مبيّنة؛ لاختلاف متعلِّقيهما بناءً على ما قيل: إنَّ التولِّي عن
الدَّاعي والإعراضَ عن المدعوِّ إليه، أو التولِّي بالبدن والإعراض بالقلب، أو الأول
كان من العلماء والثاني من أتباعهم.
وجوِّز أن لا يكون لها محلٌّ من الإعراب، بأن تكون تذييلاً أو معترضة،
والمراد: وهم قوم دَيدَنُهم الإعراض. وبعضهم فسَّر الجملة بهذا مع اعتبار الحالية،
ولعلَّه رأى أنه لا يمنع عنها .
﴿ذَلِكَ﴾ أي المذكور من التولِّي والإعراض، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى:
﴿بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ أي: حاصلٌ لهم بسبب هذا القول
الذي رَسَخ اعتقادهم له، وهوَّنوا به الخطوب، ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي
والذنوب. والمراد بالأيام المعدودات أيامُ عبادتِهم العِجْلَ، وجاء هنا ((معدودات))
بصيغة الجمع دون ما في ((البقرة))، فإنه ﴿مَعْدُودَةٌ﴾ [الآية: ٨٠] بصيغة المفرد،
تفتُّناً في التعبير، وذلك لأن جمع التكسير لغير العاقل يجوز أن يُعامل معاملة
الواحدة المؤنثة تارةً ومعاملة جمع الإناث أخرى، فيقال: هذه جبالٌ راسية، وإن
شئت قلت: راسيات، وجمالٌ ماشيةٌ، وإن شئت: ماشيات. وخصَّ الجمع هنا
لِمَا فيه من الدلالة على القلّة كموصوفه، وذلك أليقُ بمقام التعجيب والتشنيع.
﴿وَغَّهُمْ فِي دِينِهِمْ﴾ أي: أَظْمَعَهم في غير مَظْمَع وخَدعهم ﴿مَّا كَانُوا يَفْتَُّونَ
أي: افتراؤهم وكذبُهم، أو الذي كانوا يَفترونه من قولهم: ((لن تمسَّنا النار)) إلخ؛ قاله
مجاهد. أو من قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ﴾ [المائدة: ١٨] قاله قتادة. أو مما يشمل
ذلك ونحوَه من قولهم: إنَّ آباءنا الأنبياء يَشفعون لنا، وإن الله تعالى وعَد يعقوبَ أنْ
لا يعذِّب أبناءه إلا تحلَّة القسم. والظرف متعلِّق بما عنده، أو بـ ((يفترون)). واعترضه
الخطيبُ بأن ما بعدَ الموصول لا يعمل فيما قبلَه. وأجيب بالتوسُّع.

الآية : ٢٥ و ٢٦
٨٧
سُورَةُ العَمَرَانَ
﴿فَكَيْفَ﴾ استعظامٌ وتهويل وهدمٌ لِما استَنَدوا إليه، وكلمة الاستفهام في موضع
نصب على الحال، والعاملُ فيه محذوف؛ أي: کیف تكون حالهم(١)، أو: كيف
يصنعون، أو: كيف يكونون. وجوِّز أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي: كيف
حالُهم.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَمَعْنَهُمْ﴾ ظرف محضِّ من غيرِ تضمينٍ شرطٍ، والعامل فيه
العامل في ((كيف)) إنْ قدِّر أنها منصوبة بفعل مقدَّر، وإن قلنا: إنها خبرٌ لمبتدأ
مضمرَ، كان العاملُ في ((إذا)) ذلك المقدَّر، أي: كيف حالهم في وقت جمعهم
﴿لِيَوْمٍ﴾ أي: في يومٍ، أو: لجزاءِ يومِ ﴿لَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: في وقوعه ووقوعٍ ما فيه،
روي أنَّ أول رايةٍ ترفّع لأهل الموقف من رايات الكفار رايةُ اليهود، فيفضَحُهم الله
تعالى على رؤوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار(٢).
﴿وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ أي: ما عملت من خير أو شرٍّ، والمرادُ:
جزاءَ ذلك، إلا أنه أقيم المكسوبُ مقامَ جزائه؛ إيذاناً بكمال الاتصال والتلازم
بينهما، حتى كأنهما شيء واحد.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (9)﴾ شيئاً، فلا يُنقَصون من ثوابهم، ولا يُزادون في
عذابهم، بل يُعطى كلٌّ منهم مقدار ما كسبه، والضمير راجعٌ إلى كلِّ إنسان، المُشْعِرِ
به «كلُّ نفس))، و((كلّ)) يجوز مراعاةُ معناه فيجمع ضميره، ووجه التذكير ظاهرٌ.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ تأكيدٌ لِمَا تُشْعِرُ به الآية السابقةُ من مزيد عظمته تعالى
وعظيمٍ قدرته، وفيه أيضاً إفحامٌ لمَن كذَّب النبيَّ وَّهِ وردَّ عليه، لا سِيَّما المنافقين
الذين هم أسوأ حالاً من اليهود والنصارى، وبشارةٌ له وَ ﴿ بالغَلَبة الحسية على مَن
خالفه، كغلبته بالحُجَّة على مَن جادله، وبهذا تنتظم هذه الآيةُ الكريمة بما قبلها .
روى الواحديُّ عن ابن عباس وأنس بن مالك، أنه لمَّا افتتح رسولُ اللهِ وَلخير
مكةَ وعدَ أُمته ملك فارس والروم، فقالت المنافقون واليهود: هيهات هيهاتَ، من
(١) وهذا على تقدير الكون تاماً، أما على تقديره ناقصاً فإن (كيف)) تكون في محل نصب خبر.
الدر المصون ٣/ ٩٧.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف١/ ٤٢١، والبيضاوي في تفسيره ٢/ ١١، وأبو السعود ٢/ ١٢.

سُورَةُ الغَزَانَ
٨٨
الآية : ٢٦
أين لمحمد ملكُ فارس والروم؟! هم أعزُّ وأَمْنَعُ من ذلك، ألَمْ يَكْفِ محمداً مكة
والمدينة حتى يطمعَ في ملك فارس والروم؟! فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ(١).
وروى أبو إسحاق(٢) الثعالبي، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال:
حدثني أبي، عن أبيه، قال: خطَّ رسولُ الله وَلِّ الخندق عامَ الأحزاب، ثم قطع
لكلِّ عشرة أربعين ذراعاً، قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان الفارسي وحذيفةٌ
والنعمان بن مقرِّن المزني وستةٌ من الأنصار في أربعين ذراعاً، فحفرنا، فأخرج الله
تعالى من بطن الخندق صخرةً مدوَّرةً كسرت حديدنا وشقَّت علينا، فقلنا:
يا سليمان، ارْقَ إلى رسول الله وَّهِ وأخبره خبرَ هذه الصخرة، فإمَّا أنْ نَعْدِلَ عنها،
أو يأمرنا فيها بأمره، فإنَّا لا نحبُّ أن نجاوز خطَّه. قال: فرَقَي سلمانُ إلى
رسول الله وَّه وهو ضاربٌ عليه قُبَّةً تُركيةً، فقال: يا رسول الله، خرَجت صخرةٌ
بيضاء مدوَّرةٌ من بطن الخندق، وكسرت حديدنا وشقَّت علينا حتى ما يَحيك فيها
قليل ولا كثير، فمُرنا فيها بأمرٍ، فإنا لا نحبُّ أن نجاوز خطَّك. فهبط رسول الله وَلَيهل
مع سلمان الخندقَ والتسعةُ على شفير الخندق، فأخذَ رسول الله وَّهِ المِعولَ من
سلمان، فضربها ضربةً صدَعها، وبرَقَ منها برقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها، حتى لكأنَّ
مصباحاً في جوف بيت مظلم، وكَبَّر رسولُ الله وَّر تكبيرةَ فتحٍ، فَكَّر المسلمون، ثم
ضربها وَّه الثانيةَ فبرقَ منها برقٌ أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأنَّ مصباحاً في جوف
بيت مظلم، وكَبَّر ◌َّ تكبيرة فتح، وكَبَّرَ المسلمون، ثم ضربها عليه الصلاة والسلام
الثالثة فكسرها وبرق منها برقٌ كَذلك، فكبر ◌َّهِ تكبيرَ فتح، وكَبَّر المسلمون، وأخذ
بيد سلمان ورَقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد رأيتُ شيئاً
ما رأيت مثلَه قظً! فالتفت رسول الله وَيقول إلى القوم، فقال: ((رأيتم ما يقول
سلمان؟)) قالوا: نعم يا رسول الله. قال: ((ضربتُ ضربتي الأولى فبَرَق الذي رأيتم،
أضاءت لي منها قصورُ الحيرة ومدائنُ کسری کأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل
أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ الثانية فبرق لي الذي رأيتم، أضاءت لي منها
(١) أسباب النزول للواحدي ص ٩٣، والكشاف ٤٢١/١. قال الحافظ في تخريج أحاديث
الکشاف ص٢٥: لم أجد له إسناداً.
(٢) في الأصل و(م): أبو الحسن، وهو خطأ، وينظر التعليق الذي بعده.

الآية : ٢٦
٨٩
سُورَةُ الِ عُقْرَانَ
القصورُ الحمر من أرض الروم كأنَّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي
ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتي الثالثة، فبرق لي الذي رأيتم، أضاءت لي منها
قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها،
فأبشِروا)) فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله، موعد صدق، وُعِدنا النصر بعد
الحصر. فقال المنافقون: ألا تعجبون، يَعِدُكم الباطلَ ويُخبركم أنه يبصر من يثربَ
قصورَ الحيرةِ ومدائنَ كسرى، وأنها تُفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من
الفَرَق، لا تستطيعون أن تَبْرُزو! للقتال؟ فأنزل الله تعالى القرآن ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] وأنزل هذه الآية
﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ إلخ(١) .
وأصل ((اللهم)): يا ألله، فحذفت ((يا)) وعوِّض عنها الميم، وأوثرت لقربها من
الواو التي هي حرفُ علَّة، وشدِّدت لكونها عوضاً عن حرفين. وجَمْعُها مع (یا))
كما في قوله:
إنِّي إذا ما حدَثٌ أَلَما
أقولُ يا اللهُمَّ يا اللهُمَّ(٢)
شاذٌّ، وهذا من خصائص الاسم الجليل، کعدم حذفِ حرفِ النداءِ منه من غير
ميم، ودخوله عليه مع حرف التعريف، وقطع همزته، ودخولِ تاء القسم عليه،
(١) تفسير أبي إسحاق الثعلبي ٣/ ٤٠، ومن طريقه أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٩٤-
٩٦، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٨٢/٤-٨٤، والطبري ٣٩/١٩-٤٢ من طريق كثير بن
عبد الله به، دون ذكر آية آل عمران. وكثير قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف أفرط من
نسبه إلى الكذب. اهـ. وقصة الصخرة أخرجها النسائي في المجتبى ٤٣/٦ من حديث
سلمان . وأخرجها أحمد (١٨٦٩٤)، والنسائي في الكبرى (٨٨٠٧) من حديث
البراء مصـ
(٢) نسب هذا الرجز أبو زيد في نوادره ص ١٦٥، والعيني في شرح الشواهد الكبرى على هامش
الخزانة ٢١٦/٤ لأبي خراش الهذلي، وردّ هذه النسبة البغدادي في الخزانة ٢٩٥/٢ وقال:
لا يعرف قائله ولا بقيَّته. وهو دون نسبة في الزاهر لابن الأنباري ٥١/١، وسر صناعة
الإعراب لابن جني ٤١٩/١ و٤٣٠، وتهذيب اللغة ٤٢٦/٦، وشرح المفصل ١٦/٢،
وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣٤٠، والإنصاف ٣٤١/١.

سُورَةُ الَّعْرَانَ
٩٠
الآية : ٢٦
واللامٍ في القسم التعجُّبي نحو: للهُ لا يؤخّر الأجلُ!، ودخول ((ايمن)) و(يمين)) عليه
في القسم أيضاً، وميم في ((م)) ((الله))، ووقوع همزة الاستفهام خلفاً عن حرف القسم
نحو: آللهِ، وحرف التنبيه في نحو: لا ها اللهِ ذا(١)، وغير ذلك، فسبحانه من إلهٍ كلَّ
شأنه غريب.
وزعم الكوفيون أنَّ أصله: يا الله أُمَّنا بخير، أي: اقصُدْنا به، فخفّف بحذف
حرف النداء ومتعلِّقاتِ الفعل وهمزتهِ، ويجوز الجمع عندهم بین ((يا)) والميم
بلا بأسٍ. ولا يخفى ما فيه، ويقتضي أنْ لا يلي هذه الكلمة أمرٌ دعائي آخر
إلا بتكلَّفِ الإبدال من ذلك الفعل، أو العطفِ عليه بإسقاط حرف العطف.
و(أل)) في (المُلْكِ)) للجنس أو الاستغراق، و((المُلْك)) بالضم ـ على ما ذكره
بعضُ أئمة التحقيق - نسبة بين مَن قام به ومَن تعلَّق، وإن شئت قلت: صفة قائمةٌ
بذاته، متعلِّقة بالغير تعلُّق التصرُّف التام المقتضي استغناء المتصرِّف وافتقارَ
المتصرَّف فيه؛ ولهذا لم يصحَّ على الإطلاق إلَّا لله تعالى جَدُّهُ، وهو أخصُّ من
المِلْك بالكسر؛ لأنه تعلّق باستيلاء مع ضبط، وتمكّن من التصرف في الموضوع
اللغوي، وبزيادة كونه حقًّا في الشرع من غير نظر إلى استغناء وافتقار، فـ ((مالك
الملك)» هو المَلِكُ الحقيقيُّ المتصرِّف بما شاء كيف شاء إيجاداً وإعداماً، إحياءً
وإماتة، وتعذيباً وإثابة، من غير مشارِك ولا ممانع، ولهذا لا يقال: مَلِك المُلْكِ،
إلا على ضربٍ من التجوُّز، وحملُ ((الملك)) على هذا المعنى أوفقُ بمقام المدح.
وقيل: المراد منه النبوة، وإليه ذهب مجاهد. وقيل: المال والعبيد. وقيل:
الدنيا والآخرة.
وانتصاب ((مالك)» على الوصفية عند المبرِّد والزجَّاج(٢)، وسيبويه(٣) يوجب كونَه
(١) قال المبرد في المقتضب ٣٢١/٢-٣٢٢: واعلم أن للقسم تعويضات من أدواته ... فمن
هذه الحروف الهاء التي هي للتنبيه؛ تقول: لا ها اللهِ ذا، وإن شئت قلت: لا هلّلهِ ذا،
فتكون في موضع الواو إذا قلت: والله. فأما قولك: ((ذا))، فهو الشيء الذي تقسم به،
فالتقدير: لا والله هذا ما أقسم به، فحذفتَ الخبر لعلم السامعين به.
(٢) المقتضب ٢٣٩/٤، ومعاني القرآن للزجاج ٣٩٤/١.
(٣) ينظر الكتاب ١٩٦/٢ -١٩٧.

الآية : ٢٦
٩١
سُورَةُ الَّعْرَانَ
نداءً ثانياً، ولا يجوز أن يكون صفة لـ ((اللهم))؛ لأنه لاتصال الميم به أَشْبَه أسماء
الأصوات، وهي لا توصف.
ونُقض دلیل سیبویه بـ (سیبویه))؛ فإنه مع كونه فيه اسم صوت يوصف.
وأجيب: بأن اسم الصوت ترگّب معه وصار کبعض حروف الكلمة، بخلاف
ما نحن فيه، ومن هنا قال أبو علي(١): قولُ سيبويه عندي أصحُّ؛ لأنه ليس في الأسماء
الموصوفة شيء على حدِّ ((اللهم)) ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل في حيِّز
ما لا يوصف، نحو: حَيَّهل، فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم فلم يوصف.
والعلَّامة التَّفْتَازاني على هذا، وأيِّد أيضاً بأن وقوع خَلَفِ حرفِ النداء بين الموصوف
والصفة كوقوع حرف النداء بينهما، فلو جاز الوصفُ لكان مكان الخلف بعده.
﴿ِتُؤْنِ اَلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾ جملةٌ مستأنفةُ مبيّنة لبعض وجوه التصرُّف الذي
يستدعيه مالكيةُ الملك، وجوِّز جَعْلُها حالاً من المنادى، وفي انتصاب الحال عنه
خلاف، وصحّح الجواز لأنه مفعول به، والحالُ تأتي منه كما تأتي من الفاعل،
وجَعْلُ الجملةِ خبراً لمبتدأ محذوف، أي: أنت تؤتي - وإن اختاره أبو البقاء(٢).
لیس فیہ کثیرُ نفع.
﴿وَتَنِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَآءُ﴾ عطف على ((تؤتي)) وحكمُه حكمُه، ومفعول ((تشاء))
في الموضعين محذوفٌ، أي: مَن تشاءُ إيتاءَه إياه، وممَّن تشاءُ نَزْعَه منه، و((الملك))
الثالث هو الثاني، واللام فيهما للجنس، أو العهد، وليسا هما عينَ الأول؛ لأنَّ
الأول عند المحقّقين حقيقيٍّ عامٌّ، ومملوكيتُه حقيقية، والآخران مَجازيَّان خاصَّان،
ونسبتهما إلى صاحبهما مجازيةٌ.
واعتبرَ بعضُهم في التفرقة كونَ المرادِ من الأول الجميع، ومن الآخَرَينِ
البعض؛ ضرورةً أن المُؤْتَى لا يمكن أن يكون الجميع، والمنزوع هو ذاك لأنه
معرفة معادة، ويراد بها - إنْ لم يمنع مانعٌ - عينُ الأول، ولأنه إذا لم يُمْكِنْ إيتاءُ
الكلِّ لم يُمكن نزعُ الكلِّ؛ لأن الثاني مسبوق بالأول.
(١) هو الفارسي، وكلامه في المحرر الوجيز ٤١٧/١، والدر المصون ١٠٠/٣-١٠١.
(٢) في الإملاء ٢/ ٥٠.

سُورَةُ العَمَانَ
٩٢
الآية : ٢٦
ومن الناس مَن حمل ((الملك)) هنا على النبوة، ومعنى نَزْعِها هنا: نقلُها من قوم
إلى قوم، أي: تؤتي النبوة بني إسرائيل، وتنقلها منهم إلى العرب.
وقيل: المعنى: تعطي أسباب الدنيا محمداً وَّهِ وأُمَّتَه، وتسلبها من الروم
وفارس، فلا تقوم الساعة حتى يفتح(١) بلادهم ويملك ما في أيديهم المسلمون؛
وروي ذلك عن الكلبي. وقيل: تنزعه من صناديد قريش.
﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَآءُ﴾ أن تعزَّه في الدنيا أو الآخرة (٢)، أو فيهما، بالنصر والتوفيق.
﴿وَتُذِلُ مَن تَشَدٌَ﴾ أن تذلَّه في إحداهما، أو فيهما، من غير ممانعة الغير.
وقيل: المراد: تعزُّ محمداً وَلّهِ وأصحابَه بأن تدخلَهم مكة ظاهرين، وتُذلُّ
أبا جهلٍ وأضغاثَ الشركِ بالقتل والإلقاء في القَلِيب.
وقال عطاء: تعزُّ المهاجرين والأنصار، وتذلُّ فارس والروم.
وقيل: تعزُّ المؤمنين بالظّفَر والغنيمة، وتذلُّ اليهود بالقتل والجزية.
وقيل: تعزُّ بالإخلاص، وتذلُّ بالرِّياء. وقيل: تعزُّ الأحباب بالجنَّة والرؤية،
وتذلُّ الأعداء بالنَّار والحِجاب. وقيل: تعزُّ بالقناعة والرِّضا، وتذلُّ بالحرص
والطمع. وقيل وقيل، وينبغي حملُ سائر الأقوال على التمثيل؛ لأنه لا مخصِّص في
الآية.
و ((تعزُّ» مضارعُ أَعَزَ ضدّ أذلَّ. والمجرَّدُ من الهمزة منه: عَزَّ، ومضارعُه يَعِزُّ
بكسر العين، ومنه ما في دعاء قنوت الشافعية، وله استعمالان آخران: الضم
والفتح، وقد نَظَم ذلك الإمام السُّيوطيُّ بقوله:
يا قارئاً كُتُبَ الآدابِ كُنْ يَقِظاً
وحَرِّرِ الفَرْقَ في الأفعال تَحريرا
تَثْليثُ عينٍ بِفَرْقٍ جاء مشهوراً
(عَزَّ» المُضاعَفُ يأتي في مضارعه
كذا: كَرُمْت علينا، جاء مكسورا
فما كـ: قَلَّ، وضِدّ الذلِّ مع عِظمٍ
فافتَحْ مضارِعَهُ إن كنت نِخْریرا
وما كـ: عَزَّ علينا الحال، أيْ: صَعُبَتْ
(١) في (م) تفتح.
(٢) في (م): والآخرة.

الآية : ٢٦
٩٣
سُورَةُ العَمَانَ
واضْمُمْ مضارعَ فِعْلٍ ليس مقصورا
وهذه الخمسة الأفعال لازمةٌ
أَعَنْتَهُ، فَكِلا ذا جاء مأثورا
عَزَزْت زيداً، بمَعْنى: قد غَلَبت، كذا
يَعِزُّ يارَب مَن عادَيْت، مكسورا
وقُلْ إذا كُنت في ذِكْرِ القنوتِ: ولا
لكَ الصَّواب وأَبْدَوا فيه تذكيرا(١)
واشكر لأهل علومِ الشرعٍ إِذْ شَرَحوا
﴿ِيَدِكَ الْخَيْرِّ﴾ جملة مستأنفة، وأجراها بعضُهم على طِرْزِ ما قَبْلَها. وتعريفُ
الخير للتعميم، وتقديمُ الخبر للتخصيص، أي: بيدك التي لا يُكْتَنه ◌ُنهها، وبقدرتك
التي لا يُقْدَر قَدْرُها، الخيرُ كلُّه، تتصرَّف به أنت وحدَك حَسْبَ مشيئتك، لا يتصرَّف
به أحدٌ غيرُك، ولا يملكه أحدٌ سواك.
وإنما خصَّ الخيرَ بالذِّكر تعليماً لمراعاة الأدب، وإلا فذِكْرُ الإعزاز والإذلال يدلُّ
على أن الخير والشرَّ كلاهما بيده سبحانه، وكذا قوله تعالى المَسوقُ لتعليل ما سبق
فلا يبعد أن تكون الآية من باب الاكتفاء.
وتحقيقِه: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (يَا﴾
وقيل: إنما اقتصر عليه لِما أنَّ سبب نزول الآية ما آتى الله تعالى نبيَّه وَّ من
البشارة بالفتوح وترادُف الخيرات.
وقيل: لِما أن الأشياء باعتبار الشرِّ وعدمِه تنقسم إلى خمسة أقسام:
الأول: مالا شرَّ فیه أصلاً.
والثاني: ما يغلب خيرُه على شرِّه.
والثالث: ما يكون شرًّا محضاً.
والرابع: ما يكون شرُّه غالباً على خيره.
والخامس: ما يتساوى الخير والشرُّ فيه.
والموجودُ من هذه الأقسام في العالم القسم الأول والثاني. والشرُّ الذي فيه غيرُ
مقصود بالذات، بل إنما قضاه اللهُ تعالى لحكمةٍ بالغة، وهو وسيلةٌ إلى خيرٍ أعظمَ
وأعمَّ نفعاً، والشرُّ اليسير متى كان وسيلةً إلى الخير الكثير، كان ارتكابه مصلحةً
(١) ذكر هذه الأبيات عن السيوطي الدمياطي في إغاثة الطالبين ١٥٩/١.

سُورَةُ العَقْرَانَ
٩٤
الآية : ٢٦
تقتضيها الحكمةُ ولا يأباها الكرَم المطلقُ، ألا ترى أن الفصد والحجامة، وشُرْبَ
الدواء الكريهِ، وقَطْعَ السلعة، ونحوَها من الأمور المؤلمة، لكونه وسيلةً إلى حصول
الصِّحة يَحْسُنُ ارتكابه في مقتضى الحكمة، ويعدُّ خيراً لا شرًّا، وصحةً لا مرضاً،
وكلُّ قضاء الله تعالى بما نراه شرًّا من هذا القبيل، ولهذا ورد في الحديث:
((لا تَتَّهم الله على نفسك))(١) وورد: ((لا تَكْرَهوا الفتنَ فإنَّ فيها حصادَ المنافقين))(٢).
وجاء: ((لو لم تُذنبوا لَخِفتُ عليكم ما هو أكْبَرُ من ذلك العُجْبَ العجبَ))(٣).
ومن هنا قيل: يا من إفسادُه صلاحٌ. فما قدِّر من المفاسد لتضمُّنه المصالحَ
العظيمة، اغتُّفِرِ ذلك القدرُ اليسير في جنبها؛ لكونه وسيلةً إليها، وما أدى إلى الخير
فهو خيرٌ. فكلُّ شرٍّ قدَّره اللهُ تعالى، لكونه لم يُقصد بالذَّات؛ لأن أحكام القضاء
والقدر - كما قالوا - جاريةٌ على سَنَن ما اتفقت عليه الشرائعُ كلَّها من النظر إلى
جلب المصالح وذبِّ المفاسد، بل بالعَرَض لما يستلزمه من الخير الأعظم والنفع
الأتم = يصدقُ عليه بهذا الاعتبار أنه خير، فدخل في قوله سبحانه: ﴿بِيَدِكَ
الْخَيْرٌ﴾، فلذا اقتصر على الخير على وجهِ أنه شاملٌ لِما قُصد أصلاً، ولِما وقَع
استلزاماً، وهذا من باب: ليس في الإمكان أبدعُ مما كان. وقد دَرَج حكماءُ
الإسلام عليه، ولا يُعبأ بمن وجَّه سهامَ الطّعنِ إليه.
وفي ((شرح الهياكل)) (٤): أنَّ الشرَّ مقضيٍّ بالعَرَض وصادرٌ بالتَّبع، لِمَا أنَّ بعضَ
ما يتضمَّن الخيرات الكثيرة قد يستلزم الشرَّ القليل، فكان تركُ الخيرات الكثيرة
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٧٨١٤) عن عمرو بن العاص به، قال السندي كما في
حاشية المسند: كأن المراد: فوِّض أمرك إليه، ثم لا تَرَيَّنَّه فَعَلَ بك شيئاً من الشدة من غير
استحقاق منك به، أي فوّض أمرك إليه، ثم كن راضياً منه بما فعل.
(٢) ذكره الحافظ في التهذيب ٢/ ٤٥٥ في ترجمة عبد الله بن وهب، وذكر أنه قيل لابن
وهب: إن فلاناً يحدث عنك عن النبي وَل قال: ((لا تكرهوا ... )) فقال ابن وهب:
أعماه الله إن كان كاذباً، فذُكر أن الرجل عمي. وأخرج نحوه أبو نعيم في طبقات
المحدثين بأصبهان ٥٤١/٣ من حديث علي حه؛ ولفظه: ((لا تكرهوا الفتنة آخر الزمان
فإنها تُبين المنافقين)) قال الحافظ في الفتح ٤٤/١٣: في سنده ضعيف ومجهول.
(٣) أخرجه البزار (٣٦٣٣-کشف)، من حديث أنس څئه.
(٤) هو شرح هياكل النور للسهروردي في الحكمة، لجلال الدين الصديقي الدواني، ونقله
المصنف عن حاشية الشهاب ١٦/٣ .

الآية : ٢٧
٩٥
سُورَةُ الِ غَيْرَانَ
لأجل ذلك الشرِّ القليل شرًّا كثيراً، فصدر عنك ذلك الخيرُ فلزمه حصول ذلك
الشرِّ، وهو من حيثُ صدورُه عنك خيرٌ؛ إذ عدمُ صدوره شرٌّ؛ لتضمُّنه فوات ذلك
الخير، فأنت المنزَّه عن الفحشاء، مع أنه لا يجري في ملكك إلا ما تشاء.
وليس هذا من القول بوجوب الأصلح، ولا ينافيه: ﴿لَا يُْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾
[الأنبياء: ٢٣] إذ لا يَفعلُ ما يسأل عنه؛ كرماً وحكمةً وجوداً ومِنَّة، ولو اطّلعتم على
الغيب لاخترتم الواقع.
﴿قُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِيِ اَلَيْلِّ﴾ الولوجُ في الأصل: الدخولُ،
والإيلاج: الإدخال، واستُعير لزيادة زمان النهار في الليل وعكسه، بحسب المطالع
والمغارب في أكثر البلدان؛ وروي ذلك عن ابن عباس والحسن ومجاهد، ولا يضرُّ
تساوي الليل والنهار دائماً عند خطّ الاستواء؛ لأنه يكفي الزيادة والنقصان فيهما في
الأغلب.
وقال الجبائي: المراد بإيلاج أحدهما في الآخر: إيجاد كلِّ واحدٍ منهما عَقيب
الآخر.
والأولُ أقرب إلى اللفظ، وعلى التقديرين الظاهرُ من الليل والنهار ليلُ التكوير
ونهاره، وهما المشهوران عند العامة الذين يفهمون ظاهرَ القول، ووراء ذلك أیامُ
السلخ التي يعرفها العارفون، وأيامُ الإيلاج الشأنية التي يعقلها العلماء الحكماء.
وبيان ذلك على وجه الاختصار:
أنَّ اليوم على ما ذكره القوم الإلهيون(١): عبارةٌ عن دورة واحدة من دورات
فلكَ الكواكب، وهو من النَّطْح إلى النَّطح، ومن الشَّرَطَيْن إلى الشَّرطَيْن(٢)، ومن
(١) نقل المصنف ما سيأتي من رسالة أيام الشأن لمحيي الدين بن عربي ص٦- ١٢.
(٢) الشَّرطان من منازل القمر، وهما كوكبان بينهما في رأي العين قَدْرُ ذراع، وهما قرنا
الحمل، ويسمونها أيضاً: النَّطح أو الناطح، وللقمر ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل في كل
ليلة منها بمنزل، فإذا صار في آخرها عاد إلى أولها، فيقطع الفَلَكَ في ثمان وعشرين ليلة،
ثم يستسر، ثم يطلع هلالاً، فيعود في قطع الفلك على المنازل. وينظر في أسماء منازل
القمر وشرحها الأزمنة والأمكنة للمرزوقي ١٧٧/١، والعمدة لابن رشيق ٢٥٤/٢، وتفسير
القرطبي ١٧ / ٤٤٦ .

سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ
٩٦
الآية : ٢٧
البُطَين إلى البطين(١)، وهكذا إلى آخر المنازل، ومن درجة المنزلة ودقيقتها إلى
دَرجةِ المنزلة ودقيقتها، وأخفى من ذلك إلى أقصى ما يمكن الوقوفُ عنده، وما من
يوم من الأيام المعروفة عند العامة - وهي من طلوع الشمس إلى طلوع الشمس، أو
من غروبها إلى غروبها، أو من استوائها إلى استوائها، أو ما بين ذلك إلى ما بين
ذلك - إلا وفيه نهايةُ ثلاثٍ مئٍ وستِين يوماً، فاليوم طولُه ثلاثُ مئةٍ وستون درجةً؛
لأنه يظهر فيه الفلك كلُّه وتعمُّه الحركة، وهذا هو اليوم الجسماني، وفيه اليوم
الروحاني فيه تأخذ العقولُ معارفها، والبصائر مشاهدَها، والأرواحُ أسرارَها،
كما تأخذ الأجسام في هذا اليوم الجسماني أغذيتها وزيادتها ونموَّها، وصحَّتها
وسقمها، وحياتها وموتها .
فالأيامُ من جهة أحكامها الظاهرة في العالم، المنبعثة من القوة الفعَّالة للنفس
الكلِّية، سبعةٌ: من يوم الأحد إلى آخره، ولهذه الأيام أيامٌ روحانية لها أحكامٌ في
الأرواح والعقول، تنبعث من القوة العلامة للحقِّ الذي قامت به السماوات
والأرض وهو الكلمةُ الإلهية، وعلى هذه السَّبعة الدوَّارة يَدور فَلَكُ الْبَحْث، فنقول:
قال الله تعالى في المشهود من الأيام المحسوسة: ﴿يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ
النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]. وأبان عن حقيقتين من طريق الحكم بَعْدَ هذا، فقال
في آية: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النََّارَ﴾ [يس: ٣٧] فهذه أنبأتْ أنَّ الليل أصلٌ
والنهارَ كان غيباً فيه ثم سُلِخ، وليس معنى السَّلخ معنى التكوير، فلا بد أن يُعرف
ليلُ كلِّ نهار من غيره؛ حتى يُنسب كل ثوبٍ إلى لابسه، ويردّ كلُّ فرعٍ إلى أصْله،
ويلحقَ كلُّ ابن بأبيه، وقال في الآية الكريمة كاشفاً عن حقيقة أُخرى: (تُولِجُ الَّيْلَ فِى
النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِّ) فجعَل بين الليل والنهار نِكاحاً معنويًّا لمَّا كانت الأشياء
تتولَّدُ منهما معاً، وأكَّد هذا المعنى بقوله عزَّ قائلاً: ﴿يُغْشِى الَّلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:
٥٤] ولهذا كان كلٌّ منهما مُولِجاً ومولَجاً فيه، فكلُّ واحدٍ منهما لصاحبه أصلٌ (٢)
وبَعْلٌ، فكلُّ ما تولَّد في النهار فأمُّه النهار وأبوه الليل، وكلُّ ما تولَّد في الليل فأمُّه
(١) منزل من منازل القمر، وهو ثلاثة كواكب صغار، وهو على إثر الشَّرَطين. الأزمنة والأمكنة
١٧٧/١، والقاموس (بطن).
(٢) في أيام الشأن ص٧: أهل.

الآية : ٢٧
٩٧
سُورَةُ العَتْرَانَ
الليل وأبوه النهار، فليس إذاً حكمُ الإيلاج حكمَ السَّلخ؛ فإن السلخ إنما هو في
وقت أن يرجع النهار من كونه مولِجاً ومولَجاً فيه، والليلُ كذلك، إلا أنه ذكر السَّلخَ
الواحد ولم يذكر السلخ الآخر من أجل الظاهر والباطن، والغيب والشهادة،
والروح والجسم، والحرف والمعنى، وشِبْهِ ذلك، فالإيلاج روحٌ كلَّه والتكويرُ جسمُ
هذا الروح الإيلاجي، ولهذا كرَّر الليل والنهار في الإيلاج كما كرَّرهما في
التكوير، هذا في عالم الجسم وهذا في عالم الرُّوحِ، فتكويرُ النَّهار لإيلاج الليل
وتكويرُ الليل لإيلاج النهار، وجاء السَّلخ واحداً للظاهر لأربابه.
وقد اختلف العجَمُ والعرَب في أصالة أيِّ المكوَّرَيْنِ على الآخر، فالعجمُ
يقدِّمون النهار على الليل وزمانُهم شمسيٌّ، فليلةُ السبت عندَهم مثلاً الليلةُ التي
يكون صَبيحتَها يومُ الأحد وهكذا، والعربُ يقدِّمون الليل على النهار، وزمانُهم
قمريٌّ ﴿أُوْلَبِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢] فليلة الجمعة عندهم
مثلاً هي الليلة التي يكون صبيحتها يوم الجمعة، وهم أقرب من العجم إلى العلم،
فإنه يَعضدهم السَّلخ في هذا النظر، غير أنهم لم يعرِفوا الحكم، فنَسبوا الليلةَ إلى
غير يومها كما فعل أصحابُ الشمس، وذلك لأن عوامَّهم لا يعرفون إلا أيام
التكوير، والعارفون من أهل هذه الدولة، وورثةُ الأنبياء، يَعلمون ما وراء ذلك من
أيام السَّلخ وأيام الإيلاج الشَّأني، ولمَّا كانت الأيام شيئاً، وكلُّ شيءٍ عندهم:
ظاهرٌ وباطن، وغيب وشهادة، وروح وجسم، ومُلك وملكوت، ولطيفٌ وكثيف،
قالوا: إن اليوم نهارٌ وليل في مقابلة باطنٍ وظاهر، والأيامُ سبعة ولكلِّ يوم نهارٌ
وليل من جنسه، والنهار ظلُّ ذلك الليل وعلى صورته، لأنه أصلُه المدرَجُ هو فيه،
والمنسلخُ هو منه بالنفخة(١) الإلهية، وقد أطلقَ سبحانه في آية السلخ ولم يبيِّن أيَّ
نهار سلخ من أيَّة ليلة، ولم يقل: ليلةُ كذا سلِخ منها نهارُ كذا؛ ليعقلَها مَن
ألهمَه الله تعالى رُشْدَه فينالَ فَصْلَ الخِطاب. فعَلَى المفهوم من اللسان العربي
بالحساب القَمَري أنَّ ليلة الأحد سلَخ الله تعالى منها نهارَ الأربعاء، وسلخ من ليلة
الإثنين نهارَ الخميس، ومن ليلة الثلاثاء نهارَ الجمعة، ومن ليلة الأربعاء نهار
السبت، ومن ليلة الخميس نهار الأحد، ومن ليلة الجمعة نهارَ الإثنين، ومن ليلة
(١) في الأصل: بالنفحة.
:

سُورَةُ العَقْرَانَ
٩٨
الآية : ٢٧
السبت نهار الثلاثاء، فجعل سبحانه بين كلِّ ليلة ونهارها المسلوخ منها ثلاثَ ليالٍ
وثلاثةَ نهارات، فكانت ستةً وهي نشأتك ذات الجهات، فالليالي منها للتحتٍ
والشمال والخَلْف، والنهاراتُ منها للفوق واليمين والأمام، فلا يكون الإنسان
نهاراً ونوراً تُشرِقُ شمسُه وتشرق به أرضُه حتى ينسلخَ من ليل شهوته، ولا يُقبِلُ
على مَن لا يَقْبل الجِهات؛ حتى يَبعدَ عن جهات هيكلِهِ، وإنما نَسبوا هذه النِّسبة
من جهة الاشتراك في الشأن الظاهر؛ لستر(١) الحكمة الإلهية على يدِ الموثَّلين
بالساعات، وفي اليوم الإيلاجيّ الشأنيِّ يَعتبرون ليلاً ونهاراً أيضاً، وهو عندهم
أربعٌ وعشرون ساعةً قد اتَّحد فيها الشأن، فلم يَنبعث فيها إلا معنىّ واحدٌ، ويتنوع
في الموجودات بحسب استعداداتها، ولهذا قال سبحانه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَذِ﴾
[الرحمن: ٢٩] ولم يقل: في شؤون، وتنوينه للتعظيم الظاهر باختلاف القوابل وتكثُرٍ
الأشخاص، فإذاً: ساعاتُ ذلك اليوم تحت حكم واحدٍ، ونظرٍ والٍ واحد قد ولّاه
مَن لا يكون في ملكه إلا ما يشاء، وتولَّاه وخصّه بتلك الحركة، وجعلَه أميراً في
ذلك، والمتصرِّفُ الحقيقي هو الله تعالى، لا هو من حيث هو، فاليومُ الشأني
ما كانت ساعاته كلُّها سواء، ومتى اختلفت فليس بيومٍ واحدٍ، ولا يوجد هذا في
أيام التكوير وكذا في أيام السَّلخ إلا قليلاً، فطلبنا ذلك في الأيام الإيلاجية
فوجدناه مستوفّى فيه، وقد أرسل سبحانه آية الإيلاج ولم يقل: يولج الليلَ الذي
صبيحتُه الأحد في الأحد، ولا النهارَ الذي مساؤه ليلة الإثنين في الإثنين، فإذاً
لا يلتزم أن ليلة الأحد هي ليلة الكَوْر ولا ليلة السَّلخ، وإنما يطلب وحدانية اليوم
من أجل أحدية الشأن، فلا ينظر إلا إلى اتِّحاد الساعات، والحاكم المُؤَلَّى من قبل
المَوْلَى، فليلة الأحد الإيلاجي مرَّبةٌ من الساعة الأولى من ليلة الخميس،
والثامنة(٢) منها، والثالثة من يوم الخميس، والعاشرة منها، والخامسة من ليلة
الجمعة، والثانية عشرة منها، والسابعة من يوم الجمعة، والثانية من ليلة السبت،
والتاسعة منها، والرابعة من يوم السبت، والحادية عشرة منه، والسادسة من ليلة
الأحد، فهذه ساعاتُ لیلهِ.
(١) في الأصل: لسرِّ.
(٢) في (م): والثانية. والمثبت من الأصل وأيام الشأن، وهو الصواب.

الآية : ٢٧
٩٩
سُؤَدَةُ الْ عَمْرَانَ
وأما ساعات نهاره من أيام التكوير، فالأولى من يوم الأحد والثامنة [منه](١)،
والثالثةُ من يوم الإثنين والعاشرة منه، والخامسة من يوم الإثنين والثانية عشرة منه،
والسابعة من ليلة الثلاثاء، والثانية من يوم الثلاثاء، والتاسعة منه، والرابعة من ليلة
الأربعاء، والحادية عشرة منها، والسادسة من يوم الأربعاء.
فهذه أربعةٌ وعشرون ساعة ظاهرة كالشمس ليوم الأحد الإيلاجي الشأنيِّ، كلُّها
كنفسٍ واحدة لأنها من معدن واحد، وهكذا تقول في سائر الأيام حتى تكمل سبعةً
أيام متميِّزةٍ بعضها من بعض؛ مولَجةٍ بعضها في بعض، نهارها في ليلها وليلها في
نهارها، لحكمةِ التَّوالد والتناسل، وذلك كسريان الحكم الواحد في الأيام، ويظهر
ذلك من أيام التكوير.
وقد ذكر مولانا الشيخُ الأكبر - قدِّس سِرُّه - الشأنَ في كلِّ يوم في رسالته
المسمّاة بالشأن الإلهي (٢)، ولعلِّي إن شاء اللهُ تعالى أذكُر ذلك عند قوله تعالى: ﴿كُلَّ
يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنِ﴾ [الرحمن: ٢٩].
وهذه الأيامُ أيضاً غير يوم المثل وهو عمرُ الدنيا، ويوم الربِّ، ويوم المعارج،
ويوم القمر، ويوم الشمس، ويوم زُحَل، ويوم الحَمَل، ولكلٍّ كوكب من السيارات
والبروج يومٌ، وقد ذكر كلَّ ذلك في ((الفتوحات))(٣).
وإنما تعرَّضنا لهذا المقدار وإنْ كان الاستقصاءُ في بيان مَشْرَب القوم ليس بِدْعاً
في هذا الكتاب؛ تعليماً لبعض طلبة العلم ما الليل والنهار، إذ قد ظَنُّوا لجهلهم .
بسبب بحثٍ جَرَىَ - بِنا الظّنون، وفي هذا كفايةٌ لمن ألقى السمعَ وهو شهيد، فحمداً
لك اللهمَّ على ما علَّمتَ، ولك الشكرُ على ما أنعمتَ.
﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمِيْتِ﴾: أي تكوِّن الحيوانات من موادِّها أو من النُّطفة،
وعليه ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومجاهد والسدِّيُّ، وخلقٌ كثير. ﴿وَتُخْرِجُ اَلْمِيْتَ
مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: النطفة من الحيوانات، كما قال عامَّة السَّلف.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النَّهدي، عن سلمان الفارسي قال:
قال رسول الله وَّه: ((لمَّا خَلق الله تعالى آدمَ عليه السلام أخرجَ ذريَّته فقبَضَ قبضةً
(١) ما بين حاصرتين من رسالة أيام الشأن ص ١٠ .
(٢) ينظر رسالة أيام الشأن ص١٢-١٦ .
(٣) ينظر الفتوحات المكية ١٤٠/١.

سُؤَةُ الَ ◌ّعْرَانَ
١٠٠
الآية : ٢٧
بيمينه، فقال: هؤلاء أهلُ الجنة ولا أبالي، وقبَضَ بالأخرى قبضةً فجاء فيها كلُّ
رديء، فقال: هؤلاء أهلُ النار ولا أبالي، فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافرُ من
المؤمن والمؤمنُ من الكافر)»(١) فذلك قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْعَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾
الآية، وإلى هذا ذهب الحسن، وروي عن أئمة أهل البيت.
فالحيُّ والميت مَجازيَّان، ولُطف هذه الجملة بعد الأولى لا يخفى، والقائلون
بعموم المجاز قالوا: المراد: تُخرج الحيوانات من النطف والنطف من الحيوانات،
والنخلة من النَّواة والنَّواة من النَّخلة، والطيِّبَ من الخبيث والخبيث من الطيب،
والعالم من الجاهل والجاهل من العالم، والذّكيَّ من البليد والبليد من الذكيِّ، إلى
غير ذلك. ولا يلزم من الآية أن يكون إخراج كلِّ حيٍّ من ميت وكلِّ ميت من حيٍّ؛
ليلزَم التسلسل في جانب المُبدئ(٢)؛ إذ غايةُ ما تُفهِمه الآيةُ أن الله تعالى هذه
الصِّفة، وأمَّا أنه لا يَخْلُق شيئاً إلا من شيء فلا، كما لا يخفى.
وقرئ: ((الميْت)) بالتخفيف في الموضعين(٣).
﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ الظرف في محلِّ الحال من المفعول، أي:
تَرزقُ مَن تشاء غيرَ محاسبٍ له. أو من الفاعل، أي: ترزقه غيرَ محاسِب له، أو
غير مُضيِّقٍ عليه. وجوِّز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أو مفعولٍ محذوف، أي:
رِزْقاً غيرَ قليل.
وفي ذكر هذه الأفعال العظيمة التي تحيّر العقول ونسبتها إليه تعالى دلالةٌ على
أن من يقدر على ذلك لا يُعجزه أن يَنزِعِ المُلك من العجم ويذلَّهم، ويؤتيه العربَ
ويعزَّهم، بل هو أهونُ عليه من كلِّ مَيِّن.
هذا وقد تقدَّم ما يشير إلى فضل هذه الآية، وقد أخرج ابنُ أبي الدُّنيا عن
معاذ بن جبل قال: شكوتُ إلى النبيِّ وَّ دَيْناً كان عليَّ، فقال: ((يا معاذ، أتحبُّ
(١) الدر المنثور ١٥/٢، وحديث القبضتين ذكره السيوطي في الأزهار المتناثرة في الأحاديث
المتواترة ص٢٨، والكتاني في زياداته على الأزهار المتناثرة ص١٢٨، وينظر مجمع الزوائد
١٨٥/٧-١٨٧.
(٢) في الأصل: المبدأ.
(٣) وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر. التيسير ص٨٧،
والنشر ٢٢٤/٢-٢٢٥.