النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ٧
٢١
سُورَةُ الَّعْرَانَ
﴿تُحْكَمَهُ﴾ صفةُ ((آيات)) أي: واضحة(١) المعنىَ، ظاهرةُ الدلالة، مُحْكَمةُ
العبارة، محفوظةٌ من الاحتمال والاشتباه.
﴿هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ أي: بأصله والعمدةُ فيه يُردُّ إليها غيرها، والعرب تسمِّي كلَّ
جامع يكون مرجعاً أُمّاً. والجملة إمَّا صفةٌ لما قبلها أو مستأنفة، وإنَّما أفرد ((الأم))
مع أنَّ (الآيات)) متعدِّدةٌ لِما أنَّ المراد بيانُ أصلية كلِّ واحدةٍ منها، أو بيان أنَّ الكلَّ
بمنزلة آيةٍ واحدة.
﴿وَأُخَرُ﴾ نعتٌ لمحذوف معطوفٍ على ((آيات)) أي: وآياتٌ أُخَر، وهي كما قال
الرَّضي: جمعُ أُخرى التي هي مؤنَّث آخَر، ومعناه في الأصل: أشدٌ تأخّراً، فمعنَى
جاءني زيدٌ ورجلٌ آخر: جاءني زيدٌ ورجلٌ أشدُّ تأخّراً منه في معنّى من المعاني، ثم
نُقل إلى معنّى غيرهٍ، فمعنَى رجل آخر: رجلٌ غيرُ زيد، ولا يُستعمل إلا فيما هو من
جنس المذكور أولاً، فلا يُقال: جاءني زيدٌ وحمارٌ آخَر، ولا: امرأة أُخرى، ولمَّا
خرَج عن معنَى التفضيل استُعمل من دون لوازم أفعل التفضيل، أعني ((مِن))
والإضافةَ واللام، وطوبق بالمجرَّد عن اللام والإضافةِ ما هو له، نحو: رجلان
آخران، ورجال آخرون، وامرأةٌ أخرى، وامرأتان أُخریان، ونسوة أُخَر.
وذهب أكثرُ النحويين إلى أنَّه غير منصرفٍ؛ لأنَّه وصفٌ معدولٌ عن الآخَر،
قالوا: لأنَّ الأصل في أفعلَ التفضيل أنْ لا يُجمع إلا مقروناً بالألف واللام، كالكبر
والصغر، فعُدل عن أصله وأُعطي من الجمعية مجرَّداً مالا يعطى غيرُه إلا مقروناً.
وقيل: الدليل على عدل ((أُخر)) أنَّه لو كان مع ((مِن)) المقدَّرةِ كما في ((الله أكبر))
للزِم أنْ يُقال: بنسوةٍ آخر، على وزن أَفْعَل؛ لأنَّ أفعل التفضيل ما دام بـ ((من))
ظاهرةٍ أو مقدَّرةٍ لا يجوزُ مطابقته لمن هو له، بل يجب إفراده، ولا يجوز أنْ يكون
بتقدير الإضافة، لأنَّ المضاف إليه لا يُحذَف إلا مع بناء المضاف، أو مع سادٍّ مسدّ
المضاف إليه، أو مع دلالةِ ما أضيفَ إليه تابعُ المضاف أَخْذاً من استقراء كلامهم،
فلم يَبْقَ إلا أنْ يكون أصلُه اللام.
واعتَرض عليه أبو عليٍّ بأنَّه لو كان كذلك وَجَب أنْ يكون معرفةً كـ : سَحَر.
(١) في الأصل: واضحات.

سُورَةُ الْعَنْزَانَ
٢٢
الآية : ٧
وأُجِيبَ بأنَّه لا يلزم في المعدول عن شيء أنْ يكون بمعناه من كلِّ وجهٍ،
وإنَّما يلزم أنْ يكون قد أُخرج عمَّا يَستحقُّه وما هو القياسُ فيه إلى صيغةٍ أُخرى،
نعم قد تُقْصَدُ إرادةُ تعريفه بعد النقل إمَّا بألفٍ ولامٍ تَضمَّن(١) معناها فيُبْنَى، وإمَّا(٢)
بِعَلَميةٍ كما في (سَحَر)) فيُمنع مِن الصرف، ولمَّا لَم يُقصد في (أُخر)) إرادةُ الألف
واللام أُعرب، ولا يصحُّ إرادةُ العلمية؛ لأنَّها تُضادُّ الوصفيةَ المقصودةَ منه.
وقال ابن جنِّي: إنَّه معدولٌ عن: آخَر مِن، وزَعَم ابنُ مالك أنَّه التحقيق،
وظاهرُ كلام أبي حيان اختيارُه، واستدلُّوا عليه بما لا يَخلو عن نظر.
ووُصِفَ (أُخَر)) بقوله سبحانه: ﴿مُتَشَِهَّ﴾ وهي في الحقيقة صفةٌ
للمحذوف(٣)، أي: محتملاتٌ لمعانٍ متشابهات لا يمتازُ بعضُها عن بعضٍ في
استحقاق الإرادة، ولا يتّضحُ الأمر إلا بالنظر الدقيق، وعدم الاتِّضاح قد يكونُ
للاشتراك، أو للإجمال، أو لأنَّ ظاهره التشبيه، فالتَّشابُه(٤) في الحقيقة: وصفٌ
لتلك المعاني، وَصَفَ به الآيات على طريقة وصفِ الدالِّ بما هو وصفٌ للمدلول،
فسقط ما قيل: إنَّ واحد ((متشابهات)): متشابهة، وواحدَ (أُخر)): أخرى، والواحدُ
هنا لا يصحُّ أنْ يُوصف بهذا الواحد، فلا يقال: أُخرى متشابهة، إلا أنْ يكون
بعضُ الواحدة يُشبه بعضاً، وليس المعنىَ على ذلك، وإنَّما المعنىَ: أَنَّ كلَّ آية تشبه
آيَةً أُخرى، فكيف صحَّ وصف الجمع بهذا الجمع ولم يصحّ وصفُ مفرده بمفرده؟!
ولا حاجةً إلى ما تُكلِّف في الجواب عنه، بأنَّه ليس من شرطٍ صحَّة وصف المثنَّى
والمجموع صحةُ بسطٍ مفردات الأوصاف على أفراد الموصوفات، كما أنَّه لا يلزم
من الإسناد إليهما صحةُ إسناده إلى كلِّ واحدٍ كما في ﴿فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ﴾
[القصص: ١٥] إذ الرَّجلُ لا يَقْتَتِلُ.
وقيل: إنَّه لمَّا كان مِن شأن الأمور المتشابهة أنْ يَعجز العقلُ عن التمييز بها
(١) في (م): يضمن، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٦/٣، والكلام منه.
(٢) في (م): أو إما، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب.
(٣) في الأصل و(م): لمحذوف، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧/٢، والكلام منه، والمقصود
بالمحذوف ما مرَّ من أن ((أخر)) نعت له، أي: آياتٌ أُخر متشابهات.
(٤) في(م): فالمتشابه، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.

الآية : ٧
٢٣
سُورَةُ الِغَمْرَانَ
سُمِّي كلُّ ما لا يهتدي العقلُ إليه متشابهاً وإنْ لم يكن ذلك بسبب التَّشابُه، كما أنَّ
المُشْكِلَ في الأصل ما دخَل في أشكاله وأمثاله ولم يُعلم بعينه، ثم أطلق على كلِّ
غامضٍ وإنْ لم يكن غُموضُه من تلك الجهة، وعليه يكون المتشابه مجازاً أو كنايةً
عمَّا لَا يَتَّضح معناه مثلاً، فيكون السؤال مغالطةً غيرَ واردة رأساً.
وهذا الذي ذُكرٍ (١) في تفسير المحكم والمتشابه هو مذهبُ كثير من الناس،
وعليه الشافعيةُ. وتقسيمُ ((الكتاب)) إليهما من تقسيم الكلِّ إلى أجزائه، بناءً على أنَّ
المرادَ من ((الكتاب)) ما بين الدُّفتين، ولامُه لتعريف العهد، وحينئذٍ إِمَّا أنْ يُرادَ
بالكتاب الثاني المضاف إليه ((أمّ))(٢) الأولُ الواقع مقسَّماً كما يُشعر به حديثُ إعادة
الشيء معرفةً، ويكون وضْعُ المُظْهَر موضعَ المضمَر اعتناءً بشأن المُظْهَر وتفخيماً
له، والإضافةُ على معنى ((في))، كما في: واحدُ العشرةِ، فلا يلزم كونُ الشيءِ
أصلاً لنفسه؛ لأنَّ المعنَى على أنَّ الآيات المحكمات التي هي جزءٌ مما بين الدُّفتين
أصلٌ فيما بين الدُّفتين يرجع إليه المتشابه منه، واعتبارُ ظرفية الكلِّ للجزء يَدفع توهُّم
لزومٍ ظرفية الشيءٍ لنفسه، وهذا أَولَى من القول بتقدير مضافٍ بين المتضايفَين بأنْ
يقالَ: التقدير: أمُّ بعضٍ الكتاب، فإنَّه وإنْ بقي فيه الكتابُ على حاله، إلا أنَّه
لا يَخلو عن تكلُّفٍ.
وإمَّا أنْ يُراد به الجنس، فإنَّه كالقرآن يُطلق على القَدْرِ المشترك بين المجموع
وبين كلِّ بعضٍ منه له به نوعُ اختصاصٍ كما بُيِّن في الأصول، ويُراد من هذا الجنس
ما هو في ضمن الآيات المتشابهات، فاللامُ حينئذٍ للجنس، والإضافةُ على معنى
اللام، ولا يعارضه حديث الإعادة إذ هو أصلٌ كثيراً ما يُعدل عنه، ولا يُتُوهَّم منه كونُ
الشيءٍ أمَّا لنفسه أصلاً، ولا أنَّ المقامَ مقامُ الإضمار ليحتاج إلى الجواب عن ذلك.
وبعضُ فضلاءِ العصر - العاصرين حُمَيًّا (٣) العلمِ من كَرْمِ أذهانهم الكريمة
أحسنَ عصرٍ- جوَّز كونَ الإضافة لاميَّة، و((الكتاب)» المضاف إليه هو الكتاب الأول
بعينه، وليس في الكلام مضافٌ محذوف، وما يلزم على ذلك من كون الشيء أمَّا
(١) في (م): ذكره.
(٢) بعدها في الأصل: الكتاب.
(٣) حميا الشيء: شدته، ومن الشباب: أوله ونشاطه. القاموس (حمي).

سُورَةُ الْ عُقْرَانَ
٢٤
الآية : ٧
لنفسه وأصلاً لها لا يضرُّ؛ لاختلاف الاعتبار، فإن أمومته لغيره من المتشابه باعتبار
ردِّه إليه وإرجاعه له، وأمومته لنفسه باعتبار عدم احتياجه - لظهور معناه - إلى شيءٍ
سوی نفسه .
ولا يخفى عليك أن ((الأم)) إن كانت في كلا الاعتبارَين حقيقةً لزِم استعمالُ
المشترك في معنييه، وإن كانت في كليهما مجازاً لزِم الجمع بين معنيين مجازيين،
وإن كانت حقيقةً في الأصل باعتبار ما يرجع إليه غيره - كما يفهم من بعض
عباراتهم - مجازاً في الأصل بمعنى المستغني عن غيره، لزِم الجمعُ بين الحقيقة
والمجاز، ولا مخلص عن ذلك إلا بارتكاب عموم المجاز.
هذا وجوِّز أن يكون التقسيم إلى القسمين المحكم والمتشَابِه من تقسيم الكلِّي إلى
جزئياته، فـ((أل)) في ((الكتاب)) للجنس أوَّلاً وآخراً، إلا أنَّ المراد من الكتاب في
الأول الماهية من حيث هي كما هو الأمر المعروف في مثل هذا التقسيم، وفي الثاني
الماهية باعتبار تحقُّقها في ضمن بعضٍ الأفراد، وهو المتشابه. ويجوز أن يراد من
الثاني أيضاً مجموعُ ما بين الدُّفتين، والكلام فيه حينئذٍ على نحو ما سَبَق، قيل:
وقُصارى ما يلزم من هذا التقسيم - بعد تحمُّل القول بأنه خلاف الظاهر - صدقُ
الكتاب على الأبعاض، وهو ممالا يُتَحاشى منه، بل هو غَرَضُ مَن فسَّر ((الكتابَ))
بالقَدْرِ المشترك، وأنت تعلم أنَّ فيه غيرَ ذلك، إلا أنَّه يُمكن دفعُه بالعناية، فتدبّر.
وذهب ساداتنا الحنفية إلى أنَّ المحكم: الواضحُ الدلالةِ الظاهرُ(١)، الذي
لا يحتملُ النسخَ، والمتشابه: الخفيُّ الذي لا يُدْرَك معناه عقلاً ولا نقلاً وهو
ما استأثر الله تعالى بعلمه، كقيام السَّاعة، والحروفِ المقطّعة في أوائل السُّور.
وقيل: المحكمُ الفرائضُ والوعدُ والوعيد، والمتشابهُ القصصُ والأمثال،
أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:
((المحكمات)): ناسخه وحلالهُ وحرامهُ وحدودهُ وفرائضه، و((المتشابهات)): ما يؤمَنُ
به ولا يُعْمَلُ به (٢).
(١) في الأصل: الظاهرة.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٥٩٢/٢ - ٥٩٣. وهو عند الطبري ١٩٣/٥.

الآية : ٧
٢٥
سُورَةُ العَقْرَانَ
وأخرج الفريابيُّ عن مجاهد، قال: ((المحكمات)): ما فيه الحلال والحرام،
وما سوى ذلك متشابه(١) .
وأخرج عبد بن حميد (٢) عن الضحاك قال: ((المحكمات)): ما لم يُنسخ،
والمتشابهات: ما قد نُسِخ.
وقال: الماورديُّ: المحكم ما كان معقول المعنىَ، والمتشابه بخلافه، کأعداد
الصلوات، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان(٣).
وقيل: المحكم ما لم يتكرَّر ألفاظه، والمتشابه ما يقابلُه. وقيل غيرُ ذلك.
وهذا الخلاف في المحكم والمتشابه هنا، وإلا فقد يُطلَق المحكم بمعنى
المتقَنِ النَّظْمِ، والمتشابه على ما يشبه بعضهُ بعضاً في البلاغة، وهما بهذا المعنَى
يُطلَقان على جميع القرآن، وعلى ذلك خرِّج قولهُ تعالى: ﴿الَّرِ كِنَبُّ أُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ﴾
[هود: ١] وقوله سبحانه: ﴿َكِنَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣].
﴿فَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي عدولٌ عن الحقِّ وميلٌ عنه إلى الأهواء. وقال
الراغب(٤) الزيغُ: الميلُ عن الاستقامة إلى أحدِ الجانبين، وزاغ وزال ومال
متقاربةٌ، لكنْ زاغ لا يقال إلا فيما كان عن حقِّ إلى باطل، ومصدره: زَيْغاً وزَيْغُوغةً
وزَيَغاناً وزُيُوغاً .
والمراد بالموصول نصارى نجران، أو اليهود، وإليه ذهب ابن عباس. وقيل:
مُنْكِرو البعث. وقيل: المنافقون.
وأخرج الإمام أحمد وغيره عن أبي أمامة عن النبيِّ وَّرِ أنَّهم الخوارج(٥).
(١) عزاه للفريابي السيوطي في الدر المنثور ٤/٢، وهو في تفسير مجاهد ١٢١/١، وتفسير
الطبري ٥/ ١٩٦.
(٢) في الأصل و(م): عبيد بن عمير، وهو خطأ، والمثبت من الإتقان ١/ ٦٤١، وعنه نقل
المصنف، وأخرجه أيضاً الطبري ٥/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٣) النكت والعيون ٣٧٠/١.
(٤) في مفرداته (زيغ).
(٥) مسند أحمد (٢٢٢٥٩)، والمعجم الكبير (٨٠٣٣) و(٨٠٤٦)، وأخرجه الطبري موقوفاً
=

سُورَةُ العَقْرَانَ
٢٦
الآية : ٧
وظاهرُ اللفظ العمومُ لسائر مَن زاغَ عن الحقِّ، فليُحْمَلْ ما ذُكر على بيان بعضٍ
ما صَدَقَ عليه العامُّ دون التخصيص.
وفي جَعْل قلوبهم مَقرّاً للزيغ مبالغةٌ في عُدولِهم عن سَنَن الرَّشاد، وإصرارهم
على الشرِّ والفساد. و((زيغ)) مبتدأ أو فاعل.
﴿فَيَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ﴾ أي: يتعلَّقون بذلك وحدَه بأنْ لا يَنظروا إلى ما يطابقه
من المحكّم ويردُّوه إليه، وهو إمَّا بأخْذ ظاهرهِ الغيرِ المراد له تعالى، أو أَخْذِ أحدٍ
بطونه الباطلة، وحينئذٍ يضربون القرآنَ بعضه ببعضٍ ويُظهرون التناقضَ بينَ معانيه
إلحاداً منهم وكفراً، ويحملون لفظَه على أحدٍ مُحتملاته التي تُوافق أغراضَهم
الفاسدة في ذلك، وهذا هو المرادُ بقوله سبحانه: ﴿أَثِغَاءَ اُلْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِ﴾﴾ أي:
طَلَبَ أنْ يفتنوا المؤمنين والمؤمنات عن دينهم بالتشكيك والتلبيس، ومناقضةٍ
المحكّم بالمتشابه كما نقل عن الواقدي، وطلبَ أن يؤوِّلوه حَسْبما يشتهون،
فالإضافة في ((تأويله)) للعهد، أي: بتأويل مخصوصٍ، وهو ما لم يوافق المحكم،
بل ما كان موافقاً للتشهِّي.
والتأويل: التفسيرُ، كما قاله غير واحد، وقال الراغب: إنَّه من الأَوْل: وهو
الرجوع إلى الأصل، ومنه المَوْئِل للموضع الذي يُرجع إليه، وذلك هو ردُّ الشيء إلى
الغاية المُرَادة منه، عِلماً كان أو فعلاً، ومن الأَوَّلِ ما ذُكر هنا، ومن الثاني قولُه:
وللنَّوَى قبل يوم البَيْنِ تأويلُ(١)
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: بيانه الذي هو غايتُه
المقصودة منه، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] قيل: أحسن
ترجمةً ومعنّى، وقيل: أحسن ثواباً في الآخرة (٢)، انتهى.
٥/ ٦٦٥. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفاً
=
من كلام الصحابي، ومعناه صحيح.
(١) وصدره: وللأحبَّة أيامٌ تَذَكَّرُها، والبيت لعبدة بن الطبيب كما في المفضليات ص١٣٦،
ومنتهى الطلب ٣٣/٣. قوله: تذَكَّرُها، أي: تتذكرها أنت. والنوى: وجهة القوم التي
ينوونها. شرح اختيارات المفضل للتبريزي ٦٤٦/٢ .
(٢) مفردات الراغب (أول).

الآية : ٧
٢٧
سُورَةُ الْ عُقْرَانَ
وجوِّز في هاتين الطلبتين أن تكونا على سبيل التوزيع بأن يكون ((ابتغاء الفتنة))
طلبةَ بعضٍ، وابتغاء التأويل حسب التشهِّي طلبةً آخرين.
ويجوز أنْ يكون الاتِّباعُ لمجموع الطلبتين، وهو الخَليقُ بالمعاندِ؛ لأنَّه لقرَّة
عناده ومزيد فَسَاده يتشبَّثُ بهما معاً. وأنْ يكون ذلك لكلِّ واحدة منهما على
التعاقب، وهو المناسب بحال الجاهل؛ لأنه متحيِّرٌ، تارةً يتّبع ظاهرَه وتارةً يؤوِّله
بما يشتهيه؛ لكونه في قبضة هواه يتبعه كلَّما دعاه.
ومن الناس مَن حَمل الفتنةَ على المال؛ فإنَّ الله سبحانه قد سمَّاه فتنةً في
مواضعَ من كلامه، ولا يخفى أنَّه ليس بشيءٍ مدَّعًى ودليلاً.
وفي تعليل الاتِباع بـ ((ابتغاء تأويله)) دون نفسٍ تأويله، وتجريدِ التأويل عن الوصف
بالصحّة والحقِّية، إيذانٌ بأنَّهم ليسوا من التأويل في عِيرٍ ولا نَفير، ولا قَبيل ولا دبير،
وأنَّ ما يَتَبعونه ليس بتأويلٍ أصلاً، لا أنَّه تأويلٌ غيرُ صحيح قد يُعذَرُ صاحبه.
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ﴾ في موضع الحال من ضمير
(يتَّبعون)) باعتبار العلَّة الأخيرة، أي: يتبعون المتشابهَ لابتغاء تأويله، والحالُ أنَّ
التأويل المطابق للواقع - كما يشعر به التعبير بالعلم والإضافةُ إلى الله تعالى -
مخصوصٌ به سبحانه وبمن وفَّقَه عزَّ شأنُه من عباده الرَّاسخين في العلم، أي: الذين
ثبتوا وتمكَّنوا فيه، ولم يتزلزلوا في مَزَالِ الأقدام ومداحضٍ الأفهام دونهم، حيث
إِنَّهم بمعزِلٍ عن تلك الرتبة، هذا ما يقتضيه الظاهرُ في تفسير الراسخين.
وأخرج ابنُ عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأَوْديِّ(١)، قال: سمعتُ أنس بنَ
مالك يقول: سُئل رسولُ اللهِ وَّهِ عن الرَّاسخين في العلم فقال: ((مَن صَدَقَ حديثُه،
وَبَرَّ في يمَينِهِ، وعفَّ بطنُه وفرْجُه، فذلك الراسخون في العلم))(٢) ولعلَّ ذلك بيانُ
علامتهم وما ينبغي أنْ يكونوا عليه.
(١) في الأصل و(م): الأزدي، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٢) تاريخ ابن عساكر ١٩٦/٥٥، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٢٣/٥-٢٢٤، والطبراني في الكبير
(٧٦٥٨)، وفيهما: عن أبي الدرداء وأبي أمامة وأنس، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢/ ٧.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٤: عبد الله بن يزيد ضعيف. اهـ. وقال عنه أحمد:
أحاديثه موضوعة، وقال الجوزجاني: أحاديثه منكرة. الميزان ٥٢٦/٢.

سُورَةُ الْعِنْرَانَ
٢٨
الآية : ٧
والمراد بالعلم: العلمُ الشرعيُّ المقتبس(١) من مشكاة النبوَّة، فإنَّ أهله هم
الممدوحون.
﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ،﴾ استئنافٌ موضِّحٌ لحال الراسخين، ولهذا فُصل، والنحاةُ
يقدِّرون له مبتدأً دائماً، أي: هم يقولون. وقد قيل: إنَّه لا حاجةَ إليه، ولم يُعرف
وجهُ التزامهم لذلك، فلينظَر. وجوِّز أنْ يكون حالاً من ((الراسخين)).
والضمير المجرور راجعٌ إلى المتشابه، وعدمُ التعرُّض لإيمانهم بالمحكم
لظهوره، وإنْ رجع إلى ((الكتاب)) فله وجهٌ أيضاً؛ لأنَّ مآله: كلٌّ مِن أجزاء الكتاب
أو جزئياته، وذلك لا يخلو عن الأمرَين.
ثم هذا القول وإنْ لم يخصَّ الراسخين لكنْ فيه تعريضٌ بأنَّ مقتضى الإيمان
به أنْ لا يُسلَك فيه طريقٌ لا يَليقُ مِن تأويله على ما مرَّ، فكأنَّ غيرهم ليس
بمؤمن.
﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَيْنَا﴾ من تمام مقولهم، مؤكِّدٌ لِمَا قبله ومقرِّرٌ له، أي: كلُّ واحدٍ
منه ومن المحكم، أو كلُّ واحدٍ من متشابهه ومُحْكَمِه منزَّلٌ من عند الله(٢) تعالى
لا مخالفةً بينهما .
وفي التعبير بـ (الرب)) إشارةٌ إلى سرِّ إنزال المتشابه والحكمةِ فيه؛ لِما أنَّه
متضمِّنٌ معنَى التربية والنظرِ في المصلحة والإيصال إلى معارج الكمال أولاً فأولاً .
وقد قالوا: إنَّما أُنزل المتشابه لذلك ليظهرَ فضلُ العلماء، ويزدادَ حرصُهم على
الاجتهاد في تدبُّره وتحصيلِ العلوم التي نِيطَ بها استنباطُ ما أُريد به من الأحكام
الحقيقية، فينالوا بذلك وبإتعاب القرائح واستخراج المقاصد الرائقة والمعاني
اللائقة المدارجَ العالية، ويعرجوا بالتوفيق بينه وبين المحكم إلى رَفْرَفِ الإيقان
وعرش الاطمئنان، ويفوزوا بالمشَاهِد السَّامية، وحينئذٍ ينكشفُ لهم الحجابُ،
ويَطيبُ لهم المقامُ في رياض الصَّواب، وذلك من التربية والإرشاد أقصى غاية،
ونهايةٌ في رعاية المصلحةٍ ليس وراءَها نهاية.
(١) في (م): المتقبس.
(٢) في (م): من عنده.

الآية : ٧
٢٩
سُورَةُ الِ غَيْرَانَ
عطفٌ على جملة ((يقولون)) سيق من جهته تعالى
أَوْلُواْ الْأَلْبَبِ
مَا يَذَكَّرُ إِلَّ
مدحاً للراسخين بجودة الذِّهن وحسنِ النظر؛ لِما أنَّهم قد تجرَّدت عقولُهم عمَّا يَغشاها
من الرُّكون إلى الأهواء الزائغةِ المكدِّرة لها، واستعدُّوا إلى الاهتداء إلى معالم الحقِّ،
والعروجِ إلى معارج الصدق، وللإشارة إلى ذلك وُضِع الظاهرُ موضعَ الضمير.
هذا على تقديرٍ أنَّ يكون الوقفُ على ((الراسخون)) وهو الذي ذهب إليه الشافعيةُ
وسائرُ مَن فسَّر المتشابه بما لم يتّضح معناه.
وأمَّا على تقدير أنْ يكون الوقف على (إلا الله)) وهو الذي ذهب إليه الحنفيةُ
القائلون بأنَّ المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه، فـ ((الراسخون)) مبتدأٌ وجملة
«یقولون) خبرٌ عنه.
ورجّح الأول بوجوه:
أمّا أولاً: فلأنَّه لو أُريد بيانُ حظّ الراسخين مقابلاً لبيان حظّ الزائغين، لكان
المناسب أن يقال: وأمَّا الراسخون فيقولون.
وأمَّا ثانياً: فلأنَّه لا فائدةَ حينئذٍ في قيد الرسوخ، بل هذا حكم العالمين كلِّهم.
وأمَّا ثالثاً: فلأنَّه لا ينحصر حينئذٍ ((الكتاب)) في المحكم والمتشابه على ما هو
مقتضَى ظاهرِ العبارة، حيث لم يقل: ومنه متشابهات؛ لأنَّ ما لا يكون متضِّح
المعنَى ويهتدي العلماء إلى تأويله وردِّه إلى المحكم لا يكون محكماً ولا متشابهاً
بالمعنَى المذكور، وهو كثيرٌ جداً.
وأمَّا رابعاً: فلأنَّ المحكم حينئذٍ لا يكون أمّ الكتاب بمعنى رجوعِ المتشابه
إليه، إذ لا رجوعَ إليه فيما استأثر اللهُ تعالى بعلمه كعدد الزبانية مثلاً .
وأمَّا خامساً: فلأنَّه قد ثبت في الصحيح أنَّه وَّهِ دَعَا لابن عباس فقال: ((اللهم
فقِّههُ في الدِّين وعلِّمه التأويل))(١)، ولو كان التأويل مما لا يعلمه إلا اللهُ تعالى لَمَا
كان للدعاء معنّی.
(١) صحيح البخاري (١٤٣)، وصحيح مسلم (٢٤٧٧)، ولفظ مسلم: ((اللهم فقهه))، ولفظ
البخاري: ((اللهم فقّهه في الدين)). وأخرجه بتمامه أحمد (٢٣٩٧).

سُورَةُ الْ عُقْرَانَ
٣٠
الآية : ٧
وأمَّا سادساً: فلأنَّ ابن عباس ◌ًِّا كان يقول: أنا ممن يعلم تأويله.
وأمَّا سابعاً: فلأنَّه سبحانه وتعالى مدَح الراسخين بالتذكِّر في هذا المقام، وهو
يُشعر بأنَّ لهم الحظّ الأوفر من معرفة ذلك.
وأمَّا ثامناً: فلأنَّه يَبعدُ أنْ يخاطِبَ اللهُ تعالى عبادَه بمالا سبيلَ لأحدٍ من الخلق
إلى معرفته.
والقول: بأنَّ ((أمَّا)) للتفصيل فلا بدَّ في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم
على الراسخين ليتحقَّق التفصيل، غايةُ الأمر أنَّه حُذفت أمَّا والفاء، وبأنَّ الآية من
قبيل الجمع والتقسيم والتفريق، فالجمع في قوله سبحانه: ﴿أَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ﴾،
والتقسيم في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأَخَرُ مُتَشَبِهَتَّ﴾، والتفريق
في قوله عزَّ شأنُه: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ﴾ إلخ، فلا بدَّ في مقابلة ذلك من حكمٍ
يتعلَّق بالمحكم، وهو أنَّ الراسخينَ يَتَّبعونه ويُرجعون المتشابه إليه على ما هو
مضمونُ قوله سبحانه: ﴿وَالَّسِخُونَ فِ آلْمِلْرِ﴾ إلخ.
مجابٌ عنه بأنَّ كون ((أمَّا)) للتفصيل أكثريٌّ لا كلِّيٌّ، ولو سُلِّم فليس ذكرُ المقابل
في اللفظ بلازم، ثم لو سُلِّم بأنَّ الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فذِكرُ
المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال، أعني: ((يقولون)) إلخ كافٍ في ذلك.
ورُجِّح الثاني بأنَّه مذهب الأكثرين من أصحاب رسول الله وَّه والتابعين
وأتباعهم خصوصاً أهل السنَّة، وهو أصحُّ الروايات عن ابن عباس ﴿ها، ولم يذهب
إلى القول الأول إلا شِرذمةٌ قليلةٌ بالنسبة إلى الأكثرين كما نصَّ عليه ابن
السمعاني(١) وغيرُه، ويدُ الله تعالى مع الجماعة.
ويدلُّ على صحَّة مذهبهم أخبارٌ كثيرةٌ :
الأول: ما أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) والحاكم في ((مستدركه)) عن ابن
عباس أنَّه كان يقرأ: ((وما يعلم تأويله إلا الله ويقولُ الراسخون في العلم آمنًا
به))(٢). فهذا يدلُّ على أنَّ الواو للاستئناف؛ لأنَّ هذه الروايةَ وإنْ لم تثبت بها
(١) ينظر تفسير السمعاني ٢٩٦/١.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١١٦/١، والمستدرك ٢٨٩/٢.

الآية : ٧
٣١
سُورَةُ الَّعَنْرَانَ
القراءةُ فأقلُّ درجاتها أنْ تكون خبراً بإسنادٍ صحيح إلى ترجمان القرآن، فيقدَّم كلامُه
على مَن دونه، وحكى الفرَّاء أنَّ في قراءة أبيّ بنِ كعب أيضاً: ((ويقول الراسخون
في العلم)»(١).
وأخرج ابن أبي داود في ((المصاحف)) من طريق الأعمش قال: في قراءة ابن
مسعود: ((وإنْ تأويلُه إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به))(٢).
الثاني: ما أخرج الطبراني في الكبير، عن أبي مالك الأشعري أنَّه سمعَ
رسول الله وَ﴿ يقول: ((لا أخاف على أُمَّتِي إلا ثلاثَ خلال: أن يَكثر لهم المالُ
فيتحاسدوا فيقتلوا، وأن يُفتح لهم الكتابُ فيأخذه المؤمنُ يبتغي تأويلَه، وما يعلم(٣)
تأويله إلا الله تعالى))(٤) .
الحديث الثالث: ما أخرجه(٥) ابن مردويه من حديث عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جدِّه، عن رسول اللهِ وَلِّ أنه قال: ((إنَّ القرآن لم ينزل ليكذِّب بعضُه
بعضاً، فما عرفتُم منه فاعمَلوا به، وما تَشَابَه فآمنوا به))(٦).
الرابع: ما أخرج الحاكم عن ابن مسعود عن النبيِّ وَلو قال: ((الكتاب الأول
يَنزل من بابٍ واحد على حرفٍ واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة
[أحرف]: زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكّم ومتشابِه، وأمثال، فأحِلُّوا حلالَه
وحرِّموا حرَامه، وافعلوا ما أُمرتم به، وانتهوا عمَّا نُهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله،
واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كلٌّ من عند ربنا))(٧).
(١) معاني القرآن للفراء ١/ ١٩١.
(٢) المصاحف ٣٠٩/١، وذكرها أيضاً الفراء في معاني القرآن ١٩١/١، والطبري ٢٢١/٥ -
٢٢٢، والبحر ٣٨٤/٢، ووقع في المصاحف: ((وإن حقيقة تأويله .... ))
(٣) في الأصل و(م): يبتغي، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٤) المعجم الكبير (٣٤٤٢)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٥/٢. وفي إسناده محمد بن
إسماعيل بن عياش وهو ضعيف. ينظر مجمع الزوائد ٤٥/١و١٢٨.
(٥) في(م): أخرج.
(٦) ذكره عن ابن مردويه ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وأخرجه بنحوه الحارث (٧٣٥ - بغية
الباحث).
(٧) المستدرك ٥٥٣/١، وما سلف بين حاصرتين منه وهو من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن

سُورَةُ الَّعَنْرَانَ
٣٢
الآية : ٧
وأخرج البيهقيُّ في ((الشعب)) نحوه عن أبي هريرة(١).
الخامس: ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعاً: ((أُنزل القرآنُ على أربعة
أحرفٍ: حلال وحرام لا يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير تفسِّره العلماءُ، ومتشابه
لا يعلمه إلا اللهُ تعالى، ومَن ادَّعى علمَه سوى اللهِ تعالى فهو كاذب)»(٢).
إلى غير ذلك من الأخبار الدَّالَّة على أنَّ المتشابه مما لا يعلم تأويله إلا اللهُ
تعالی.
ذهب بعضُ المحققين إلى أن كلّ من الوقف والوصل جائز، ولكلٍّ منهما وجهٌ
وجيه. وبيَّن ذلك الراغبُ(٣) بأن القرآن عند اعتبار بعضه ببعضٍ ثلاثةُ أضرب:
محكمٌ على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكمٌ من وجهٍ متشابه من وجه.
فالمتشابه في الجملة ثلاثةُ أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومن جهة
المعنى، ومن جهتهما معاً.
فالأول ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة: إما من جهة الغرابة،
نحو: الأبّ ويَزِفُّونَ، أو الاشتراك كاليد والعين. وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام
المركّب، وذلك ثلاثة أضرب: ضربٌ لاختصار الكلام نحو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ نُقْسِطُوا
﴾ [النساء: ٣] وضربٌ لبَسْطِه، نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
فِيِ اٌلْيَى فَنكِحُواْ مَا طَابَ
شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]لأنه لو قيل: ليس مثلَه شيءٌ كان أظهرَ للسَّامع. وضربٌ
لنظم الكلام نحو: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ، عِوَجَا ﴾ قَبِّمًا﴾ [الكهف: ١-٢]
إذا تقديره: أنزل على عبده الكتابَ قَيَّماً ولم يجعل له عوجاً.
= عوف عن ابن مسعود به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وتعقبه
الحافظ في الفتح ٢٩/٩ بقوله: في تصحيحه نظر؛ لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود،
وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهري عن أبي سلمة مرسلاً وقال: هذا مرسل جيد.
(١) شعب الإيمان (٢٢٩٣)، وفي إسناده معارك بن عباد، قال البخاري: منكر الحديث، وقال
الدارقطني وغيره: ضعيف. الميزان ٤/ ١٣٣ .
(٢) تفسير الطبري ١/ ٧٠، وفي إسناده الكلبي، قال ابن كثير في مقدمة تفسيره: الكلبي متروك
الحديث، لكن قد يكون إنما وهم في رفعه، ولعله من كلام ابن عباس. اهـ. وقد أخرجه
بإسناد آخر عن ابن عباس موقوفاً الطبري ١/ ٧٠.
(٣) في مفرداته (شبه).

الآية : ٧
٣٣
سُورَةُ العَقْرَانَ
والمتشابه من جهة المعنى: أوصافُ الله تعالى وأوصاف يوم القيامة؛ فإن تلك
الصفات لا تُتصوَّرُ لنا؛ إذ لا يحصل في نفوسنا صورةُ ما لم نحسَّه، [أو](١) ما ليس
من جنسه .
والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب:
الأول: من جهة الكمّية كالعُموم والخصوص، نحو: ﴿فَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
والثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب في نحو﴿فَأَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ
النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو: ﴿أَنَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾
[آل عمران: ١٠٢].
والرابع: من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها الآية، نحو: ﴿وَلَيْسَ آلْبِرُّ بِأَنْ
تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] و﴿إِنَّمَا الشَِّىِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧].
فإنَّ من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذَّر عليه تفسيرُ هذه.
والخامس: من جهة الشروط التي يصحُّ بها الفعل أو يفسد (٢)، كشرط الصلاة
والنكاح.
ثم قال: وهذه الجملة إذا تُصوِّرت علم أن كلَّ ما ذكره المفسِّرون في تفسير
المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم. ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب:
ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت السَّاعة وخروجِ الدَّابة وغيرِ ذلك.
وقسم للإنسان سبيل إلى معرفته، كالألفاظ الغريبة والأحكام الغَلِقة.
وضرب مُتَردِّدٌ بين الأمرين يختصُّ بمعرفته بعضُ الراسخين في العلم ويَخْفَى
على مَن دونهم، وهو المشارُ إليه بقوله ◌ََّ لابن عباس ◌ًَّا: ((اللهم فقِّهه في الدِّين
وعلِّمْه التأويل))(٣).
(١) زيادة يقتضيها السياق، والعبارة في مفردات الراغب: أو لم يكن من جنس ما نحسه.
(٢) في الأصل و(م): ويفسد، بدل: أو يفسد، والمثبت من مفردات الراغب.
(٣) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٣٩٧)، وأخرجه البخاري (١٤٣) دون قوله: ((وعلمه التأويل))،
وهو عند مسلم بلفظ: ((اللهم فقهه))، وسلف ص ٢٩ من هذا الجزء.

سُورَةُ الَّعَتْرَانَ
٣٤
الآية : ٧
وإذا عرفتَ هذا ظَهَر لك جوازُ الأمرين الوقف على ((إلا الله))، والوقفُ على
((والراسخون».
وقال بعض أئمة التحقيق: الحقُّ أنه أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق،
فالحقُّ الوقف على ((إلا الله)) وإنْ أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجملَ ونحوَه،
فالحقُّ العطفُ، ویجوز الوقف أيضاً لأنه لا يعلم جمیعه أو لا يعلمه بالگُنه إلا الله
تعالى. وأما إذا فسِّر بما دَلَّ القاطعُ - أي: النصُّ النقليُّ أو الدليل الجازم العقليُّ -
على أن ظاهره غيرُ مراد، ولم يقم دليلٌ على ما هو المرادُ، ففيه مذهبان:
فمنهم مَن يجوِّز الخوضَ فيه وتأويلَه بما يرجع إلى الجادَّة في مثله، فيجوز عنده
الوقف وعدمُه .
ومنهم من يمنع الخوضَ فيه، فيمتنع تأويله ويجب الوقف عنده.
والذاهبون إلى الوقف من السَّادة الحنفية أجابوا عمَّا ذكره غيرُهم في ترجيح
ما ذهبوا إليه من الوجوه السَّابقة(١):
فعَن الأول: بأنه أريد بيان حظّ الراسخين مقابلاً لبيان حظّ الزائغين، إلا أنه لم
يقل: وأما الراسخون، مبالغةً في الاعتناء بشأن الراسخين، حيث لم يَسلك بهم
سبيلَ المعادلة اللفظية لهؤلاء الزائغين، وصِينوا عن أن يُذكروا معهم كما يُذكر
المتقابلان في الأغلب في مثل هذه المقامات، وقريبٌ من هذا قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ
وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُغْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ﴾
[البقرة: ٢٥٧] حيث لم يقل: والطاغوتُ أولياء الذين كفروا، ولا: الذين آمنوا
وليُّهم الله؛ تعظيماً لشأنه تعالى ورعايةً للاعتناء بشأن المؤمنين.
وعن الثاني: بأن فائدة قيد الرسوخ المبالغةُ في قصر علم تأويل المتشابه عليه
تعالى؛ لأنه إذا لم يعلموه هم - كما يُشْعِر به الحكمُ عليهم بأنهم يقولون: آمنًا به -
فغيرُهم أولى بعدم العلم، فلم يبقَ عالِمٌ به إلا اللهُ تعالى.
وعن الثالث: بأنه يلتزم القول بعدم الحصر. وفي ((الإتقان))(٢): أنَّ بعضاً قال:
(١) قوله: السابقة، ليس في (م).
(٢) ١/ ٦٣٩ - ٦٤٠.

الآية : ٧
٣٥
سُورَةُ العَقْرَانَ
إن الآية لا تدلُّ على الحصر في الشيئين؛ إذ ليس فيها شيءٌ من طُرُقه، ولولا ذلك
لأشكل قولُه تعالى: ﴿لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] لأن المحكم لا تتوقف
معرفتُه على البيان، والمتشابِهَ لا يرجى بيانُه، فما هذا الذي يبسيِّنه النبيُّ وَلَّ؟
وعن الرابع: بالتزام أنَّ إضافة ((أمّ)) إلى ((الكتاب)) على معنى ((في))، والمحكَمُ
أمّ في الكتاب، ولكن لا للمتشابه الذي استأثر اللهُ تعالى بعلمه، بل هو أمٌّ وأصلٌ
في فهم العبادات الشرعية، كوجوب معرفته، وتصديقِ رُسلِهِ، وامتثالٍ أوامره،
واجتناب نواهيه، وعلى تقدير القول بأن الإضافة لامية يلتزم الأمومة للكتاب باعتبار
بعضِه وهو الواسطة بين القسمين؛ لأن متَّضِحَ الدلالة كثيراً ما يُرجَع إليه في خفيِّها
مما لم يصل إلى حدِّ الاستئثار.
وعن الخامس: بأن التأويل الذي دعا به رسولُ الله ◌َّهِ لابن عباس لا يتعيَّن
حملُه على تأويل ما اختصََّ علمُه به تعالى، بل يجوز حمله على تفسير ما يَخْفَى
تفسيرُه من القسم المتردِّد بين الأمرين اللذين ذكرَهما الراغب كما ذكره.
وعن السادس: بأن الرواية عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلمُ تأويله.
معارضةٌ بما هو أصحُ منها بدرجات، فتسقط عن درجة الاعتبار. وعلى تقدير تسليم
اعتبارها يُمكن أن يقال: مُراده نَظُله: أنا ممن يَعلم تأويلَه - أي: المتشابهِ - في
الجملة حسبما دعا لي به رسول الله وَ*، وهذا وإن قيل: إنه متشابه، لكنه في
الحقيقة واسطةٌ بين المحكم والمتشابه بالمعنى المراد.
وعن السابع: بأن مَدْح الراسخين بالتذكُّر ليس لأن لهم حظًّا في معرفته، بل
لأنهم اتَّعظوا فخالفوا هواهم، ووقفوا عند ما حَدَّ لهم مولاهم، ولم يَسلكوا مسلكَ
الزائغين، ولم يخوضوا مع الخائضين، ويمكن - على بُعد - أنْ يراد بالتذكُّر الانتفاعُ
مجازاً، أي: إن الراسخين هم الذين ينتفعون به، حيث يؤمنون به لخلوص عقولهم
عن غشاوة الهوى كما أنهم آمنوا بالغيب، وهذا بخلاف الزائغين حيث صار
المتشابِه ضرراً عليهم ووبالاً لهم؛ إذ ضلُّوا فيه كثيراً، وأضلُّوا عن سواء السبيل،
وقد قال سبحانه من قبلُ فيما ضربه من المثل: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِی بِهِ،
كَثِيرَاً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
وعن الثامن: بأنه لا بُعْدَ في أن يخاطب الله تعالى عبادَه بما لا سبيل لأحدٍ من

سُورَةُ العَقْرَانَ
٣٦
الآية : ٧
الخلق إلى معرفته، ويكون ذلك من باب الابتلاء كما ابتلَى سبحانه عبادَه بتكاليفَ
كثيرةٍ وعبادات وفيرةٍ لم يعرف أحدٌ حقيقةَ السِّر فيها، والسرُّ في هذا الابتلاء قصُّ
جناحِ العقل، وكسرُ سَوْرَةِ الفكر، وإذهاب عُجبٍ طاوسِ النفس؛ ليتوجَّه القلبُ
بشراًشره(١) تجاهَ كعبةٍ العبودية، ويخضعَ تحت سرادقات الرُّبوبية، ويعترفَ
بالقصور، ويقرَّ بالعجز عن الوصول إلى ما في هاتيك القصور، وفي ذلك غايةٌ
التربية ونهاية المصلحة، هذا إذا أُريد بما لا سبيل لأحدٍ من الخَلق إلى معرفته:
ما لا سبيل لأحدٍ منهم إلى معرفته من طريق الفكر، وأمَّا إذا أُريد: ما لا سبيل إلى
معرفته مطلقاً، سواء كانت على الإجمال أو التفصيل بالوحي أو بالإلهام لنبيٍّ أو
لوليٍّ، فوجودُ مثل هذا المخاطب به في القرآن في حَيِّز المنع، ولعلَّ القائل بكون
المتشابه مما استأثر الله تعالى بعلمه لا يمنع تعليمه للنبيِّ وَّه بواسطة الوحي مثلاً،
ولا إلقاءه في روع الوليِّ الكامل مفصَّلاً، لكن لا يصلُ إلى درجة الإحاطة كعلْم اللهِ
تعالى. وإنْ لم يكن مفضَّلاً فلا أقلّ من أن يكون مجملاً، ومنعُ هذا وذاك
مما لا يَكاد يقولُ به مَن يعرف رتبةً النبيِّ نَّهِ، ورتبةَ أولياء أُمتهِ الكاملين،
وإنَّما المنعُ من الإحاطة، ومِن معرفته على سبيل النظر والفكر، وهو الطريق المعتاد
والسبيلُ المسلوك في معرفة المشكلات واستحصال النظريات، ولتبادُرِ هذا المعنى
من ((يعلم)) إذا أسند إلى الراسخين مُنِعِ إسنادُه إليهم، ومتى أريد منه العلم لا من
طريق الفكر صحَّ الإسناد وجاز العطفُ، ولكن دون توهُّم هذه الإرادة من ظاهر
الكلام خَرْطُ القَتَاد، فلهذا شاع القولُ بعدمِ العطف وكان القول به أسلم.
ويؤيِّد ما قلنا ما ذكره الإمام الشَّعرانيُّ(٢) قال: أخبرني شيخُنا عليٍّ الخَوَّاص
قدِّس سِرُّه: أنَّ اللهَ تعالى أطلَعه على معاني سورة الفاتحة، فخرَّج منها مئتي ألف
علمٍ وأربعين ألفَ علم وتسعَ مئٍ وتسعين علماً، وكان يقول: لا يسمَّى عالماً - أي:
عندَ أهل الله تعالى - إلّا مَن عَرَف كلَّ لفظٍ جاءت به الشريعةُ.
وقال في ((الكشف)) في نحو ﴿ق﴾ (ص﴾ ﴿حم﴾ ﴿طس﴾: لعلَّ إدراك ما تحته
(١) أي: بجميعه، إذ الشراشر: النفس والأثقال والمحبة وجميع الجسد، الواحدة شُرْشُرة.
القاموس (شرر).
(٢) في كتابه الدرر المنثورة في بيان زُبد العلوم المشهورة ص٣١-٣٢.

الآية : ٧
٣٧
وَرَةُ العمران
عند أهله كإدراكِنا للأوَّليات، ولا يُسْتَبعد، ففيضُ الباري - عمَّ نوالُه - غیرُ محصورٍ،
واستعدادُ الإنسان الكاملِ عن القبول غيرُ محسور، ومَن لم يصدِّق إجمالاً بأن وراء
مدركات الفكرة ومباديها طوراً أو أطواراً، حظُ العقل منها حظّ الحسِّ من
المعقولات، فهو غيرُ متخلِّص عن مَضيق التعطيل أو التشبيه، وإنْ لمّ يتدارك حالَه بقي
- بعد كشف الغطا - في هذا التِّيه، ولتتحقَّقَ من هذا أنَّ المراتب مختلفة، وأن الإحاطة
على الحقائق الإلهية كما هي مستحيلةٌ إلا للباري جلَّ ذِكرُه، وأنه لابدَّ للعارف - وإنْ
وصَل إلى أعلى المراتب - أن يبقى له ما يجبُ الإيمان به غيباً، وهو من المتشابه الذي
يقول الراسخون فيه: ﴿مَامَثَّا بِهِ، كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَيَِّاْ﴾ فهذا ما يجب أن يعتقد کي لا يلحد.
ثم اعلم أن كثيراً من الناس جعَل الصفاتِ النقلية من الاستواء واليد والقَدَم
والنزول إلى السَّماء الدنيا والضَّحك والتعجُّب وأمثالِها من المتشابِهِ، ومذهب
السلف(١) - والأشعريُّ رحمه الله تعالى مِن أعيانهم، كما أبانت عن حاله ((الإبانة)) -
أنها صفاتٌ ثابتة وراءَ العقل(٢)، ما كلِّفنا إلا اعتقادَ ثبوتها مع اعتقاد عدمِ التجسيم
والتشبيه؛ لئلا يضادّ النقل العقل(٣) .
وذهب الخلَفُ إلى تأويلها وتعيين مرادِ الله تعالى منها، فيقولون: الاستواءُ .
مثلاً - بمعنى الاستيلاء والغلبةِ، وذلك أثرٌ من آثار بعضٍ الصِّفات الثمانية التي
ليس لله تعالى عندهم وراءَها صفة، حتى ادَّعى السّكوتي - وليته سَكَت - أنَّ ما وراء
ذلك ممتنِعٌ؛ إذ لا يلزم من نفيه محالٌ، وكلُّ ما لا يلزم من نفيه محال لا يكون
واجباً، والله تعالى لا يتَّصفُ إلا بواجب.
وذكر الشعراني في ((الدُّرر المنثورة))(٤) أن مذهب السَّلف أسلمُ وأحكم؛ إذ
المؤوِّل انتقل عن شرح الاستواء الجسماني على العرش المكاني بالتنزيه عنه إلى
التشبيه السُّلطاني الحادث، وهو الاستيلاء على المكان، فهو انتقال عن التشبيه
بمحدَثٍ ما إلى التشبيه بمحدّثٍ آخر، فما بلغ عقلُه في التنزيه مبلغَ الشرع فيه في
(١) في الأصل: وهذا مذهب السلف.
(٢) في الأصل: العقلية.
(٣) الإبانة ص٣٣.
(٤) ص٤٩.

سُورَةُ الْعُمان
مسـ
٣٨
الآية : ٧
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ألا ترى أنه استشهد في التنزيه
العقلي في الاستواء بقول شاعر:
من غير سيف ودم مهراقٍ(١)
قد استوى بشرٌ على العراق
وأين استواءُ بشرٍ على العراق مِن استواءِ الرَّحمن على العرش.
ونهايةُ الأمر يَحتاجُ إلى القول بأن المراد استيلاءٌ يَليقُ بشأن الرَّحمن جلَّ شأنُه،
فليقل مِن أول الأمر قبلَ تحمُّل مؤنةِ هذا التأويل: استواءٌ يليق بشأنٍ مَن عزَّ شأنه،
وتعالى عن إدراك العقول سلطانُه، وهذا أليقُ بالأدب، وأوفقُ بكمال العبودية،
وعليه دَرَج صدرُ الأُمة وساداتُها، وإياها اختار أئمةُ الفقهاء وقاداتها، وإليها دعا
أئمةُ الحديث في القديم والحديث، حتى قال محمدُ بن الحسن كما أخرجه عنه
اللالكائي(٢): اتفقَ الفقهاء كلَّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات
من غير تفسير ولا تشبيه.
وورد عن سليمان بن يسار أن رجلاً يقال له صبيغ قدِمِ المدينةَ، فجعل يَسأل
عن متشابِهِ القرآن، فأرسل إليه عمر بن الخطاب ◌َظُبه وقد أعدَّ له عراجين النخل،
فقال: مَن أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عمر عُرجوناً من تلك العراجين
فضربه حتى أدمى رأسَه. وفي رواية: فضربه بالجريد حتى ترك ظهرَه دبرة، ثم تركه
حتی برئ، ثم عاد إليه، ثم تركه حتى برئ، فدعا به ليعود، فقال: إن كنت تريد
قتلي(٣) فاقتلني قتلاً جميلاً، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن
لا يجالسَه أحدٌ من المسلمين(٤).
(١) نسب للأخطل كما في المحرر الوجيز ١١٥/١، وتاج العروس (سوى)، ونسبه المرزوقي
في الأزمنة والأمكنة ٣٨/١ للبعيث، وهو دون نسبة في الصحاح (سوى)، والحلل
للبطليوسي ص٣٠٩، ويتيمة الدهر ٢٧٦/٥. وقال ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة
ص٣٥٩: وهو غير معروف في شيء من دواوين العرب وأشعارهم التي يرجع إليها .
(٢) في شرح أصول الاعتقاد (٧٤٠).
(٣) في (م) قتلتي.
(٤) أخرجه الدارمي (١٤٤)، وابن وضاح في البدع ص٥٦، واللالكائي في شرح أصول
الاعتقاد (١١٣٧). ووقع اسم الرجل في الأصل و(م): ضبيع، وهو خطأ. ينظر الإصابة
١٦٨/٥.

الآية : ٧
٣٩
سُورَة العَنْران
لا يقال: إن تركت أمثالَ هذه المتشابهات على ظواهرها دلَّت على التجسيم، وإنْ
لم تُرِدْ ظواهرها فقد أوَّلت؛ لأن التأويل على ما قالوا: إخراجُ الكلام عن ظاهره.
لأنا نقول: نختارُ الشقَّ الثاني، ولا نسلِّم أن التأويل إخراج الكلام عن ظاهره
مطلقاً، بل: إخراجه إلى معنّى معيَّنٍ معلوم، كما يقال: الاستواء - مثلاً - بمعنى
الاستيلاء، على أن للتأويل معنيين مشهورين لا يَصْدُقُ شيءٌ منهما على نفي الظاهر
من غير تعيينٍ للمراد، أحدهما: ترجمة الشيء وتفسيره الموضح له. وثانيهما: بيان
حقيقته وإبرازُها إمّا بالعلم أو بالعقل. فإنَّ من قال بعد التنزيه: لا أدري من هذه
المتشابهات سِوى أنَّ الله تعالى وصفَ بها نفسَه وأراد منها معنى لائقاً بجلالهِ جلَّ
جلالهُ، ولا أعرفُ ذلك المعنى، لم يُقَلْ في حقِّه أنه ترجَم وأوضَح، ولا بيَّن
الحقيقة وأبرز المراد، حتى يقال: إنه أوَّل.
ومَن أمعن النظرَ في مأخذ التأويل لم يشكَّ في صحَّة ما قلنا، نعم ذهَبت شرذمةٌ
قليلة من السَّلف إلى إبقاء نحو المذكورات على ظواهرها، إلا أنهم يَنفون لوازمَها
المنقدحةَ للذهن الموجبةَ لنسبة النقص إليه عزَّ شأنُه، ويقولون: إنما هي لوازم
لا يصحُّ انفكاكها عن ملزوماتها في صفاتنا الحادثة، وأما في صفات مَن ليس كمثله
شيء فليست بلوازم في الحقيقة، ليكون القول بانفكاكها سفسطةً، وأين الترابُ من
ربِّ الأرباب؟! وكأنهم إنما قالوا ذلك ظنًّا منهم أن قولَ الآخرين من السلف
تأويلٌ، والراسخون في العلم لا يذهبون إليه، أو أنَّهم وجدوا بعضَ الآثار يُشعرُ
بذلك، مثل ما حكى مقاتلٌ والكلبيُّ عن ابن عباس في ((استوى)) أنه بمعنى استقرَّ،
وما أخرجه أبو القاسم من طريق قرَّة بن خالد، عن الحسن، عن أمِّه، عن أمِّ سَلمة
في قوله تعالى: ﴿الرَّحَُْ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أنها قالت: الكيفُ غيرُ
معقول، والاستواءُ غير مجهول، والإقرارُ به من الإيمان، والجحودُ به كفر (١).
وقريبٌ من هذا القول ما يصرِّح به كلامُ كثير من ساداتنا الصوفية، فإنهم قالوا:
إن هذه المتشابهات تجري على ظواهرها، مع القول بالتنزيه الدَّال عليه قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ حيث إن وجود الحقِّ تعالى شأنُه لا تقيده الأكوان وإن تجلَّى
(١) شرح أصول الاعتقاد (٦٦٣). قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٣٦٥/٥: روي عنها
موقوفاً ومرفوعاً، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه.
٠

سُورَةُ الَ ◌ّعَنْزَانَ
٤٠
الآية : ٧
فيما شاء منها؛ إذ له كمالُ الإطلاق حتى عن قيدِ الإطلاق، ولا يخفى أن إجراء
المتشابهات على ظاهرها مع التنزيه اللائق بجلال ذاته سبحانه طور ما وراء طورٍ
العقل، وبحرٌ لا يسبح فيه إلا مَن فاز بقرَب النوافل.
وذكر بعضُ أئمة التدقيق أنَّ العقلَ سبيله في العلم بالصفات الثمانية المشهورة
كعلمه بتلك الصفات التي يدَّعي الخلف رجوعَها إليها إذا أَحدَّ النظر، فقد قام
البرهان وشاهد العيان على عدم المماثلة ذاتاً وصفاتٍ أيضاً، لكنْ صفاتُه المتعالية
وأسماؤه الحسنى قسمان:
قسمٌ يناسب ما عندنا من الصفات نوعَ مناسَبةٍ وإن كانت بعيدة، ولا يقال:
فلا بدَّ فيه في أفهامنا معاشرَ الناقصين من أن يسمَّى بتلك الأسماء المشتَهِرة عندنا،
فيسمى علماً مثلاً، لا دواةً ولا قلماً.
وقسم ليس كذلك، وهو المشارُ إليه بقوله ◌َله: ((أو استأثرتَ به في علم الغيب
عندَك))(١) فقد يذكر له أسماء مشوقة؛ لأن منه ما للإنسان الكامل منه نصيبٌ بطريق
التخلُّق والتحقُّق، فيذكر تارةً اليدَ والنزول والقَدَمَ ونحو ذلك من المخيلات، مع
العلم البرهاني والشهود الوجداني بتنزُّهه تعالى عن كلِّ (٢)كمالٍ يتصوره الإنسانُ
ويحيط به، فضلاً عن النقصان، فیعلم أنه أشار إلى ذلك القسم الذي علم بالإجمال،
ويتوجَّه إذْ ذاك بكلِّته شطرَ كعبة الجلال والجمال، فيفاض عليه من ينبوع الكمال
ما يستأنس (٣) عنده وينكشف له جليةُ الحال، وإذ ليس له مناسبة بما عندنا، لا توجد
عبارة يُترجم عنها إلا على سبيل الخيال، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام:
((مَنَ عَرَفَ اللهَ تعالى كَلَّ لسانُه))(٤)، وأخرى بين مقصد الكلّ، ومَن أحبَّه سبحانه
ما يُصان عن تُهمة إدراك الأغيار من نحو تلك الفواتح، ولعلَّ إدراكها عند أهلها
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٣٧١٢)، والحاكم ٥٠٩/١ - ٥١٠ عن عبد الله بن
مسعود ربه. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٣٩) عن أبي موسى
الأشعري رضيبه، وحديث ابن مسعود حسنه الحافظ ابن حجر كما في الفتوحات الربانية لابن
علان ١٣/٤، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٢) قوله: كل، ليس في الأصل.
(٣) في الأصل: يستأمن.
(٤) ذكره الملا علي القاري في المصنوع ص١٨٩، وقال: قال النووي: ليس بثابت.