النص المفهرس
صفحات 1-20
انَخَانِى مع التعـ في تَفِي القرآن العظيم والسُّنْع المثانى تأليفٌ شِهَابُ الذِينٌ أبُ الثَّمَاءِ ◌َجٌمُودِيْنُ عَبْدَ اللَّه الآلوسيْ الْبُعْدادِيّ (١٢١٧ - ١٢٧٠هـ) حقّقَة هَذَّا الجزء مَامِرْجَ بُوشٌ سَاهُمْ في تحقيقه لا يرسل الفروجي أحمد العَائِيُ عَطَاء السَّارِّاني المَجَدّ الّية مؤسسة الرسالة -3 تُفَعُ الْمَعَانِى في تفِ القُرآن ◌َعَ ظِيْ والِسَنْ المَشَارُ (٤) جَمِيعُ الحقوق محفوظَة لِلّاثر الطَّبعة الأولى ١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م مؤسسة الرسالة للطّبَاعَة وَالشّرَ وَالتوزيع بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان Al-Resalah Publishing House BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460 Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com سُورَةُ الْ عُقْرَانَ وهي مئتا آية . أخرج ابنُ الضُّريس والنحاس والبيهقيُّ من طرقٍ عن ابن عباس ﴿مّ أنها نزلت بالمدينة(١)، واسمها في التوراة - كما روى سعيد بن منصور(٢) - طيبة. وفي (صحيح مسلم) تسميتُها والبقرةَ الزهراوين(٣). وتسمَّى الأمان والكنز والمُغنية والمجادلة وسورة الاستغفار. ووجه مناسبتها لتلك السورة: أن كثيراً من مُجمَلاتها تُشرح بما في هذه السورة، وأن سورة البقرة بمنزلة إقامة الحجّة وهذه بمنزلة إزالة الشبهة؛ ولهذا تكرّر فيها ما يتعلَّق بالمقصود الذي هو بيان حقِّيَّة الكتاب من إنزال الكتاب وتصديقه للكتب قبله والهدى إلى الصراط المستقيم. وتكرَّرت آية ﴿قُولُوَاَ ءَامَنَا بِلَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ [البقرة: ١٣٦] بكمالها ولذلك ذكر في هذه ما هو تالٍ لِمَا ذكر في تلك، أو لازمٌ له، فذكر هناك خلقَ الناس، وذكر هنا تصويرَهم في الأرحام. وذكر هناك مبدأ خَلْق آدم، وذكر هنا مبدأ خلق أولاده. وألطفُ من ذلك أنه افتتح البقرةَ بقصة آدم وخلقِه من ترابٍ ولا أمِّ، وذكر في هذه نظيرَه في الخلق من غير أبٍ وهو عيسى، ولذلك ضرب له المثلَ بآدم. واختصَّت البقرة بآدم لأنها أول السُّور، وهو أول في الوجود وسابقٌ، ولأنها الأصل، وهذه كالفرع والنتمةِ لها فاختصَّت بالأغرب، ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا، وأنكروا وجودّ ولدٍ بلا أب، فقُوتحوا بقصة آدم لتَثْبُتَ في (١) فضائل القرآن لابن الضُّريس ص٣٤، ومعاني القرآن للنحاس ٣٣٩/١. (٢) في سننه (٥٥٣ - تفسير). (٣) صحيح مسلم (٨٠٤)، وأخرجه أحمد (٢٢١٤٦)، وهو من حديث أبي أمامة له. سُورَةُ العَقْرَانَ ٦ الآية : ١ و ٢ أذهانهم، فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذُكِر عندهم ما يشهد لها من جنسها، ولأن قصة عيسى قِيست على قصة آدم، والمَقيسُ عليه لابد وأن يكون معلوماً لتتمَّ الحُجَّة بالقياس؛ فكانت قصة آدم والسورة التي هي فيها جديرةً بالتقديم. وقد ذكر بعضُ المُحققين من وجوه التلازم بين السورتين: أنه قال في ((البقرة)) في صفة النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [الآية: ٢٤] مع افتتاحها بذكر المتَّقين والكافرين معاً، وقال في آخر هذه: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُثَّقِينَ﴾ [الآية: ١٣٣] فكأن السورتين بمنزلة سورةٍ واحدة. وممَّا يقوِّي المناسبةَ والتلازُمَ بينهما: أن خاتمةَ هذه مناسِبةٌ لفاتحة تلك؛ لأن الأولى افتتحت بذكر المتَّقين وأنهم المفلحون، وختمت هذه بقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الآية: ١٣٠]، وافتتحت الأولى بقوله سبحانه: ﴿وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الآية: ٤] وخُتمت آل عمران بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الآية: ١٩٩]. وقد ورَد أن اليهود قالوا لمَّا نزل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]: يا محمد، افتقر ربُّك يسأل عبادَه القرضَ؟ فنزل ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَكُ﴾ [آل عمران: ١٨١](١). وهذا مما يقوِّي التلازمَ أيضاً. ومثلُه أنه وقع في البقرة حكايةُ قول إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الآية: ١٢٩]، وهنا ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولَا مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الآية: ١٦٤]، إلى غير ذلك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الّ ◌َ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ ﴾ قرأ أبو جعفر، والأعشى(٢) والبرجمي(٣) (١) أخرجه الطبري ٦/ ٢٨٠ عن الحسن البصري وقتادة. (٢) في الأصل: الأعمش، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في جامع البيان للداني ٢/ ٧٠. والأعشى: هو يعقوب بن محمد بن خليفة أبو يوسف التيمي الكوفي من أجل أصحاب أبي بكر شعبة. غاية النهاية ٣٩٠/٢. (٣) عبد الحميد بن صالح بن عجلان التيمي، أبو صالح الكوفي، أخذ القراءة عن أبي بكر بن عياش، مات سنة (٢٣٠هـ). غاية النهاية ٣٦٠/١. الآية : ٢ ٧ سُورَةُ الْعَنْرَانَ عن أبي بكر عن عاصم بسكون الميم وقطع الهمزة (١)، ولا إشكال فيها، لأن طريقَ التلفُّظ فيما لا تكون من هذه الفواتح مفردةً كـ﴿ص﴾ ولا مُوازِنةً لمفردٍ ک ﴿حم﴾ حسبما ذكر في ((الكتاب))(٢) الحكايةُ فقط ساكنة الأعجاز على الوقف، سواءٌ جُعلت أسماءً، أو مسرودةً على نمط التعديد، وإن لزمها التقاء الساكنين؛ لِما أنهُ مغتفَرٌ في باب الوقف قطعاً، ولذا ضُعِّفت قراءة عمرو بن عُبيد بكسر الميم(٣). والجمهور يفتحون الميم ويطرحون الهمزة من الاسم الكريم، قيل: وإنَّما فُتحت لإلقاء حركةِ الهمزة عليها ليدلَّ على أنَّها في حكم الثابت؛ لأنَّها أُسقطت للتخفيف لا للدَّرْج، فإنَّ الميم في حكم الوقف كقوله: واحد اثنان(٤)، لا لالتقاء الساكنين كما قال سيبويه(٥)؛ فإنَّه غيرُ محذورٍ في باب الوقف، ولذلك لم تحرَّك في ((لام)). وإلى ذلك ذهب الفرَّاء(٦). وفي ((البحر)): أنَّه ضعيفٌ لإجماعهم على أنَّ الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل، وما يسقطُ لا تُلْقَى حركته، كما قاله أبو علي(٧). وقولهم: إنَّ الميم في حكم الوقف وحركتُها حركة الإلقاء مخالفٌ لإجماع العرب والنحاة أنَّه لا يُوقَف على متحرِّكِ البتة، سواء في ذلك حركةُ الإعراب والبناء والنقل والتقاء الساكنَين والحكاية والإتباع، فلا يجوز في ﴿قَدّ أَفْلَحَ﴾ [المؤمنون: ١] إذا حذفتَ الهمزةَ ونقلتَ حركتَها إلى الدال أنْ تقفَ على دال ((قد)» بالفتحة، بل تُسكِّنها قولاً واحداً. وأمَّا تنظيرهم بـ ((واحد اثنان)) بإلقاء حركة الهمزة على الدال، فإنَّ سيبويه(٨) ذكر أنَّهم يُشِمُّون آخر ((واحد)) لتمكُّنه، ولم يحكِ الكسر لغةً، فإِنْ صَّ الکسرُ فليس (واحد)) موقوفاً عليه كما زعموا، ولا حركته حركة نقلٍ من همزة الوصل، ولكنَّه (١) وهي غير المشهورة عن أبي جعفر وعاصم. (٢) ٤ / ١٥٣. (٣) القراءات الشاذة ص١٩. (٤) بإلقاء حركة الهمزة على الدال لتدل عليها. ينظر البحر ٣٧٥/٢. (٥) في الكتاب ١٥٣/٤. (٦) في معاني القرآن ٩/١. (٧) في الحجة في القراءات السبعة ٩/٣. (٨) في الكتاب ٢٦٥/٣. سُورَةُ الْعُمان ٨ الآية : ٢ موصولٌ بقولهم: اثنان فالتقى ساكنان: دالُ واحد وثاءُ اثنين، فكسرت الدال لالتقائهما، وحُذفت الهمزة لأنَّها لا تثبت في الوصل. وأمَّا قولهم: إنَّه غير محذورٍ في باب الوقف، ولذلك لم يحرّك في ((لام)). فجوابه: أنَّ الذي قال: إنَّ الحركة لالتقاء الساكنين، لم يُرِدْ بهما التقاءَ الياء والميم من ((ألم)) في الوقف، بل أراد الميم الأخير من ((ألم)) ولام التعريف، فهو كالتقاء نون ((مِنْ)) ولام الرَّجل، إذا قلت: مِنَ الرجل. على أنَّ في قولهم تَدافُعاً؛ فإنَّ سكون آخر الميم إنَّما هو على نِيَّة الوقف عليها، وإلقاءُ حركة الهمزة عليها إنَّما هو على نية الوصل، ونيةُ الوصل توجبُ حذفَ الهمزة، ونيةُ الوقف على ما قبلها توجبُ ثباتَها وقَطْعَها، وهذا متناقضٌ(١). ولذا قال الجاربردي (٢): الوجه ما قاله سيبويه والكثيرُ من النُّحاة أنَّ تحريك الميم لالتقاء الساكنين، واختيارُ الفتح لحقَّته وللمحافظة على تفخيم الاسم الجليل، واختار ذلك ابنُ الحاجب، وادَّعى أنَّ في مذهب الفرَّاء حملاً على الضعيف؛ لأنَّ إجراء الوصل مجرَى الوقف ليس بقويٌّ في اللغة. وقال غير واحدٍ: لا بدَّ من القول بإجراء الوصل مجرى الوقف، والقولُ بأنَّه ضعيفٌ غيرُ مسلَّم، ولئن سُلِّم فغيرُ ناهضٍ؛ لأنَّه قويٌّ فيما المطلوبُ منه الخفَّةُ كـ : ثلاثة أربعة، وهاهنا الاحتياج إلى التخفيف أمسُ، ولهذا جعلوه من موجبات الفتح، وإنَّما قيل ذلك لأنَّ هذه الأسماء من قَبِيلِ المُعْرَبات، وسكونُها سكونُ وقفٍ لا بناء، وحقُّها أنْ يوقفَ عليها، و((ألم)) رأسُ آية، ثم إنْ جُعلت اسمَ السورة فالوقفُ عليها لأنَّها كلامٌ تامّ، وإنْ جُعلت على نمط التعديد لأسماء الحروف - إمَّا قرعاً للعصا أو مقدمةً لدلائل الإعجاز - فالواجب أيضاً القطعُ والابتداءُ بما بعدها؛ تفرقةً بينها وبين الكلام المستقِلِّ المفيد بنفسه. (١) البحر ٣٧٤/٢ - ٣٧٦. (٢) أحمد بن الحسن بن يوسف، التقى بالبيضاوي وأخذ عنه، له: شرح منهاج البيضاوي، وشرح تصريف ابن الحاجب، وحاشية على الكشاف، توفي سنة (٧٤٦هـ). طبقات الشافعية الكبرى ٨/٩، والدرر الكامنة ١٤٢/١. الآية : ٢ ٩ سُورَةُ العَزَانَ فإذن القول بنقل الحركة هو المقبول؛ لأنَّ فيه إشعاراً بإبقاء أثرِ الهمزة المحذوفة للتخفيف المؤذن بالابتداء والوقف، ولا كذلك القولُ بأنَّ الحركة لالتقاء الساكنين، وحيث كانت حركة الميم لغيرها كانت في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهّم؛ لئلا يلزم المحذُور(١). وكلامُ الزمخشريِّ في هذا المقام مضطرب؛ ففي ((الكشاف))(٢) اختار مذهبَ الفرَّاء، وفي ((المفصَّل)) اختار مذهبَ سيبويه، ولعلَّ الأول مبنيٌّ على الاجتهاد، والثاني على التقليد والنقلِ لما في ((الكتاب))؛ لأن ((المفضَّل)) مختصرُه، فتدبّر. وقد تقدَّم الكلام على ما يتعلَّق بالفواتح من حيث الإعرابُ وغيره، وفيه كفاية لمن أخذت العنایةُ بیده. والاسم الجليل مبتدأً وما بعدَه خبرُه، والجملة مستأنفة، أي: هو المستحِقُّ للعبودية(٣) لا غيره. و((الحيُّ القيوم)) خبرٌ بعد خبر له، أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: هو الحيُّ القيوم لا غير، وقيل: هو صفةٌ للمبتدأ، أو بدلٌ منه، أو من الخبر الأول، أو هو الخبر وما قبله اعتراضٌ بين المبتدأ والخبر ومقرِّرٌ لما يُفيده الاسم الكريم، أو حالٌ منه على رأي مَن يَرَى صحة ذلك، وأيًّا ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاقِ المعبوديّة به سبحانه. وقد أخرج الطبرانيُّ وابنُ مردويه من حديث أبي أمامة مرفوعاً: ((إنَّ اسم الله الأعظمَ في ثلاث سُورٍ: سورة البقرة وآل عمران وطه)) وقال أبو أمامة: فالتمستُها فوجدت في ((البقرة)): ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [الآية: ٢٥٥] وفي آل عمران ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ آلْحَىُّ الْقَيُّوُ﴾ [الآية: ٢] وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّورِ﴾ [الآية: ١١١] (٤) (١) في (م): المحذر. (٢) ١/ ٤١٠. (٣) في الأصل: للمعبودية. (٤) المعجم الكبير (٧٧٥٨)، والأوسط (٨٣٦٧) دون قولٍ أبي أمامة: فالتمستها ... ، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٣٢٥/١، وعنه نقل المصنف، وعزاه لابن مردويه أيضاً ابن كثير عند تفسير آية الكرسي، ولكن نُسب فيه قول أبي أمامة عقب الحديث لهشام بن = سُوَّةُ الَّعَنْزَانَ ١٠ الآية : ٢ وقَرأ عمر وابن مسعود وأبيٍّ وعلقمة: ((الحي القيَّام))(١). وهذا ردٌّ على النصارى الزَّاعمين أنَّ عيسى عليه السلام كان ربًّا؛ فقد أخرج ابن إسحاق وابنُ جرير وابنُ المنذر(٢)، عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدم على النبيِّ وَّه وفدُ نجرانَ وكانوا ستِّينَ راكباً فيهم أربعةَ عشر رجلاً من أشرافهم، فكلَّم رسولَ الله وَله منهم أبو حارثةَ بنُ علقمة والعاقبُ وعبد المسيح(٣) والأيهم السيدُ، وهو (٤) من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم، يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله؛ ويقولون: هو ثالثُ ثلاثة، كذلك(٥) قول النصرانية. وهم يحتجُّون لقولهم، يقولون: هو الله؛ فإنَّه كان يُحيي الموتى، ويُبرئ الأسقام، ويُخبر بالغيوب، ويَخلُق من الطين كهيئة الطير فينفخُ فيه فيكونُ طيراً. ويحتجُّون في قولهم: إنَّه ولد الله، بأنَّه لم يكن له أبٌّ يُعلَم، وقد تكلّم في المهد وصنَع ما لم يَصْنَعْه(٦) أحدٌ مِن ولد آدم قبلَه. ويحتجُون في قولهم: إنَّه ثالث ثلاثة، أنَّ الله تعالى يقول: فَعَلْنا، وأمَرْنا، وخلَقنا، وقضَينا، فلو كان واحداً ما قال إلا: فعلتُ، وأمرتُ، وخلقتُ، وقضيتُ، ولكنَّه هو وعيسى ومريم، ففي كلِّ ذلك من قولهم نزل القرآن، وذكر الله تعالى لنبيِّه ◌َز فيه قولهم. = عمار أحد رجال الإسناد. وأخرج المرفوع أيضاً ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٧٦) و(١٧٧). وفي الباب عن أسماء بنت يزيد عند أحمد (٢٧٦١١)، وأبي داود (١٤٩٦)، والترمذي في (٣٤٧٨). (١) القراءات الشاذة ص١٩، والمحتسب ١٥١/١، والبحر ٣٧٧/٢. (٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٣-٥٧٦، وتفسير الطبري ١٧١/٥-١٧٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣/٢. (٣) كذا في الأصل و(م) والدر، والذي في السيرة وتفسير الطبري: والعاقب عبد المسيح، وهو الصواب. (٤) في السيرة: وهم. (٥) في السيرة وتفسير الطبري: وكذلك. (٦) جاء بدل قوله: وصنع مالم يصنعه أحد، في السيرة: وهذا لم يصنعه أحد، وفي تفسير الطبري: شيء لم يصنعه أحد، وفي الدر: شيئاً لم يصنعه أحد. الآية : ٢ ١١ سُورَةُ الْ عُقْرَانَ فلمَّا كلَّمه الحبران - وهما العاقِبُ والسيد، كما في رواية الكلبي والربيع عن أنس - قال لهما رسولُ اللهِ وَل ◌ِ: ((أسلِما)) قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: ((كذبتما، منعكما من الإسلام دعاؤكما لله تعالى ولداً، وعبادتُكما الصَّليبَ، وأكْلُكما الخنزير» قالا: فَمَن أبوه يا محمد؟ فصمَت(١) فلم يُجب شيئاً، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم واختلافِ أمرِهم كلُّه صدرَ سورة آل عمران إلى بِضْعٍ وثمانينَ آيَةً منها، فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوا، وتوحيدِهِ إِيَّاها بالخلقِ والأمّرٍ، لا شريكَ له فيه، وردًّ عليهم ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجَّ عليهم بقولهم في صاحبهم ليُعَرِّفَهم بذلك ضلالتَهم فقال: ﴿الَّ جَ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: ليس معه غيره شريك في أمره، ((الحي)) الذي لا يموت وقد مات عيسى عليه السلام في قولهم. ((القيُّوم)) القائم على سلطانه لا يزول، وقد زال عيسى. وفي رواية ابنٍ جرير عن الربيع قال: إنَّ النصارَى أَتَوا رسولَ اللهِوَّهِ، فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له: مَن أبوه؟ وقالوا على الله تعالى الكذبَ والبهتان. فقال لهم النبيُّ ◌َّهِ ((ألستُم تعلمون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه)» قالوا: بلى. قال: ((ألستمُ تعلمون أنَّ ربَّنا حيٍّ لا يموت، وأنَّ عيسى يأتي عليه الفناءُ؟» قالوا: بلى. قال: ((ألستُم تعلمون أنَّ ربَّنا قيِّمُ على كلِّ شيءٍ يَكْلَوْه ويحفظُه ويرزقهُ؟)) قالوا: بلى. قال: ((فهل يَملكُ عيسى من ذلك شيئاً؟)) قالوا: لا. قال: ((ألستُم تَعلمون أنَّ الله تعالى لا يخفَى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء؟» قالوا: بلى. قال: ((فهل يَعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما عُلِّم؟)) قالوا: لا. قال: ((ألستم تعلمون أنَّ ربَّنا صوَّر عيسى في الرَّحم كيف شاء، وأن ربَّنا لا يأكلُ الطعامَ ولا يشرب الشرابَ ولا يُحدِثُ الحدثَ؟» قالوا: بلى. قال: ((ألستُم تعلمون أنَّ عيسى حَمَلته أمُّه كما تحمل المرأةُ، ثم وضعتْه كما تَضع المرأةُ ولدها، ثم غُذِّي كما يغذَّى الصبيُّ، ثم كان يأكل الطعام ويشربُ الشرابَ ويُحدِث الحدث؟)) قالوا: بلى. قال: ((فكيف يكون هذا كما زعمتُم؟)) فعرفوا ثم أبَوا إلا جحوداً، فأنزل: ﴿الَّ ◌َ اللَّهُ لَآّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَىُّ الْقَيُُّ﴾(٢). (١) في الأصل و(م): وصمت، والمثبت من المصادر. (٢) تفسير الطبري ١٧٤/٥ - ١٧٥، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٣/٢. سُورَةُ العمران ١٢ الآية : ٣ ﴿وَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ أي: القرآنَ الجامع للأصول والفروع، ولِمَا كان وما يكونُ إلى يوم القيامة. وفي التعبير عنه باسم الجنس إيذانٌ بتفوُّقه على بقيّة الأفراد في الانطواء على كمالات الجنس، كأنَّه هو الحقيق بأن يُطلَق عليه اسمُ الكتاب دون ما عَداه، كما يلوِّح إليه التصريحُ باسم التوراة والإنجيل. وفي الإتيان بالظرف، وتقديمِه على المفعول الصَّريح، واختيارٍ ضميرٍ الخطاب، وإيثار ((على)) على ((إلى)) ما لا يخفَى من تعظيمه وَّرَ، والتنويهِ برفعة شأنه عليه الصلاة والسلام. والجملةُ إمّا مستأنَفةٌ، أو خبرٌ آخَرُ للاسم الجليل، أو هي الخبر وما قبلُ كلُّ اعتراضٌ أو حال، و((الحيُّ القيوم)» صفة أو بدل. وقرأ الأعمش: (نَزَل)) بالتخفيف، ورفع ((الكتاب))(١). والجملةُ حينئذ منقطعةٌ عمَّا قبلها، وقيل: متعلِّقة به بتقديرٍ: مِن عندهِ. ﴿بَلْحَقِ﴾ أي: بالصِّدق في أخباره، أو بالعدل كما نصَّ عليه الرَّاغب(٢)، أو بما يحقّق(٣) أنَّه من عند الله تعالى مِن الحُجَج القطعية. وهو في موضع الحال، أي: متلبِّساً بالحقِّ، أو مُحِقّاً، وفي ((البحر)): يحتمل أنْ تكونَ الباء للسببية، أي: (٤) بسبب إثبات الحق . ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ من الكتاب إثرَ حالٍ، أو بدلٌ من موضع الحال الأول، أو حالٌ من الضمير في المجرور، وعلى كلِّ حال فهي حالٌ مؤكّدة. ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: الكتب السَّالفة، والظرفُ مفعولُ ((مصدِّقاً))، واللامُ لتقوية العمل. وكيفيةُ تَصْدِيقِه لِمَا تقدَّم تقدَّمَت. ﴿وَزَّلَ التَّوْرَةَ وَالْإِنجِيلَ ﴾﴾ ذكرهما تعييناً لـ ((ما بين يديه))، وتبييناً لِرفعة محلِّه، وبذلك(٥) تأكيدٌ لِما قبلُ وتمهيدٌ لما بعدُ، ولم يذكر المنزل عليه فيهما لأنَّ الكلام (١) القراءات الشاذة ص ١٩، والمحتسب ١٦٠/١. (٢) في مفرداته (حقق). (٣) في الأصل: تحقق. (٤) البحر ٢/ ٣٧٧. (٥) في (م): بذلك، والمثبت من الأصل وهو الصواب. الآية : ٣ ١٣ سُورَةُ الْعِنْرَانَ في الكتابَين لا فيمَن أنزلًا عليه. والتعبير بـ ((أَنزل)) فيهما للإشارة إلى أنَّه لم يكن لهما إلا نزولٌ واحد، وهذا بخلاف القرآن فإنَّ له نزولَين: نزولٌ من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة من سماء الدنيا جملةً واحدةً، ونزولٌ من ذلك إليه وَلِّ منجَّماً في ثلاثٍ وعشرين سنةً على المشهور، ولهذا يقال فيه: ((نزّل)) و((أنزل))، وهذا أَولَى مما قيل: إنَّ (نزّل)) يقتضي التدريج، و((أنزل)) يقتضي الإنزالَ الدَّفْعي؛ إذ يُشكل عليه: ﴿لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَِدَةٌ﴾ [الفرقان: ٣٢] حيث قرن ((نزّل)) بكونه جملةً، وقوله تعالى: ﴿وَقَّدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِ اَلْكِتَبِ﴾ [النساء: ١٤]. وذكرَ بعضُ المحققين لهذا المقام: أنَّ التدريج ليس هو التكثير، بل الفعل شيئاً فشيئاً كما في: تسلسَل، والألفاظ لا بدَّ فيها من ذلك، فصيغة ((نزَّل)) تدلُّ عليه، والإنزال مطلَقٌ، لكنَّه إذا قامت القرينة يُراد بالتدريج التنجيم، وبالإنزال الذي قد قُوبل به خلافُه أو المطلَق بحسب ما يقتضيه المقام. واختلف في اشتقاق التوراة والإنجيل، فقيل: اشتقاق الأول من وَرِي الزنادُ: إذا قدَح فظهر منه النارُ؛ لأنَّها ضياء ونورٌ بالنسبة لِما عدَا القرآن، تَجلو ظلمةً الضَّلال. وقيل: من ورَّى في كلامه: إذا عرَّض؛ لأنَّ فيها رموزاً كثيرة وتلويحاتٍ جليلة. ووزنها عند الخليل وسيبويه ((فَوْعَلة)) ك: صَوْمَعة(١)، وأصلُه وَوْرَية بواوَين، فأُبدلَت الأولى تاء وتحرَّكت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً فصارت ((توراة))، وكتبت بالياء تنبيهاً على الأصل، ولذلك أميلت. وقال الفرَّاء: وزنها ((تَفعِلة)) بكسر العين، فأبدلت الكسرة فتحة وقلبت الياء ألفاً، وفعل ذلك تخفيفاً كما قالوا في توصية: ((توصاة)). واعترضه البصريون بأنَّ هذا البناء قليلٌ، وبأنَّه يَلْزمُ منه زيادةُ التاء أولاً، وهي لا تزاد كذلك إلا في مواضع ليس هذا منها. وذهب بعضُ الكوفيين إلى أنَّ وزنها (تَفْعَلة)) بفتح العين، فقلبت الياء ألفاً. (١) قولهما في البحر ٣٧١/٢، وحاشية الشهاب ٣/٣، والكلام منه. سُورَةُ العمران ١٤ الآية : ٣ وقيل: اشتقاق الثاني من ((النَّجْل)) بفتحِ فسكون، وهو الماء الذي ينزُّ من الأرض، ومنه النَّجيل لما ينبت فيه، ويطلق على الوالد والولد، وهو أعرفُ، فهو ضدِّ كما قاله الزجَّاج(١)، وهو من: نَجل بمعنى: ظَهَر، سمِّي به لأنَّه مستخرَجٌ من اللوح المحفوظ وظاهرٌ منه، أو من التوراة. وقيل: من النَّجَل وهو التوسعة، ومنه: عينٌ نجلاء لسَعتها؛ لأنَّ فيه توسعةً ما لم يكن في التوراة؛ إذ حُلِّل فيه بعضُ ما حُرِّم فيها . وقيل: مشتقٌّ من التناجُل وهو التنازُع، يقال: تناجَل الناسُ: إذا تنازَعوا، وسمي به لكثرة التنازع فيه، کذا قيل. ولا يخفى أنَّ أمرَ الاشتقاق والوزن على تقديرٍ عربيةِ اللفظَين ظاهرٌ، وأمَّا على تقدير أنَّهما أعجميان أَولهُما عبرانيٌّ والآخرُ سريانيٍّ - وهو الظاهر- فلا معنَى له على الحقيقة؛ لأنَّ الاشتقاق من ألفاظٍ أُخَر أعجميةٍ مما لا مجال لإثباته، ومن ألفاظِ عربية كما سمعت استنتاجٌ للضَّب من الحوت، فلم يبقَ إلا أنَّه بعد التعريب أجْرَوه مجرى أبنيتهم في الزيادة والأصالة، وفرَضوا له أصلاً ليتعرَّف ذلك، كما أشرنا إليه فيما قبلُ. والاستدلالُ على عربيَّتِهما بدخول اللام - لأنَّ دخولها في الأعلام الأعجمية(٢) محلُّ نظر - محلٌّ نظرٍ؛ لأنَّهم ألزموا بعضَ الأعلام الأعجمية الألفَ واللام علامةً للتعريف، كما في: الإسكندرية، فإنَّ أبا زكريا التبريزيَّ قال(٣): إنَّه لا يُستعمل بدونها مع الاتفاق على أعجميته. ومما يؤيِّد أعجمية ((الإنجيل)) ما روي عن الحسن أنَّه قرأه بفتح الهمزة(٤). و((أَفعيل)) ليس من أبنية العرب. ﴿مِن قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ((أَنزل)) أي: أنزلَهما من قبل تنزيل الكتاب، وقيل: من قبلك. والتصريحُ به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان، كذا قالوا برُمَّتهم. (١) كذا في الأصل و(م)، وفي حاشية الشهاب ٣/٣ والكلام منه: الزجاجي. (٢) في (م): العجمية. (٣) قوله في حاشية الشهاب ٣/٣، والكلام الذي قبله منه. (٤) القراءات الشاذة ص ١٩، والمحتسب ١/ ١٥٢. الآية : ٤ ١٥ سُورَةُ آل عمران وأنا أقولُ: التصريحُ به للرَّمز إلى أنَّ إنزالهما متضمِّنٌّ للإرهاص لبعثته وَلِ حيث قَيَّد الإنزال المقيّد بـ ((مِن قبلُ)) بقوله سبحانه: ﴿هُدِّى لِلِنَّاسِ﴾ أي: أنزلهما كذلك لأجل هداية الناس الذينَ أُنزلا عليهم إلى الحقِّ الذي من جملته الإيمانُ بهِ وَله واتِّباعه حين يُبعث؛ لِمَا اشتمَلَتا عليه من البشارة به والحثّ على طاعته عليه الصلاة والسلام، والهدايةُ بهما بعد نسخ أحكامهما بالقرآن إنَّما هي من هذا الوجه لا غير. والقولُ بأنَّه يُهتدَى بهما - أيضاً - فيما عدا الشرائع المنسوخة من الأمور التي يصدِّقها القرآن، ليس بشيء؛ لأنَّ الهداية إذ ذاك بالقرآن المصدِّق لا بهما، كما لا يخفى على المنصِف. ويجوزُ أنْ ينتصب ((هدى)) على أنَّه حالٌ منهما، والإفرادُ لِمَا أنَّه مصدر، جُعِلا نفسَ الهدى مبالغةً، أو حُذفَ منه المضاف، أي: ذَوَي هدى، وجعلُه حالاً من ((الكتاب)) مما لا ينبغي أنْ يُرتكبَ فيه. ﴿وَلَ الْقُرْقَانُ﴾ أخرج عبد بن حميد عن قتادة(١) أنَّه القرآن فرَّق به بين الحقِّ والباطل، فأحلَّ فيه حلاله وحرَّم حرامه، وشَرَّعَ شرائعه وحدَّ حدوده، و[فرض فيه] فرائضه، وبيَّن به بيانه، وأمرَ بطاعته ونَهَى عن معصيته. وذُكِر بهذا العنوان بعد ذِکره باسم الجنس تعظيماً لشأنه ورفعاً لمكانه. وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير: أنَّه الفاصل بين الحقِّ والباطل فيما اختلف فيه الأحزابُ مِن أمر عيسى عليه السلام وغيره (٢). وأَيِّد هذا بأنَّ صدر السورة - كما قدَّمنا - نزلَت في محاجَّة النصارَى للنبيِّ وَّ في أمر أخيه عيسى عليه السلام. وعليه يكون المراد بـ ((الفرقان)) بعضَ القرآن، ولم يكتفِ باندراجه في ضمن الكلِّ اعتناءً به. ومثلُ هذا القول ما روي عن أبي عبد الله ◌َ ه: أنَّ المراد به كلُّ آيةٍ مُحْكّمةٍ. وقيل: المراد به جنسُ الكتب الإلهية، عبَّر عنها بوصفٍ شامل لما ذكر منها وما لم يُذكر، على طريق التتميم بالتعميم إثرَ تخصيصٍ بعض مشاهيرها بالذِّكر. (١) كما في الدر المنثور ٣/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ١٨٣/٥، وما سيأتي بين حاصرتين منهما . (٢) تفسير الطبري ١٨٢/٥ -١٨٣. سُورَةُ العَقْرَانَ ١٦ الآية : ٤ وقيل: نفسُ الكتب المذكورة أُعيدَ ذِكرُها بوصفٍ خاصٍّ لم يُذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ الإنزال؛ تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلةَ التغاير الذاتي. وقيل: المُراد به الزبورُ، وتقديمُ الإنجيل عليه مع تأخُّره عنه نزولاً؛ لقوَّة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام وشيوع اقترانهما في الذِّكر. واعتُرض بأنَّ الزبور مواعظُ، فليس فيه ما يفرِّق بين الحقِّ والباطل من الأحكام؟ وأُجيبَ بأنَّ المواعظِ لِما فيها من الزَّجر والترغيب فارقةٌ أيضاً، ولخفاء الفرق فيها خُصَّت بالتوصيف به. وأُؤْرِدَ عليه بأن ذِكر الوصف دون الموصوف يقتضي شهرتَه به، حتى يُغني عن ذكر موصوفه، والخفاءُ إنَّما يقتضي إثبات الوصف دون التعبير به. وقيل: المرادُ به المعجزاتُ المقرونة بإنزال الكتب المذكورة، الفارقةُ بين المحقِّ والمبطل. وعلى أيِّ تقديرٍ كان فهو مصدرٌ في الأصل كالغفران أُطلِقٍ على الفاعل مبالغة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اللَّهِ﴾ يحتمل أنْ تكون الإضافة للعهد إشارةً إلى ما تقدَّم من آيات الكتب المنزلة، ويحتملُ أنْ تكون للجنس، فَتَصْدُقُ الآياتُ على ما يتحقَّق في ضمن ما تقدَّم وعلى غيره كالمعجزات(١)، وأضافها إلى الاسم الجليل تعييناً الحيثيّ كفرِهم وتهويلاً لأمرهم وتأكيداً لاستحقاقهم العذابَ. والمراد بالموصول إمَّا مَن تقدَّم في سبب النزول، أو أهلُ الكتابين، أو جنسُ الكَفَرة، وعلى التقديرَين يَدخل أولئك فيه دخولاً أولياً . ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ابتداءٌ وخبر في موضع خبر ((إنَّ)، ويجوز أنْ يرتفع العذاب بالظرف. والتنكيرُ للتفخيم، ففيه إشارةٌ إلى أنَّه لا يُقدَر قدرُه، وهو مَناط الحصر المستفاد من تقديم الظرف، والتعليقُ بالموصول الذي هو في حكم المشتقِّ يُشعر بالعلِّية، وهو معنَى تضمُّنِهِ الشرطَ، وتُرك فيه الفاء لظهوره، فهو أبلغُ إذا اقتضاه المقام. (١) في الأصل: في المعجزات. الآية : ٥ و ٦ ١٧ سُورَةُ الِ عُثْمَانَ ﴿وَلَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي غالبٌ على أمره يفعل ما يشاء ويَحكم ما يريد. ﴿ذُو انِقَاءٍ ﴾﴾ افتعال من النِّقمة، وهي السَّطوة والتسلُّط؛ يقال: انتقم منه، إذا عاقبه بِجنايته، ومجرَّده: نقم بالفتح والكسر، وجعلَه بعضُهم بمعنى كرِه لا غير. والتنوينُ للتفخيم. واختار هذا التركيب على منتقم مع اختصاره؛ لأنَّه أبلغُ منه، إذ لا يقال: صاحبُ سيفٍ، إلا لمن يُكثر القتلَ، لا لمن معه السيف مطلقاً. والجملة اعتراضٌ تذييلي مقرِّرٌ للوعید مؤكِّدٌ له. استئنافٌ لبيان سَعة علمِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ سبحانه وإحاطتِهِ بجميع ما في العالَم الذي مِن جملته إيمانُ مَنْ آمن وكفرُ من كفَر، إثر بيان كمالٍ قدرته وعظيم عزَّته، وفي بيان ذلك تربيةٌ للوعيد، وإشارةٌ إلى دليل كونه حيّاً، وتنبيهٌ على أنَّ الوقوف على بعض المغيَّبات - كما وقع لعيسى عليه السلام - بمعزلٍ مِن بلوغ رُتبة الصِّفات الإلهية. والمرادُ من الأرض والسماء العالَمُ بأسرِهِ، وجعَلَه الكثيرُ مجازاً من إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ. ومَن قال: إنَّه لا يصحُّ في كلٌّ كلٌّ وجزءٌ، بناءً على اشتراط التركيب الحقيقيِّ وزوالِ ذلك الكلِّ بزوال ذلك الجزء، جَعَل المذكورَ كنايةٌ لا مجازاً. وتقديمُ الأرض على السماء؛ إظهاراً للاعتناء بشأن أحوال أهلها، واهتماماً بما يشير إلى وعيد ذوي الضَّلالة منهم، وليكونَ ذِكرُ السماء بعدُ من باب العروج، قيل: ولذا وسّط حرف النفي بينهما . والجملة المنفية خبر لـ ((إنَّ)، وتكريرُ الإسناد لتقوية الحكم، وكلمة ((في)) متعلِّقة بمحذوفٍ وقع صفة لـ ((شيء)» مؤكِّدةً لعمومه المستفادِ من وقوعه في سياق النفي، أي: لا يخفى عليه شيءٌ ما كائنٌ في العالم بأسره، كيفما كانت الظرفية. والتعبيرُ بعدم الخفاء أبلغُ من التعبير بالعلم، وجوَّز أبو البقاء تعلُّق الظرف بـ ((يخفى)(١). وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَفُِّكُمْ فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ على الصحيح، ناطقةٌ ببعض أحكام قيُّومِيّته تعالى، مشيرةٌ إلى تقرير عِلمه مع زيادةِ بيانٍ لتعلُّقه بالأشياء قبل وجودها . (١) الإملاء ٢٣/٢ - ٢٤. سُورَةُ العَزَانَ ١٨ الآية : ٦ والتصوير: جعلُ الشيء على صورةٍ لم يكن عليها، والصورة هيئةٌ يكون عليها الشيء بالتأليف. و((الأرحام)): جمع رَحِم، وهي معلومةٌ وكأنَّها أُخذت من الرَّحمة؛ لأنَّها مما يُتراحم بها ويتعاطف. وكلمة ((في)) متعلّقة بـ ((يصوِّر))، وجوِّز أنْ يكون حالاً من المفعول، أي: يصوركم وأنتم في الأرحام مُضَغٌّ. و(كيف)) في موضع نصب بـ ((يشاء)»، وهو حال، والمفعولُ محذوف تقديره: يشاء تصويرَكم. وقيل: ((كيف)) ظرفٌ لـ ((يشاء)»، والجملةُ في موضع الحال، أي: يُصوِّركم على مشيئته - أي: مريداً - إنْ كان الحالُ من الفاعل، أو: يصوركم متقلِّبين على مشيئته تابعين لها في قبول الأحوال المتغايرة من كونكم نُطفاً، ثم عَلَقاً، ثم مُضَغاً، ثم وثم، وفي الاتِّصاف بالصِّفات المختلفة من الذكورة والأنوثة، والحُسْنِ والقبح، وغير ذلك. وفيه من الدَّلالة على بطلان زَعْمِ مَن زَعَم ربوبيةَ عيسى عليه السَّلام مع تقلُّبه في الأطوار، ودوره في فَلَك هذه الأَدَوار حَسْبَما شاءه الملكُ القَّار، ورَکَاکةٍ عقولهم = ما لا يخفى. وقرأ طاوس: (تَصَوَّرَكم)) على صيغة الماضي(١) من التفَعُّل، أي: انَّخذ صورَكم لنفسه وعبادته، فهو من باب: توسَّد الترابَ، أي: اتَّخذَه وسادةً، فما قيل: كأنَّه من تصوَّرْتُ الشيء، بمعنى: توهّمتُ صورَتَه، فالتصديق أنَّه توهُمٌ محضّ. ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْفَهِزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ كرَّر الجملة الدالَّةَ على نفي الإلهية عن غيره تعالى وانحصارِها فيه توكيداً لِما قبلها، ومبالغةً في الرَّد على مَن ادَّعى إلهيةً عيسى عليه السلام، وناسب مجيئُها بعد الوصفَين السَّابقَين من العلم والقدرة، إذ مَن هذان الوصفان له هو المتَّصفُ بالألوهية لا غيرُه، ثم أتَى بوصف العزَّة الدالَّة (١) القراءات الشاذة ص ١٩، والبحر ٢/ ٣٨٠. الآية : ٧ ١٩ سُورَةُ الْعَنْرَانَ على عدم النظير، أو التناهي في القدرة والحكمة؛ لأنَّ خلْقهم على ما ذُكِر من النمط البديع أثرٌ من آثار ذلك. ﴿هُوَ الَّذِىّ أَلَ عَلَّكَ الْكِنَبَ﴾ استئنافٌ لإبطال شُبَهِ الوفد وإخوانِهم الناشئةِ عمَّا نطق به القرآنُ في نعت المسيح عليه السلام إثرَ بيان اختصاص الرُّبوبية ومناطها به سبحانه . قيل: إنَّ الوفد قالوا لرسولِ اللهِ وَّه: ألستَ تزعمُ أنَّ عيسى كلمةُ الله تعالى وروحٌ منه؟ قال: ((بلى)) قالوا: فحَسْبُنا ذلك(١). فنفَى سبحانه عليهم زَيْفَهم وفتنتهم، وبَيَّن أنَّ الكتاب مؤسِّسٌ على أصولٍ رصينة وفروعِ مَبنيَّةٍ عليها، ناطقةٍ بالحقِّ، قاضيةٍ ببطلان ما هُم عليه، كذا قيل. ومنه يُعلم وجهُ مناسبةِ الآية لما قبلها . واعتُرض بأنَّ هذا الأثرَ لم يوجد له أثرٌ في الصحاح ولا سندٌ يعوَّل عليه في غيرها، وقُصارى ما وُجد عن الربيع أنَّ المراد بالموصول الآتي الوفد. وفيه: أنَّ الأثر بعينه أخرجه في ((الدر المنثور)) عن ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع(٢)، فانهم(٣). وعن بعضهم أنَّ الآية نزلت في اليهود، وذلك حين مرَّ أبو ياسر بن أخطب في رجالٍ من يهودَ برسول الله وَل﴿ وهو يَتلو فاتحةَ سورة البقرة ﴿الّ ◌َ ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ فأتَى أخاه حُيَيَّ بنَ أخطب في رجال من يهود، فقال: أتعلمون؟ واللهِ لقد سمعتُ محمداً يتلو فيما أُنزل عليه ﴿ الَّ ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾. فقال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. فمشَى حييٍّ في أولئك النَّفر إلى رسول الله وَّهِ، فقال: ألم يُذكر أنَّك تَتلو فيما أُنزل عليك: ﴿الّ ◌َ ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾؟ فقال: ((بلى)) فقال: لقد بعث الله تعالى قبلَك أنبياءَ ما نَعْلَمه بيَّن لنبيِّ منهم ما مدَّةُ ملكِه وما أجلُ أُمَّته غيرك، الألفُ واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنةً، هل مع هذا غيره؟ قال: ((نعم ﴿الّصّ﴾)) قال: هذه أثقلُ وأطولُ: الألف واحدةٌ، واللام (١) أخرجه الطبري ٥/ ٢٠٥-٢٠٦، وابن أبي حاتم ٥٩٦/٢ عن الربيع. (٢) الدر المنثور ٦/٢، وسلف تخريج الأثر آنفاً. (٣) قوله: فافهم، ليس في (م). سُورَةُ العَقْرَانَ ٢٠ الآية : ٧ ثلاثون، والميم أربعون، والصادُ تسعون، فهذه مئةٌ وإحدى وستون سنةً، هل مع هذا غيرهُ؟ قال: ((نعم ﴿الَرَّ﴾)) قال: هذه أثقلُ وأطولُ، هل مع هذا غيرهُ؟ قال: (بلى ﴿الْتَرَّ﴾)) قال: هذه أثقلُ وأطول! ثم قال: لقد لبِّس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلاً أعطيتَ أم كثيراً؟ ثم قال: قوموا، ثم قال أبو ياسر لأخيه ومَن معه: وما يُدريكم لعلَّه قد (١) جُمع هذا كلُّه لمحمدٍ؟ فقالوا: لقد تشابه علينا أمرُه. وقد أخرج ذلك البخاريُّ في ((التاريخ)) وابنُ جرير وغيرُهما عن ابن عباس . إلا أنَّ فيه: فيزعمون أنَّ هذه الآيات نزلَت فيهم(٢) وهو مؤذنٌ بعدم الجزم بذلك، ومع هذا يُبعده ما تقدَّم(٣) من رواية: أنَّ الله تعالى أَنزل في شأن أولئك الوفد من صدر (٤) آل عمران إلى بضع وثمانين آية. وعلى تقدير الإغماض عن هذا يحتمل أنْ يكون وجهُ اتِّصال الآية بما قبلها أنَّ في المتشابه خفاء، كما أنَّ تصويرَ ما في الأرحام كذلك، أو أنَّ في هذه تصويرُ الروح بالعلم وتكميلُه به، وفيما قبلها تصويرُ الجسد وتسويتُه، فلِمَا أنَّ في كلِّ منهما تصويراً وتكميلاً في الجملة ناسَب ذكره معه، ولِمَا أنَّ بين التصوير الحقيقي الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين، تَرَك العطف. وقوله سبحانه: ﴿مِنْهُ مَايَتٌ﴾ الظرفُ فيه خبرٌ مقدَّمٌ، و((آياتٌ)) مبتدأ مؤخّر، أو بالعكس، ورجّح الأول بأنَّه الأوفقُ بقواعد الصناعة، والثاني بأنَّه أَدخلُ في جَزَالة المعنَى، إذ المقصود الأصلي انقسامُ الكتاب إلى القسمَين المعهودَين، لا كونُهما من الكتاب. والجملةُ إمَّا مستأنَفَةٌ أو في حيِّز النصب على الحالية من الكتاب، أي: هو الذي أنزل عليك الكتاب كائناً على هذه الحالة، أي: منقسماً إلى مُحْكَمٍ وغيره. أو الظرفُ وحدَه حالٌ، و((آيات)) مرتفعٌ به على الفاعلية. (١) في الأصل و(م): لقد، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٢) التاريخ الكبير ٢٠٨/٢، وتفسير الطبري ٢٢١/١-٢٢٢ من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، وهو في سيرة ابن هشام ٥٤٥/١ - ٥٤٦، والدر المنثور ٥/٢. (٣) ص ١٠-١١ من هذا الجزء. (٤) في (م): مصدر، وهو تصحيف.