النص المفهرس

صفحات 501-520

الآية : ٢٨٣
٥٠١
سُورَةُ الْبَقَة
على طريق التعظيم أو التحقير في جُمَل متواليات، كلُّ جملةٍ منها مستقلَّةٌ بنفسها،
والمستقبَح هو أن يكون التكرير في جملةٍ واحدة أو في جُمَل بمعنّى، ولم يكن فيه
التعظيم والتحقير، وما في البيت من القسم الثاني؛ لأن: جدَّ النوى قطع النوى فيه
بمعنّى واحد، وما في الآية درَّةُ تاج القسم الأول؛ لأن ﴿أَنَّقُواْ اللَّهُ﴾ حثٌّ على تقوى الله
تعالى ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ وعدٌ بإنعامه سبحانه ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ تعظيم لشأنه
عزَّ شأنُه، ومن هنا علمتَ وجهَ العطف فيها من اختلافها في الظاهر خبراً وإنشاء.
ومن الناس مَن جوَّز كونَ الجملة الوسطى حالاً من فاعل ((اتقوا)) أي: اتقوا الله
مضموناً لكم التعليم، ويجوز أن تكون حالاً مقدَّرة، والأَولى ما قدَّمنا؛ لقلة اقتران
الفعل المضارع المثبتِ الواقعِ حالاً بالواو.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين، ففيه استعارة تبعيَّة حيث شبَّه تمكُّنهم في
السَّفر بتمكّن الراكب من مَرْكُوبِه ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَتِبًا﴾ يَكتب لكم حسبما بُيِّن قبلُ،
والجملة عطفٌ على فعل الشرط، أو حال. وقرأ أبو العالية: ((كُتُباً)). والحسن وابن
عباس: ((كُتَّاباً)) جمع كاتب(١).
﴿فَرِعَنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ أي: فالذي يُستَوْثَقُ به، أو فعليكم، أو فَلْيؤخذ، أو
فالمشروعُ رهانٌ. وهو جمع رهن، وهو في الأصل مصدر، ثم أطلق على المرهون
من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول. وليس هذا التعليق لاشتراط السفر
وعدم الكاتب في شرعيَّة الارتهان؛ لأن النبيَّ ◌َ﴿ رَهَنَ دِرْعَه في المدينة من يهوديِّ
على ثلاثين صاعاً من شعير، كما في البخاري(٢)، بل لإقامة التوثَّق بالارتهان مقامَ
التوثق بالكتبة في السَّفر الذي هو مَظِنَّة إعوازها .
وأخذ مجاهدٌ بظاهر الآية، فذهب إلى أن الرَّهن لا يجوز إلا في السفر، وكذا
الضحاك فذهب إلى أنه لا يجوز في السفر إلا عند فَقْدِ الكاتب، وإنما لم يُتعرض
لحال الشاهد لِما أنه في حكم الكاتب توثَّقاً وإعوازاً.
والجمهور على وجوب القبض في تمام الرهن، وذهب مالك إلى أنه يتمُّ
بالإيجاب والقبول، ويلزم الراهن بالعقد تسليمه، ويُشترط عنده بقاؤه في يد
(١) القراءات الشاذة ص ١٨، والبحر المحيط ٣٥٥/٢.
(٢) صحيح البخاري (٢٩١٦) من حديث عائشة ﴿تا، وأخرجه أحمد (٢١٠٩) من حديث ابن
عباس

سُوْلَةُ الْبَّفْقَة
٥٠٢
الآية : ٢٨٣
المرتهن، حتى لو عاد إلى يدِ الراهن بأن أودعه المرتهن إياه، أو أعاره له إعارة (١)
مطلقةً، فقد خرج من الرهن، فلو قام الغرماء وهو بيد الراهن على أحد هذين
الوجهين مثلاً كان أسوةً للغرماء (٢) فيه، وكأنه إنما ذهب إلى ذلك لِما في الرهن من
اقتضاء الدوام، أنشد أبو علي:
فالخبز واللحم لهم راهن وقهوة راؤُوقها ساكِبُ(٣)
وفي التعبير بـ ((مقبوضة))، دون تقبضونها إيماءٌ إلى الاكتفاء بقبض الوكيل،
ولا يتوقَّف على قبض المرتهن نفسِه.
وقرئ: ((فرُهن))، كسُقُف(٤)، وهو جمع رَهَن أيضاً، وقرئ بسكون الهاء تخفيفاً(٥).
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ أي: بعضُ الدَّائنين بعضَ المديونين بحسن ظنّه سفراً
أو حضراً، فلم يتوثَّقْ بالكتابة والشهود والرَّهن. وقرأ أبيٍّ: ((فإن أُومِن))(٦)، أي:
أَمنه الناس، ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن التوثَّق من مثله،
و((بعضاً)) على هذا منصوبٌ بنزع الخافض، كما قيل.
﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَقْتُمِنَ﴾ وهو المديون، وعبَّر عنه بذلك العنوان لتعيُّنه طريقاً
للإعلام ولحَمْله على الأداء.
﴿أَمَنَتَهُ﴾ أي: دَيْنه، والضمير لربِّ الدَّين، أو للمديون باعتبار أنه عليه،
والأمانة مصدر أُطلق على الدَّين الذي في الذِّمة، وإنما سمِّي أمانةً، وهو مضمون،
لائتمانه عليه بترك الارتهان به.
وقرئ: ((الذيتمن)) بقلب الهمزة ياء(٧). وعن عاصم أنه قرأ: ((الذثُّمن)) بإدغام
(١) في (م): أو أعاده له إعادة.
(٢) أي: مساوٍ لهم. حاشية ابن عابدين ٦/ ٥١٢.
(٣) الحجة ٤٤٥/٢-٤٤٦. والقهوة: الخمر، والراووق: إناؤها. الخزانة ٣٥٥/١١.
(٤) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو، التيسيرص ٨٥، والنشر ٢/ ٢٣٧.
(٥) ذكرها السمين الحلبي في الدر المصون ٦٧٨/٢، ونسبها لابن كثير وأبي عمرو في رواية،
وهي غير المشهورة عنهما .
(٦) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٣٥٦/٢.
(٧) قال أبو عمرو الداني في جامع البيان٦٣/٢: كلهم قرأ: ((الذي أؤتمن)) بهمزة ساكنة بعد
كسرة ذال ((الذي)) إلا ما رواه ورش عن نافع والأعشى عن أبي بكر عن عاصم، وما قرأ به
أبو عمرو إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة من إبدال تلك الهمزة ياء ساكنة.

الآية : ٢٨٣
٥٠٣
سُورَةُ البَيْقَة
الياء في التاء(١). قيل: وهو خطأ؛ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا يُدغم.
ورُدَّ بأنه مسموع في كلام العرب، وقد نقل ابن مالك جوازه، لكنه(٢) قال: إنه
مقصور على السَّماع، ومنه قراءة ابن محيصن: ((اثُّمِنَ))(٣). ونقل الصاغاني أن
القول بجوازه مذهب الكوفيين، وورد مثله في كلام أم المؤمنين عائشة مؤقتا - وهي
من الفصحاء المشهود لهم - ففي البخاري عنها كان ﴿﴿ يأمرني فأَّزر(٤). فالمُخطّئ
مُخطِئٌ.
﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في الخيانة وإنكار الحقِّ. وفي الجمع بين عنوان الألوهية
وصفة الربوبية من التأكيد والتحذير مالا يخفى، وقد أمرَ سبحانه بالتقوى عند الوفاء
حسبما أمَر بها عند الإقرار، تعظيماً لحقوق العباد وتحذيراً عمَّا يوجب وقوعٌ
الفساد.
﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَدَةُ﴾ أي: لا تُخفوها بالامتناع عن أدائها إذا دُعيتم إليها، وهو
خطاب للشهود المؤمنين كما روي عن سعيد بن جُبير وغيره. وجعلُه خطاباً للمديونينَ
على معنى: لا تكتموا شهادتَكم على أنفسكم بأن تُقُرُّوا بالحقِّ عند المعاملة، أو:
لا تحتالوا بإبطال شهادة الشهود عليكم بالجَرْح ونحوه عند المرافعة = خلافُ الظَّاهر
المأثور عن السَّلف الصالح. وقرئ ((يكتموا)) على الغيبة (٥).
﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: مَائِمٌ قَلْبُهُمْ﴾ الضمير في ((إنه)) راجعٌ إلى (مَن) وهو
الظاهر. وقيل: إنه ضمير الشأن، والجملة بعده مُفسِّر له. و((آثم)) خبر ((إنَّ) و((قلبه))
فاعل له لاعتماده، ولا يجيء هذا على القول بأن الضمير للشأن؛ لأنه لا يفسّر
إلا بالجملة، والوصف مع مرفوعه ليس بجملة عند البصري، والكوفيُّ يجيزُ ذلك.
وقيل: إنه خبر مقدَّم و((قلبه)) مبتدأ مؤخّر، والجملة خبر ((إنَّ))، وعليه يجوز أن
يكون الضمير للشأن وأن يكون لـ ((مَنْ)).
(١) البحر المحيط ٣٥٦/٢، وهي شاذة.
(٢) في (م): لأنه.
(٣) القراءات الشاذة ص١٨. وحاشية الشهاب ٣٥٢/٢، والكلام منه.
(٤) صحيح البخاري (٣٠٠)، وأخرجه أحمد (٢٤٢٨٠) ومسلم (٢٩٣).
(٥) القراءات الشاذة ص١٨ .
.:

سُؤَدَّةُ الجَمَة
٥٠٤
الآية : ٢٨٣
وقيل: ((آثمٌ)) خبر ((إنَّ) وفيه ضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير ((إنه))، و((قلبه))
بدلٌ من ذلك الضمير بدل بعضٍ من كل.
وقيل: ((آثم)) مبتدأ، و((قلبه)) فاعل سدَّ مسدّ الخبر، والجملة خبر ((إن))، وهذا
جائز عند الفرَّاء من الكوفيين والأخفشِ من البصريين، وجمهورُ النحاة لا يُجوِّزونه.
وأضاف الإثم إلى القلب مع أنه لو قيل: ((فإنه آثمٌ)) لتمَّ المعنى مع الاختصار؛
لأن الإثم بالكتمان، وهو مما يقع بالقلب، وإسناد الفعل بالجارحة التي يعمل بها
أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردتَ التوكيد: هذا مما أبصرَته عيني، ومما سمعَته أذني،
ومما عَرَفه قلبي. ولأن الإثم وإن كان منسوباً إلى جملة الشخص، لكنه اعتبر
الإسناد إلى هذا الجزء المخصوص متجوّزاً به عن الكلِّ؛ لأنه أشرفُ الأجزاء
ورئيسها، وفِعْلُه أعظمُ من أفعال سائر الجوارح، فيكون في الكلام تنبيه على أن
الكتمان من أعظم الذنوب.
وقيل: أسند الإثم إلى القلب لئلا يُظَنَّ أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلّقة
باللسان فقط، وليعلم أن القلب أصلُ متعلَّقه ومَعْدِنُ اقترافه. وقيل: للإشارة إلى أن
أثر الكتمان يظهر في قلبه، كما جاء في الخبر: ((إذا أَذْنَبَ العبدُ يحدث في قلبه نكتةٌ
سوداء، وكلما أذنب زاد ذلك حتى يسودَّ قلبه بتمامه))(١)، أو للإشارة إلى أنه يفسد
قلبُه فيفسد بدنه كلُّه، فقد وَرَد: ((إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كلُّه،
وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب))(٢). والكلُّ ليس بشيءٍ كما لا يخفى.
وقرئ: ((قَلْبَه)) بالنصب على التشبيه بالمفعول به(٣)، و((آثم)) صفة مشبَّهة. وجوَّز
أبو حيان(٤) كونَه بدلاً من اسم ((إنَّ) بدلَ بعضٍ من كلٍّ، وبعضُهم كونَه تمييزاً،
واستبعده أبو البقاء(٥).
(١) أخرجه بنحوه أحمد (٧٩٥٢)، والترمذي (٣٣٣٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير حظه. وقد سلف
٣٩٨/١.
(٣) القراءات الشاذة ص١٨، ونسبها لابن أبي عبلة.
(٤) في البحر المحيط ٢/ ٣٥٧.
(٥) في إملاء ما من به الرحمن ١٦/٢ (على هامش الفتوحات الإلهية).

الآية : ٢٨٤
٥٠٥
سُورَةُ الْبَََة
وقرأ ابن أبي عبلة: ((أَثَّمَ قَلْبَه))(١) أي: جَعَلَه آثماً.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من كتمانِ الشهادة وأدائها على وجهها وغير ذلك
﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ فَيُجازيكم بذلك إن خيراً فخير وإنْ شرّاً فشرّ.
﴿لِلِّ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِ﴾ من الأمور الدَّاخلة في حقيقتهما والخارجة
عنهما كيف كانت، أي: كلُّها مِلكٌ له تعالى ومختصَّةٌ به، فله أن يُلزم مَن شاء من
مملوكاته بما شاء من تكليفاته، وليس لأحد أن يقول: المال مالي أتصرَّف به كيف
شئت. ومن الناس مَن جعَل هذه الجملة كالدليل لما قبلها .
﴿وَإِن تُبْدُوا﴾ أي: تُظهروا للناس ﴿مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: ما حصل فيها
حصولاً أصليًّا بحيث يوجب اتصافها به، كالمَلَكَات الرديئة، والأخلاقِ الذميمة؛
كالحسَد والكِبْر والعُجْب والكُفْرَان وكتمانِ الشهادة. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ بأنْ لا تظهروه
﴿يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾ أي: يُجازيكم به يومَ القيامة.
وأما تصوُّرُ المعاصي والأخلاق الذميمة فهو لعدم إيجاب(٢) اتّصاف النفس به
لا يعاقب عليه مالم يُوجَد في الأعيان، وإلى هذا الإشارةُ بقوله وَّهِ: (إن الله تجاوزَ
عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها مالم تَعْمَل أو تتكلّم))(٣) أي: إن الله تعالى لا يُعاقِب
أُمتي على تصوُّر المعصية، وإنما يُعاقب على عَمَلها، فلا منافاة بين الحديث
والآية، خلافاً لمن توّم ذلك ووقع في حیصَ بیصَ لدفعه.
ولا يُشكل على هذا أنهم قالوا: إذا وصل التصوُّر إلى حدِّ التصميم والعزم
يُؤاخَذ به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] لأنّا نقول:
المؤاخذة بالحقيقة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان، وهو أيضاً
من الكيفيات النَّفْسَانية التي تلحق بالملَكَات، ولا كذلك سائرُ ما يحدُثُ في النفس،
ونظمه بعضُهم بقوله :
فخاطرٌ فحديثُ النّفْسِ فاستمِعا
مراتبُ القصد خمسٌ هاجسٌ ذَگروا
سوى الأخير ففيه الأخذُ قد وَقَعا
يليه هَمِّ فعزمٌ كلُّها رُفِعَت
(١) الكشاف ٤٠٦/١، والدر المصون ٦٨٦/٢.
(٢) في(م): إيجابه .
(٣) أخرجه أحمد (٩١٠٨)، والبخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة .

سُورَةُ الْبَنَة
٥٠٦
الآية : ٢٨٤
فالآية على ما قرَّرنا مُحكمة، وادَّعى بعضهم أنها منسوخةٌ مُحتجًّا بما أخرجه
أحمد ومسلم عن أبي هريرة، قال: لمَّا نزلت على رسول الله وَهِ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ
أَنفُسِكُمْ﴾ الآية اشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله وََّ، فَأَتَوا رسولَ اللهِ وَال ثم
جَثَوا على الرُّكَب، فقالوا: يا رسولَ الله كُلِّفْنا من الأعمال ما نُطِيقُ: الصلاةَ
والصوم والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآيةَ ولا نُطِيقُها. فقال
رسول الله وَ﴾: ((أَتريدون أن تقولوا كما قال أهلُ الكِتَابَيْن مِن قبلكم: سمعنا
وعصينا؟ بل قُولوا: سمعنا وأطعنا غُفرَانك ربَّنا وإليك المصير)) [فقالوا: سمعنا
وأطعنا، غُفرانك ربنا وإليك المصير] فلمَّا اقترأها القومُ وذَلَّت بها ألسنتُهم أَنزل الله
تعالى في إثرها: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية، فلمَّا فعلوا ذلك نّسَخَها الله تعالى، فأنزل
سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلخ (١). وصحَّ مثل ذلك عن عليٍّ
كرَّم الله تعالى وجهه وابنٍ عباس(٢) وابن مسعود وعائشة ظريه، وأخرج البخاري عن
مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب رسول الله مَّ﴾ [قال:] أَحسِبُه ابنَ عمر:
﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآيةُ التي بعدَها(٣)، وعلى
هذا لا يحتاج إلى التوفيق بين الآية وذلك الحديثِ الصحيح بوجهٍ، ويكون الحديث
إخباراً عمَّا كان بعد النسخ. واستُشْكِل ذلك بأن النسخ مختصٍّ بالإنشاء ولا يجري
في الخبر، والآية الكريمة من القسم الثاني.
ومن هنا قال الطبرسي(٤) - وأخطأ -: إنَّ الروايات في النَّسخ كلُّها ضعيفة.
وأجيب بأن النسخ لم يتوجّه إلى مدلول الخبر نفسِه، سواء قلنا: إنه مما يتغير
كإيمان زيد وكفرٍ عمرو، أم لا، كوجود الصانع وحدوثِ العالَم، بل إلى النهي
المفهوم منه، كما يدلُّ عليه قولُ الصحابة لرسول الله وَّةٍ: كُلِّفنا من الأعمال
ما نُطِيق، وقد أنزل الله تعالى عليك هذه الآية ولا نُطيقها. فإن ذلك صريحٌ في أنهم
فَهِموا من الآية تكليفاً، والحكمُ الشرعي المفهوم من الخبر يَجوز نسخُه بالاتفاق
كما يدل عليه كلام العَضُد وغیرِه.
(١) مسند أحمد (٩٣٤٤)، وصحيح مسلم (١٢٥)، وما سلف بين حاصرتين منهما.
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٧٠)، ومسلم (١٢٦).
(٣) صحيح البخاري (٤٥٤٦)، وما بين حاصرتين منه.
(٤) في مجمع البيان ٣٨٤/٣ -٣٨٥.

الآية : ٢٨٤
٥٠٧
سُورَةُ الجَنَة
وبعضُ مَن ادَّعى أن الآية محكمة وتوقَّف في قبول هذا الجواب ذَهَب إلى أن المرادَ
من النسخ البيانُ وإيضاح المراد مجازاً كما مرَّت الإشارة إليه عند قوله تعالى: ﴿فَاعْفُواْ
وَأَصْفَحُواْ﴾ [البقرة: ١٠٩] كأنه قيل: كيف يحمل ((ما في أنفسكم)) على ما يغُم الوساوسَ
الضرورية، وهو يستلزم التكليف بما ليس في الوسع، والله لا يكلّف نفساً إلا وسعها؟
واعتُرض هذا بأنه على بُعده يستلزم أنه وَّهِ أقرَّ الصحابة على ما فَهموه، وهو
بمعزل عن مراد الله تعالى، ولم يُبيِّنه لهم، مع ما هم فيه من الاضطراب والوَجَل
الذي جَثَوا بسببه على الرُّكب حتى نزلت الآية الأخرى.
ويمكن أن يجاب ـ على بُعْد - بأنه لا محذورَ في هذا اللازم، ويُلتزم بأنه من
قَبِيل إقراره * أبا بكر الصديق حظالله حين فسَّر الرؤيا بين يديه عليه الصلاة والسلام
وقال: أخطأتُ أم أصبتُ يا رسولَ الله؟ فقال له وَلِّ: ((أصبتَ بعضَها وأخطأت
بعضها))(١) ولم يُبيِّن له فيما أصاب وفيما أخطأ، لأمرٍ ما، ولعلَّه هنا ابتلاؤهم، وأنْ
يمحِّص ما في صدورهم، وهذا على العلَّات أَولى من حَمْل النسخ على
التخصيص؛ لاستلزامه مع ما فيه وقوعَ التكليف بما لا يُطاق، كما لا يخفى.
وقيل: معنى الآية: إن تُعلِنوا ما في أنفسكم من السُّوء، أو لم تُعلنوه بأن تأتوا
به خُفيةً يُعاقبكم الله تعالى عليه، ويؤول إلى قولنا: إن تدخلوا الأعمال السيئة في
الوجود ظاهراً أو خُفيةً يُحاسبكم بها الله تعالى، أو: إن تُظهروا ما في أنفسكم من
كتمان الشهادة بأن تقولوا لربِّ الشهادة: عندنا شهادة ولكن نكتمها ولا نُؤدِّيها لك
عند الحكّام، أو تُخفوه بأن تقولوا له: ليس في علمنا خبرُ ما تريد أن نَشْهَد به وأنتم
كاذبون في ذلك = يُحاسبْكم به الله. وأَيِّدَ هذا بما أخرجه سعيد بن منصور وابن
جرير وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿يا في الآية الكريمة قال:
نزلت في الشهادة(٢).
وقيل: الآية على ظاهرها، و((ما في أنفسكم)) على عمومه الشامل لجميع
الخواطر، إلا أن معنى ((يحاسبكم)): يُخبركم به الله تعالى يوم القيامة، وقد عدُّوا
(١) أخرجه أحمد (٢١١٣)، والبخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩) من حديث ابن عباس شـ
وفيها: ((بعضاً))، بدل: ((بعضها)).
(٢) تفسير سعيد بن منصور (٤٧٣)، وتفسير الطبري ١٢٩/٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧٢.

سُورَةُ الْبَحَرَة
٥٠٨
الآية : ٢٨٤
من جملة معنى الحسيب العليمَ. وجميعُ هذه الأقوال لا تخلو عن نظر، فتدبر
وارجع إلى ذهنك فلا إخالُك تجد فوقَ ما ذكرناه - أو مثلَه - في كتاب.
وتقديم الجارِّ والمجرور على الفاعل للاعتناء به، وأما تقديم الإبداء على الإخفاء
على عكس ما في قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِى سُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:
٢٩] فلِمَا قيل: إنَّ المعلَّق بـ ((ما في أنفسكم)) هنا المحاسبةُ، والأصلُ فيها الأعمالُ
البادية، وأما العلم فتعلُّقه بها كتعلُّقه بالأعمال الخافية، ولا يختلف الحال عليه تعالى
بين الأشياء البارزة والكامِنة، بل لا كامنَ بالنسبة إليه سبحانه، خلا أنَّ مرتبة الإخفاء
متقدّمةٌ على مرتبة الإبداء إذ ما من شيء يبدو إلا وهو أو مَبَاديه قبل ذلك مُضمَرٌ في
النفس، فتعلُّق علمِه تعالى بحالته الأولى متقدّمٌ على تعلّق علمه بحالته الثانية.
﴿فَيَغْفِرُ﴾ بالرفع على الاستئناف، أي: فهو يغفر بفضله ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾ أنْ يغفر له
من عباده ﴿وَيُعَذِّبُ﴾ بعدْلِهِ ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أن يعذِّبَه من عباده، وتقديمُ المغفرة على
التعذيب لتقدُّم رحمته على غضبه، وقرأ غير ابن عامر وعاصم ويعقوب بجزم الفعلين
عطفاً على جواب الشرط(١) وقرأ ابن عباس طيها بنصبهما(٢) بإضمار ((أن))، وتكون
هي وما في حيِّزها بتأويل مصدرٍ معطوفٍ على المصدر المتوهّم من الفعل السَّابق،
والتقدير: تكن محاسبةٌ فغفرانٌ وعذاب، ومن القواعد المطّردة أنه: إذا وقع بعد جزاء
الشرط فعلٌ بعد فاء أو واو، جاز فيه الأوجُه الثلاثة، وقد أشار لها ابن مالك بقوله:
بالفا أو الواو بتثليثٍ قَمن
والفعلُ من بعد الجزا إنْ يَقْتَرِنْ
وقرأ ابن مسعود ((يغفرْ)) ((ويعذِّبْ)) بالجزم بغير فاء(٣)، ووجهه عند القائل بجواز
تعدُّد الجزاء كالخبر ظاهر، وأما عند غيره فالجزم على أنهما بدل من ((يحاسِبْكم))
بدلَ البعض من الكلِّ أو الاشتمال؛ فإن كلًّا من المغفرة والتعذيب بعضٍّ من
الحساب المدلول عليه بـ ((يحاسبكم))، ومطلق الحساب جامعٌ لهما، فإن اعتبر
جمعه لهما على طريق اشتمال الكلِّ على الأجزاء يكون بدل البعض من الكلِّ، وإن
اعتبر على طريق الشمول کشمول الگلي لأفراده، یکون بدلَ اشتمال، کذا قيل.
(١) التيسير ص ٨٥، والنشر ٢٣٧/٢، وقراءة أبي جعفر برفع الفعلين.
(٢) البحر المحيط ٣٦٠/٢.
(٣) المحتسب ١٤٩/١.

الآية : ٢٨٤
٥٠٩
سُوَّةُ الْبَرَة
وقيل: إنْ أُريد بـ ((يُحاسبكم)) معناه الحقيقيُّ فالبدل بدل اشتمال كـ : أُحِبُّ زيداً
عِلْمَه، وإن أُريد به المجازاة، فالبدلُ بدل بعضٍ، كـ : ضربتُ زيداً رأسَه. وقيل غير ذلك.
وذهب أبو حيان(١) إلى تعيُّن الاشتمال، قال: ووقوعه في الأفعال صحيحٌ،
لأن الفعل يدلُّ على جنسٍ تحته أنواعٌ يشتمل عليها، ولذلك إذا وقع عليه النفيُّ
انتفت جميعُ أنواع ذلك الجنس، وأما بدل البعض من الكلِّ فلا يمكن في الفعل؛
إذ الفعل لا يقبل التجزؤ، فلا يقال فيه: له كلٌّ وبعض، إلا بمجاز بعيد.
واعترضه الحلبيُّ(٢) بأنه ليس بظاهر؛ لأن الكلِّية والبَعْضية صادقتان على
الجنس ونوعِه، فإن الجنس كلٌّ والنوعَ بعضٌ، فالصحيح وقوع النوعين في الفعل.
وقد قيل بهما في قوله:
متى تأتنا تُلْمِمْ بنا في ديارنا تجد خيرَ نارٍ عندها خيرُ موقد(٣)
فإنهم جعلوا الإلمامَ بدلاً من الإتيان: إما بدل بعض، لأنه إتيانٌ لا توقُّفَ فيه
فهو بعضُه، أو اشتمال، لأنه نزول خفيف.
ورُوي عن أبي عمرو إدغامُ الراء في اللام(٤)، وطعَن الزمخشري(٥) على عادته
في الطعن في القراءات السبع إذا لم تكن على قواعد العربية، ومن قواعدهم أن
الرَّاء لا تُدغم إلا في الراء؛ لما فيها من التكرار الفائت بالإدغام في اللام.
وقد يجاب بأن القراءات السبع متواترةٌ، والنقل بالمتواتر إثباتٌ علمي، وقول
النحاة نفيّ ظنِّيٍّ، ولو سُلِّم عدم التواتر فأقلُّ الأمر أن تَثْبُتَ لغةً بنقل العُدول وترجَّح
بكونها(٦) إثباتاً، ونَقلُ إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو من الشُّهرة والوضوح
بحيث لا مَدْفعَ له، وممن رَوَى ذلك عنه أبو محمد اليزيدي، وهو إمامٌ في النحو،
(١) في البحر المحيط ٣٦١/٢.
(٢) في الدر المصون ٦٨٩/٢ .
(٣) تابع المصنف الشهاب الخفاجي في حاشيته ٣٥٣/٢ في إيراد هذا البيت بهذا الشكل، وهو
مركب من بيتين، فصدرُه لعبيد الله بن الحر، وتتمته: تجد حطباً جزلاً وناراً تأجَّجا، وعجزه
للحطيئة، وأوله: متى تأتهِ تعشو إلى ضوء نارٍ. ديوان الحطيئة ص ١٦١، والخزانة ٩/ ٩٠-٩١.
(٤) التيسير ص٢٧، والنشر ١/ ٢٩٢.
(٥) في الكشاف ١/ ٤٠٧.
(٦) في (م): بكونه.

سُورَةُ الْبَعَة
٥١٠
الآية : ٢٨٥
إمامٌ في القراءات، إمام في اللغات، ووجهُه من حيث التعليل ما بينهما من شدّة
التقارب، حتى كأنهما مثلان بدليل لزوم إدغام اللام في الراء في اللغة الفصيحة،
إلا أنه لمَحَ تكرار الرَّاء فلم يجعل إدغامه في اللام لازماً، على أن منع إدغام الراء
في اللام مذهبُ البصريين، وقد أجازه الكوفيون وحَكوه سماعاً، منهم الكسائيُّ
والفراء وأبو جعفر الرؤاسي، ولسانُ العرب ليس محصوراً فيما نقَلَه البصريون فقط،
والقُرَّاءُ من الكوفيين ليسوا بمنحطّين عن قرَّاء البصرة، وقد أجازوه عن العرب،
فوجب قَبوله والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم؛ إذ مَن عَلِم حبّةٌ على مَن لم يَعْلَم.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴾﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلَه، فإن كمال
قُدرته تعالى على جميع الأشياء موجبٌ لِقُدرته على ما ذكر من المحاسبة وما فُرِّع
عليه من المغفرة والتعذيب.
وفي الآية دليلٌ لأهل السنة في نفي وجوب التعذيب، حيث عُلِّق بالمشيئة،
واحتمالُ أن تلك المشيئة واجبةٌ كمَنْ يشاء صلاة الفرض، فإنه لا يقتضي عدمَ
الوجوب، خلاف الظاهر.
﴿مَامَنَ الرَّسُولُ﴾ قال الزََّجَّاج: لمَّا ذكر الله عزَّ وجلَّ في هذه السورة الجليلة
الشأنِ الواضحةِ البرهان فَرْضَ الصلاة والزكاة، والطلاقَ، والحيضَ، والإيلاء،
والجهادَ، وقصصَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والدَّين والرِّبا، خَتَمها بهذا
تعظيماً لنبيِّهِ وَهِ وأتباعهِ، وتأكيداً وفذلكةً لجميع ذلك المذكور من قبلُ(١).
وقد شهد سبحانه وتعالى هنا لمن تقدَّم في صدر السورة بكمال الإيمان وحُسن
الطاعة واتِّصافهم بذلك بالفعل.
وذِكره وَ ﴿ بطريق الغيبة مع ذِكْره هناك بطريق الخطاب؛ لِما أنَّ حقَّ الشهادة
الباقية على مرِّ الدهور أنْ لا يخاطَب بها المشهود له.
ولم يتعرَّض سبحانه هاهنا لبيان فَوزهم بمطالِبهم التي مِن جملتها ما حكى
عنهم من الدعوات الآتية؛ إيذاناً بأنه أمرٌ محقَّق غنيٌّ عن التصريح، لا سِيَّما بعد
ما نصَّ عليه فيما سلف.
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٣٦٨/١، وحاشية الشهاب ٣٥٣/٢-٣٥٤.

الآية : ٢٨٥
٥١١
سُورَةُ الشَّرَة
وإيراده وَ* بعنوان الرسالة دون تعرُّض لاسمه الشريف تعظيمٌ له وتمهيدٌ
لما يُذكَر بعده.
أخرج الحاكم والبيهقيُّ عن أنس قال: لِما نزلت هذه الآية على رسول الله وله
﴿وَمَنَ الرَّسُولُ﴾ قال عليه الصلاة والسلام: ((وحُقَّ له أن يؤمن))(١).
وفي رواية عبد بن حُميد عن قتادة - وهي شاهدٌ لحديث أنس فينجبر انقطاعُه -:
((ويحقُّ له أن يُؤمن))(٢).
﴿بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ من الأحكام المذكورة في هذه السورة وغيرها،
والمراد إيمانه بذلك إيماناً تفصيلياً، وأجَمَلَه إجلالاً لمحلِّه وَِّ، وإشعاراً بأنَّ تعلُّقَ
إيمانه عليه الصلاة والسلام بتفاصيل ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى عليه
ممَّا لا يُكْتَنَه كُنْهُه، ولا تَصِلُ الأفكار - وإن حلَّقت - إليه، قد بَلَغ من الظهور إلى
حيث استغني عن ذكره واكتُفي عن بيانه.
وفي تقديم الانتهاء على الابتداء مع التعرُّض لعنوان الرُّبوبية والإضافة إلى
ضميره وَ ﴿ ما لا يخفى من التعظيم لقَدْره الشريف، والتنويهِ برِفعة مَحَلِّه المنيف.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ((الرسول)) مرفوعاً بالفاعلية، فيوقَفَ
عليه، ويدلُّ عليه ما أخرجه ابن أبي داود(٣) في ((المصاحف)) عن عليٍّ كرَّم الله
تعالى وجهه أنه قرأ: ((وآمن المؤمنون))، وعليه يكون قوله تعالى: ﴿كُلُّ ءَامَنَ﴾ جملةً
مستأنفة من مبتدأ وخبر، وسوَّغ الابتداء بالنكرة كونها في تقدير الإضافة، ويجوز أن
يكون مبتدأ، و((كلٌّ) مبتدأ ثان، و((آمن)) خبره، والجملة خبر الأول، والرابط مقدَّر،
ولا يجوز كون ((كلّ)) تأكيداً، لأنهم صرَّحوا بأنه لا يكون تأكيداً للمعرفة إلا إذا
أضيف لفظاً إلى ضميرها.
ورجّح الوجه الأول بأنه أقضى لحقِّ البلاغة وأولى في التلقِّي بالقبول؛ لأن
الرسول وَ ل حينئذٍ يكون أصلاً في حكم الإيمان بما أنزل الله، والمؤمنون تابعون
له، ویا فخرهم بذلك.
(١) المستدرك ٢/ ٢٨٧، وشعب الإيمان (٢٤١١)، وهو منقطع كما قال الذهبي في التلخيص.
(٢) عزاء لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ٣٧٦/١. وأخرجه أيضاً الطبري ١٤٨/٥.
(٣) في الأصل و(م): أبو داود، وهو خطأ. والخبر في المصاحف ١/ ٢٩٠، وفي إسناده
مسهر بن عبد الملك الهَمْداني، وهو لين الحديث كما في تقريب التهذيب.

سُورَةُ الْبََّقَة
٥١٢
الآية : ٢٨٥
ويلزم على الوجه الثاني أن حكم المؤمنين أقوى من حُكم الرسول وَّر؛ لكون
جملتهم اسميةً ومؤكّدة. وعُورض بأن في الثاني إيذاناً بتعظيم الرسول وَلغيره، وتأكيداً
للإشعار بما بين إيمانه ﴿ المبنيِّ على المشاهدة والعِيان، وبين إيمان سائر
المؤمنين الناشىء عن الحُجَّة والبرهان، من التفاوت البيِّن والفَرْق الواضح،
كأنهما مختلفان من كلِّ وجه حتى في هيئة التركيب.
ويلزم على الأول أنه إن حُمِل كلٌّ من الإيمانين على ما يَليق بشأنه وَّر من
حيث الذَّات ومن حيثُ التعلُّق، استحال إسنادهما إلى غيره عليه الصلاة والسلام
وضاع التكرير. وإنْ حمِل على ما يليق بشأن آحادِ الأمة كان ذلك حطّاً لرتبته
العليَّة، وإذا حُملا على ما يليق بكلِّ واحدٍ مما نُسبا إليه ذاتاً وتعلُّقاً، بأنْ
يحملا بالنسبة إليه وي قر على الإيمان العياني المتعلّق بجميع التفاصيل، وبالنسبة إلى
آحاد الأمة على الإيمان المُكتسب من مِشكاته ◌َ ر اللائق بِحالهم من الإجمال
والتفصيل، كان اعتسافاً بيِّناً ينزَّه عنه التنزيل.
والشبهة التي ◌ُنَّتْ معارضةً مدفوعةٌ بأن الإتيان بالجملة الاسمية مع تكرار
الإسناد المقوِّي للحكم لِمَا في الحكم بإيمان كلِّ واحد منهم على الوجه الآتي من
نوعٍ خفاءٍ مُحوِجٌ لذلك.
وتوحيد الضمير في ((آمن)) مع رجوعه إلى كلِّ المؤمنين لِما أنَّ المراد بَيان إيمان
كلِّ فردٍ منهم، من غير اعتبار الاجتماع كما اعتبر في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ أَتَوَهُ
دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، وهو أبعدُ عن التقليد الذي هو إنْ لم يجرَح خَدَش، أي: كلُّ
واحدٍ منھم ـ علی حیاله - آمن.
﴿يَاللَّهِ﴾ أي: صدَّق به وبصفاته ونفى التشبيه عنه، وتنزيهه عمَّا لا يَليق بكبريائه
من نحو الشريك في الألوهية والربوبية وغير ذلك.
﴿وَمَلَئِكَتِهِ﴾ من حيث إنهم مَعصُومون مطهّرون لا يعصون الله ما أمرهم
ويفعلون ما يُؤمرون، من شأنهم التوسُّط بينه تعالى وبين الرُّسل بإنزال الكتب وإلقاء
الوحي؛ ولهذا ذُكِروا في النظم قبل قوله تعالى: ﴿وَگُه، وَرُسُلِهِ﴾ أي: من حیث
مجيئهما منه تعالى على وجهٍ يليق بشأن كلٌّ منهما.

الآية : ٢٨٥
٥١٣
سُورَةُ الَقَة
ويلزم الإيمان التفصيلي فيما عُلِم تفصيلاً من كلٍّ من ذلك، والإجمالي فيما عُلم
إجمالاً .
وإنما لم يُذكر هاهنا الإيمان باليوم الآخر كما ذُكر في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ
ءَامَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلخ؛ لاندراجه في الإيمان بكتبه، والثواني كثيراً ما يُختصر فيها .
وقرأ ابن عباس ﴿ها: ((وكتابه)) بالإفراد(١)، فيحتمل أن يراد به القرآن بحمل
الإضافة على العهد، أو يراد الجنس فلا يختصّ به، والفرق بينه وبين الجمع - على
ما ذهب إليه إمام الحرمين والزمخشري (٢)، وروي عن الإمام ابن عباس﴾ (٣) - أن
استغراقَ المفرد أشملُ من استغراق الجمع؛ لأن المفرد يتناول جميع الآحاد ابتداءً،
فلا يخرجِ عنه شيء منه قليلاً أو كثيراً، بخلاف الجمع فإنه يستغرق الجموع
أولاً وبالذَّات، ثم يَسري إلى الآحاد. وهذا المبحث من مُعضلات علم المعاني،
وقد فُرغ من تحقيقه هناك.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهٍ﴾ في حيِّز النصب بقولٍ مقدَّر مسندٍ إلى ضمير
(كلٌّ) مراعى فيه اللفظ فيُفْرَد، أو المعنى فيُجْمَع، ولعلَّه أولى. والجملة منصوبة
المحلِّ على أنها حال من ضمير ((آمن))، أو مرفوعتُه على أنها خبرٌ آخر لـ ((كلّ))،
أي: يقولون، أو يقول: لا نفرِّق بين رسل الله تعالى بأن نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض
كما فعل أهلُ الكتابَيْن، بل نؤمن بهم جميعاً ونُصدِّق بصحّة رسالة كلِّ واحدٍ منهم.
وقيَّدوا إيمانهم بذلك تحقيقاً للحقِّ، وتنصيصاً على مخالفة أولئك المفرِّقين من
الفريقين بإظهار الإيمان بما كفروا به؛ فلعنةُ الله على الكافرين.
ومن هنا يُعلم أن القائلين هم آحادُ المؤمنين خاصَّةً؛ إذ يَبْعُدُ أنْ يُسندَ إليهِ وَه
أن يقول: لا أُفرِّق بين أحدٍ من رسله، وهو يُريد إظهارَ إيمانه برسالة نفسِه وتصديقه
في دعواها .
ومَن اعتبر إدراج الرسول في ((كل)) واستبعد هذا قال بالتغليب هاهنا. ومَن لم
(١) ذكرها الطبري في تفسيره ١٤٩/٥، وقرأ بها حمزة والكسائي وخلف. التيسير ص ٨٥،
والنشر ٢٣٧/٢.
(٢) في الكشاف ١/ ٤٠٧ .
(٣) ذكره الطبري في تفسيره ١٤٩/٥ .

سُورَةُ الْبَقَة
٥١٤
الآية : ٢٨٥
يستبعد، إذ كان ** يأتي بكلمة الشهادة كما يأتي بها سائرُ الناس، أو يبدل العلم
فيها بضمير المتكلّم، لم يَحتجْ إلى القول بالتغليب.
وعدمُ التعرُّض لنفي التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه، وإنما لم يعكس
مع تحقّق التلازم لِما أن الأصل في تفريق المفرِّقين هو الرسل، وكفرُهم بالكتب
متفرٌِّ على كفرهم بهم. وإيثارُ إظهار الرسل على الإضمار الواقع مثله في قوله
تعالى: ﴿وَمَّآ أُوَِّ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦ ] إمَّا للاحتراز
عن توقُّم اندراج الملائكة، ولو على بُعدٍ في الحكم، وهو وإن لم يكن فيه بأسٌ
إلا أنه ليس في التعرُّض له كثير جَدوى؛ إذ لا مزاحمَ في الظاهر، وإن كان فقليلٌ.
أو للإشعار بعلَّة عدم التفريق. أو للإيماء إلى عنوانه؛ لأن المعتبَر عدمُ التفريق من
حیث الرسالة دون سائر الحيثيات.
وقرأ يعقوب وأبو عمرو في رواية عنه: ((لا يفرِّق)) بالياء(١) على لفظ ((كل)).
وقرئ: ((لا يفرِّقون))(٢) حملاً على معناه، والجملةُ نفسُها حينئذٍ حالٌ أو خبرٌ
على نحو ما تقدَّم في القول المقدَّر، ولا حاجة إليه هنا .
والكلام على ((أحد)) وإدخال ((بين)) عليه قد سبق في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا
تُغَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦].
﴿وَقَالُواْ﴾ عطف على ((آمن)) والجمع باعتبار المعنى، وهو حكايةٌ لامتثالهم
الأوامر والنواهي إثرَ حكاية إيمانهم.
﴿سَمِعْنَا﴾ أي: أَجَبنا، وهو المعنى العرفي للسمع. ﴿وَأَعْنَا﴾ وَقَبِلنا عن طوعِ
ما دعوتنا إليه في الأوامر والنواهي. وقيل: ((سمعنا)) ما جاءنا من الحقِّ وتيقَّنَّاً
بصحّته، و((أطعنا)) ما فيه من الأمر والنهي.
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي: اغفر غفرانك ما يُنقص حظوظَنا لديك، أو نسألك
غفرانك ذلك، فغفران مصدر إمّا مفعول مطلق، أو مفعول به، ولعلَّ الأول أولى؛
لما في الثاني من تقدير الفعل الخاصِّ المُحوج إلى اعتبار القرينة.
(١) قراءة يعقوب في النشر ٢٣٧/٢، والمشهور عن أبي عمرو كقراءة الباقين: (نُفُرِّق)).
(٢) القراءات الشاذة ص١٨، ونسبها لابن مسعود ـ

الآية : ٢٨٦
٥١٥
سُورَةُ البَمَة
وتقديمُ ذكر السمع على الطاعة لتقدّم العامٌّ على الخاصِّ، أو لأن التكليف طريقه
السمع والطاعة بعده، وتقديمُ ذكرهما على طلب الغفران لِما أن تقدُّم الوسيلة على
المسؤول أقرب إلى الإجابة والقبول. والتعرُّض لعنوان الربوبية قد تقدَّم سِرُّه غير مرَّة.
﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ أي: الرجوع بالموت والبعث، وهو مصدرٌ ميميٍّ.
والجملة قيل: معطوفة على مقدَّر، أي: فمنك المبدأ وإليك المصير، وهي تذييلٌ
لِمَا قبله مقرِّرٌ للحاجة إلى المغفرة، وفيها إقرارٌ بالمعاد الذي لم يصرّح به قبلُ.
﴿لَا يُكَلِفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْمَهَأَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت إخباراً منه تعالى بعد
تلقِّيهم لتكاليفه سبحانه بالطاعة والقبول بما له عليهم في ضمن التكليف من محاسن
آثار الفضل والرحمة ابتداءً، لا بعدَ السؤال كما سيجيء. والتكليف: إلزامُ ما فيه كُلفةٌ
ومشقّة، والوُسْعُ: ما تسَعه قدرةُ الإنسان، أو ما يَسْهُل عليه من المقدور، وهو ما دون
مدى طاقتِهِ، أي: سُنَّته تعالى أنه لا يُكلِّف نَفْساً من النفوس إلا ما تُطيق، أو إلا ما هو
دون ذلك، كما في سائر ما كَلَّفنا به من الصلاة والصيام مثلاً؛ فإنه كلَّفنا خمسَ
صلوات والطاقةُ تسعُ ستاً وزيادةً، وكلَّفنا صومَ رمضان والطاقة تسع شعبانَ معه، وفعل
ذلك فضلاً منه ورحمةً بالعباد، أو كرامةً ومِنَّةً على هذه الأُمة خاصَّةً.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((وَسعها) بفتح الواو(١). والآيةُ على التفسيرين تدلُّ على
عدم وقوع التكليف بالمُحال، لا على امتناعه، أما على الأول فظاهر، وأما على
الثاني فبطريق الأولى.
وقيل: إنها على التفسير الثاني لا تدلُّ على ذلك؛ لأن الخطاب حينئذ مخصوصٌ
بهذه الأمة. وعلى كلِّ تقدير لا دليلَ فيها على امتناع التكليف بالمحال كما وُهِم، وقد
تقدَّم لك بعضُ ما يتعلق بهذا المبحث، وربما يأتيك ما ينفعُك فيه إن شاء الله تعالى.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَبَتُ﴾ جملةٌ أُخرى مستأنفةٌ، سيقت للترغيب
والمحافظة على مواجب التكليف، والتحذيرِ عن الإخلال بها، ببيانِ أن تكليف كلِّ
(١) في الأصل و(م): بفتح السين، والمثبت من القراءات الشاذة ص١٨، وذكرها أبو حيان في
البحر ٣٦٦/٢ وقال: جَعَله فعلاً ماضياً، وأوَّلوه على إضمار ((ما)) الموصولة، وعلى هذا
يكون الموصول المفعولَ الثاني لـ ((يكُلِّفُ)) كما أنَّ ((وُسْعَها)) في قراءة الجمهور هو المفعول
الثاني، وفيه ضعف.

سُورَةُ الْبَقَة
٥١٦
الآية : ٢٨٦
نفس - مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير - يتَضمَّن مراعاته منفعة زائدة، وأنها تعود
إليها لا إلى غيرها، ويستتبع الإخلال بها مضرَّةٌ تحيق بها لا بغيرها، فإنّ اختصاصَ
منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله، واقتصارَ مضرَّته عليه من أشدِّ
الزواجر عن مباشرته؛ قاله المولى مفتي الديار الرُّومية قُدِّس سِرُّه (١)، وهو الذي
ذهب إليه الكثيرُ.
وقيل: يجوز أن تُجعل الجملتان في حيِّز القول، ويكون ذلك حكايةً للأقوال
المتفرِّقةِ - الغير المعطوفة بعضها على بعض - للمؤمنين، ويكون مدحاً لهم بأنهم
شكروا اللهَ تعالى في تكليفه حيث يَرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم، وبأنهم يرون
أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير، بل هو لهم، ولا يتضرَّر بعملهم الشرّ، بل هو
علیهم. ولا يخفى أنه بعيد من جهة، قریب من أخرى.
والضمير في ((لها)) للنفس العامَّة، والكلام على حذف مضاف هو ثوابٌ في
الأول وعقابٌ في الآخر. ومبيِّن ((ما)) الأولى الخير، لدلالة اللام الدالّة على النفع
عليه، ومبين ((ما)) الثانية الشرُّ لدلالة ((على)) الدالة على الضرِّ عليه. وإيرادُ الاكتساب
في جانب الأخير لِمَا فيه من زيادة المعنى، وهو الاعتمال، والشرُّ تشتهيه النفسُ
وتنجذبُ إليه، فكانت أجدَّ في تحصيله، ففيه إشارةٌ إلى ما جُبِلَتْ عليه النفوس.
ولمَّا لم يكن مثل ذلك في الخير استعمل الصيغة المجرَّدة عن الاعتمال.
﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ شروعٌ في حكاية بقية دَعَوَاتهم إثر بيان
سرِّ التكليف. وقيل: استيفاءٌ لحكاية الأقوال. وفي ((البحر))(٢) - وهو المرويُّ عن
الحسن - أن ذلك على تقدير الأمر، أي: قولوا في دعائكم ذلك، فهو تعليمٌ منه
تعالى لعباده كيفيةً الدعاء والطلب منه، وهذا من غاية الكرم ونهايةِ الإحسان،
يُعلِّمهم الطلب ليعطيهم، ويُرشِدهم للسؤال لِيثيبَهم، ولذلك قيل - وقد تقدم(٣) -:
من فيض جودكَ ما علَّمتني الظَّلَبا
لو لم تُرِدْ نَيْلَ ما أرجو وأطلبُه
والمؤاخذة: المعاقبةُ، وفاعَل هنا بمعنى فَعَل. وقيل: المفاعلة على بابها؛
(١) يعني أبا السعود وكلامه في تفسيره ٢٧٦/١.
(٢) ٣٦٧/١ -٣٦٨.
(٣) ٣٠٧/١، وقائله أبو الفتح البستي، وهو في ديوانه ص٣٨.

الآية : ٢٨٦
٥١٧
سُورَةُ الَكَفَرَة
لأن الله تعالى يؤاخذ المذنب بالعقوبة، والمذنب كأنه يؤاخذ ربَّه بالمطالبة بالعفو؛ إذ
لا يجد مَن يُخلِّصه من عذابه سواه، فلذلك يتمسَّك العبد عند الخوف منه به، فعبَّر
عن كلِّ واحدٍ بلفظ المؤاخذة. ولا يخفى فسادُ هذا إلا بتكلُّف.
واختلفوا في المراد من النسيان والخطأ على وجوه:
الأول: أن المراد من الأول التَّرك، ومنه قوله:
ولَمْ أكُ عند الجود للجود قالياً ولا كنتُ يومَ الرَّوع للطعن ناسياً (١)
والمراد من الثاني العصيان؛ لأن المعاصي تُوصَفُ بالخطأ الذي هو ضدُّ
الصواب، وإن كان فاعلها متعمداً، كأنه قيل: ربَّنا لا تعاقبنا على تَركِ الواجبات
وفعلِ المنهيَّات.
الثاني: أن المراد منهما ما هما مسبَّبان عنه من التفريط والإغفال؛ إذ
قلَّما يتَّفقان إلا عن تقصيرٍ سابق، فالمعنى: لا تؤاخذنا بذلك التقصير.
الثالث: أن المراد بهما أنفسهما من حيث ترتّبُهما على ما ذكر، أو مطلقاً؛ إذ
لا امتناع في المؤاخذة بهما عقلاً؛ فإن المعاصي كالسُّموم، فكما أن تناولها - ولو
سهواً أو خطأ - مؤدِّ إلى الهلاك، فتعاطي المعاصي أيضاً لا يَبعُدُ أن يُفضي إلى
العقاب، وإن لم يكن عن عزيمة، ولكنه تعالى وَعَد التجاوزَ عنه رحمةً منه وفضلاً ،
فيجوز أن يَدعو الإنسانُ به استدامةً واعتداداً بالنِّعمة فيه. ويؤيِّد ذلك مفهومُ قوله وَّ
فيما أخرجه الطبراني - وقال النووي حديث حسن -: ((رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان
وما أكرهوا عليه)»(٢).
وأُورد على هذا بأنه لا يتمُّ على مذهب المُحقِّقين من أهل السُّنَّة والمعتزلة من
(١) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٢/ ٣٩٠ دون نسبة.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩٥، وابن حبان (٧٢١٩)، والدار قطني ٤/ ١٧٠ ،
والحاكم ١٩٨/٢، وابن حزم في الإحكام ١٤٩/٥ من حديث ابن عباس رضييا بلفظ: ((إن الله
تجاوز عن أمتي ... )) وصححه ابن حزم والحاكم، وكذلك النووي في المجموع ٣٦٦/٨،
وحسنه في المجموع أيضاً ٣٧٤/٢، وفي الأربعين النووية، الحديث رقم (٣٩). وقد أعله أبو
حاتم كما في العلل لابنه ١/ ٤٣١، لكن قال الحافظ في الفتح ١٦١/٥: أعلَّ بعلَّة غير قادحة.
وأخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس أيضاً بلفظ: ((إن الله وضع عن أمتي ... ))
وفي إسناد ابن ماجه انقطاع كما استظهر ذلك البوصيري في الزوائد ٣٥٣/١.

سُورَةُ الْبََّقَة
٥١٨
الآية : ٢٨٦
أنَّ التكليف بغير المقدور غير جائزٍ عقلاً منه تعالى؛ إذ لا يكون تَرك المؤاخذة على
الخطأ والنسيان حينئذٍ فضلاً يُستدام ونعمةً يعتدُّ بها.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾ أي: عبئاً ثقيلاً يأسِرُ صاحبه، أي: يحبسُه مكانه.
والمرادُ به التكاليف الشَّاقة، وقيل: الإصرُ الذنبُ الذي لا توبةً له، فالمعنى:
اعصمنا من اقترافه. وقرئ: ((آصاراً)) على الجمع، وقرأ أبيٍّ: ((ولا تحمِّل)) بالتشديد
للمبالغة(١).
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ﴾ في حيِّز النصب على أنه صفةٌ لمصدر
محذوف، أي: حملاً مثلَ حَمْلِكَ إياه على مَن قَبْلَنا، أو على أنه صفةٌ لـ ((إصراً))،
أي: إصراً مثلَ الإصر الذي حملته على مَن قبلنا، وهو ما كُلِّفه بنو إسرائيل مِن قَتْلٍ
النفس في التوبة أو في القصاص؛ لأنه كان لا يجوز غيره في شريعتهم، وقَطْعٍ موضع
النجاسة من الثياب ونحوِها، وقيل: من البدن، وصَرْفٍ ربع المال في الزكاة.
﴿َّنَا وَلَا تُحَيِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِّ﴾ استعفاء عن العقوبات التي لا تطاق بعدَ
الاستعفاء عمَّا يؤدِّي إليها، والتعبيرُ عن إنزال ذلك بالتحميل مجازٌ باعتبار ما يؤدي
إليه، وجوِّز أن يكون طلباً لِمَا هو أعمُّ من الأول لتخصيصه بالتشبيه، إلا أنه صوَّر
فيه الإصر بصورة مالا يُستطاع مبالغةً.
وقيل: هو استعفاءٌ عن التكليف بما لا تفي به القُدَرُ(٢) البشريةُ حقيقةً، فتكون الآية
دليلاً على جواز التكليف بما لا يطاق، وإلا لما سئل التخلّص عنه. وليس بالقوي.
والتشديد هاهنا لمجرد تعدية الفعل لمفعول ثانٍ دون التكثير.
﴿وَأَعْفُ عَنَّا﴾ أي: امْحُ آثارَ ذُنوبِنا بترك العقوبة ﴿وَأَغْفِّرْ لَنَا﴾ بستر القبيح وإظهار
الجميل ﴿وَأَرْحَمْنَا﴾ وتعّفْ علينا بما يوجب المزيد.
وقيل: ((اعفُ عنا)) من الأفعال ((واغفر لنا)) من الأقوال (وارحمنا)) بثقل
الميزان. وقيل: ((اعفُ عنا)) في سكرات الموت ((واغفر لنا)) في ظُلمة القبور
(ارحمنا)) في أهوال يوم النشر.
(١) القراءات الشاذة ص١٨ .
(٢) في الأصل: القدرة.

التفسير الإشاري (٢٨٤-٢٨٦)
٥١٩
سُورَةُ الْبَرَة
قال أبو حيان(١): ولم يأتِ في هذه الجمل الثلاث بلفظ: ((ربنا)) لأنها نتائج
ما تقدَّم من الجُمَل التي افتتحت بذلك، فجاء ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ مقابلاً لقوله تعالى:
﴿لَا تُؤَاخِذْنَآَ﴾، ﴿وَأَغْفِرْ لَا﴾ لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآَ إِصْرًا﴾، ﴿وَأَرْحَنَّاً﴾
لقوله عزَّ شأنه: ﴿وَلَا تُحَمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِّ﴾ لأن من آثار عدم المؤاخذة
بالنسيان والخطأ العفوَ، ومن آثار عدم الإصرِ عليهم المغفرةَ، ومن آثار عدم تحميل
ما لا يُطاق الرحمةَ، ولا يخفى حسنُ الترتيب.
﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾ أي: مالكنا وسيِّدُنا، وجوِّز أن يكون بمعنى متولِّي الأمرِ.
وأصله مصدر أُريد به الفاعل، وإذا ذكر المولى والسيد وجب في الاستعمال تقديم
المولى، فيقال: مولانا وسيدنا، كما في قول الخنساء:
وإنَّ صخراً لمولانا وسَيدنا وإن صخراً إذا أشتوا لَمِنْحَار(٢)
وخّؤوا مَن قال: سيدنا ومولانا، بتقديم السَّيدعلى المولى؛ كما قاله ابن
أیبك. ولي فیه تردّدٌ.
قيل: والجملة على معنى القول، أي: قولوا: أنت مولانا.
﴿فَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِنَ ﴾﴾ أي: الأعداءِ في الدِّين المحاربين لنا، أو
مطلقٍ الكفرة. وأتى بالفاء إيذاناً بالسببية؛ لأن الله تعالى لمَّا كان مولاهم ومالكهم
ومدبرَ أمورهم تسبَّب عنه أنْ دَعَوه بأنْ يَنصرهم على أعدائهم، فهو كقولك: أنت
الجواد فتكرَّم عليَّ، و: أنت البطل فاخمِ الجارّ.
ومن باب الإشارة في هذه الآيات: ﴿لِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ﴾ أي: العوالمُ
الروحانية كلُّها، وما استتر في أستار غيوبه وخزائن علمِه ﴿وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي:
العالَمُ الجسمانيُّ والظواهر المشاهَدة التي هي مظاهر الأسماء والأفعال.
﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنفُسِكُمْ﴾ يَشهده بأسمائه وظواهره فيحاسبكم به، وإن تخفوه
یشهده بصفاته وبواطنه ویحاسبکم به.
(١) في البحر ٣٦٧/٢ -٣٦٨.
(٢) ديوان الخنساء ص ٤٨: وفيه: لوالينا، بدل: لمولانا، ولنحار، بدل: لمنحار.

عيد
التفسير الإشاري (٢٨٤-٢٨٦)
٥٢٠
سُورَةُ الْبَقَة
﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ لتوحيده وقوَّة يقينه، وعروضٍٍ سيئاته وعدم رسوخها في
ذاته ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ لفساد اعتقاده ووجود شگِّه، أو رسوخ سيئاته في نفسه.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأن به ظهورَ كلِّ ظاهر وبطونَ كلِّ باطن، فيقدر على
المغفرة والتعذيب.
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ الكاملُ الأكمل ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّيِّهِ ﴾ أي: صدَّقه بقبوله
والتخلَّقِ به، فقد كان خُلُقْهِ وَه القرآنَ، والترقِّي بمعانيه والتحقُّق به ﴿وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ
ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ وحدَه مشاهدةً حين لم يَرَوا في الوجود سوَاه ﴿وَمَلَكَتِهِ، وَّكُلُبِهِ، وَرُسُلِهِ﴾
حين رجوعهم إلى مشاهدتهم تلك الكثرةَ مظاهرَ للوحدة، يقولون: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِن زُسُلِهِ،﴾ بردِّ بعضٍ وقبولِ بعض، لمشاهدة الحقِّ فيهم بالحق.
﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا﴾ أَجبنا ربَّنا في كتبه ورسله ونزول ملائكته، واستَقمنا في
سَيْرِنا. ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي: اغفر وجودَاتنا وصفاتنا واسترْ ذلك بوجودك
وصفاتِك، فمنك المبدأ ﴿وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ بالفناء فيك.
﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلا ما يَسعها، ولا يضيق به طوقها
واستعدادها من التجلِّيات ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من الخير والكمالات والكشوف، سواء
كان ذلك باعتمال، أو بغير اعتمال ﴿وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ وتوجَّهت إليه بالقصد من
السوء.
﴿رَبَّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ﴾ عهدَك بميلنا إلى ◌ُلمة الطبيعة ﴿أَوْ أَخْطَأَنَ﴾
بالعمل على غير الوجه اللائق لحضرتك ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاً إصْرًا﴾ وهو عبء
الصفات والأفعال الحابسة للقلوب من مُعَاينة الغيوب ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ، عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِنَاْ﴾ من المُحتجِبين بظواهر الأفعال، أو بواطن الصِّفات.
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِدٌ﴾ من ثِقل الهجران والحِرمان عن وصالك
ومشاهدةٍ جمالك بحجُب جلالك ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ سيئات أفعالِنا وصفاتنا، فإنها
سيئاتٌ حجَبتنا عنك وحرَمتنا بَرْدَ وِصالك ولذَّةَ رضوانك ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا﴾ ذنوبَ وجودِنا
فإنه أكبرُ الكبائر ﴿وَأَرْحَمْنَا﴾ بالوجود الموهوب بعد الفناء ﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا﴾ أي:
سيدنا ومتولِّي أمورِنا، لأنَّا مَظاهِرُك وآثارُ قدرتِك ﴿فَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَذِينَ﴾ مِن