النص المفهرس

صفحات 481-500

الآية : ٢٧٦
٤٨١
سُورَةُ الْبَقَة
الأكل كان هذا القول، فأشعر الوصف أولاً أن الوعيد به، ثم ذكر مُوجبَ اجترائهم،
فدلَّ على أنه وعيد كلٌّ آكلٍ، سواءٌ كان حاملُه عليه ذلك القولَ أَوْ لا، وأما قوله
سبحانه: (فَمَن ◌َهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ زَّيِّهِ، فَانتَهَى) وقوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ) فهو في القائل
المُعتقد، وإنْ جُعل إشارةً إلى القيام المذكور فالجزاء ما يُفهم من ضمِّ الفعل إلى
القول، فإنه لو لم يكن له مدخلٌ في التعذيب لم يَحسن في معرض الوعيد.
والقولُ بأنَّ المتعلِّق الرِّبا والآية محمولة على التغليظ خلافُ الظاهر، فتدبّر.
﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرَّزَا﴾ أي: يُذهب بركتَه ويُهلك المالَ الذي يدخل فيه، أخرج
أحمد وابن ماجه وابن جرير والحاكم - وصحَّحه - عن ابن مسعود، عن النبيِّ وَّلـ
قال: ((إنَّ الرِّبا وإنْ كَثُر فعاقبتُه تصير إلى قُلِّ)(١).
وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الرِّبا
أربعون سنة حتى يُمْحَق(٢)، ولعلَّ هذا مُخرَّجٌ مخرجَ الغالب، وعن الضحاك أن هذا
المَحْقَ في الآخرة بأن يبطل ما يكون منه مما يتوقع نفعُه، فلا يبقى لأهله منه شيء.
﴿وَيُرْبِ الضَّدَقَتِ﴾ يزيدها ويُضاعف ثوابها ويُكثر المالَ الذي أُخرجت منه
الصدقة. أخرج البخاريُّ ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَنْ
تصدَّق بعَدْلِ تمرةٍ من كَسْبٍ طَيِّبٍ - ولا يَقبلُ الله تعالى إلا طيِّباً - فإن الله يَقْبَلُها
بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبها كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّه حتى تكون مثلَ الجبلٍ)). وأخرج
الشافعيُّ وأحمدُ مثلَ ذلك(٣).
والنكتة في الآية أنَّ المُرْبي إنما يطلب في الرِّبا زيادةً في المال، ومانعُ الصدقة
إنما يمنعها لطلب زيادة المال، فبيَّن سبحانه أن الرِّبا سببُ النقصان دون النَّماء،
وأن الصدقة سببُ النَّماء دون النقصان - کذا قيل - وجعلوه وجهاً لتعقيب آیات
الإنفاق بآية الرِّبا.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ لا يَرتضي ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ مُتمسِّكٍ بالكُفر، مقيم عليه، مُعتادٍ له
﴿أَشِيم ۴﴾ منهمكٍ في ارتكابه.
(١) مسند أحمد (٣٧٥٤)، وسنن ابن ماجه (٢٢٧٩)، وتفسير الطبري ٤٥/٥، والمستدرك ٣٧/٢.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٥٣٥٣).
(٣) صحيح البخاري (١٤١٠)، وصحيح مسلم (١٠١٤)، ومسند الإمام أحمد (٨٣٨١)، ومسند
الشافعي ٢٢٠/١، وقوله: ((فلوه)): أي: المُهْر. النهاية (فلو).

سُورَةُ الْبَدَّة
٤٨٢
الآية : ٢٧٧
والآية لعموم السَّلب لا لِسَلْب العموم، إذ لا فرق بين واحدٍ وواحد. واختيارُ
صيغة المبالغة للتنبيه على فظاعة آكلِ الرِّبا ومستحلِّه، وقد ورد في شأن الرِّبا وحده
ما وَرَدَ، فكيف حالُه مع الاستحلال؟! أعاذنا الله تعالى من ذلك.
فقد أخرج الطبرانيُّ والبيهقيُّ عن ابن عباس ﴿ه، عن النبيِّ وَّه قال: ((درهمُ
ربا أشدُّ على الله من ستٍّ وثلاثين زَنْية)) وقال: ((مَنْ نَبَتَ لحمُه من سُحْتٍ فالنار
أولى به))(١).
وأخرج ابن ماجه وغيرُه عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِوَ له: ((إن الرِّبا
سبعون باباً أدناها مثل أن يقعَ الرجلُ على أمِّه، وإنَّ أَربى الرِّبا استطالةُ المرء في
عرض أخيه))(٢).
وأخرج جميل بن درَّاج من الإمامية، عن أبي عبد الله الحسين ظ ◌ُته، قال:
درهم رِبا أعظمُ عند الله تعالى من سبعين زنية كلّها بذات محرَم في بيت الله
(٣)
الحرام (٣).
وأخرج عبد الرزاق وغيره عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه قال: لَعن
رسولُ اللهِ وَ﴿ في الرِّبا خمسةً: آكلَه ومُوكَلَه وشاهديه وكاتِبَه(٤).
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بما وَجَب الإيمانُ به ﴿وَعِلُواْ﴾ الأعمال ﴿الصَّلِحَتِ﴾ على
الوجه الذي أُمروا به ﴿وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ تخصيصهما بالذِّكر مع
(١) معجم الطبراني الكبير (١١٢١٦)، وشعب الإيمان (٥٥١٨)، وفي إسناد الطبراني حمزة
النصيبي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: لا يُساوي فَلْساً، وقال ابن
عدي: عامة ما يرويه موضوع. ميزان الاعتدال ٦٠٦/١. وفي إسناد البيهقي حسين بن
قيس الرَّحبي، قال أحمد: متروك، وقال البخاري: لا يكتب حديثه، قاله الذهبي في
الميزان ٥٤٦/١، وقد ذكر هذا الحديث وعدَّه من مناكيره.
(٢) سنن ابن ماجه (٢٢٧٤) مختصراً بلفظ: ((الربا سبعون حوباً أيسرها أن ينكح الرجل أمَّه)). وفي
إسناده نجيح بن عبد الرحمن أبو معشر، وهو ضعيف. وأخرجه بتمامه ابن أبي حاتم في
المراسيل ص ١٨٩ من طريق يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن البراء بن عازب،
عن النبي ◌َّر. وقال أبو حاتم: هو مرسل، لم يدرك يحيى ولا إسحاق البراء بن عازب.
(٣) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٣٦١/٣.
(٤) مصنف عبد الرزاق (١٠٧٩١).

الآية : ٢٧٨
٤٨٣
سُؤَدَّةُ الْبَفَة
اندراجهما في الأعمال؛ للتنبيه على عظم فضلهما، فإن الأُولى أعظم الأعمال
البدنية، والثانية أفضل الأعمال المالية.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ الموعود لهم حالَ كونه ﴿عِندَ رَيْهِمٌ﴾ وفي التعبير بذلك مَزيدُ
لطفٍ وتشريف ﴿وَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾﴾ لوفور حظّهم.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ في الظاهر ﴿أَتَّقُواْ اللّهَ﴾ أي: قُوا أنفسكم عِقابَه
﴿وَذَرُوا﴾ أي: اتركوا ﴿مَا يَقِىَ مِنَ الْرِّوْا﴾ لكم عند الناس ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ
عن صميم القلب؛ فإنَّ دليله امتثال ما أُمرتم به، وهو شرطٌ حُذِفَ جوابه ثقةً
بما قبله، و ((مِنْ)) تبعيضية متعلِّقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل ((بقي)) وقيل: متعلقة
بـ ((بقي)) وقرأ الحسن: (((بقى)) بقلب الياء ألفًا على لغة طيء (١).
والآية - كما قال السُّدي - نزلت في العباس بن عبد المطلب رظُه ورجلٍ من بني
المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية يُسلفانِ في الربا إلى ناس من ثقيف من بني
عمرة، وهم بنو عمرو بن عُمير، فجاء الإسلام ولهما أموالٌ عظيمة من الرِّبا،
فترکوها حین نزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم(٢) عن مقاتل قال: نزلت هذه الآية في بني عمرو بن
عُمير بن عوف الثقفي ومسعود بن عمرو بن عبد ياليل بن عمرو، وربيعة بن عمرو،
وحبيب بن عُمير(٣) وكلَّهم أخوة وهم الطالبون، والمطلوبون بنو المغيرة من بني
مخزوم وكانوا يداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا، وكان النبيُّ وَّهِ صالَح ثقيفاً،
فطلبوا رباهم إلى بني المغيرة - وكان مالاً عظيماً - فقال بنو المغيرة: واللهِ لا نعطي
الرِّبا في الإسلام وقد وضعه الله تعالى ورسولُه عن المسلمين، فعرَّفوا شأنهم معاذ بن
جبل - ويقال: عَتَّاب بن أَسِيد - فكتَب إلى رسول الله ◌ِّ ر أن بني عمرو بن عُمير
يَطلبون رِباهم عند بني المغيرة، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إلخ، فكتب
رسولُ اللهَ﴿ إلى معاذ بن جبل أن اعرض عليهم هذه الآيةَ، فإن فعلوا فلَهم
(١) القراءات الشاذة ص١٧، والدر المصون ٢/ ٦٣٧ .
(٢) في تفسيره ٥٤٨/٢ -٥٤٩.
(٣) كذا في الأصل، و(م)، والدر المنثور ٣٦٦/١، وعنه نقل المصنف، وجاء في غيره من
المصادر: نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، وهم: مسعود وعبد ياليل وحبيب
وربيعة ... وينظر تفسير الطبري ٥٠/٥، والعجاب ٦٣٩/١.

سُورَةُ البَّفَقَة
٤٨٤
الآية : ٢٧٩
رؤوس أموالهم، وإِنْ أَبَوا فآذِنْهم بحرب من الله تعالى ورسوله، وذلك قوله تعالى:
﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا﴾ أي: ما أُمرتم به من الاتقاء وتركِ البقايا، إمَّا مع إنكار حرمته
وإمّا مع الاعتراف.
﴿وَذَنُواْ﴾ أي: فَأَيْقِنوا، وبذلك قَرَأ الحسن(١)، وهو التفسير عن ابن عباس ـ
﴿يِعَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولٌِّ﴾ وهو كحرب المرتدِّين على الأول، وكحرب البُغاة على الثاني.
وقيل: لا حرب حقيقةً وإِنما هو تهديدٌ وتخويف. وجمهور المفسرين على الأول.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عياش: ((فآذنوا)) بالمدّ(٢)، أي: فَأَغْلِموا بها
أنفسَكم، أو بعضكم بعضاً، أو غيركم، وهذا مستلزمٌ لعلمهم بالحرب على أتمٌّ وجه.
وتنكير ((حرب)) للتعظيم، ولذا لم يقل: بحرب اللهِ - تعالى - بالإضافة. أخرج
أبو يعلى عن ابن عباس ﴿ها أنها لما نزلت قال ثقيف: لا يُدِيَّ(٣) لنا بحرب الله
تعالی ورسوله گۆ.
﴿وَإِن تُبْتُمْ﴾ عَمَّا يُوجب الحرب ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ تأخذونها لا غير
﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ غُرماءكم بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾﴾ أنتم مِن قِبَلهم بالنقص
مِن رأس المالِ، أو به وبنحو المظل. وقرأ المُفضَّل عن عاصم: ((لاتُظلمون))،
الأول بالبناء للمفعول، والثاني بالبناء للفاعل على عكس القراءة الأولى(٤).
والجملة إمَّا مستأنفة، وهو الظاهر، وإما في محل نصب على الحال من
الضمير في ((لكم)) والعاملُ ما تضمَّنه الجارُّ من الاستقرار لوقوعه خبراً، وهو رأي
الأخفش. ومن ضرورة تعليق هذا الحكم بتوبتهم عدمُ ثبوته عند عدمها؛ لأنَّ عَدَمَها
إن كان مع إنكار الحُرمة، فهم المرتدون، ومالهُم المكسوب في حال الردة فَيْءٌ
للمسلمين عند الإمام أبي حنيفة له، وكذا سائر أموالهم عند الشافعي څ،
وعندنا هو لورثتهم ولا شيء لهم على كلِّ حال، وإن كان مع الاعتراف، فإن كان
(١) البحر ٣٣٨/٢.
(٢) التيسير ص٨٤، والنشر ٢٣٦/٢.
(٣) يُدِيّ: جمع يد، أي: لا قوة لنا، يقال: مالي بهذا الأمر يد ولا يدان. تاج العروس
(يدي). والخبر في مسند أبي يعلى (٢٦٦٨) دون هذه العبارة.
(٤) السبعة ص ١٩٢، وهي غير المشهورة عن عاصم.

الآية : ٢٨٠
٤٨٥
سُورَةُ الْبَوَة
لهم شوكةٌ فهم على شَرَفِ القتل لم يكد تَسْلَم لهم رؤوسهم فکیف برؤوس أموالهم،
وإلا فكذلك عند ابن عباس ﴿؛ فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال: منْ كان
مُقيماً على الرِّبا لا يَنْزِع عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يَستتيبه، فإن نزع،
وإلا ضرب عُنُقَه(١). ومثله عن الصادق عظَته. وأما عند غيرهما فهم مَحْبُوسون إلى
أن تظهر توبتهم، ولا يُمَّنون من التصرفات رأساً، فمالم يتوبوا لم يُسلَّم لهم شيء
من أموالهم، بل إنما يُسلَّم بموتهم لورثتهم؛ قاله المولى أبو السعود(٢) وغيره.
واستُدل بالآية على أن الممتنع عن أداء الدَّين مع القُدرة ظالمٌ يعاقب بالحبس
وغيره. وقد فضَّل ذلك الفقهاءُ أتمّ تفصيل.
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي: إنْ وقع المطلوبُ ذا إعسارٍ لضيق حالٍ من جهةٍ عدمِ
المال، على أنَّ ((كان)) تامَّة. وجوَّز بعض الكوفيين أن تكون ناقصة، و ((ذو)) اسمها،
والخبر محذوف، أي: وإن كان ذو عسرة لكم عليه حقٌّ، أو غريماً، أو من
غرمائكم. وقرأ عثمان رَبُه: ((ذا عسرة))(٣). وقُرئ: ((ومن كان ذا عسرة)) (٤). وعلى
القراءتين ((كان)» ناقصة، واسمها ضمير مُستكنٌّ فيها يعود للغريم وإن لم يذكر.
والآية نزلت - كما قال الكلبي - حين قالت بنو المغيرة لبني عمرو بن عمير:
نحن اليوم أهلُ عُسرة، فَأَخِّرونا إلى أن تُدرك الثمرةُ، فَأَبَوْا أن يُؤَخِّروهم.
﴿فَنَظِرَةٌ﴾ الفاء جواب الشرط. و ((نَظِرة)) مبتدأ خبره محذوف، أي: فعليكم
نَظِرَةٌ، أو فاعلٌ بفعلٍ مضمر، أي: فتجب نظرة. وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي:
فالأمر - أو فالواجب - نظرة. والنَّظِرة كالنَّظْرة، بسكون الظاء: الانتظارُ، والمراد به
الإمهال والتأخير.
وقرأ عطاء: ((فناظِرُ))(٥) بإضافة ((ناظر)) إلى ضمير ((ذو عسرة))، أي: فالمستحِقُّ
ناظره، أي: منتظره ومُمهله وصاحب نظرته، على طريق: لابِن، وتامرٍ. وعنه
أيضاً: ((فَناظِرْه)) أمراً من المفاعلة، أي: فسامِحْه بالنظرة.
(١) تفسير الطبري ٥/ ٥٢.
(٢) تفسيره ٢٦٨/١، ووقع في (م): قال، بدل: قاله، وهو تصحيف.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٧ .
(٤) البحر المحيط ٢/ ٣٤٠ ونسبها لأبان بن عثمان.
(٥) القراءات الشاذة ص١٧، والمحتسب ١٤٣/١.

سُورَةُ الََّة
٤٨٦
الآية : ٢٨٠
﴿إِلَى مَيْسَرَؤْ﴾ أي: إلى وقت، أو وجود يسار، وقرأ حمزة ونافع: ((مَيْسُرة))
بضم السين(١)، وهما لغتان كمشرقةٍ ومَشْرُقةٍ، وقرئ بهما مُضافين بحذف التاء
وإقامة الإضافة مقامها(٢)، فاندفع ما أُورد على هذه القراءة بأن ((مَفْعُل)) بالضم
معدومٌ أو شاذٌّ، وحاصله أنها مَفْعُلة لا مَفْعُل، وأجيب - أيضاً - بأنه معدومٌ في
الآحاد، وهذا جمعُ ((ميسُرة)) كما قيل في مَكْرُم جمع مَكْرُمة، وقيل: أصله ميسورة،
فخفِّفت بحذف الواو بدلالة الضمَّة عليها .
﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ﴾ بحذف إحدى التاءين، وقرئ بتشديد الصاد(٣) على أن أصله:
تتصدقوا، فقلبت التاء الثانية صاداً وأُدغمتا. أي: وتصدُّقكم على معسري غرمائكم
برؤوس أموالكم كلَّا أو بعضاً ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: أكثرُ ثواباً من الإنظار، أو خيرٌ
مما تأخذونه؛ لنفاد ذلك وبقاء هذا. أخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: النَّظِرة
واجبةٌ، وخيَّر الله تعالى الصدقةَ على النظرة.
وقيل: المراد بالتصدُّق الإنظار؛ لِمَا أخرج أحمد عن عمران بن الحصين قال:
قال رسولُ اللهِ وَّهُ: ((مَنْ كان له على رجل حقٌّ فأخّره، كان له بكلِّ يوم صدقةٌ))(٤)
وضعَّفه الإمام(٥) مع مخالفته للمأثور بأن وجوب الإنظار ثبتَ بالآية الأُولَى، فلا بدَّ
من حمل هذه الآية على فائدة زائدة، وبأن قوله سبحانه ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لا يليق
بالواجب، بل بالمندوب.
واستَدلَّ بإطلاق الآية مَن قال بوجوب إنظار المعسر مطلقاً، سواء كان الدين
دينَ ربا أَمْ لا. وهو الذي ذهب إليه ابن عباس ظًا والحسن والضحاك وأئمة أهل
البيت. وذهب شُريح وإبراهيم النخعي وابن عباس ﴿يا - في رواية عنه - إلى أنه
لا يجب إلا في دَين الرِّبا خاصةً، وتأوَّلوا الآية على ذلك.
(١) التيسير ص ٨٥، والنشر ٢٣٦/٢ عن نافع، وهي غير المشهورة عن حمزة.
(٢) القراءات الشاذة ص١٧ .
(٣) قرأ عاصم: (تَصَدَّقوا)) والباقون بتشديد الصاد.
(٤) مسند أحمد(١٩٩٧٧)، وفي إسناده نُفيع بن الحارث الأعمى، قال الحافظ في التقريب:
متروك، وقد كذَّبه ابن معين. قلنا: قد صح في باب إنظار المعسر عن رسول الله و﴿ أنه
قال: (مَنْ أنظر معسراً، أو وَضَعَ له، أظلَّه الله في ظل عرشه يوم القيامة))، أخرجه أحمد
.
(٨٧١١) من حديث أبي هريرة ضـ
(٥) يعني الفخر الرازي، ينظر تفسيره ٧/ ١١٠.

الآية : ٢٨١
٤٨٧
سُؤَدَّةُ الْبَكْفَة
﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (3) جواب ((إن)) محذوف، أي: إن كنتم تعلمون أنه
خيرٌ لكم عَمِلتموه. وفيه تحريضٌ على الفعل.
﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا﴾ وهو يوم القيامة، أو يوم الموت، وتنكيرُه للتفخيم، كما أنَّ
تعليقَ الاتقاء به للمبالغة في التحذير عمَّا فيه من الشدائد التي تجعل الولدان شيباً .
﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ على البناء للمفعول من الرَّجْع، وقرئ على البناء للفاعل من
الرجوع (١). والأول أدخل - كما قيل - في التهويل. وقُرئ: ((يَرْجِعون)) على طريق
الالتفات، وقرأ أبيٍّ: ((تصيرون))، وعبدُ الله: ((تُردُّون))(٢).
﴿إِلَى اللهِ﴾ أي: حُكمه وفَضْله ﴿ثُمَّ تُوَلَى﴾ أي: تُعطى كَمَلاً ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ كَسَبَت
خيراً أو شرًّا ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ أي: جزاءً ذلك إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشرٌّ .
والكسب: العمل كيف كان، كما نطقت به اللغةُ ودَّت عليه الآثار، وكسبُ
الأشعري لا يشعر به سوى الأشاعرة.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾﴾ جملة حالية من ((كلّ نفس))، وجُمع باعتبار المعنى،
وأعاد الضمير أولاً مفرداً اعتباراً باللفظ، وقدَّم اعتبار اللفظِ لأنه الأصل، ولأنَّ
اعتبارَ المعنى وقَع رأسَ فاصلة؛ فكان تأخيرُه أحسنَ، ولك أن تقول: إنَّ الجمع
أنسبُ بما يكون في يومه، كما أن الإفراد أولى فيما إذا كان قبله.
أخرج غيرُ واحدٍ من غير طريقٍ عن ابن عباس ◌ًَّا أن آية ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا﴾ إلخ آخرُ
ما نزل من القرآن(٣). واختلف في مدة بقائه بعدَها عليه الصلاة والسلام، فقيل:
تسع ليال، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث ساعات. وقيل: أحداً وعشرين يوماً،
وقيل: أحداً وثمانين يوماً، ثم مات(٤). بنفْسي هو حياً وميتاً وَّر. وروي أنه قال:
(اجعلوها بين آية الرِّبا وآية الدَّين))(٥). وفي رواية أخرى أنه ◌ّ قال: ((جاءني
(١) قرأ أبو عمرو ويعقوب: (تَرجِعون)) والباقون: (تُرْجَعون)). التيسير ص٨٥، والنشر ٢٠٨/٢.
(٢) ذكر هذه القراءات أبو حيان في البحر ٣٤١/٢.
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٩٩١).
(٤) ذكر هذه الأقوال الزمخشري في الكشاف ٤٠٢/١، والقرطبي في تفسيره ٤٢١/٤،
وأبو حيان في البحر ٣٤١/٢.
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره ٤٢١/٤ .

سُورَةُ الْبَّفَقَة
٤٨٨
الآية : ٢٨٢
جبرائيل، فقال: اجعلوها على رأس مئتين وثمانين آية من البقرة))(١).
ولا يُعارض الروايةَ عن ابن عباس ﴾ في أن هذه آخِرُ آيةٍ نزلت ما أخرجه
البخاريُّ وأبو عُبيد وابن جرير والبيهقيُّ من طريق الشعبي عنه رَُّبه أنه قال: آخر آية
أنزلها الله تعالى على رسوله وَ﴿ آيةُ الرِّبا(٢)، ومثلُه ما أخرجه البيهقيُّ من طريق ابن
المسيَّب عن عمر بن الخطاب(٣)، كما قاله محمد بن سلمة فيما نقله عنه علي بن
أحمد الكرباسي: أن المراد من هذا أن آخر ما نزل من الآيات في البيوع آيةُ الربا،
أو أن المراد أن ذلك من آخر ما نزل كما يصرِّح به ما أخرجه الإمام أحمد (٤).
ولمَّا أمر سبحانه بإنظار المُعسر وتأجيله عقَّبه ببيان أحكام الحقوق المؤجّلة
وعقود المداينة، فقال عزَّ مِن قائل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالله تعالى وبما جاء منه
﴿إِذَا تَدَايَنُم﴾ أي: تعاملتم وداین بعضكم بعضاً ﴿پدين﴾ فائدةُ ذکرو تخليص
المشترك ودفعُ الإبهامِ نصًّا؛ لأن ((تداينتم)) يجيء بمعنى: تعامَلتم بدَينٍ، وبمعنى:
تجازيتم. ولا يَرِد عليه أن السِّياق يرفعه؛ لأن الكلام في النصوصية على أن السياق
قد لا يتنبّه له إلا الفَطِن. وقيل: ذُكر ليرجع إليه الضمير؛ إذ لولاه لقيل: فاكتبوا
الدَّين، فلم يكن النظم بذلك الحُسن عند ذي الذَّوق العارف بأساليب الكلام.
واعتُرض بأن التداين يدلُّ عليه، فيكون من باب: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨].
وأُجيب بأن الدَّين لا يُراد به المصدر، بل هو أحد العِوضين، ولا دلالة للتداين
عليه إلا من حيث السياق، ولا يكتفى به في معرِض البيان لا سيَّما وهو ملبّس.
وقيل: ذكر لأنه أَبْيَنُ لتنويع الدَّين إلى مؤجَّل وحالٍّ، لِما في التنكير من الشيوع
والتبعيض لما خصَّ بالغاية، ولو لم يُذكر لاحتمل أن الدَّين لا يكون إلا كذلك.
﴿إِلَّ أَجَلٍ﴾ أي: وقت، وهو متعلُّق بـ ((تداينتم))، ويجوز أن يكون صفة
(١) أخرجه الفراء في معاني القرآن ١٨٣/١، وفي إسناده الكلبي عن أبي صالح، وقد نقل
الذهبي في الميزان ٥٥٧/٣ عن البخاري، أن الكلبي قال لسفيان: كل ما حدَّثتك عن
أبي صالح فهو كذب.
(٢) صحيح البخاري (٤٥٤٤)، وفضائل القرآن لأبي عبيد ص٢٢٣-٢٢٤، وتفسير الطبري
٦٧/٥، ودلائل النبوة للبيهقي ١٣٨/٧.
(٣) دلائل النبوة ١٣٨/٧.
(٤) مسند أحمد (٢٤٦) من حديث عمر له، وسلف ص ٤٧٩ من هذا الجزء.

الآية : ٢٨٢
٤٨٩
سُورَةُ الْبَرَة
للدَّين، أي: مؤخَّر أو مؤجَّل إلى أجلٍ ﴿ُسَنَّى﴾ بالأيام أو الأشهر، أو
نظائرهما مما يُفيد العلم ويرفع الجَهَالة، لا بنحو الحصاد، لئلا يعود على موضوعه
بالنقض ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أي: الدَّين بأجله؛ لأنه أرفق وأوثق، والجمهور على استحبابه
لقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا﴾ .
والآية عند بعض ظاهرةٌ في أن كلَّ دین حُكمه ذلك، وابن عباس يَخصُّ الدین
بالسَّلَم؛ فقد أخرج البخاريُّ عنه أنه قال: أَشهد أن السَّلف المضمون إلى أجل
مسمَّى أن الله تعالى أجَّله وأذن فيه، ثم قَرأ الآية(١). واستدل الإمام مالك بها على
جواز تأجيل القَرْض.
﴿وَلْيَكْتُبِ بَّيْنَكُمْ كَائِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ بيانٌ لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين مَن
يتولاها إثر الأمر بها إجمالاً، ومفعول ((يكتب)) محذوف ثقةً بانفهامه، أو للقصد
إلى إيقاع نفس الفعل، والتقييدُ بالظرف للإيذان بأنه ينبغي للكاتب أن لا ينفرد به
أحدُ المتعاملَيْنِ؛ دفعاً للتُّهمةِ. والجارُّ متعلِّق بمحذوف وقع صفة للكاتب، أي:
ليكن الكاتب من شأنه التسوية وعدمُ الميل إلى أحد الجانبين بزيادة أو نقص،
ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلِّقاً بـ ((كاتب)) أو بفعله، والمراد أمرُ المتداينّين - على
طريق الكناية - بكتابة عدلٍ فقيه دَيِّن؛ حتى يكون ما يَكتبه موثوقاً به، مثَّفقاً عليه بين
أهل العلم، فالكلام - كما قال الطيبي - مَسوقٌ لمعنّى، ومدمجٌ فيه آخرُ بإشارة
النصِّ، وهو اشتراط الفَقَّاهة في الكاتب؛ لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور
الخَطِرة إلا مَن كان فقيهاً، ولهذا استدلَّ بعضُهم بالآية على أنه لا يكتب الوثائقَ
إلا عارفٌ بها عَدْلٌ مأمون، ومَن لم يكن كذلك يجب على الإمام أو نائبه منعُه؛
لئلا يقع الفسادُ ويكثر النزاع، والله لا يحبُّ المفسدین.
﴿وَلَا يَأَبَ كَائِبٌ﴾ أي: لا يمتنع أحدٌ من الكتَّاب الموصوفين بما ذُكر ﴿أَنْ يَكْلُبَ﴾
بين المتداينين كتابَ الذَّين ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أي: لأَجْل ما علَّمه الله تعالى من كتابة
الوثائق وتفضَّل به عليه، وهو متعلّق بـ ((يكتب))، والكلام على حدٍّ: ﴿وَأَحْسِن كَمَّاً
أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: ٧٧] أي: لا يأب أن يتفضَّل على الناس بكتابته؛ لأجل
(١) لم يروه البخاري، وإنما أشار إلى معناه فقال: باب السلم إلى أجل معلوم، وبه قال ابن
عباس. وأخرجه الشافعي في مسنده ٢/ ١٧١ .

سُورَةُ الْبَرَة
٤٩٠
الآية : ٢٨٢
أنَّ الله تعالى تفضّل عليه وميَّزه. ويجوز أن يتعلَّق الكاف بـ ((أن يكتب)) على أنه نعتٌ
لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر على رأي سيبويه، والتقدير: أن يكتب
كتابةً مثلَ ما علَّمه الله تعالى، أو: أن يكتبه - أي: الكتب - مثلَ ما علَّمه الله تعالى
وبيَّنه له بقوله سبحانه: ﴿يَاٌلْعَدْلِ﴾. وجوِّز أن يتعلَّق بقوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾
والفاء غير مانعة كما في ﴿وَرَبَّكَ فَكَِّرْ﴾ [المدثر: ٣]؛ لأنها صلة في المعنى.
والأمر بالكتابة بعد النهي عن الإباء(١) منها على الأول للتأكید، واحتیج إليه لأن
النهي عن الشيء ليس أمراً بضدِه صريحاً على الأصح، فأَّده بذكره صريحاً اعتناءً
بشأن الكتابة، ومن هذا ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ الأمر للوجوب ومن فروض الكفاية،
ولكنَّ الأمر لمَّا كان لنا لا علينا صُرف عن ذلك لئلا يعود ما تقدَّم في مسألة جهالة
الأجل، وأما على الوجه الثاني فلا تأكيد، وإنما هو أمر بالكتابة المفيَّدة بعد النهي عن
الامتناع من المطلَقة، وهذا لا يُفيد التأكيد؛ لأن النهي عن الامتناع عن المطلق لا يدلُّ
على الأمر بالمقيَّد ليكون ذِكره بعده تأكيداً، واذَّعاه بعضهم؛ لأنه إذا كان الامتناع عن
مُطلق الكتابة منهيًّا فَلأَن يكون الامتناع عن الكتابة الشرعية منهيًّا بطريق الأَولى،
والنهي عن الامتناع عن الكتابة الشرعية أمرٌ بها، فيكون الأمر بالكتابة الشرعية صريحاً
للتوكيد، وأيضاً إذا ورَد مطلقٌ ومقيد - والحادثة واحدة - يُحمل المطلَق على المُقيّد،
سواء تقدَّم المطلق أو تأخّر، فكما حُمل الأمر بمطلق الكتابة في الوجه الأول على
الكتابة المقيَّدة ليفيد التأكيد، فلِمَ لم يُحمل النهي عن الامتناع عن مطلق الكتابة على
الكتابة المقيدة للتأكيد، وهل التفرقة بين الأمرين إلا تحكّم بحثٌ كما لا يخفى؟.
و ((ما)) قيل: إما مصدرية أو كافَّة، وجوِّز أن تكون موصولةً أو موصوفةً،
وعليهما فالضمير لها، وعلى الأولين للكاتب، وقدَّر بعضهم على كلِّ تقديرٍ
المفعول الثاني لـ ((علَّم)»: كتابةً الوثائق، فافهم.
﴿وَلْيُمْلِلٍ﴾ من الإملال، بمعنى الإلقاء على الكاتب ما يَكْتبه، وفِعْلُه: أَمْلَلْتُ،
وقد يُبدل أحد المضاعفين ياءً، ويتبعه المصدر فيه، وتبدل همزةً لتطرفها بعد ألف
زائدة، فيقال: إملاء، فهو والإملال بمعنَى. أي: وليكن المُلقي على الكاتب
ما يَكتبه من الدَّين ﴿الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ وهو المطلوب؛ لأنه المشهود عليه، فلا بدَّ
(١) في (م): الأداء.

الآية : ٢٨٢
٤٩١
سُورَةُ الْبَحْمَة
أن يكون هو المقِرَّ لا غيرَه، وانفهامُ الحصر من تعليق الحكم بالوصف، فإنَّ ترتيب
الحُكْم على الوصف مُشعِرٌ بالعلِّية، والأصل عدمُ علَّة أخرى.
﴿وَلْيَتَّقِ﴾ أي: الذي عليه الحقُّ ﴿اللَّ رَبَّهُ﴾ جمع بين الاسم الجليل والوصف
الجميل مبالغةً في الحثِّ على التقوى بذكر ما يُشعر بالجلال والجمال.
﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾ أي: لا ينقص ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الحقِّ الذي يُمليه على الكاتب
﴿شَيْئًا﴾ وإن كان حقيراً، وقرئ: شياً بطرح الهمزة، وشيًّا بالتشديد(١). وهذا هو
التفسير المأثور عن سعيد بن جُبير. وقيل: يجوز أن يرجع ضمير ((يتق)) للكاتب،
وليس بشيء؛ لأن ضمير ((يبخس)) لمن عليه الحقُّ؛ إذ هو الذي يتوقَّع منه البخس
خاصةً، وأما الكاتب فَيُتوقَّع منه الزيادة كما يُتوقَّع منه النقص، فلو أُريد نهيه لنهي
عن كليهما، وقد فعل ذلك حيثُ أمرَ بالعدلِ. وإرجاعُ كلٍّ منهما لكلٍّ منهما تفكيكٌ
لا يدلُّ عليه دليل. وإنما شدَّد في تكليف المُملي حيث جمع فيه بين الأمر بالاتّقاء
والنهي عن البخس؛ لِمَا فيه من الدَّواعي إلى المنهيِّ عنه؛ فإن الإنسان مجبولٌ على
دفع الضَّرر عنه ما أمكن.
وفي ((منه)) وجهان: أحدهما: أن يكون متعلِّقاً بـ ((يبخس))، و((مِن)) لابتداء
الغاية. وثانيهما: أن يكون متعلِّقاً بمحذوف، لأنه في الأصل صفةٌ للنكرة،
فلما قدِّمت عليه نُصبت حالاً. و((شيئاً)) إمّا مفعول به وإمَّا مصدر.
﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ آلْحَقُّ﴾ صرَّح بذلك في موضع الإضمار لزيادة الكشف،
لا لأن الأمر والنهي لغيره، و((عليه)) متعلِّق بمحذوف، أي: وَجَبَ. و ((الحقُّ»
فاعل، وجوِّز أن يكون ((عليه)) خبراً مقدَّماً، و ((الحقُّ)) مبتدأ مؤخّراً، فتكون الجملة
اسمية، وعلى التقديرين لا محلَّ لها من الإعراب؛ لأنها صلة الموصول.
﴿سَفِيهَا﴾ أي: عاجزاً أحمق؛ قاله ابن زيد. أو جاهلاً بالإملال؛ قاله مجاهد.
أو مبذِّراً لماله ومفسداً لدينه؛ قاله الشافعي ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي: صبيًّا، أو شيخاً خَرِفاً.
﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ﴾ جملة معطوفة على مفرد هو خبر ((كان))؛ لتأويلها
بالمفرد، أي: أو غيرَ مُستطیع للإملاء بنفسه لِخَرَسٍ، کما روي عن ابن عباس
(١) البحر المحيط ٣٤٤/٢.

سُورَةُ الجَمَة
٤٩٢
الآية : ٢٨٢
أو لِما هو أعمُّ منه ومن الجهل باللغة وسائر العوارض المانعة.
والضميرُ البارز توكيدٌ للضمير المستتر في ((أن يُملَّ))، وفائدة التوكيد به رفعُ المجاز
الذي كان يَحتمله إسنادُ الفعل إلى الضمير، والتنصيصُ على أنه غير مستطيع بنفسه.
وقيل: إن الضمير فاعل لـ ((يمل))، وتغيير الأسلوب اعتناء بشأن النفي.
ولا يخفى حُسْنُ الإدغام هنا والفكِّ فيما تقدَّم، ومثلُه الفُّ في قوله تعالى:
﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي: متولِّي أمره، وإن لم يكن خصوص الولي الشرعي(١)، فيشمل
القيِّم والوكيل والمترجم. والإقرار عن الغير في مثل هذه الصورة مقبول، وفرق بينه
وبين الإقرار على الغير، فاعرفه.
﴿يَدِّ﴾ بين صاحب الحقِّ والمُولَّى عليه، فلا يزيد ولا ينقص، ولم يُكلَّف
بعين ما كُلِّف به مَنْ عليه(٢) الحق؛ لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البَخْس.
واستدلَّ بعضهم بالآية على أنه لا يجوز أن يكون الوصيُّ ذميًّا ولا فاسقاً، وأنه
يجوز أن يكون عبداً أو امرأة؛ لأنه لم يشترط في الأولياء إلا العدالة، ذكره ابنُ
الفرس، وليس بشيء کما لا يخفى.
ومن الناس مَن استدلَّ بقوله سبحانه: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ على وجوب
الكتابة، وإلى ذلك ذهب الشعبيُّ والجبَّائي والرُّماني، إلا أنهم قالوا: إنها واجبة على
الكفاية، وإليه يميل كلامُ الحسن. وقال مجاهد والضحاك: واجبٌ عليه أن يكتب إذا
أُمِر. وقيل: هي مندوبة. وروي عن الضحاك أنها كانت واجبةً ثم نسخ ذلك.
﴿وَأَسْتَشِْدُواْ شَهِيدَيْنِ﴾ أي: اطلبوهما ليتحمَّلا الشهادة على ما جرى بينكما.
وجوِّز أن تكون السين والتاء زائدتين، أي: أشهدوا. وفي اختيار صيغة المبالغة
إيماءٌ إلى طلب مَن تكرَّرت منه الشهادة، فهو عالم بموقعها مقتدرٌ على أدائها،
وكأن فيه رمزاً إلى العدالة؛ لأنه لا يتكرَّر ذلك من الشخص عند الحكّام إلا وهو
مقبولٌ عندهم، ولعلَّه لم يقل: رَجُلين لذلك. والأمر للندب أو للوجوب على
الخلاف في ذلك.
(١) أي أن الولي هنا بمعناه اللغوي لا الشرعي. ينظر حاشية الشهاب ٣٤٩/٢.
(٢) في(م) والأصل: غير، والمثبت من تفسير أبي السعود ١/ ٢٧٠.

الآية : ٢٨٢
٤٩٣
سُورَةُ الْبَيْرَة
﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ متعلَّق بـ ((استشهدوا)) و((من)) لابتداء الغاية، أو بمحذوف على
أنه صفة لـ ((شهیدین)) و ((من)) تبعيضية.
والخطاب للمؤمنين المصدَّر بهم الآية. وفي ذكر الرِّجال مضافاً إلى ضمير
المخاطبين دلالةٌ على اشتراط الإسلام والبلوغ والذكورة في الشاهدين والحرِّية؛
لأن المتبادر من الرِّجال الكاملون، والأرقَّاء بمنزلة البهائم. وأيضاً خطابات الشرع
لا تنتظم العبيدَ بطريق العبارة كما بُيِّن في محلّه.
وذهب الإمامية إلى عدم اشتراط الحرية في قبول الشهادة، وإنما الشرط فيه
عندهم الإسلام والعدالة، وإلى ذلك ذهب شُريح وابن سيرين وأبو ثور وعثمان
البَتِّيُّ، وهو خلافُ المَرْويِّ عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه؛ فإنه لم يُجوِّز شهادة
العبد في شيء.
ولم تتعرَّض الآية لشهادة الكفّار بعضهم على بعض، وأجاز ذلك قياساً الإمام
أبو حنيفة ربه، وإن اختلفت ملَلُهم.
﴿فَإِن لَمْ يگونا﴾ أي: الشهيدان ﴿رجلٍ﴾ أي: لم يُقصد إشهادهما، ولو كانا
موجودين، والحكم من قبيل نفي العموم لا عموم النفي، وإلَّا لم يصحَّ قوله تعالى:
﴿فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانٍ﴾ أي: فإن لم يكونا رجلين مجتمعين فليشهد رجلٌ وامرأتان، أو
فرَجُلٌ وامرأتان يشهدون، أو يَكْفون، أو فالشَّاهد رجل وامرأتان، أو فليُستشهد
رجل وامرأتان، أو فليكن رجل وامرأتان شهوداً، وإن جعلت ((يكن)) تامَّةً استغني
عن تقدير: شهوداً .
وكفاية الرجل والمرأتين في الشهادة فيما عدا الحدود والقصاص عندنا، وعند
الشافعي في الأموال خاصَّة لا في غيرها، كعقد النكاح. وقال مالك: لا تجوز شهادة
أولئك في الحدود ولا القصاص ولا الولاء ولا الإحصان، وتجوز في الوكالة
والوصية إذا لم يكن فيها عتقٌ. وأما قبول شهادة النساء مفردات، فقد قالوا به في
الولادة والبكارة والاستهلال وما يجري مَجرى ذلك مما بيِّن في الكتب الفقهية.
وقرئ: ((وامرأتان)) بهمزة ساكنة(١). ولعلَّ ذلك لاجتماع المتحركات.
(١) القراءات الشاذة ص ١٧، والمحتسب ١٤٧/١.

سُؤَدَةُ الََّرَ
٤٩٤
الآية : ٢٨٢
﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ متعلُّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((رجل وامرأتان))، أي: كائنون
ممن ترضونهم. والتصريح بذلك هنا مع تحقّق اعتباره في كلِّ شهيد لقلَّة اتّصاف
النساء به، فلا يَرِدُ ما في ((البحر))(١) مِن أنَّ جَعْلَه صفةً للمذكور يُشعر بانتفاء هذا
الوصف عن ((شهيدين)). وقيل: هو صفة لـ ((شهيدين)). وضُعِّف بالفصل الواقع
بينهما. وقيل: بدل من ((رجالكم)) بتكرير العامل، وضُعِّف بالفصل أيضاً. واختار
أبو حيان تعلُّقَه بـ ((استشهدوا))؛ ليكون قيداً في الجميع. ويلزمه الفصل بين اشتراط
المرأتين وتعلیله، وهو كما ترى.
والخطاب للمؤمنين، وقيل: للحُّام. ولم يقل: من المَرْضيِّين لإفهامه اشتراط
كونِهم كذلك في نفس الأمر، ولا طريق لنا إلى معرفته، فإن لنا الظاهر، والله تعالى
يتولَّى السَّرائر.
﴿مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ متعلِّق بمحذوف على أنه حال من العائد المحذوف، أي: ممن
ترضونهم حال كونهم كائنين بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم. وإدراجُ النساء في
الجمع بطريق التغليب.
﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَىَّ﴾ بيانٌ لحكمة مشروعية الحُكم،
واشتراط العدد في النِّساء، أي: شرع ذلك إرادةَ أنْ تُذكِّر إحداهما الأخرى إن
ضلَّت إحداهما؛ لِمَا أنَّ النِّسيان غالبٌ على طبع النساء؛ لكثرة الرطوبة في
أمزجتهن، وقُدِّرت الإرادة لِمَا أنَّ قيد الطلب يجب أن يكون فعلاً للآمر وباعثاً
عليه، وليس هو هنا إلا إرادة الله تعالى؛ للقطع بأن الضَّلال والتذكير بعده ليس هو
الباعثَ على الأمر، بل إرادة ذلك. واعتُرض بأن النسيان وعدمَ الاهتداء للشهادة
لا ينبغي أن يكون مُراداً لله تعالى بالإرادة الشرعية، سِيَّما وقد أمر بالاستشهاد.
وأجيب بأن الإرادة لم تتعلَّق بالضلال نفسِه، أعني عدم الاهتداء للشهادة، بل
بالضلال المرتَّب عليه الإذكارُ، ومن قواعدهم أن القيد هو مصبُّ الفرض، فصار
كأنه علَّق الإرادة بالإذكار المسبَّب عن الضلال والمرتَّب عليه، فيَؤُول التعليل إلى
ما ذكرنا. وهذا أولى مما ذهب إليه البعضُ في الجواب من أن المراد من الضلال
(١) ٣٤٧/٢.

الآية : ٢٨٢
٤٩٥
سُورَةُ الْبَنَة
الإذكار؛ لأن الضَّلال سببٌ للإذكار؛ فأُطلق السببُ وأُريد المسبَّب، لظهورِ أنه
لا يبقى على ظاهره معنّى لقوله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾.
قيل: والنكتة في إيثار ((أن تضل)) إلخ على: أنْ تذكِّر إن ضلَّت، الإيماءُ إلى
شدّة الاهتمام بشأن الإذکار، بحيث صار ما هو مكروه کأنه مطلوبٌ لأجله من حيث
كونُه مُفضياً إليه. و((إحداهما)) الثانية يجوز أن تكون فاعل ((تذكر)) وليس من وضع
المُظهَر موضعَ المُضمر؛ إذ ليست المذكّرة هي الناسية، ويجوز أن تكون
مفعولاً لـ ((تذكِّر))، و((الأخرى)) فاعل، وليس من قبيل: ضَرب موسى عيسى.
كما وُهِم - حتى يتعيَّن الأول، بل من قَبيل: أرضعت الصُّغرى الكبرى؛ لأن سَبْقَ
إحداهما بعنوان نسبة الضَّلال رافعٌ للضلال، والسبب في تقديم المفعول على
الفاعل التنبيهُ على الاهتمام بتذكير الضَّال، ولهذا - كما قيل - عدل عن الضمير
الظاهر؛ لأن التقديم حينئذٍ لا ينبّه على الاهتمام كما ينبِّه عليه تقديم المفعول
الظاهر الذي لو أُخِّر لم يلزم شيء سوى وضعه موضعه الأصلي.
وذكر غيرُ واحد أن العدول عن ((فتذكرها الأخرى)) - وهي قراءة ابن مسعود
كما رواه الأعمش - إلى ما في النظم الكريم، لتأكيد الإبهام والمبالغة في الاحتراز
عن توقُّم اختصاص الضَّلال بـ ((إحداهما)) بعينها والتذکیر بالأخرى.
وأبعدَ الحسين بنُ علي المغربي(١) في هذا المقام فَجَعلَ ضميرَ ((إحداهما))
الأُولى راجعاً إلى الشهادتين، وضمير إحداهما الأخرى إلى المرأتين، فالمعنى: أن
تضلَّ إحدى الشهادتين، أي: تَضيع بالنِّسيان، فتذكِّر إحدى المرأتين الأُخرى
منهما. وأيَّده الطبرسي(٢) بأنه لايُسمَّى ناسي الشهادة ضالًا، وإنما يقال: ضلَّت
الشهادة إذا ضاعت، كما قال سبحانه: ﴿ضَلُّواْ عَنَا﴾ [الأعراف: ٣٧] أي: ضاعوا
منَّا. وعليه يكون الكلام عارياً عن شائبة توقُّم الإضمار في مقام الإظهار رأساً،
وليس بشيء؛ إذ لا يكون لإحداهما أُخرى في الكلام مع حصول التفكيك وعدم
الانتظام، وما ذكر في التأييد ينبئ عن قِلَّة الاطلاع على اللغة.
وفي ((نهاية)) ابن الأثير وغيرها إطلاق الضَّال على الناسي(٣)، وقد روي ذلك في
(١) في تفسيره المسمى ((المصباح)) كما ذكر الشهاب الخفاجي في طراز المجالس ص٢٠٣.
(٢) في مجمع البيان ٣٧٩/٣.
(٣) النهاية (ضلل). وينظر تهذيب اللغة ٤٦٣/١١.

سُورَةُ الْبَّكْرَة
٤٩٦
الآية : ٢٨٢
الآية عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع والسدي وغيرهم. ويَقْرُب هذا في الغرابة
مما قيل: إنه من بدع التفسير، وهو ما حُكي عن ابن عيينة أن معنى ((فتذكّر .. )) إلخ:
فتجعل إحداهما الأخرى ذَكّراً، يعني: أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذَّكر = فإن فيه
قصوراً من جهة المعنى واللفظ؛ لأن التذكير في مقابلة النسيان معنّى مكشوف وغرضٌ
بيِّن، ورعايةُ العدد لأن النسوة محلُّ النسيان كذلك، ولأنَّ جَعْلَها ذَكَراً مجازٌ عن إقامتها
مقام الذّكر، ثم تجوّز ثانياً لأنهما القائمتان مقامه، فلم تجعل إحداهما الأخرى قائمةً
مقامه، وبعد التجوُّز ليس على ظاهره؛ لأن الاحتياج إلى اقتران ذَكّر البتة معهما، وقوله
سبحانه: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنٍ﴾ ينبئان عن قصورهما عن ذلك أيضاً.
والتزام توجيه مثل ذلك وعَرْضُه في سوق القَبول لا يعدُّ فضلاً، بل هو عند
أرباب الذوق عين الفُضول. ولقد رأيت في ((طراز المجالس))(١) أن الخفاجي سأل
قاضي القضاة شهاب الدِّين الغزنوي عن سرِّ تكرار «إحدى)) معرِّضاً بما ذكره
المغربي، فقال:
ومَن نَدَاه على كلِّ الورى نَشَره
يا رأس أهل العلوم السادةِ البَرَرَه
في آية لذوي الإشهاد في البقرة
ما سِرُّ تكرار «إحدی)) دون تُذكرها
تكرار ((إحداهما)» لو أنه ذكره
أولاهما ليس مرضيًّا لدى المَهَره
من بحر علمك ثم ابعثْ لنا دُرَرَه
وظاهرُ الحال إيجاز الضمير على
وحَمْلُ الاحدى على نفس الشهادة في
فَغُصْ بفكرك لاستخراج جوهره
فأجاب القاضي :
يا مَن فوائدُه بالعلم منتشِره
يا من تفرَّد في كشف العلوم لقد
(تضلَّ إحداهما)) فالقولُ محتمل
ولو أتى بضميرٍ كان مقتضياً
ومَن رددتم عليه الحلَّ فهو كما
هذا الذي سمح الذهنُ الكليل به
ومَن فضائله في الكون مُشْتَهِره
وافى سؤالك والأسرار مُسْتتِره
كليهما فهي للإظهار مفتقِره
تعيين واحدة للحكم معتبره
أشرتمُ ليس مرضيًّا لمن سَبَره
واللهُ أعلم في الفَحْوَى بما ذكره
(١) ص٢٠٣.

الآية : ٢٨٢
٤٩٧
سُورَةُ الْبَرَة
وقرئ: ((أن تُضَل)) بالبناء للمفعول والتأنيث، وقرئ: ((فَتُذَاكِر))(١). وقرأ ابن
كثير ويعقوب وأبو عمرو والحسن: ((فَتُذْكِرَ)) بسكون الذال وكسر الكاف، وحمزة:
(إنْ تَضِلَّ) على الشرط ((فتذكِّرُ)) بالرفع(٢)، وعلى ذلك فالفعل مجزوم والفتحُ لالتقاء
الساكنين، والفاء في الجزاء قيل: لتقدير المبتدأ، وهو ضمير القصة أو الشهادة،
وقيل: لا تقديرَ؛ لأن الجزاء إذا كان مضارعاً مثبتاً يجوز فيه الفاء وتركه، وقيل:
الأوجَه أن يقدَّر المبتدأ ضمير ((الذاكرة)) و((إحداهما)) بدل عنه، أو عن الضمير في
((تُذكِّر)).
وقال بعضُ المُحقِّقين: الأوجه من هذا كلِّه تقدير ضمير التثنية، أي: فهما تذكِّرُ
إحداهما الأخرى. وعليه كلام كثير من المُعربين، والغافلون(٣) عن ذلك تفرَّقوا
أيدي سَبا(٤) لمَّا رأوا تنظير الزمخشري(٥) قراءة الرفع بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْشَهِمُ
اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]ولم يتفطّنوا بأن ذلك إنما هو من جهة تقدير ضمير بعد الفاء
بحسب ما يقتضيه المقام، لا من جهة خصوص الضمير إفراداً وتثنية، والله تعالى
الملهمُ للَّشاد، فتدبر.
﴿وَلَا يَأْبَ الثُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ لأداء الشهادة أو لتحمُّلها، وهو المرويُّ عن ابن
عباس والحسن ﴿هَ وخصَّ ذلك مجاهد وابن جُبير بالأول، وهو الظّاهر؛ لعدم
احتياجه إلى ارتكاب المجاز، إلا أنَّ المروي عن الربيع أن الآية نزلت حين كان
الرجل يَطوف في القوم الكثير فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحدٌ منهم، فإنَّ ظاهره
يستدعي القول بمجاز المشارفة. و ((ما)) صلة، وهي قاعدة مطردة بعد ((إذا)).
﴿وَلَا تَسْئُواْ﴾ أي: تَمَلُّوا، أو تضجروا، ومنه قول زهير:
ثمانين حَولاً - لا أبا لك - يَسأمِ (٦)
سئمت تکالیفَ الحياة ومن يعشْ
﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أي: الدَّين، أو الحقّ، أو الكتاب المُشعِر به الفعلُ، والمُنسبك
(١) القراءات الشاذة ص١٨، ونسب القراءة الأولى للجحدري، والثانية لعبد الرحمن بن زيد.
(٢) التيسير ص ٨٥، والنشر ٢٣٦/٢.
(٣) في (م): والقائلون، وهو خطأ.
(٤) قوله: تفرَّقوا أيدي سبا: أي: تفرَّقوا تفرُّقاً لا اجتماع معه. مجمع الأمثال ٢٧٥/١.
(٥) في الكشاف ٤٠٣/١.
(٦) شرح ديوان زهير ص٢٩ .

سُورَةُ الْبَّكْرَة
٤٩٨
الآية : ٢٨٢
مفعول به لـ ((تسأموا)) ويتعدَّى بنفسه، وقيل: يتعدى بحرف الجرِّ، وحُذف للعلم به.
وقيل: المراد من السَّأْمِ الكَسَلُ، إلا أنه كنى به عنه لأنه وَقَع في القرآن صفةً
للمنافقين كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] ولذا وقع
في الحديث: ((لا يقول المؤمن: كسلت، وإنما يقول: ثقلت))(١).
وقرئ: ((ولا يسأموا أن يكتبوه)) بالياء فيهما(٢).
﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ حالان من الضمير، أي: على كلِّ حال قليلاً أو كثيراً
مُجمَلاً أو مفصَّلاً. وقيل: منصوبان على أنهما خبرا كان المضمرة. وقدَّم الصغير
على الكبير اهتماماً به وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى.
﴿إِلَىَ أَجَلِّهِ﴾ حال من الهاء في «تكتبوه))، أي: مستقرًّا في ذمة المَدِين إلى وقت
حُلوله الذي أقرَّ به، وليس متعلِّقاً بـ ((تكتبوه)) لعدم استمرار الكتابة إلى الأجل، إذ
هي مما ينقضي في زمن يسير.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الكَثْب، وهو الأقرب، أو الإشهاد، وهو الأبعد، أو جميع
ما ذُكر، وهو الأحسن. والخطاب للمؤمنين.
﴿أَقْسَطُ﴾ أي: أعدل ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه سبحانه. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ﴾
أثبت لها وأعونُ على إقامتها وأدائها. وهما مبنيان من: أقسط وأقام، على رأي
سيبويه، فإنه يُجيز بناء أَفعل من الإفعال من غير شذوذ. وقيل: مِن قاسط، بمعنى
ذي قسط، وقويم. وقال أبو حيان(٣): قَسَط يكون بمعنى جار وعدَل، وأَقسط
بمعنى عَدل، لا غير، حكاه ابنُ القطاع. وعليه لا حاجةً إلى رأي سيبويه في
أقسط. وقيل: هو من قَسُطَ بوزن كَرُمَ، بمعنى صار ذا قسطٍ، أي: عدلٍ.
وإنما صحَّت الواو في أقوم ولم يقل: أقام؛ لأنها لم تقلب في فعل التعجُّب نحو:
ما أقوَمَه، لجموده، إذ هو لا يتصرَّف، وأفعل التفضيل يناسبه معنى، فحمل عليه.
﴿وَأَدْنَ أَلَّا تَرْثَابُوَّْ﴾ أي: أقرَبُ إلى انتفاء ريبكم وشكِّكم في جنس الدَّين وقَدْرِهِ
(١) لم نقف على من أخرجه، وأورده الزمخشري في الكشاف ٤٠٣/١.
(٢) القراءات الشاذة ص١٨ ونسبها للسلمي.
(٣) في البحر المحيط ٣٥١/٢-٣٥٢، والكلام من حاشية الشهاب ٣٥١/٢.

الآية : ٢٨٢
٤٩٩
سُورَةُ الْبَحْدَة
وأَجَّله ونحو ذلك. قيل: وهذا حكمة خلقِ اللوح المحفوظ والكرام الكاتبين، مع أنه
الغنيُّ الكامل عن كلِّ شيء؛ تعليماً للعباد وإرشاداً للحكّام. وحرف الجرِّ مقدَّرٌ هنا،
وهو ((إلى))، كما سمعت، وقيل: اللام، وقيل: من، وقيل: في، ولكلّ وجهه.
﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةُ حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ استثناء منقطع من الأمر
بالكتابة، فقولُه تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِ﴾ إلى هنا جملة معترضة بين
المستثنى والمستثنى منه، أي: لكنْ وقتَ كون تداينكم أو تجارتكم تجارةً حاضرةً
بحضور البدَلين تُديرونها بينكم بتعاطيها يداً بيدٍ، كذا قيل.
وفي ((الدرِّ المصون))(١): يجوز أن يكون استثناء متصلاً من الاستشهاد، فيكون
قد أمرَ بالاستشهاد في كلِّ حال، إلا في حال حضور التجارة. وقيل: إنه استثناء
من هذا وذاك، وهو منقطع أيضاً، أي: لكنِ التجارةُ الحاضرةُ يَجوزُ فيها عدمُ
الاستشهاد والكتابة. وقيل غير ذلك. ولعلَّ الأول أولى.
ونصب عاصم ((تجارة))(٢) على أنها خبر ((تكون)) واسمها مستترٌ فيها يعود إلى
(التجارة)) كما قال الفراء (٣)، وعود الضمير في مثل ذلك على متأخِّر لفظاً ورتبةً جارٍ
في فصيح الكلام. وقال بعضهم: يعود إلى المُدَاينة والمعاملة المفهومة من الكلام،
وعليه فالتجارة مصدر لئلا يلزم الإخبار عن المعنى بالعين. ورفعها الباقون على أنها
اسم ((تكون)) والخبر جملة («تُديرونها))، ويجوز أن تكونَ ((تكون)» تامَّة، فجملة
(تُديرونها)) صفة.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَامُ أَلَّ تَكْتُبُوهَا﴾ أي: فلا مضرَّة عليكم، أو لا إثمَ في عدم
كتابتكم لها، لبعد ذلك عن التنازع والنسيان، أَوْ لأن في تكليفكم الكتابةَ حينئذٍ
مشقَّةً جدًّا وإدخال الفاء للإيذان بتعلَّق ما بعدها بما قبلها .
﴿وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَّبَايَعْتُمْ﴾ أي: هذا التبايعَ المذكور، أو مطلقاً.
﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيٌ﴾ نهي عن المُضَارَّة، والفعل يَحتَملُ البناء للفاعل
والبناء للمفعول، والدليل عليه قراءة عمر ◌ُه: ((ولا يضارِر)) بالفكِّ والكسر،
(١) ٦٧٢/٢- ٦٧٣.
(٢) التيسير ص ٨٥، والنشر ٢٣٧/٢.
(٣) في معاني القرآن ١/ ١٨٥- ١٨٦.

سُوَّةُ الْبَدَة
٥٠٠
الآية : ٢٨٢
*ّ بالفكِّ والفتح(١). والمعنى على الأول: نهي الكاتب
وقراءة ابن عباس
والشاهد عن تركِ الإجابة إلى ما يُطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان،
وعلى الثاني: النهي عن الضُّرار بهما بأن يُعَجَّلا عن مُهمِّ، أوْ لا يعطى الكاتب حقّه
من الجُعْلِ، أو يُحمّل الشاهد مؤونة المجيء من بلد، ويؤيِّد هذا المعنى ما أخرجه
ابنُ جرير عن الربيع قال: لمَّا نزلت هذه الآية ﴿وَلَا يَأْبَ كَتِبُ﴾ إلخ كان أحدُهم
يجيء إلى الكاتب، فيقول: اكتب لي فيقول: إني مشغول، أَوْ لي حاجةٌ، فانطلق
إلى غيري، فَيَلْزمُه ويقول: إنك قد أُمرت أن تكتُّبَ لي. فلا يَدَعُه، ويضارُّه بذلك
وهو يجد غيرَه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٢).
وحمل بعضهم الصيغة على المعنيين، وليس بشيء كما لا يخفى.
وقرأ الحسن: ((ولا يضارِ))، بالكسر (٣)، وقرئ بالرفع (٤) على أنه نفي بمعنى النهي.
﴿وَإِن تَفْعَلُواْ﴾ ما نُهيتم عنه من الضِّرار، أو منه ومن غيره، وبَعيدٌ وقوعُه منكم
﴿فَإِنَّهُ﴾ أي: ذلك الفعل ﴿فُسُوقًا بِكُمْ﴾ أي: خروجٌ عن طاعة متلبِّسٌ بكم.
وجوِّز كون الباء للظرفية، وقيل: وهو أبلغ، إذ جُعلوا محلًّا للفسق.
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أحكامَه المتضمِّنَةَ
لمصالحكم ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ فلا يخفى عليه حالُكم، وهو مُجازيكم
بذلك.
فإن قيل: كيف كرَّر سبحانه الاسمَ الجليل في الجمل الثلاث، وقد استكرهوا
مثل قوله:
فما للنوى جدّ النوى قطع النوى(٥)
حتى قيل: سلَّط الله عليه شاةً تأكل نواه(٦)؟
أجيب: بأن التكرير منه المستحسنُ ومنه المستقبح، فالمستحسنُ كلُّ تكریر یقع
(١) البحر المحيط ٣٥٤/٢.
(٢) تفسير الطبري ١١٧/٥.
(٣) ذكرها الزمخشري في الكشاف ١/ ٤٠٤.
(٤) المحتسب ١٤٩/١، والبحر المحيط ٣٥٤/٢.
(٥) ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر ٢٠٦/١ ولم ينسبه، وعجزه: كذاك النوى قَطّاعه لوصال.
(٦) هذا قول الأصمعي لمن أنشده هذا البيت كما في يتيمة الدهر.