النص المفهرس
صفحات 401-420
التفسير الإشاري (٢٥٥-٢٥٥) ٤٠١ سُوَّةُ الْبََّة يَفْضُلُ على غيره. وفيه خلاف؛ فمنعه بعضهم كالأشعري والباقلاني وغيرهما؛ لاقتضائه نقصَ المفضول، وكلامُ الله تعالى لا نقصَ فيه، وأوَّلوا ((أعظمَ)) بعظيم، وأفضل بفاضل، وأجازه إسحاق بن راهويه وكثيرٌ من العلماء والمتكلِّمين، وهو المختار، ويرجع إلى عظم أجر قارئه، ولله تعالى أن يخصَّ ما شاء بما شاء لما شاء. ومناسبةُ هذه الآية الكريمة لما قبلها أنه سبحانه لَمَّا ذكر أن الكافرين هم الظالمون، ناسَب أن ينبِّههم جلَّ شأنه على العقيدة الصحيحة التي هي محضُ التوحيد الذي دَرَج عليه المرسَلون على اختلاف درجاتهم وتفاؤُتٍ مراتبهم بما أينعت من ذلك رياضُه وتدفَّقت حياضُه وصدَح عندليبه وصدَع على منابر البيان خطيبُه، فلله الحمدُ على ما أوضَح الحجةَ وأزال الغبارَ عن وجه المحَجَّة. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اَللَّهِ﴾ أي: أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته ﴿نَتْلُوهَا﴾ بلسان الوحي عليك ملابسةً للحق الثابت الذي لا يَعتريه تغيير ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين عبروا هذه المقامات، وصحَّ لهم صفاءُ الأوقات. ﴿وَتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ﴾ بمقتضى استعلاءِ أنوار استعداداتهم ﴿مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ عند تجلِّيه على طُور قلبه وفي وادي سِرِّه ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍّ﴾ بفَنائه عن ظلمة الوجود بالكلية، وبقائه في حضرة الأنوار الإلهية، وبلوغه مقامَ قاب قوسين، وظفره بكنز: ﴿فَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] من أسرار النشأتين، حتى عاد وهو نورُ الأنوار، والمظْهَرُ الأعظم عند ذوي الأبصار. ﴿وَءَاتَّيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ﴾ والآيات الباهرات، من إحياء أموات القلوب، والإخبار عمَّا يُدَّخر في خزائن الأسرار من الغيوب ﴿وَأَيِّدْنَهُ بِرُوح الْقُدُسِ﴾ الذي هو روح الأرواح المنّزَّه عن النقائص الكونية، والمقدَّس عن الصفات الطبيعية. ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ﴾ جاؤوا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بسيوف الهوى، ونبال الضَّلال ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَنَّهُمُ﴾ من أنوار الفطرة وإرشاد الرُّسل الآياتُ الواضحات سُورَةُ الْجَنَة ٤٠٢ التفسير الإشاري (٢٥٥-٢٥٥) ﴿وَلَكِنْ أُخْتَلَفُواْ﴾ حسبما اقتضاه استعدادُهم الأزلي ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ﴾ بما جاء به الوحيُّ ﴿وَمِنْهُمْ مَن كَفَرَّ﴾. ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلُوا﴾ عن اختلافٍ بأن يتَّحدَ استعدادُهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدٌ﴾ ولا يريد إلا ما في العلم، وما كان فيه سوى هذا الاختلاف. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِنَّا رَزَقْنَكُمْ﴾ ببذل الأرواح وإرشاد العباد﴿مِن قَبْلِ أَن يأتى يومٌ﴾ القيامة الكبرى ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ﴾ ولا تبدل صفة بصفة، فلا يحصل تكميل النشأة ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾ لظهور الحقائق ﴿وَلَا شَفَعَةٌ﴾ للتجلي الجلالي ﴿وَالْكَفِرُونَ﴾ هم الذين ظلموا أنفسهم بنقص حظوظها، وما ظلمناهم إذْ لم نقضٍ عليهم سوى ما اقتضاه استعدادُهم الغير المجعول. ﴿اللّهُ لَّ إِلَهَ﴾ في الوجود العلمي ﴿إِلَّا هُوَ الْعَىُّ﴾ الذي حياته عينُ ذاته، وكل ما هو حيٍّ لم يحيَ إلا بحياته ﴿الَّيُّمُ﴾ الذي يقوم بنفسه ويقوم كلُّ ما يقوم به. وقيل: الحي الذي ألبس حياته أسرار الموحِّدین فوخَّدوا به، والقيوم الذي ربَّى بتجلِّي الصِّفات و گشْفِ الذات أرواحَ العارفین، ففنُوا في ذاته، واحترقوا بنور کبریائه. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌّ﴾ بيانٌ لقيوميَّته، وإشارة إلى أن حياته عينُ ذاته، له ما في سماوات الأرواح وأرض الأشباح، فلا يتحرَّك متحرِّكٌ ولا يسكن ساكن ولا يخطر خاطر في بَرِّ أو بحر، وسرٍّ أو جهر، إلا بقدرته وإرادته وعلمه ومشيئته. ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنٌِ﴾ إذ كلُّهم له ومنه وإليه وبه ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ﴾ من الخَطَراتِ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من العَثَرات، أو ما بين أيديهم من المَقامات، وما خلفهم من الحالات، أو يعلم منهم ما قبل إيجادهم من كمية استعدادهم، وما بعد إنشائهم من العمل بمقتضى ذلك. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ»﴾ معلوماته التي هي مظاهر أسمائه ﴿إِلَّ بِمَا شَآءْ﴾ كما يحصل لأهل القلوب من معاينات أسرار الغيوب، وإذا تقاصرت الفهومُ عن الإحاطة بشيء من معلوماته فأيُّ طمعٍ لها في الإحاطة بذاته؟ هيهات هيهات، أنَّى لخفاش الفَهم أن يفتح عينيه في شمس هاتيك الذات. ﴿وَسِعَ كُرُّبِيُّهُ﴾ الذي هو قلب العارف ﴿السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضّ﴾ لأنه معدن العلوم الآية : ٢٥٦ ٤٠٣ سُورَةُ الْبَرَة الإلهية، والعلم اللدني الذي لا نهاية له ولا حدَّ، ومن هنا قال أبو يزيد البسطامي: لو وقع العالم ومقدارُ ما فيه ألف ألف مرَّةٍ في زاويةٍ من زوايا قلب العارف ما أحسَّ به. وقيل: كرسيه عالَمُ الملكوت، وهو مَطاف أرواح العارفين لجلال الجبروت. ﴿وَلَا يُدُ﴾ ولا يُثقله ﴿حِفْظُهُمَا﴾ في ذلك الكرسي؛ لأنهما غير موجودين بدونه ﴿وَهُوَ اُلْعَلِىُّ﴾ الشأنِ الذي لا تقيِّده الأكوان ﴿اَلْعَظِيمُ﴾ الذي لا منتهى لعظمته، ولا يُتصوَّر کنهُ ذاته لإطلاقه حتى عن قید الإطلاق. ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قيل: إن هذه إلى قوله سبحانه: ﴿خَلِدُونَ﴾ من بقية آية الكرسي، والحقُّ أنها ليست منها، بل هي جملة مستأنفة جيء بها إثرَ بيان دلائل التوحيد؛ للإيذان بأنه لا يُتصور الإكراه في الدِّين؛ لأنه في الحقيقة إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه، والدِّينُ خيرٌ كلُّه، والجملة على هذا خبرٌ باعتبار الحقيقة ونفس الأمر، وأما ما يَظهر بخلافه فليس إكراهاً حقيقياً. وجوِّز أن تكون إخباراً في معنى النهي، أي: لا تُكرهوا في الدِّين وتجيِروا عليه، وهو حينئذ إمَّا عامٌّ منسوخ بقوله تعالى: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، وهو المحکي عن ابن مسعود وابن زيد وسليمان بن موسى، أو مخصوصٌ بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية، وهو المحكي عن الحسن وقتادة والضحاك، وفي سبب النزول ما يؤيده، فقد أخرج ابن جرير(١) عن ابن عباس ها: أن رجلاً من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبي ◌َّه: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله تعالى فيه ذلك. وأل في ((الدين)) للعهد، وقيل: بدل من الإضافة، أي: دين الله وهو ملَّةُ الإسلام. وفاعل الإكراه على كلِّ تقدير غيره تعالى، ومن الناس مَن قال: إن المراد: ليس في الدِّين إكراه من الله تعالى وقَسْرٌ، بل مَبْنَى الأمر على التمكين والاختيار، ولولا ذلك لما حصَل الابتلاءُ ولَبطل الامتحان، فالآية نظير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءُ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وإلى ذلك ذهب القفال(٢). (١) في تفسيره ٤/ ٥٤٧ - ٥٤٨. (٢) ذكره عنه الرازي في تفسيره ١٥/٧. سُوَّةُ الْبَّفَقَة ٤٠٤ الآية : ٢٥٦ ﴿قَد تَبَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْفَيَّ﴾ تعليل صدِّر بكلمة التحقيق لزيادة تقرير مضمونه، أي: قد تميَّز بما ذُكر من نعوته تعالى - التي يمتنع توهُّمُ اشتراك الغير في شيءٍ منها - الإيمانُ من الكفر، والصوابُ من الخطأ. والرُّشْد - بضم الراء وسكون الشين على المشهور - مصدرُ رَشَد بفتح الشین، يَرْشُد بضمها، ويقرأ بفتح الراء والشين(١)، وفِعْلُه: رَشِدَ يَرْشَدُ مثل عَلِمَ يَعْلَمُ. وهو نقيض (الغي))، وأصله: سلوك طريق الهلاك، وقال الراغب: هو كالجهل إلا أن الجهل يقال اعتباراً بالاعتقاد، والغي اعتباراً بالأفعال، ولهذا قيل: زوال الجهل بالعلم؛ وزوال الغي بالرشد، ويقال لمن أصاب(٢): رشد، ولمن أخطأ: غوى، ويقال لمن خاب: غوى أيضاً، ومنه قوله: ومَن يَلْقَ خيراً يَحمَدِ الناسُ أمره ومن يَغْوِ لم يَعْدَمْ على الغيِّ لائِما (٣) ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِلَّاغُوتِ﴾ أي: الشيطان، وهو المرويُّ عن عمر بن الخطاب والحسين بن علي ته، وبه قال مجاهد وقتادة. وعن سعيد بن جبير وعكرمة أنه: الكاهن. وعن أبي العالية أنه: السَّاحر. وعن مالك بن أنس: كلُّ ما عُبِد من دون الله تعالى. وعن بعضهم: الأصنام. والأولى أن يقال بعمومه سائرَ ما يطغى، ويُجعل الاقتصار على بعض في تلك الأقوال من باب التمثيل. وهو بناءُ مبالغةٍ كالجبروت والملكوت، واختلف فيه؛ فقيل: هو مصدر في الأصل ولذلك يوحَّد ويذكَّر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان، وإلى ذلك ذهب الفارسيُّ. وقيل: هو اسم جنس مفرد فلذلك لزم الإفرادَ والتذكيرَ، وإليه ذهب سيبويه (٤). وقيل: هو جمع وهو مذهب المبرد(٥). (١) القراءات الشاذة ص ١٦. (٢) بعدها في الأصل: رشداً. (٣) ينظر مفردات الراغب (غوى)، والبيت للمرقش الأصغر، كما في المفضليات ص٢٤٧. (٤) ينظر الكتاب ٣/ ٢٤٠. (٥) في الكامل ١٠٩١/٣، وذكر هذه الأقوال أبو حيان في البحر ٢٧٢/٢، والسمين في الدر ٥٤٨/٢. الآية : ٢٥٦ ٤٠٥ وقد يؤنَّث ضميره كما في قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ أَجْتَبُوا الَّغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١١] وهو تأنيث اعتباري. واشتقاقه من طَغَى يَظْغَى، أو طَغَى يَطْغُو، ومصدر الأول: الطغيان، والثاني: الطغوان، وأصله على الأول طَغَيوت، وعلى الثاني طَغَووت، فقدمت اللام وأخرت العين فتحرَّك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفاً، فوزنُه من قَبْلُ فَعَلوت والآن فَلعَوت. وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر الإيمان بالله تعالى اهتماماً بوجوب التخلية، أو مراعاةً للترتيب الواقعي، أو للاتصال بلفظ الغي. ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ أي: يصدِّق به طبقَ ما جاءت به رسله عليهم الصلاة والسلام. ﴿فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ﴾ أي: بالغ في التمسُّك حتى كأنه وهو متلبِّسٌ به يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات عليه ﴿بَلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وهي الإيمان، قاله مجاهد. أو القرآن، قاله أنس بن مالك. أو كلمة الإخلاص، قاله ابن عباس. أو الاعتقاد الحق، أو السبب الموصل إلى رضا الله تعالى، أو العهد. وعلى كل تقدير يجوز أن يكون في ((العروة)) استعارة تصريحية، ((واستمسك)) ترشيح لها أو استعارة أخرى تبعية. ويجوز أن يجعل الكلام تمثيلاً مبنياً على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الحقِّ الذي لا يَحتمل النقيض بوجهٍ أصلاً لثبوته بالبراهين النّيِّرة القطعية بالهيئة الحسِّية المنتزعة من التمسُّك بالحبل المحكم المأمون انقطاعُه من غير تعرُّض للمفردات، واختار ذلك بعضُ المحققين، ولا يخلو عن حسن . وجَعْلُ العروة مستعارةً للنظر الصحيح المؤدي للاعتقاد الحقِّ - كما قيل - ليس بالحسن؛ لأن ذلك غير مذكور في حيّز الشرط أصلاً. ﴿لَا أَنْفِصَامَ لَمْ﴾ أي: لا انقطاع لها، والانفصامُ والانقصام لغتان، وبالفاء أفصح كما قال الفراء. وفرَّق بعضُهم بينهما بأن الأول انكسارٌ بغير بينونة، والثاني انكسار بها، وحينئذ يكون انتفاء الثاني معلوماً من نفي الأول بالأولوية. والجملة إمَّا مستأنفة لتقرير ما قبلها من وثاقة العروة، وإما حالٌ من العروة والعامل ((استمسك))، أو من الضمير المستكنّ في ((الوثقى)) لأنها للتفضيل تأنيث الأوثق. و ((لها)) في موضع الخبر. سُورَةُ الْبَحَدَة ٤٠٦ الآية : ٢٥٧ بالعزائم والعقائد، والجملة تذييل حاملٌ ﴿وَاللَّهُ سَمِيعُ﴾ بالأقوال ﴿عَليُ على الإيمان رائعٌ عن الكفر والنفاق؛ لما فيها من الوعد والوعيد، قيل: وفيها أيضاً إشارة إلى أنه لا بدَّ في الإيمان من الاعتقاد والإقرار. ﴿اللَّهُ وَلِنُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: مُعِيْنُهم، أو محبُّهم، أو متولّي أمورهم، والمراد بهم مَنْ أراد الإيمان، أو ثبتَ في علمه تعالى إيمانه، أو آمن بالفعل ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ بهدايته وتوفيقه، وهو تفسير للولاية، أو خبرٌ ثان عند من يجوِّز كونه جملة، أو حالٌ من الضمير في ((وليّ)). ﴿مِنَ الظُّلُمَتِ﴾ التابعة للكفر، أو ظلمات المعاصي، أو الشُّبَه كيف كانت. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ أي: نور الإيمان، أو نور الطاعات، أو نور الإيقان بمراتبه. وعن الحسن أنه فسَّر الإخراج هنا بالمنع، فالمعنى: يمنعهم عن أن يَدخلوا في شيء من الظلمات. واقتصر الواقديّ(١) في تفسير الظلمات والنور على ذكر الكفر والإيمان، وحمّل كلَّ ما في القرآن على ذلك سوى ما في الأنعام من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اَلُّلُمَتِ وَالنُّورِ﴾ [الآية: ١] فإن المراد بهما هناك الليل والنهار، والأولى أن يحمل ((الظلمات)) على المعنى الذي يعمُّ سائرَ أنواعها، ويحمل ((النور)) أيضاً على ما يعمُّ سائر أنواعه، ويُجعل في مقابلة كلِّ ظلمةٍ مُخْرَجٍ منها نورٌ مُخْرَجٌ إليه، حتى إنه سبحانه ليُخْرِجُ مَن شاء من ظلمة الدليل إلى نور العيان، ومن ظلمة الوحشة إلى نور الوصلة، ومن ظلمة عالَم الأشباح إلى نور عالم الأرواح، إلى غير ذلك مما لا، ولا. وأفرد النورَ لوحدة الحقِّ كما أن جَمْعَ الظلمات لتعدُّد فنونِ الضلال، أو أن الأول إيماءٌ إلى القلّة، والثاني إلى الكثرة. ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أرادوا الكفر، أو ثبت كفرهم في علمه سبحانه، أو كفروا بالفعل ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ﴾ حقيقة أو فيما عندهم ﴿الَّاغُوتُ﴾ أي: الشياطين، أو الأصنام، أو سائر المضلِّين عن طريق الحقِّ. والموصول مبتدأ أول، و ((أولياؤهم) مبتدأ ثان، و((الطاغوت)) خبره، والجملة خبر الأول، والجملة الحاصلة معطوفة على ما قبلها، قيل: ولعلَّ تغيير السَّبك للاحتراز عن وضع ((الطاغوت)) في مقابلة (١) ذكر كلامه الرازي في تفسيره٢/ ٢٠ والكلام منه. الآية : ٢٥٧ ٤٠٧ سُورَةُ الْبَّفْعَة الاسم الجليل، ولقَصْدِ المبالغة بتكرير الإسناد مع الإيماء إلى التباين بين الفريقين من كل وجه حتى من جهة التعبير أيضاً. وقرئ: ((الطواغيت)) على الجمع(١)، وصحَّ جمعُه على القول بأنه مصدر؛ لأنه صار اسماً لِمَا يعبد من دون الله تعالى. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بالوساوس وإلقاء الشُّبه، أو بكونهم بحالة جرَّت اعتقادهم فيهم النفعَ والضر، وأنهم يقرِّبونهم إلى الله تعالى زلفى، والتعبير عنهم بضمير العقلاء إما لأنهم منهم حقيقة، أو ادِّعاء، ونسبة الإخراج إليهم مجازٌ من باب النِّسبة إلى السبب، فلا يأبى تعلُّق قدرته وإرادته تعالى بذلك. ﴿مِّنَ النُّورِ﴾ أي: الفطري الذي جُبل عليه الناس كافَّة، أو نور البينات المتتابعة التي يشاهدونها بتنزيل تمكّنهم من الاستضاءة بها منزلة نفسها، فلا يَرِد أنهم: متی کانوا في نورٍ ليخرجوا منه؟ وقيل: التعبير بذلك للمقابلة. وقيل: إن الإخراج قد يكون بمعنى المنع، وهو لا يقتضي سابقية الدخول. وعن مجاهد: أن الآية نزلت في في قوم ارتدُّوا، فلا شك في أنهم حينئذٍ أخرجوا من النور الذي كانوا فيه، وهو نور الإيمان. ﴿إِلَى اُلُّلُمَتِ﴾ وهي ظلمات الكفر والانهماك في الغي، وعدم الارعواء والاهتداء بما يَتْرَى من الآيات ويُتْلَى. والجملة تفسير لولاية الطاغوت، فالانفصال لكمال الاتصال، ويجوز أن تكون خبراً ثانياً كما مرَّ. ﴿أُوْلَكَ﴾ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيِّز الصلة وما يتبع ذلك من القبائح، وجوّز أن تكون إشارةً إلى الكفار وأوليائهم، وفيه بعدٌ. ﴿أَسْحَبُ النَّارِ﴾ أي: مُلابِسوها وملازِموها؛ لعِظَم ما هم عليه ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (@) ماكثون أبداً. وفي هذا وعدٌ وتحذير للكافرين، ولعلَّ عدم مقابلته بوعد المؤمنين - كما قيل - للإشعار بتعظيمهم، وأن أمرهم غير محتاج إلى البيان، وأن شأنهم أعلى من مقابلة هؤلاء، أو أن ما أعدَّ لهم لا تفي ببيانه العبارةُ. وقيل: إنَّ قوله سبحانه: ﴿وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(٢) دلَّ على الوعد، وكفى به. (١) هي قراءة الحسن كما في القراءات الشاذة ص١٦، والمحتسب ١٣١/١. (٢) في الأصل و(م): ولي المؤمنين، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٣٧/٢. سُوَّةُ الْبََّنَة ٤٠٨ الآية : ٢٥٨ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِنْزَهِمَ فِى رَبِّهِ﴾ بيان لتسديد المؤمنين - إذ كان وليَّهم - وخذلان غيرهم، ولذا لم يَعْطِف، واهتمَّ ببيانه لأن منكري ولايته تعالى للمؤمنین کثیرون. وقيل: استشهادٌ على ما ذكر من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت، وتقريرٌ له (١)، كما أن ما بعده استشهاد على ولايته تعالى للمؤمنين وتقريرٌ لها. وبدأ به لرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله، ولاستقلاله بأمر عجيب حقيقٍ بأن يصدَّر به المقال، وهو اجتراؤه على المحاجَّة في الله عزَّ وجلَّ، وما أَتَى به في أثنائها من العظمة المنادية بكمال حماقته، ولأن فيما بعده تعداداً وتفصيلاً يورث تقديمه انتشار النظم، على أنه قد أشير في تضاعيفه إلى هدايته تعالى أيضاً بواسطة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإنَّ ما يحكى عنه من الدعوة إلى الحقِّ وإدحاض حجَّة الكافرين، من آثار ولا يته تعالى، ولا يخفى ما فيه. وهمزة الاستفهام لإنكار النفي وتقرير المنفي، والجمهور على أن في الكلام معنى التعجيب(٢)، أي: ألم تنظر - أو ألم يَنْتَهِ علمُك - إلى قصَّة هذا الكافر الذي لستُ بوليٍّ له كيف تصدَّى لمحاجَّة مَن تكفَّلتُ بنصرته، وأخبرتُ بأنِّي وليٍّ له ولمن كان من شيعته، أي: قد تحقَّقتْ رؤيةُ هذه القصّة العجيبة وتقرَّرت بناء على أن الأمر من الظُّهور بحيث لا يكاد يخفى على أحدٍ ممن له حظّ من الخطاب، فلتكن في الغاية القصوى من تحقَّق ما ذكرتُه لك من ولا يتي للمؤمنين وعدمِها للكافرين، ولْتَطِبْ نفسُك أيها الحبيب، وأبشر بالنصر فقد نصرتُ الخليلَ، وأين مقامُ الخليل من الحبيب؟ وخذلتُ رأس الطاغين، فكيف بالأذناب الأرذلين؟ والمراد بالموصول نمروذ بنُ كنعان بن سنجاریب، وهو أول من تجبَّر وادَّعى الربوبية، كما قاله مجاهد وغيره. وإنما أطلق على ما وقع لفظ المحاجَّة وإن كانت مجادلة بالباطل لإيرادها موردّها. واختلف في وقتها، فقيل: عند كسر الأصنام وقبل إلقائه في النار، وهو المرويُّ عن مقاتل. وقيل: بعد إلقائه في النار وجَعْلِها عليه برداً وسلاماً، وهو المرويُّ عن جعفر الصادق (١) في (م): لهم. (٢) في (م): التعجب. الآية : ٢٥٨ ٤٠٩ سُورَةُ الْبَّنَة وفي التعرُّضٍ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريفٌ له، وإيذانٌ من أول الأمر بتأييد وليِّه له في المحاجَّة، فإن التربية نوعٌ من الولاية. ﴿أَنْ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ أي: لأنْ آتاه الله تعالى ذلك، فالكلام على حذف اللام وهو مطَّرد في ((أنَّ) و((أنْ))، وليس هناك مفعول(١) لأجله منصوب؛ لعدم اتحاد الفاعل. والتعليل فيه على وجهين: إمَّا أن إيتاء المُلك حمَله على ذلك؛ لأنه أورثه الكبرَ والبطر، فنشأت المحاجَّة عنهما، وإمّا أنه من باب العكس في الكلام، بمعنى أنه وضع المحاجَّة موضعَ الشكر، إذ كان من حقِّه أن يشكر على ذلك، فعلى الأول العلةُ تحقيقيةٌ، وعلى الثاني تهكّميَّة، كما تقول: عاداني فلانٌ لأني أحسنتُ إليه. وجوّز أن يكون ((أن آتاه» إلخ واقعاً موقع الظرف بدون تقدير، أو بتقدير مضاف، أي: حاجَّ وقتَ أن آتاه الله. وأُورد عليه أن المحاجَّة لم تقع وقتَ إيتاء الملك بل الإيتاء سابقٌ عليها، وبأن النحاة نصُّوا على أنه لا يقوم مقام الظرف الزماني إلا المصدرُ الصريح بلفظه، كـ: جئت خفوقَ النجم، وصياحَ الديك، ولا يجوز: أن خَفَقَ، وأنْ صاح. وأجيب باعتبار أن(٢) الوقت ممتدٌّ، أو بأن النصَّ معارَضٌ بأنهم نصُّوا على أن ((ما)) المصدرية تنوب عن الزمان وليست بمصدر صريح، والذي جوَّز ذلك ابنُ جني، والصفار في شرح الكتاب(٣). والحقُّ أن التعليل لمَّا أَمْكَنَ - وهو متفقٌ عليه خالٍ عمَّا يقال - لا ينبغي أن يُعْدَل عنه، لا سيَّما وتقدير المضاف مع القول بالامتداد. والتزامُ قول ابن جني والصفار - مع مخالفته لكلام الجمهور - في غايةٍ من التعسُّف. والآية حجةٌ على مَن منع إيتاءَ اللهِ المُلك لكافر. وحَمْلُها على إيتاء الله تعالى ما غلب به وتسلَّط من المال والخدَّام والأتباع، أو على أن الله تعالى ملَّكه امتحاناً (١) في (م): مفعولاً. (٢) قوله أن، ليس في (م). (٣) ذكر قولهما الخفاجي في حاشية الشهاب ٣٣٧/٢. سُورَةُ الجَمَ ٤١٠ الآية : ٢٥٨ لعباده(١)، كما فعل المانع القائل بوجوب رعاية الأصلح = ليس بشيء، إذ مَن له مُسكةٌ من الإنصاف يعلم أنه لا معنى لإيتاء المُلك والتسليط إلا إيتاء الأسباب، ولو سلّم ففي إيتاء الأسباب يتوجَّه السؤال، ولو سلِّم فما من قبيح إلا ويمكن أن يعتبر فيه غرض صحيحٌ كالامتحان. ولقوَّة هذا الاعتراض التزم بعضُهم جعل ضمير ((آتاه)) لإبراهيم عليه السلام؛ لأنه تعالى قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ◌ٌلَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] وقال سبحانه: ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكًّاً عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] وهو المحكي عن أبي قاسم البلخي(٢)، ولا يَخْفَى أنه خلافُ المُنْساقِ إلى الذهن، وخلاف التفسير المأثور عن السلف الصالح، والواقع مع هذا يكذِّبه؛ إذ ليس لإبراهيم عليه السلام إذ ذاك مُلكٌ ولا تصرُّف ولا نفوذُ أمر. وذهب بعض الإمامية إلى أن المُلك الذي لا يؤتيه الله للكافر هو ما كان بتمليك الأمر والنهي، وإيجاب الطاعة على الخلق، وأما ما كان بالغلَبة وسعة المال ونفوذ الكلمة قهراً كملك نمروذ، فهو مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، أو تكون فيه كلمتان، والقول: بأن هذا الماردَ أعطي الملك بالاعتبار الأول خارج عن الإنصاف، بل الذي أوتي ذلك في الحقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إلا أنه قد عُورض في ملكه، وغولب على ما منَّ الله تعالى به عليه إلى أن قضى الله تعالى ما قضی ومضی مَن مضى، وللباطل جولة ثم يَزول. وهو كلام أقرب ما يكون إلى الصواب، لكني أشُمُّ منه ريحَ الضلال، ويلوح لي أنه تعريض بالأصحاب، والله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. وفي العدول عن الإضمار إلى الإظهار في هذا المقام ما لا يخفى. ﴿إِذْ قَالَ إِزَهِعُمُ﴾ ظرف لـ ((حاجَّ))، وجوِّز أن يكون بدلاً من (([أن] آتاه)) بناءً على القول الذي علمت(٣)، واعترضه أبو حيان(٤) بأن الظرفين مختلفان؛ إذ وقت إيتائه (١) قال هذا الزمخشري بناء على مذهبه في الاعتزال. ينظر الكشاف ٣٨٨/١، وحاشية الشهاب ٣٣٧/٢، والبحر ٣٨٧/٢. (٢) كما في مجمع البيان ٢/ ٣١٢. (٣) يعني إذا جعل (أن آتاه)) بمعنى الوقت. الكشاف ٣٨٨/١، والبحر ٢٨٨/٢، وما بين حاصرتين منهما . (٤) في البحر المحيط ٢٨٨/٢. الآية : ٢٥٨ ٤١١ سُورَةُ الْبَّنَة الملك ليس وقتَ قول إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَِّ الَّذِى يُحْيِ وَيُمِيتُ﴾ فإنه على ما روي قاله بعد أن سجن لكسره الأصنام، وإثر قول نمروذ له - وقد كان أوتي قبلُ الملكَ -: مَن ربُّك الذي تدعو إليه؟ وأجاب السفاقسيُّ(١) بالتجوُّز في ((آتاه))، وعدم إرادة ابتداء الإتيان منه، بل زمان الملك وهو ممتدٌّ يسع قولين بل أقوالاً. واعترض أبو البقاء(٢) أيضاً بأن المصدر غير الظرف، فلو كان بدلاً لكان غلطاً، إلا أن يجعل ((إذ)) بمعنى ((أنْ)) المصدرية، وقد جاء ذلك. وقال الحلبي (٣): وهذا بناء منه على أنَّ ((أنْ)) مفعول من أجله وليست واقعةً موقع الظرف، أما إذا كانت واقعةً موقعَه فلا يكون بدلَ غلطِ، بل بدل كلٌّ من كلِّ. وفيه ما تقدَّم من الكلام، وقيل يجوز أن يكون بدلاً من («آتاه)) بدلَ اشتمال. واستَشْكُل بعضهم على جميع ذلك موقع قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا أُخِ. وَأُمِيتٌ﴾ إلا أن يجعل استئنافاً جواب سؤال، وجَعْلُه بمنزلة المرئي يأبى ذلك، ومن هنا قيل: إن الظرف متعلّقٌ بقوله سبحانه: (قَالَ أَنّا) إلخ، ويقدر السؤال قبل ((إذ قال))، كأنه قيل: كيف حاجَّ إبراهيم؟ فأجيب بما أجيب، ولا يخفى أن الإباء هو الإباء، فالأَولى القولُ من أول الأمر بأن هذا القول بيان لقوله سبحانه: (حَبّ). و((ربيّ)) بفتح الياء وقرئ بحذفها(٤). وأراد عليه السلام بـ ((يحيي ويميت)): يخلق الحياة والموتَ في الأجساد، وأراد اللعين غير ذلك، فقد روي عنه أنه أتى برجلين فقتل أحدهما وتركّ الآخر، وقال ما قال. ولما كان هذا بمعزل عن المقصود، وكان بطلانه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد، والتعرُّض لإبطال مثل ذلك من قبيل السَّعي في تحصِيل الحاصِيلِ، أعرَض الخليلُ عليه الصلاة والسلام عن إبطاله وأتى بدليل آخر أظهر من الشمس: ﴿قَالَ إِبْرَهِعُمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِدٍ﴾ وفيه دليل على جواز انتقال المجادل من (١) أبو إسحاق، برهان الدين، إبراهيم بن محمد القيسي المالكي، من تصانيفه: إعراب القرآن، له ولأخيه الشمس محمد، جرَّداه من البحر المحيط ومن إعراب أبي البقاء والسمين، توفي سنة (٧٤٣هـ). شجرة النور الزكية ص ٢٠٩. (٢) في الإملاء ١/ ٥٠٧ . (٣) في الدر المصون ٥٥٢/٢. (٤) وهي قراءة حمزة. التيسير ص٦٦، والنشر ١٧٠/٢ . سُؤَدَّةُ الْبَفَقَة ٤١٢ الآية : ٢٥٨ حجَّة إلى أخرى أوضح منها، وهي مسألة متنازَعُ فيها، وحَمْلُ ذلك على هذا أحدُ طريقين مشهورين في الآية، وثانيهما أن الانتقال إنما هو في المثال، كأنه قال: ربي الذي يوجدُ الممكنات ويعدمها، وأتى بالإحياء والإماتة مثالاً، فلمَّا اعترض جاء بمثال أجلى؛ دفعاً للمشاغبة، قال الإمام(١): والإشكال عليهما من وجوه: الأول: أن صاحب الشُّبهة إذا ذكر الشبهة ووقعت تلك الشبهة في الأسماع، وجب على المحِقِّ القادر على ذِكْرِ الجواب ذِكْرُ الجواب في الحال إزالةً للتلبيس والجهل عن العقول، فلمَّا طَعن الماردُ في الدليل أو في المثال الأوّل بتلك الشبهة، كان الاشتغال بإزالتها واجباً مضيّقاً، فكيف يَليق بالمعصوم تركه والانتقال إلى شيء آخر. والثاني: أنه لَمَّا أورد المبطِل ذلك السؤال، كان تَرْكُ المحقِّ الكلامَ عليه والتنبية على ضعفه مما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه وأنه غير جائز. والثالث: أنه وإن كان الانتقال من دليل إلى آخر، أو من مثال إلى غيره، لكنه يجب أن يكون المنتقَلُ إليه أوضحَ وأقرب، وهاهنا ليس كذلك؛ لأن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريك الأجسام فلِلْخَلْق قدرةٌ عليه، فلا يَبْعُدُ وجود ملك عظيم الجثة يكون محرِّكاً للسماوات، فعلى هذا الاستدلالُ بالإماتة والإحياء أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس، فكيف يَليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح إلى الدليل الخفي؟! والرابع: أن المارد لَمَّا لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرَين من الله تعالى بالقتل والتخلية، فكيف يؤمَن منه عند الانتقال إلى طلوع الشمس أن يقول: بل طلوع الشمس من المشرق منِّي، فإن كان لك إله فقل له حتى يُطلعها من المغرب. وعند ذلك التزم المحققون أنه لو أُورد هذا السؤال لكان الواجب أن يُطلعها من المغرب، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام هذا الإطلاع، وأيضاً فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب يكون الدليل على وجود الصانع هو هذا الطلوع لا الطلوع الأول، وحينئذ يصير ذلك ضائعاً كما صار الأول كذلك، وأيضاً فما الذي حمل الخليل عليه السلام على ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك وتمسَّك بدليلٍ (١) هو الإمام الرازي، وكلامه في تفسيره ٢٧/٧-٢٩. الآية : ٢٥٨ ٤١٣ سُورَةُ الْبَدَة لا يمكن تمشيته إلا بالتزام إطلاع الشمس من المغرب، وبتقدير ذلك يضيع الدليلُ الثاني كما ضاع الأوَّل، ومن المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا تَليق بأقل الناس علماً، فضلاً عن أفضل العلماء وأعلم الفضلاء. فالحقُّ أن هذا ليس دليلاً آخر ولا مثالاً، بل هو من تتمة الدليل الأول؛ وذلك أنه لَمَّا احتجَّ إبراهيمُ عليه السلام بالإماتة والإحياء أورد الخصمُ عليه سؤالاً وهو: أنك إن ادعيت الإحياء والإماتة بلا واسطة فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلاً، وإن ادعيت حصولهما بواسطة حركات الأفلاك، فنظيره أو ما يقرب منه حاصلٌ للبشر؟ فأجاب الخليل عليه السلام بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى، وذلك لا يقدح في كون الإحياء والإماتة منه بخلاف الخلق فإنهم لا قدرة لهم على تحريك الأفلاك، فلا جَرَمَ لا يكون الإحياءُ والإماتة صادرين منهم، ومتى حُملت الآيةُ على هذا الوجه لم يلزم شيء من المحذورات عليه. انتهى، ولا يخفى ما فيه: أما أولاً: فلأن الشبهة إذا كانت في غاية السقوط ونهاية البطلان، بحيث لا يكاد يَخْفَى حالُها ولا يَغُرُّ أحداً من الناس أَلَّها(١)، لم يمتنع الإعراض عنها إلى ما هو بعيدٌ عن التمويه، دفعاً للشغَب، وتحصيلاً لما هو المقصود من غير كثير تعبٍ، ولا يوجب ذلك سقوطَ وَقْعِ ولا حقارةَ شأنٍ، وأيُّ تلبيس يحصل من هذه الشبهة للعقول حتى يكون الاشتغال بإزالتها واجباً مضيّقاً فيُخِلَّ تركه بالمعصوم؟ على أنه روي أنه ما انتقل حتی بیَّن للمارد فساد قوله، حیث قال له: إنك أحييت الحيَّ ولم تحيي الميت. وعن الصَّادق ◌َؤُه أنه قال له: أَخي مَن قتلته إن كنتَ صادقاً. لكن لم يقصَّ اللهُ تعالى ذلك الإلزام علينا في الكتاب اكتفاء بظهور الفساد جدًّا. وأما ثانياً: فلأنه من الواضح أن المنتقَّلَ إليه أوضحُ في المقصود من المنتقَل عنه، ويكاد القول بعكسه يكون مكابرة، وما ذكره في معرض الاستدلال لا يخفى ما فيه. (١) أي: بريقها. اللسان (ألل). سُورَةُ البَفَقَة ٤١٤ الآية : ٢٥٨ وأما ثالثاً: فلأن ما ذكره رابعاً يَرِدُ أيضاً على الوجه الذي اختاره؛ إذ لا يؤمَنُ الماردُ من أن يقول: لو كانت حركات الأفلاك من ربك، فقل له حتى يُطْلِعَها من المغرب. فما هو الجواب هنا هو الجواب. وقد أجابوا عن عدم قول اللعین ذلك: بأن المحاجّة کانت بعد خلاصه من النار، فعلم أن مَن قدر على ذلك قدر على الإتيان بالشمس من مغربها، فسكت. أو بأن الله تعالى أنساه ذلك نصرةً لنبيه عليه السلام، وهو ضعيف. بل الجواب أنه عليه السلام استدلَّ بأنه لا بدَّ للحركة المخصوصة والمتحرِّك بها من محرِّك؛ لأن حاجَة المتحرِّك في الحركة إلى المحرِّك بديهيةٌ، وبديهيٌّ أنه ليس بنمروذ، فقال: هو ذا ربي، فإن ادَّعيت أنك الذي تفعل فأت بها من المغرب. وهذا لا يتوجَّه عليه السؤال بوجهٍ؛ إذ لو ادَّعى أن الحركة بنفسها - مع أنها مسبوقة بالغير ولو بآحاد الحركات - كان مَنَعَ البديهي. ولو ادَّعى أنه الفاعل مع ظهور استحالته أُلزِم بالتغيير عن تلك الحالة، فلا بدَّ من الاعتراف بفاعلٍ يأتي من المشرق، والمدَّعي أن ذلك الفاعل هو الربُّ. وأمَّا رابعاً: فلأن ما اختاره لا تدلُّ عليه الآيةُ الكريمة بوجه، وليس في كلام الكافر سوى دعواه الإحياء والإماتة، ولم يستشعر منها بحث توسُّطِ حركات الأفلاك، ولم يوقف له على أثر ليجاب بأن تلك الحركات أيضاً من الله تعالى، فلا يقدح توسطها في كون الإحياء والإماتة منه تعالى شأنه، ولا أظنك في مرية من هذا . ولعلَّ الأظهر مما ذهب إليه الإمام ما ذكره بعضُ المحقّقين: من أن الماردَ لَمَّا كان مجوِّزاً لتعدُّد الآلهة لم يكن مدَّعياً أنه إله العالم - ولو ادعاه لجنِّن - على نحوٍ من مذهب الصابئة أن الله تعالى فوَّض إلى الكواكب التدبيرَ، والأفعالُ من الإيجاد وغيره منسوبةٌ إليهن، فجوّز أن يكون في الأرض أيضاً مَن يفوّض إليه إما قولاً بالحلول، أو لاكتساء خواصَّ فَلَكيةٍ، أو غير ذلك، أراد إبراهيم عليه السلام أن ينِّهه(١) على قصوره عن هذه الرتبة وفساد رأيه من جهة علمه الضروري (١) في (م): ينبه. الآية : ٢٥٨ ٤١٥ سُورَةُ الجَدَة بأنه مولودٌ أُحدث بعد أن لم يكن، وأنَّ مَن لا وجود له في نفسه لا يمكنه الإيجاد الذي هو إفاضة الوجود البتة؛ ضرورةً احتياجه إلى الموجِد ابتداءً ودواماً، وهذا كافٍ في إبطال دعوى اللعين، فلم يعمِّم الدعوى في تفرُّده تعالى بالإلهية، على أنه لوَّح إليه من حيث إنه لا فرق بين الإيجاد والإعدام ونوعين(١) هما الإحياء والإماتة، والقادرُ على إيجاد كلِّ ممكن وإعدامه يلزمه أن يكون خارجاً عن الممكنات، واحداً من كل الوجوه؛ لأن التعدُّد يوجب الإمكان والافتقار كما بُرهن عليه في محلِّه، فعارضه اللعينُ بما أوهم: أنه يجوز أن يكون الممكن لاستغنائه عن الفاعل في البقاء - كما عند بعض القاصرين من المتكلِّمين - مفوَّضاً إليه - بعد إيجاده - ما يستقلُّ بإيجاد الغير وتدبير الغير، وهذا قد خفي على الأذكياء فضلاً عن الأغبياء، وقال: ((أنا أحيي وأميت))، وأبدى فِعْلَيه مشيراً إلى أن للدوام حكمَ الابتداء في(٢) الإحياء، وهو في ذلك مناقضٌ نفسه من حيث لا يشعر، إذ لو كان كذلك لم يكن التدبير مفوَّضاً إلى غير الباري، ولم يكن مستغنياً عن الموجدِ طرفة عينٍ، وإلا فليس العفو إحياءً إن سُلِّم أن القتل إماتة، فألزمه الخليلُ عليه السلام بأن القادر لا يفترق بالنسبة إليه الدوام والابتداء - فإن الله تعالى يأتي بالشمس من المشرق فأت بها أنت من المغرب - منِّهاً على المناقضة المذكورة، مصرِّحاً بأنه غالط في إسناد الفعل دواماً إلى غير ما أُسند إليه ابتداء، مظهراً لدى السَّامعين ما كان عسى أن يَغْبَى (٣) على البعض، فهذا كلامٌ وارد على الخطابة والبرهان، يتلقَّاه المواجَهُ به طوعاً أو كرهاً بالإذعان، ليس فيه مجال للاعتراض، سليم عن العِراض، وعليه يكون المجموع دليلاً واحداً، وليس من الانتقال إلى دليل آخر؛ لما فيه من القيل والقال، ولا من العدول إلى مثال أوضح حتى يقال: كأنه قيل: ربي الذي يوجد الممكنات، وأتى بالإحياء والإماتة مثالاً، فلما اعتُرض جاء بآخر أجلى دفعاً للمشاغبة؛ لأنه مع أن فيه ما في الأول يَرِد عليه أن الكلام لم يُسق هذا المساق كما لا يخفى، هذا والله تعالى أعلم بحقائق كتابه المجيد فتدبّر. (١) في(م): نوعین، بلا واو. (٢) بعدها في (م): طرف. (٣) أي: يخفى. أساس البلاغة (غبو). سُورَةُ الْبَرَة ٤١٦ الآية : ٢٥٩ وإنما أتى في الجملة الثانية بالاسم الكريم، ولم يأت بعنوان الربوبية كما أتى بها في الجملة الأولى - بأن يقال: إن ربي - ليكون في مقابلة ((أنا)) في ذلك القول، مع ما فيه من الدلالة على ربوبيته تعالى له عليه السلام ولذلك المارِد عليه اللعنة، ففيه تَرَقِّ عمَّا في تلك الجملة، كالترقِّي من الأرض إلى السماء، وهو في هذا المقام حسنٌ حسنُ التأكيد بـ ((إنَّ))، والأمر للتعجيز، والفاء الأولى للإيذان بتعلُّق ما بعدها بما قبلها، والمعنى(١): إذا ادعيتُ الإحياء والإماتة لله تعالى، وأخطأتَ أنت في الفهم أو غالطت، فمُريحُ البال ومُزيحُ الالتباس والإشكال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ﴾ إلخ، والباء للتعدية، و((من)) في الموضعين لابتداء الغاية متعلّقة بما تقدمها من الفعل، وقيل: متعلقة بمحذوف وقع حالاً، أي: مسخّرة، أو منقادة. ﴿فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرَّ﴾ أي: غُلب وصار مبهوتاً منقطعاً عن الكلام متحيِّراً لاستيلاء الحجّة عليه، وقرئ: ((بَهُت)) بفتح الباء وضم الهاء، و ((بَهِت)) بفتح الأولى وكسر الثانية، وهما لغتان والفعل فيهما لازمٌ، و«بَهَتَ)) بفتحهما(٢)، فيجوز أن يكون لازماً أيضاً، و ((الذي)) فاعله، وأن يكون متعدِّياً وفاعله ضمير إبراهيم، و((الذي)) مفعوله، أي: فغلَب إبراهيمُ عليه السلام الكافرَ وأسكته. وإيراد الكفر في حيِّز الصِّلة للإشعار بعلَّة الحكم، قال إلْكيا(٣): وفي الآية دليلٌ على جواز المحاجَّة في الدِّين، وإن كانت محاجَّةُ هذا الكافر كفراً. ﴿وَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ أي: إلى مناهج الحقِّ كما هدى أولياءه، وقيل: لا يهديهم إلى طريق الجنة يوم القيامة. ﴿أَوْ كَلَّذِى مَزَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ عطف على سابقه، والكاف إما اسمية بمعنى مثل معمولة لأرأيت محذوفاً، أي: أو أرأيت مِثْلَ الذي مرَّ، وإلى ذلك ذهب الكسائي والفراء(٤) (١) بعدها في الأصل: أنا. (٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص١٦، والمحتسب ١٣٤/١. (٣) عماد الدين، محمد بن علي الطبري الهَرَّاسي الشافعي، وكلامه في أحكام القرآن له ٢٢٥/١. (٤) في معاني القرآن للفراء ١/ ١٧٠، وينظر مشكل إعراب القرآن لمكي ١٣٨/١، وتفسير القرطبي ٢٩٤/٤. الآية : ٢٥٩ ٤١٧ سُورَةُ الْبَغَة وأبو علي وأكثر النحويين، وحذف لدلالة ((ألم تر)) عليه، على أنه قد قيل: إن مثال هذا النظم كثيراً ما يحذف منه فعل الرؤية، كقوله: قال لَها كلََّبھا أَسْرِعِي كاليومِ مَظْلُوباً ولا طالِبا(١) وجيء بهذه الكاف للتنبيه على تعدُّد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر، كما في قولك: الفعل الماضي مِثْلُ نَصَرَ. وتخصيص هذا بذلك - على ما قيل - لأن مُنْكِرَ الإحياء كثير، والجاهلُ بكيفيته أكثر من أن يحصى، بخلاف مدَّعي الربوبية. وقيل: إنها زائدة، وإلى ذلك ذهب الأخفش(٢)، أي: ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم أو الذي مرَّ إلخ. وقيل: إنه عطف محمول على المعنى، كأنه قيل: ألم تر كالذي حاجّ، أو کالذي مرّ. وقيل: إنه من كلام إبراهيم عليه السلام ذكره جواباً لمعارضة ذلك الكافر، وتقديره: أو إن(٣) كنت تحيي فأحي كإحياءِ الذي مرَّ، ولا يَخْفَى ضَعْفُه للفصل وكثرة التقدير. وإنما لم تجعل الكاف أصلية، والعطف على ((الذي)) نفسه في الآية السَّابقة، لاستلزامه دخول ((إلى)) على الكاف، وفيه إشكال؛ لأنها إن(٤) كانت حرفية فظاهر، وإن كانت اسمية فلأنها مشبَّهة بالحرف في عدم التصرُّف، لا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت في كلامهم، وهو ((عن)) وذلك على قلَّة أيضاً. وقال بعضهم: إن كلَّ من لفظ ((ألم تر)) و ((أرأيت)) مستعملٌ لقصد التعجب، (١) ذكره بهذه الرواية ابن المنير في الانتصاف على هامش الكشاف ٣٨٩/١، والشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣٣٧/٢، والبيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص٣، وأمالي المرتضى ٧٣/٢، وأمالي ابن الشجري ١٢٦/٢ برواية: حتى إذا الكلَّاب قال لها كاليوم مطلوباً ولا طلباً قال ابن الشجري: أراد: قال للبقر والكلاب: لم أر كاليوم مطلوباً (٢) في معاني القرآن له ١/ ٣٨٠. (٣) في(م): وإن، بدل: أو إن. (٤) في (م): إلى. مص سُوَّةُ الْبَحَمَة ٤١٨ الآية : ٢٥٩ إلا أن الأول تعلَّق بالمتعجّب منه، فيقال: ألم تر إلى الذي صنع كذا، بمعنى: انظر إليه فتعجَّب من حاله، والثاني بمثل المتعجّب منه، فيقال: أرأيت مثل الذي صنع كذا، بمعنى: إنه من الغرابة بحيث لا يرى له مِثْلٌ، ولا يصحُّ: ألم تر إلى مثله، إذ يكون المعنى: انظر إلى المثل وتعجَّب من الذي صَنع، ولذا لم يستقم عطفك ((الذي مرَّ) على (الذي حاجَّ))، ويحتاج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلّقاً بمحذوف، أي: أرأيت كالذي مرَّ فيكون من عطف الجملة؛ أو في المعطوف عليه؛ نظراً إلى أنه في معنى: أرأيت كالذي حاجّ، فيصحّ العطف عليه؛ ومن هذا يُعلم أن عدم الاستقامة ليس لمجرد امتناع دخول ((إلى) على الكاف، بل لو قلت: ألم تر إلى الذي حاجَّ، أو مثل الذي مرَّ، فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام، وأن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء، بل لا بدَّ في التعجيب بكلمة ((أرأيت)) من إثبات كاف، أو ما في معناه. ولا يخفى أن هذا من الغرابة بمكان؛ فإن ((ألم تر)) يستعمل للتعجيب مع التشبيه في كلام العرب، كما يشير إليه كلام سيبويه (١)، و((أرأيت)) كثيراً ما يستعمل بدون الكاف أو ما في معناه، وهو في القرآن كثير، وكيف يفرَّق بينهما بأن الأول تعلَّق بالمتعجب منه، وفي الثاني بمثله، والمثلية إنما جاءت من ذكر الكاف، ولو ذُكِرتْ في الأول لكان مثلَه بلا فرق؟ فهذا مصادرة على المطلوب فليس إلا ما ذكر أولاً، سوى أن تقدير ((أرأيت)) مع الكاف أولى لأن استعماله معها أكثر فتدبّر. و((أو)) للتخيير أو للتفصيل. والمارُّ: هو عُزير بن شرخيا، كما أخرجه الحاكم(٢) عن عليٍّ كَرَّم الله تعالى وجهه، وإسحاق بنُ بشر عن ابن عباس وعبد الله بن سلام، وإليه ذهب قتادة وعكرمة والربيع والضحاك والسديُّ وخلقٌ کثیر. وقيل: هو إزْمٍيا بن حلقيا من سبط هارون عليه السلام، وهو المروي عن أبي جعفر څته، وإليه ذهب وهبٌ. (١) ينظر الكتاب ٩٣/٢، وحاشية الشهاب ٣٣٨/٢، والكلام منه. (٢) في المستدرك ٢/ ٢٨٢، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٢/ ٥٠٠. الآية : ٢٥٩ ٤١٩ سُوَّلُ الْبََّقَة وقيل: هو الخَضِرُ عليه السلام، وحكي ذلك عن ابن إسحاق. وزَعَم بعضهم أن هذين القولين واحد، وأن إرميا هو الخَضِرُ بعينه(١). وقيل: شعيا . وقيل: غلام لوط عليه السلام. وقال مجاهد: كان المارُّ رجلاً كافراً بالبعث. وأيِّد بنظمه مع نمروذ في سلك واحد حيث سيق الكلام للتعجيب من حالهما، وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر بالإنكار ظاهراً، وليست هي فيه مثلَها في ﴿أَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ﴾ [آل عمران: ٤٠] و﴿أَ يَكُونُ لِى وَلَدٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]. وعورض بما بين قصته وقصة إبراهيم الآتية بعدُ من التناسب المعنوي؛ فإن كليهما طلبا معاينةَ الإحياء مع أنَّ ما جرى له في القصّة مما يَبْعُدُ أن يجري مع كافر، وإذا انضمَّ إلى ذلك تحرِّيه الظاهرُ في الاحتراز عن الكذب في القول الصَّادر قبل التبيين، الموجب لإيمانه على زَعمْ مَنْ يدَّعي كفره، قَوِيَ المعارض جدًّا. وإن قلنا: بأن دلالة الانتظام في سلك نمروذ على الإيمان أحقُّ؛ لينطبق على التفصيل المقدَّم في ﴿الَهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إلخ حسب ما أشرنا إليه في القيل قبلُ، لم یکد یُتُومَّم القول بالكفر كما لا يخفى. والقرية؛ قال ابن زيد: هي التي خرج منها الألوف. وقال الكلبي: دير سابرا باز(٢). وقال السديُّ: دير سلماباذ. وقيل: ديرهرقل. وقيل: المؤتفكة. وقيل: قرية العنب على فرسخين من بيت المقدس. وقال عكرمة والربيع ووهب: هي بيت المقدس، وكان قد خرَّبها بختنصر، وهذا هو الأشهر. واشتقاقها من القَرْي وهو الجمع. ﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة على سقوفها، بأنْ سقط السقف أولاً ثم (١) تفسير الطبري ٥٨٠/٤ . (٢) قال ياقوت: كأنه مخفف من سابور مضاف إليه أباذ على عادتهم: بلد. معجم البلدان ٣/ ١٦٧ . سُورَةُ الجَمَة ٤٢٠ الآية : ٢٥٩ تهدَّمت الجدران عليه. وقيل: المعنى: خالية من أهلها ثابتة على عروشها، أي: إن بيوتها قائمة. والجار والمجرور على الأول متعلِّق بـ ((خاوية))، وعلى الثاني بمحذوف وقع خبراً بعد خبر لـ ((هي)). والجملة قيل: في موضع الحال من الضمير المستتر في (مرَّ))، وقيل: من ((قرية))، ويجيء الحال من النكرة على قلة، وقيل: في موضع الصِّفة لها، ويبعده توسُّط الواو. ومن الناس مَن جوَّز كون ((على عروشها)) بدلاً من ((قرية)) بإعادة الجارِّ، وكونه صفةً لها(١)، وجملة ((وهي خاوية)) إما حال من ((العروش))، أو من ((القرية))، أو من (ها)) والعامل معنى الإضافة، والكلُّ مما لا ينبغي حمل التنزيل عليه. ﴿قَالَ﴾ في نفسه أو بلسانه ﴿َّ يُتْىِ هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ المشارُ إليه إما نفس القرية بدون تقدير كما هو الظاهر، فالإحياء والإماتة مجازان عن العمارة والخراب، أو بتقدير مضاف، أي: أصحاب هذه القرية، فالإحياء والإماتة على حقيقتها، وإما عظام القرية البالية وجثثهم المتفرقة، والسِّياق دالٌّ على ذلك، والإحياء والإماتة على حالهما أيضاً. فعلى القول بالمجاز يكون هذا القول على سبيل التلقُّف والتشوق إلى عمارة تلك القرية، لكن مع استشعار اليأس عنها على أبلغ وجه وأوكده، ولذا أراه الله تعالى أبعدَ الأمرين في نفسه، ثم في غيره، ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغة في إزاحة ما عسى يَخْتَلِجُ في خَلَده. وعلى القول الثاني يكون اعترافاً بالعجز عن معرفة طريق الإحياء واستعظاماً لقدرة المحيي إذا قلنا: إن القائل كان مؤمناً، وإنكاراً للقدرة على ذلك إن كان كافراً. ورجّح أول الاحتمالات الثلاثة في المشار إليه بأن إرادة إحياء الأهل، أو عظامهم، يأباه التعرُّضُ لحال القرية دون حال مَن ذُكر، والاقتصارُ على ذكر موتهم دون كونهم تراباً أو عظاماً نخرة، مع كونه أدخل في الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغايةٍ بُعده عن قبولها، على أنه لم تتعلَّق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلَّقت إرادته تعالی بعمارتها، ومعاينة المارِّ لها كما ستسمعه. (١) والتقدير: على قرية ساقطةٍ على عروشها. الدر المصون ٥٥٩/٢.