النص المفهرس

صفحات 381-400

الآية : ٢٥٣
٣٨١
سُؤَدَّةُ الْبَقَة
الآخر. وقيل: المراد التفضيل بالشرائع، فمنهم مَن شرَّع، ومنهم مَن لم يشرِّع.
وقيل: هو تفضيلٌ بالدرجات الأخروية. ولا يخفى ما في كلٍّ، ويؤيِّد الأول قولُه
تعالى: ﴿مِّنْهُم مَّن كُلَّمَ اللَّهُ﴾ فإنه تفصيلٌ للتفضيل المذكور إجمالاً .
والجملة لا محلَّ لها من الإعراب، وقيل: بدل من ((فضلنا)). والمرادُ
بالموصول إمَّا موسى عليه السَّلام فالتعريف عهديٌّ، أوكلُّ مَن كلَّمه الله تعالى عن
رضًا بلا واسطة، وهم آدم - كما ثبت في الأحاديث الصحيحة - وموسى وهو الشهير
بذلك، ونبيُّنَا وََّ، وهو المخصوص بمقام قاب، والفائزُ بعرائس خطابٍ ما تعرَّض
بالتعريض لها الخُطَّاب.
وقرئ: ((كلَّم الله) بالنصب. وقرأ اليمانيُّ: ((كالَمَ الله)) من المكالمة(١).
قيل: وفي إيراد الاسم الجليل بطريق الالتفات تربيةٌ للمهابة، ورمزٌ إلى ما بين
التكلُّم والرفع وبين ما سَبَق من مطلق التفضيل وما لحق من إيتاء البينات والتأييدِ
بروح القدس من التفاوت.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ أي: ومنهم من رفعه الله تعالى على غيره من الرسل
بمراتبَ متباعدةٍ ومن وجوهٍ متعدِّدةٍ، وتغيير الأسلوب لتربية ما بينهم من اختلاف
الحال في درجات الشَّرف، والمراد ببعضهم هنا النبيُّ وَله كما ينبئ عنه الإخبار
بكونه وَله منهم، فإنه قد خُصَّ بمزايا تقف دونها الأماني حَسْرَى، وامتاز بخواصَّ
عِلْميةٍ وعَمَليةٍ لا يستطيع لسانُ الدهر لها حصراً، ورَقيَ أعلام فضلٍ رفعت له على
كواهله الأعلام، وطأطأت(٢) له رؤوس شرفات الشَّرَف فقبِّلت منه الأقدام. فهو
المبعوثُ رحمةً للعالمين، والمنعوتُ بالخُلُق العظيم بين المرسلين، والمنْزَلُ عليه
قرآن مجيد ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَِّزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمیٍ﴾ [فصلت:
٤٢] والمؤيَّد دينُه المؤبَّدُ بالمعجزات المستمرة الباهرة، والفائزُ بالمقام المحمود
والشفاعة العظمى في الآخرة.
والإبهامُ لتفخيم شأنه، وللإشعار بأنه العلَمُ الفرد الغنيُّ عن التعيين.
(١) القراءتان في القراءات الشاذة ص ١١، والكشاف ٣٨٢/١.
(٢) في الأصل: وتطاطأت.

سُورَةُ الْبَنَة
٣٨٢
الآية : ٢٥٣
وقيل: المرادُ به إبراهيم، حيث خصَّه اللهُ تعالى بمقام الخُلَّة التي هي أعلى
المراتب. ولا يخفى ما فيه.
وقيل: إدريس لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]. وقيل: أولو العزم
من الرسل. وفيه - كما في ((الكشف)) - أنه لا يلائم ذوق المقام الذي فيه الكلامُ
البتة، وكذا الكلام عندي في سابقه إذ الرِّفعة عليه حقيقية(١)، والمقام يقتضي
المجاز كما لا يخفى.
و((درجات)) قيل: حالٌ من ((بعضهم))، على معنى: ذا درجات. وقيل: انتصابه
على المصدر؛ لأن الدرجة بمعنى الرِّفعة، فكأنه قيل: ورفعنا بعضهم رفعات.
وقيل: التقدير: على، أو: إلى، أو: في درجات، فلما حُذف حرف الجر وَصَلَ
الفعلُ بنفسه. وقيل: إنه مفعول ثان لـ: ((رفع)) على أنه ضمِّن معنى بلَّغ. وقيل: إنه
بدلُ اشتمالٍ، وليس بشيء.
﴿وَءَاتَّيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَنْيَمَ الْبَيْنَتِ﴾ أي: الآيات الباهرات، والمعجزات
الواضحات، كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياءِ الموتى، والإخبارِ بما يأكلون
ويدَّخرون، أو الإنجيلَ، أوكلَّ ما يدل على نبوته، وفي ذكر ذلك في مقام التفضيل
إشارةٌ إلى أنه السبب فيه، وهذا يقتضي أفضلية نبيِّنا وَّر على سائر الأنبياء؛ إذْ له من
قداحِ ذلك المعلَّى والرقيب(٢) .
﴿وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِنُ﴾ قد تقدَّم تفسيره(٣)، وإفرادُه عليه السلام بما ذكر لردِّ
ما بين أهل الكتابين في شأنه من التفريط والإفراط، والآية ناطقةٌ بأن الأنبياء عليهم
السلام متفاوتةُ الأقدار، فيجوز تفضيلُ بعضهم على بعض ولكن بقاطع؛ لأن الظنّ
في الاعتقاديات لا يغني من الحق شيئاً .
﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم﴾ أي: جاؤوا من بعد كلِّ
رسول - كما يقتضيه المعنى، لا جميع الرسل كما هو ظاهر اللفظ - من الأمم
(١) في (م): حقيقة.
(٢) المُعَلَّى: القِدح السابع في الميسر، وهو أفضلها، والرقيب: اسم السهم الثالث منها.
اللسان: (علا) و(رقب).
(٣) ٢٩٨/٢-٢٩٩.

الآية : ٢٥٣
٣٨٣
سُورَةُ الْبَّفْعَة
المختلفة، أي: لو شاء الله تعالى عدمَ اقتتالهم ما اقتتلوا، بأنْ جَعَلَهم متَّفقين على
الحقِّ واتِّباعِ الرسل الذين جاؤوا به، فمفعول المشيئة محذوفٌ لكونه مضمونَ
الجزاء على القاعدة المعروفة.
ومَنْ قدَّر: ولو شاء الله هُدَى الناسِ جميعاً ما اقتتل إلخ، وعدَل عما تقتضيه
القاعدة ظنًّا بأنَّ هذا العدم لا يحتاج إلى مشيئة وإرادة، بل يكفي فيه عدمُ تعلُّقٍ
الإرادة بالوجود، لم يأت بشيءٍ.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ﴾ من جهة أولئك الرسل، وقيل: الضمير عائد إلى الذين
من قبلهم وهم الرسل. والمجرور متعلِّقٌ بـ ((اقتتل))، وقيل: بدلٌ من نظيره مما قبله.
﴿ اَلْبَيِّنَتُ﴾ أي: المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة، الدالَّةُ على حقيَّة الحق،
الموجبةُ للاتباع، الزاجرةُ عن الإعراض المؤدّي إلى الاقتتال.
﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ﴾ استدراك من الشرطية أشيرَ به إلى قياس استثنائيٌّ مؤلّفٍ من
وضع نقيض مقدمها منتج لنقيض تاليها، إلا أنه قد وضع فيه الاختلاف موضعَ
نقيض المقدم المترتّب عليه للإيذان بأن الاقتتال ناشئ من قِبَلهم وسوء اختيارهم،
لا من جهته تعالى ابتداء، كأنه قيل: ولكن لم يشأ عدم اقتتالهم لأنهم اختلفوا
اختلافاً فاحشاً ﴿فَمِنْهُم مَّنَ ءَامَنَ﴾ أي: بما جاءت به أولئك الرسلُ، وثبت على
إيمانه وعمل بموجبه، وهذا بيانٌ للاختلاف فلا محل للجملة من الإعراب ﴿وَمِنْهُم
مَن كَفَرَّ﴾ بذلك كفراً لا ارعواءَ له عنه، فاقتضت الحكمةُ عدمَ مشيئته لعدم اقتتالهم،
فاقتتلوا بموجب ما اقتضته أحوالُهم ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ﴾ عدمَ اقتتالهم بعد هذه المرتبة
أيضاً من الاختلاف المستتبع للقتال عادة ﴿مَا أُقْتَتَلُواْ﴾ وما رفعوا رأس التطاول
والتعادي، لِمَا أنَّ الكلَّ بيد قهره، فالتكرير ليس للتأكيد كما ◌ُظُنَّ، بل للتنبيه على أنَّ
اختلافهم ذلك ليس موجباً لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم، كما يفهم ذلك من
وضعه في الاستدراك موضعه، بل هو سبحانه مختارٌ في ذلك، حتى لوشاء بعد ذلك
عدمَ اقتتالهم ما اقتتلوا، كما يفصح عنه الاستدراكُ بقوله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ اللّهَ
يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾﴾﴾ حسبما يريد من غير أن يوجبه عليه موجبٌ، أويمنعه عنه مانعٌ.
كذا قرَّره المولى أبو السعود(١) قدس سرُّه، وهو من الحُسن بمكان، إلا أنه قد
(١) في تفسيره ٢٤٦/١-٢٤٧.

سُورَةُ الَقَة
٣٨٤
الآية : ٢٥٤
اعترضه العلامة عبد الباقي البغدادي في تفسيره بنحو ما تقدم آنفاً في نظير هذا
القياس، وذكر أنه خلافُ استعمال («لو» عند أرباب العربية وأرباب الاستدلال،
ولعل الجواب عن هذا هو الجواب عن ذلك مع أدنى تغيير فلا تغفلئ
وما ذكره من توجيه التكرير ممَّا تفرَّد به فيما أعلم، والأكثرون على أنه للتأكيد،
إلا أنَّ وراءه سرًّا أخص(١) منه كما ذكره صاحب ((الانتصاف))(٢): وهو أن العرب
متى بنت أولَ كلامها على مقصد، ثم اعترضها مقصدٌ آخر وأرادت الرجوعَ إلى
الأول، طَرَّت(٣) ذكره إما بتلك العبارة أو بقريب منها، وذلك عندهم مَهْيَعٌ (٤) من
الفصاحة مسلوك وطريق معبّد، وفي كتاب الله تعالى مواضعُ من ذلك، منها قوله
تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِلَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ، مُظْمَبِنٌّ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن
مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] وهذه الآية من هذا النمط؛ فإنه لمّا صدِّر
الكلام بأن اقتتالهم كان على وفق المشيئة، ثم لمَّا طال الكلام وأريدَ بيانُ أن
مشيئة الله تعالى كما نفذت في هذا الأمر الخاص - وهو اقتتال هؤلاء - فهي نافذةٌ
في كلِّ فعل واقع، وهو المعبّر عنه في قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) طرأ
ذِكْرُ تعلُّق المشيئة بالاقتتال ليتلوه عمومُ تعلُّق المشيئة؛ لتناسب(٥) الكلام،
ويعرف(٦) كلٌّ بشكله، وهذا سرِّ ينشرح لبيانه الصدر ويرتاح به السِّر. ولعله أحسن
من القول بأن الأول بلا واسطة، والثاني بواسطة المؤمنين أوبالعكس.
هذا وفي الآية دليل على أن الحوادث تابعةٌ لمشيئة الله تعالى خيراً كانت
أوشرًّا، إيماناً أو كفراً.
﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِنَّا رَزَقْنَكُمْ﴾ قيل: أراد به الفَرْضَ - كالزكاة - دون النفل؛
لأن الأمر حقيقةٌ في الوجوب، ولاقتران الوعيد به، وهو المرويُّ عن الحسن.
(١) في(م) خصَّ.
(٢) الانتصاف لأحمد بن محمد بن المنير المالكي (مع الكشّاف) ٣٨٣/١.
(٣) في الانتصاف: قصدت، وفي حاشية الشهاب ٣٣٣/٢: طردت. وطرت: أحسنَتْ
وجمَّلت. اللسان (طرر).
(٤) ماع الشيء: اتسع وانتشر، وطريق مهيع: واضح واسع بيِّن. اللسان (هيع).
(٥) في (م): ليناسب، والمثبت من الأصل والانتصاف.
(٦) في(م): ويقرن، في الانتصاف: وتعرف، والمثبت من الأصل.

الآية : ٢٥٤
٣٨٥
سُوَّةُ الْبَقَة
وقيل: يدخل فيه الفرض والنفل، وهو المرويُّ عن ابن جريج، واختاره
البلخيُّ، وجَعَل الأمر لمطلق الطلب، وليس فيما بعدُ سوى الإخبارِ بأهوال يوم
القيامة وشدائدها ترغيباً في الإنفاق، وليس فيه وعيدٌ على تَرْكه ليتعيَّنَ الوجوب.
وقال الأصم: المراد به الإنفاق في الجهاد، والدليل عليه أنه مذكورٌ بعد الأمر
بالجهاد معنًى، وبذلك ترتبط الآية بما قبلها. ولا يَخْفَى أن هذا الدليل ممَّا لا ينبغي
أن يُسمع؛ لأن الارتباط على تقدير العموم حاصلٌ أيضاً بدخول الإنفاق المذكور
فيه دخولاً أوليًّا، وكذا على تقدير إرادة الفَرْض؛ لأن الإنفاق في الجهاد قد يكون
فرضاً إذا توقّف الفرض عليه.
و((ما)) موصولة حُذف عائدها، والتعرُّض لوصوله منه تعالى للحثِّ على الإنفاق
والترغيب فيه .
﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ ﴾ أي: لا مودَّةٌ ولا صداقةٌ ﴿وَلَ
شَفَاعَةٌ﴾ أي: لأحدٍ إلا من بعد أن يأذن الرحمنُ لمن يشاء ويرضى، وأراد بذلك
يوم القيامة، والمراد مِن وَصْفِه بما ذكر الإشارةُ إلى أنه لا قدرةً لأحد فيه على
تحصيل ما ينتفع به بوجهٍ من الوجوه؛ لأن مَن في ذمته حقٌّ مثلاً، إما أن يأخذ
بالبيع ما يؤديه به، وإما أن يُعِينه أصدقاؤه، وإما أن يلتجئ إلى مَن يشفع له في
حَطِّه، والكلُّ مُنْتَفٍ، ولا مستعانَ إلا بالله عزَّ وجلَّ. و((مِن)، متعلقة بما تعلقت به
أختُها، ولا ضَيْر؛ لاختلاف معنييهما إذ الأولى تبعيضية وهذه لابتداء الغاية.
وإنما رفعت هذه المنفيات الثلاثة مع أن المقامَ يقتضي التعميم - والمناسب له
الفتح - لأن الكلام على تقدير: هل بيعٌ فيه أو خلةٌ أوشفاعة؟ والبيع وأخواه فيه
مرفوعة، فناسب رفعها في الجواب، مع حصول العموم في الجملة، وإن لم يكن
بمثابة العموم الحاصل على تقدير الفتح، وقد فتحها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب(١)
على الأصلِ في ذِكْر ما هو نصٌّ في العموم، كذا قالوا. ولعل الأوجَّه القولُ بأن
الرفع لضعف العموم في غالبها - وهو: الخلة والشفاعة - للاستثناء الواقع في بعض
الآيات، والمغلوب منقادٌ لحكم الغالب.
(١) التيسير ص٨٢، والنشر ٢١١/٢.

سُورَةُ الْبَنْدَة
٣٨٦
الآية : ٢٥٥
وأما ما قالوه فَيَرِدُ عليه: أن ما بعد (يوم)) جملةٌ وقعت بعد نكرة، فهي صفةٌ غيرُ
مقطوعة، ولا يقدَّر بين الصفة والموصوف - إذا لم يكن قطعٌ - سؤالٌ قطعاً. واعتبارُ
كون النكرة موصوفةً بما يُفهمه التنوين من التعظيم، فتقدَّر الجملة صفةً مقطوعةً تحقيقاً
لذلك وتقريراً له، فيصح تقدير السؤال حينئذ = مما لا يكاد يقبله الذهن السليم.
﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ أي: المستحقُّون لإطلاق هذا الوصف عليهم
لتناهي ظلمهم، والجملة معطوفة على محذوف، أي: فالمؤمنون المنفقون(١) موفون
والكافرون ... إلخ، والمراد بهم تاركو الإنفاق رأساً، وعبّر عن التارك بالكافر
تغليظاً، حيث شبّه فِعْلُه - وهو تركُ الإنفاق - بالكفر، أو جُعِلَ مشارفةً عليه، أو عبِّر
بالملزوم عن اللازم، فهو إما استعارةٌ تبعيةٌ، أو مجازُ مشارفة، أو مجازٌ مرسلٌ، أو
كنايةٌ، ومثل ذلك وَضْعُ مَن كفر موضعَ مَن لم يحجَّ آخر آية الحج(٢) .
وبعضهم لم يَتَجوَّز بالكفر، وقال: إنه عبارة عن الكفر بالله تعالى حقيقة،
وفائدة الإخبار حينئذ الإشارة إلى أن نفي تلك الأشياء بالنسبة إليهم، وأن ذلك
لا يعدُّ منَّا ظلماً لهم؛ لأنهم هم الظالمون لأنفسهم، المتسبِّيون لذلك.
﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ مبتدأ وخبر، والمراد: هو المستحق للعبودية لا غير.
قيل: وللناس في رفع الضمير المنفصل - وكذا في الاسم الكريم إذا حلَّ
محلَّه - أقوالٌ خمسة؛ قولان معتبران، وثلاثة لا معوَّل عليها، فالقولان المعتبران:
أحدهما أن يكون رفعه على البدلية، وثانيهما أن يكون على الخبرية، والأول هو
الجاري على ألسنة المُعْرِبين، وهو رأي ابن مالك، وعليه إما أن يقدَّر للأخير أوْ لا،
والقائلون بالتقدير اختلفوا؛ فِمن مقدِّرٍ أمراً عامًا كالوجود والإمكان، ومن مقدِّرٍ
أمراً خاصًّا ك : لَنا وللخَلق. واعتُرِض تقدير العامّ بأنه يلزم منه أحد المحذورين:
إما عدم إثبات الوجود بالفعل لله تعالى شأنُه، وإما عدم تنزيهه (٣) سبحانه عن إمكان
الشركة. وكذا تقديرُ الخاصِّ يَرِدُ عليه أنه لا دليل عليه، أو فيه خفاء.
(١) في (م): المتقون.
(٢) يريد قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَّنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَبِىُّ عَنٍ
الْعَلَيِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
(٣) في (م): تنزهه.

الآية : ٢٥٥
٣٨٧
سُورَةُ الْبَقَة
ويمكن الجواب باختيار تقديره عامًّا، ولا محذور، أما على تقدير الوجود فلأنَّ
نفي الوجود يستلزم نفي الإمكان؛ إذ لو اتصف فردٌ آخر بوجوب الوجود لوُجد
ضرورةً، فحيث لم يوجد عُلم عدمُ اتِّصافه به، وما لم يتصف بوجوب الوجود لم
يمكن أن يتصف به؛ لاستحالة الانقلاب.
وأما على تقدير الإمكان فلأنَّا نقول: قد ظهر أنَّ إمكان اتصاف شيء بوجوب
الوجود يستلزم اتصافَه بالفعل بالضرورة، فإذا استفيد إمكانُه يستفاد وجوده أيضاً، إذ
كلُّ ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود، على أنه قد ذكر غير واحد أن
نفي وجود إله غيره تعالى يجوز أن يكون مرتبةً من التوحيد يُناط بها الإسلام،
ويُكْتَفَى بها من أكثر العوامِّ، وإن لم يعلموا نفي إمكانه، سيَّما مع الغفلة وعدم
الشعور به، فلا يَضرُّ عدمُ دلالة الكلمة عليه، بل قال بعضهم: إن إيجاب النفي جاء
والآلهة غير الله تعالى موجودة، وقد قامت عبادتها على ساق، وعكَف عليها
المشركون في سائر الآفاق، فأمر الناس بنفي وجودها من حيث إنها آلهة حقّةٌ، ولو
كان إذ ذاك قوم يقولون بإمكان وجود إلهٍ حقِّ غيرِه تعالى لكنه غير موجود أصلاً،
لأمروا بنفي ذلك الإمكان، ولا يخفى أن هذا ليس من المتانة بمكان.
ويمكن الجواب باختيار تقديره خاصًّا بأن يكون ذلك الخاصُّ مستحقًّا للعبادة،
والمقامُ قرينةٌ واضحة عليه. واعتُرض بأنه لا يدل على نفي التعدُّد، لا بالإمكان
ولا بالفعل؛ لجواز وجود إله غيره - سبحانه - لا يستحقُّ العبادة، وبأنه يمكن أن
يقال: إن المراد إمَّا نفي المستحق غيره تعالى بالفعل أو الإمكان، والأولُ لا ينفي
الإمكان، والثاني لا يدل على استحقاقه تعالى بالفعل. وأجيبَ بأنَّ من المعلوم بأن
وجوب الوجود مبدأ جميع الكمالات، فلا ريب أنه يوجب استحقاقَ التعظيم
والتبجيل، ولا معنى لاستحقاق العبادة سواه، فإذا لم يَستحقَّ غيرُه تعالى للعبادة لم
يوجد غيره تعالى، وإلا لاستحق العبادة قطعاً، وإذا لم يوجد لم يكن ممكناً أيضاً
على ما أُشيرَ إليه، فثبت أنَّ نفي الاستحقاق يستلزمُ نفي التعدُّد مطلقاً .
والقائلون بعدم تقدير الخبر ذهب الأكثرُ منهم إلى أن ((لا)) هذه لا خبر لها.
واعتُرض بأنه يلزم حينئذ انتفاء الحكم والعقد، وهو باطل قطعاً ضرورةً اقتضاء
التوحيد ذلك. وأجيب بأن القول بعدم الاحتياج لا يُخرِج المرگَّب من ((لا)) واسمِها

سُورَةُ الْبَحْمَة
٣٨٨
الآية : ٢٥٥
عن العقد؛ لأن معناه: انتفى هذا الجنس من غير هذا الفرد، و((إلا)) عند هؤلاء
بمعنى ((غير)) تابعة لمحلِّ اسم ((لا))، وظهر إعرابها فيما بعدها، ولا مجال لجعلها
للاستثناء؛ إذ لو كانت له لَمَا أفاد الكلام التوحيد؛ لأن حاصله حينئذ: أن هذا
الجنس على تقدير عدم دخول هذا الفرد فيه منتفٍ، فيفهم منه عدمُ انتفاءِ أفراد غير
خارج عنها ذلك، وهو بمعزل عن التوحيد كما لا يخفى.
واستشكل الإبدال من جهتين:
الأول: أنه بدلُ بعضٍ، ولا ضمير للمبدل منه وهو شرطٌ فيه.
الثاني: أن بينهما مخالفة، فإن البدل موجَبٌ والمبدل منه منفي؟
وأجيب عن الأول: بأن ((إلا)) تغني عن الضمير لإفهامها البعضيَّة. وعن الثاني
بأنه بدلٌ عن الأول في عمل العامل، وتخالُفُهما في الإيجاب والنفي لا يمنع
البدلية، على أنه لو قيل: إن البدل في الاستثناء على حدة، لم يبعد.
والثاني من القولين الأوَّلَيْنِ، وهو القول بخبريةٍ ما بعد ((إلا))، ذهب إليه
جماعةٌ. وضعِّف بأنه يلزم عمل ((لا) في المعارف، وهي لا تعمل فيها، وبأن
اسمها عامّ وما بعد ((إلا)) خاصٌّ، فكيف يكون خبراً، وقد قالوا بامتناع: الحيوان
إنسان.
أجيب عن الأول: بأن ((لا)) لا عمل لها في الخبر على رأي سيبويه (١)، وأنه
حين دخولها مرفوعٌ بما كان مرفوعاً به قبلُ، فلم يلزم عملُها في المعرفة، وهو
كما ترى.
وعن الثاني: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ في التركيب قد أُخبر بالخاصِّ عن العامِّ؛ إذ
العموم منفيٌّ والكلام مسوق العموم، والتخصيص بواحد من أفراد ما دلَّ عليه
العام، وفيه ما فيه.
وأما الأقوال الثلاثة التي لا يعوّل عليها :
فأولها: أن ((إلا)) ليست أداة استثناء، وإنما هي بمعنى ((غير))، وهي مع اسمه
(١) ينظر الكتاب ٢٧٤/٢ وما بعدها.

الآية : ٢٥٥
٣٨٩
سُورَةُ الْبَحْرَة
تعالى شأنُه صفةٌ لاسم (١) ((لا)) باعتبار المحل، والتقدير: لا إله غيرُ اللهِ تعالى في
الوجود.
وثانيها: قد نسب للزمخشري (٢): أن ((لا إله)) في موضع الخبر، و((إلا))
وما بعدها في موضع المبتدأ، والأصل: هو - أو: الله - إلهٌ، فلما أريد قَصْرُ الصفة
على الموصوف، قُدم الخبر وقرن المبتدأ بـ ((إلا))؛ إذ المقصور عليه هو الذي يلي
(إلا))، والمقصور هو الواقع في سياق النفي، والمبتدأ إذا اقترن بـ ((إلا)) وجَّب
تقدیم الخبر علیه، کما قرّر في موضعه.
وثالثها: أن ما بعد ((إلا)) مرفوع بـ ((إله)) كما هو حال المبتدأ إذا كان وصفاً؛
لأن إلهاً بمعنى مألوه، فيكون قائماً مقام الفاعل وسادًّا مسدَّ الخبر، كما في:
ما مضروبُ العَمْرَانِ.
ويَرِدُ على الأول أن فيه خلَلاً من جهة المعنى؛ لأن المقصود من الكلمة
أمران: نفي الإلهية عن غيره تعالى، وإثباتها له سبحانه، وهذا إنما يتمُّ إذا كان
((إلا)) فيها للاستثناء؛ إذ يستفاد النفي والإثبات حينئذٍ بالمنطوق، وأما إذا كانت
بمعنى غير فلا يفيد الكلام بمنطوقه إلا نفي الإلهيَّة عن غيره تعالى، وأما إثباتها له
عزَّ اسمُه فلا يستفاد من التركيب، واستفادته من المفهوم لا تكاد تقبل؛ لأنه إن كان
مفهومَ لقبٍ فلا عبرةً به ولو عند القائلين بالمفهوم؛ إذ لم يقل به إلا الدَّقاق(٣)
وبعضُ الحنابلة، وإن كان مفهومَ صفةٍ فمِن البيِّن أنه غير مُجْمَعٍ عليه.
ويَرِدُ على الثاني أنه مع ما فيه من التمثّل يلزم منه أن يكون الخبر مبنيًّا مع
((لا))، وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ، وأيضاً لو كان الأمر كما ذكر لم يكن لنصب
الاسم الواقع بعد ((إلا)) في مثل هذا التركيب وجه، وقد جوَّزه فيه جماعة.
وعلى الثالث: أنَّا لا نسلِّم أن إلهاً وَضْفٌ، وإلا لوجب إعرابه وتنوينه، ولا قائل به.
(١) في(م): لا اسم.
(٢) ذكره عنه الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ٢/ ٣٣٣ وقال: وله في ذلك رسالة ..
(٣) هو محمد بن محمد بن جعفر البغدادي، أبو بكر الدقاق، ولد (٣٠٦هـ)، كان فقيهاً أصولياً،
له كتاب في الأصول على مذهب الشافعي. توفي سنة (٣٩٢هـ). طبقات الشافعية لابن
قاضي شهبة ١/ ١٥٥.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٩٠
الآية : ٢٥٥
هذا ولي إنْ شاء اللهُ تعالى عودةٌ بعد عودة إلى ما في هذه الكلمة الطيِّبة من
الكلام.
وفي قوله تعالى: ﴿آلْعَىُّ﴾ سبعةُ أوجهٍ من وجوه الإعراب:
الأول: أن يكون خبراً ثانياً للفظ الجلالة.
الثاني: أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي: هو الحي.
الثالث: أن يكون بدلاً من قوله سبحانه: ((لا إله إلا هو)).
الرابع: أن یکون بدلاً من «هو» وحده.
الخامس: أن يكون مبتدأ خبره: ((لا تأخذه)).
السادس: أنه بدل من الله.
السابع: أنه صفة له، ويعضده القراءة بالنصب(١) على المدح لاختصاصه بالنعت.
وفي أصله قولان: الأول: أن أصله حَيْيٌ بياءين من: حَيِيَ يَحْيا. والثاني: أنه
حَيْوٌ، فقلبت الواو المتطرفة المنكسرُ ما قبلها ياء، ولذلك كتبوا الحياة بواو في
رسم المصحف، تنبيهاً على هذا الأصل، ويؤيده ((الحيوان)) لظهور هذا الأصل فيه.
ووزنه قيل: فَعْلٌ، وقيل: فَيْعِل، فخفف كَمَيْت في ميِّت.
والحياة عند الطبيعي: القوةُ التابعة للاعتدال النوعي التي تفيض عنها سائر
القوى الحيوانية، أو قوة التغذية، أو قوة الحسِّ، أو قوةٌ تقتضي الحسَّ والحركة،
والكلُّ مما يمتنع اتصاف الله تعالى به لأنه من صفات الجسمانيات، فهي فيه سبحانه
صفةٌ موجودةٌ حقيقيةٌ قائمةٌ بذاته لا يُكتنه كُنْهُها ولا تُعلم حقيقتها - كسائر صفاته جلَّ
شأنه - زائدةٌ على مجموع العلم والقدرة، وليست نفس الذات حقيقة ولا ثابتة،
لا موجودة ولا معدومة، كما قيل بكلِّ، فالحيُّ ذاتٌ قامت به تلك الصفة.
وفسَّره بعض المتكلمين: بأنه الذي يصحُّ أن يعلم ويقدر.
واعترضه الإمام (٢) بأن هذا القدر حاصلٌ لجميع الحيوانات، فكيف يَحْسُنُ أن
(١) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٥ عن الحسن.
(٢) هو الفخر الرازي، والكلام في تفسيره ٧/ ٧-٨.

الآية : ٢٥٥
٣٩١
سُوَّةُ الْبََّة
يمدح الله تعالى نفسه بصفة يشاركه بها أخسُّ الحيوانات؟ ثم قال: والذي عندي في
هذا الباب أن الحيَّ في أصل اللغة ليس عبارةً عن نفس هذه الصحة، بل كلُّ شيءٍ
كان كاملاً في جنسه يسمَّى حيًّا، ألا ترى أن عمارة الأرض الخربة تسمَّى إحياء
الموات، والصفةُ المسمّاة في عُرف المتكلِّمينَ حياةً إنما سميت بها لأن(١) كمالَ
الجسم أن يكون موصوفاً بتلك الصفة فلا جَرَم سمّيت تلك الصفة حياة، وكمالَ
حال الأشجار أن تكون مُورقةً خضرة فلا جرم سميت هذه الحال حياة، فالمفهوم
الأصلي من الحيّ کونه واقعاً علی أکمل أحواله وصفاته، وإذا كان كذلك زال
الإشكال؛ لأن المفهوم من الحيِّ هو الكامل، ولمَّا لم يكن ذلك مقيَّداً دلَّ على أنه
كاملٌ على الإطلاق، والكامل كذلك مَن لا يكون قابلاً للعدم، لا في ذاته ولا في
صفاته الحقيقية، ولا في صفاته السلبية والإضافية. انتهى.
ولا يخفى أنه صرحٌ ممرَّدٌ من قوارير:
أما أولاً: فلأن قوله: إنَّ الحيَّ بمعنى الذي يصح أن يَعْلَمَ ويقدر مما يشترك به
سائر الحيوانات فلا يحسن أن يمدح الله تعالى به نفسه. في غاية السقوط؛ لأنه إن
أراد الاشتراك في إطلاق اللفظ فليس الحيُّ وحده كذلك، بل السميع والبصير أيضاً
مثله في الإطلاق على أخسِّ الحيوانات، وقد مدح الله تعالى بهما نفسَه ولم
يستشكل ذلك أهلُ السُّنة، وإن أراد الاشتراك في الحقيقة فمعاذ الله تعالى من ذلك؛
إذ الاشتراك فيها مستحيلٌ بين التراب وربِّ الأرباب، وبين الأزلي والزائل، ومتى
قلت: إن الاشتراك في إطلاق اللفظ يوجب ذلك الاشتراك حقيقة ولا مَناص عنه
إلا بالحمل على المجاز، لزمك مثل ذلك في سائر الصفات، ولا قائل به من أهل
السنة .
وأما ثانياً: فلأن كون الحياة في اللغة بمعنى الكمال مما لم يثبت في شيء من
كتب اللغة أصلاً، وإنما الثابت فيها غير ذلك، ووَصْفُ الجمادات بها إنما هو على
سبيل المجاز دُون الحقيقة كما وهم.
فإن قال: إنها مجاز في الله تعالى أيضاً بذلك المعنى، عاد الإشكال بحصول
الاشتراك في الكمال مع الجمادات فضلاً عن الحيوان.
(١) في الأصل و(م): لأنها، والمثبت من تفسير الرازي.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٩٢
الآية : ٢٥٥
فإن قال: كمالُ كلِّ شيءٍ بالنسبة إلى ما يَليق به. قلنا: فحياة كلِّ حيٍّ حقيقةٌ
بالنسبة إلى ما يليق به، وليس كمثل الله تعالى شيء.
وكأني بك تفهم من كلامي الميل إلى مذهب السلف في مثل هذه المواطن،
فليكن ذلك فَهُمُ القومُ كلُّ القوم:
ويا حبذا مِندٌ وأرضٌ بها هندُ(١)
والزمخشريُّ (٢) فسَّر الحيَّ بالباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء، وجعلوا
ذلك منه تفسيراً بما هو المتعارف من كلام العرب، وأرى أن في القلب منه شيء،
ولعلّي من وراء المنع لذلك، نعم روي عن قتادة: أنه الذي لا يموت. وهو
ليس بنصٍّ في المذَّعَى.
﴿اَلْقَيُمْ﴾ صيغة مبالغة للقيام، وأصله: (قَيْوُوم)) على ((فَيْعُول))، فاجتمعت الواو
والياء وسُبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياءً وأدغمت، ولا يجوز أن يكون
((فَقُولاً)) وإلا لكان ((قوُّوماً)) لأنه واويٌّ، ويجوز فيه ((قَيَّام)) و((قيِّم)) وبهما قرئ،
وروي أولهما عن عمر ظ ◌ُه، وقرئ: ((القائم)) و((القيوم)) بالنصب(٣).
ومعناه كما قال الضحاك وابن جبيرٍ: الدائم الوجود. وقيل: القائم بذاته.
وقيل: القائم بتدبير خَلْقِهِ، من إنشائهم ابتداءً، وإيصالِ أرزاقهم إليهم، وهو المرويُّ
عن قتادة. وقيل: هو العالِمُ بالأمور، من قولهم: فلان يقوم بالكتاب، أي: يعلم
ما فيه.
وقال بعضهم: هو الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه.
وذكر الراغب(٤) أنه يقال: قام كذا، أي: دام، وقام بكذا، أي: حَفِظَه،
(١) وعجزه: وهند أتى من دونها النأي والبعد، والبيت للحطيئة، وهوفي ديوانه ص٣٩ برواية:
ألا حبذا ... ، وسلف ٤٣٨/١.
(٢) في تفسيره ٣٨٤/١.
(٣) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ١٥، وتفسير الرازي ٨/٧، والإملاء ٥٠١/١،
والبحر ٢٧٧/٢.
(٤) في مفرداته (قوم)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٣٤/٢.

الآية : ٢٥٥
٣٩٣
سُورَةُ الَقَة
والقيوم: القائم الحافظ لكلِّ شيء، والمعطي له ما به قوامه. والظاهر منه أن القيام
بمعنى الدوام، ثم يصير بالتعدية بمعنى الإدامة وهو الحفظ، فأُورِدَ عليه أن المبالغة
ليست من أسباب التعدية، فإذا عَرِيَ القيوم عن أداتها كان بمعنى اللازم، فلا يصحُّ
تفسيره بالحافظ، ثم إن المبالغة في الحفظ، كيف تفيد إعطاء ما به القوام؟ ولعله
من حيث إن الاستقلال بالحفظ إنما يَتحقق بذلك كما لا يخفى.
وأُورد على تفسيره بنحو القائم بذاته: أن يكون معنى ((قيوم السماوات
والأرض)) الوارد في الأدعية المأثورة: واجب السماوات والأرض، وهو كما ترى،
فالظاهر أنه فيه بمعنّى آخر مما يليق؛ إذ لا يصح ذلك إلا بنوعٍ تمخُّلٍ .
وذهب جمعٌ إلى أن ((القيوم)) هو اسم الله تعالى الأعظم، وفسَّره هؤلاء بأنه
القائم بذاته والمقوِّم لغيره، وفسّروا القِيام بالذات بوجوب الوجود المستلزِم لجميع
الكمالات، والتَّتَزُّوِ عن سائر وجوه النقص، وجعلوا التقويم للغير متضمناً جميع
الصفات الفعلية، فصحَّ لهم القول بذلك.
وأغربُ الأقوال أنه لفظّ سرياني، ومعناه بالسريانية: الذي لا ينام، ولا يخفى
بُعدُه؛ لأنه يتكرر حينئذٍ في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُمُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ .
(السِّنةُ)) بكسر أوله: فتورٌ يتقدم النومَ وليس بنوم؛ لقول عدي بن الرقاع:
في عَيْنهِ سِنَةٌ ولَيسَ بنائِمٍ(١)
وَسْنانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ
والنوم بديهيُّ التصور يَعرِض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات
الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقفُ الحواسُّ الظاهرة عن الإحساس رَأساً. وزعم
السيوطيُّ في بعض رسائله أن سببه شَمُّ هواء يهبُّ من تحت العرش، ولعله أراد:
تصاعد الأبخرة من المعدة تحت القلب الذي هو عرش الروح، وإلا فلا أَعْقِلُه.
وتقديم السِّنة عليه - وقياسُ المبالغة يقتضي التأخير - مراعاة للترتيب الوجودي،
فلتقدُّمها على النوم في الخارج قدِّمت عليه في اللفظ.
وقيل: إنه على طريق التتميم، وهو أبلغ لما فيه من التأكيد؛ إذ نفيُ السُّنة
(١) الكامل للمبرد ١٩٣/١، والأغاني ٣١١/٩، واللسان (رنق) وفيه: رنق النوم في عينه:
خالطها. وقال المبرد: رَّقت معناه: تهيأت.

سُورَةُ البََّقَة
٣٩٤
الآية : ٢٥٥
يقتضي نفي النوم ضمناً، فإذا نفي ثانياً كان أبلغ. ورُدَّ بأنه إنَّما هو على أسلوب
الإحاطة والإحصاء، وهو متعيِّنٌ فيه مراعاةُ الترتيب الوجودي، والابتداءُ من
الأخفِّ فالأخف، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ﴾ [الكهف: ٤٩]
ولهذا توسطت كلمة ((لا)) تنصيصاً على الإحاطة وشمول النفي لكلٍّ منهما.
وقيل: إن تأخير النوم رعاية للفواصل. ولا يخفى أنه من ضِيْقِ العطن.
وقال بعض المحققين(١): هذا كلُّه إنما يحتاج إليه إذا أُخِذَ الأَخْذُ بمعنى
العُروض والاعتراء، وأما لو أخذ بمعنى القهر والغلبة كما ذكره الراغبُ(٢) وغيرُه
من أئمة اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْذَ عَزِيزٍ تُقْنَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] فالترتيب على
مقتضى الظاهر؛ إذ يكون المعنى: لا تغلبه السُّنة ولا النوم الذي هو أكثر غلبةً منها.
والجملة نفي للتشبيه، وتنْزيهٌ له تعالى أن يكون له مثلٌ من الأحياء؛ لأنها
لا تخلو من ذلك فكيف تشابهه؟ وفيها تأكيد لكونه تعالى حيًّ قيوماً، لأنَّ النوم آفة
تنافي دوام الحياة وبقاءها، وصفاته تعالى قديمةٌ لا زوال لها، ولأن من يعتريه النومُ
والغَلبة لا يكون واجبَ الوجود دائمَه، ولا عالماً مستمرَّ العلم، ولا حافظاً قويّ
الحفظ، وأخرج ابن أبي حاتم وغيرُه عن ابن عباس ◌ًّا: أن بني إسرائيل قالوا: يا
موسى هل ينام ربُّك؟ قال: اتقوا الله تعالى. فناداه ربُّه: يا موسى، سألوك هل ينام
ربك، فخذْ زجاجتين في يديك، فقم الليل. ففعل موسى، فلمَّا ذهب من الليل ثلثٌ
نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت
الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى، لو كنت أنام لسقطتِ السماوات والأرض
فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك(٣).
ولما فيها من التأكيد - كالذي بعدها - تُرِكَ العاطف فيها، وهي إما استئنافيةٌ
لا محل لها من الإعراب، وإما حالٌ مؤكّدة من الضمير المستكنِّ في ((القيوم»،
وجوِّز أن تكون خبراً عن ((الحي))، أو عن الاسم الجليل.
(١) هو الإمام السبكي كما ذكره صاحب حاشية الشهاب ٢/ ٣٣٤.
(٢) في مفردات ألفاظ القرآن (أخذ).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٤٨٨/٢ (٢٥٨٤)، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ١٠٢/١،
والطبري ٤/ ٥٣٤، والخطيب في تاريخه ٢٦٨/١ -٢٦٩.

الآية : ٢٥٥
٣٩٥
سُورَةُ الْبَّرَة
﴿لَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ﴾ تقرير (١) لقيوميته تعالى، واحتجاجٌ على تفرُّده
في الألوهية(٢)، والمراد بما فيهما ما هو أعمُّ من أجزائهما الداخلة فيهما ومن
الأمور الخارجة عنهما المتمكّنةِ فيهما من العقلاء وغيرهم، فيُعلم من الآية نفيُ
كون الشمس والقمر وسائر النجوم والملائكة والأصنام والطواغيت آلةً مستحِقَّةً
للعبادة .
﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ،﴾ استفهامٌ إنكاري ولذا دخلت ((إلا))،
والمقصود منه بيان كبرياء شأنه تعالى، وأنه لا أحد يُساويه أو يُدَانيه بحيث يستقلُّ
أن يدفع ما يريده دفعاً على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع، فضلاً عن أن
يَستقلَّ بدفعه عناداً أو مناصَبةً وعداوة، وفي ذلك تأييسٌ للكفَّار، حيث زَعَموا أن
آلهتهم شفعاءُ لهم عند الله تعالی.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: أمر الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: أمر الآخرة؛ قاله
مجاهد وابن جريج وغيرُهما، وروي عن ابن عباس ﴿ها وقتادة عكسُ ذلك.
وقيل: يعلم ما كان قبلهم وما كان بعدهم. وقيل: ما بين أيديهم من خيرٍ أو
شرّ، وما خلفهم مما فعلوه كذلك. وقيل: ما يُدركونه وما لا يدركونه، أو
ما یحسونه ويعقلونه. والكلُّ محتمل، ووجه الإطلاق فیه ظاهرٌ.
وضمير الجمع يعود على ((ما في السماوات)) إلخ، إلا أنه غلّب مَن يعقل على
غيره، وقيل: للعقلاء في ضمنه، فلا تغليب. وجوِّز أن يعود على ما دل عليه ((مَن
ذا)) من الملائكة والأنبياء، وقيل: الأنبياء خاصَّة.
والعلمُ بما بين أيديهم وما خلفهم كنايةٌ عن إحاطة علمه سبحانه. والجملة
إما استئناف، أو خبر عما قبل، أو حال من ضمير ((يشفع))، أو من المجرور في ((بإذنه).
﴿وَلَا يُحِطُونَ بِشَىْءٍ مِنْ عِلِيِهِ،﴾ أي: معلومِه، كقولهم: اللهم اغفر لنا علمك
فينا، والإحاطة بالشيء عِلْماً: عِلْمُه كما هو على الحقيقة. والمعنى: لا يعلم أحدٌ
من هؤلاء كُنَّهَ شيءٍ ما من معلوماته تعالى ﴿إِلَّا بِمَا شَآءٌ﴾ أن يُعلم.
(١) في (م): تقريراً.
(٢) في (م): الإلهية.

سُوَّةُ الْبََّقَة
٣٩٦
الآية : ٢٥٥
وجوِّز أن يراد من ((عِلْمِه)): معلومُه الخاص، وهو كلُّ ما في الغيب ﴿فَلَ يُظْهِرُ
عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٨َ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧].
وعطفت هذه الجملة على ما قبلها لمغايرتها له؛ لأن ذلك يُشعر بأنه سبحانه
يعلم كل شيء، وهذه تفيد أنه لا يعلم (١) غيرُه، ومجموعهما دالٌّ على تفرده تعالى
بالعلم الذاتي الذي هو من أصول صفات الكمال التي يجب أن يتصف الإله تعالى
شأنُه بها بالفعل.
﴿وَمِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ﴾ الكرسيُّ: جسم بين يدي العرش محيطٌ
بالسماوات السبع، وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ًا قال: لو
أن السماوات السبع والأرضين السبع بُسطن ثم وصِلن بعضهن إلى بعض، ما كنَّ
في سَعَته - أي: الكرسي - إلا بمنزلة الحلقة في المفازَةِ(٢).
وهو غير العرش كما يدل عليه ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن
أبي ذرِّ أنه سأل النبيَّ وَّر عن الكرسي فقال: ((يا أبا ذر، ما السَّماواتُ السَّبعُ و
الأرضونَ السبعُ عند الكرسيِّ إلَّا كحَلْقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فَلاةٍ، وإن فضل العرش على
الكرسيِّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة)»(٣).
وفي رواية الدارقطني والخطيب عن ابن عباس عًا: قال: سئل النبيُّ وَلّ عن قوله
تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ إلخ. قال: ((كرسيُّه موضعُ قدميه، والعرشُ لا يُقْدَرُ قَدْرُه)(٤).
وقيل: هو العرش نفسه، ونسب ذلك إلى الحسن. وقيل: قدرة الله تعالى.
وقيل: تدبيره. وقيل: ملك من ملائكته.
(١) في(م): يعلمه .
(٢) الدر المنثور ١/ ٣٢٨، وفيه: ابن أبي حاتم، بدل: ابن جرير، وهو في تفسير ابن أبي حاتم
٤٩١/٢.
(٣) الدر المنثور ٣٢٨/١، وهو بهذا اللفظ في العظمة (٢٦١)، وصحيح ابن حبان (٣٦١)،
والأسماء والصفات (٨٦١) و(٨٦٢) وبنحوه في تفسير الطبري ٥٣٩/٤.
(٤) لم نقف عليه عند الدارقطني، وهو في تاريخ بغداد ٢٥١/٩، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي
في العلل (٤). وأخرجه موقوفاً على ابن عباس عبد الرزاق في التفسير ٢٥١/٢، والحاكم
٢٨٢/٢، وهو الصحيح كما قال ابن الجوزي.

الآية : ٢٥٥
٣٩٧
سُورَةُ الْبَوَة
وقيل: مجاز عن العلم من تسمية الشيء بمكانه؛ لأن الكرسي مكان العالم الذي
فيه العلم، فيكون مكاناً للعلم بتبعيته؛ لأن العَرَض يتبع المحلَّ في التحيُّز، حتى ذهبوا
إلی أنه معنی قیام العرض بالمحل(١)، وحکي ذلك عن ابن عباس
وقيل: عن الملك؛ أخذاً من كرسي الملك.
وقيل: أصل الكرسي ما يُجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، والكلام
مساقٌ على سبيل التمثيل لعظمته تعالى شأنه وسعة سلطانه وإحاطةٍ علمه بالأشياء
قاطبة، ففي الكلام استعارة تمثيلية، وليس ثمةً كرسيٍّ ولا قاعد ولا قعود، وهذا
الذي اختاره الجم الغفير من الخَلَف، فراراً من توهم التجسيم، وحملوا الأحاديث
التي ظاهرها حملُ الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك، لا سيَّما الأحاديث
التي فيها ذكر القدَم كما قدَّمنا، وكالحديث الذي أخرجه البيهقيُّ وغيره عن
أبي موسى الأشعري: الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيط الرَّحْل(٣). وفي
رواية عن عمر مرفوعاً: ((له أطيطٌ كأطيط الرَّحْل الجديد إذا رَكِبَ عليه من يثقله،
ما يفضل منه أربع أصابع)»(٤).
(١) في الأصل: في المحل.
(٢) أخرجه الطبري ٤/ ٥٣٧ ورجحه.
(٣) الأسماء والصفات (٨٥٩)، وأخرجه أيضاً الطبري ٥٣٨/٤ كلاهما عن أبي موسى
موقوفاً .
(٤) أخرجه البزار في مسنده (٣٢٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٤)، والطبري ٤/ ٥٤٠،
وأبو الشيخ في العظمة (٢٦٣)، وابن الجوزي في العلل (٣)، والضياء في المختارة (١٥٣)
من طريق عبد الله بن خليفة، عن عمر، عن النبي ◌َ*، وليس عند البزار وابن أبي عاصم
قوله: ((ما يفضل ... )).
وذكره البزار إثر الحديث (٣٢٥) من طريق عبد الله بن خليفة عن عمر ظه موقوفاً. وأخرجه
الطبري ٤/ ٥٤٠، وأبو الشيخ (٢٦٢)، وابن الجوزي في العلل (٢) عن عبد الله بن خليفة
مرسلاً.
قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وَله، وإسناده مضطرب جدًّا .. وتارة
يرويه ابن خليفة عن عمر عن رسول الله والقر، وتارة يقفه على عمر، وتارة يوقف على ابن
خليفة، وتارة يأتي: فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع، وتارة يأتي: فما يفضل منه مقدار
أربع أصابع، وكل هذا تخليط من الرواة، فلا يعوّل عليه.
فـ

سُورَةُ الْجَنَة
٣٩٨
الآية : ٢٥٥
وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكليّة، فالحقُّ
أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة، وتوهُّمُ التجسيم لا يعبأ به، وإلا للزم
نفي الكثير من الصفات، وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له.
وأكثر السّلف الصالح جعَلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علماً،
وفوَّضوا علمَه إلى الله تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه.
والقائلون بالمظاهر من ساداتنا الصوفية قدَّس اللهُ تعالى أسرارهم لم يُشْكِل عليهم
شيءٌ من أمثال ذلك، وقد ذكر بعضُ العارفين منهم: أن الكرسي عبارةٌ عن تجلِّي
جملة الصفات الفعلية، فهو مَظْهَرٌ إلهيٌّ ومحلُّ نفوذ الأمر والنهي والإيجاد والإعدام
المعبَّر عنهما بالقدمين، وقد وسع السماوات والأرض وسع وجود عيني ووسع
حكمي؛ لأن وجودهما المقيّد من آثار الصفات الفعلية التي هو مظهرٌ لها، وليست
القدمان في الأحاديث عبارةً عن قدمي الرِّجلين ومحلِّ النعلين تعالى اللهُ سبحانه عن
ذلك علوّاً كبيراً، ولا (الأطيطُ)) عبارة عما تسمعه وتفهمه في الشاهد، بل هو - إن لم
تفوِّض علمَه إلى العليم الخبير - إشارةٌ إلى بروز الأشياء المتضادّة، أو اجتماعها في
ذلك المظهر الذي هو منشأ التفصيل والإبهام، ومحلُّ الإيجاد والإعدام، ومركزُ
الضرِّ والنفع، والتفريق والجمع، ومعنى ((ما يفضل منه إلا أربع أصابع)) إن كان
الضمير راجعاً إلى الرَّحْل ظاهرٌ، وإن كان راجعاً إلى الكرسي فهو إشارة إلى وجود
حضراتٍ هي مظاهرُ لبعض الأسماء لم تبرز إلى عالم الحسِّ، ولا يمكن أن يراها
إلا من وُلد مرّتين، وليس المراد من الأصابع الأربع ماتعرفه من نفسك، وللعارفين
في هذا المقام كلامٌ غير هذا، ولعلنا نشير إلى بعض منه إن شاء الله تعالى.
ثم المشهور أن الياء في الكرسي لغير النسب، واشتقاقه من الكَرْس - وهو
الجمع - ومنه الكُرَّاسة للصحائف الجامعة للعلم، وقيل: كأنه منسوب إلى
الكِرْس - بالكسر - وهو الملبَّد. وجمعه كراسيُّ كُبُختيٍّ وبَخَاتيّ(١)، وفيه لغتان:
ضُّ کافه وهي المشهورة، وکسرُها لإتباع.
والجمهور على فتح الواو والعين، وكسر السين في ((وَسِعَ)) على أنه فعل
(١) وهي الإبل الخراسانية. المعجم الوسيط (بخت).

الآية : ٢٥٥
٣٩٩
سُؤَةُ البَرَة
و((الكرسي)) فاعلُه، وقرئ بسكون السين مع كسر الواو(١)، كعَلْمَ في عَلِمَ. ويفتح
الواو وسكون السين ورفع العين مع جرِّ(كرسيه)) ورفع ((السماوات))، فهو حينئذ
مبتدأ مضاف إلى ما بعده و((السموات والأرض)، خبره(٢).
﴿وَلَا يَتُودُ﴾ أي: لا يُثقله كما قال ابن عباس ظها، وهو مأخوذ من الأَوْد
بمعنى الاعوجاج، لأن الثقيل يميلُ له ما تحته، وماضيه آدَ، والضمير لله تعالى،
وقيل: للكرسيّ.
﴿حِفْظُهُمَا﴾ أي: السماوات والأرض، وإنما لم يتعرَّض لذكر ما فيهما لما أن
حِفظَهما مستتبعٌ لحفظه، وخصّهما بالذِّكر دون الكرسي لأن حفظهما هو المشاهَد
المَحسوس، والقول بالاستخدام ليدخل هو والعرش وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله
تعالی بعيدٌ.
﴿وَهُوَ اُلْعَلِىُّ﴾ أي: المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال والأضداد، وعن
أمارات النقص ودلالات الحدوث. وقيل: هو من العلوِّ الذي هو بمعنى القدرة
والسُّلطان والمُلك وعلوِّ الشأن والقهر والاعتلاء والجلال والكبرياء.
﴿الْعَظِيمُ ﴾﴾ ذو العظمة، وكلُّ شيء بالإضافة إليه حقير.
ولَمَّا جلِّيت على منصَّة هذه الآية الكريمة عرائسُ المسائل الإلهيّة، وأشرقت على
صفحاتها أنوارُ الصِّفات العليَّة، حيث جمعت أصولَ الصفات من الألوهيَّة
والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة، واشتملت على سبعةً عشر
موضعاً فيها اسم الله تعالى - ظاهراً في بعضها ومستتراً في البعض - ونطقت بأنه
سبحانه موجودٌ منفردٌ في ألوهيَّته، حيٍّ واجبُ الوجود لذاته، موجدٌ لغيره، منَزَّهُ عن
التحيُّز والحلول، مبرَّأ عن التغيُّر والفتور، لا مناسبةَ بينه وبين الأشباح، ولا يحلُّ
بساحة جلاله ما يعرِض للنفوس والأرواح، مالكُ الملك والملكوت، ومبدعُ الأصول
والفروع، ذو البطش الشديد، العالمُ وحدَه بجليّ الأشياء وخَفِيِّها، وكلِّيِّها وجزئيِّها،
واسعُ الملك والقدرة لكلِّ ما من شأنه أن يملك ويقدر عليه، لا يَشقُّ عليه شاٌّ
(١) كذا قيَّدها المصنف بكسر الواو، والصواب أنها بفتحها، ينظر البحر ٢٧٩/٢، والدر
المصون ٥٤٤/٢ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١٦، والبحر ٢/ ٢٧٩.

سُورَةُ الْبَحْمَة
٤٠٠
الآية : ٢٥٥
ولا يَثْقُلُ شيء لديه، متعالٍ عن كلِّ ما لا يليق بجنابه، عظيمٌ لا يستطيع طيرُ الفكرِ أن
يحوم في بيداء صفاتٍ قامت به = تفردت بقلائد فضلٍ خلت(١) عنها أجيادُ أخواتها
الچیاد، وجواهرٍ خواص تتهادى بها بین أترابها ولا کما تتهادی لبنی وسعاد.
أخرج مسلمٌ وأحمد وغيرهما عن رسول الله وَّر أنه قال: ((إنَّ أعظم آية في
القرآن آية الكرسي)»(٢).
وأخرج البيهقيُّ من حديث أنس مرفوعاً: ((مَن قرأ آية الكرسيِّ في دُبُر كلّ صلاةٍ
مكتوبةٍ حُفظ إلى الصلاة الأخرى، ولا يحافِظُ عليها إلا نبيٍّ أو صدِّيق أو شهيد))(٣).
وأخرج الديلمي(٤) عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنه قال: ((لو تعلمون ما فيها
لَمَا تركتُموها على حال، إن رسول الله وَ ﴿ه قال: «أُعْطِيتُ آية الكرسي من كْزِ تحتَّ
العرش لم يُؤتَها نبيٌّ قبلي)).
والأخبار في فضائلها(٥) كثيرة شهيرة، إلا أن بعضَها مما لا أصل له، كخبر:
((مَن قرأها بعث الله تعالى مَلكاً يكتب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من
تلك الساعة))(٦).
وبعضها منكر جدًّا كخبر: ((إنَّ الله تعالى أَوْحَى إلى موسى عليه السلام أنِ اقرأ
آية الكرسيِّ في دُبُر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ، فإنه مَن يقرؤها في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ أجعلٌ
له قلبَ الشاكرين، ولسانَ الذاكرين، وثوابَ المُنيبين، وأعمالَ الصِّدِّيقين)»(٧).
ولا يخفى أن أكثر الأحاديث في هذا الباب حجَّةٌ لمَن قال: إنَّ بعض القرآن قد
(١) في الأصل: ضَلّت.
(٢) صحيح مسلم (٨١٠)، ومسند أحمد (٢١٢٧٨) من حديث أبي بن كعب ظُه بنحوه.
(٣) شعب الإيمان (٢٣٩٦)، وإسناده ضعيف كما ذكر البيهقي.
(٤) كما في الدر المنثور ٣٢٥/١ - ٣٢٦.
(٥) في(م): فضلها.
(٦) لم نقف عليه.
(٧) ذكره القرطبي في تفسيره ٤/ ٢٦٦ عن أنس مرفوعاً مطولاً، وأخرجه ابن مردويه عن
أبي موسى الأشعري مرفوعاً أيضاً، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٣٢٥/١، وقال ابن
كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا حديث منكر جدًّا.