النص المفهرس

صفحات 361-380

الآية : ٢٤٧
٣٦١
سُورَةُ الْبَقَة
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالَّلِينَ ﴾﴾ ومنهم الذين ظلموا بالتولّي عن القتال وترك
الجهاد، وتنافَتْ أقوالُهم وأفعالهم، والجملة تذييلٌ أُريد منها الوعيد على ذلك.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ شروعٌ في التفصيل بعد الإجمال، أي: قال بعد أن أَوحِى
لهم ما أوحى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكٌ﴾ يُدبِّر أمركم، وتَصْدُرون
عن رأيه في القتال.
وطالوت فيه قولان؛ أظهرهما أنه عَلَمٌ (١) أعجميٍّ عِبْريٌّ كداود، ولذلك لم
ينصرف. وقيل: إنه عربي من الطول، وأصله: طَوَلوت، كرَهَبوت ورَحَموت،
فقلبت الواو ألفاً لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ومُنِعَ صَرْفُه حينئذ للعَلَمية وشبهِ
العُجمة؛ لكونه ليس من أبنية العرب. وأما ادِّعاء العدل عن طويل، والقول بأنه
عِبراني وافقَ العربي فَتْكلُّفٌ.
و((مَلِكاً)) حال من ((طالوت))؛ أخرج ابن أبي حاتم عن السُّدي: أن نبيَّهم لمَّا دعا
ربَّه أن يملكهم أتى بعصا يُقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت(٢).
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن وهب بن منبه أنه لمَّا دعا الله تعالى قال له:
انظر القَرَن(٣) الذي فيه الدُّهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجلٌ فنشَّ الدُّهن الذي فيه
فهو ملك بني إسرائيل، فاذهُن رأسَه منه وملِّكه عليهم. فأقام ينتظر متى يدخل ذلك
الرجل عليه، وكان طالوت رجلاً دبّاغاً يعمل الأدَمَ - وقيل: كان سقَّاءً - وكان من
سبط بنيامين بن يعقوب عليه السلام، ولم يكن فيهم نبوَّةٌ ولا مُلك، فخرج طالوتُ
في ابتغاء دابَّة له ضلَّتْ ومعه غلامٌ فمرَّا ببيت النبي، فقال غلامُ طالوت له: لو
دخلتَ بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر دابَّتنا فَيُرشدنا ويدعو لنا فيها بخير. فقال
طالوت: ما بما قلتَ من بأس. فدخلا عليه، فبينما هو عنده يذكرُ له شأنَ دابَّته
ويسأله أن يدعوَ له إذ نشّ الدُّهنُ الذي في القَرن، فقام إليه النبيُّ فأخذه، ثم قال
لطالوت: قَرِّبْ رأسَك. فقرَّبه، فدهنه منه ثم قال: أنت ملك بني إسرائيل الذي
(١) قوله: علم، ليس في الأصل.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٤٦٦/٢.
(٣) القَرَن، بالتحريك: الجَعْبة من جلود تكون مشقوقةً ثم تُخرز.

سُوَّةُ الْبَعَة
٣٦٢
الآية : ٢٤٧
أمرني الله تعالى أن أُمَلِّككَ عليهم. فجلس عنده وقال الناس: ملك طالوت. فأتّتْ
عظماءُ بني إسرائيل نبيَّهم مستغربين ذلك حيث لم يكن من بيت النبوة ولا المُلك(١).
﴿قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ أي: من أين يكون، أو كيف يكون له
ذلك؟ والاستفهام حقيقي، أو للتعجب، لا لتكذيب نبيهم والإنكارِ عليه في رأي،
وموضعُه نصب على الحال من («المُلك))، و((يكون)) يجوز أن تكون الناقصة،
فيكون الخبر ((له))، و((علينا)) حال من ((المُلك))، أو الخبر ((علينا)) و ((له)) حال،
ويجوز أن تكون التامة، فيكون ((له)) متعلّقاً بها، و ((علينا)) حال.
﴿وَتَحْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِّ﴾ الواو الأُولى حالية، والثانية
عاطفة جامعة للجملتين، أي: كيف يتملَّك علينا والحال أنه لا يستحقُّ التملُّك،
لوجودٍ مَنْ هو أحقُّ منه، ولِعِدَم ما يتوقَّف عليه المُلك من المال، أو لِعدم ما يجبرُ
نَقْصَه لو كان، ويُلحقه بالأشرافَ عرفاً من ذلك.
وأصل (سَعَة)): وسعة بالواو، وحذفت لحذفها مِن يَسَع، وكان حقُّ الفعل كسرّ
السين فيه ليتأتَّى الحذفُ كما في يَعِدُ، وإنما ارتُكِبَ الفتحُ لحرف الحَلْق، فهو
عارضٌ، ولذا أُجري عليه حُكم الكسرة، ولذلك الفتحِ فُتحت السين في المصدر
ولم تُكسر كما كُسرت عينُ عِدَة.
﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةُ فِى الْعِلْمِ وَالْجِسِْ وَاللَّهُ يُؤْتِ
مُلْكَهُ مَن يَشَةُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾﴾ ردَّ عليهم بأبلغ وجه وأكمله، كأنه
قيل: لا تستبعدوا تَمَلُّكَه عليكم لِفقره وانحطاطِ نَسَبهِ عنكم:
أمَّا أولاً: فلأنَّ مَلاكَ الأمر هو اصطفاءُ الله تعالى، وقد اصطفاه واختاره، وهو
سبحانه أعلمُ بالمصالح منكم.
وأما ثانياً: فلأن العُمدَةُ وفورُ العلم لِيتمكَّن به من معرفة الأمور السياسية،
وجسامةُ البدن ليكونَ أعظمَ خطراً في القلوب، وأقوى على كفاح الأعداء ومكابدةٍ
الحروب، لا ما ذكرتم، وقد خصَّه الله تعالى بحظ وافر منهما.
(١) تفسير الطبري ٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩.

الآية : ٢٤٨
٣٦٣
سُورَةُ الْبَغَة
وأما ثالثاً: فلأنه تعالى مالكُ المُلك على الإطلاق، ولِلْمالك أن يُمكِّن مَنْ شاء
مِنَ التصرف في مُلْكه بإذنه.
وأما رابعاً: فلأنه سبحانه واسعُ الفضل يُوسِّع على الفقير فَيُغنيه ((عليم)) بما يَليق
بالملك من النسیب وغيره.
وفي تقديم البَسْطة في العلم على البَسْطة في الجسم إيماءٌ إلى أن الفضائلَ
النفسانيةَ أعلى وأشرفُ من الفضائل الجسمانية، بل يكاد أن(١) لا يكون بينهما نسبةٌ
لاسيما ضخامة الجسم، ولهذا حمل بعضُهم البَسْطة فيه هنا على الجمال أو القوة،
لا على المقدار كطول القامة - كما قيل: إن الرجلَ القائم كان يمدُّ يدَه حتى ينالَ
رأسَه - فإن ذلك لو كان كمالاً لكان أحقُّ الخَلْق به رسول الله ◌ِ لقار، مع أنه عليه
الصلاة والسلام كان رَبْعةً من الرجال(٢).
ولعلَّ ذِكْرَ ذلك على ذلك التقدير لأنه صفةٌ تزيد المَلِكَ المطلوبَ لقتال العمالقة
حُسناً؛ لأنهم كانوا ضِخاماً ذوي بَسْطة في الأجسام، وكان ظِلُّ مَلِكهم جالوت
ميلاً على ما في بعض الأخبار، لا أنها من الأمور التي هي عمدةٌ في الملوك من
حيث هم، كما لا يخفى على مَنْ تحقَّق أنَّ المرءَ بأصغريه لا بكبر جِسْمه وطُول
بُرْدیه.
وفي اختيار ((واسع)) و((عليم)) في الإخبار عنه تعالى هنا من حُسن المناسبة
لِبَسْطة الجسم وكَثْرةِ العلم ما تهتشُّ له الخواطر، لاسيما على ما يتبادر من بَسْطة
الجسم، وقدم الوصف الأول مع أن ما يُناسبه ظاهراً مُؤَخَّرٌ؛ لأن له مناسبة معنى
لأول الإخبار إذ الاصطفاءُ مِنْ سَعَة الفَضْل أيضاً، ولأنّ ((عليم)) أوفقُ بالفواصل.
وإظهارُ الاسم الجليل لتربية المهابة.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ عطفٌ على مثله مما تقدَّم، وكأن توسيطَ ما تقدَّم
بينهما للإشعار بعدم اتصال أحدهما بالآخر، وتخلُّلٍ كلام من جهة المُخاطبين
متفرعٍ على السابق مُستتبعٍ لللَّاحق، وروايات القُصَّاص متضافرةٌ على أنهم قالوا
(١) لفظ: أن، ليس في (م).
(٢) أخرجه أحمد (١٣٥١٩)، والبخاري (٣٥٤٧)، ومسلم (٢٣٤٧) من حديث أنس

سُؤَدَّةُ الْبَفَة
٣٦٤
الآية : ٢٤٨
النبيهم: ما آيةُ مُلكه واصطفائه علينا؟ فقال: ﴿إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْنِيَكُمُ
الثَّابُوتُ﴾ ولمَّا لم يكن قولُهم ذلك مذكوراً لِيقعَ هذا جواباً له صراحةً أعاد الفاعلَ،
ليُغايرَ ما عُلم صراحةً كونه جواباً، وإنما لم يجرِ ذلك المجرى بأن يذكر مَقُولَهم
ويكون هذا جواباً له، ويكتفي بالإضمار كما اكتفى به أولاً للإيماء إلى أن ذلك
السؤال للنبيّ بعد تصديقهم له وبيانه لهم ما استفهموا عنه مما لا ينبغي أن يكون
حتى يُجاب؛ لأن له شبهاً تامًّا بالتعنُّت حينئذ وإنْ عُدَّ من باب السؤال لتقوية العلم.
وهذا بناء على أن القومَ كانوا مؤمنين.
وفي بعض الروايات ما يقتضي أنهم لم يكونوا آمنوا به حينئذ؛ فعن السدي أن
هذا النبي كان قد كفله شيخٌ من علماء بني إسرائيل، فلما أراد الله تعالى أن يبعثه
نبيًّا أتاه جبريل وهو غلامٌ نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأمن عليه غيرَه، فدعاه
بلحن الشيخ فقام فَزِعاً إلى الشيخ فقال: يا أبتاه، دعوتَني؟ فكره الشيخُ أن يقول:
لا ، فيفزعَ، فقال: يا بُنيَّ، ارجِعْ فَنَمْ. فَرَجَع فنام. فدعاه الثانية، فأتاه الغلامُ أيضاً
فقال: دعوتَني؟ فقال: ارجِعْ فَتَمْ، فإن دعوتُك الثالثةَ فلا تُجبني. فلما كانت الثالثةُ
ظهر له جبريلُ فقال له: اذهَبْ إلى قومك فبلغهم رسالةَ ربِّك، فإن الله تعالى قد
بعثكَ فيهم نبيًّا. فلما أتاهم كذَّبوه وقالوا: استعجَلْتَ بالنبوة ولم يأنِ لك، وقالوا:
إن كنتَ صادقاً فابعَثْ لنا مَلِكاً. ثم جرى ما جرى فقال: إن الله قد بعث لكم
طالوتَ مَلِكاً فقالوا: ما كنتَ قظُ أكذبَ منك الساعةَ، واعترضوا وأُجيبوا، ثم
قالوا: إن كنتَ صادقاً فأتنا بآيةٍ أنَّ هذا مَلِك. فقال ما قصَّ الله تعالى، وحينئذ
لا يبعد أن يكون الاستفهامُ المُصرَّح به في الآية وكذا الطلب المرموز إليه فيها
صادراً عن إنكارٍ وعدم إيقان، ووجهُ تركِ ذِكْرٍ سؤالهم حينئذٍ - إن كان - الإشارةُ إلى
أنّ مِنْ شأن الأنبياء الإتيانُ بالآيات وإن لم تُطلب منهم جلباً للشارد وتقییداً للوارد،
وليزداد الذين آمنوا هدى.
والتابوت: الصُّندوق، وهو فَعَلوت من الثَّوْب، وهو الرجوعُ، لِمَا أنه لا يزالُ
يرجع إليه ما يخرج منه، وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاجه من مُودَعاته، فتاؤه مَزيدةٌ
كتاء مَلَكوت، وأصله توبوت، فقلبت الواو ألفاً، وليس بفاعول من التبت لِقِلَّة
ما کان فاؤه ولا مه من جنس واحد، کسلس وقلق.

الآية : ٢٤٨
٣٦٥
سُورَةُ الْبَّقَة
وقرئ: ((تابوه) بالهاء(١)، وهي لغةُ الأنصار، والأُولى لغةُ قريش، وهي التي
(٢)
أمر عثمانُ ﴿ه بكتابتها في الإمام حين ترافع لديه في ذلك زيدٌ وأبانٌ .
ووزنه حينئذ على ما اختاره الزمخشري (٣): فاعول؛ لأن شبهةَ الاشتقاق لا تُعارض
زيادةَ الهاء وعدم النظير. وأما جَعْلُ الهاء بدلاً من التاء لاجتماعهما في الهمس،
وأنهما من حروف الزيادة، فضعيفٌ؛ لأن الإبدال في غير تاء التأنيث ليس بثبت.
وذهب الجوهري(٤) إلى أن التاء فيه للتأنيث، وأصلُه عنده ((تَابُوَة)) مثل تَرْقُوَة،
فلما سكنت الواو انقلبتْ هاءُ التأنيث تاءً.
والمراد به صندوقٌ كان يتبرَّكُ به بنو إسرائيل، فذهب منهم. واختلف في تحقيق
ذلك، فقال أَربابُ الأخبار: هو صندوقٌ أنزله الله تعالى على آدمَ عليه السلام فيه
تماثيلُ الأنبياء جميعهم، وكان من عود الشمشاذ(٥) نحواً من ثلاثةِ أَذْرُع في
ذراعين، ولم يَزَلْ ينتقل من كريم إلى كريم حتى وصل إلى يعقوب، ثم إلى بنيه، ثم
وثم، إلى أن فسدَ بنو إسرائيل وعَصَوْا بعد موسى عليه السلام، فسلَّط الله تعالى
عليهم العمالقةَ، فأخذوه منهم، فجعلوه في موضع البول والغائط، فلما أراد الله
تعالى أن يُمَلِّكَ طالوتَ سلَّط عليهم البلاء حتى أنَّ كل من أحدث عنده ابتُلي
بالبواسير، وهلكَتْ من بلادهم خمسُ مدائنَ، فعلموا أن ذلك بسبب استهانتهم به،
فأخرجوه وجعلوه على ثورين، فأقبلا يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعةً من
الملائكة يسوقونهما حتى أَتَوْا منزلَ طالوت.
ورُوي عن ابن عباس ﴿مَا أنه صندوقُ التوراة، وكان قد رفعه الله تعالى إلى
السماء سخطاً على بني إسرائيل لمَّا عَصَوْا بعد وفاة موسى عليه السلام، فلمّا طُلبت
الآية أتى من السماء والملائكة يحفظونه وبنو إسرائيل يشاهدون ذلك، حتى أنزلوه
في بيت طالوت.
(١) القراءات الشاذة ص١٥.
(٢) أخرجه الترمذي (٣١٠٤).
(٣) في الكشاف ١/ ٣٨٠.
(٤) في الصحاح (توب).
(٥) الشمشاذ، بالذال والدال شجر السرو، وهي فارسية. حاشية الشهاب ٣٢٨/٢.

سُؤَدَّةُ الْبَرَة
٣٦٦
الآية : ٢٤٨
وعن أبي جعفر به أنه التابوت الذي أنزل على أم موسى فوضعته فيه وألقَتْه
في البحر، وكان عند بني إسرائيل يتبرَّكون به إلى أن فسدوا، فجعلوا يَستخِفُّون به،
فرفعه الله تعالى إلى أن كان ما كان. ورُوي غير ذلك مما يطول.
وأقربُ الأقوال التي رأيتُها أنه صندوق التوراة تغلَّتْ عليه العمالقةُ حتى ردَّه الله
تعالى، وأبعدُها أنه صندوق نزل من السماء على آدمَ عليه السلام، وكان يتحاكم
الناسُ إليه بعد موسى عليه السلام إذا اختلفوا، فَيَحكُم بينهم ويتكلَّم معهم، إلى أن
فسدوا فأخذه العمالقة، ولم أرَ حديثاً صحيحاً مرفوعاً يُعوَّل عليه يفتح قُفْلَ هذا
الصُّندوق ولا فكراً كذلك.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: في إتيانه سكونٌ لكم وطمأنينة، فالسكينة
مصدر حينئذ. أو فيه نفسُه ما تسكنون إليه، وهو التوراة. وقيل - وليس بالصحيح
کما قال الراغب(١) ۔: صورة كانت فيه من زبرجد أو باقوت لها رأسٌ وذنبٌ کراس
الهِرَّة وذنبها وجناحان، فَتَئِنُّ فيزفّ التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا
استقرَّ ثبتوا وسكنوا ونزل النَّصر.
والجملة في موضع الحال، و((من)) لابتداء الغاية أو للتبعيض، أي: من
سکینات ربّكم.
﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَا نَرَّكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُرُونَ﴾ هي رُضاض(٢) الألواح وثيابُ
موسى وعِمامة هارون وطَسْتٌ من ذهب كانت تُغسَل به قلوبُ الأنبياء، وكلمةُ
الفَرَج: لا إله إلا الله الحليمُ الكريم، وسبحان الله ربِّ السماوات السبع وربٍّ
العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
وألُّهما: أتباعُهما أو أنفسُهما، أو أنبياء بني إسرائيل، لأنهم أبناءُ عَمِّهما.
﴿تَحْسِلُهُ الْمَلَبِكَةُ﴾ حالٌ من التابوت، والحمل إما حقيقة أو مجاز على حدٍّ :
حَمَل زيدٌ متاعي إلى مَكَّة.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذُكر من إتيان التابوت، فهو من كلام النبي لقومه،
(١) في مفردات ألفاظ القرآن (سكن).
(٢) الرُّضاض: هو ما يتفتَّت ويتقطع من الشيء. حاشية الشهاب ٣٢٩/٢.

الآية : ٢٤٩
٣٦٧
سُوَّةُ الْبَقَة
أو إلى نقل القصة وحكايتها، فهو ابتداءُ خطاب منه تعالى للنبي ◌َّهِ ومَنْ معه من
المؤمنين، وجِيء به قبل تمام القصة إظهاراً لِكَمال العناية، وإفرادُ حرف الخطاب
مع تعدُّد المُخاطَبين على التقديرين بتأويل الفريق ونحوه.
دالَّة على جعل طالوت مَلِكاً عليكم، أو على
﴿لَيَةٌ﴾ عظيمةً كائنة
نبوة محمد ﴿ حيث أخبر بما أخبر مِنْ غير سماعٍ من البشر، ولا أَخْذٍ من كتاب.
﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي: مُصدِّقين بتمليكه عليكم أو بشيء من الآيات،
و ((إن)) شرطية، والجواب محذوفٌ اعتماداً على ما قبله، وليس المقصود حقيقةً
الشرط(١) إذا كان المُخاطَب مَنْ تحقَّق إيمانُه. وقيل: هي بمعنى إذْ.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ أي: انفصل عن بيت المَقْدس مُصاحباً لهم لقتال
العمالقة، وأصلُه: فَصَلَ نَفْسَه عنه، ولما انَّحد فاعلُه ومفعولُه شاع استعمالُه
محذوف المفعول حتى نزل منزلةً القاصر، كانفصل، وقيل: فصل فصولاً. وجوز
كونه أصلاً برأسه ممتازاً من المتعدِّي بمصدره، كوقف وقوفاً، ووقفه وَقْفاً وصَدَّ عنه
صدوداً، وصدَّه صدًّا، وهو باب مشهور.
والجنودُ: الأعوان والأنصار جمع جند، وفيه معنى الجمع، ورُوي أنه قال
لقومه: لا يخرج معي رجلٌ بنى بناءً لم يَفرُغْ منه، ولا تاجرٌ مُشتغِلٌ بالتجارة،
ولا متزوِّجٌ بامرأةٍ لم يينِ عليها، ولا أَبتغي إلا الشابَّ النشيطَ الفارغ، فاجتمع إليه
ممن اختاره ثمانون ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً، وكان الوقت قيظاً، فسلكوا مَفَازةً
فسألوا نهراً ﴿قَالَ إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أي: مُعاملكم مُعاملة مَنْ يُريد أن يختبركم
لِيُظهر للعِيان الصادقَ منكم والكاذب ﴿يِنَهَرٍ﴾ بفتح الهاء، وقُرئ بسكونها(٢)،
وهي لغة فيه.
في(٣)، وعن قتادة والربيع أنه
وکان ذلك نهر فلسطین کما رُوي عن ابن عباس
نهرٌ بين فلسطين والأردن.
(١) في (م): الشرطية.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٥، والبحر المحيط ٢٦٤/٢ عن مجاهد وحميد الأعرج.
(٣) أخرجه الطبري ٤ / ٤٨٥ .

سُورَةُ الْبَرَة
٣٦٨
الآية : ٢٤٩
﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾ أي: ابتدأ شُربه لمزيد عَطَشه من نفس النهر بأنْ كَرَعَ؛ لأنه
الشُّرب منه حقيقة، وهذا كثيراً ما يفعله العطشان المُشرف على الهلاك. وقيل:
الكلام على حذف مضاف أي: فمن شرب من مائه مطلقاً .
﴿فَلَيْسَ مِنِِّ﴾ أي: من أشياعي، أَوْ ليس بمتصل بي ومُتَّحِدٍ معي، فـ (من))
اتصالية، وهي غير التبعيضية عند بعض، وكأنها بيانيةٌ عنده وعينُها عند آخرين.
﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنْيَ﴾ أي: مَنْ لم يَذُقْهُ، مِنْ طَعِمَ الشيء: إذا ذاقَه،
مأكولاً كان أو مشروباً، حكاه الأزهري عن الليث(١)، وذكر الجوهري (٢) أن الطعم
ما يُؤَدِّيه الذَّوق، وليس هو نفسُ الذَّوق، فمن فسَّره به على هذا فقد توسّع. وعلى
التقديرين استعمالُ طَعِمَ الماءَ بمعنى: ذاقَ طَعْمَه، مُستفيضٌ لا يُعابُ استعمالُه لدى
العرب العرباء، ویشهد له قوله :
وإنْ شئتٍ حرَّمتُ النساءَ سواكُمُ
وإنْ شئتِ لم أَظْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْداً (٣)
وأما استعماله بمعنى: شَرِبَه واتَّخذه طعاماً فقبيحٌ، إلا أن يقتضيه المُقام كما في
حديث زمزم: ((طعام طعم وشفاء سقم))(٤) فإنه تنبيهٌ على أنها تُغذِّي بخلاف سائر
المياه. ولا يخدش هذا ما حُكي أن خالد بن عبد الله القَسْري قال على منبر الكوفة
وقد خرج عليه المغيرة بن سعيد: أطعموني ماء. فعابت عليه العرب ذلك، وهَجَوْه
به، وحملوه علی شِدَّة جزعه، وقيل فيه :
واستطعم الماءَ لما جَدَّ في الهَرَبِ
بَلَّ المنابرَ من خوف ومن وَهَلٍ
وكان يُولَعُ بالتشديقِ بالخُطَبِ(٥)
وألحنُ الناسِ كلِّ الناسِ قاطبةً
(١) تهذيب اللغة ١٨٩/٢.
(٢) في الصحاح (طعم).
(٣) قائله عمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه ص٣١٥، ونسبه الجوهري في الصحاح (نقخ)،
والشهاب في حاشيته ٣٢٩/٢ للعرجي، والنُّقاخ: الماء العذب. قاله الجوهري.
(٤) أخرجه مسلم (٢٤٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ١٤٧/٥ مطولاً من حديث أبي ذر تَظ ◌ُه،
وفيه قصة إسلامه، وقوله: (وشفاء سقم) ليس عند مسلم.
(٥) ذكر القصة والبيتين المبرد في الكامل ٤٦/١ ولم يسم قائلهما، وأنشدهما الجاحظ في البيان
والتبيين ١٢٢/١ ليحيى بن نوفل.

الآية : ٢٤٩
٣٦٩
سُوَرَةُ الْبَكْرَة
لأن ذلك إنما عِيْبَ عليه لأنه صدر عن جَزَع، فكان مَظِّئَّةَ الوَهْم وعَدَمِ قَصْدِ
المعنى الصحيح، وإلا فوقوعُ مثله في كلامهم مما لا ينبغي أن يُشَكَّ فيه.
وإنما عَلِمٍ طالوتُ أن مَن شَرِبَ عصاه ومَن لم يَطْعم أطاعه بواسطة الوحي إلى
نبيِّ بني إسرائيل، وإنما لم يُخبرهم النبي نفسُه بذلك، بل ألقاه إلى طالوتَ فأخبر به
كأنه من تلقاء نَفْسهٍ؛ ليكون له وَقْعٌ في قلوبهم. وجوِّز أن يكون ذلك بواسطة وحي
إليه بناءً على أنه نُبِّئَ بعد أن مَلَكَ، وهو قولٌ لا ثبت له. والقول بأنه يحتمل أن
یکون بالفراسة والإلهام بعید.
﴿إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدٍِ﴾ استثناء من الموصول الأول، أو ضميره في
الخبر، فإن فسِّر الشرب بالكروع كان الاستثناءُ منقطعاً، وإلا كان متصلاً .
وفائدةُ تقديم الجملة الثانية الإيذانُ بأنها من تتمةِ الأُولى، وأن الغرضَ منها
تأكيدُها وتتميمها نهياً عن الكُروع من كل وجه، وإفادةُ أن المغترفَ ليس بذائق
حُكماً، فيؤكِّد ترخيصَ الاغتراف، ولو أُخِّرت لم تُفِدْ هذه الفوائدَ، ولا ختلَّ النَّظْم،
لدلالة الاستثناء إذ ذاك على أن المُغترف مُتَّحِدٌ معه، ودلالة الجملة الثانية بمفهومها
على أنه غيرُ مُتَّحِد معه، ولا يَصِحُ في الاستثناء أن يكون من أحد الضميرين الراجعين
إلى الموصولين في الصلة للفصل بين أجزاء الصلة حينئذ بالخبر، وأداءِ المعنى في
الأول إلى أن المجتزئ في الشُّرب بِغَرْفة واحدة ليس مُتَّصلاً به مُتَّحداً معه؛ لأن
التقدير: والذين شربوا كلَّهم إلا المُغترف ليس مني، ولا يصح أيضاً أن يكون من
الموصول الثاني أو الضمير الراجع إليه في الخبر خلافاً للبعض، إذ لا فرق لأدائه إلى
أن المجتزئ المذكور مُخرَجٌ من حكم الاتحاد معه؛ لأن التقدير: والذين لم يذوقوه
فإنهم كلَّهم إلا المغترفَ منهم مُتَّصلون بي مُتَّحدون معي، وليس بالمراد أصلاً.
والغُرْفة ما يُغرف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة: ((غَرْفة)) بفتح
الغين(١) على أنها مصدر، وقيل: الغُرْفة والغَرْفة مصدران، والضَّمُّ والفتحُ لغتان.
والباء مُتعلِّقة بـ ((اغترف))، أو بـ ((غُرفة)) في قول، أو بمحذوف وقع صفةً لها.
﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ﴾ عطف على مُقدَّر يقتضيه المقام أي: فابتُلوا به فشربوا، والمراد
(١) التيسير ص٨١، والنشر ٢٣٠/٢.

سُوَّةُ الْبَيْدَة
٣٧٠
الآية : ٢٤٩
إما كرعوا - وهو المتبادر - ورُوي عن ابن عباس ﴾(١)، أو أفرطوا في الشُّرب.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ لم يكرعوا، أو لم يُفرطوا في الشُّرب، بل اقتصروا على
الغرفة باليد، وكانت تكفيهم لِشُربهم وإداوتهم(٢)، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن
ابن عباس ﴿، وأخرج عنه أيضاً أن مَن شَرِبَ لم يَزْدَدْ إلا عطشاً (٣).
وفي رواية: إن الذين شربوا اسودَّت شفاههم وغَلَبهم العطش، وكان ذلك من
قَبيل المعجزة لذلك النبي.
وقرأ أُبيّ والأعمش: (إلا قليلٌ)) بالرفع(٤)، وجعلوه من المَيْل إلى جانب
المعنى، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿فَشَرِيُوا مِنْهُ﴾ في قوة أن يقال: فلم يُطيعوه، فحقَّ أَن يَرِدَ
المستثنى مرفوعاً كما في قول الفرزدق:
وعَضُّ زمانٍ يا ابنَ مَروان لم يدع
من المال إلا مُسْحَتٌ أو مُجَلَّفُ (٥)
فإن قوله: لم يدع في حكم: لم يبق. وذهب أبو حيان(٦) إلى أنه لا حاجة إلى
التأويل، وجوَّز في الموجب وجهين النصب، وهو الأفصح، والإتباع لما قبله،
على أنه نعتٌ أو عطفُ بيان، وأورد له قوله:
لعمر أبيك إلا الفرقدان(٧)
وكل أخ مُفارتُه أخوه
ولا يخفى ما فيه.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٤٧٣/٢.
(٢) في الأصل: وأدواتهم. قال الشهاب في حاشيته ٣٣١/٢: الإدارة: ما يُحمل فيه الماء.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٥.
(٥) ديوان الفرزدق ٢٦/٢، وروايته: مسحتاً أو مُجرَّف. وهذا البيت من الأبيات المشكلة
الإعراب، قال الزمخشري في الكشاف ٥٤٣/٢: هذا بيت لا تزال الركب تصطكّ في تسوية
إعرابه. ينظر أقوال العلماء فيه في الخزانة ١٤٤/٥ وما بعدها. وعضّ الزمان: شدَّته،
والمُسْحَت: المُستَأصل الذي لم يبق منه بقية، والمُجَلَّف: الذي ذهب معظمه. الحُلل
للبطلیوسي ص٢٨٢ .
(٦) في البحر المحيط ٢٦٦/٢ - ٢٦٧.
(٧) نسبه سيبويه في كتابه ٣٣٤/٢، والمبرد في الكامل ١٤٤٤/٣ لعمرو بن معدي كرب، ونسبه
الآمدي في المؤتلف والمختلف ص١١٦ لحضرميّ بن عامر، وينظر الخزانة ٤١٢/٣ و٤٢٦.

الآية : ٢٤٩
٣٧١
سُؤَدَّةُ الَفَة
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾ أي: النهر وتخطَّاه ﴿هُوَ﴾ أي: طالوت ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
عطف على الضمير المُتَّصل المؤكَّد بالمنفصل، والمُراد بهم القليلون، والتعبير عنهم
بذلك تنويهاً بشأنهم وإيماءً إلى أن مَن عَدَاهم بمعْزِل عن الإيمان.
﴿مَعَهُ﴾ متعلِّق بـ ((جاوز)) لا بـ ((آمنوا))، وجُوِّز أن يكون خبراً عن ((الذين)) بناءً
على أن الواو للحال، كأنه قيل: فلما جاوزه والحال أن الذين آمنوا كائنون معه.
﴿قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِيٍ﴾ أي: لا قُدرة لنا بمحاربتهم
ومُقاومتهم فَضْلاً عن الغَلَبة عليهم، و((جالوت)) كطالوت، والقائل بعضُ المؤمنين
لبعض، وهو إظهارُ ضعفٍ لا نُكوصٌ؛ لمَّا شاهدوا من الأعداء ما شاهدوا من
الكَثْرة والشِّدة، قيل: كانوا مئة ألف مقاتل شاكي السلاح، وقيل: ثلاث مئة ألف.
﴿قَالَ﴾ على سبيل التشجيع لذلك البعض، وهو استئنافٌ بياني ﴿الَّذِينَ يَظُنُونَ﴾
أي: يتيقَّنون ﴿أَنَّهُم ◌ُلَقُواْ الَّهِ﴾ بالبَعْث والرجوع إلى ما عنده، وهم الخُلَّص من
أولئك والأَعْلون إيماناً، فلا يُنافي وصفهم بذلك إيمانَ الباقين، فإنَّ درجاتٍ
المؤمنين في ذلك متفاوتةٌ، ويَحتمِلُ إبقاء الظنّ على معناه، والمراد يظنُّون أنهم
يستشهدون عما قريب، ويَلْقَون الله تعالى.
وقيل: الموصول عبارةٌ عن المؤمنين كافةً، وضمير ((قالوا)) للمنخزلين عنهم،
كأنهم قالوا ذلك اعتذاراً عن التخلّف والنهر بينهما .
ولا يخفى بُعْدُه؛ لأنَّ الظاهرَ أنهم قالوا هذه المقالةَ عند لقاء العدو، ولم يكن
المُنخزِلون إذ ذاك معهم، وأيضاً أيُّ حاجةٍ إلى إبداء العُذر عن التخلّف مع ما سبق من
طالوت أن الكارعين ليسوا منه في شيء، فلو لم ينخزلوا لمنعوا من الذهاب معه.
﴿كَمْ مِنْ فِشَتْرِ﴾ أي: قطعة من الناس وجماعة، مِنْ فأوتُ رأسَه: إذا
شققته، أو من فاء إليه: إذا رَجَعَ، وأصلُها على الأول فيوة فحذفت لامها، فوزنها
فِعَة، وأصلها على الثاني فيئة، فحذفت عينُها، فوزنها فِلَة.
و (كم)) هنا خبرية ومعناها كثير، و ((من)) زائدة، و (فئة)) تمييز، وجوز
أبو البقاء(١) أن يكون (من فئة)) في موضع رفع صفة لـ ((كم)) كما تقول: عندي مئةٌ
(١) في إملاء ما من به الرحمن ٤٩٥/١ (بهامش الفتوحات الإلهية).

سُورَةُ الْبَحَة
٣٧٢
الآية : ٢٤٩
من درهم ودينار، وجوَّز بعضُهم أن تكون ((كم)) استفهامية، ولعلّه ليس على حقيقته،
ونُقل عن الرضي أن ((من)) لا تدخل بعد ((كم) الاستفهامية(١)، فالقول بالخبرية
أولی.
﴿فَلِيلَةٍ﴾ نعت لـ ((فئة)) على لفظها ﴿غَلَبَتْ﴾ أي: قَهرَتْ عند المُحاربة ﴿فِثَةً
كَثِيرَةٌ﴾ بالنسبة إليها ﴿إِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بحكمه وتيسيره، ولم يقولوا: أطاقَتْ
حسبما وقع في كلام أصحابهم؛ مبالغةً في تشجيعهم وتسكين قلوبهم، وإذا حمل
التنوين في ((فتة)) الأولى للتحقير، وفي ((فئة)) الثانية للتعظيم كان أبلغَ في التشجيع
وأكمل في التسکین، وقد ورد مثلُ ذلك في قوله:
له حاجبٌ عن كلِّ أمرٍ يَشينه وليس له عن طالبٍ العرف حاجب(٢)
وهذا كما ترى ناشئ من كمال إيمانهم بالله واليوم الآخر، وتصديقهم بأنه
سبحانه لا يُعجزه إحياءُ الموتى كما لا يُعجزه إماتةُ الأحياء فَضْلاً عن نُصرة
الضُّعفاء، فلا ريب في أن ما في حيِّز الصلة مما له كمالُ ملائمةٍ للحُكم الوارد على
الموصول لاسيما وقد أخذ فيه إذن الله تعالى وحُكمه، ومن لا يؤمن بلقاء الله تعالى
لا یکاد یقرب من هذا القید قيد شبر.
فاندفع بهذا ما قاله مولانا مفتي الديار الرومية من أن هذا الجوابَ كما ترى
ناشئ من كمال ثقتهم بنصر الله تعالى وتوفيقه، ولا دخل في ذلك لظنِّ لقاء الله
تعالى بالبعث، ولا لتوقّع ثوابه عزَّ شأنُه، ولا ريبَ في أنّ ما ذُكر في حَيِّز الصلة
ينبغي أن يكون مداراً للحُكم الوارد على الموصول، ولا أقلَّ من أن يكون وصفاً
ملائماً له(٣). فإن الملائمة على ما جاد به هذا الذهن الكليل حصلت على أتمٍّ وجه
وأكمله، فلا حاجةً في تحصيلها إلى ما ذكره رحمه الله تعالى بعدُ من إخراج اللفظ
عن ظاهره الشائع استعمالُه فيه إلى يوم مُلاقاته تعالى، وحَمْلِ ملاقاته سبحانه على
مُلاقاة نَصْره تعالَى وتأييده، وجعل التعبير بذلك عنه مبالغةً(٤)، فإنه بمعزل عن
(١) ذكره الشهاب في حاشيته ٣٣١/٢.
(٢) قائله ابن أبي السمط كما في الحماسة البصرية ١٤٣/١.
(٣) تفسير أبي السعود ٢٤٣/١.
(٤) المصدر السابق.

الآية : ٢٥٠
٣٧٣
سُورَةُ الجَّفَقَة
استعمال ذلك في جميع الكتاب المجيد، وليس هو من قَبيل قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ مَعَ
الضََّبِينَ ﴾ المراد منه المعيةُ بالنصر والإحسان؛ لأنه في سائر القرآن مألوفٌ
استعمالُه في مثل ذلك كما لا يخفى، وهو يَحمِلُ أن يكون من كلام الأغْلين أتى به
تكميلاً للتشجيع، وترغيباً بالصبر بالإشارة إلى ما فيه، ويحتمل أن يكون ابتداءً كلام
من جهته تعالى جيء به تقريراً لكلامهم، ودُعاءً للسامعين إلى مثل حال هؤلاء
المُشير إليها (١) مقالُهم.
﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ﴾ أي: ظهر طالوتُ ومَنْ معه وصاروا في بَرازٍ من الأرض، وهو
ما انكشف منها واستوى ﴿لِجَالُوتَ وَجُنُودِهٍ﴾ أي: لمحاربتهم وقتالهم ﴿قَالُوا﴾
جميعاً بعد أن قَوِيَتْ قُلوبُ الضُّعفاء مُتضرِّعين إلى الله تعالى مُتبرِّئين من الحول
والقوة:
﴿رَبَّآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: صُبَّ ذلك علينا ووفِّقنا له، والمراد به حبسُ النفس
للقتال.
﴿وَثَيِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: هَبْ لنا كمالَ القوة والرُّسوخ عند المُقارعة بحيث
لا نتزلزل، وليس المرادُ بتثبيت الأقدام مُجرَّدَ تقرُّرها في حیِّز واحد، إذ ليس في
ذلك کثیرُ جدوی.
﴿ وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِنَ ®﴾ أي: أَعِنّا عليهم بقهرهم وهزمهم. ووُضِعَ
((الكافرين)) موضعَ الضمير العائد إلى جالوت وجنوده للإشعار بعلَّة النصر عليهم.
وفي هذا الدُّعاء من اللطافة وحُسن الأسلوب والنّكات ما لا يخفى:
أما أولاً: فلأن فيه التوسُّلَ بوصف الربوبية المُنبئة عن التبليغ إلى الكمال.
وأما ثانياً: فلأن فيه الإفراغَ، وهو يُؤذن بالكَثْرة، وفيه جعل الصبر بمنزلة الماء
المُنصَبِّ عليهم لِئَلْج صدورهم وإغنائهم عن الماء الذي مُنعوا منه.
وأما ثالثاً: فلأن فيه التعبيرَ بـ ((على)) المُشعر بجعل ذلك كالظَّرْف، وجعلهم
کالمظروفین.
(١) في الأصل: إليهما.

سُوَّةُ الْبَّنَة
١
٣٧٤
الآية : ٢٥١
وأما رابعاً: فلأن فيه تنكيرَ ((صبراً)) المُفصِح عن التفخيم.
وأما خامساً: فلأن في الطلب الثاني - وهو تثبيت الأقدام - ما يرشّح جَعْلَ
الصبر بمنزلة الماء في الطلب الأول، إذ مَصَابُّ الماء مَزالقُ فَيُحتاج فيها إلى
التثبيت.
وأما سادساً فلأن فيه حُسْنَ الترتيب، حيث طلبوا أولاً إفراغَ الصبر على قلوبهم
عند اللقاء، وثانياً ثباتَ القَدَم والقوة على مقاومة العدوّ، حيث إن الصبر قد يحصل
لمن لا مُقاومة له، وثالثاً العمدة والمقصود من المحاربة وهو النّصرة على الخَضْم،
حيث إن الشجاعةَ بدون النصرة طريقٌ عتبته عن النفع خارجة .
وقيل: إنما طلبوا أولاً إفراغَ الصبر؛ لأنه مَلاكُ الأمر، وثانياً التثبيت؛ لأنه
مُتَفْرِّع عليه، وثالثاً النصر؛ لأنه الغايةُ القُصوى.
واعترض هذا بأنه يقتضي حينئذ التعبيرَ بالفاء؛ لأنها التي تُفيد الترتيب.
وأُجيب بأن الواو أبلغُ، لأنه عوّل في الترتيب على الذهن الذي هو أعدلُ شاهد
كما ذكر السكّاكي.
﴿فَهَزَّمُوهُم﴾ أي: كسروهم وغلبوهم، والفاء فيه فصيحة، أي: استجاب الله
تعالى دعاءَهم، فَصَبروا وثُبِّتوا ونُصِروا فهزموهم ﴿ِإِذْنِ اللّهِ﴾ أي: بإرادته انهزامَهم،
ويؤول إلى نصره وتأييده، والباء إما للاستعانة والسببية، وإما للمصاحبة.
﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ﴾ هو ابن إِنْشَ(١) (جَالُوت) أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: لما برزَ طالوتُ لجالوتَ قال
جالوت: أبرزوا إليَّ مَن يُقاتلني، فإنْ قتلني فلكم مُلْكي، وإنْ قَتَلْتُهُ فَلي مُلْكُكم.
فأُتي بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن يُنكِحَه ابنته، وأن يُحکمه في ماله،
فألبسه طالوتُ سلاحاً، فَكَرِهِ داودُ أن يُقاتله بسلاح وقال: إنَّ الله تعالى إن لم
ينصرني عليه لم يُغْنِ السلاحُ شيئاً. فخرج إليه بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار، ثم
برزَ له فقال له جالوت: أنت تُقاتلني؟ قال داود: نعم. قال: ويلك ما خرجْتَ
(١) قيَّده الشهاب الخفاجي في حاشيته ٣٣١/٢: بكسر الهمزة وياء ساكنة وألف مقصورة،
ويكون بياء، لفظ عبراني.

الآية : ٢٥١
٣٧٥
سُورَةُ الََّة
إلا كما تخرجُ إلى الكلب بالمِقلاع والحجارة، لأُبَدِّدَنَّ لحمك، ولأُطْعِمنَّه اليومَ
للطير والسباع. فقال له داود: بل أنت عدوُّ الله شرٌّ من الكلب. فأخذ داودُ حجراً
فرماه بالمِقلاع فأصابَتْ بين عينيه حتى قعدَتْ في دِماغه، فصرخَ جالوتُ وانهزم مَنْ
معه، واحتزّ رأسه.
﴿وَءَاتَنُهُ اَللَّهُ الْمُلْكَ﴾ في بني إسرائيل بعد ما قَتل جالوتَ وهلك طالوتُ؛
وذلك أن طالوتَ - كما رُوي في بعض الأخبار - لما رَجَعَ وَفَى بالشرط، فأنكح داودَ
ابنتَه، وأجرى خاتمه في مُلكه، فمال الناس إلى داود وأحبُّوه، فلما رأى ذلك طالوتُ
وَجَدَ في نَفْسه وحَسَده، فأراد قَتْله، فعلم به داودُ، فسجّی له زِقَّ خمر في مضجعه،
فدخل طالوتُ إلى منام داودَ وقد هرب داودُ، فضربَ الزِّقَّ ضربةً فخرقه فسال الخمر
منه، فقال: يرحم الله تعالى داودَ ما كان أكثر شربه للخمر. ثم إن داودَ أتاه من القابلة
في بيته وهو نائم، فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله
سهمين، فلما استيقظ طالوتُ بصر بالسِّهام فعرفها فقال: يرحم الله تعالى داودَ هو
خيرٌ مني ظَفِرْتُ به فقتلته، وظَفِرَ بي فكفَّ عني. ثم إنه رَكِبَ يوماً فوجده يمشي في
البرية وطالوت على فرس فقال: اليوم أقتلُ داودَ، وكان داودُ إذا فَزِعَ لا يُدرَك،
فركض على أثره طالوت، ففزع داود، فاشتدَّ فدخل غاراً، وأوحى الله تعالى إلى
العنكبوت فضربَتْ عليه بيتاً، فلما انتهى طالوتُ إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت
قال: لو كان دخل هاهنا لخرق بيتَ العنكبوت فَرجَعَ، وجعل العلماء والعُبَّاد يَظْعنون
عليه بما فعل مع داود، وجعل هو يقتلُ العلماءَ وسائرَ من ينهاه عن قَتْل داود حتى قتل
كثيراً من الناس، ثم إنه نَدِمَ بعد ذلك وخلَّى الملك وكان له عشرة بنين، فأخذهم
وخرج يُقاتل في سبيل الله تعالى كفارةً لما فعل، حتى قُتل هو وبنوه في سبيل الله
تعالى، فاجتمعت بنو إسرائيل على داودَ ومَّكوه أَمْرَهم، فهذا إيتاءُ الملك(١).
﴿وَاَلِكْمَةَ﴾ المراد بها النبوة ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله، بل كانت
النبوة في سِبط، والمُلك في سبط، وهذا بعد موت ذلك النبي، وكان موته قبل
طالوت. وذكر الحكمة بعد الملك لأنها كانت بعده وقوعاً، أو للترقّي من ذِكْر
الأدنى إلى ذكر الأعلى.
(١) هذه القصة من الإسرائيليات التالفة.

سُورَةُ الْبَغَ
٣٧٦
الآية : ٢٥١
﴿وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَآءُ﴾ كصنعة اللَّبوس، ومنطق الطير، وكلام الدوابّ،
والضمير المستتر راجعٌ إلى الله تعالى، وعوده إلى داود - كما قال السمين(١) .
ضعيف؛ لأن معظمَ ما علَّمه تعالى له مما لا يكاد يخطر ببال، ولا يقع في أمنية
بشر لیتمگّن من طلبه ومشيئته.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْنَهُمْ﴾ وهم أهل الشرور في الدنيا، أو في الدين، أو في
مجموعهما ﴿بِبَعْضٍ﴾ آخَرَ منهم يردُّهم عما هم عليه بما قدَّره الله تعالى من القتل .
كما في القصة المخكيَّة ۔ أو غيره.
وقرأ نافع هنا وفي ((الحج))(٢): ((دفاع)) على أن صيغةً المغالبة للمبالغة.
﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْشُ﴾ وبطلت منافعها، وتعطّلت مصالحها من الحرث والنسل
وسائر ما يُصلح الأرض ويُعمرها. وقيل: هو كناية عن فساد أهلها وعموم الشرِّ
فیھم.
وفي هذا تنبيه على فضيلة المُلك، وأنه لولاه ما استتبَّ أمرُ العالم، ولهذا قيل:
الدين والمُلك توأمان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاعُ الآخر؛ لأن الدين أسٌّ والملك
حارسٌ، وما لا أُسَّ له فمهدوم، وما لا حارسَ له فضائع.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ﴾ لا يقادَر(٣) قَدْرُه ﴿عَلَى الْعَلَِّينَ ﴾﴾ كافةً، وهذا
إشارة إلى قياسٍ استثنائيٍّ مؤلّفٍ من وضع نقيض المقدَّم منتج لنقيض التالي خلا أنه
قد وضع موضعه ما يستتبعه ويستوجبه، أعني كونه تعالى ذا فضل على العالمين،
إيذاناً بأنه تعالى يتفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب عليه ذلك، وأن فضله
تعالى غير مُنحصر فيه، بل هو فردٌ من أفراد فضله العظيم، كأنه قيل: ولكنه تعالى
يدفع فسادَ بعضهم ببعض، فلا تفسدُ الأرض، وينتظم به مصالح العالم، وينصلح
أحوال الأمم، قاله مولانا مفتي الديار الرومية قدس سره(٤).
(١) في الدر المصون ٥٣٣/٢.
(٢) الآية (٤٠)، وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب. التيسير ص٨٢، والنشر ٢٣٠/٢.
(٣) في (م): يقدر، والمثبت موافق لما في تفسير أبي السعود ٣٤٥/١، والكلام منه.
(٤) تفسير أبي السعود ٣٤٥/١.

الآية : ٢٥٢
٣٧٧
سُورَةُ الََّة
واعتُرض بأنه مخالفٌ لقول المنطقيين: إن المتصلة ينتج استثناء عين مقدمها
عين تاليها لاستلزام وجود الملزوم وجودَ اللازم، واستثناء نقيض تاليها نقيض
المقدم لاستلزام عدم اللازم عدمَ الملزوم، ولا ينعكس، فلا ينتج استثناء عين
التالي عين المقدم ولا نقيض المقدم نقيض التالي، لجواز أن يكون التالي أعمَّ من
المقدم، فلا يلزم من وجود اللازم وجودُ الملزوم، ولا من عدم الملزوم عدم
اللازم.
وأجيب بأن ذلك إنما هو باعتبار الهيئة، وقد يستلزمه بواسطة خصوصية مادة
المساواة، وقد صرح ابن سينا في ((الفصول)) بأن الملازمة إذا كانت من الطرفين -
كما بين العلة والمعلول - ينتج استثناء كلٍّ من المقدَّم والتالي عين الآخر ونقيضه
نقيض الآخر، وفي تعليل القوم أيضاً إشارةٌ إليه حيث قالوا: لجواز أن يكون اللازم
أعمّ، وكأن في عبارة المولى إشارةً إلى أن الملازمة في الشرطية من الطرفين، حيث
قال: منتج، ولم يقل: ينتج اهـ.
وأجاب بعضهم بأن قولهم ذلك ليس على سبيل الاطّراد، بل إذا كان نقيض
المقدم أعمَّ من نقيض التالي، وأما إذا كان نقيضه بعكس هذا، كما في هذه الآية
الكريمة وأمثالها، فإنه ينتج نقيض (١) التالي، وذلك أن الدفع المذكور لما كان
ملزوماً لعدم فساد الأرض كانت الملازمة ثابتةً بينهما؛ لأن وجود الملزوم يستلزم
وجود اللازم كما بيِّن في موضعه، وادّعاء أن الملازمة من الطرفين هنا كما زعمه
المجيب الأول ليس بشيء، بل اللازم هاهنا أعمُّ من الملزوم كما لا يخفى على ذي
رويَّة، وكونُ عبارة المولى مشيرةً إلى أن الملازمة من الطرفين، في حيز المنع،
وما ذكره لا يدل عليه کما لا يخفى، فافهم وتدبّر، فإن نظر المولی دقيق.
﴿َتِلْكَ مَايَتُ اَلَهِ﴾ إشارةٌ إلى ما سلف من حديث الألوف، وموتهم، وإحيائهم،
وتمليك طالوت، وإظهاره بالآية، وإهلاك الجبابرة على يدٍ صبي. وما فيه من البعد
للإيذان بعلو شأن المشار إليه. وقيل: إشارةٌ إلى ما مرَّ من أول السورة إلى هنا.
وفيه بعد. والجملة على التقديرين مستأنفة.
(١) كلمة: نقيض، من الأصل.

سُورَةُ الْجَمَة
٣٧٨
التفسير الإشاري (٢٥٢-٢٥٢)
وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا عَلَكَ﴾ أي: بواسطة جبريل عليه السلام، إما حال من
الآيات، والعامل معنى الإشارة، وإما جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿بَلْقِّ﴾ في موضع النصب على أنه حال من مفعول ((نتلوها))، أي: ملتبسة
باليقين الذي لا يرتاب فيه أحدٌ من أهل الكتاب وأرباب التواريخ لَمًّا يجدونها
موافقةً لما عندهم، أو لا ينبغي أن يرتابَ فيه أو من فاعله، أي: نتلوها عليك
ملتبسين بالحق والصواب، وهو معنا، أو من الضمير المجرور، أي: ملتبساً
بالحق، وهو معك.
﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾﴾ حيث تُخبر بتلك الآيات وقصص القرون الماضية
وأخبارها على ما هي عليه من غيرِ مُطالعة كتاب ولا اجتماع بأحد يُخبر بذلك.
ووجهُ مناسبة هذه القصة لما قبلها ظاهرة، وذلك لأنه تعالى لما أمر المؤمنين
بالقتال في سبيله، وكان قد قدَّم قبل ذلك قصةً الذين خرجوا من ديارهم حذرَ
الموت إما بالطاعون أو القتال على سبيل التشجيع والتثبيت للمؤمنين، والإعلام أنه
لا يُنجي حَذَرٌ من قَدَر، أردف ذلك بأن القتال كان مطلوباً مشروعاً في الأمم
السابقة، فليس من الأحكام التي خُصصتم بها؛ لأن ما وقع فيه الاشتراك كانت
النفس أميلَ لِقَبوله من التكليف الذي يقع به الانفرادُ.
هذا. ومن باب الإشارة في هذه الآيات: ﴿أَلَمَ تَرَ إِلَى﴾ ملأ القُوى ﴿مِنْ بَفِتْ
إِسْرَِّيلَ﴾ البَدَن ﴿مِنْ بَعْدٍ مُوسَى﴾ القَلْب ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَجِرِ﴾ عقولهم ﴿أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا
تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللّهِ﴾ وطريق الوصول إليه بواسطة أمره وإرشاده.
﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ﴾ أي: إني أتوقّع منكم
عدمَ المقاتلة لانغماسكم في أوحال الطبيعة ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَّا أَلَّا نُقَتِلَ﴾ في طريق
السير إلى الله تعالى، ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا﴾ من ديار استعداداتنا الأصلية التي لم نَزَّلْ
بالحنين إليها، واغتربنا عن أبناء كمالاتنا اللاتي لم نبرح عن مَزيد البكاء عليها .
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ لعدوهم الذي تسبب لهم الاغتراب، وأحلَّ بهم
العجب العُجاب، ﴿تَوَلَّوْا﴾ وأعرضوا عن مُقاتلته، وانتظموا في سِلْك شيعته، ﴿إِلَّا
قَلِيلًا مِّنْهُمُ﴾ وهم القُوى المستعدَّة ﴿وَللَّهُ عَلِيمٌ بِالَِّينَ﴾ الذين نقصوا حظوظهم.

التفسير الإشاري (٢٥٢-٢٥٢)
٣٧٩
سُورَةُ الْبَعَة
﴿وَقَالَ لَّهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ﴾ الروحِ الإنساني ﴿مَلِكًا﴾
متوَّجاً بتاج الأنوار الإلهية جالساً على كسرى التدبيرات الصمدانية ﴿قَالُواْ﴾
لاحتجابهم بحجاب الأنانية وغفلتهم عن العلوم الحقَّانية: كيف ﴿يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
عَلَيْنَا﴾ مع انحطاط مرتبته بتنزله إلى عالم الكثافة من عالمه الأصلي، وليس فيه
مشابهةٌ لنا ﴿وَتَحْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ﴾ لاشتراكنا في عالمنا، ومشابهة بعضنا بعضاً،
وشبيه الشيء مَيَّالٌ إليه قريب اتِباعه له، ولكل شيء آفةٌ من جنسه ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً﴾
من مال التصرف إذ لا يتصرف إلا بالواسطة ﴿قَالَ إِنَ اللَّهَ﴾ اختاره عليكم
لبساطته وتركُبكم، ﴿وَزَادَهُ﴾ سعةً ﴿فِى الْعِلْمِ﴾ الإلهي وقوةً في الذات النوراني
﴿وَاَللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيدبِّره بإذنه ﴿وَاللَّهُ وَاسِعُ﴾ لسعة الإطلاق،
﴿عَلِيٌ﴾ بالحِكْم التي تقتضي الظهور والتجلّي بمظاهر الأسماء.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ﴾﴾ عليكم وخلافته من قِبَل الربّ فيكم
﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ تابوتُ الصدر﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: طمأنينة ﴿مِّن زَّيِّكُم﴾ وهي
الطمأنينة بالإيمان والأنس بالله تعالى ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَّكَ ءَالُ مُوسَى﴾ القلب ﴿وَءَالُ
هَدُرُونَ﴾ِ السِّر، وهي من التوحيد، وعصا لا إله إلا الله التي تلقف عظيمَ سحر
صفات النفس، وطَسْت تجلِّي الأنوار الذي يُغسل به قلوب الأنبياء، وشيء من
توراة الإلهامات، تحمله ملائكةُ الاستعدادات لدى طالوت الروح، فعند ذلك تسلّم
له الخلافة، وينقادُ له جميع أسباط صفات الإنسان.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ لَالُوتُ﴾ وجنوده من وزير العقل ومُشير القلب ومُدير الأفهام ونظام
الحواس ﴿قَالَ إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ﴾ الطبيعة الجسمانية المُترع بمياه الشهوات
﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾ وكَرَعَ مُفرطاً في الرِّي، فليس من أشياعي الذين هم من عالم
الروحانيات وأهل مكاشفات الصفات ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ ويَذُقْه فإنه من سكان حظائر
القُدس وحضَّار جلوة عرائس منصة الأُنس ﴿إِلَّا مَّنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهٍ﴾ وقَنِعَ من
ذلك بقَدْرِ الضرورة والاحتياج من غير حرص وانهماك ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ﴾ وكَرَعوا
وانهمكوا فيه ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهم المُتنزّهون عن الأقذار الطبيعية، المتقدِّسون عن
ملابسها، المُتجرِّدون عن غواشيها، وقليل ما هم.
﴿فَلَمَّا﴾ جاوز طالوت الروح نهرَ الطبيعة، وعبره ﴿هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ من

سُورَةُ الْبَّنَ
٣٨٠
الآية : ٢٥٣
القلب والعقل والمَلَك وغيرهم من أتباع الروح معه، قال بعضُهم - وهم الضعفاء
الذين لم يَصِلوا إلى مقام التمكين -: ﴿لَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ﴾ بمحاربة جالوت النفس
وأعوانه؛ لِعراقتهم بالخدع والدسائس، ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾ يتيقَّنون أنهم ملاقو الله
بالرجوع إليه: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِتَةً كَثِيرَةٌ﴾ وقهرَتْها حتى أذهبتْ
كثرتها ﴿إِذْنِ اللَّهِ﴾ وتيسيره ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّيِينَ﴾ بالتجلِّي الخاصّ لهم.
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا﴾ لحرب جالوت وجنوده تبرؤوا من الحول والقوة وقالوا:
﴿رَبَّنَاَ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ واستقامة ﴿وَثَيِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ في ميادين الجهاد حتى
لا نرجع القهقرى من بعد، ﴿وَأَنصُرْنَا﴾ على أعدائنا الذين ستروا الحق، وهم
النفس الأمّارة وصفاتُها ﴿فَهَزَّمُهُمْ﴾ وكسروهم ﴿بِذْنٍ اَللَّهِ وَقَّتَلَ دَاوُودُ﴾ القلب
﴿كَالُونَ﴾ النفس، ووصلوا كلَّهم إلى مقام التمكين، فلا يخشون الرجعة والرِّدة،
وكان قَدْ رماه بحجر التسليم في مِقْلاع الرضا بيد ترك الالتفات إلى السِّوى،
فأصاب ذلك دماغَ هواه فخرَّ صريعاً، فآتى الله تعالى داودَ مُلك الخلافة وحكمة
الإلهامات، ﴿وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَآءُ﴾ من صنعة لبوس الحروب، ومنطق طيور
الواردات، وتسبيح جبال الأبدان.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم﴾ كأرباب الطلب ﴿يِبَعْضٍ﴾ كالمشايخ الواصلين
﴿لَفَسَدَتِ﴾ أرضُ استعداداتهم المخلوقة في أحسن تقويم عند استيلاء جالوت النفس
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَيِينَ﴾ ومن فضله تحريكُ سلسلة طلب الطالبين،
وإلهامُ أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، وتوفيقُهم للتمسك بذيل تربيتهم والتشبُّك
بأهدابٍ سيرتهم، فسبحانه من جَواد لا يبخلُ، ومُتُفضِّلٍ على مَنْ سأل ومَن لم يسأل.
﴿يَلْكَ الرُّسُلُ﴾ استئنافٌ مشعر بالترقِّي، كأنه قيل: إنَّك لمن المرسلين وأفضلِهم
فضلاً، والإشارةُ لجماعة الرُّسل الذين منهم رسولُ اللهِ وَّز، وما فيه من معنى
البُعد - كما قيل - للإيذان بعلوٌ طبقتهم وبُعد منزلتهم، واللام للاستغراق، ويجوز أن
" تكون للجماعة المعلومة له ، أو المذكورة قصصُها في السورة، واللامُ للعهد،
واختيارُ جمع التكسير لقرب جمع التصحيح.
﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ﴾ بأن خَصَصنا بعضَهم بمنقبةٍ ليست تلك المنقبة للبعض