النص المفهرس

صفحات 341-360

الآية : ٢٣٨
٣٤١
سُورَةُ الْبَقَة
بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم،
فأنزل الله تعالى ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ﴾ إلخ، فقال رسول الله وَّهِ: ((لَينتهينَّ رجالٌ
أو لأُحَرِفَنَّ بيوتهم)»(١).
ويُؤكِّد كونها غيرَ العصر ما أخرجه مسلم وغيره من طرقٍ عن أبي يونس مولى
عائشة قال: أَمرَتْني عائشةُ أن أكتبَ لها مصحفاً، فأملَتْ عليَّ: حافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقالت: سَمِعتُها من رسول الله وَلِينَ(٢).
والعطف يقتضي المُغايرة.
وأخرج مالك وغيره من طرق أيضاً عن عمرو بن رافع قال: كنتُ أكتبُ مصحفاً
لحفصةَ زوج النبي وَليز، فأملَتْ عليَّ: ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
وصلاة العصر))(٣).
وأخرج ابن أبي داود في ((المصاحف)) عن عبد الله بن رافع أنه كتب لأم سلمة
مصحفاً، فأملَتْ عليه مثلَ ما أملَتْ عائشةُ وحفصة (٤).
وأخرج ابن أبي داود عن ابن عباس ◌ًِّا أنه قرأ كذلك(٥).
وأخرج أيضاً عن أبي رافع مولى حفصةً قال: كتبتُ مصحفاً لحفصةً، فقالت:
اكتب: ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر)). فلقيتُ أبيَّ بن
(١) أخرجه أحمد (٢١٧٩٢) بهذا السياق من حديث أسامة بن زيد ◌ًا، وإسناده منقطع،
وأخرجه من حديث زيد (٢١٥٩٥) بلفظ: كان رسول الله وهو يصلي الظهر بالهاجرة، ولم
يكن يصلَّى صلاة أشدّ على أصحاب النبي منها، قال: فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الْعَلَوَتِ
وَاَلْضَلَّوْةِ الْوُسْطَى﴾.
(٢) صحيح مسلم (٦٢٩)، وأخرجه أحمد (٢٤٤٤٨)، وقد ذكره المصنف مختصراً وذكر ابن
عبد البر في التمهيد ٢٧٨/٤ في تعليقه على الحديث أن العلماء أجمعوا على أن ما في
مصحف عثمان هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، وأن كل ما روي في
القراءات في الآثار عن النبي # أو عن الصحابة مما يخالف مصحف عثمان لا يقطع بشيء
من ذلك على الله عز وجل، ولكن ذلك في الأحكام يجري مجرى خبر الواحد.
(٣) موطأ مالك ١٣٩/١.
(٤) المصاحف (٢٤٨ - ٢٥٠).
(٥) المصاحف (٢١٠).

سُوَّةُ الْبَادَة
٣٤٢
الآية : ٢٣٨
كعب فقال: هو كما قالت أوَ ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في عملنا
ونواضحنا (١)؟.
وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من هذه القراءة أنها الظهر.
هذا وعن الربيع بن خُثيم وأبي بكر الورّاق أنها إحدى الصلوات الخمس، ولم
يُعيِّنها الله تعالى، وأخفاها في جملة الصلوات المكتوبة ليحافظوا على جميعها
كما أخفى ليلةَ القدر في ليالي شهر رمضان، واسمَه الأعظم في جميع الأسماء،
وساعةً الإجابة في ساعات الجمعة.
وقرأ عبد الله: ((وعلى الصلاة الوسطى(٢)، وروي عن عائشة ((والصلاةَ)):
بالنصب على المدح والاختصاص(٣). وقرأ نافع: ((الوصطى)) بالصاد(٤).
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ أي: في الصلاة ﴿قَدْنِتِينَ ﴾ أي: مطيعين، كما هو أصل
معنى القنوت عند بعض، وهو المروي عن ابن عباس ﴿ا، أو: ذاكرين له تعالى
في القيام بناءً على أن القنوت هو الذكر فيه. وقيل: خاشعين.
وقيل: مُكَمِّلين الطاعة ومُتِِّّيها على أحسن وجه من غير إخلالٍ بشيء مما ينبغي
فيها، ويُؤْيِّده ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال: من القنوت طولُ الركوع وغضُّ
البصر والخشوع، وأن لا يلتفتَ، وأن لا يقلب الحصى، ولا يعبث بشيء،
ولا يُحدِّثُ نَفْسَه بأمر من أمور الدنيا(٥).
وفسَّره البخاري في ((صحيحه)) بساكتين؛ لما أخرج هو ومسلم وأبو داود
وجماعة عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلّم على عهد رسول الله وَله في الصلاة يُكلِّم
(١) المصاحف (٢٤٧).
(٢) البحر المحيط ٢٤٢/٢.
(٣) الكشاف ٣٧٦/١، والبحر ٢٤٢/٢، وهي في القراءات الشاذة ص ١٥ عن أبي جعفر
الرؤاسي.
(٤) الكشاف ٣٧٦/١، والبحر المحيط ٢٤٢/٢، وهي غير المشهورة عن نافع، والمشهور عنه:
((الوسطى)) بالسين.
(٥) تفسير الطبري ٣٨١/٤ - ٣٨٢.

الآية : ٢٣٩
٣٤٣
سُؤَكَةُ الْبَغَة
الرجلُ منَّا صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿ وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا
بالسكوت ونُهينا عن الكلام(١).
ولا يخفى أنه ليس بنصٍّ في المقصود، ولعلَّ الأوضحَ منه ما أخرجه ابن جرير
عن ابن مسعود رضيه قال: أتيتُ النبي ◌َّهِ وهو يُصلِّي، فسلَّمت عليه فلم يَرُدَّ عليَّ،
فلما قضى الصلاة قال: ((إنه لم يمنعني أن أَرُدَّ عليك السلامَ إلا أنَّا أُمِرْنا أن نقوم
قانتين لا نتكلّم في الصلاة))(٢).
وقال ابن المسيب: المراد به القنوت في الصبح. وهو روايةٌ عن ابن
عباس ﴾(٣).
والجارُّ والمجرور مُتعلِّق بما قبله أو بما بعده.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدوٍّ أو غيره ﴿فَرِجَالًّا أَوْ رُكَبَانٌ﴾ حالان من الضمير في
جواب الشرط، أي: فصلَّوا راجلين أو راكبين. والأول جمع راجل، وهو الماشي
على رجليه، ورجل بفتح فضم، أو بفتحٍ فكسر بمعناه، وقيل: الراجل الكائن على
رجليه واقفاً أو ماشياً.
واستدلَّ الشافعي ◌َبه بظاهر الآية على وجوب الصلاة حالَ المسايفة وإن لم
يمكن الوقوف، وذهب إمامنا إلى أن المشي وكذا القتال يُبطلها، وإذا أدَّى الأمر
إلى ذلك أخّرها ثم صلَّها آمناً، فقد أخرج الشافعي بإسناد صحيح عن أبي سعيد
الخدري څ قال: حُبسنا يوم الخندق حتى ذهب مَوِيٌّ من اللیل حتی کُفينا
القتال، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْفِتَالُ﴾ [الأحزاب: ٢٥] فدعا
رسول الله و # بلالاً فأمر فأقام الظهر فصلًّاها كما كان يُصلِّي، ثم أقام العصر
فصلًاها كذلك، ثم أقام المغرب فصلًاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلًّاها
كذلك(٤). وفي لفظ: فصلَّى كل صلاة ما كان يُصلِّيها في وقتها. وقد كانت صلاةٌ
(١) صحيح البخاري (١٢٠٠)، وصحيح مسلم (٥٣٩)، وسنن أبي داود (٩٤٩).
(٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٨٠.
(٣) أخرجه الطبري ٤/ ٣٨٣.
(٤) مسند الشافعي ١٩٦/١، والهَوِيّ: الحين الطويل من الزمان. النهاية (هوى). السيرة النبوية
٢٠٣/٢ و٢١٤.
:

سُورَةُ الْبَعَة
٣٤٤
الآية : ٢٣٩
الخوف مشروعةً قبل ذلك؛ لأنها نزلت في ذات الرقاع وهي قبل الخندق، كما قاله
ابن إسحاق وغيره من أهل السير.
وأُجيب بمنع أنَّ صلاةَ الخوف مطلقاً ولو شديداً شُرِعت قبل الخندق لِيُستدلَّ
بما وقع فيه من التأخير، ويجعل ناسخاً لما في الآية كما قيل. والمشروعُ في ذات
الرِّقاع قبلُ صلاةُ الخوف الغير الشديد، وهي التي نزلت فيها: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِهِمْ
فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٠٢] لا صلاة شدّة الخوف المُبيّنة بهذه الآية،
والنزاع إنما هو فيها، وهي لم تُشرع قبل الخندق بل بعده، وفيه كان الخوف شديداً
فلا يضرُّ التأخير.
وقد أجاب بعض الحنفية: بأنَّا سلَّمنا جميع ذلك، إلا أن هذه الآيةَ ليست نصًّا
في جواز الصلاة مع المشي أو المسايفة، إذ يحتمل أن يكون الراجلُ فيها بمعنى
الواقف على رجليه، لا سيما وقد قُوبل بالراكب، وقد عُلم من خارجٍ وجوبُ عدم
الإخلال في الصلاة، وهذا إخلالٌ كُلِّي لا يحتمل فيها لإخراجه لها عن ماهيتها
بالكلية.
وأنت تعلم - إذا أنصفتَ - أنَّ ظاهر الآية صريحةٌ مع الشافعية؛ لسبقٍ
((وقوموا ... ))، والدين يُسر لا عُسر، والمقامات مختلفة، والميسور لا يسقط
بالمعسور، وما لا يُدرك لا يُترك فَلْيفهم.
وقرئ: ((رجالاً)) بضم الراء مع التخفيف، وبضمها مع التشديد. وقُرئ:
((فَرُجَّلاً)) أيضاً(١).
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ وزال خوفكم. وعن مجاهد: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار
الإقامة. ولعله على سبيل التمثيل ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهُ﴾ أي: فصلُّوا صلاةَ الآمن،
كما قال ابن زيد، وعبَّر عنها بالذِّكر لأنه معظم أركانها، وقيل: المراد: اشكروه
على الأمن.
وبعضهم أوجب الإعادة، وفسر هذا بأعيدوا الصلاة، وهو من البُعد بمكان.
(١) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ١٥، والبحر ٢٤٣/٢.

الآية : ٢٤٠
٣٤٥
سُوَّةُ الْبَقَة
﴿كَمَا عَلَّمَكُم﴾ أي: ذِكْراً مثل ما علَّمكم من الشرائع وكيفية الصلاة حالتي
الأَمْن والخوف: أو شكراً يُوازي ذلك، و ((ما)) مصدرية، وجوِّز أن تكون موصولةً،
وفيه بُعد.
﴿َّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ مفعول ((علَّمكم)) وزاد ((تكونوا)) ليفيد النَّظم،
ووقع في موضع آخر بدونها، كقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَانَ مَا لَمْ يَ﴾ [العلق: ٥] فقيل:
الفائدةُ في ذكر المفعول فيه وإن كان الإنسان لا يُعلَّم إلا ما لم يَعلَم التصريحُ بذكر
حالة الجهل التي انتقل عنها، فإنه أوضحُ في الامتنان. وفي إيراد الشرطية الأُولى
بـ ((إن)) المفيدةِ لمشكوكية وقوع الخوف ونُدرته، وتصديرِ الثانية بـ ((إذا)) المُنْبِئةِ عن
تحقّق وقوع الأمن وكَثْرته، مع الإيجاز في جواب الأُولى والإطنابِ في جواب
الثانية المَبنيَّين على تنزيل مقام وقوع المأمور به فيهما منزلةً مقام وقوع الأمر
تنزيلاً مستدعياً لإجراء مقتضى المقام الأوَّل في كلٌّ منهما مُجرى مقتضى المقام
الثاني من الجزالة والاعتبار كما قيل = ما فيه عبرةً لذوي الأبصار.
﴿وَ الَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ عودٌ إلى بيان بقية الأحكام المُفْصَّلة
فيما سبق، وفي ((يُتَوقَّون)) مجاز المشارفة.
﴿وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِمْ﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة [وحفص] عن عاصم بنصب
((وصيةً))(١) على المصدرية، أو على أنها مفعول به، والتقدير: ليوصوا - أو يُوصون
- وصيةً، أو كتب الله تعالى عليهم، أو الزموا وصيةً، ويُؤيِّد ذلك قراءةُ عبد الله:
(كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول))(٢) مكان ((والذين)) ... إلخ.
وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر بتقديرٍ ليصح الحمل، أي: ووصيةُ الذين
يُتوقَّون - أو حكمُهم - وصيةٌ، أو: والذين يُتوقّون أهلُ وصية، وجوّز أن يكون نائبَ
فاعلٍ فعلٍ محذوف، أو مبتدأ لخبرٍ محذوفٍ مقدَّم عليه، أي: كُتب عليهم، أو:
علیهم، وصیةٌ.
وقرأ أُبيِّ: ((متاعٌ لأزواجهم)) ورُوي عنه ((فمتاع)) بالفاءِ(٣).
(١) التيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢، وما بين حاصرتين منهما.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٥.
(٣) القراءات الشاذة ص١٥، والبحر المحيط ٢٤٥/٢.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٤٦
الآية : ٢٤٠
﴿مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ نصب بـ ((يُوصون)) إن أضمرته، ويكون من باب الحذف
والإيصال، وإلا فبالوصية لأنها بمعنى التوصية، وبـ ((متاع)) على قراءة أُبيّ لأنه
بمعنی التمتّع.
﴿غَيّرَ إِخْرَاجْ﴾ بدلٌ منه بدلَ اشتمال إن اعتبر اللزوم بين التمتُّع إلى الحول وبين
غير الإخراج، وبدلَ الكلِّ بحسب الذات، فإنهما مُتَّحدان بالذات ومُتغايران
بالوصف.
وذكر بعضُهم أنه على تقدير البدل لا بدَّ من تقدير مضافٍ إلى ((غير)) تقديره:
متاعاً إلى الحول متاعَ غيرِ إخراج، وإلا لم يصحَّ لأن ((متاعاً)) مُفسَّر بالإنفاق،
و((غير إخراج)) عبارة عن الإسكان، وليس مدلولُه مدلولَ الأوَّل، ولا جُزأه،
ولا مُلابِساً له، فيكون بدل غلط، وهو لا يصح في الكلام المجيد، فيتعين التقدير،
وحينئذ يكون إبدال الخاصِّ من العام، وهو من قبيل إبدال الكل من الجزء، نحو:
رأيت القمر فَلَكَه. وهو بدل الاشتمال، كما صرح به صاحب ((المفتاح)).
وأجيب بأنَّا لا نُسلِّم أنّ ((متاعاً) مفسَّر بالإنفاق فقط، بل المتاع عامٌّ شامل
للإنفاق والإسكان جميعاً، فيكون ((غير إخراج)) عبارة عن الإسكان الذي هو بعضُ
من (متاعاً)) فيكون بدل البعض من الكلِّ.
وجوِّز أن يكون مصدراً مؤكّداً؛ لأن الوصية بأن يُمَّعن حولاً يدل على أنهنَّ
لا يخرجن، فكأنه قيل: لا يخرجن غيرَ إخراج، ويكون تأكيداً لنفي الإخراج الدالّ
عليه ((لا يخرجن)) فيؤول إلى قولك: لا يخرجن لا يخرجن.
وأن يكون حالاً من «أزواجهم))، والأكثرون على أنها حالٌ مؤكّدةٌ إذ لا معنى
لتقييد الإيصاء بمفهوم هذه الحالة، وأنها مقدَّرة؛ لأنّ معنى نفي الإخراج إلى الحول
ليس مقارناً للإيصاء، وفيه تأمّل.
وأن يكون صفة ((متاع)) أو منصوباً بنزع الخافض، والمعنى: يجب على الذين
يتوفون أن يُوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يُمثَّعن بعدَهم حولاً بالنفقة
والسُّكنى.
وكان ذلك على الصحيح في أوّل الإسلام، ثم نُسخت المُدَّة بقوله تعالى:

الآية : ٢٤١
٣٤٧
سُوَّةُ الْبََّقَة
﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وهو وإن كان مُتقدِّماً في التلاوة فهو مُتأخّر في
النزول، وكذا النفقة بتوريثهنّ الربع أو الثمن.
واختلف في سقوط السُّكنى وعدمه، والذي عليه ساداتنا الحنفية الأوّل،
وحُجَّتهم أنّ مال الزوج صار ميراثاً للوارث، وانقطع مُلكه بالموت، وذهب
الشافعية إلى الثاني لقوله وَاجِ: ((امكُثي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أجلَه))(١).
واعْترِضَ بأنه ليس فيه دلالةٌ على أنَّ لها السُّكنى في مال الزوج، والكلام فيه.
﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ بعد الحول، ومُضيّ العدّة، وقيل: في الأثناء باختيارهنّ ﴿فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياءَ الميت، أو أيها الأئمة ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِىّ أَنفُسِهِرَ مِن
مَّعْرُوفٍ﴾ لا يُنكره الشرع، كالتطيُّب والتزيّن وترك الحداد والتعرض للخُطَّاب، أو
في ترك منعهنَّ من الخروج، أو قطع النفقة عنهنَّ، فلا نصَّ في الآية على أنه لم
يكن يجب عليهنَّ ملازمةُ مسكن الزوج والحِداد عليه، وإنما كُنَّ مُخيَّرات بين
المُلازمة وأخذِ النفقة، وبين الخروج وتركها .
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أمره ينتقم ممن خالف أَمْرَه في الإيصاء وإنفاذ الوصية
وغير ذلك ﴿حَكِيمٌ ﴾ يُراعي في أحكامه مصالح عباده فينبغي أن يُمتثل أَمْرُه
ونھیه.
﴿وَلْمُطَلَّقَتِ﴾ سواء كُنَّ مدخولاً بهن أَوْ لا ﴿مَتٌَ﴾ أي: مُطْلق المتعة الشاملة
للواجبة والمستحبة، وأوجبها سعيد بن جُبير وأبو العالية والزهري للكل، وقيل:
المراد بالمتاع نفقةُ العِدَّة.
ويجوز أن يكون اللام للعهد، أي: المطلقات المذكورات في الآية السابقة،
وهن غير الممسوسات وغير المفروض لهن، والتكرير للتأكيد والتصريح بما هو
أظهر في الوجوب، وهذا هو الأوفق بمذهبنا، ويُؤيِّده ما أخرجه ابن جرير عن ابن
زيد قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قال
رجل: إن أحسنتُ فعلتُ وإن لم أُرِدْ ذلك لم أفعل، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢).
(١) أخرجه أحمد (٢٧٠٨٧)، وأبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤) من حديث الفُريعة بنت
مالك.
(٢) تفسير الطبري ٤ / ٤١٢ .

سُورَةُ الْبَقَة
٣٤٨
الآية : ٢٤٢، ٢٤٣
فلا حاجة حينئذ إلى القول بأن تلك الآية مُخصّصة بمفهومها منطوقَ هذه الآية
المُعممة على مذهب من يرى ذلك، ولا إلى القول بنسخ هذه كما ذهب إليه ابن
المسيَّب، وهو أحدُ قولَي الإمامية.
﴿بَلْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الُْنَِّينَ ﴾ أي: من الكُفر والمعاصي.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك البيان الواضح للأحكام السابقة ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ
ءَايَتِهِ﴾ الدالَّةَ على ما تحتاجون إليه معاشاً ومعاداً ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: لكي
تكمل عقولُكم، أو لكي تصرفوا عقولَكم إليها، أو لكي تفهموا ما أُريد منها.
﴿أَلَرَ تَّرَ﴾ هذه الكلمة قد تُذكر لمن تقدَّم عِلْمه فتكون للتعجّب والتقرير والتذكير
لمن علم بما یأتي، کالأحبار وأهل التواريخ، وقد تُذکر لمن لا يكون كذلك فتكون
لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتَهَرتْ في ذلك حتى أُجريت مُجرى المثل في هذا الباب؛
بأَنْ شُبِّه حالُ مَن لم يَرَ الشيء بحال مَن رآه في أنه لا ينبغي أن يخفى عليه، وأنه
ينبغي أن يتعجّب منه، ثم أُجري الكلام معه كما يُجرى مع مَن رأى؛ قصداً إلى
المبالغة في شُهرته وعراقته في التعجب.
والرؤية إما بمعنى الإبصار مجازاً عن النظر، وفائدةُ التجوُّز الحثُّ على
الاعتبار؛ لأن النظر اختياريٌّ دون الإدراك الذي بعده، وإما بمعنى الإدراك القلبي
متضمناً معنى الوصول والانتهاء، ولهذا تعدَّت بإلى في قوله تعالى: ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾
کما قاله غير واحد.
وقال الراغب(١): إن الفعل مما يتعدَّى بنفسه، لكن لمَّا استُعير لمعنى: ألم
تنظر، عُدِّي تعديته بإلى، وفائدة استفادته أن النظر قد يتعدَّى عن الرؤية، فإذا أُريد
الحث على نظر ناتج لا محالة لها استعيرت له، وقلما استعمل ذلك في غير
التقرير، فلا يقال: رأيتُ إلى كذا. انتهى.
وقد يتعدَّى اللفظ على هذا المعنى بنفسه، وقلَّ مَن نَبَّه عليه، كقول امرئ
القیس :
(١) في مفردات ألفاظ القرآن (رأى) بنحوه.

الآية : ٢٤٣
٣٤٩
سُورَةُ الْبَقَة
وجدتُ بها طيباً ولم تتطيّب(١)
ألم تَرَياني كلما جئتُ طارقاً
والمراد بالموصول أهلُ قرية يقال لها: داوردان قُربَ واسط ﴿خَرَجُوا مِن
وِيَارِهِمْ﴾ فارِّين من الطاعون، أو من الجهاد حيث دُعوا إليه ﴿وَهُمْ أُلُوفُ حَذَّرَ
الْمَوْتٍ﴾ وكانوا فوقَ عشرة آلاف على ما استظهره الأكثر، بناءً على أنه لا يقال:
عشرة ألوف، ولا تسعة ألوف، وهكذا، وإنما يقال: آلاف.
فقول عطاء الخراساني: إنهم كانوا ثلاثةَ آلاف. وابنِ عباس في إحدى
الروايات عنه: إنهم أربعة آلاف. ومقاتل والكلبي: إنهم ثمانية آلاف. وأبي صالح:
إنهم تسعة آلاف. وأبي روق(٢): إنهم عشرة آلاف= لا يُساعده هذا الاستعمال.
والقائلون بالفوقية اختلفوا فقيل: كانوا بضعةً وثلاثين ألفاً، وحُكي ذلك عن
السدي. ورُوي عن ابن عباس ظيًا أنهم أربعون ألفاً. وقال عطاء بن أبي رباح:
إنهم سبعون ألفاً. ولا أرى لهذا الخلاف ثمرةً بعد القول بالكثرة، وإلى ذلك يميل
كلام الضحاك.
وحُكي عن ابن زيد أن المراد: خرجوا مؤتلفي القلوب، ولم يخرجوا عن
تباغض، فجعله جمع آلِف، مثل قاعد وقعود، وشاهد وشهود، وهو خلاف
الظاهر، وليس فيه كثيرُ اعتبار إذ ورود الموت دفعة كما يُنبئ عنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ
لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ على جمعٍ عظيمٍ أبلغُ في الاعتبار، وأما وقوعُه على قوم بينهم أُلفةٌ،
فهو كوقوعه على غيرهم. ومثّلُ هذا القولُ بأنّ المرادَ ألفهم وحُبُّهم لديارهم أو
لحیاتهم الدنیا .
والمراد بقوله تعالى إما ظاهره، وإما مجاز عن تعلّق إرادته تعالى بموتهم دفعة.
وقيل: هو تمثيلٌ لإماتته تعالى إياهم ميتةً نَفْس واحدة في أقرب وقتٍ وأدناه،
وأسرعٍ زمانٍ وأوحاه، بأمرٍ مُطاعٍ لمأمورٍ مُطيعٍ. وقيل: ناداهم ملكٌ بذلك. وعن
السدي أن المنادي مَلَكان، وإنما أسندَ إليه تعالَى تخويفاً وتهويلاً .
(١) ديوان امرئ القيس ص٤١.
(٢) في الأصل و(م): أبو رؤف، والمثبت من البحر المحيط ٢/ ٢٥٠، وأبو روق: هو عطية بن
الحارث الهِزَّاني، من الطبقة الخامسة. طبقات المفسرين ٣٨٠/١.

الآية : ٢٤٣
٣٥١
سُورَةُ الْبَرَة
ولعل هذا القولَ يعود بالآخرة إلى انقسام الموت، أو إلى أن إطلاقَ الموت
على ما ذُكر مجازٌ، وكلا الأمرين في القلب منهما شيء بل(١) أشياء.
وقد ذهب إلى مثله ابن الراوندي(٢) في جميع الأموات فقال: إنّ الأرواح
لا تُفارق الأبدان أصلاً، وإنما يحدث في الأبدان عوارضُ وعللٌ بحدثُ تفرق
الأجزاء منها كما يحدث للمجذومين، والروح كامنة في الأجزاء المتفرقة
أينما كانت، لكونها عريةً عن الإحساس والإدراك. وهو مذهب تحكُم الضرورةُ
بردِّه، عافانا الله تعالى والمسلمين عن اعتقاد مثله.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ جميعاً، أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا
فيفوزوا بالسعادة، وأمّا الذين سمعوا فقد هداهم إلى الاعتبار، وهذا كالتعليل
لما تقدَّم.
﴾ استدراكٌ مما تضمَّنه ما قبله،
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ
والتقدير: فيجب عليهم أن يشكروا فَضْله ولكنَّ ... إلخ. وجوِّز أن يُراد بالشكر
الاستبصار والاعتبار، ولا يخفى بُعده. والإظهار في مقام الإضمار لمزيد التشنيع.
ومناسبة هذه لمَا قبلها أنه سبحانه لمَّا ذكر جملاً من الأحكام التكليفية مشتملةً
على ذكر شيء من أحكام الموتى عقّب ذلك بهذه القصة العجيبة، تنبيهاً على عظيم
قُدرته، وأنه القادر على الإحياء والبَعْث للمجازاة، واستنهاضاً للعزائم على العمل
للمعاد والوفاء بالحقوق والصبر على المشاق.
وقيل: وجه المناسبة أنه لمَّا ذكر سبحانه ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ،
ذكر هذه القصة؛ لأنها من عظیم آياته وبدائع قُدرته.
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
وقيل: جعل الله تعالى هذه القصةَ لِمَا فيها من تشجيع المسلمين على الجهاد
والتعرُّض للشهادة، والحثّ على التوكل والاستسلام للقضاء تمهيداً لقوله تعالى:
(١) في الأصل: أو، والمثبت من (م).
(٢) أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين الزنديق الشهير، كان أولاً من متكلمي المعتزلة،
ثم تزندق، صنف كتباً كثيرة يطعن فيها على الإسلام. مات سنة (٢٩٨هـ). لسان الميزان
٣٢٣/١.

سُوَّةُ الْبَادَة
٣٥٠
الآية : ٢٤٣
﴿ثُمَّ أَخْيَهُمْ﴾ عطف على مقدَّر يستدعيه المقام، أي: فماتوا ثم أحياهم، قيل:
وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلَّف مراده تعالى عن إرادته
الكونية. وجوّز أن يكون عطفاً على ((قال)) لما أنه عبارة عن الإماتة.
والمشهور أنهم بقوا موتى مدةً حتى تفرَّقت عظامهم، فمرّ بهم حِزقيل الشهير
بابن العجوز خليفةُ كالب بن يوفنا خليفة يوشع بن نون. وقيل: شمعون، ورُوي
ذلك عن ابن عباس رضيها. وقال وهب: إنه شمويل، وهو ذو الكفل. وقيل: يوشع
نفسه. فوقف متعجباً لكثرة ما يرى منهم، فأوحى الله تعالى إليه أن نادٍ: أيتها
العظام، إن الله تعالى يأمرك أن تجتمعي. فاجتمعت حتى التزق بعضُها ببعض،
فصارت أجساداً من عظام لا لحمَ ولا دم. ثم أوحى الله تعالى إليه أن نادٍ: أيتها
الأجسام، إن الله تعالى يأمرك أن تكتسي لحماً. فاكتسَتْ لحماً. ثم أوحى الله
تعالى إليه أن نادٍ: إن الله تعالى يأمرك أن تقومي. فَبُعِثوا أحياء يقولون: سبحانك
اللهم ربَّنا وبحمدك لا إله إلا أنت. والروايات في هذا الباب كثيرة.
والظاهر أنهم لم يَرَوْا في هذا الموتِ من الأهوال والأحوال ما يصير بها
معارفهم ضرورية، ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة، ويمكن
أن يقال: إنهم رأوا ما يراه الموتى إلا أنهم أُنسوه بعد العودة، والقادر على الإماتة
والإحياء قادرٌ على الإنساء، وسبحان من لا يُعجزه شيء.
وعلى كلا التقديرين لا يُشكِل موت هؤلاء في الدنيا مرتين مع قوله تعالى: ﴿لَا
يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ الآية [الدخان: ٥٦] لأن ذلك لم يكن عن استيفاء آجال -
كما قال مجاهد - وإنما هو موت عقوبة، فكأنه ليس بموت، وأيضاً هو من خوارق
العادات، فلا يَرِدُ نقضاً.
ومن الناس من قال: إن هذا لم يكن موتاً كالموت الذي يكون وراءه الحياة
للنشور، وإنما هو نوعُ انقطاع تعلَّقِ الروحِ عن الجسد بحيث يلحقه التغيُّر والفساد،
وهو فوق داء السَّكتة والإغماء الشديد، حتى لا يشك الرائي الحاذق لو رآه بانقطاع
التعلُّق أصلاً، ولم يعلم أنه قد بقي تعلُّقٌ ما، لكنه لم يصل إلى حدّ الحياة المعلومة
لدینا .

سُؤَدَّةُ الْبَّغَة
٣٥٢
الآية : ٢٤٤
﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو عطف في المعنى على ((ألم تر))؛ لأنه بمعنى: انظروا
وتفكّروا، والسورة الكريمة لكونها سَنامَ القرآن ذكر فيها كلِّيات الأحكام الدينية من
الصيام والحج والصلاة والجهاد على نَمَطِ عجيب، مستطرداً تارةً للاهتمام بشأنها،
يكر عليها كلما وُجد مجال، ومقصوداً أُخرى، دلالةً على أن المؤمن المُخلص
لا ينبغي أن يَشْغَلَه حالٌ عن حال، وأن المصالح الدنيويةَ ذرائعُ إلى الفراغة
للمشاغل الأخروية، والجهاد لمَّا كان ذروةَ سَنام الدّين، وكان من أشقّ التكاليف،
حرَّضهم عليه من طُرقٍ شتّى مبتدأ من قوله سبحانه: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٤] منتهياً إلى هذا المقال الكريم، مُختتماً بذكر الإنفاق في سبيله
للتتميم، قاله في ((الكشف)).
وجوّز في العطف وجوه أُخَر:
الأوّل: أنه عطف على مقدَّر يُعيِّنه ما قبله، كأنه قيل: فاشكروا فَضْلَه بالاعتبار
بما قصَّ عليكم، وقاتلوا في سبيله لما عَلِمْتُم أن الفرار لا يُنجي من الحِمَام، وأن
المُقدَّر لا يُمحى، فإن كان قد حان الأجلُ فموتٌ في سبيل الله تعالى خيرُ سبيل،
وإلا فنصرٌ وثواب.
الثاني: أنه عطفٌ على ما يُفهم من القصة، أي: اثبتوا ولا تهربوا كما هرب
هؤلاء، وقاتلوا.
الثالث: أنه عطفٌ على ((حافظوا على الصلوات)) إلى ((فإن خفتم)) الآية؛ لأن
فيه إشعاراً بلقاء العدوّ وما جاء جاء كالاعتراض.
الرابع: أنه عطف على ((قال لهم الله)) والخِطاب لمن أحياهم الله تعالى، وهو
كما ترى.
﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهُ سَمِيعُ﴾ لما يقوله المُتخلِّف عن الجهاد من تنفير الغير عنه،
وما يقوله السابق إليه من ترغيب فيه ﴿عَلِيمٌ (19)﴾ بما يُضمره هذا وذلك من
الأغراض والبواعث، فَيُجازي كلَّ حَسَبَ عمله وِيَّته.
﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ ((من)) استفهاميةٌ مرفوعةُ المحل بالابتداء، و ((ذا)) خبره
و((الذي)) صفةٌ له، أو بدل منه، ولا يجوز أن يكون (مَنْ ذا)» بمنزلة اسم واحد مِثْلَ

الآية : ٢٤٥
٣٥٣
سُورَةُ الْبَنَة
ما تكون ماذا كذلك، كما نصّ عليه أبو البقاء(١)؛ لأن ((ما)) أشدُّ إبهاماً مِنْ ((مَنْ)).
وإقراضُ الله تعالى مَثَلٌ لتقديم العمل العاجل طلباً للثواب الآجل، والمراد
هاهنا إمّا الجهاد المُشتمل على بَذْل النفس والمال، وإما مُطلَق العمل الصالح،
ويدخل فيه ذلك دخولاً أوليًّا، وعلى كلا التقديرين لا يخفى انتظامُ الجملة
بما قبلها .
﴿قَرْضَا﴾ إمّا مصدر بمعنى: إقراضاً، فيكون نصباً على المصدرية، وإمّا بمعنى
المفعول، فيكون نصباً على المفعولية، وقوله سبحانه: ﴿حَسَنًا﴾ صفةٌ له على
الوجهين، وجِهةُ الحُسْن على الأوّل الخُلوص مَثَلاً، وعلى الثاني الحِلُّ والطّيب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب به: القَرْضُ الحَسَن: المجاهدةُ
والإنفاق في سبيل الله تعالى (٢). وعليه يلتئم النَّظم أتمَّ التئام ..
﴿فَيُضَدِفَهُ﴾ أي: القَرْض ﴿لَهُ﴾ وجَعْلُه مضاعفاً مجازٌ؛ لأنه سببُ المضاعفة،
وجوّز تقدير مضاف، أي: فيضاعِف جزاءَه، وصيغة المُفاعلة ليست على بابها إذا
لا مُشاركة، وإنما اختيرتْ للمبالغةِ المُشيرةِ إليها المغالبةُ.
وقرأ عاصمٌ بالنصب، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون معطوفاً على مصدر ((يُقرض)) في المعنى، أي: مَنْ ذا الذي
یکون منه قرضٌ فمضاعفةٌ من الله تعالى.
وثانيهما: أن يكون جواباً لاستفهام(٣) معنّى أيضاً؛ لأن المُستَفْهَمَ عنه وإن كان
المُقرِض في اللفظ إلا أنه في المعنى الإقراض، فكأنه قيل: أَيُقْرِضُ الله تعالى أحدٌ
فَيُضاعِفَه، وهذا ما اختاره أبو البقاء(٤)، ولم يُجوِّز أن يكون جوابَ الاستفهام في
اللفظ؛ لأن المُسْتَفْهَمَ عنه فيه المُقرِضُ لا القرض، ولا عَظْفَه على المصدر الذي
هو ((قرضاً)) كما يعطف الفعل على المصدر بإضمار أنْ؛ لأمرين - على ما قيل -
(١) إملاء ما من به الرحمن ١/ ٤٨٠ (بهامش الفتوحات الإلهية).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٤٦٠ .
(٣) في الأصل: جواب الاستفهام.
(٤) في إملاء ما من به الرحمن ١/ ٤٨١ (بهامش الفتوحات الإلهية).

سُوَّةُ الْبَقَة
٣٥٤
الآية : ٢٤٥
الأوّل: أن ((قرضاً) هنا مصدر مؤكِّد، وهو لا يقدر بأَنْ والفعل، والثاني: أنّ عَطْفَه
عليه يوجب أن يكون معمولاً لـ ((يُقْرِض))، ولا يصحّ هذا؛ لأن المضاعفةً ليست
مقروضةً، وإنما هي فعلٌ من الله تعالى، وفيه تأمل. وقرأ ابن كثير: ((يُضَعِّفُهُ)) بالرفع
والتشديد، ويعقوب وابن عامر ((يُضَعِّفَهُ)) بالنصب(١).
﴿أَضعفًا﴾ جمع ضعف، وهو مِثْلُ الشيء في المقدار إذا زِيْد علیه، فليس
بمصدر، والمصدر الإضعاف أو المُضاعفة، فعلى هذا يجوز أن يكون حالاً من
الهاء في ((يُضاعفه)) وأن يكون مفعولاً ثانياً على المعنى بأنْ تُضمَّن المضاعفة معنى
التصيير .
وجوِّز أن يعتبر واقعاً موقع المصدر، فينتصب على المصدرية حينئذ، وإنما جُمع
- والمصادر لا تُثَّى ولا تُجمع؛ لأنها موضوعةٌ للحقيقة من حيث هي - لقصد
الأنواع المختلفة، والمراد به أيضاً إذ ذاك الحقيقة لكنها تقصد من حيث وجودُها
في ضمن أنواعها الداخلة تحتها .
﴿كَثِيرَةٌ﴾ لا يعلم قَدْرَها إلا الله تعالى. وأخرج الإمام أحمد وابن المنذر وابن
أبي حاتم عن أبي عثمان النَّهدي قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إن الله تعالى
لَيَكْتُبُ لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفَ ألفِ حسنة، فَحجَجْتُ ذلك العام ولم أكن
أُريد أن أحجَّ إلا للقائه في هذا الحديث، فلقيت أبا هريرة فقلت له، فقال: ليس هذا
قلتُ، ولم يَحْفَظِ الذي حدَّثك، إنما قلتُ: إن الله تعالى لَيُعطي العبدَ المؤمن بالحسنة
الواحدة ألفي ألف حسنة، ثم قال أبو هريرة: أَوَ ليس تجدون هذا في كتاب الله
تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَدِفَهُ لَهُمْ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾؟ فالكثيرة عنده
تعالى أكثرُ من ألف ألف(٢) وألفي ألف، والذي نفسي بيده، لقد سمعتُ رسول الله وَّه
يقول: ((إنَّ الله تعالى يُضاعِفُ الحسنةَ ألفي ألف حسنة)).
(١) التيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢.
(٢) في الأصل و(م): ألفي ألف، والمثبت من الدر المنثور ٣١٣/١ وعنه نقل المصنف،
والحديث بنحوه في مسند أحمد (١٠٧٦٠)، وتفسير ابن أبي حاتم ٤٦١/٢. وفي إسناد
أحمد علي بن زيد بن جدعان، وفي إسناد ابن أبي حاتم زياد الجصاص وهما ضعيفان،
كما في التقريب.

التفسير الإشاري (٢٤٥-٢٤٥)
٣٥٥
سُؤَدَةُ الَّقَة
﴿وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُّطُ﴾ أي: يُقَتِّر على بعض ويُوَسِّع على بعض، أو يُقَتِّر تارةً
ويُوَسِّع أُخرى حسبما تقتضيه الحِكمة التي قد دقَّ سرُّها وجلَّ قَدْرُها، وإذا علمتم
أنه هو القابض والباسط وأن ما عندكم إنما هو من بَسْطه وعطائه فلا تبخلوا عليه،
فأقرضوه وأنفقوا مما وسَّع عليكم بدلَ توسعته وإعطائه، ولا تعكسوا بأن تبخلوا
بدلَ ذلك، فَيُعامِلَكم مثلَ معاملتكم في التعكيس بأن يَقْبِضَ ويُقَتِّر عليكم من بعد
ما وسَّع عليكم وأَقْدَركم على الإنفاق.
وعن قتادة والأصمّ والزجاج(١) أن المعنى: يقبضُ الصدقات، ويبسطُ الجزاء
عليها، فالكلام كالتأكيد والتقرير لما قبله، ووجه تأخيرِ البَسْط عليه ظاهر، ووجه
تأخيره على الأوّل الإيماءُ إلى أنه يعقبُ القبضَ في الوجود تسليةً للفقراء. وقرئ:
(يبصط)) بالصاد(٢).
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٥)﴾ فَيُجازيكم على حَسَب ما قدَّمتم.
ومن باب الإشارة: إن الصلوات خمس: صلاة السِّرّ بشهوده مقام الغيب،
وصلاة النفس بخمودها عن دواعي الريب، وصلاة القلب بمراقبته أنوار الكشف،
وصلاة الروح بمشاهدة الوصل، وصلاة البدن بحفظ الحواس وإقامة الحدود،
فالمعنى: ﴿حَفِظُواْ﴾ على هذه الصلوات الخمس، ﴿وَالضَّلَّوَةِ الْوُسْطَى﴾ التي هي
صلاة القلب، وشرطها(٣) الطهارة عن الميل إلى السِّوى، وحقيقتها التوجُّه إلى
المولى، ولهذا تبطل بالخَطَرات والانحراف عن كعبة الذات.
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ بالتوجّه إليه ﴿قَنِينَ﴾ أي: مُطيعين له ظاهراً وباطناً بدفع
الخواطر ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ صدمات الجلال حالَ سفركم إلى الله تعالى فصلُّوا راجلين
في بيداء المسير سائرين على أقدام الصِّدق، أو راكبين على مطايا العزم،
ولا يصدَّنَّكم الخوف عن ذلك.
(١) في معاني القرآن ٣٢٥/١.
(٢) قوله: بالصاد، ليس في (م). وقرأ: ((يبصط)) بالصاد نافع والبزي وشعبة والكسائي وروح
وأبو جعفر. التيسير ص٨١، والنشر ٢٣٠/٢.
(٣) في (م): التي شرطها.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٥٦
الآية : ٢٤٥
﴿فَإِذَآ أَمِنْتُمْ﴾ بعد الرجوع عن ذلك السفر إلى الوطن الأصلي بكشف الحجاب
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي: فصلُّوا له بكُلِّيتكم حتى تفنوا فيه. أو: فإذا أَمِنتم بالرجوع إلى
البقاء بعد الفناء فاذكروا الله تعالى لحصول الفرق بعد الجمع حينئذ، وأمّا قبل ذلك
فلا ذكر إذ لا امتياز ولا تفصيل، وقد قيل للمجنون: أَتُحِبُّ ليلى؟ فقال: ومَن
ليلى؟! أنا ليلى. وقال بعضهم:
نحن روحان حَلَلْنا بَدَنا
أنا مَنْ أهوى ومَنْ أهوى أنا
وإذا أبصرتَه أَبصرْتَنا(١)
فـإذا أبصرتَني أبصرتّه
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ أي: أوطانهم المألوفة ومَقَارِّ نفوسهم
المعهودة ومقاماتهم ومراتبهم من الدنيا وما ركنوا إليها بدواعي الهوى ﴿وَهُمْ﴾ قومٌ
﴿أُلُوفُ﴾ كثيرة، أو متحابُّون متالفون في الله تعالى، حذرَ موت الجهل والانقطاع
عن الحياة الحقيقية والوقوع في المهاوي الطبيعية ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ أي: أمرهم
بالموت الاختياري، أو أماتهم عن ذواتهم بالتجلِّي الذاتي حتى فنوا فيه، ﴿ثُمَّ
· بالحياة الحقيقية العلمية، أو به بالوجود الحقَّاني، والبقاء بعد الفناء.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى﴾ سائر ﴿النَّاسِ﴾ بتهيئة أسباب إرشادهم ﴿وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ لمزيد غَفْلتهم عما يُراد بهم.
﴿وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ النفس والشيطان ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللّهُ سَمِعُ﴾ هواجس نفوس
المقاتلين في سبيله ﴿عَلِيٌ﴾ بما في قلوبهم.
﴿َنِ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ الهَ﴾ ويبذلُ نفسَه له بذلاً خالصاً عن الشركة ﴿فَيُذِفَهُ لَهُم
أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ بظهور نعوت جماله وجلاله فيه، ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ أرواحَ المُوحِّدين
بقبضته الجبروتية في نور الأزلية، ﴿وَيَبْصٌُّ﴾ أسرارَ العارفين من قبضة الكبرياء،
وينشرها في مشاهدة سناء (٢) الأبدية. ويقال: القبض سِرُّه والبَسْط كَشْفُه. وقيل:
القبض للمُريدين والبسط للمُرادين، أو الأول للمشتاقين، والثاني للعارفين.
والمشهور أن القبضَ والبسط حالتان بعد ترقّي العبد عن حالة الخوف
(١) البيتان للحلّاج، كما في غرر الخصائص الواضحة ص٤٥٦.
(٢) في (م): ثناء.

الآية : ٢٤٦
٣٥٧
سُورَةُ الْبَيْنَة
والرجاء، فالقبض للعارف كالخوف للمستأمن، والفرق بينهما أن الخوف والرجاء
يتعلَّقان بأمرٍ مستقبلٍ مكروهٍ أو محبوب، والقبض والبسط بأمرٍ حاضرٍ في الوقت
يغلبُ على قلب العارف من واردٍ غيبيّ، وكان الأول من آثار الجلال والثاني من
آثار الجمال.
﴿أَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَّ مِنْ بَنِّ إِسْرَوِيلَ﴾ الملأ من القوم وجوهُهم وأشرافُهم، وهو
اسمٌ للجماعة لا واحدَ له من لفظه، وأصلُ الباب الاجتماع فيما لا يحتمل المزيد،
وإنما سُمِّي الأشرافُ بذلك لأن هيبتهم تملأ الصدور، أو لأنهم يتمالؤون - أي:
يتعاونون - بما لا مزيدَ عليه، و((من)) للتبعيض، والجارُّ والمجرور مُتعلِّق بمحذوف
وقع حالاً من الملا .
﴿مِنْ بَعْدٍ مُوسَى﴾ أي: من بعد وفاته عليه السلام، و((من)) للابتداء، وهي
متعلقة بما تعلَّق به ما قبله، ولا يضرُّ اتحاد الحرفين لفظاً لاختلافهما معنى.
﴿إِذْ قَالُواْ لِنَِّرٍ لَّهُمُ﴾ قال أبو عُبيدة: هو أشمويل بن حنة بن العاقر(١). وعليه
الأكثر. وعن السدي أنه شمعون.
وقال قتادة: هو يوشع بن نون، لمكان (من بعدٍ) من قبلُ، وهي ظاهرةٌ في
الاتصال. ورُدَّ بأن يوشع هذا فتى موسى عليهما السلام، وكان بينه وبين داود قرونٌ
كثيرة، والاتصال غیرُ لازم.
و ((إذا مُتعلِّقة بمضمر يستدعيه المقام، أي: ألم تر قصةً الملأ، وحديثَهم(٢)
حين قالوا ﴿أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ أي: أَقِمْ لنا أميراً.
وأصل البعث إرسالُ المبعوث من المكان الذي هو فيه، لكن يختلف باختلاف
متعلقه؛ يقال: بعث البعيرَ من مَبْركه: إذا أثاره، وبعثتُه في السير: إذا هَيَّجتَه،
وبعث الله تعالى الميت: إذا أحياه، وضرب البعث على الجند: إذا أمروا
بالارتحال.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٤٦٢. وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود
(٢) في (م): أو حديثهم.

سُورَةُ الْبَحْمَة
٣٥٨
الآية : ٢٤٦
﴿ُقَدَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مجزوم بالأمر، وقرئ بالرفع على أنه حال مقدَّرة،
أي: ابعثه لنا مقدِّرين القتال، أو مستأنف استئنافاً بيانيًّا، كأنه قيل: فماذا تفعلون
مع الملك؟ فأُجيب: نقاتلُ. وقرئ: ((يقاتل)) - بالياء - مجزوماً ومرفوعاً على
الجواب للأمر والوصف لـ ((ملكاً))(١).
وسبب طلبهم ذلك على ما في بعض الآثار أنه لمَّا مات موسى خلفه يوشع
لیقیم فيهم أمرَ الله تعالى، ويحكم بالتوراة، ثم خلفه کالب كذلك، ثم حزقيل
كذلك، ثم إلياس كذلك، ثم اليسع كذلك، ثم ظهر لهم عدوٌّ وهم العمالقة قومُ
جالوت - وكانوا سكانَ بحر الروم بين مصر وفلسطين - وظهروا عليهم، وغلبوا على
كثير من بلادهم، وأسروا من أبناء ملوكهم أربع مئة وأربعين، وضربوا عليهم
الجزية، وأخذوا توراتهم، ولم يكن لهم نبيٌّ إذ ذاك يُدبّر أمرهم، وكان سبط النبوة
قد هلكوا إلا امرأةً حبلى، فولدت غلاماً فسمَّته أشمويل - ومعناه إسماعيل - وقيل:
شمعون، فلما كَبِرَ سلَّمته التوراة وتعلَّمها في بيت المقدس، وكفله شيخٌ من
علمائهم، فلما كَبِرَ نبأه الله تعالى وأرسله إليهم، فقالوا: إن كنتَ صادقاً فـ((ابعث
لنا ملكاً)) الآية، وكان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة أنبيائهم،
وكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي هو الذي يُقيم أمره ويُرشِده ويُشير عليه.
﴿قَالَ مَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ﴾ عسى من النواسخ
وخبرها ((أن لا تقاتلوا)»، وفُصِلَ بالشرط إعتناءً به، والمعنى: هل قاربتم أن
لا تُقاتلوا كما أتوقَّعه منكم، والمراد تقرير أن المتوقَّع كائنٌ وتثبيتُه على ما قيل.
واعترض بأن عسيتم أن لا تقاتلوا معناه توقّع عدم القتال، و((هل)) لا يُستفهم بها
إلا عما دخلته، فيكون الاستفهام عن التوقّع لا المتوقَّع، ولا يلزم من تقرير
الاستفهام أن المتوقَّع ثابت، بل أن التوقع كائن، وأين هذا من ذاك؟!
وأجيب بأن الاستفهام دخل على جملة مشتملة على توقُّعٍ ومتوقَّعٍ، ولا سبيل
إلى الأول؛ لأن الرجل لا يستفهم عن توقُّعه، فتعيَّن أن يكون عنّ المتوقَّع،
ولما كان الاستفهام على سبيل التقرير كان المراد أن المتوقّع كائن.
(١) ذكر هذه القراءات أبو حيان في البحر ٢/ ٢٥٥، ونسب قراءة الياء ورفع اللام للضحاك وابن
أبي عبلة.
٠٠

الآية : ٢٤٦
٣٥٩
سُورَةُ الْبَيْفَة
وقيل: لما كانت ((عسى)) لإنشاء التوقع ولا تخرج عنه، جعل الاستفهام
التقريري متوجّهاً إلى المتوقع، وهو الخبر الذي هو محلّ الفائدة، فقرَّره ونبَّته،
وكون المستفهم عنه يلي الهمزة ليس أمراً كليًّا.
وقيل: إن ((عسى) ليست من النواسخ وقد تضمَّنت معنى قارَبَ، وأن وما بعدها
مفعول لها، وهذا معنى قول بعضهم: إنها خبر لا إنشاء، واستدلّ على ذلك بدخول
الاستفهام عليها، ووقوعها خبراً في قوله:
لا تُكثِرَنْ إني عسيتُ صائماً (١)
ولا یخفی ما فيه.
وإنما ذكر في معرض الشرط كتابة القتال دون ما التمسوه - مع أنه أظهر تعلّقاً
بكلامهم - مبالغةً في بيان تخلَّفهم عنه، فإنهم إذا لم يُقاتلوا عند فَرْضية القتال عليهم
بإيجاب الله تعالى فَلَأَنْ لا يُقاتلوا عند عدم فَرْضيته أولى، ولأنّ ما ذكروه ربما يُوهم
أن سببَ تخلُّفهم هو المبعوثُ لا نفس القتال. ويحتمل أنه أقام هذا مقام ذلك إيماءً
إلى أن ذلك البعث المترتّب عليه القتال إذا وقع فإنما يقع على وجهٍ يترتّب عليه
الفَرْضية. وقرئ: ((عَسِيتم)) بكسر السين(٢)، وهي لغة قليلة.
﴿قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: ما الداعي لنا إلى أن لا نقاتل؟
أي: إلى ترك القتال، والجارُّ والمجرور متعلق بما تعلق به ((لنا))، أو به نفسه، وهو
خبرٌ عن ((ما)). ودخلت الواو لتدلَّ على ربط هذا الكلام بما قبله، ولو حذفت لجاز
أن يكون منقطعاً عنه، قاله أبو البقاء (٣).
وجوز أن تكون عاطفةً على محذوف، كأنهم قالوا: عدم القتال غير متوقَّع منا
وما لنا أن لا نقاتل، وإنما لم يُصرِّحوا به تحاشياً عن مُشافهة نبيِّهم بما هو ظاهرٌ في
ردِّ كلامه، والشائع في مثل هذا التركيب: ما لنا نفعل أو لا نفعل، على أن الجملة
حال، ولما مَنَعَ من ذلك هنا ((أنْ)) المصدرية إذْ لا تُوافقه، التزمَ فيه ما التزم.
(١) الرجز لرؤية، وهو في ديوانه ص ١٨٥، وقبله: أكثرت في العذل ملكًا دائماً.
(٢) قرأ بها نافع. التيسير ص ٨١، والنشر ٢٣٠/٢.
(٣) في إملاء ما من به الرحمن ٤٨٥/١ (بهامش الفتوحات الإلهية).

سُوَّةُ الْبَلْقَة
٣٦٠
الآية : ٢٤٦
والأخفش(١) ادَّعى زيادة ((أنْ)) وأنَّ العمل لا يُنافيها، والجملة نصب على
الحال كما في الشائع.
وقيل: إنه على حذف الواو، ويؤول إلى: مالنا ولأن لا نُقاتل، كقولك: إياك
وأن تَتَكلَّم؛ وقد يقال: إياك أن تتكلّم، والمعنى على الواو.
وقيل: إنَّ(ما)) هنا نافية، أي: ليس لنا ترك القتال. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا
وَأَتْنَآَيْنَا﴾ في موضع الحال، والعامل ((نُقاتل))، والغرض الإخبار بأنهم يُقاتلون
لا محالة، إذْ قد عَرَضَ لهم ما يوجب المقاتلة إيجاباً قوياً، وهو الإخراج عن الأوطان،
والاغترابُ من الأهل والأولاد، وإفرادُ الأبناء بالذِّكر لمزيدٍ تقويةِ أسبابٍ القتال، وهو
معطوفٌ على الديار، وفيه حذفُ مضافٍ عند أبي البقاء(٢)، أي: ومن بين أبنائنا.
وقيل: لا حذف، والعطف على حدٍّ:
علفتُها تبناً وماءً بارداً(٣)
وفي الكلام إسنادُ ما للبعض للكلِّ إذ المُخرَج بعضهم لا كلهم.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ بعد سؤال النبي وبَعْثِ الملك ﴿تَوَلَّوْ﴾ أعرضوا
وضيَّعوا أمرَ الله تعالى، ولكن لا في ابتداء الأمر، بل بعد مُشاهدة كَثْرة العدوِّ
وشوكته كما سيجيء، وإنما ذكر هاهنا مآلُ أمرهم إجمالاً إظهاراً لما بين قولهم
وفِعْلهم من التنافي والتباين.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ﴾ وهم الذين جاوزوا النهر، وكانوا ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عَشَرَ عِدَّةً
أهل بدر على ما أخرجه البخاري عن البراء ظُ(٤)، والقلة إضافية فلا يَرِدُ وصفُ
هذا العدد أحياناً بأنه جمٌّ غفير.
(١) في معاني القرآن ١/ ٣٧٧.
(٢) في إملاء ما من به الرحمن ١/ ٤٨٥ (بهامش الفتوحات الإلهية).
(٣) الخصائص لابن جني ٤٣١/٢، والخزانة ١٣٩/٣، وبعده: حتى شئت همَّالةً عيناها. قال
البغدادي: ولا يعرف قائله.
(٤) صحيح البخاري (٣٩٥٧)، وهو في مسند أحمد (١٨٥٥٥) وعندهما: ثلاث مئة وبضعة
عشر. وأخرجه بلفظ: ((ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً)) أحمد (٢٢٣٢) من حديث ابن
عباس ها، وإسناده ضعيف.