النص المفهرس
صفحات 321-340
الآية : ٢٣٣ ٣٢١ سُورَةُ الْبَقَة إذا مات الأب، بل إذا كان له مالٌ لم يجب على الأب أجرةُ الإرضاع، بل يجب عليه النفقة على الصبي، وأجرة الإرضاع من مال الصبي بحكم الولاية، وفيه نظر. وقيل: المراد: الباقي من الأبوين، وقد جاء الوارث بمعنى الباقي كما في قوله وَ﴿: ((اللهم مَتِّعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني))(١)؛ قيل: وهذا يوافق مذهب الشافعي إذ لا نفقة عنده فيما عدا الولاد. ولا يخفى ما في ذلك من البحث؛ لأن ((من)» إن كانت للبيان لزم التكرار أو الركاكة أو ارتكاب خلاف الظاهر، وإن كانت للابتداء كان المعنى: الباقي غير الأبوين، وهو يجوز أن يكون من العَصَبات، أو ذوي الأرحام الذين ليست قرابتهم قرابةً الولاد، وكون ذلك موافقاً لمذهب الشافعي إنما يتأتّى إذا تعيَّن كون الباقي ذوي قرابة الولاد، وليس في اللفظ ما يُفيده كما لا يخفى. ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ أي: الوالدان ﴿فِصَالًا﴾ أي: فطاماً للولد قبل الحولين، وهو المروي عن مجاهد وقتادة وأهل البيت. وقيل: قبلهما أو بعدهما، وهو مروي عن ابن عباس وعلى الأول يكون هذا تفصيلاً لفائدة ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ﴾ وبياناً لحكم إرادة عدم الإتمام، والتنكير للإيذان بأنه فصالٌ غير معتاد، وعلى الثاني توسعة في الزيادة والتقليل في مدة الرضاعة بعد التحديد، والتنكير للتعميم. ويجوز على القولين أن يكون للإشارة إلى عِظَمهِ نظراً للصبي لما فيه من مُفارقة المألوف. ﴿عَنْ تَرَاضِ﴾ متعلِّق بمحذوف ينساق إليه الذِّهن وإن كان كوناً خاصًّا، أي: صادراً عن تراضٍ، وجوّز أن يتعلَّق بـ ((أراد)). مَا﴾ أي: الوالدين، لا من أحدهما فقط؛ لاحتمال إقدامهِ على ما يضرُّ الولد بأن تملَّ الأم أو يَبْخَل الأب. ﴿وَتَنَاوُرٍ﴾ في شأن الولد وتفخُّص أحواله، وهو مأخوذٌ من الشَّور، وهو اجتناء (١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩٦٤٠) من حديث عروة بن الزبير ظله، والحاكم في المستدرك ٥٢٣/١ من حديث أبي هريرة سُورَةُ الْبَقَة ٣٢٢ الآية : ٢٣٣ العسل، وكذا المُشاورة والمَشُورة والمَشْورة، والمراد من ذلك استخراج الرأي، وتفكيره للتفخيم. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيِمَا﴾ في ذلك. وإنما اعتبر رضا المرأة مع أن ولي الولد هو الأب وصلاحه، منوظً بنظره مراعاة لصلاح الطفل؛ لأن الوالدة لكمال شفقتها على الصبي ربما ترى ما فيه المصلحة له . ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ﴾ خطاب للآباء هذَّا لهم للامتثال على تقدير عدم الاتفاق على عدم الفطام ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُ﴾ بحذف المفعول الأول استغناءً عنه، أي: تسترضعوا المراضعَ أولادَكم؛ من: أَرضعتُ المرأةَ طفلاً واسترضعتُها إيَّه، كقولك: أنجح الله تعالى حاجتي، واستنجحتُها إياه، وقد صرَّح الإمام الكرماني بأن الاستفعال قد جاء لطلب المزيد كالاستنجاء لطلب الإنجاء، والاستعتاب لطلب الإعتاب، وصرَّح به غيره أيضاً، فلا حاجة إلى القول بأنه من رضع بمعنى أرضع، ولم يجعل من الأول أول الأمر لعدم وجوده في كلامهم، فإنه بمعزل عن التحقيق. وقيل: إنَّ استرضع إنما يتعدَّى إلى الثاني بحرف الجر يقال: استرضعتُ المرأةَ للصبي، والمراد: أن تسترضعوا المراضع لأولادكم، فحذف الجار كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في ذلك، واستدلّ بالإطلاق على أن للزوج أن يسترضع للولد ويمنع الزوجةَ من الإرضاع، وهو مذهب الشافعية، وعندنا أن الأم أحقُّ برضاع ولدها، وأنه ليس للأب أن يسترضع غيرَها إذا رضيت أن تُرضعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ وبه يُخصَّص هذا الإطلاق، وإلى ذلك يُشير كلام ابن شهاب. ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المراضع ﴿مَّآ ءَانَيْتُ﴾ أي: ضَمِنتم والتزمتم، أو أردتم إتيانه لئلا يلزم تحصيل الحاصل. وقرأ ابن كثير: ((أتيتم)(١) من أتى إليه إحساناً: إذا فعله، وشيبان عن عاصم: ((أُوْتِيتُم)(٢) أي: ما آتاكم الله تعالى وأقدركم عليه من الأجرة. (١) التيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢. (٢) وهي غير المشهورة عن عاصم، ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٥. الآية : ٢٣٤ ٣٢٣ سُورَةُ الْبَّنَة ﴿يَغْرُوفٍ﴾ متعلِّق بـ ((سلَّمتم))، أي: بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً، وجوّز أن يتعلَّق بـ ((آتيتم)) وأن يكون حالاً من فاعله أو فاعل الفعل الذي قبله. وجواب الشرط محذوفٌ دلَّ عليه ما قبله، وليس التسليم شرطاً لرفع الإثم، بل هو الأولى والأصلح للطفل، فشبّه ما هو من شرائط الأولية بما هو من شرائط الصحة للاعتناء به، فاستعیر له عبارته. وقيل: لا حاجةً إلى هذا لأن نفيّ الإثم بتسليم الأجرة مطلقاً غير مقيد بتقديمها عليه، يعني: لا جناح عليكم في الاسترضاع لو لم تأثموا بالتعدِّي في الأجرة وتَظْلِموا الأجير. وفيه تأمُّل؛ لأن الإثم إذا لم يسلم بعد إنما هو بالتعدِّي، والاسترضاع كان قبل خالياً عما يوجب الإثم. ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ في شأن مراعاة الأحكام ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا تخفى عليه أعمالكم فيجازيكم عليها، وفي إظهار الاسم الجليل تربيةٌ للمهابة، وفي الآية من التهديد ما لا يخفى. ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ ﴿يُتَوَقَّوْنَ﴾ أي: تُقبض أرواحُهم، فإن التوفِّي هو القبض، يقال: توقَّيت مالي من فلان واستوفيته منه، أي: قبضتُه وأخذته. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه فيما رواه أبو عبد الرحمن السُّلمي عنه، والمُفضل عن عاصم: ((يَتوفون)) بفتح الياء(١)، أي: يستوفون آجالهم، فعلى هذا يقال للميت: متوفّي، بمعنى: مستوفٍ لحياته. واستشكل بما حُكي أن أبا الأسود كان خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفِّي؟ - بكسر الفاء - فقال: الله تعالى. وكأن هذا أحدُ الأسباب لعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه على أن أمره بوضع كتاب النحو. وأجاب السَّكاكي(٢) بأن سبب التخطئة أن السائل كان ممن لم يعرف وجه صحته، فلم يصلح للخطاب به. مِنكُمْ﴾ في محلٌّ نصبٍ على الحال من مرفوعٍ ((يتوفون)) و((مِنْ)) تحتمل التبعيضَ وبيانَ الجنس، والخطاب لكافة الناس بتلوين الخطاب. (١) القراءات الشاذة ص ١٥. (٢) في مفتاح العلوم ص ٢٢٧ . سُورَةُ البَفَقَة ٣٢٤ الآية : ٢٣٤ ﴿وَيَذَرُونَ﴾ أي: يتركون، ويستعمل منه الأمر، ولا يستعمل اسم الفاعل ولا اسم المفعول، وجاء الماضي على شذوذ. ﴿أَزْوَبًا﴾ أي: نساءً لهم. ﴿يَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ خبر عن ((الذين)) والرابطُ محذوفٌ، أي: لهم أو بعدهم، ورجّح الأول بقلة الإضمار وبما في اللام من الإيماء إلى أن العدة حقُّ المتوفَّى. وقيل: خبر لمحذوف، أي: أزواجهم يتربَّصن، والجملة خبرُ ((الذين)). وبعض البصريين قدَّر مضافاً في صدر الكلام، أي: أزواج الذين، وهنَّ نساؤهم. وفيه أنه لا يبقى لـ ((يذرون أزواجاً)) فائدةٌ جديدة يُعتدُّ بها. ويُروى عن سيبويه(١) أن ((الذين)) مبتدأ والخبر محذوف، أي: فيما يُتْلَى عليكم حكمُ الذين، إلخ، وحينئذ يكون جملة ((يتربَّصنَ)) بياناً لذلك الحكم. وفيه كثرةُ الحذف. وذهب بعض المُحقِّقين إلى أن ((الذين)) مبتدأ و((يتربَّصن)) خبره، والرابط حاصلٌ بمجرد عودِ الضمير إلى الأزواج؛ لأن المعنى: يتربَّص الأزواج اللاتي تركوهنَّ، وقد أجاز الأخفش(٢) والكسائي مثل ذلك، ولولا أن الجمهور على منعه لكان من الحُسن بمكان. ﴿أَرْيَمَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ لعل ذلك العدد لسرِّ تفرَّدَ الله تعالى بعلمه، أو علَّمه مَنْ شاء مِنْ عباده. والقول بأنه لعل المُقتضي لذلك أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً ولأربعة(٣) إن كان أنثى، فاعتبر أقصى الأجلین وزيد عليه العشرة استظهاراً، إذ ربما تضعفُ حركته في المبادي فلا يحسّ بها= مع ما فيه من المنافاة للحديث الصحيح: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمِّه أربعين يوماً نطفةً، ثم يكون علقةً مثلَ ذلك، ثم يكون مُضْغةً مثلَ ذلك، ثم يبعثُ الله تعالى مَلِكاً بأربع كلمات، فيكتب عملَه وأجلَه ورِزْقَه وشقيٍّ أو سعيد، ثم ينفخ (١) ينظر الكتاب ١٤٣/١. (٢) في معاني القرآن ١/ ٣٧٢. (٣) في الأصل: أو الأربعة. الآية : ٢٣٤ ٣٢٥ سُؤَدَّةُ الْبَعَة فيه الروح)»(١) لأن ظاهره أن نَفْخَ الروح بعد هذه المدة مطلقاً لا يروي الغليل ولا يشفي العليل. وتأنيث العشر قيل: لأن التمييز المحذوف هو الليالي، وإلى ذلك ذهب ربيعة ويحيى بن سعيد، وقيل: بل هو باعتبار الليالي؛ لأنها غرر الشهور، ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله ذهاباً إلى الأيام، حتى إنهم يقولون كما حكى الفراء (٢): صُمنا عشراً من شهر رمضان، مع أن الصوم إنما يكون في الأيام، ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِن لَّثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣]. ثم: ﴿إِن لَّقْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤]. وذكر أبو حيان أن قاعدة تذكير العدد وتأنيثه إنما هي إذا ذُكِّر المعدود، وأما عند حذفه فيجوز الأمران مطلقاً (٣)، ولعله أولى مما قيل. واستدلَّ بالآية على وجوب العِدَّة على المتوفَّى عنها سواءٌ كان مدخولاً بها أَوْ لا. وذهب ابن عباس ها إلى أنه لا عدة للثانية، وهو محجوجٌ بعموم اللفظ كما ترى. وشَمِلَتِ الآية المسلمةَ والكتابيةَ وذاتَ الأقراء والمستحاضةَ والآيسةً والصغيرةَ والحُرَّةَ والأَمة - كما قاله الأصم - والحامل وغيرها، لكن القياس اقتضى تنصيف المدة للأَمة، والإجماع خصَّ الحامل عنه لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ اُلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وعن عليّ كرم الله تعالى وجهه وابن عباس أنها تعتدّ بأقصى الأجلين احتياطاً وهو لا يُنافي الإجماع، بل فيه عمل بمقتضى الآيتين. واستدلّ بعضهم بها على أن العِدَّة من الموت حيث علقت عليه، فلو لم يبلغها موتُ الزوج إلا بعد مُضي العدة حُكم بانقضائها، وهو الذي ذهب إليه الأكثرون والشافعيُّ في أحد قوليه، ويُؤيِّده أنَّ الصغيرةَ التي لا عِلْم لها يكفي في انقضاء عدَّتها هذه المدّة، وقيل: إنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تنقضي عدَّتها بهذه (١) أخرجه أحمد (٣٦٢٤)، والبخاري (٣٣٣٢)، ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن مسعود ﴾. (٢) في معاني القرآن ١/ ١٥١. (٣) البحر ٢٢٣/٢. سُورَةُ الْبَدَة ٣٢٦ الآية : ٢٣٥ الأيام، لما روي: ((امرأةُ المفقودِ امرأته(١) حتى يأتيَها تَبِيُّنُ موته أو طلاقه)). ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدَّتهن ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها القادرون عليهن، وقيل: الخطاب للأولياء، وقيل: لجميع المسلمين ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ أَنفُسِهِنَّ﴾ مما حرِّم عليهنَّ في العدَّة، وفي التقييد إشارةٌ إلى علَّة النهي. ﴿بَلْمَعْرُوفِّ﴾ أي: بالوجه الذي يعرفه الشرع ولا يُنكره، وقُيِّد به للإيذان بأنه لو فعلن خلافَ ذلك فعليهم أن يكفوهنّ، فإن قصَّروا أَثموا. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ ﴾﴾ فلا تعملوا خلاف ما أُمرتم به، والظاهر أن المُخاطَب به هو المُخاطَب في سابقه، وجوّز أن يكون خطاباً للقادرين من الأولياء والأزواج، فيكون فيه تغليبان: الخطاب على الغَيْبة، والذكور على الإناث، وفيه تهديدٌ للطائفتين، ويحتمل أن يكون وعداً ووعيداً لهما . ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الرجال المُبتغون للزواج ﴿فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةٍ اٌلِسَآِ﴾ بأن يقول أحدُكم - كما روى البخاري وغيره عن ابن عباس ﴿هًا -: إني أُريد التزوُّج، وإني لأُحب امرأةً من أمرها وأمرها، وإنَّ من شأني النساء، ولَوَدِدْتُ أنَّ الله تعالى كتب لي امرأةً صالحةً(٢). أو يذكر للمرأة فَضْلَه وشرفَه، فقد رُوي أنّ رسول الله وَّهِ دخل على أمّ سلمة وقد كانت عند ابن عمِّها أبي سلمة فَتُوفِّي عنها، فلم يزل يذكُر لها منزلتَه من الله تعالى وهو مُتحاملٌ على يده حتى أثَّر الحصير في يده من شدَّة تحامُلهِ عليها(٣). وكان ذلك تعريضاً لها . والتعريض في الأصل: إمالة الكلام عن نهجه إلى عُرْض منه وجانب، (١) في الأصل و(م): امرأة، والمثبت من سنن الدارقطني (٣٨٤٩)، والحديث فيه من حديث المغيرة بن شعبة ه، وفي إسناده محمد بن شرحبيل، قال أبو حاتم كما في العلل لابنه ٤٣٢/١: هذا حديث منكر، ومحمد بن شرحبيل متروك الحديث يروي عن المغيرة عن النبي ولو أحاديث مناكير أباطيل. (٢) صحيح البخاري (٥١٢٤) بنحوه. (٣) أخرجه الطبري ٤/ ٢٦٧، وأخرجه بنحوه الدارقطني في سننه (٣٥٢٨) كلاهما من حديث أبي جعفر الباقر. وهو منقطع كما ذكر الشوكاني في نيل الأوطار ٦/ ١٣٠. الآية : ٢٣٥ ٣٢٧ سُؤَةُ الْبَغَة واستُعمل في أن تذكُرَ شيئاً مقصوداً في الجملة بلفظه الحقيقي أو المجازي أو الكِنائي؛ ليدلَّ بذلك الشيء على شيء آخر لم يُذكر في الكلام؛ مثل أن تذكُرَ المَجيء للتسليم بلفظه، ليدلَّ على التقاضي وطلب العطاء. وهو غيرُ الكناية؛ لأنها: أنْ تذكُرَ معنَى مقصوداً بلفظ آخرَ يُوضع له، لكن استُعمل في الموضوع لا على وجه القصد، بل لينتقل منه إلى الشيء المقصود، فطويل النِّجاد مستعملٌ في معناه، لكن لا يكون المقصود بالإثبات، بل لينتقل منه إلى طول القامة. وقرَّر بعضُ المحقّقين أنَّ بينهما عموماً من وجه، فمِثْلُ قول المُحتاج: جئتك لأُسلِّم عليك، كنايةٌ وتعريض، ومِثْلُ: زيدٌ طويل النجاد، كنايةٌ لا تعريض، ومثل قولك في عُرض من يؤذيك وليس المُخاطب: آذيتني فستعرف، تعريض بتهديد المؤذي لا كناية. والمشهور تسميةُ التعريض تلويحاً؛ لأنه يلوح منه ما تُريده، وعدُّوا جَعْلَ السّاکي له اسماً للكناية البعيدة لِكثرة الوسائط مثل: كثير الرماد، للمِضياف اصطلاحاً جديداً. وفي ((الكشف)): وقد يتفق عارضٌ يجعل الكنايةَ في حُكم المُصَرَّح به كما في الاستواء على العرش وبسط اليد، ويجعل الالتفاتَ في التعريض نحو المُعرَّض به كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَاِرٍ بِّ﴾ [البقرة: ٤١] فلا ينتهض نقضاً على الأصل. والخِطبة بكسر الخاء؛ قيل: الذّكر الذي يُستدعى به إلى عقد النكاح، أخذاً من الخطاب، وهو توجيه الكلام للإفهام. وبضمها: الوعظ المُتَّسق على ضربٍ من التأليف. وقيل: إنهما اسمُ الحالة، غير أنَّ المضمومة خُصَّت بالموعظة، والمكسورة بطلب المرأةِ والتماسٍ نكاحها . وأل في ((النساء)) للعهد، والمعهودات هي الأزواج المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾، ولا يمكن حملها على الاستغراق لأنَّ من النساء من يَحرُمُ التعريضُ بخطبتهن في العدَّة، كالرجعيات والبائنات في قولٍ، والأظهر عند سُوَّةُ الْبَّنَة ٣٢٨ الآية : ٢٣٥ الشافعي ◌ُه جوازه في عدَّتهنّ قياساً على معتدات الوفاة. لا يقال: كان ينبغي أن تقدَّم هذه الآية على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ لأنّ ما فيها من أحكام النساء قبلَ البلوغ إلى الأجل، لأنا نقول: لا نسلّم ذلك، بل هي من أحكام الرجال بالنسبة إليهن، فكان المناسب أن يذكر بعد الفراغ من أحكامهنّ قبل البلوغ من الأجل وبعده. واستدلَّ الكيا(١) بالآية على نفي الحدّ بالتعريض في القذف، لأنه تعالى جعل حكمه مُخالفاً لحكم التصريح، وأيَّد بما رُوي: ((مَنْ عرَّض عرَّضنا، ومَنْ مشى على الكلَّاء ألقيناه في النهر))(٢). واستدلَّ بها على جواز نكاح الحامل من الزنا إذ لا عدَّة لها، ولا يخفى ما فيه. ﴿أَوْ أَكْتَنتُمْ فِيَّ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: أسررتُم في قلوبكم من نكاحهنّ بعد مُضي عِدَّتهن، ولم تُصرِّحوا بذلك لهنّ. ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَّذْكُنَهُنَّ﴾ ولا تصبرون على السكوت عنهنّ وعن إظهار الرغبة فيهنّ، فلهذا رخّص لكم ما رخّص، وفيه نوعٌ ما من التوبيخ. ﴿وَلَكِنْ لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ استدراٌ عن محذوفٍ دلَّ عليه ((ستذكرونهن))، أي: فاذكروهنَّ ولكن لا تواعدوهن نكاحاً، بل اكتفُوا بما رخّص لكم. وجواز(٣) أن يكون استدراكاً عن ((لا ◌ُناح)) فإنه في معنى: عرِّضوا بخطبتهنّ، أو أَكِتُّوا في أنفسكم ولكن .. إلخ. وحملُه على الاستدراك على ما عنده (٤) ليس بشيء. وإرادة النكاح منّ السرّ بواسطة إرادة الوطء منه، إذ قد تعارفَ إطلاقُه عليه؛ لأنه يُسَرّ، ومنه قول امرئ القيس: (١) في أحكام القرآن ١/ ١٩٨. (٢) أورده بتمامه ابن الجوزي في غريب الحديث ٨٤/٢، ولم نقف عليه بتمامه عند غيره، وقوله منه: من عرّض عرّضنا له، أخرجه البيهقي في السنن ٤٣/٨ من حديث البراء بن عازب ﴿، قال الحافظ ابن حجر في الدراية ٢٦٦/٢: في إسناده من لا يعرف. وقوله: الكلّاء، ككَّان: مرفأ السفينة، القاموس (كلا). (٣) كذا في الأصل و(م) والصواب: وجوِّز. ينظر حاشية الشهاب ٣٢٣/٢. (٤) أي: على قوله: ((ستذكرونهن)) دون الحاجة إلى التقدير. حاشية الشهاب ٣٢٣/٢. الآية : ٢٣٥ ٣٢٩ سُؤَدَّةُ الْبَلَقَة كَبِرتُ وأن لا يُحسن السِّرّ أمثالي(١) ألا زعمتْ بسباسةُ اليومَ أنني وإرادة العقد من ذلك لما بينهما من السببية والمُسَّببية، ولم يجعل من أوّل الأمر عبارة عن العقد؛ لأنه لا مناسبةً بينهما في الظاهر. والمَرويُّ عن ابن عباس ﴿ّ أنَّ السّرَّ هنا الجماع، وتوهُّم الرخصة حينئذ في المحظور الذي هو التصريح بالنكاح مما لا يكاد يخطر بیال. وعن سعيد بن جبير ومجاهد ورُوي عن الحِبْر أيضاً: أنه العهد على الامتناع عن التزوّج بالغير. وهو على هذه الأوجه نصبٌ على المفعولية، وجوِّز انتصابه على الظرفية، أي: لا تواعدوهن في السّرّ، على أن المراد بذلك المُواعدة بما يُستهجن. ﴿إِلََّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ وهو التعريض الذي عُرف تجويزه، والمُستثنى منه ما يدلُّ عليه النهي، أي: ﴿لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ نكاحاً مواعدةً ما إلا مواعدةً معروفة، أو: إلا مواعدةً بقول معروفٍ، أو: لا تقولوا في وَعْد الجماع أو طلب الامتناع عن الغير إلا قولَكم قولاً معروفاً، والاستثناء في جميع ذلك متصل، وفي الكلام على الوجه الأوّل تصريحٌ بما فُهِمَ من ((ولا جُناح)) على وجهٍ يؤكّد ذلك الرفع، وهو نوعٌ من الطرد والعكس حسن. وعلى الأخيرين تأسيسٌ لمعنى ربما يُعلم بطريق المقايسة؛ إذ حملوا التعريضَ فيهما على التعريض بالوعد لها، أو الطلب منها، وهو غيرُ التعريض السابق؛ لأنه بنفس الخِطبة، وإذا أُريد الوجهُ الرابع، وهو الأخير من الأوجه السابقة احتمل الاستثناء الاتصال والانقطاع، والانقطاع في المعنى أظهرُ على معنى: لا تُواعدوهنّ بالمُستهجَنْ ولكن واعِدُوهنَّ بقولٍ معروف لا يُستحيا منه في المُجاهرة من حُسن المعاشرة والثّبات إن وقع النكاح. وبعضٌ قال بذلك إلا أنه جعل الاستثناء من ((سراً))، وضُعِّفَ بأنه يُؤدِّي إلى كون التعريض موعوداً، وجعله من قَبِيل ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِّ﴾ [النساء: ١٤٨] يأبى أن يكون استثناءً منه، بل من أصل الحُكم. ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاجِ﴾ أي: لا تقصدوا قصداً جازماً عَقْدَ عُقدة النكاح، وفي النهي عن مقدِّمة الشيء نهيٌ عن الشيء على وجهٍ أبلغ، وصحَّ تعلَّق النهي به، (١) دیوان امرئ القيس ص٢٨. سُورَةُ الْبََّقَة ٣٣٠ الآية : ٢٣٥ لأنه من الأفعال الباطنة الداخلة تحت الاختيار، ولذا يُثاب على النية، والمراد به العزم المقارِن؛ لأن مَن قال: لا تعزم على السفر في صفرَ مثلاً لم يفهم منه النهي عن عزم فيه متأخر الفعل إلى ربيع، وذلك لأنَّ القصد الجازم حقّه المقارنة. وتقديرُ المضاف لصحة التعلّق؛ لأنه لا يكون إلا على الفعل، والعُقدة ليست به؛ لأنها موضع العقد، وهو ما يُعقَدُ عليه، ولم يُقدِّره بعضهم، وجَعَلَ الإضافة بیانیةً، فالعُقدة حينئذ نفس النكاح، وهو فعل. ویحتمل أن یکون الكلام من باب ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وعلى كل تقدير هي مفعول به، وجوز أن تكون مفعولاً مطلقاً على أن معنى ((لا تعزموا): لا تعقدوا، فهو على حدٍّ: قعدتُ جلوساً، وأن الإضافةً من إضافة المصدر إلى مفعوله. وقيل: المعنى: لا تقطعوا ولا تُبرموا عُقدةَ النكاح، فيكون النهي عن نفس الفعل لا عن قصده كما في الأول، وبهذا ينحظُ عنه. ومن الناس مَن حمل العَزْم على القطع ضدّ الوصل، وجعل المعنى: لا تقطعوا عُقدةَ نكاح الزوج المتوفَّى بعقد نكاحٍ آخرَ، ولا حاجةً حينئذ إلى تقديرٍ مُضاف أصلاً، وفيه بحث: أمّا أولاً: فلأن مجيء العزم بمعنى القطع ضد الوصل في اللغة محل تردُّد، وقول الزمخشري(١): حقيقة العزم القطع، بدليل قوله وَ*و: ((لا صيامَ لمن لم يَعْزِم الصيامَ مِن الليل)، ورُوي: ((لم يُبيِّت))(٢). ليس بنصٍّ في ذلك، بل لا يكاد يصح حملُه إذ الدليل لا يُساعده إذ لا خفاء في أن المراد بعزم الصوم ليس قَطْعَه بمعنى الفكّ، بل الجزم وقطع التردّد. وأما ثانياً: فلأنه لا معنى للنهي عن قطع عُقدة نكاح الزوج الأول حتى يُنهى (١) في الكشاف ١/ ٣٧٤. (٢) أخرجه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي في الكبرى (٢٦٥٤) من حديث حفصة ﴿يا بلفظ ((من لم يُجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له)) وأخرجه بلفظ ((يُبيِّت)) النسائي (٢٦٥٣) من حديث حفصة ﴿يا أيضاً. ولم نقف عليه بلفظ: ((يعزم)). الآية : ٢٣٦ ٣٣١ سُورَةُ الْبَقَة عنه، إذ لا تنقطع عقدةُ نكاح المتوفَّى بعقد نكاح آخر؛ لأن الثاني لغو، ومن هنا قيل: إن المراد: لا تفكُّوا عُقدةَ نكاحكم ولا تقطعوها، ونفي القطع عبارة عن نفي التحصيل، فإن تحصيلَ الثمرة من الشجرة بالقطع، وهذا كما ترى مما لا ينبغي أن يُحمل عليه كلام الله تعالى العزيز. ﴿حَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَُّ﴾ أي: ينتهي ما كُتب وفُرِضَ من العِدة ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللّهُ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾ من العَزْم على ما لا يجوز، أو من ذوات الصدور التي من جُملتها ذلك ﴿فَأَخْذَرُوٌ﴾ ولا تعزِموا عليه، أو احذروه بالاجتناب عن العزم ابتداء أو إقلاعاً عنه بعد تحقُّقه. ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ﴾ يغفر لمن يُقلع عن عَزْمه أو ذنبه خشيةً منه ﴿لِيمٌ لا يُعاجل بالعقوبة، فلا يُتوهّمنّ من تأخيرها أن ما نهى عنه لا يستتبع المؤاخذة، وإعادة العامل اعتناء بشأن الحكم، ولا يخفى ما في الجملة مما يدلّ على سَعةٍ رحمته تبارك اسمُه . ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تَبِعةً من مهر، وهو الظاهر. وقيل: من وِزْر؛ لأنه لا بدعة في الطلاق قبل المَسيس ولو كان في الحيض. وقيل: كان النبي ◌َّر كثيراً ما ينهى عن الطلاق فَظُنَّ أن فيه جُناحاً فنفى ذلك(١). ﴿إِن ◌َّْتُمُ الْنِسَآَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: غير ماسِّين لهن، أو مدةَ عدم المسّ، وهو كنايةٌ عن الجماع. وقرأ حمزة والكسائي: ((تُماسُّوهن))(٢)، والأعمش: ((من قبل أن تمسوهنَّ))، وعبد الله: ((من قبل أن تُجامعوهنّ))(٣). ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾ أي: حتى تفرضوا، أو: إلا أن تفرضوا، على ما في شروح الكتاب، و((فريضة)) فعيلة بمعنى مفعول نصب على المفعول به، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، فصار بمعنى المهر، فلا تجوُّز، وجوِّز أن يكون (١) لم نقف عليه. (٢) السبعة ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢. (٣) أخرج القراءتين ابن أبي داود في المصاحف (١٨٤)، وقراءة الأعمش في إتحاف فضلاء البشر ص ٢٠٥، وقيدت فيه بضم التاء وألف بعد الميم كقراءة حمزة والكسائي. سُورَةُ الْبََّمَة ٣٣٢ الآية : ٢٣٦ نصباً على المصدرية، وليس بالجيد، والمعنى: إنه لا تَبِعةً على المُطَلِّق بمطالبة المهر أصلاً إذا كان الطلاقُ قبلَ المَسيس على كل حال إلا في حال الفرض، فإن عليه حينئذ نصفَ المُسمَّى كما سيصرح به، وفي حال عدم تسميته عليه المتعة لا نصف مهر المثل، وأما إذا كان بعد المساس فعليه في صورة التسمية تمامُ المُسمَّى، وفي صورة عدمها تمامُ مهر المثل، فهذه أربعُ صور للمطلَّقة نَفَتِ الآيةُ بمنطوقها الوجوبَ في بعضها، واقتضى مفهومها الوجوب في الجملة في البعض الآخر: قيل: وهاهنا إشكالٌ قويّ، وهو أن ما بعد ((أو)) التي بمعنى حتى ((التي)) بمعنى (إلى) نهاية للمعطوف عليه، فقولك: لأَلْزمَنَّك أو تقضيني حقِّي، معناه أن اللزوم ينتهي إلى الإعطاء، فعلى قياسه يكون فرضُ الفريضة نهايةً عدم المساس لا عدم الجناح، ولیس المعنی علیه. وأُجيب بأن ما بعدها عطف على الفعل، وهو مرتبطً بما قبله، فهو معنى مقيَّد به فكأنه قيل: أنتم ما لم تمسُّوهن بغير جناح وتبعة إلا إذا فرضت الفريضة فيكون الجناح، لأن المُقيّد في المعنى ينتهي برفع قيده، فتأمَّل. ومن الناس مَن جعل كلمة ((أو)) عاطفة لمدخولها على ما قبلها من الفعل المجزوم، و((لم)) حينئذ لنفي أحد الأمرين لا بعينه، وهو نكرة في سياق النفي فيفيد العموم، أي: ما لم يكن منكم مَسيسٌ ولا فرضٌ، على حدٍّ: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. واعترضه القطب(١) بأنه يُوهم تقديرَ حرف النفي فيصير: ما لم تمَسُّوهن، وما لم تفرضوا، فيكون الشرط حينئذ أحدَ النفيين لا نفي أحد الأمرين، فيلزم أن لا يجب المهر إذا عُدِمَ المَسيسُ ووُجِدَ الفرضُ، أو عُدِمَ الفرضُ ووُجِدَ المَسيسُ، ولا يخفى أنه غير وارد، ولا حاجةً إلى القول بأن ((أو)) بمعنى الواو كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] على رأي. (١) هو محمود بن محمد الرازي التحتاني، كان من أئمة المعقول، من كتبه: شرح الحاوي، والمطالع، والإشارات، وحاشية على الكشاف، توفي سنة (٧٦٦ هـ). بغية الوعاة ٢٨١/٢. الآية : ٢٣٦ ٣٣٣ سُورَةُ الجَوَة ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: ملِكوهن ما يتمثَّعن به، وذلك الشيء يُسمَّى متعةً، وهو عطفٌ على ما هو جزاءً في المعنى، كأنه قيل: إن طلَّقتم النساء فلا جُناح ومتِّعوهن، وعطف (١) الطلبي على الخبري على ما في (الكشف)) لأن الجزاء جامع جعلهما كالمفردين، أي: الحُكم هذا وذاك، أو لأن المعنى: فلا جُناح وواجبٌ هذا، أو فلا تعزموا ذلك ومتِّعوهن. وجوِّز أن يكون عطفاً على الجملة الخبرية عَطْفَ القصة على القصة، وأن يكون اعتراضاً بالواو وارداً لبيان ما يجب للمطلقات المذكورات على أزواجهنّ بعد التطليق. والعطف على محذوف ينسحب عليه الكلام، أي: فطلقوهنّ ومتّعوهن، يأباه الذوق السليم؛ إذْ لا معنى لقولنا: إذا طلَّقتم النساء فطلِّقوهن، إلا أن يكون المقصود المعطوف. والحِكمة في إعطاء المتعة جبرُ إيحاش الطلاق، والظاهر فيها عدم التقدير؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ أي: على كلِّ منهما مقدارُ ما يُطيقه ويليق به كائناً ما كان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ظها: متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك الوَرِق، ودون ذلك الكسوة(٢). وعن ابن عمر: أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهماً. وقال الإمام أبو حنيفة: هي درعٌ وخمار ومِلْحفة على حَسَبَ الحال، إلا أن يقلَّ مهرُ مِثْلها عن ذلك فلها الأقلُّ من نصف مهر المثل ومن المتعة، ولا ينتقص من خمسة دراهم. والمُوسع مَن يكون ذا سَعة وغِنى، من أوسعَ الرجلُ: إذا كَثُرَ ماله وانَّسعت حاله، والمُقتر مَن يكون ضيِّقَ الحال؛ من أقتر: إذا افتقر وقلَّ ما في يده، وأصل الباب الإقلال، والجملة مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، مُبيِّنة لمقدار حال (١) في الأصل: عطف. (٢) تفسير الطبري ٢٨٩/٤ - ٢٩٠. سُورَةُ النَّفَقَة ٣٣٤ الآية : ٢٣٦ المتعة بالنظر إلى حال المُطلِّق إيساراً وإقتاراً، والجمهور على أنها في موضع الحال من فاعل (متعوهن))، والرابط محذوفٌ، أي: منكم، ومن جعل الألف واللامَ عوضاً عن المضاف إليه، أي: على مُوسِعكم .. إلخ استغنى عن القول بالحذف. وقرأ أبو جعفر، وأهل الكوفة إلا أبا بكر، وابنُ ذكوان: ((قَدَره)) بفتح الدال، والباقون بإسكانها(١)، وهما لغتان فيه، وقيل: القَدْر، بالتسكين الطاقة، وبالتحريك المقدار. وقُرئ: قدرَه، بالنصب(٢)، ووجّه بأنه مفعول على المعنى؛ لأن معنى (متعوهنّ)) إلخ: لِيؤدِّ كلٌّ منكم قَدْرَ وُسعه، قال أبو البقاء(٣): وأجودُ من هذا أن يكون التقديرُ: فأوجبوا على المُوسع قَدْرَه. ﴿مَّتَعَا﴾ اسم مصدر أُجري مُجراه، أي: تمتيعاً ﴿بَلْمَعْرُوفِّ﴾ أي: مُتلبساً بالوجه الذي يُستحسن، وهو في محلّ الصفة لـ ((متاعاً)) و﴿حَقًّا﴾ أي: ثابتاً صفة ثانية له، ويجوز أن يكون مصدراً مؤكّداً، أي: حقّ ذلك حقًّا . ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ متعلّق بالناصب للمصدر أو به أو بمحذوف وقع صفة، والمراد بالمحسنين مَنْ شأنهم الإحسان، أو الذين يُحسنون إلى أنفسهم بالمُسارعة إلى الامتثال أو إلى المُطلَّقات بالتمتيع، وإنما سُمُّوا بذلك اعتباراً للمشارفة ترغيباً وتحريضاً. وقال الإمام مالك: المُحسنون المتطوِّعون، وبدلك استَدلّ على استحباب المتعة، وجَّعَله قرينةً صارفةً للأمر إلى الندب. وعندنا هي واجبةٌ للمطلّقات في الآية مستحبةٌ لسائر المُطلَّقات. وعند الشافعي وظُّه في أحد قوليه هي واجبةٌ لكل زوجة مطلَّقة إذا كان الفِراق من قِبَل الزوج إلا التي سمَّى لها وطَلَقتْ قبل الدخول، ولما لم يُساعده مفهوم الآية، ولم يعتبر العموم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتِ مَتٌَ بِلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] لأنه يحمل المُطلق على المقيد قال بالقياس، وجعله (١) التيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢. (٢) ذكرها أبو حيان في البحر ٢٣٤/٢. (٣) في إملاء ما من به الرحمن ٤٦٩/١ (بهامش الفتوحات الإلهية). الآية : ٢٣٧ ٣٣٥ سُورَةُ الْجَمَة مقدماً على المفهوم؛ لأنه من الحُجج القطعية دونه. وأُجيب عما قاله مالكٌ بمنع قصر المُحسن على المُتطوّع، بل هو أعمُّ منه ومن القائم بالواجبات، فلا ينافي الوجوب فلا يكون صارفاً للأمر عنه مع ما انضمَّ إليه من لفظ ((حقًّا)). ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةً﴾ بيانٌ لحكم التي سُمِّي لها مهرٌ وطَلَّقت قبل المَسيس، وجملة ((وقد)) ... إلخ إما حال من فاعل (طلَّقتموهن)) أو من مفعوله، ونفس الفرض من المبني للفاعل أو للمفعول وإن لم يُقارن حالة التطليق لكن اتّصاف المطلّق بالفارضية فيما سبق مما لا ريب في مقارنته لها، وكذا الحال في اتصاف المُطلقة بكونها مفروضاً فيما سبق. ﴿فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ أي: فلهن نصفُ ما قدَّرتم وسَمَّيتم لهنَّ من المهر، أو فالواجب عليكم ذلك، وهذا صريحٌ في أن المنفي في الصورة السابقة إنما هو تَبِعَةُ المهر. وقرئ: ((فنصفَ))(١) بالنصب على معنى: فأدُّوا نصفَ. ولعل تأخيرَ حُكم التسمية مع أنها الأصلُ في العقد والأكثر في الوقوع من باب التدرُّج في الأحكام، وذِكْر الأشقّ فالأشقّ. والقول بأن ذلك لما أن الآية الكريمة نزلت في أنصاريٍّ تزوَّج امرأةً من بني حنيفة وكانت مُفوّضةً، فطلَّقها قبلَ الدخول بها فتخاصما إلى رسول الله وَّه، فقال له عليه الصلاة والسلام: ((أَمَّعتَها؟)) قال: لم يكن عندي شيء. قال: ((مَتِّعها بِقَلَنْسوتك))(٢)= مما لا أراه شيئاً، على أن في هذا الخبر مقالاً حتى قال الحافظ ولي الدين العراقي: لم أَقِفْ عليه. ﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: فلهن نصفُ المفروض معيَّناً في كل حال إلا حالَ عفوهنّ، أي: المُطلَّقات المذكورات، فإنه يسقط ذلك حينئذ بعد وجوبه، والصيغة في حدِّ ذاتها تحتمل التذكير والتأنيث، والفرق بالاعتبار، فإن الواو في الأولى ضمير والنون علامة الرفع، وفي الثانية لام (١) ذكرها السمين الحلبي في الدر المصون ٤٩١/٢ . (٢) قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٢١: لم أجده. سُورَةُ الشََّة ٣٣٦ الآية : ٢٣٧ الفعل والنون ضمير، والفعل مبني، ولذلك لم تُؤَثِّر فيه ((أن)) هنا مع أنها ناصبة لا مخقَّفة بدليل عطف المنصوب عليه من قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُواْ﴾. وقرأ الحسن بسکون الواو(١)، فهو على حد: أَبى اللهُ أنْ أسمو بأمِّ ولا أبٍ(٢) ﴿الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ الْتِكَاجْ﴾ وهو الزوج المالك لعقد النكاح وحَلُّه، وهو التفسير المأثور عن رسول الله و # كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في (الأوسط)) والبيهقي بسند حسن عن ابن عمرو (٣) مرفوعاً (٤)، وبه قال جمعٌ من الصحابة ﴿ه، ومعنى عفوه تركُه تكرُّماً ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه كَمَلاً(٥) على ما هو المعتاد، أو إعطاؤه تمامَ المهر المفروض قبلُ بعدَ (٦) الطلاق، كما فسره بذلك ابن عباس ﴿ها، وتسمية ذلك عفواً من باب المُشاكلة. وقد يُفسَّر بالزيادة والفضل، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَلُونَكَ مَاذَا يُنفِعُونَ قُلِ اٌلْعَفْوِّ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقولِ زهير: حَزْماً وبِرًّا للإله وشِيمةً تعفو على خُلُق المُسيءِ المُفْسد (٧) فمرجع الاستثناء حينئذ إلى منع الزيادة في المُستثنى منه، كما أنه في الصورة الأولى إلى منع النقصان فيه، أي: فلهن هذا المقدار بلا زيادة ولا نقصان في جميع الأحوال إلا في حال عفوهنّ، فإنه لا يكون إذ ذاك لهن القدر المذكور، بل ينتفي أو ينحطّ، أو في حال عفو الزوج فإنه وقتئذ تكون لهن الزيادة. (١) القراءات الشاذة ص١٥، والمحتسب ١٢٥/١. (٢) قائله عامر بن الطفيل، وهو في ديوانه ص٦٠، وصدره: فما سوَّدتني عامر عن قرابة. (٣) في الأصل و(م): ابن عمر، والمثبت من مصادر التخريج. (٤) تفسير الطبري ٣٣١/٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٤٤٥/٢، والأوسط (٦٣٥٥)، وسنن البيهقي الكبرى ٢٥١/٧ - ٢٥٢، وقد أسندوه عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إلا الطبري لم يذكر: عن أبيه عن جده، قال البيهقي: هذا غير محفوظ، وابن لهيعة غير محتج به. (٥) أي: كاملاً. القاموس (كمل). (٦) لفظ: بعد، ليس في الأصل. (٧) دیوان زهير ص٢٧٧ . الآية : ٢٣٧ ٣٣٧ سُورَةُ الْبَعَة هذا على التقدير الأول في ((فنصف)) غير ملاحظٍ فيه الوجوب، وأما على التقدير الثاني فلا بد من القطع بكون الاستثناء منقطعاً؛ لأنّ في صورة عفو الزوج لا یتصور الوجوب علیه، کذا قیل، فليتدبّر. وذهب ابن عباس ها في إحدى الروايات عنه وعائشة وطاوس ومجاهد وعطاء والحسن وعلقمة والزهري والشافعي ظُبه في قوله القديم إلى أن الذي بيده عقدةٌ النكاح هو الولي الذي لا تُنكح المرأةُ إلا بإذنه، فإن له العفو عن المهر إذا كانت المنكوحةُ صغيرةً في رأي البعض، ومطلقاً في رأي الآخرين وإن أَبَتْ. والمُعوَّل عليه هو المأثور، وهو الأنسب بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فإن إسقاط حق الغير ليس في شيء من التقوى، وهذا خطاب للرجال والنساء جميعاً، وغلِّب المذكَّر لِشرفه، وكذا فيما بعدُ. واللام للتعدية، ومن قواعدِهم التي قلَّ من يضبطها أن أَفْعَلَ التفضيل وكذا فِعْلُ التعجب يتعدَّى بالحرف الذي يتعدَّى به فِعْلُه، كأزهد فيه من كذا، وإن كان من متعد في الأصل، فإن كان الفعلُ يُفهِمُ عِلماً أو جهلاً تعدَّى بالباء كأعلم بالفقه، وأجهل بالنحو، وإن كان لا يُفهِم ذلك تعدَّى باللام، كأنت أضربُ لعمرو؛ إلا في باب الحُبّ والبغض، فإنه يتعدَّى إلى المفعول بفي، كهو أحبُّ في بكر وأبغض في عمرو، وإلى الفاعل المعنوي بإلى، كزيد أحبُّ إلى خالد من بِشْر، أو أبغضُ إليه منه. وقُرئ: ((وأن يعفوا)) بالياء(١). ﴿وَلَا تَنسَوأْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ عطف على الجملة الاسمية المقصود منها الأمر على أبلغ وجه، أي: لا تتركوا أن يتفضَّل بعضُكم على بعض كالشيء المنسي، والظرف إما متعلق بـ ((تنسوا))، - أو بمحذوف وقع حالاً من ((الفضل)). وحَمْلُ الفضل على الزيادة - إشارةً إلى ما سبق من قوله تعالى: ﴿وَلِّجَالِ عَِّنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] - في الدَّرك الأسفل من الضعف. وقيل: إن الظرف متعلِّق بمحذوف وقع صفةً للفضل على رأي مَن یری حذفَ الموصول مع بعض صِلته، والفضل بمعنى الإحسان، أي: لا تنسوا الإحسانَ (١) القراءات الشاذة ص ١٥. سُورَةُ الْبَدَّة ٣٣٨ الآية : ٢٣٨ الكائنَ بينكم من قبلُ، وليكن منكم على ذِكْر حتى يرغب كلٌّ في العفو مُقابلةً لإحسان صاحبه عليه .. وليس بشيء لأنه على ما فيه يَرِدُ عليه أنْ لا إحسانَ في الغالب بين المرأة وزوجها قبل الدخول. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: ((ولا تناسوا)) (١)، وبعضهم: ((ولا تنسوا)) بسکون الواو(٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُّ ﴾﴾ فلا يكاد يضيع ما عملتم. ﴿حَفِظُواْ عَلَى الشََّلَوَتِ﴾ أي: داوموا على أدائها لأوقاتها من غير إخلال كما يُنبئ عنه صيغةُ المفاعلة المفيدةِ للمبالغة، ولعل الأمرَ بها عقيب الحضّ على العفو والنهي عن ترك الفضل لأنها تُهيّء النفس لفواضل المَلّكات؛ لكونها الناهيةَ عن الفحشاء والمنكر، أو ليجمع بين التعظيم لأمر الله تعالى والشَّفَقةِ على خَلْقه. وقيل: أَمَرَ بها في خلال بيان ما يتعلَّق بالأزواج والأولاد من الأحكام الشرعية المتشابكة إيذاناً بأنها حقيقةٌ بكمال الاعتناء بشأنها والمثابرةِ عليها من غير اشتغال عنها بشأن أولئك، فكأنه قيل: لا يَشغلنَّكم التعلُّق بالنساء وأحوالهن، وتوجَّهوا إلى مولاكم بالمُحافظة على ما هو عماد الدين ومِعراج المؤمنين. ﴿وَاَلضَلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ أي: المتوسطة بينها، أو الفُضلى منها، وعلى الأول استُدلَّ بالآية على أن الصلواتِ خمسٌ بلا زيادة دون الثاني. وفي تعيينها أقوال: أحدها: أنها الظهر، لأنها تُفعل في وسط النهار. الثاني: أنها العصر؛ لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وهو المروي عن علي والحسن وابن عباس وابن مسعود وخلقٍ كثير، وعليه الشافعية. والثالث: أنها المغرب، وعليه قبيصة بن ذؤيب؛ لأنها وسطّ في الطول والقصر. والرابع: أنها صلاةُ العشاء؛ لأنها بين صلاتين لا يُقصران. (١) المحتسب ١٢٧/١. (٢) لم نقف عليها، وذكر أبو حيان في البحر ٢٣٨/٢ القراءة بكسر الواو، ونسبها ليحيى بن يعمر . الآية : ٢٣٨ ٣٣٩ سُورَةُ الْبَوَة والخامس: أنها الفجر؛ لأنها بين صلاتي الليل والنهار، ولأنها صلاة لا تُجمع مع غيرها، فهي منفردةٌ بين مجتمعين، وهو المروي عن معاذ وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد واختاره الشافعي څبه نفسه. وقيل: المراد بها صلاة الوتر، وقيل: الضحى، وقيل: عيد الفطر، وقيل: عيد الأضحى، وقيل: صلاة الليل، وقيل: صلاة الجمعة، وقيل: الجماعة، وقيل: صلاة الخوف، وقيل، وقيل. والأكثرون صحَّحوا أنها صلاةُ العصر؛ لِمَا أخرج مسلم من حديث عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنهوَ﴿ قال يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاةِ الوسطى صلاةٍ العصر، ملأ الله بيوتهم ناراً»(١) وخُصَّتْ بالذِّكر لأنها تقع في وقت اشتغال الناس لاسيما العرب. قال بعض المُحقِّقين: والذي يقتضيه الدليل من بين هذه الأقوال أنها الظهر، ونسب ذلك إلى الإمام أبي حنيفة عظ اته. وبيان ذلك أن سائرَ الأقوال ليس لها مستندٌ يقف له العَجْلان سوى القول بأنها صلاة العصر، والأحاديث الواردة بأنها هي قسمان: مرفوعة وموقوفة، والموقوفة لا يُحتجُّ بها، لأنها أقوال صحابة عارضها أقوالُ صحابة آخرين أنها غيرها، وقول الصحابي لا يُحتجُّ به إذا عارضه قولُ صحابي آخر قطعاً، وإنما جرى الخلاف في الاحتجاج به عند عدم المعارضة. وأما المرفوعة فغالبها لا يخلو إسناده عن مقال، والسالم من المقال قسمان: مختصر بلفظ: ((الصلاة الوسطى صلاة العصر(٢))) ومطوَّل فيه قصة وقع في ضمنها هذه الجملة، والمختصر مأخوذٌ من المطوَّل اختصره بعضُ الرواة فوهم في اختصاره على ما ستسمع، والأحاديث المطوّلة كلها لا تخلو من احتمال، فلا يصح الاستدلال بها، فقوله من حديث مسلم: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاةٍ العصر» فيه احتمالان. أحدهما: أن يكون لفظُ ((صلاة العصر)) ليس مرفوعاً بل مدرج في الحديث (١) صحيح مسلم (٦٢٧)، وأخرجه أحمد (٦١٧)، وعندهما: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً)). (٢) أخرجه الترمذي (١٨١) من حديث ابن مسعود ﴿ه وقال: حديث حسن صحيح. سُورَةُ الْبَحْدَة ٣٤٠ الآية : ٢٣٨ أدرجه بعض الرواة تفسيراً منه، كما وقع ذلك كثيراً في أحاديث، ويؤيده ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه بلفظ: ((حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس))(١) يعني العصر. الثاني: على تقدير أنه ليس بمدرج، يحتمل أن يكون عطف نسق على حذف العاطف لا بياناً ولا بدلاً، والتقدير: شغلونا عن الصلاة الوسطى وصلاة العصر، ويؤيد ذلك أنه وَ﴿ لم يُشغل يومَ الأحزاب عن صلاة العصر فقط، بل شُغل عن الظهر والعصر معاً كما ورد من طريق أُخرى، فكأنه أراد بالصلاة الوسطى الظهرَ وعطف عليها العصر. ومع هذين الاحتمالين لا يتأتَّى الاستدلال بالحديث، والاحتمال الأول أقوى للرواية المشار إليها، ويُؤيِّده من خارج أنه لو ثبت عن النبي وَّ تفسيرُ أنها العصر لوقف الصحابةُ عنده ولم يختلفوا، وقد أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيَّب قال: كان أصحابُ رسول الله﴿ مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبَّك بين أصابعه(٢). ثم على تقدير عدم الاحتمالين فالحديث معارض بالحديث المرفوع أنها الظهر، وإذا تعارض الحديثان ولم يُمكن الجمع طلب الترجيح، وقد ذكر الأصوليون أن من المُرجِّحات أن يذكر السبب، والحديث الوارد في أنها الظهر مُبيَّن فيه سببُ النزول، ومُساقٌ لذِكْرها بطريق القَصْد بخلاف حديث ((شغلونا ... )) إلخ، فوجب الرجوع إليه، وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود بسند جید عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله ﴿ يُصلِّ الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاةٌ أشدَّ على الصحابة منها، فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الْضَلَوَتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾(٣). وأخرج أحمد من وجه آخرَ عن زيد أيضاً: أن رسول الله وَلو كان يُصلي الظهر (١) صحيح مسلم (٦٢٧) (٢٠٤) وفيه: ((شغلونا)) بدل: ((حبسونا))، و (٦٢٧) (٢٠٢) بلفظ: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس). (٢) تفسير الطبري ٤/ ٣٧٢. (٣) مسند أحمد (٢١٥٩٥)، وسنن أبي داود (٤١١).