النص المفهرس

صفحات 301-320

الآية : ٢٢٩
٣٠١
سُورَةُ الْبَرَة
إذا طلَّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله وَه
وأبي بكر وصدراً من إمارة عمر، فلما رأى الناسَ قد تتايعوا(١) فيها قال: أَجيزوهنّ
(٢)
عليهم(٢).
وهذه مسألة اجتهادية كانت على عهد رسول الله وَّه، ولم يُروَ في الصحيح أنها
رُفِعتْ إليه فقال فيها شيئاً، ولعلها كانت تقع في المواضع النائية في آخر أمره وَيقة
فيجتهد فيها مَن أوتي عِلْماً فيجعلها واحدة، وليس في كلام ابن عباس ﴿ًا تصريحٌ
بأنَّ الجاعلَ رسول اللهِوَّ، بل في قوله: جعلوها واحدةً إشارةٌ إلى ما قلنا،
وعمر رَظُّه بعد مُضي أيام من خلافته ظهر له بالاجتهاد أن الأَولى القولُ بوقوع
الثلاث، لكنه خلافُ مذهبنا، وهو مذهبُ كثير من الصحابة حتى ابن عباس
فقد أخرج مالك والشافعي وأبو داود والبيهقي عن معاوية بن أبي عياش أنه كان
جالساً مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن أبي إياس بن البكير
فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلَّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها فماذا تَرَيان؟
فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قولٌ، اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة
فإني تركتُهما عند عائشةَ، فاسأَلْهما. فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة:
أَفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك مُعضلة. فقال أبو هريرة به: الواحدة تُبينها،
والثلاثة تُحرِّمها حتى تنكحَ زوجاً غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك(٣).
وإن حملت الثلاث في هذا الخبر على ما كان بلفظ واحد لئلا يُخالف مذهب
الإمام؛ فإن عنده إذا طلَّق الرجلُ امرأته الغيرَ المدخول بها ثلاثاً بلفظ واحد وَقَعْنَ
عليها؛ لأن الواقع مصدر محذوف؛ لأن معناه طلاقاً بائناً، فلم يكن: أنت طالق
إيقاعاً على حدة، فيقعن جملة = كان هذا الخبر مُعارضاً لما رواه مسلمٌ مؤيِّداً
للنسخ، كالخبر الذي أخرجه الطبراني والبيهقي عن سُويد بن غَفَلةً قال: كانت
(١) في الأصل: تبايعوا، وهو تحريف. قال النووي في شرح صحيح مسلم ٧٢/١٠: هو بياء
مثناة من تحت بين الألف والعين، هذه رواية الجمهور، وضبطه بعضهم بالموحدة،
وهما بمعنى، ومعناه: أَكْثَروا منه، وأسرعوا إليه، لكن بالمثناة إنما يستعمل في الشر،
وبالموحدة يستعمل في الخير والشر، فالمثناة هنا أجود.
(٢) سنن أبي داود (٢١٩٩)، وسنن البيهقي ٧/ ٣٣٨، وسلف قريباً.
(٣) موطأ مالك ٥٧١/٢، ومسند الشافعي ٣٦/٢، وهو عند أبي داود (٢١٩٨) بلفظ مختلف.

سُورَةُ الجَفْعَة
٣٠٢
الآية : ٢٢٩
عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي ها فقال لها: قُتل عليٍّ كرم الله وجهه.
قالت: لِتهنك الخلافة. قال: يُقتَلُ عليٍّ وتظهرين الشماتة، اذهبي فأنت طالق
ثلاثاً. قال: فتلفعت بثيابها وقعدت حتى قَضَتْ عِدَّتَها، فبعث إليها ببقيةٍ بقيت لها
من صَدَاقها وعشرة آلاف صدقةً، فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب
مفارق فلما بلغه قولها بكى ثم قال: لولا أني سمعتُ جَدِّي - أو حدثني أبي أنه
سمع جدِّي - يقول: ((أيما رجل طلَّق امرأته ثلاثاً عند الأقراء، أو ثلاثاً مبهمةً لم
تحلَّ له حتى تنكح زوجاً غيره)) لراجعتها(١)، وما أخرجه ابن ماجه عن الشعبي
قال: قلت لفاطمة بنت قيس حدثيني عن طلاقك. قالت: طلَّقني زوجي ثلاثاً وهو
خارجٌ إلى اليمن، فأجاز ذلك رسولُ الله ◌َّةٍ(٢).
وأما حديث ركانة فقد رُوي على أنحاء، والذي صحَّ ما أخرجه الشافعي
وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي أن رُكانة طلَّق امرأتَه البتة، فأخبر
النبي ◌َ﴿ بذلك وقال: والله، ما أردتُ إلا واحدةً، فقال ◌َّهِ: ((والله ما أردتَ
إلا واحدة؟)) فقال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدةً. قال: ((هو ما أردتَ)) فردَّها
عليه(٣). وهذا لا يصلح دليلاً لتلك الدعوى لأن الطلاق فيه كناية، ونية العدد فيها
معتبرة، وقد يستدلُّ به على صحة وقوع الثلاث بلفظ واحد؛ لأنه دلَّ على أنه لو
أراد ما زاد على الواحدة وقع وإلا لم يكن للاستحلاف فائدة.
والقياس على شهادات اللِّعان ورمي الجمرات قياسٌ في غير محلِّه، ألا ترى
أنه لا يمكن الاكتفاء ببعض ذلك بوجه، ويمكن الاكتفاء ببعض وحدات الثلاث في
الطلاق، وتحصل به البينونة بانقضاء العِدَّة، ويتم الغرض إجماعاً، ولعظم أمر
اللِّعان لم يُكتَفَ فيه إلا بالإتيان بالشهادات واحدةً واحدةً مؤگّدات بالأيمان،
مقرونة خامستُها باللَّعن في جانب الرجل لو كان كاذباً وفي جانبها بالغَضَب لو كان
(١) معجم الطبراني الكبير (٢٧٥٧)، وسنن البيهقي الكبرى ٣٣٦/٧.
(٢) سنن ابن ماجه (٢٠٢٤).
(٣) مسند الشافعي ٣٧/٢، وسنن أبي داود (٢٢٠٦)، وسنن الترمذي (١١٧٧)، وسنن ابن ماجه
(٢٠٥١)، والمستدرك ١٩٩/٢، وسنن البيهقي الكبرى ١٨١/١٠، وهو في مسند أحمد
(٢٣٨٧) ينظر الكلام عليه ثمة.

الآية : ٢٢٩
٣٠٣
سُورَةُ الْجَقَة
صادقاً، فلعل الرجوع أو الإقرار يقع في البين فيحصل الستر أو يقام الحدُّ ويُكَفَّر
الذنب.
وأيضاً الشهاداتُ الأربع من الرجل مُتَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الشهود الأربعة المطلوبة في
رَمْي المُحصنات مع زيادة كما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ
بَِرْبَعَةِ ثُهَلَّ فَجْلِدُ وهُمْ﴾ [النور: ٤] مع قوله سبحانه بعده: ﴿وَِّنَ يَُّونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُ لَّمْ
◌ُهَدَّةُ إِلَّ أَنْفُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَرِهِرْ أَرْبَعُ شَهَدَةٍ﴾ إلخ، فكما أن شهادةَ الشهود متعدِّدة
لا يكفي فيها اللَّفظ الواحد كذلك المُنزَّل مَنْزِلَتها .
ورمي الجمرات وتسبيعها أمرٌ تعبدي، وسرُّه ◌َخَفِيّ، فُيحتاط له ويُتَّبع المأثورُ فيه
حَذْوَ القُدَّة بالقُذَّة، وباب الطلاق ليس كهذين البابين، على أن من الاحتياط فيه أن
نُوقعه ثلاثاً بلفظ واحد ومجلس واحد، ولا نُلغي فيه لفظ الثلاث التي لم يُقصد بها
إلا إيقاعَه على أتمٍّ وجه وأكمله.
وما ذُكر في مسألة الحَلِف على أن يصلين(١) ألف مرة من أنه لا يَبَرُّ ما لم يأتِ
بآحادِ الألف، فأمر اقتضاه القَصْد والعُرف، وذلك وراء ما نحن فيه كما لا يخفى.
ولهذا ورد عن أهل البيت ما يُؤيِّد مذهب أهل السُّنة، فقد أخرج البيهقي عن
بسام الصيرفي قال: سمعتُ جعفر بن محمد يقول: من طلَّق امرأته ثلاثاً بجهالة أو
عِلْم، فقد برئت. وعن مسلمة بن جعفر الأحمس قال: قلت لجعفر بن محمد
يزعمون أنَّ مَن طلق ثلاثاً بجهالة رد إلى السنة يجعلونه واحدة يروونها عنكم؟ قال:
معاذ الله ما هذا من قولنا، من طلق ثلاثاً فهو كما قال(٢). وقد سمعتَ ما رويناه
عن الحسن.
وما أخذ به الإمامية يَروونَه عن عليّ كرم الله تعالى وجهه مما لا ثبت له والأمر
على خلافه، وقد افتراه على عليٍّ كرم الله تعالى وجهه شيخٌ بالكوفة وقد أقرّ
بالافتراء لدى الأعمش رحمه الله تعالى، فليحفظ ما تَلَوْناه فإني لا أظنك تجدُه
مسطوراً في كتاب.
(١) في (م): لا يصلين.
(٢) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٣٤٠.

سُورَةُ الْبََّقَة
٣٠٤
الآية : ٢٢٩
﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ﴾ في مُقابلة الطلاق ﴿مِنَّآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: من
الصَّدقَات، فإن ذلك منافٍ للإحسان، ومثلها في الحكم سائر أموالهنّ، إلا أن
التخصيص إما لِرعاية العادة، أو للتنبيه على أن عدمَ حِلّ الأخذ مما عدا ذلك من
باب الأولى.
والجارُّ والمجرور يحتمل أن يكون مُتعلِّقاً بما عنده، أو حالاً من ﴿شَيْئًا﴾ لأنه
لو أُخِّر عنه كان صفةً له، والتنوين للتحقير، والخِطاب مع الحُكَّام، وإسنادُ الأخذ
والإيتاء إليهم لأنهم الآمرون بهما عند الترافع.
وقيل: إنه خِطابٌ للأزواج. ويردُ عليه أن فيه تشويشاً للنظم الكريم؛ لأن قوله
تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآً﴾ أي: الزوجان كلاهما أو أحدهما ﴿أَلَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾
بترك إقامة مواجب الزوجية، غيرُ منتظِم معه؛ لأن المعبّر عنه في الخطاب الأزواج
فقط، وفي الغيبة الأزواج والزوجات، ولا يُمكن حَمْلُه على الالتفات إذ من شرطه
أن يكون المُعبّر عنه في الطريقين واحداً، وأين هذا الشرط؟
نعم لهذا القيل وجهُ صحة لكنها لا تُسمن ولا تُغني، وهو أن الاستثناء لمَّا كان
بعد مُضي جملة الخطاب من أعمِّ الأحوال أو الأوقات أو المفعول له على أن
يكونَ المعنى بسببٍ من الأسباب إلا الخوف جاز تغييرُ الكلام من الخِطاب إلى
الغَيبة لِنُكتة، وهي أن لا يُخاطب مؤمنٌ بالخوف من عدم إقامة حدود الله. وقرئ:
(تَخافا)) و(تُقيما)) بتاء الخطاب(١)، وعليها يهون الأمر، فإن في ذلك حينئذ تغليبَ
المخاطبين على الزوجات الغائبات، والتعبير بالتثنية باعتبار الفريقين.
وقرأ حمزة ويعقوب: ((يُخافا) على البناء للمفعول(٢) وإبدالٍ ((أن)) بصلته من
ألف الضمير بدلَ اشتمال، كقولك: خِيف زيدٌ تركُه حدود الله، ويعضده قراءة
عبد الله: ((إلا أن تخافوا))(٣)، وقال ابن عطية(٤): مُدِّي ((خاف)) إلى مفعولين
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣١٤/٢.
(٢) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٢٧/٢. وقرأ بها أبو جعفر.
(٣) البحر المحيط ١٩٧/٢.
(٤) في المحرر الوجيز ٣٠٧/١.

الآية : ٢٢٩
٣٠٥
سُورَةُ الجَزَة
أحدهما أَسند إليه الفعل، والآخر بتقدير حرف جرِّ محذوف. فموضع ((أن)) جرِّ
بالجارِ المُقدَّر، أو نصب على اختلاف الرأيين.
وردّه في ((البحر)) بأنه لم يذكُره النحويون حين عدُّوا ما يتعدَّى إلى اثنين،
وأصل أحدهما بحرف الجرّ(١). وفي قراءة أُبيّ: ((إلا أن يظنّا))(٢) وهو يؤيِّد تفسير
الظن بالخوف.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ خطابٌ للحُكّام لا غير؛ لئلا يلزم تغيير الأسلوب قبل مُضي
الجملة ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ التي حدَّها لهم ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: الزوجين،
وهذا قائمٌ مقام الجواب، أي: فمروهما، فإنه لا جُناح ﴿فِيَا أَقْتَدَتْ بِهُ﴾ نَفْسَها
واختلعت، لا على الزوج في أَخْذه ولا عليها في إعطائها إِيَّاه.
أخرج ابن جرير عن عكرمة أنه سُئل: هل كان للخُلع أصل؟ قال: كان ابن
عباس ﴿ا يقول: إنَّ أوَّلَ خُلْعٍ كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أُبَيِّ امرأةٍ
ثابت بن قيس، أنها أتَتْ رسولَ اللهِ وَ ﴿ فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي
ورأسَه شيء أبداً، إني رفعت جانبَ الخباء فرأيته أقبل في عِدَّةٍ فإذا هو أشدُّهم
سواداً وأقصرُهم قامةً وأقبحُهم وجهاً، قال زوجها: يا رسول الله، إني أعطيتُها
أفضلَ مالي حديقةً لي، فإن ردَّتْ عليَّ حديقتي. قال: ((ما تقولين؟)) قالت: نعم،
وإن شاء زِدْتُه. قال: ففرَّق بينهما(٣).
وفي رواية البخاري أن المرأةَ اسمها جميلة، وأنها بنتُ عبد الله المنافق(٤)،
وهو الذي رجَّحه الحُفَّاظ، وكونُ اسمها زينب جاء من طريق الدارقطني(٥). قال
الحافظ ابن حجر(٦): فلعل لها اسمين، أو أحدَهما لقب، وإلا فجميلة أصحُ، وقد
(١) البحر المحيط ١٩٧/٢ - ١٩٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تفسير الطبري ١٣٧/٤ - ١٣٨، وقد صححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، وينظر كلامه
عليه ٤/ ٥٥٣ .
(٤) صحيح البخاري (٥٢٧٧)، وفيه أيضاً برقم (٥٢٧٤) أنها أخت عبد الله بن أُبيّ.
(٥) سنن الدارقطني (٣٦٢٩).
(٦) في فتح الباري ٣٩٨/٩ - ٣٩٩.

سُؤَةُ الْبَكْفَة
٣٠٦
الآية : ٢٢٩
وقع في حديثٍ آخر أخرجه مالك والشافعي وأبو داود أن اسمَ امرأةٍ ثابت حبيبةُ بنت
سهل(١)، قال الحافظ: والذي يظهر أنهما قصتان(٢) وقعتا له في امرأتين لِشُهرة
الحديثين وصحَّة الطريقين واختلاف السياقين.
﴿يَلْكَ حُدُودُ الَّهِ﴾ إشارة إلى ما حدَّ من الأحكام من قوله سبحانه: ﴿الطّلَقُ
مَّتَانٍ﴾ إلى هنا، فالجملة فَذْلكةٌ لذلك أُوردت لترتيب النهي عليها ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾
بالمُخالفة والرفض ﴿وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ الَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّلِبُونَ (٣)﴾ تذييل للمبالغة في
التهديد، والواو للاعتراض، وفي إيقاع الظاهر موقعَ المُضمر ما لا يخفى من
إدخال الرَّوعة وتربية المهابة.
وظاهرُ الآية يدلُّ على أن الخُلْع لا يجوز من غير كراهة وشِقاق؛ لأنَّ نَفْيَ
الحِلّ الذي هو حُكم العقد في جميع الأحوال إلا في حال الشِّقاق يدلُّ على فساد
العَقْد وعدم جوازه ظاهراً، إلا أن يدلَّ الدليلُ على خلاف الظاهر.
وعلى أنه لا يجوز أن يكون بجميع ما ساق الزوج إليها فضلاً عن الزائد؛ لأن
(من) في (مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ) تبعيضية، فيكون مَفادُ الاستثناء حِلَّ أخذ شيءٍ
مما آتيتموهن حين الخوف، وأما كلمة ((ما)) في قوله سبحانه: (فِيَا أَفْتَدَتْ) فليست
ظاهرةً في العموم حتى يُنافي ظهور الآية في الحكم المذكور، بل فاء التفسير في
(فَإِنْ خِفْتُرْ) يدلُّ ظاهراً على أنه بيانٌ للحكم المفهوم بطريق المخالفة عن
الاستثناء، وفائدته التنصيص على الحكم ونفي الجُناح في هذا العقد، فإن ثبوت
الحِلّ المُستفاد من الاستثناء قد يجامع الجُناح بأن يكون مع الكراهة، نعم تحتمل
العموم، فلا تكون نصًّا في عدم جواز الخُلع بجميع ما يُساق، ولهذا قال
عمر ◌َُّه: اخلعها ولو بِقُرطها(٣).
(١) موطأ مالك ٥٦٤/٢، ومسند الشافعي ٢/ ٥٠، وسنن أبي داود (٢٢٢٨). وأخرجه أحمد
(١٦٠٩٥) من حديث سهل بن أبي حَثْمة ◌ُه، و(٢٧٤٤٤) من حديث حبيبة بنت سهل
الأنصارية ټٹا .
(٢) في (م) والأصل: قضيتان، والمثبت من فتح الباري، وحاشية الشهاب ٣١٤/٢، والكلام
فيه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣٤/٥، والطبري ٤/ ١٥٧.

الآية : ٢٣٠
٣٠٧
سُوَّةُ الْبَرَة
ويؤيد الأول ما أخرجه أحمد وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه
عن ثوبان قال: قال رسول الله وَلجر: ((أيما امرأةٍ سألَتْ زوجَها الطلاق من غير
ما بأس فحرامٌ عليها رائحةُ الجنة))(١). وقال: ((المُختلعات هنَّ(٢) المُنافقات))(٣).
ويؤيد الثاني ما رُوي من بعض الطرق أنه وَل﴿ قال الجميلة («أتردِّين عليه
حديقته؟)) فقالت: أردُّها وأزيد عليها، فقال ◌َله: ((أما الزائد فلا))(٤). وهذا وإن دلَّ
على نفي الزيادة دون جميع المهر إلا أنه يُستفاد منه أن(فيما افتدت به)) ليس على
عُمومه، فيكون المراد به ما يُستفاد من الاستثناء وهو البعض.
وأكثر الفقهاء على أن الخُلع بلا شقاق وبجميع ما ساق مكروه، ولكنه نافذٌ؛
لأن أركانَ العقد من الإيجاب والقَبول وأهليةِ العاقدين مع التراضي متحقِّقٌ، والنهي
لأمر مقارِن - كالبيع وقتَ النداء - وهو لا يُنافي الجَواز، وعلى أنه يصح بلفظ
المُفاداة؛ لأنه تعالى سمَّى الاختلاع افتداءً.
واختلف في أنه إذا جرى بغير لفظ الطلاق فسخٌ أو طلاق؟ ومَن جعله فسخاً
احتج بقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ فإن تعقيبه للخُلع بعد ذكر الطلقتين يقتضي أن يكون
طلقةً رابعة لو كان الخُلع طلاقاً .
والأظهر أنه طلاقٌ، وإليه ذهب أصحابُنا، وهو قولٌ للشافعية؛ لأنه فُرقةٌ
باختيار الزوج، فهو كالطلاق بالعوض، فحينئذ يكون (فَإِن طَلَّقَهَا) متعلِّقاً بقوله
سبحانه: (اُلِّلَقُ مَرَّتَانٍ) تفسيراً لقوله تعالى: (أَوْ تَشْرِيٌ بِإِحْسَانٍ) لا متعلِّقاً بآية الخُلع
ليلزم المحذور، ويكون ذكر الخُلع اعتراضاً لبيان أن الطلاق يقع مجاناً تارة
وبعوضٍ أُخرى، والمعنى: فإن طلَّقها بعد الثنتين أو بعد الطلاق الموصوف بما تقدم
(١) مسند أحمد (٢٢٣٧٩)، وسنن أبي داود (٢٢٢٦)، وسنن الترمذي (١١٨٧)، والمستدرك
٢٠٠/٢.
(٢) في (م): مي.
(٣) أخرجه أحمد (٩٣٥٨) من طريق الحسن عن أبي هريرة ظله، وهذا إسناد منقطع، فالحسن
لم يسمع من أبي هريرة كما في مراسيل ابن أبي حاتم ص٣٨. وأخرجه الترمذي (١١٨٦)
من حديث ثوبان . قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده
بالقوي.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣١٤.

سُورَةُ الَّفَقَة
٣٠٨
الآية : ٢٣٠
﴿فَلَ تَعِلُ لَهُ, مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد ذلك التطليق ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾ أي: تتزوَّج
زوجاً غيره ويُجامعها، فلا يكفي مجرد العقد كما ذهب إليه ابن المسيِّب وخَطَّؤوه؛
لأن العقد فُهِمَ مِنْ ((زوجاً) والجماع مِنْ (تَنكِحَ).
وبتقدير عدم الفهم، وحَمْلِ النكاح على العقد تكون الآية مطلقةً، إلا أن السنَّة
قَيَّدتها؛ فقد أخرج الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وجماعة عن عائشة ﴿تا
قالت: جاءت امرأةُ رِفاعةَ القُرظي إلى رسول الله وَ﴿ فقالت: إني كنتُ عند رِفاعة
فطلَّقني فبتَّ طلاقي، فتزوَّجني عبدُ الرحمن بن الزبير وما معه إلا مِثْلُ هُذْبة الثوب.
فتبسَّم النبيِ وَهِ فقال: ((أتُريدين أن ترجعي إلى رِفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيلته
ويذوقَ عُسَيلتك))(١) .
وعن عكرمة: إن هذه الآية نزلت في هذه المرأة واسمها عائشة بنت
عبد الرحمن بن عتيك، وكان نزل فيها ﴿فَإِن طَلَقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُ، مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْبًا
غَيْرَةٌ﴾ فيجامعها، فإن طلَّقها بعد ما جامعها، فلا جناح عليهما أن يتراجعا(٢).
وفي ذلك دلالةٌ على أن الناكح الثاني لا بد أن يكون زوجاً، فلو كانت أَمَةً
وطلِّقت البتة، ثم وَطِئها سيدها لا تحلُّ للأول، وعلى أنه لو اشتراها الزوج من
سيِّدها، أو وهبها سيدُها له بعد أن بتَّ طلاقَها، لم يحلَّ له وطؤها في الصورتين
بملك اليمين حتى تنكح زوجاً غيره.
وعلى أنَّ الوليَّ ليس شرطاً في النكاح؛ لأنه أضاف العقد إليها. والحكمة في
هذا الحُكم رَدْعُ الزوج عن التسرُّع إلى الطلاق؛ لأنه إذا علم أنه إذا بتَّ الطلاق
لا تحلُّ له حتى يُجامعها رجلٌ آخر - ولعله عدوُّه - ارتدع عن أن يُطلِّقها البتة؛ لأنه
وإن كان جائزاً شرعاً لكن تنفر عنه الطّباع وتأباه غَيْرة الرجال.
والنكاح بشرط التحليل فاسدٌ عند مالك وأحمد والثوري والظاهرية وکثیرین،
واستدلُّوا على ذلك بما أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عُقبةً بن
(١) مسند الشافعي ٣٤/٢ - ٣٥، ومسند أحمد (٢٤٠٩٨)، وصحيح البخاري (٢٦٣٩)،
وصحيح مسلم (١٤٣٣).
(٢) أخرجه ابن المنذر عن مقاتل كما في الدر المنثور ٢٨٣/١.

الآية : ٢٣٠
٣٠٩
سُوَلَُّ البَرَة
عامر قال: قال رسول الله وَله: ((ألا أُخْبِرُكم بالتيس المُستعار؟)) قالوا: بلى يا
رسول الله، قال: ((هو المُحَلِّل، لعن الله المُحلِّل والمُحَلَّل له))(١).
وأخرج عبد الرزاق عن عمر ﴿به قال: لا أُوتَى بمحلِّل ولا مُحلَّل له
إلا رجمتُهما(٢)، والبيهقي عن سليمان بن يسار أن عثمان رَُّهِ رُفع إليه رجلٌ تزوَّج
امرأةً لِيُحلِّلَها لزوجها، ففرَّق بينهما، وقال: لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير
دُلْسة(٣).
وعندنا هو مكروه. والحديث لا يدلُّ على عدم صحة النكاح لِمَا أن المنع عن
العقد لا يدلُّ على فساده، وفي تسمية ذلك مُحلِّلاً ما يقتضي الصحة؛ لأنها سببُ
الحِلّ. وحمل بعضهم الحديث على من اتَّخذه تَكَسُّباً، أو على ما إذا شرط التحليل
في صُلب العقد، لا على من أضمر ذلك في نفسه، فإنه ليس بتلك المرتبة، بل
قيل: إن فاعلَ ذلك ماجور.
﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ الزوج الثاني ﴿فَلَ جُنَاحَ عَهِمَا﴾ أي: على الزوج الأول والمرأة
﴿أَنْ يَتََّاجَعًا﴾ أن يرجع كلٌّ منهما إلى صاحبه بالزواج بعد مُضِيّ العِدَّة ﴿إِن ظَنَآ أَنْ
يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ إن كان في ظَنِّهما أنهما يُقيمان حقوق الزوجية التي حدَّها الله تعالى
وشَرَعها .
وتفسير الظنّ بالعلم هاهنا قيل: غير صحيح لفظاً ومعنّى؛ أما معنّى فلأنه لا يُعلَم
ما في المستقبل يقيناً في الأكثر، وأما لفظاً؛ فلأنَّ ((أنْ)) المصدرية للتوقّع، وهو
يُنافي العلم.
ورُدَّ بأن المستقبل قد يُعلم ويُتيقّن في بعض الأمور، وهو يكفي للصحة، وبأن
سيبويه أجاز - وهو شيخ العربية -: ما علمت إلا أن يقومَ زيدٌ. والمُخالِفُ له فيه
أبو عليٍّ الفارسي.
ولا يخفى أن الاعتراض الأول فيما نحن فيه مما لا يُجدي نفعاً؛ لأن المستقبل
(١) سنن ابن ماجه (١٩٣٦)، والمستدرك ١٩٨/٢، وسنن البيهقي الكبرى ٢٠٨/٧.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٠٧٧٧).
(٣) سنن البيهقي الكبرى ٢٠٨/٧.

سُوَّةُ الْبَقَة
٣١٠
الآية : ٢٣١
وإن كان قد يُعلم في بعض الأمور إلا أن ما هنا ليس كذلك. وليس المراجعة
مربوطةً بالعلم، بل الظنُّ يكفي فيها.
﴿وَتِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى الأحكام المذكورة إلى هنا ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: أحكامه
المُعَّينةُ المَخميةُ من التعرُّض لها بالتغيير والمخالفة.
﴿يُبَيْنُهَا﴾ بهذا البيان اللائق، أو سَيُّبَيِّنها؛ بناءً على أن بعضها يلحقه زيادةٌ
كشفٍ في الكتاب والسُّنة، والجملة خبرٌ على رأي مَن يُجوِّزه في مثل ذلك، أو حال
من ((حدود الله)) والعامل معنى الإشارة. وقُرئ: ((نُبِّتها(١))) بالنون على الالتفات.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ أي: يفهمون ويعملون بمقتضى العلم، فهو للتحريض على
العمل كما قيل، أو لأنهم المنتفعون بالبيان، أو لأنَّ ما سيلحق بعض الحدود منه
لا يَعْقِلُه إلا الراسخون، أو ليخرج غير المُكلَّفين.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَلَهُنَّ﴾ أي: آخرَ عِدَّتهنَّ، فهو مجازٌ من قَبيلِ استعمال
الكلِّ في الجُزء إنْ قلنا: إنَّ الأَجَل حقيقةٌ في جميع المُدَّة - كما يُفهمه كلام
((الصحاح)»(٢) - وهو الدائر في كلام الفقهاء، ونَقْلُ الأزهري(٣) عن اللَّيث يدل على
أنه حقيقة في الجزء الأخير، وكلا الاستعمالین ثابتٌ في الكتاب الکریم، فإن كان
من باب الاشتراك فذاك، وإلا فالتجوُّز من الكلِّ إلى الجزء الأخير أقوى من
العكس.
والبلوغ في الأصل: الوصول، وقد يقال للدُّنوّ منه، وهو المُراد في الآية، وهو
إما من مَجاز المُشارفة أو الاستعارة تشبيهاً للمتقارب الوقوع بالواقع لِيصحَّ أن یرتَّب
عليه. ﴿فَمْسِكُهُنَ بِعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ إذ لا إمساكَ بعد انقضاء الأجل؛ لأنها
حينئذ غیرُ زوجة له ولا في عِدَّته، فلا سبيل له عليها.
والإمساك مَجازٌ عن المراجعة؛ لأنها سببُه. والتسريح بمعنى الإطلاق، وهو
مَجازٌ عن التَرْك، والمعنى: فراجِعوهنَّ من غير ضرار، أو خَلَّوهن حتى تنقضيّ
(١) القراءات الشاذة ص١٤.
(٢) مادة (أجل).
(٣) في تهذيب اللغة ١٩٣/١١.

الآية : ٢٣١
٣١١
سُورَةُ البَحْغَة
عِدَّتهنّ من غير تطويل، وهذا إعادةٌ للحكم في صورة بلوغهنّ أجلَهنَّ اعتناءً لشأنه
ومُبالغةً في إيجاب المُحافظة عليه.
ومن الناس مَن حمل الإمساكَ بالمعروف على عقد النكاح وتجديدِه مع حُسن
المعاشرة، والتسريحَ بالمعروف على ترك العَضْل عن التزوُّج بآخر، وحينئذ لا حاجةً
إلى القول بالمجاز في ((بَلَغْنَ)). ولا يخفى بعدُه عن سبب النزول، فقد أخرج ابن
جرير وابن المنذر عن السُّدِّي أن رجلاً من الأنصار يُدعى ثابت بن يسار طلَّق
زوجته، حتى إذا انقضت عدّتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها، ثم طلَّقها، ففعل ذلك
بها حتى مَضَتْ لها تسعةُ أشهر يُضارُّها، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
﴿وَلَا تُنِكُهُنَّ ضِرَارًا﴾ تأكيدٌ للأمر بالإمساك بالمعروف وتوضيحٌ لمعناه، وهو
أدلُّ منه على الدوام والثَّبات، وأصرحُ في الزَّجر عما كانوا يتعاطونه. و((ضراراً))
نصب على العِلِية أو الحالية، أي: لا ترجعوهن لِلمُضارَّة أو مُضارِّين، ومتعلق
النهي القيد.
واللام في قوله تعالى: ﴿لِنَّعْنَدُوَّا﴾ متعلق بـ ((ضراراً))، أي: لتظلموهنَّ بالإلجاء
إلى الافتداء، واعتُرض بأن الضِّرار ظلمٌ والاعتداء مثله، فيؤول إلى: ولا تمسكوهن
◌ُلماً لتظلموا، وهو كما ترى.
وأُجيب بأنَّ المراد بالضِّرار تطويلُ المدة، وبالاعتداء الإلجاء، فكأنه قيل:
لا تُمسكوهنّ بالتطويل لِتُلجئوهنَّ إلى الاختلاع، والظّلم قد يقصد ليؤدّي إلى ظلم
آخر.
والمشهور أن هذا الوجه(٢) متعيِّنٌ على الوجه الأوّل في ((ضراراً))، ولا يجوز
عليه أن يكون هذا عِلّةً لِمَا كان هو له، إذ المفعول له لا يتعدَّد إلا بالعطف، أو
على البدل، وهو غير ممكن لاختلاف الإعراب، ويجوز أن يكون كذلك على
الوجه الثاني، وجوِّز تعلُّقه بالفعل مطلقاً إذا جعلت اللام للعاقبة، ولا ضرر في
تعدِّي الفعل إلى عِلَّةٍ وعاقبٍ لاختلافهما وإن كانت اللام حقيقةً فيهما على رأي.
(١) تفسير الطبري ١٨٢/٤.
(٢) يعني كون اللام متعلقة بـ ((ضراراً)). حاشية الشهاب ٣١٧/٢.

سُوَّةُ الْبَدَة
٣١٢
الآية : ٢٣١
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المذكورَ، وما فيه من البعد للإيذان ببعد منزلته في الشرّ
والفساد ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها للعذاب، أو بأن فوَّت على نَفْسه منافعَ الدِّين
من الثواب الحاصل على حُسن المعاشرة، ومنافعَ الدنيا من عدم رغبة النساء به
بعدُ؛ لاشتهاره بهذا الفعل القبيح.
﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ المنطوية على الأحكام المذكورة في أمر النساء، أو
جميعَ آياته، وهذه داخلةٌ فيها ﴿هُزُوا﴾ مَهْزوءً بها، بأن تُعرضوا عنها، وتتهاونوا في
المحافظة عليها، لقلَّة اكتراثكم بالنساء وعدمٍ مُبالاتكم بهنَّ، وهذا نهيّ أُريد به
الأمر بضده، أي: جِدُّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها، وازْعَوها حقَّ رعايتها .
وأخرج ابن أبي عمر(١) وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: كان الرجلُ يطلِّقُ ثم
يقول: لعبت، ويُعتق ثم يقول: لعبت، فنزلت(٢).
وأخرج أبو داود والترمذي - وحسّنه - وابن ماجه والحاكم - وصحّحه ـ عن
أبي هريرة ◌َه قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثٌ هزلهنَّ جِدٌّ: النكاح، والطلاق،
والرجعة)»(٣).
وعن أبي الدرداء: ثلاثٌ اللاعبُ فيها كالجادّ: النكاح، والطلاق،
والعِتاق (٤).
وعن عمر ◌ُه: أربع مُقَفَلات: النذر، والطلاق، والعتق، والنكاح(٥).
﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قابلوها بالشُّكر والقيام بحقوقها. والنعمة
(١) في الأصل و(م): عمرة، وهو خطأ، وهو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني،
صنف (المسند» مات سنة (٢٤٣ هـ). السير ١٢ / ٩٦.
(٢) الدر المنثور ٢٨٦/١.
(٣) سنن أبي داود (٢١٩٤)، وسنن الترمذي (١١٨٤)، وسنن ابن ماجه (٢٠٣٩)، والمستدرك
١٩٧/٢ - ١٩٨. قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٢٠: إسناده
ضعيف .
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٢٤٥).
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٤١/٧. وقوله: مُقفَلات: أي: لا مخرج منهن لقائلهن
كأن عليهن أقفالاً. النهاية (قفل).

الآية : ٢٣١
٣١٣
سُؤَدَّةُ الْبَّفَقَة
إمَّا عامة فعطف ﴿وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عليها من عطف الخاصِّ على العامِّ، وإمَّا أن
تُخَصَّ بالإسلام ونبوَّة محمد بَّهِ، وخُصَّا بالذِّكر لِيُناسب ما سبقه، وليدلَّ على أن
ما كانوا عليه من الإمساك إضراراً من سَنن الجاهلية المُخالفة، كأنه لمَّا قيل: جدُّوا
في العمل بالآيات، على طريق الكناية أكَّد ذلك بأنه شُكر النعمة، فقوموا بحقِّه،
ويكون العطف تأكيداً على تأكيد؛ لأن الإسلام ونبوَّة محمد ﴿ يَشْمَلان إنزالَ
الكتاب والسُّنة، وهو قريب من عطف التفسير. ولا بأس أن يُسمَّى عطف التقرير،
قيل: ولو عمَّم النعمة لم يَحْسُنْ موقعُه هذا الحُسْنَ، ولا يخفى أنه في حيِّز المنع.
والظرف الأوَّل متعلِّق بمحذوف وقع حالاً من ((نعمة))، أو صفة لها على رأي
من يُجوِّز حذفَ الموصول مع بعض الصِّلة، ويجوز أن يتعلَّق بنفسها إنْ أُريد بها
الإنعام؛ لأنها اسمُ مصدر، كنبات من أنبت، ولا يقدح في عمله تاء التأنيث لأنه
مبنيّ عليها كما في قوله:
فلولا رجاءُ النصر منك وهيبةٌ عقابَك قد كانوا لنا كالمواردِ(١)
والظرف الثاني متعلّق بما عنده، وأتى به تنبيهاً للمأمورين وتشريفاً لهم، و((ما))
موصولة حُذف عائدها من الصلة، و((من)) في قوله تعالى: ﴿مِّنَ اٌلْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ﴾
بيانية، والمراد بهما (٢) القرآن الجامع للعُنوانَيْن، أو القرآن والسنة، والإفراد بالذِّكر
بعد الاندراج في المذكور إظهاراً للفضل، وإيماءً إلى أن الشَّرف وصل إلى غايةٍ
لا يُمكن معها الاندراج، وذاك من قبيل:
فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم
فإِنَّ المِسْكَ بعضُ دمِ الغزال(٣)
﴿يَعُكُرُ بِّهِ﴾ أي: ((بما أنزل)) حال من فاعل ((أنزل)) أو من مفعوله، أو
منهما معاً، وجوِّز أن يكون ((ما)) مبتدأ، وهذه الجملة خبره، و((من الكتاب)) حال
من العائد المحذوف. وقيل: الجملة معترضة للترغيب والتعليل.
﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهُ﴾ في أوامره والقيام بحقوقه ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
(١) الكتاب ١٨٩/١، والدر المصون ٤٥٨/٢، وفيهما: ورهبة، بدل: وهيبة.
(٢) في الأصل: بها.
(٣) قائله المتنبي، وسلف ٣٣٥/٢.

سُورَةُ الْبَعَة
٣١٤
الآية : ٢٣٢
فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وما تذرون، فَلْيُحذَرْ من جزائه وعقابه، أو أنه عليم
بكل شيء، فلا يَأمرُ إلا بما فيه الحِكمة والمصلحة فلا تُخالفوه، وفي هذا العطف
ما يؤكّد الأوامرَ والأحكام السابقة، وليس هذا من التأكيد المُقتضي للفصل، لأنه
ليس إعادةً لمفهوم المؤَّد ولا مُتحداً معه.
﴿وَإِذَا ◌َلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عِدَّتهن كما يدلّ عليه السِّياق ﴿فَلَ
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ أي: لا تمنعوهنَّ ذلك. وأصلُ العَضْل الحبس
والتضييق، ومنه عضَّلتِ الدجاجةُ بالتشديد: إذا نَشِبَتْ بيضتُها ولم تخرج، والفعل
مثلَّث العين.
واختلف في الخطاب؛ فقيل - واختاره الإمام(١) -: إنه للأزواج المُطلِّقين؛
حيث كانوا يعضُلون مُطلَّقاتِهم بعد مُضي العِدَّة ولا يَدعونهنَّ يتزوَّجن تُلماً وقَسْراً
لحميَّة الجاهلية، وقد يكون ذلك بأن يَدُسَّ إلى من يخطبهنَّ ما يُخيفه، أو يَنسبُ
إليهن ما يُنفِّر الرجلَ من الرغبة فيهنَّ، وعليه يُحمَل الأزواج على مَن يُردن أن
يتزوَّجنه، والعرب كثيراً ما تُسمِّ الشيء باسم ما يَؤُول إليه.
وقيل - واختاره القاضي(٢) -: إنه للأولياء؛ فقد أخرج البخاري والترمذي
والنسائي وابن ماجه وأبو داود وخلقٌ كثير من طرق شتى عن مَعْقِل بن يسار قال:
كانت لي أختٌ، فأتاني ابنُ عمٍّ لي فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت، ثم طلَّقها
تطليقة، ولم يراجعها حتى انقضت العِدةُ، فَهَوِيَها وهوته، ثم خطبها مع الخُطّاب
فقلت له: يا لُكَعُ، أكرمتك بها وزوَّجتُّكُها، فطلَّقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع
إليك أبداً. وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تُريد أن ترجع إليه، فعلم اللهُ
تعالى حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قال: ففيَّ
نزلَتْ، فكفَّرتُ عن يميني، وأنكحتُها إياه. وفي لفظ: فلما سمعها مَعْقِلٌ قال:
سمعاً لربي وطاعةً، ثم دعاه فقال: أُزوّجك وأُكرمك(٣). وعليه يُحمل الأزواج على
(١) هو الرازي في تفسيره ٦/ ١٢٠.
(٢) هو البيضاوي في تفسيره ٣١٧/٢ (حاشية الشهاب).
(٣) صحيح البخاري (٥١٣٠)، وسنن الترمذي (٢٩٨١)، وسنن النسائي الكبرى (١٠٩٧٤)،
وسنن أبي داود (٢٠٨٧)، ولم نقف عليه في سنن ابن ماجه.
٠٠

الآية : ٢٣٢
٣١٥
سُورَةُ الْبَّكْرَة
الذين كانوا أزواجاً، وخطابُ التطليق حينئذ إما أن يتوجه لِمَا توجَّه له هذا
الخطاب، ويكون نسبة التطليق للأولياء باعتبار التسبُّب كما يُنبئ عنه التصدِّي
للعَضْل، وإما أن يبقى على ظاهره للأزواج المطلّقين، ويتحمل تشتيت الضمائر
اتكالاً على ظهور المعنى.
وقيل - واختاره الزمخشري(١) -: إنه لجميع الناس، فيتناول عضل الأزواج
والأولياء جميعاً، ويسلم من انتشار ضميري الخطاب والتفريق بين الإسنادين، مع
المطابقة لسبب النزول. وفيه تهويل أمر العضل بأنَّ من حقِّ الأولياء أن لا يحوموا
حوله وحق الناس كافة أن ينصروا المظلوم.
وجعل بعضهم الخطاباتِ السابقة كذلك، وذكر أن المباشرة لتوقفها على
الشروط العقلية والشرعية توزعت بحسبها، كما إذا قيل لجماعة معدودة أو غير
محصورة: أُدُّوا الزكاة، وزوِّجوا الأكفاء، وامنعوا الَّلَمة، كان الكل مُخاطبين
والتوزُّع على ما مرّ.
هذا، وليس في الآية على أي وجه حُملت دليلٌ على أنه ليس للمرأة أن تُزوِّج
نَفْسَها كما وُهِمَ، ونهيُ الأولياء عن العضل ليس لتوقُّف صحة النكاح على رضاهم،
بل لدفع الضَّرر عنهن، لأنهن وإن قدرْنَ على تزويج أنفسهن شرعاً لكنهن يحترزن
عن ذلك مخافةً اللوم والقطيعة أو مخافةً البطش بهن، وفي إسناد النكاح إليهن إيماءٌ
إلى عدم التوقف، وإلا لَّزِمَ المجاز، وهو خلاف الظاهر.
وجوز في ((أن ينكحن)) وجهان: الأول: أنه بدل اشتمال من الضمير المنصوب
قبله. والثاني: أن يكون على إسقاط الخافض، والمحلّ إما نصب أو جر على
اختلاف الرأيین.
﴿إِذَا تَضَوْا﴾ ظرف لـ ((لا تعضلوا))، والتذكير باعتبار التغليب، والتقييد به لأنه
المُعتاد، لا لتجويز المنع قبل تمام التراضي. وقيل: ظرف لـ ((أن ينكحن)). وقوله
تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف للتراضي مفيد لرسوخه واستحكامه.
﴿يَغْرُوفٍ﴾ أي: بما لا يكون مُستنكّراً شرعاً ومروءةً، والباء إما متعلقة
(١) في الكشاف ٣٦٩/١.

سُوَّةُ الْبَعَة
٣١٦
الآية : ٢٣٣
بمحذوف وقع حالاً من فاعل ((تراضوا))، أو نعتاً لمصدر محذوف أي: تراضياً كائناً
بالمعروف. وإما بـ (تراضوا)) أو بـ ((ينكحن))، وفي التقييد بذلك إشعار بأن المنع
من التزوج بغير كفء أو بما دون مهر المثل ليس من باب العضل.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما فصِّل، والخطاب للجمع على تأويل القَبيل، أو لكلِّ
واحد واحد، أو أن الكاف تدلُّ على خطابٍ قُطِعَ فيه النظر عن المخاطَب وحدةً
وتذكيراً وغيرهما، والمقصود الدلالة على حضور المُشار إليه عند من خُوطب للفرق
بين الحاضر والمُنقضي الغائب. أو للرسول و ﴿ لِيُطابق ما في سورة الطلاق(١)،
وفيه إيذان بأن المُشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد، بل لا بد لتصوّر ذلك من
مُؤَيِّد من عند الله تعالى.
﴿يُؤْعَظُ بِهِ، مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرُ﴾ خصَّه بالذكر لأنه المُسارع إلى
الامتثال إجلالاً لله تعالى وخوفاً من عقابه، و((منكم)) إما متعلِّق بـ ((كان)) على رأي
مَن يرى ذلك، وإما بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل ((يؤمن)).
﴿َلِكُمْ﴾ أي: الاتعاظ به والعمل بمقتضاه ﴿أَزَّكَ لَكُمْ﴾ أي: أعظمُ بركةً ونفعاً
﴿وَأَْهَرٌ﴾ أي: أكثر تطهيراً من دَنَسٍ الآثام. وحذف لكم اكتفاءً بما في سابقه،
وقيل: إن المراد: أطهرُ لكم ولهم، لما يخشى على الزوجين من الرِّيبة بسبب
العلاقة بينهما .
﴾﴾ ذلك، فلا رأي
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه من المصلحة ﴿ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ
إلا الاتباع. ويحتمل تعميم المفعول في الموضعين، ويدخل فيه المذكور
دخولاً أوليًّا. وفائدة الجملة الحثُّ على الامتثال.
﴿وَلْوَِّدَتُّ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ أمرٌ أُخرج مُخرَجَ الخبر مبالغةً، ومعناه الندب أو
الوجوب إن خصَّ بما إذا لم يرتضع الصبي إلا من أُمّه، أو لم يوجد له ظِئْر، أو
عَجَزَ الوالد عن الاستئجار، والتعبير عنهن بالعنوان المذكور لاستعطافهن نحوّ
أولا دهن.
والحكم عامّ للمطلقات وغيرهن كما يقتضيه الظاهر، وخصّه بعضهم بالوالدات
(١) يعني قوله تعالى: ﴿وَأَيُّها النُّّ إِذَا ◌َلَقْتُمُ النِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّنِنَّ﴾ [الآية: ١].

الآية : ٢٣٣
٣١٧
سُوَّةُ الْبَقَة
المطلَّقات، وهو المرويُّ عن مجاهد وابن جبير وزيد بن أسلم، واحتجَّ عليه
بأمرين:
الأول: أن الله تعالى ذكر هذه الآيةَ عقيب آياتِ الطلاق، فكانت من تتمَّتها،
وإنما أتمها بذلك لأنه إذا حصلت الفرقةُ ربما يحصل التعادي والتباغض، وهو
يحمل المرأة غالباً على إيذاء الولد نِكاية بالمطلِّق وإيذاءً له، وربما رغبت في
التزوُّج بآخر، وهو كثيراً ما يستدعي إهمالَ أمر الطفل وعدمَ مراعاته، فلا جرم
أمرهن على أبلغ وجه برعاية جانبه والاهتمام بشأنه.
والثاني: أن إيجاب الرزق والكسوة فيما بعدُ للمرضعات يقتضي التخصيص، إذ
لو كانت الزوجية باقيةً لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا الرضاع، .
وقال الواحدي(١): الأولى أن يخصَّ بالوالدات حال بقاء النكاح؛ لأن المطلّقة
لا تستحقّ الكسوة، وإنما تستحقّ الأجرة.
ولا يخفى أن الحمل على العموم أولى، ولا يفوت الغرض من التعقيب،
وإيجاب الرزق والكسوة(٢) لا يقتضي التخصيص؛ لأنه باعتبار البعض، على أنه -
على ما قيل - ليس في الآية ما يدلّ على أنه للرضاع، ومن قال: إنه له، جعل ذلك
أجرةً لهنّ، إلا أنه لم يعبّر بها، وعبَّر بمصرِفها الغالب حثًّا على إعطائها نَفْسها
لذلك أو إعطاء ما تُصرف لأجله، فتدبّر(٣).
﴿عَوْلَيْنِ﴾ أي: عامين، والتركيب يدور على الانقلاب، وهو منصوب على
الظرفية و﴿كَامِلَيْنٍ﴾ صفته، ووصف بذلك تأكيداً لبيانِ أن التقدير تحقيقيٍّ لا تقريبيٍّ
مبنيٌّ على المسامحة المعتادة.
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنِّ الرَّضَاعَةُ﴾ بيان للمتوجّه عليه الحكم، والجارُّ في مثله خبرٌ
المحذوف، أي: ذلك لمن أراد إتمام الرضاعة، وجوز أن يكون متعلقاً بـ (يُرضِعن))
فإن الأب يجب عليه الإرضاع، كالنفقة للأم، والأم تُرضع له، وكون الرضاع واجباً
(١) في البسيط كما ذكر الرازي في تفسيره ١٢٥/٦ .
(٢) بعدها في (م): للمرضعات.
(٣) قوله: فتدبّر، ليس في الأصل.

سُورَةُ الْبَقَة
٣١٨
الآية : ٢٣٣
على الأب لا يُنافي أمرهنّ، لأنه للندب، أو لأنه يجب عليهن أيضاً في الصور
السابقة.
واستُدلّ بالآية على أنّ أقصى مدة الإرضاع حولان، ولا يعتدّ به بعدَهما،
فلا يُعطى حُكمه، وأنه يجوز أن ينقص عنهما .
وقُرئ: ((أن يتمُّ)) بالرفع(١)، واختلف في توجيهه فقيل: حملت أن المصدرية
على (ما)) أختِها في الإهمال، كما حملت أختها عليها في الإعمال في قوله ◌َّه:
(كما تكونوا يُوَلَّى عليكم))(٢) على رأي. وقيل: أن يتموا بضمير الجمع باعتبار معنى
(مَن) وسقطت الواو في اللفظ لالتقاء الساكنين، فتبعها الرَّسم.
﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ ﴾ أي: الوالد، فإن الولد يُولد له ويُنسب إليه، ولم يُعبّر به مع
أنه أخصرُ وأظهرُ؛ للدلالة على علَّة الوجوب بما فيه من معنى الانتساب المُشيرة
إليه اللام، وتُسمَّى هذه الإشارة إدماجاً عند أهل البديع وإشارةً النص عندنا .
وقيل: عبَّر بذلك لأن الوالد لا تلزمه النفقة وإنما تلزم المولود له، كما إذا
كانت تحته أَمَةٌ فأتَتْ بولد، فإنَّ نفقته على مالك الأم؛ لأنه المولودُ له دون الوالد،
وفيه بعدٌ؛ لأن المولودَ له لا يتناول الوالدَ والسيد تناولاً واحداً، وحكم العبيد
دخيل في البين.
﴿رِزْقُّهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أي: إيصال ذلك إليهن - أي: الوالدات - أجرةً لهن.
واستئجار الأم جائزٌ عند الشافعي، وعندنا لا يجوز ما دامت في النكاح أو العدة.
﴿بَلْمَعْرُوفِ﴾ أي: بلا إسراف ولا تقتير، أو حسب ما يراه الحاكم ويفي به
وسعه .
﴿لَا تُكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ تعليلٌ لإيجاب المؤن بالمعروف أو تفسيرٌ
للمعروف، ولهذا فُصِلَ، وهو نصٌّ على أنه تعالى لا يُكلِّف العبدَ بما لا يُطيقه،
ولا ينفي الجواز والإمكان الذاتي فلا ينتهض حجة للمعتزلة، ونصب ((وُسعها)) على
(١) القراءات الشاذةص١٤، والدر المصون ٤٦٣/٢، عن مجاهد.
(٢) أخرجه الصيداوي في معجم الشيوخ ١٤٩/١، وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة
ص٢١٠: في إسناده وضاع، وفيه انقطاع.

الآية : ٢٣٣
٣١٩
سُورَةُ البَّفَقَة
أنه مفعولٌ ثانٍ لـ (تُكَلَّف)). وتُرئ: ((لا تَكَلَّف)) بفتح التاء، و((لا نُكَلِّف)) بالنون(١).
﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ،﴾ تفصيلٌ لِمَا يفهم من سابقه وتقريبٌ
له إلى الفهم، وهو الداعي للفصل، والمُضارَّة مفاعلةٌ من الضرر، والمُفاعلة
إما مقصودةٌ والمفعول محذوف، أي: تُضارّ والدة زوجَها بسبب ولدها، وهو أن
تَعنُفَ به، وتطلب ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغَلَ قلبه بالتفريط في
شأن الولد وأن تقول بعد أن أَلِفَها الصبي: أطلب له ظِئْراً مثلاً. ولا يضار مولودٌ له
امرأته بسبب ولدِه بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذَ
الصبيَّ منها وهي تُريد إرضاعَه، أو يُكرِهها على الإرضاع. وإما غير مقصودة،
والمعنى: لا يضرُّ واحدٌ منهما الآخر بسبب الولد.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ((لا تضارُّ)) بالرفع(٢)، فتكون الجملة بمنزلة
بدل الاشتمال مما قبلَها، وقرأ الحسن: ((تُضارِ)) بالكسر(٣). وأصلُه تُضارِر، مكسور
الراء مبنيًّا للفاعل، وجوّز فتحها مبنيًّا للمفعول، ويُبيِّن ذلك أنه قُرئ: ((لا تُضارَرْ))
و((لا تُضارِز)) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها(٤)، وعلى تقدير البناء للمفعول
يكون المراد النهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج وأن يلحق الضرار
بالزوج من قبلها بسبب الولد، والباء على كل تقدير سببية.
ولك أن تجعل فاعَلَ بمعنى فَعَلَ، والباء سيفُ خطيب، ويكون المعنى: لا تضرّ
والدةٌ ولدَها بأن تُسيء غِذاءه وتعهُّده وتُفرِّط فيما ينبغي له، وتدفعه إلى الأب
بعدما أَلِفَها، ولا يضرّ الوالدُ ولدَه بأن ينزعه من يدها، أو يُقصِّر في حقِّها فتقصِّر
هي في حقِّه. وقرأ أبو جعفر: ((لا تضارّ)) بالسكون مع التشديد على نية الوقف(٥).
(١) قرأ بفتح التاء الحسن بن صالح، وقرأ بالنون أبو رجاء. القراءات الشاذة ص١٤.
(٢) التيسير ص٨١، والنشر ٢٢٧/٢.
(٣) البحر ٢١٥/٢ دون نسبة.
(٤) قرأ بالجزم وفتح الراء الأولى عمر له، وقرأ بالجزم وكسر الراء الأولى الأعرج. القراءات
الشاذة ص١٤ .
(٥) ذكرها أبو حيان في البحر ٢/ ٢١٥ وفيه: أبو جعفر الصفّار. وذكر ابن الجزري في النشر
٢٢٧/٢ - ٢٢٨ عن أبي جعفر روايتين: إسكان الراء مع تخفيفها وفتح الراء مع التشديد.

سُورَةُ الْبَينَ
٣٢٠
الآية : ٢٣٣
وعن الأعرج: ((لا تضار)) بالسكون والتخفيف(١)، وهو من ضارَ يَضِيرُ، ونوى
الوقف كما نواه الأول، وإلا لكان القياسُ حذف الألف. وعن كاتب عمر ر ◌ُه :
((لا تَضْرِرْ)(٢).
والتعبير بالولد في الموضعين، وإضافتُه إليها تارة وإليه أخرى؛ للاستعطافٍ
والإشارة إلى ما هو كالعلة في النهي، ولذا أقام المُظهر مقام المُضمر.
ومن غريب التفسير ما رواه الإمامية عن السيدين الصادق والباقر ﴾ أن
المعنى: لا تُضارَّ والدة بترك جماعها خوفَ الحمل لأجل ولدها الرضيع، ولا يُضارّ
مولود له بمنعه عن الجماع كذلك لأجل ولده، وحينئذ تتعين الباء للسببية ويجب أن
يكون الفعلان مبنيين للمفعول ولا يظهرُ وجهٌ لطيفٌ للتعبير بالولد في الموضعين،
وتخرج الآية عما يقتضيه السياق، وبعيدٌ عن الباقر والصادق الإقدام على ما زعمه
هذا الراوي الكاذب.
﴿وَعَلَى الْوَّارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ﴾ إلخ،
وما بينهما تعليل أو تفسير مُعترض، والمراد بالوارث وارثُ الولد، فإنه يجب عليه
مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة بالمعروف إن لم يكن للولد مال، وهو
التفسير المأثور عن عمر وابن عباس وقتادة ومجاهد وعطاء وإبراهيم والشعبي
وعبد الله بن عتبة وخلق كثير، ويُؤيِّده أن ((أل)) كالعوض عن المضاف إليه الضمير
ورجوع الضمير لأقرب مذكور، وهو الأكثر في الاستعمال.
وخصَّ الإمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رَحِم محرم من الصبي، وبه
قال حماد، ويُؤيِّده قراءة ابن مسعود: ((وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل
ذلك».
وقيل: عَصَباته؛ وبه قال أبو زيد، ويُروى عن عمر تَلُهُ ما يُؤيِّده.
وقال الشافعي: المراد وارثُ الأب، وهو الصبي، أي: مؤن الصبي من ماله
إذا مات الأب. واعترض أن هذا الحمل يأباه أنه لا يخصّ كون المؤنة في ماله
(١) القراءات الشاذة ص١٤، وهي رواية عن أبي جعفر كما في التعليق السابق.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٤.