النص المفهرس

صفحات 241-260

الآية : ٢١٧
٢٤١
سُورَةُ الْبَرَة
الاتحاد في المسند إليه إن كان السائلون هم المشركون، أو معترضةٌ إن كان
السائلون غيرَهم، والمقصود الإخبارُ بدوام عداوة الكفار بطريق الكناية تحذيراً
للمؤمنين عنهم، وإيقاظاً لهم إلى عدم المبالاة بموافقتهم في بعض الأمور، و(حتى)
للتعليل، والمعنى: لا يزالون يعادونكم لكي يردوكم عن دينكم.
وقوله تعالى: ﴿إِنِ أَسْتَطَمُواْ﴾ متعلق بما عنده، والتعبير بـ ((إن)) لاستبعاد
استطاعتهم، وأنها لا تجوز إلا على سبيل الفرض كما يُفرض المحال، وفائدة
التقييد بالشرط التنبيهُ على سخافة عقولهم، وكونِ دوام عداوتهم فعلاً عبئاً لا يترتب
عليه الغرض، وليس متعلّقاً بـ ((لا يزالون يقاتلونكم)) إذ لا معنى لدوامهم على
العداوة إن استطاعوها لكنها مستبعدة.
وذهب ابن عطية إلى أنَّ ((حتى)) للغاية (١)، والتقييدُ بالشرط حينئذ لإفادة أن
الغاية مستبعدةُ الوقوع، والتقييدُ بالغاية الممتنعِ وقوعُها شائعٌ كما في قوله تعالى:
﴿حَّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَالِ﴾ [الأعراف: ٤٠].
وفيه أنَّ استبعاد وقوع الغاية ممَّا يترتب عليه عدمُ انقطاع العداوة، وقد أفاده
صدر الكلام، والقول بالتأكيد غيرُ أكيد، نعم يمكن الحمل على الغاية لو أُريد من
المقاتلة معناها الحقيقي، ويكون الشرط متعلِّقاً بـ ((لا يزالون))، فيفيد التقييد أنَّ
تركهم المقاتلة في بعض الأوقات لعدم استطاعتهم، إلا أن المعنى حينئذ يكون
مبتذلاً كما لا يخفى.
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ،﴾ الحقِّ بإضلالهم وإغوائهم، أو الخوفِ من
عداوتهم ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ بأنْ لم يرجع إلى الإسلام.
﴿فَأَوْلَكَ﴾ إشارة إلى الموصول باعتبارِ اتِّصافه بما في حيز الصِّلة من الارتداد
والموت على الكفر، وما فيه من البُعد للإشعار ببُعد منزلة مَن يفعل ذلك في الشرِّ
والفساد، والجمعُ والإفراد نظراً للَّفظ والمعنى.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ أي: صارت أعمالهم الحسنةُ التي عملوها في حالة
الإسلام فاسدةً بمنزلةٍ ما لم تكن، وقيل: وأصل الحَبَط فسادٌ يلحق الماشية لأكل
(١) المحرر الوجيز ٢٩١/٢.

سُوَُّ الْبَقَة
٢٤٢
الآية : ٢١٧
الحُبَاطِ، وهو ضربٌ من الكلا مُضِرٍّ، وفي ((النهاية)): أَحبَطَ الله تعالى عمله:
أَبطلَه، يقال: حَبِط عمله وأُحبِط وأَخْبَطه غيرُه، وهو من قولهم: حَبِطت الدابة حَبَطاً
- بالتحريك - إذا أصابت مرعًى طيِّباً، فأفرطَتْ في الأكل حتى تنتفخ فتموت(١).
وقُرِئ: ((حَبَطَت)) بالفتح(٢) وهو لغةٌ فيه.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ لبطلان ما تخيَّلوه وفواتٍ ما للإسلام من الفوائد في
الأُولى، وسقوط الثواب في الأُخرى.
﴿وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (٢٧) كسائر الكَفَرة، فلا يُغني عنهم
إيمانهم السابقُ على الرِّدَّة شيئاً. واستدلَّ الشافعي بالآية على أنَّ الرِّدَّة لا تُحِط
الأعمال حتى يموت عليها، وذلك بناء على أنها لو أحبطت مطلقاً، لَمَا كان للتقييد
بقوله سبحانه: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ فائدةٌ.
والقولُ بأن فائدته أنَّ إحباط جميع الأعمال حتى لا يكون له عمل أصلاً موقوفٌ
على الموت على الكفر، حتى لو مات مؤمناً لا يُحبّط إيمانه ولا عملٌ يقارنه،
وذلك لا يُنافي إحباطَ الأعمال السابقة على الارتداد بمجرد الارتداد= مِمَّا لا معنى
له؛ لأنَّ المراد من الأعمال في الآية الأعمالُ السابقة على الارتداد، إذ لا معنى
لحبوط ما لم يفعل، فحينئذ لا يتأتى هذا القول كما لا يخفى.
وقيل: بناء على أنه جَعَل الموت عليها شرطاً في الإحباط، وعند انتفاء الشرط
ينتفي المشروط.
واعتُرِض بأن الشرط النَّخْويَّ والتعليقيَّ ليس بهذا المعنى، بل غايتُه السببيَّة
والملزومية، وانتفاءُ السبب أو الملزوم لا يُوجب انتفاء المسبَّب أو اللازم؛ لجواز
تعدُّد الأسباب، ولو كان شرطاً بهذا المعنى لم يُتصوَّر اختلاف القول بمفهوم
الشرط.
وذهب إمامنا أبو حنيفة له إلى أن مجرَّد الارتداد يُوجِب الإحباط، لقوله
تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وما استدلَّ به الشافعيُّ
(١) النهاية في غريب الحديث (حبط).
(٢) أوردها أبو حيان في البحر المحيط ١٥١/٢ ونسبها للحسن وأبي السَّمَّال.

الآية : ٢١٨
٢٤٣
سُورَةُ الْبَفِحَة
ليس صريحاً في المقصود؛ لأنه إنما يَتِّمُّ إذا كانت جملة ((وأولئك)) إلخ
تذييلاً معطوفةً على الجملة الشرطية. وأمَّا لو كانت معطوفةً على الجزاء، وكان
مجموعُ الإحباط والخلود في النار مرتَباً على الموت على الرِّدة، فلا نسلِّم تماميته،
ومَن زعم ذلك اعترض على الإمام أبي حنيفة ظله بأنَّ اللازم عليه حملُ المطلق
على المقيَّد عملاً بالدليلين.
وأُجيب بأنَّ حمل المطلق على المقيّد مشروط عنده بكون الإطلاق والتقييد في
الحكم واتحاد الحادثة، وما هنا في السبب فلا يجوز الحمل لجواز أن يكون
المطلق سبباً كالمقيد.
وثمرةُ الخلاف - على ما قيل - تَظهر فيمَن صلَّى، ثم ارتدَّ، ثم أسلم والوقتُ
باقٍ، فإنه يلزمه عند الإمام قضاءُ الصلاة خلافاً للشافعيِّ، وكذا الحجُّ.
واختلف الشافعيُّون فيمَن رجع إلى الإسلام بعد الرِّدَّة، هل يرجع له عمله بثوابه
أم لا؟ فذهب بعض إلى الأوَّل فيما عدا الصحبة، فإنها ترجع مجرَّدةً عن الثواب،
وذهب الجُلُّ إلى الثاني وأنَّ أعماله تعود بلا ثواب، ولا فرق بين الصحبة وغيرها،
ولعلَّ ذلك هو المعتمد في المذهب، فافهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الكبير من حديث
جندُب بن عبد الله أنها نزلت في السَّرِية لَمَّا ◌ُنَّ بهم أنهم إن سَلِموا من الإثم،
فليس لهم أجر(١). ﴿وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ أي: فارقوا أوطانهم، وأصلُه من الهَجْر ضدُّ
الوصل ﴿وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَِّ﴾ لإعلاء دينه.
وإنما كُرِّر الموصول مع أنَّ المراد بهما واحد؛ لتفخيم شأن الهجرة والجهاد،
فكأنهما وإن كانا مشروطين بالإيمان في الواقع مستقلَّان في تحقّق الرجاء، وقدّم
الهجرة على الجهاد لتقدُّمها عليه في الوقوع تقدُّمَ الإيمان عليهما.
﴿أُوْلَكَ﴾ المنعوتون بالنعوت الجليلة ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ الَهِ﴾ أي: يؤمِّلون تعلُّق
رحمته سبحانه بهم، أو ثوابه على أعمالهم، ومنها تلك الغَزاةُ في الشهر الحرام،
واقتصَر البعضُ عليها بناء على ما رواه الزهريُّ أنه لَمَّا فَرَّج الله تعالى عن أهل تلك
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٣٨٨/٢ (٢٠٤٠)، والمعجم الكبير (١٦٧٠).

سُورَةُ الْبَوَة
٢٤٤
الآية : ٢١٩
السَّريَّة ما كانوا فيه من غمٍّ، طمعوا فيما عند الله تعالى من ثوابه فقالوا: يا نبيَّ الله،
أنطمع أن تكون غزوةً نُعطى فيها أجرَ المجاهدين(١) في سبيل الله تعالى، فأنزل الله
تعالى هذه الآية(٢)، ولا يخفى أنَّ العموم أعمُّ نفعاً.
وأثبتَ لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو؛ للإشارة إلى أنَّ العمل غيرُ موجِب، إذ
لا استحقاق به، ولا يدلُّ دلالةٌ قطعيةً على تحقّق الثواب، إذ لا علاقةَ عقلية بينهما،
وإنما هو تفضُّلٌ منه تعالى سيما والعبرة بالخواتيم، فلعله يُحدِث بعد ذلك ما يُوجب
الحبوط، ولقد وقع ذلك - والعياذ بالله تعالى - كثيراً، فلا ينبغي الاتِّكالُ على العمل.
﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ تذييلٌ لِمَا تقدَّم وتأكيدٌ له، ولم يذكر المغفرة فيما تقدَّم
لأن رجاء الرحمة يدلُّ عليها، وقَدَّم وصف المغفرة لأن دَرْأَ المفاسد مقدَّمٌ على
جلب المصالح.
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَّيْسِرِ﴾ قال الواحدي: نزلت في عمَر بنِ الخطاب
ومعاذٍ بن جبل ونفرٍ من الأنصار، أَتَوا رسول اللهِ وَِّ فقالوا: أَفْتِنا في الخمر
والميسر، فإنهما مَذْهَبَةٌ للعقل، ومَسْلَبةٌ للمال. فأنزل الله تعالى هذه الآية(٣).
وفي بعض الروايات أنَّ رسول الله وَ ◌ّرَ قَدِم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون
الميسر، فسألوه عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال قوم: ما حُرِّما علينا.
فكانوا يشربون الخمر، إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعا أُناساً من
الصحابة وأتاهم بخمر، فشربوا وسكِروا وحضرت صلاة المغرب، فقدَّموا عليًّا
كرم الله تعالى وجهه فقرأ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] إلخ بحذف ((لا))
فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، فقلَّ مَن يشربها،
ثم انَّخذ عُتبان بنُ مالك صنيعاً، ودعا رجالاً من المسلمين فيهم سعد بنُ
أبي وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت
منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد ما فيه هجاءُ
(١) (م): المهاجرين.
(٢) أخرجه الطبري ٦٦٨/٣، وابن أبي حاتم ٣٨٨/٢ (٢٠٤٢) من طريق الزهري عن عروة بن
الزبير مرسلاً .
(٣) أسباب النزول للواحدي ص٦٤ - ٦٥.

الآية : ٢١٩
٢٤٥
سُورَةُ الْبَكْقَة
الأنصار وفخرٌ لقومه، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَ البعير(١)، فضرب به رأس سعد
فشجَّهُ موضِحة، فانطلق سعد إلى رسول الله صلّه وشكا إليه الأنصار، فقال: ((اللهم
بيِّن لنا رأيك في الخمر بياناً شافياً) فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَّرُ وَالَْيْسِيرُ﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام، فقال
عمر تظله: انتهينا يا رب(٢).
وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: لو وقعتْ قطرة منها في بئر، فبنيت في مكانها
منارة لم أؤذِّن عليها، ولو وقعتْ في بحر ثم جفَّ، فنبت فيه الكلأ، لم أرعه
دابتي. وعن ابن عمر هما: لو أدخلتُ أُصبُعي فيها لم تَتْبعني. وهذا هو الإيمان
والتُّقَّى حقًّا(٣).
والخمرُ عند الإمام أبي حنيفة ظ ◌ُّه النِّيء(٤) من ماء العنب إذا غلى واشتدَّ
وقذف بالزَّبَد، وسمِّيت بذلك لأنها تَخْمُر العقل، أي: تستره، ومنه خِمار المرأة
لستره وجهَها، والخامر وهو مَن يكتم الشهادة. وقيل: لأنها تُغَطَّى حتى تشتد،
ومنه: ((خَمِّروا آنيتكم))(٥) أي: غَظُوها. وقيل: لأنها تخالط العقل، وخامره داء،
أي: خالطه. وقيل: لأنها تُتْرك حتى تُدْرِك، ومنه اختمر العجين، أي: بلغ إدراكه.
وهي أقوال متقاربة، وعليها فالخمر مصدرٌ يُراد به اسم الفاعل أو المفعول، ويجوز
أن يبقى على مصدريته للمبالغة.
وذهب الإمامان إلى عدم اشتراط القَذْف، ويكفي الاشتداد؛ لأن المعنى
المُحرِّم يحصل به.
وللإمام أنَّ الغليان بدايةُ الشدة، وكمالُها بقذف الزَّبَد وسكونه، إذ به يتميّز
(١) في الأصل: بعير.
(٢) أخرجه الطبري ٦٨٣/٣ - ٦٨٤ بنحوه من قول السدي دون قول عمر ظه، وفيه أن الذي
صنع الطعام في المرة الثانية هو سعد بن أبي وقاص وليس عتبان رًا، وقصة سعد في
صحيح مسلم (١٧٤٨) ٢/ ١٨٧٧ بنحوها. وقول عمر ﴿ه أخرجه أحمد (٣٧٨).
(٣) الكشاف ٣٥٦/١، وقول ابن عمر قالُله أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٨/ ١٩٢ بنحوه.
(٤) في (م): التي، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في المغرب في
ترتيب المعرب ص٢٧١ .
(٥) قطعة من حديث جابر ، أخرجه أحمد (١٥١٦٧)، والبخاري (٣٣١٦)، ومسلم (٢٠١٢).

سُورَةُ الْبَََ
٢٤٦
الآية : ٢١٩
الصافي من الكدر، وأحكامُ الشرع قطعيةٌ فَتُناطُ بالنهاية، كالحدِّ وإكفار المُستحِلِّ
وحُرمة البيع. وأخذ بعضهم بقولهما في حرمة الشُّرب احتياطاً.
ثم إطلاقُ الخمر على غير ما ذُكِر مجازٌ عندنا، وهو المعروف عند أهل اللغة،
ومن الناس مَن قال: هو حقيقةٌ في كلِّ مُسكر؛ لما أخرج الشيخان، وأبو داود،
والترمذيُّ، والنسائي: ((كلُّ مُشْكِرٍ خمرٌ)(١).
وأخرج أبو داود: نزل تحريمُ الخمر يومَ نزل وهو من خمسة: من العنب،
والتمر، والحنطة، والشعير، والذَّرة، والخمرُ ما خامر العقل(٢).
وأخرج مسلم عن أبي هريرة: ((الخمرُ من هاتين الشجرتين)) وأشار إلى الكرم
والنخلة(٣). وأخرج البخاريُّ عن أنس: حُرِّمت الخمرُ حين حُرِّمت وما يُتَّخَذ من
خمرِ الأعناب إلا قليل، وعامَّةُ خمرنا البُسْرُ والتمر (٤).
ويمكن أن يُجاب أن المقصود من ذلك كلِّه بيان الحكم، وتعليم أن ما أسكر
حرام كالخمر، وهو الذي يقتضيه منصب الإرشاد لا تعليم اللُّغات العربية،
سيما والمخاطبون في الغاية القصوى من معرفتها. وما يقال: إنه مشتق من مُخامرة
العقل، وهي موجودة في كلِّ مسكرٍ، لا يقتضي العموم، ولا يُنافي كونَ الاسم
خاصًّا فيما تقدَّم، فإن النجم مشتقٌّ من الظهور، ثم هو اسم خاصٌّ للنجم المعروف
لا لكلِّ ما ظهر، وهذا كثيرُ النظير.
وتوسط بعضهم فقال: إن الخمر حقيقة في لغة العرب في النِّيءٍ(٥) من ماء
(١) صحيح مسلم (٢٠٠٣)، وسنن أبي داود (٣٦٧٩)، وسنن الترمذي (١٨٦١)، وسنن النسائي
الكبرى (٥٠٧٤) بهذا اللفظ من حديث ابن عمر ها، وأخرجه أحمد (٥٦٤٤). وهو عند
البخاري (٤٣٤٣) من حديث أبي موسى الأشعري ظه بلفظ: ((كل مسكر حرام)).
(٢) سنن أبي داود (٣٦٦٩)، وأخرجه البخاري (٥٥٨٨)، ومسلم (٣٠٣٢) من حديث
عمر ظه، وعندهم: (العسل))، بدل: ((الذرة)). ولفظة ((الذرة)) جاءت في حديث النعمان بن
بشير ﴿﴾، وهو عند أبي داود (٣٦٧٧).
(٣) صحيح مسلم (١٩٨٥)، وأخرجه أحمد (٧٧٥٣).
(٤) صحيح البخاري (٥٥٨٠)، وأخرجه أحمد (١٣٢٧٥)، ومسلم (١٩٨٠) بنحوه مطولاً.
(٥) في (م): التي، وهو تحريف.

الآية : ٢١٩
٢٤٧
سُؤَلَةُ الْبََّقَة
العنب إذا صار مُسكراً، وإذا استُعمل في غيره كان مجازاً، إلا أنَّ الشارع جعله
حقيقةً في كل مسكر شابه موضوعه اللُّغوي، فهو في ذلك حقيقةٌ شرعيةٌ كالصلاة
والصوم والزكاة في معانيها المعروفة شرعاً.
والخلاف قويٌّ، ولقوَّته ووقوع الإجماع على تسمية المُتَّخذ من العنب خمراً
دون المسكر من غيره، أكفروا مُستحِلَّ الأول، ولم يكفروا مستحِلَّ الثاني، بل
قالوا: إنَّ عين الأوَّل حرامٌ غير معلول بالسكر ولا موقوف عليه، ومن أنكر حرمة
العين وقال: إنَّ السكر منه حرام لأنه به يحصلُ الفساد فقد كفر؛ لجحوده الكتابَ
إذ سمَّاه رِجْساً فيه، والرِّجس مُحرَّم العين، فَيَخْرُمُ كثيرُه وإن لم يُسْكِر، وكذا قليلُه
ولو قطرةً، ويُحَدُّ شاربه مطلقاً، وفي الخبر: حُرِّمت الخمرُ لعينها، وفي رواية:
بعينها، قليلَها وكثيرُها سواء، والسَّكَّر من كل شراب(١).
وقالوا: إن الطبخ لا يؤثر؛ لأنه للمنع من ثُبوت الحرمة، لا لرفعها بعد ثبوتها،
إلا أنه لا يُحَدُّ فيه ما لم يسكر منه، بناءً على أن الحدَّ بالقليل النِّيء خاصة، وهذا
قد طبخ. وأمَّا غير ذلك، فالعصير إذا ◌ُبخ حتى يذهب أقلُّ من ثُلثيه، وهو المطبوخ
أدنى طبخة ويُسمَّى الباذَق، والمُنصَّف - وهو ما ذهب نصفه بالطبخ - فحرام عندنا
إذا غلى واشتدَّ وقذف بالزَّبد، أو إذا اشتد على الاختلاف، وقال الأوزاعي وأكثر
المعتزلة: إنه مباح لأنه مشروبٍ طيِّبٌ وليس بخمر. ولنا أنه رقيق مُلذٌ مُطرِب، ولذا
يجتمع عليه الفساق فيحرم شربُه دفعاً (٢) للفساد المتعلّق به.
وأمَّا نقيع التمر، وهو السّكّر - وهو النِّيء من ماء التمر - فحرام مكروه، وقال
شريك: إنه مباحٌ للامتنان، ولا يكون بالمحرَّم، ويردُّه إجماعُ الصحابة.
والآية(٣) محمولة على الابتداء كما أجمع عليه المفسرون. وقيل: أراد بها
التوبيخ، أي: أتتخذون منه سَكّراً، وتدَّعون رزقاً حسناً.
(١) أخرجه بالرواية الأولى البيهقي في سننه ٢١٣/١٠، وبالرواية الثانية النسائي في الكبرى
(٥١٧٤) عن ابن عباس ﴿يا موقوفاً.
(٢) في (م): رفعاً.
(٣) يعني قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَّا﴾ [النحل: ٦٧].

سُؤَةُ الْبَّفَقَة
٢٤٨
الآية : ٢١٩
وأمّا نقيع الزبيب - وهو النِّيء من ماء الزبيب - فحرام إذا اشتدَّ وغلى، وفيه
خلافُ الأوزاعي.
ونبيذ الزبيب والتمر إذا طُبخ كلُّ واحد منهما أدنى طبخةٍ حلال - وإن اشتدَّ - إذا
شرب منه ما يَغلِبُ على ظنِّه أنه لا يُسكر من غير لهو ولا طَرَب عند أبي حنيفة
وأبي يوسف، وعند محمد والشافعي حرام.
ونبيذ العسل والتين والحنطة والذَّرة والشعير وعصير العنب إذا طبخ وذهب ثلثاه
حلال عند الإمام الأوّل والثاني، وعند محمد والشافعي حرامٌ أيضاً، وأفتى
المتأخِّرون بقول محمد في سائر الأشربة، وذكر ابن وهبان أنه مرويٌّ عن الكل،
ونظم ذلك فقال:
طلاقاً لمن من مُسكر الحبّ يَسكر
وفي عصرنا فاختير حدٍّ وأوقَعوا
بتحريم ما قد قلَّ وهو المُحرَّر
وعن كلِّهم يُروى وأفتى محمدٌ
وعندي أنَّ الحق الذي لا ينبغي العدولُ عنه أنَّ الشراب المُتَّخد مما عدا العنب
كيف كان، وبأيِّ اسم سُمِّي، متى كان بحيث يَسْكِّرُ مَن لم يتعوَّده حرام، وقليله
ككثيره، ويُحَدُّ شاربه، ويقع طلاقُه، ونجاستُه غليظة.
وفي (الصحيحين)) أنه ◌َّ سُئل عن البِتْع(١) - وهو نبيذ العسل - فقال: ((كلُّ
شراب أسكر فهو حرام»(٢).
وروى أبو داود: نهى رسول الله وَّل عن كلِّ مسكرٍ ومفتِّرٍ(٣).
وصحَّ: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))(٤). وفي حديث آخر: ((ما أسكر الفَرقُ
منه فملءُ الكفّ منه حرام»(٥).
(١) في الأصل و(م): النقيع، والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) صحيح البخاري (٥٥٨٦)، وصحيح مسلم (٢٠٠١) من حديث عائشة ﴿نا، وأخرجه أحمد
(٢٥٥٧٢).
(٣) سنن أبي داود (٣٦٨٦) من حديث أم سلمة ﴿يا، وأخرجه أحمد (٢٦٦٣٤).
(٤) أخرجه أحمد (٥٦٤٨) من حديث ابن عمر ذيبًا.
(٥) أخرجه أحمد (٢٤٤٣٢)، وأبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦) من حديث عائشة
=

الآية : ٢١٩
٢٤٩
سُورَةُ الْبَّرَة
والأحاديث متضافرةٌ على ذلك، ولَعمري إنَّ اجتماعَ الفُسَّاق في زماننا على
شرب المُسكرات مما عدا الخمر ورغبتهم فيها فوقَ اجتماعهم على شرب الخمر
ورغبتهم فيه بكثير، وقد وضعوا لها أسماءً، كالعنبرية والإكسير ونحوهما ظناً منهم
أنَّ هذه الأسماء تُخرجها من الحُرمة وتُبيح شُربَها للأُمة، وهيهات هيهات، الأمرُ
وراء ما يظنُّون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
نعم حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر حتى لا يُكفَّر مُستحِلُّها كما قدَّمنا؛
لأنها اجتهادية، ولو ذهب ذاهبٌ إلى القول بالتكفير لم يبقَ في يده من الناس اليوم
إلا قليل.
﴿وَالْمَيْسِ﴾ مصدرٌ ميميٍّ من يَسَرَ كالموعد والمرجع، يقال: يَسَرْتُه: إذا قَمَرْتَه
واشتقاقه إمَّا من اليُسْر. لأنه أَخْذُ المال بُيُسْرٍ وسهولةٍ، أو من اليسار لأنه سَلْبٌ له.
وقيل: من يَسَروا الشيءَ إذا اقتسموه، وسُمِّي المقامر ياسراً لأنه بسبب ذلك
الفعل يجزئ لحم الجزور. وقال الواحدي(١): من يَسَر الشيءُ إذا وجب، والياسر:
الواجب بسبب القَدَح.
وصفته أنه كانت لهم عشرة أقداح هي الأزلام والأقلام: الفذّ، والتوأم،
والرقيب، والحِلْس، والنافس، والمُسْبِل، والمُعلَّى، والمنيح، والسفيح، والوغد؛
لكلِّ واحدٍ منها نصيبٌ معلوم من جزورٍ ينحرونها ويُجزِّئونها ثمانيةً وعشرين -
إلا لثلاثة (٢)، وهو المنيح، والسَّفيح، والوغد - للفذِّ سهمٌ، وللتوأم سهمان،
وللرقيب ثلاثة، وللحِلْس أربعة، وللنافس خمسة، ولِلمُسبِل ستة، ولِلمُعلَّى سبعة.
يجعلونها في الرِّبابة - وهي خريطة - ويضعونها على يدي عدل، ثم يُجلجلها ويُدخِل
يدَه، فيُخرج باسم رجلٍ رجلٍ قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء
أخذ النصیب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدحُ مما لا نصيب له لم يأخذ
= والفَرَق - بالتحريك - مكيال يسع ستة عشر رِظلاً، والفَرْق - بالسكون - يسع مئة وعشرين
رِظلاً. النهاية (فرق).
(١) نقله عنه الرازي في تفسيره ٤٨/٦.
(٢) في (م): الثلاثة.

سُورَةُ الْبَحْمَة
٢٥٠
الآية : ٢١٩
شيئاً، وغُرِّم ثمنَ الجزور كلُّه مع حِرمانه. وكانوا يدفعون تلك الأَنْصِباء إلى الفقراء،
ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك، ويذمُّون من لم يدخل فيه، ويُسمُّونه البَرَم.
ونقل الأزهري كيفيةً أخرى لذلك، ولم يذكر الوغدَ في الأسماء بل ذكر
غيره(١)، والذي اعتمده الزمخشري (٢) وكثيرون ما ذكرناه، وقد نظم بعضُهم هذه
الأسماء فقال:
فأَودعوها صُحفاً مُنَشَّره
كلُّ سهام الياسرين عشره
الفذّ والتوأم والرَّقيب
لها فروضٌ ولها نصيب
وبعدَه مُسبلهن السادس
والحِلْس يتلوهنَّ ثم النافس
صاحبه في الياسرين الأعلى
ثم المُعلَّى كاسمه مُعلّى
غُفْلٌ فما - فيما يُرى - ربيح
والوغد والسَّفيح والمَنيح
وفي حكم ذلك جميعُ أنواع القمار من النرد والشّطرنج وغيرهما حتى أَدخلوا
فيه لَعِبَ الصِّبيانِ بالجوز والكعاب، والقُرعة في غير القِسمة، وجميع أنواع
المُخاطرة والرِّهان، وعن ابن سيرين: كل شيء فيه خَطَر فهو من الميسر.
ومعنى الآية: يسألونك عما في تعاطي هذين الأمرين، ودلَّ على التقدير بقوله
تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا﴾ إذ المراد: في تعاطيهما، بلا ريب ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ من حيث
إنَّ تناولَهما مُؤَدِّ إلى ما يُوجب الإثم، وهو ترك المأمور وفعلُ المحظور ﴿وَمَنَفِعُ
لِلنَّاسِ﴾ من اللذة، والفَرَح، وهضم الطعام، وتصفية اللون، وتقوية الباه، وتشجيع
الجبان، وتسخية البخيل، وإعانة الضعيف. وهي باقية قبل التحريم وبعده، وسلبُها
بعد التحريم مما لا يُعقَل ولا يدلُّ عليه دليل، وخبرُ («ما جعل الله تعالى شفاء أمتي
فيما حرّم عليها))(٣) لا دليل فيه عند التحقيق كما لا يخفى.
(١) تهذيب اللغة ٥/ ١٢٠ وذكر أن القداح التي ليس لها غُنْم ولا غُرْم أربعة: المُصَدَّر والمُصَعَّف
والمَنيح والسَّفيح.
(٢) في الكشاف ٣٥٩/١.
(٣) أخرجه أحمد في الأشربة (١٥٩)، وابن حبان (١٣٩١) بنحوه من حديث أم سلمة
وفيه قصة، وعلَّقه البخاري قبل الحديث (٥٦١٤) من قول ابن مسعود ظه بلفظ: إن الله لم
يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم.

الآية : ٢١٩
٢٥١
سُورَةُ الْبَحَة
﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا﴾ أي: المفاسد التي تنشأ منهما (١) أعظم من
المنافع المتوقَّعةِ فيهما، فمن مفاسد الخمر إزالةُ العقل الذي هو أشرفُ صفات
الإنسان، وإذا كانت عدوَّةً للأشرف لزم أن تكون أخسَّ الأمور؛ لأن العقل
إنما سُمِّ عقلا لأنه يعقل، أي يمنع صاحبه عن القبائح التي يميل إليها بطبعه، فإذا
شرب زال ذلك العقل المانع عن القبائح وتمكَّن إِلْفُها - وهو الطبع - فارتكبها وأكثرَ
منها، وربما كان ضُحْكةً للصِّبيان حتى يرتدَّ إليه عقله.
ذكر ابن أبي الدنيا أنه مرّ بسكران وهو يبول بيده ويغسل به وجهه كهيأة
المتوضِّئ ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً.
وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: ألا تشرب الخمر فإنها تزيد
في حرارتك؟(٢) فقال: ما أنا بآخذٍ جهلي بيدي فأُدخِلَه جوفي، ولا أرضى أن
أُصبح سيِّد قوم وأُمسي سفيههم.
ومنها: صدُّها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وإيقاعها العداوة والبغضاء
غالباً وربما يقع القتل بين الشارِبِينَ في مجلس الشُّرب.
ومنها: أن الإنسان إذا أَلِفِها اشتدَّ ميلُه إليها، وكاد يستحيل مفارقتُه لها وتركُه
إيَّاها، وربما أورثت فيه أمراضاً كانت(٣) سبباً لهلاكه. وقد ذكر الأطباء لها مضارَّ
بدنيةً كثيرةً كما لا يخفى على من راجع كتب الطب.
وبالجملة لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حدِّ الاستقامة لَكفى،
فإنه إذا اختلَّ العقلُ حصلت الخبائث بأسرها، ولذلك قَال ◌َّ: ((اجتنبوا الخمرَ،
فإنها أُمُّ الخبائث))(٤) ولم يثبت أن الأنبياء عليهم السلام شربوها في وقت أصلاً.
(١) في (م): منها.
(٢) في الأصل: حركاتك. وفي تفسير الرازي ٤٩/٦ (والكلام فيه): جراءتك.
(٣) عبارة الأصل: أورثت فيه أمراً ضارًّا كان.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٦٠) موقوفاً على عثمان به مطولاً وفيه قصة، وأخرجه الدارقطني
(٤٦١٠) من حديث عبد الله بن عمرو
ـمّ بلفظ: ((الخمر أمَّ الخبائث، ومن شربها لم
يقبل الله منه صلاة أربعين يوماً ... )). وأخرجه ابن حبان (٥٣٤٨) من حديث عثمان ظه
مطولاً، وأوله: ((اجتنبوا أم الخبائث ... )) قال الدارقطني - فيما نقله عنه ابن الجوزي في
العلل المتناهية (١١٢٢) -: الموقوف هو الصواب.

سُؤَدَّةُ الْبَعَة
٢٥٢
الآية : ٢١٩
ومن مفاسد الميسر أن فيه أكلَ الأموال بالباطل، وأنه يدعو كثيراً من المقامرين
إلى السرقة، وتَلَف النَّفْس، وإضاعة العيال، وارتكاب الأمور القبيحة والرذائل
الشنيعة والعداوة(١) الكامنة والظاهرة، وهذا أمر مُشاهد لا يكاد ينكره(٢) إلا مَن
أعماه الله تعالى وأصمَّه.
ولدلالة الآية على أعظميَّة المفاسد ذهب بعضُ العلماء إلى أنها هي المُحرِّمة
للخمر؛ فإن المَفْسدة إذا ترجَّحت على المصلحة اقتضت تحريمَ الفعل. وزاد
بعضهم على ذلك بأن فيها الإخبار بأن فيها الإثمَ الكبير، والإثم إما العقاب أو
سببه، وكلٌّ منهما لا يُوصف به إلا المحرَّم.
والحق أن الآيةَ ليست نصًّا في التحريم، كما قال قتادة، إذ للقائل أن يقول:
الإثم بمعنى المَفْسدة، وليس رُجحان المَفْسدة مُقتضياً لِتحريم الفعل بل لِرُجحانه،
ومن هنا شَرِبها كبار الصحابة ﴿ه بعد نزولها، وقالوا: إنما نشرب ما ينفعنا، ولم
يمتنعوا حتى نزلت آيةُ المائدة(٣)، فهي المُحرِّمة من وجوه كما سيأتي إن شاء الله
تعالی.
وقرئ: ((إثم كثير)) بالمثلثة(٤). وفي تقديم الإثم ووَصْفِه بالكِبَر أو الكثرة،
وتأخيرٍ ذكر المنافع مع تخصيصها بالناس من الدلالة على غَلَبة الأول ما لا يَخفى.
وقرأ أُبيّ: ((وإثمهما أقرب من نفعهما))(٥).
﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس به أن نفراً من
الصحابة أُمروا بالنفقة في سبيل الله تعالى أَتَوا النبيَّ وَ ◌ّه فقالوا: إنا لا ندري ما هذه
النفقة التي أُمرنا بها في أموالنا، فما نُنفق منها؟ فنزلت. وكان قبل ذلك يُنفق الرجلُ
مالَه حتى ما يجد ما يتصدَّق ولا ما يأكل، حتى يُتَصدَّقَ عليه(٦).
(١) في الأصل: والعداوات.
(٢) في (م): لا ينكره.
(٣) وهي قوله تعالى: ﴿إِنََّ أْخَتُ وَالَْبْسِرُ وَالْأَصَابُ وَآلْأَزُْ بِجْنُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَُّهُ﴾ [الآية: ٩٠].
(٤) قرأ بها حمزة والكسائي. التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٢٧/٢.
(٥). الكشاف ٣٥٩/١.
(٦) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢٥٣/١.

الآية : ٢١٩
٢٥٣
سُورَةُ الْبَنَة
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبان عن يحيى أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة
أتيا رسول الله ﴿﴿ فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقَّاءَ وأهلين فما ننفق من أموالنا؟
فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
وهي معطوفة على ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ قبلَها عطفَ القصة على القصة.
وقيل: نزلت في عمرو بن الجموح كنظيرتها(٢)؛ وكأنه سئل أولاً عن المُنفَق
والمَصْرِف، ثم سُئل عن كيفية الإنفاق بقرينة الجواب، فالمعنى: يسألونك عن صفة
ما ينفقونه ﴿قُلِ الْعَفْوُّ﴾ أي: صفتُه أن يكون عفواً، فكلمة ((ما)) للسؤال عن
الوصف، كما يقال: ما زيدٌ؟ فيقال: كريمٌ، إلا أنه قليلٌ في الاستعمال. وأصل
العفو نقيض الجهد، ولذا يقال للأرض المُمهدة السَّهلة الوَظْءِ (٣): عفو، والمراد به
ما لا يَتَبَيَّن في الأموال. وفي رواية عن ابن عباس ها: الفضل من العيال. وعن
الحسن: ما لا يُجهد (٤).
أخرج الشيخان وأبو داود والنسائيُّ عن أبي هريرة عن النبيِّ بَّ: ((خيرُ الصدقة
ما كان عن ظَهْر غِنَّى، وابدَأُ بمن تَعُول)»(٥).
وأخرج ابن خُزيمة عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله وَّ: ((خيرُ الصدقة
ما أَبقت غنى، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السُّفلى، وابدأ بمن تعول)) تقول المرأةُ:
أَنفِقْ عليّ أو طلِّقني، ويقول مملوكك: أنفق عليَّ أو بعني، ويقول ولدُك: إلى من
تكِلُني(٦).
وأخرج ابن سعد عن جابر قال: قدم أبو حُصين السُّلمي بمثل بيضة الحمامة من
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٣٩٣، وإسناده منقطع.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٦٠.
(٣) في الأصل: الوطيء.
(٤) أخرجهما الطبري ٦٨٦/٣ - ٦٨٨.
(٥) صحيح البخاري (١٤٢٦)، وصحيح مسلم (١٠٣٤)، وسنن أبي داود (١٦٧٦)، وسنن
النسائي ٦٩/٥، وهو في مسند أحمد (٧٧٤١).
(٦) صحيح ابن خزيمة (٢٤٣٦)، وأخرجه أحمد (٧٤٢٩)، والبخاري (٥٣٥٥). وقوله: تقول
المرأة ... إلى آخر الحديث من قول أبي هريرة ﴾﴾.

سُورَةُ الْبَرَة
٢٥٤
الآية : ٢١٩
ذهب فقال: يا رسول الله، أصبتُ هذه من معدِن فَخُذْها فهي صدقة ما أملكُ
غيرَها. فأَعرض عنه رسولُ اللهِ وََّ، ثم أتاه من قِبَل رُكنه الأيمن فقال له مثل ذلك،
فأعرض عنه، ثم أتاه من ركنه الأيسر فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه، فأخذها
رسولُ اللهِ وَل﴿ فحذَفه بها فلو أصابته لأَوجعته أو لَعَقرته، فقال: ((يأتي أحدُكم
بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعدُ يتكفّف الناس، خيرُ الصدقة ما كان عن ظهر
غنى، وابدأ بمن تعول))(١).
وقرأ أبو عمرو بالرفع بتقدير المبتدأ على أن ((ماذا ينفقون)) مبتدأ وخبر،
والباقون بالنصب بتقدير الفعل (٢)، و((ماذا)) مفعول ((ينفقون)) لِيُطابق الجواب
السؤال.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ أي: مِثْلَ ما بيَّن أن العفو أصلحُ من
الجهد؛ لأنه أبقى للمال وأكثر نفعاً في الآخرة، فالمشار إليه ما يُفهم من قوله
سبحانه: ﴿قُلِ الْعَفْوُّ﴾ وإيرادُ صيغة البعيد مع قُربه؛ لكونه معنّى مُتقدِّم الذِّكر،
ويجوز أن يكون المُشارُ إليه جميعَ ما ذكر من قوله سبحانه: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا
يُنفِقُونَ﴾ إلى آخره(٣)؛ إذ لا مُخصِّص مع كون التعميم أفيدَ، والقربُ إنما يُرجِّح
القريب على ما سواه فقط، وجعلُ المشار إليه قوله عز شأنه: ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن
نَّفْعِهِمًا﴾ على ما فيه لا يَخفى بُعْدُه.
والكاف في موضع النصب صفة لمحذوف، واللام في ((الآيات)) للجنس، أي:
يُبيِّن لكم الآياتِ المُشتملةَ على الأحكام تبييناً مثل هذا التبيين؛ إما بإنزالها واضحةً
الدلالة، أو بإزالة إجمالها بآية أُخرى، أو ببيانٍ مِنْ قِبَل الرسول وَّر.
وكان مقتضى الظاهر أن يقال: کذلکم، على طبق «لكم))، لكنه وخَّد بتأويل
نحو القبيلة، أو الجمع مما هو مُفرَدُ اللفظ جمعُ المعنى روماً للتخفيف، لكثرة
لُحوق علامة الخطاب باسم الإشارة.
(١) طبقات ابن سعد ٤/ ٢٧٧ بنحوه. وأخرجه أبو داود (١٦٧٣) بنحوه أيضاً.
(٢) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٢٦/٢.
(٣) قوله: إلى آخره، من الأصل.

الآية : ٢٢٠
٢٥٥
سُوَّةُ الْبَقَدَّة
وقيل: إن الإفراد للإيذان بأن المرادَ به كلُّ من يتلقَّى الكلام كما في قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢]، وفيه أنه يلزم تعدُّدُ الخطاب في
كلامٍ واحدٍ من غير عطف، وذا لا يجوز كما نصَّ عليه الرَّضي.
﴿لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ ﴾﴾ أي: في الآيات، فتستنبطوا الأحكام منها، وتفهموا
المصالح والمنافعَ المَنوطةَ بها، وبهذا التقدير حَسُنَ كون ترجِّي التفكّر غايةً لِتبيين
الآيات.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُّ﴾ أي: في أمورهما، فتأخذون بالأصلح منها(١)، وتجتنبون
عما يضرُّكم ولا ينفعكم، أو يضرُّكم أكثرَ مما ينفعكم، والجار بعد تقدير المضاف
متعلّق بـ ((تتفكرون)) بعد تقييده بالأول. وقيل: يجوز أن يتعلق بـ ((يبيّن)، أي: يُبيِّن
لكم الآياتِ فيما يتعلَّق بأمور الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون، وقدَّم التفكّرَ
للاهتمام.
وفيه أنه خلافُ ظاهر النَّظم، مع أن ترجّي أصل التفكر ليس غايةً لعموم
التبيين، فلا بد من عموم التفكر، فیکون المراد: لعلكم تتفگّرون في أمور الدنيا
والآخرة؛ وفي التكرار ركاكة.
وقيل: متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً من الآيات، أي: يُبيِّنها لكم كائنةً فيهما،
أي: مُبيِّنة لأحوالكم المُتعلِّقة بهما، ولا يخفى ما فيه.
ومن الناس مَن لم يقدِّر لـ ((تتفكرون)» مُتعلَّقاً، وجعل المذكور مُتعلِّقاً بها، أي:
بَيَّن الله لكم الآيات لتتفكروا في الدنيا وزوالها والآخرةِ وبقائها، فتعلموا فضلَ
الآخرة على الدنيا؛ وهو المَروي عن ابن عباس ﴿يا وقتادة والحسن.
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْبَثَلَى﴾ عطف على ما قبله من نظيره. أخرج أبو داود والنسائي
قال: لمَّا أنزل الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
وابن جرير وجماعة عن ابن عباس
اَلْيَتِيمِ إِلَّا بِلِّى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [الأنعام: ١٥٢] و﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى﴾ الآية
[النساء: ١٠] انطلق مَن كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه،
فجعل يَفْضُلُ له الشيء من طعامه فيُحْبَسُ له حتى يأكله، أو يفسدَ فيرمَى به، فاشتد
(١) في (م): منهما.

سُورَةُ الْبَحَة
٢٥٦
الآية : ٢٢٠
ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله وَ له، فنزلت(١).
والمعنى: يسألونك عن القيام بأمر اليتامى، أو التصرف في أموالهم، أو عن
أمرهم وكيف يكونون معهم ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّْ خَيْرٌ﴾ أي: مُداخلتهم مُداخلةً يترتَّب
عليها إصلاحهم، أو إصلاح أموالهم بالتنمية والحفظ، خيرٌ من مُجانبتهم، وفي
الاحتمال الأول إقامة غاية الشيء مقامه.
﴿وَإِن تُخَلِطُهُمْ فَإِخْوَتُكُمْ﴾ عطف على سابقه، والمقصود الحثُّ على المُخالطة
المشروطة بالإصلاح مُطلقاً، أي: إن تُخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن
والمصاهرة تُؤدُّوا اللائقَ بكم؛ لأنهم إخوانكم، أي: في الدين؛ وبذلك قرأ ابن
عباس ﴿يا، وأخرج عبد بن حُميد عنه: المُخالطة أن يشربَ من لبنك وتشربَ من
لبنه، ويأكل في قصعتك وتأكل في قصعته، ويأكل من ثمرتك وتأكل من ثمرته(٢).
واختار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد بالمخالطة المصاهرة، وأيّد بما نقله
الزجاج(٣): أنهم كانوا يظلمون اليتامى فيتزوَّجون منهم العشرة، ويأكلون أموالهم،
فَشُدِّد عليهم في أمر اليتامى تشديداً خافوا معه التزوُّج بهم، فنزلت هذه الآية،
فأعلمهم سبحانه أن الإصلاحَ لهم خيرُ الأشياء، وأن مُخالطتهم في التزويج مع
تحرِّي الإصلاح جائزةٌ. وبأن فيه على هذا الوجه تأسيساً؛ إذ المخالطة بالشركة
فُهمت مما قبل. وبأن المصاهرة مخالطةٌ مع الیتیم نفسِه بخلاف ما عداها. وبأن
المناسبة حينئذ لقوله تعالى: ﴿فَإِخْوَنُّكُمْ﴾ ظاهرة لأنها المشروطة بالإسلام، فإن
اليتيم إذا كان مشركاً يجب تحرِّي الإصلاح في مخالطته فيما عدا المُصاهرة. وبأنه
ينتظم على ذلك النهي الآتي بما قبله، كأنه قيل: المخالطة المندوبة إنما هي في
اليتامى الذين هم إخوانكم، فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك.
ولا يخفى أن ما نقله الزَّجَّاج أضعفُ من الزُّجَاج؛ إذ لم يثبت ذلك في أسباب
النزول في كتاب يُعوَّل عليه، والزجَّاج وأمثاله ليسوا من فرسان هذا الشأن، وبأن
(١) سنن أبي داود (٢٨٧١)، وسنن النسائي الكبرى (٦٤٦٣)، وتفسير الطبري ٦٩٨/٣ - ٦٩٩.
وأخرجه أحمد (٣٠٠٠).
(٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢٥٥/١ - ٢٥٦، ووقع في (م): تمرتك ... تمرته.
(٣) في معاني القرآن ٢٩٤/١.

الآية : ٢٢٠
٢٥٧
سُورَةُ الْبََّقَة
التأسيس لا ينافي الحثَّ على المخالطة؛ لِمَا أن القوم تجنّبوا عنها كلَّ التجنُّب،
وأن إطلاق المُخالطة أظهر من تخصيصها بخلط نفسه، وأن المناسبة والانتظام
حاصلان بدخول المصاهرة في مطلق المُخالطة.
﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾ في أمورهم بالمخالطة ﴿مِنَ الْمُصْلِجّ﴾ لها بها فيجازي
كلَّا حَسَبَ فعله أو نِيَّته، ففي الآية وعيدٌ ووعد (١). وقدَّم المُفسدَ اهتماماً بإدخال
الرَّوع عليه، و((أل)) في الموضعين للعهد. وقيل: للاستغراق، ويدخل المعهود
دخولاً أوليًّا. وكلمة ((من)) للفضل، وضمَّن ((يعلم)) معنى يُميِّز فلذا عدَّاه بها.
﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أي: لضيَّق عليكم ولم يُجوِّز لكم مُخالطتهم، أو
لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى مُوبِقاً؛ قاله ابن عباس ﴾(٢).
وأصل الإعنات الحملُ على مشقة لا تُطاق ثقلاً، ويقال: عَنْتَ العظم عَنَناً، إذا
أصابه وَهَنَّ أو كسرٌ بعد جبر، وحذف مفعول المشيئة لدلالة الجواب عليه، وفي
ذلك إشعارٌ بكمال لطفه سبحانه ورحمته حيث لم يُعلِّق مشيئته بما يشقُّ علينا في
اللفظ أيضاً، وفي الجملة تذكيرٌ بإحسانه تعالى على أوصياء اليتامى.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره لا يُعجزه أمر من الأمور التي من جملتها
إعناتكم ﴿حَكِيمٌ ﴾ فاعلٌ لأفعاله حسبما تقتضيه الحِكمة، وتتسع له الطاقة التي
هي أساسُ التكليف، وهذه الجملة تذييلٌ وتأكيد لِمَا تقدَّم من حكم النفي والإثبات،
أي: ولو شاء لأعنتكم لكونه غالباً؛ لكنه لم يشأ لكونه حكيماً.
وفي الآية - كما قال الكيا(٣) - دليلٌ لمن جوَّز خلط مال الوليِّ بمال اليتيم،
والتصرُّفَ فيه بالبيع والشراء ودَفْعِه مضاربةً إذا وافق الإصلاح.
وفيها دلالةٌ على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث؛ لأن الإصلاحَ الذي
تضمَّنته الآية إنما يُعلَم من الاجتهاد وغَلَبة الظن.
وفيها دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرِّفق لإصلاحه.
(١) في (م): ووعدهم.
(٢) أخرجه الطبري ٧٠٩/٣.
(٣) في أحكام القرآن ١/ ١٢٨.

سُوَّةُ الْبَقَة
٢٥٨
الآية : ٢٢١
ووجه مناسبتها لِمَا قبلها أنه سبحانه لمَّا ذكر السؤال عن الخمر والميسر وكان
في تركها مراعاةٌ لتنمية المال ناسبَ ذلك النظر في حال اليتيم، فالجامع بين الآيتين
أن في ترك الخمر والميسر إصلاحَ أحوالهم أَنْفُسِهم، وفي النظر في أحوال اليتامى
إصلاحاً لغيرهم ممن هو عاجزٌ أن يُصلح نفسه، فمن ترك ذلك وفعل هذا فقد جمع
بين النفع لنفسه ولغيره.
﴿وَلَا تَنْكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ روى الواحدي وغيره عن ابن عباس شًَّا أن
رسول الله وَل﴿ بعثَ رجلاً من غَنِيّ يقال له: مَرْثَد بن أبي مَرْتَد حليفاً لبني هاشم إلى
مكة لِيُخرج أُناساً من المسلمين بها أسارى(١) فلمَّا قَدِمها سمعتْ به امرأةٌ يقال لها:
عَنَاق، وكانت خليلةً له في الجاهلية، فلما أسلم أعرضَ عنها، فأتَّه فقالت: ويحك
يا مَرْثَد، ألا تخلو؟ فقال لها: إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرَّمه علينا، ولكن
إن شئتِ تزوَّجتك. فقالت: نعم. فقال: إذا رَجَعتُ إلى رسول اللهِ وَّرِ استأذنْتُه في
ذلك، ثم تزوَّجتُك. فقالت له: أبي تتبرَّم؟ ثم استعانت عليه فضربوه ضرباً وجيعاً،
ثم خلَّوا سبيلَه، فلما قضى حاجتَه بمكة انصرف إلى رسول الله وَّةٍ راجعاً، وأعلمه
الذي كان من أمره وأمر عَناق، وما لَقِيَ بسببها، فقال: يا رسول الله، أَيحِلُّ أن
أتزوَّجها؟ وفي رواية: إنها تعجبني. فنزلت(٢).
وتعقّب ذلك السيوطيُّ بأن هذا ليس سبباً لنزول هذه الآية وإنما هو سبب في
نزول آية النور ﴿اَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [الآية: ٣]، وروى السدي [عن
أبي مالك] عن ابن عباس ؤها أن هذه نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة
سوداء وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى النبيَّ بَّرِ فأخبره خبرها، فقال له
النبي ◌َّ: ((ما هي يا عبد الله؟)) فقال: هي يا رسول الله تصوم وتُصلِّي وتُحسن
الوضوء وتشهد أن لا إلهَ إلا الله وأنك رسولُه. فقال: ((يا عبد الله هي مؤمنة» قال
عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبيًّا لأَعتقنَّها ولأتزوَّجنَّها، ففعل فطعن عليه ناسٌ من
المسلمين، فقالوا: نكح(٣) أمةً، وكانوا يُريدون أن يَنكحوا إلى المشركين
(١) في (م): أسرى. وكلاهما بمعنى.
(٢) أسباب النزول ص٦٦ - ٦٧، من طريق الكلبي عن أبي صالح. والكلبي متهم بالكذب،
وأبو صالح باذام ضعيف يرسل كما في التقريب.
(٣) في (م): أنكح.

الآية : ٢٢١
٢٥٩
سُؤَدَّةُ الْبَقَة
ويُنكحوهم رغبة في أنسابهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا﴾ الآية(١).
وقرئ بفتح التاء(٢) وبضمِّها، وهو المَرْويُّ عن الأعمش(٣)، أي:
لا تتزوَّجوهُنَّ، أو: لا تُزوّجوهُنَّ من المسلمين.
وحمل كثيرٌ من أهل العلم المُشركاتِ على ما عدا الكتابيات؛ فيجوز نكاح
الكتابيّات عنده لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة:
١] و﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الُْشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] والعطف
يقتضي المغايرة.
وأخرج ابن حُميد عن قتادة: المراد بالمشركات مشركات العرب اللاتي ليس
لهن کتاب.
وعن حمَّاد قال: سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية، فقال: لا بأس
به، فقلت: أليس الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾؟ فقال: إنما ذلك
المجوسيَّات وأهل الأوثان.
وذهب البعض إلى أنها تعمُّ الكتابيات، قيل: لأن مَن جحد نبوة نبيِّنا عليه
الصلاة والسلام فقد أنكر مُعجزته وأضافها إلى غيره، وهذا هو الشرك بعينه، ولأن
الشِّرك وقع في مقابلة الإيمان فيما بعد، ولأنه تعالى أطلق الشِّرك على أهل الكتاب
لقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبُْ اَللَّهِ﴾ إلى قوله
سبحانه: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] وأخرج البخاري والنحاس في ((ناسخه)) عن
نافع عن ابن عمر ﴿يا: كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانيةَ أو اليهوديةً قال:
حرَّم الله تعالى المُشركاتِ على المسلمين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظمَ من
أن تقول المرأة: ربُّها عيسى، أَوْ عبدٌ من عباد الله تعالى(٤).
وإلى هذا ذهب الإمامية وبعض الزيدية، وجعلوا آية ((المائدة)): ﴿وَاَلْعُصَنَتُ مِنَ
(١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول للواحدي ص٦٦ وما بين حاصرتين منه.
(٢) هذه قراءة العشرة.
(٣) القراءات الشاذة ص١٣.
(٤) صحيح البخاري (٥٢٨٥)، والناسخ والمنسوخ (١٩٦)، ورواية البخاري: وهو عبدٌ من
عباد الله.

٢٦٠
الآية : ٢٢١
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ [الآية: ٥] منسوخةً بهذه الآية نسخَ الخاصِّ بالعام، وتلك وإن
تأخَّرت تلاوةً مقدَّمةٌ نُزولاً، والإطباق على أن سورة المائدة لم يُنسخ منها شيء
ممنوع؛ ففي ((الإتقان))(١) ومن ((المائدة)) قوله تعالى: ﴿وَلَّا أَلنَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [الآية: ٢]
منسوخٌ بإباحة القتال فيه، وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ جَآءُوَكَ فَاعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمّ﴾
[الآية: ٤٢] منسوخٌ بقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ اعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَزَلَ اَللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقولُه
تعالى: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [الآية: ١٠٦] منسوخٌ بقوله عز شأنه: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ
عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
والمشهور الذي عليه العمل أن هذه الآية قد نُسخت بما في ((المائدة)) على
ما يقتضيه الظاهر، فقد أخرج أبو داود في ((ناسخه)) (٢) عن ابن عباس عنه أنه قال
في ﴿وَلَا تَنْكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾: نُسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب؛ أحلَّهن
للمسلمين وحرَّم المُسلمات على رجالهم. وعن الحسن ومجاهد مثل ذلك، وهو
الذي ذهب إليه الحنفية، والشافعية يقولون بالتخصيص دون النسخ، ومَبْنَى الخلاف
أنَّ قَصْرَ العام بكلام مستقلّ تخصيصٌ عند الشافعي ظُه ونسخٌ عندنا.
﴿وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّنِ مُشْرِكَةٍ﴾ تعليلٌ للنهي وترغيبٌ في مُواصلة المؤمنات،
صُدِّر بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغةً في الحمل على
الانزجار. وأصلُ أمة: أَمَو، حُذفت لامُها على غير قياس، وعُوِّض عنها هاءُ
التأنيث، ويدلُّ على أن لامَها واوٌ رجوعُها في الجمع كقوله:
أما الإماءُ فلا يدعونني ولداً إذا تَدَاعَى بنو الأَمَوان بالعار(٣)
وظهورُها في المصدر، يقال: هي أَمَةٌ بَيِّنة الأُموَّة، وأقرَّت له بالأُموَّة. وهل
وزنها فَعْلَة بسكون العين، أو فَعَلة بفتحها؟ قولان، اختار الأكثرون ثانيهما، وتُجمع
(١) ٧١٠/٢.
(٢) كما في الدر المنثور ٢٥٦/١.
(٣) قائله القتال الكلامي، وهو في ديوانه ص٥٩، وفيه:
أما الإماء فما يدعونني ولداً إذا تحدَّث عن نقضي وإمراري
إذا ترامى بنو الأموان بالنار
أنا ابن أسماء أعمامي لها وأبي
ورواية المصنف في تفسير أبي السعود ١/ ٢٢١ (والكلام الذي قبله فيه)، والدر المصون ٤١٦/٢.