النص المفهرس

صفحات 221-240

الآية : ٢١٣
٢٢١
سُوَلَّا الْجَنَة
أو بين آدم ونوح عليهما السلام على ما روى البزَّار وغيرُه عن ابن عباس .
أنه كان بينهما عشَرةُ قرون على شريعةٍ من الحق(١). أو بعد الظُوفان إذ لم يبقَ بعده
سوى ثمانين رجلاً وامرأةً، ثم ماتوا إلَّا نوحاً وبنيه حام وسام ويافث وأزواجهم،
وكانوا كلُّهم على دين نوح عليه الصلاة والسلام. فالاستغراق على الأول والأخير
حقيقي. وعلى الثاني والثالث ادِّعائي بجعل القليل في حكم العدم.
وقيل: متفقين على الجهالة والكفر، بناء على ما أخرجه ابن أبي حاتم من
طريق العَوفي عن ابن عباس ﴿ أنهم كانوا كفاراً(٢). وذلك بعد رفع إدريس عليه
الصلاة والسلام إلى أن بُعث نوح، أو بعد موت نوح عليه الصلاة والسلام إلى أن
بعث هود عليه الصلاة والسلام.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ﴾ أي: فاختلفوا فبعث إلخ، وهي قراءة ابن مسعود رضيُ﴾(٣)،
وإنما حُذِف تعويلاً على ما يُذكر عقبه ﴿مُبَشِرِينَ﴾ مَن آمن بالثواب ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ مَن
کفر بالعذاب.
وهم كثيرون، فقد أخرج أحمد وابن حبان عن أبي ذرِّ أنه سأل النبيَّ وَّر: كم
الأنبياء؟ قال: ((مئةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفاً)) قلت: يا رسول الله، كم الرسل؟
قال: ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عَشَرَ جٌّ غفير))(٤). ولا يعارِض هذا قولُه تعالى: ﴿وَرُسُلَا قَدْ
قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] الآية؛ لِمَا سيأتي إن شاء الله تعالى.
والجمعان منصوبان على الحال من ((النبيين))، والظاهر أنها حالٌ مقدَّرة،
والقول بأنها حالٌ مقارِنة خلافُ الظاهر.
﴿وَأَنَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ﴾ اللَّام للجنس، و((معهم)) حالٌ مقدَّرة من ((الكتاب)) فيتعلق
(١) مسند البزار (٢١٩٠ - كشف الأستار).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣٧٦/٢ (١٩٨٣).
(٣) تفسير الطبري ٣/ ٦٢١، والمحرر الوجيز ٢٨٦/١، والكشاف ٣٥٥/١.
(٤) مسند أحمد (٢١٥٤٦) ولم يذكر فيه عدد الأنبياء، وصحيح ابن حبان (٣٦١) واللفظ له،
وهو قطعة من حديث طويل، وإسناد الحديث ضعيف جداً، ففي إسناد أحمد عبيد بن
الخَشْخاش وهو مجهول، وأبو عمر الدمشقي وهو ضعيف كما في التقريب، وفي إسناد ابن
حبان إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، كذبه أبو حاتم وأبو زرعة كما في
الميزان ١/ ٧٣.

سُورَةُ الْبَةَة
٢٢٢
الآية : ٢١٣
بمحذوف، وليس منصوباً بـ ((أَنْزَلَ)). والمعنى: أنزل جنس الكتاب مقدّراً مقارنته
ومصاحبته للنبيين، حيث كان كلُّ واحد منهم يأخذ الأحكام إما من كتابٍ يخصُّه،
أو من کتابٍ من قبله.
والكتبُ المنزَّلة مئة وأربعةٌ في المشهور، أُنزِل على آدمَ عَشْرُ صحائف، وعلى
شِيث ثلاثون، وعلى إدريس خمسون، وعلى موسى قبل التوراة عشرة، والتوراة،
والإنجيل، والزَّبور، والفُرقان.
وجُوِّز كون اللَّام للعهد وضميرٍ (معهم)) للنبيين باعتبار البعض، أي: أَنزل مع
كلِّ واحد من بعض النبيين كتابَه، ولا يخفى ما فيه من الرِّكة.
﴿ِالْحَقِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ((أنزل)»، أو حال من ((الكتاب))، أي: متلبّساً شاهداً به.
﴿لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ علَّةٌ للإنزال المذكور، أوْ لَه وللبعث، وهذا البعث المعلَّل
هو المتأخّر عن الاختلاف، فلا يضرُّ تقدُّم بعثة آدمَ وشِيث وإدريس عليهم الصلاة
والسلام بناءً على بعض الوجوه السابقة.
والحكمُ بمعنى الفصل بقرينةٍ تعلُّق ((بين)) به، ولو كان بمعنى القضاء لتعدَّى
بـ ((على))، والضميرُ المستتر راجعٌ إلى الله سبحانه، ويؤيِّده قراءة الجَحْدري فيما رواه
عنه مكي: (لنَحْكُم)) بنون العظمة(١) أو إلى النبيِّ، وأُفرِد الفعل لأن الحاكم كلُّ
واحد من النبیین.
وجُوِّز رجوعه إلى ((الكتاب)) والإسناد حينئذ مجازيٌّ باعتبار تضمُّنه ما به
الفصل. وزعم بعضهم أنه الأظهر؛ إذ لا بدُّ في عَوده إلى الله تعالى من تكلُّفٍ في
المعنى، أي: يُظهِر حكمه، وإلى النبيِّ من تكلّف في اللفظ حيث لم يقل:
ليحكموا، ومما ذكرنا يُعلم ما فيه من الضعف.
والمراد من ((الناس)) المذكورون، والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التعيين.
﴿فِيمَا أَخْتَلَفُواْ فٍِّ﴾ أي: في الحقِّ الذي اختلفوا فيه، بناءً على أن وحدة الأمة
بالاتفاق على الحق، وإذا فُسِّرت الوحدة بالاتفاق على الجهالة والكفر، يكون
(١) المحرر الوجيز ٢٨٦/١، والبحر المحيط ١٣٦/٢، ومكي هو ابن أبي طالب.

الآية : ٢١٣
٢٢٣
سُوَّةُ الْبَقَة
الاختلاف مجازاً عن الالتباس والاشتباه اللازم له، والمعنى: فيما التبس عليهم.
﴿َمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي: في الحقِّ بأنْ أنكروه وعاندوه، أو في الكتاب المنزَل
متلبّساً به بأن حرَّفوه وأوَّلوه بتأويلاتٍ زائغة، والواو حالية. ﴿إِلَّا الّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي:
الكتابَ المنزَلَ لإزالة الاختلاف وإزاحة الشقاق، أي: عكسوا الأمر حيث جعلوا
ما أُنزِل مزيحاً للاختلاف، سبباً لرسوخه واستحكامه، وبهذا يندفع السؤال بأنه
لَمَّا لم يكن الاختلاف إلا من الذين أُوتوه، فالاختلاف لا يكون سابقاً على البعثة؟
وحاصله أن المراد هاهنا استحكامُ الاختلاف واشتدادُه.
وعبَّر عن الإنزال بالإيتاء للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكُّنهم من الوقوف
على ما فيه من الحق، فإن الإنزال لا يفيد ذلك.
وقيل: عبَّر به ليختصّ الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين،
وخصّهم بالذِّكر لمزيد شناعة فعلهم، ولأن غيرهم تبعٌ لهم.
﴿مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيْنَتُ﴾ أي: رسَخَت في عقولهم الحُجَجُ الظاهرة الدَّالةُ
على الحق، و((مِن)) متعلِّقةٌ بـ (اختلفوا)) محذوفاً، والحصرُ - على تسليم أن يكون
مقصوداً - مستفادٌ من المقام، أو من حذف الفعل ووقوع الظرف بعد حرف الاستثناء
لفظاً، أو من تقدير المحذوف مؤخّراً، وفي ((الدُّرِّ المصون))(١) تجويزُ تعلُّقه
بـ «ما اختلف)) قَبله، ولا يمنع منه ((إلا)) كما قاله أبو البقاء(٢).
وللنُّحاة في هذا المقام كلامٌ محصِّلُه: أنَّ استثناء شيئين بأداة واحدة بلا عطفٍ
غيرُ جائز مطلقاً عند الأكثرين، لا على وجه البدل ولا غيرِه، ويجوز عند جماعة
مطلقاً. وفضَّل بعضهم: إن كان المستثنى منه مذكوراً مع كلٍّ من المستثنَيَين
وهما بدلان جاز، وإلا فلا .
واستدل مَن أجاز مطلقاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَئِكَ أَتَّعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاِلْنَا
بَادِىَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]، فإنه لم يُذكر فيه المستثنى أصلاً، والتقدير: ما نراك اتَّبعك
أحدٌ في حالٍ إلا أراذِلُنا في بادي الرأي.
(١) ٣٧٧/٢.
(٢) في الإملاء بهامش الفتوحات الإلهية ٤٢٤/١.

سُورَةُ الْجَنَة
٢٢٤
الآية : ٢١٣
وأجاب مَن لم يجوِّز بأن النصب بفعلٍ مقدَّر، أي: اتَّبعوا، وبأنَّ الظرف يكفيه
رائحة الفعل، فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره. قاله الرضيُّ، وهو مُبْنَى الاختلاف
في الآية.
وقوله تعالى: ﴿بَغْيَّا بَيْنَهُمَّ﴾ متعلِّق بما تعلَّق به ((مِن))، والبغي: الظلم أو
الحسد، و((بينهم)) متعلِّق بمحذوف صفة ((بغياً))، وفيه إشارةٌ - على ما أرى - إلى أنَّ
هذا البغي قد باضَ وفرَّخ عندهم، فهو يحوم علیھم ويدور بينهم، لا طمع له في
غيرهم، ولا ملجأً له سواهم، وفيه إيذانٌ بتمكّنهم في ذلك، وبلوغِهم الغايةً
القصوى فيه، وهو فائدةُ التوصيف بالظرف. وقيل: أشار بذلك إلى أنَّ البغي أمرٌ
مشتركٌ بينهم، وأنَّ كلَّهم سِفْلٌ، ومنشأُ ذلك مزيدُ حرصهم في الدنيا، وتَكالِيُهم
عليها .
﴿فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأمره، أو: بتوفيقه
وتيسيره، و((من)) بيانٌ لـ ((ما))، والمراد: للحقِّ الذي اختلف الناس فيه، فالضمير
عامٌّ شاملٌ للمختلفين السابقين واللاحقين، وليس راجعاً إلى الذين أوتوه كالضمائر
السابقة، والقرينةُ على ذلك عموم الهداية للمؤمنين السابقين على اختلاف أهل
الكتاب، واللاحقين بعد اختلافهم.
وقيل: المراد من ((الذين آمنوا)): أمةُ محمد وَّر، والضمير في ((اختلفوا)) للذين
أوتوه، أي: الكتاب، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم (١) عن زيد بن أسلم قال:
اختلفوا في يوم الجمعة، فأخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله
تعالى أمّة محمد ◌ّالهي ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى
المشرق، واليهودُ بيت المقدس؛ وهدى الله تعالى أمّة محمد له إلى الكعبة(٢).
واختلفوا في الصلاة، فمنهم مَن يركع ولا يسجد، ومنهم مَن يسجد ولا يركع،
ومنهم مَن يصلِّي وهو يتكلّم، ومنهم مَن يصلِّ وهو يمشي، فهدى الله تعالى أمّة
محمد وَ﴿ للحقِّ من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم مَن يصوم النهار والليل،
ومنهم مَن يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمّة محمد ﴿ للحقِّ من ذلك.
(١) في تفسيره ٣٧٨/٢ (١٩٩٤).
(٢) في (م) وتفسير ابن أبي حاتم: للقبلة.

الآية : ٢١٤
٢٢٥
سُورَةُ الْبَدَة
واختلفوا في إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت
النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله تعالى حنيفاً مسلماً، فهدى الله تعالى أمّة
محمد * للحقِّ من ذلك. واختلفوا في عيسى عليه الصلاة والسلام، فكذَّبت به
اليهود وقالوا لأمّه بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله تعالى
روحه وكلمته، فهدى الله تعالى أمَّ محمد ◌َل# للحق من ذلك.
وقراءة أُبيِّ بن كعب: ((فهَدَى الله الذين آمنوا لِمَا اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه
ليكونوا شهداء على الناس)»(١).
﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشََُ إِلَى صِرٍَّ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ وهو طريق الحقِّ الذي لا يَضلُّ
سالكُه، والجملة مقرِّرة لمضمون ما قبلها .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين
ما أصابهم من الجهد والشدة والخوف والبرد، وسوء العيش، وأنواع الأذى، حتى
بلغت القلوب الحناجر.
وقيل: في غزوة أحد.
وقال عطاء: لَمَّا دخل رسول الله وَ﴿ وأصحابُه المدينة اشتدَّ الضرُّ عليهم؛
لأنهم خرجوا بغير مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بيد المشركين وآثروا رضا الله
تعالى ورسوله وَّه، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله وَّه، وأسَرَّ قوم من الأغنياء
النفاق، فأنزل الله تطبيباً لقلوبهم هذه الآية.
والخطابُ إمّا للمؤمنين خاصة، أو للنبيِّ وَّهِ ولهم، ونسبةُ الحسبان إليه عليه
الصلاة والسلام إما لأنه لمّا كان يضيق صدره الشريف من شدائد المشركين، نزِّل
منزلة مَن يحسَب أن يدخل الجنة بدون تحمُّل المكاره، وإمَّا على سبيل التغليب
كما في قوله سبحانه: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨].
و((أم)) منقطعة، والهمزة المقدرة لإنكار ذلك الحسبان، وأنه لا ينبغي أن يكون.
وقيل: متصلة بتقديرٍ مُعادِلٍ. وقيل: منقطعة بدون تقدير. وفي الكلام التفاتٌ -
إلا أنه غير صريح - من الغيبة إلى الخطاب؛ لأنَّ قوله سبحانه: (كَانَ أَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)
(١) أوردها الطبري ٦٣٢/٣ - ٦٣٣.

سُورَةُ الْبَنَة
٢٢٦
الآية : ٢١٤
كلامٌ مشتملٌ على ذكر الأمم السابقة والقرون الخالية، وعلى ذكر مَن بُعِث إليهم من
الأنبياء وما لقُوا منهم من الشدائد وإظهارٍ المعجزات، تشجيعاً للرسول الجهل
والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين، أو للمؤمنين خاصة، فكانوا من
هذا الوجه مُرادين غائبين، ويؤيِّده (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا) إلخ، فإذا قيل بعدُ: ((أم
حسبتم))، كان نقلاً من الغيبة إلى الخطاب.
أو لأنَّ الكلام الأوَّل تعريض للمؤمنين بعدم التثبُّت والصبر على أذى
المشركين، فكأنه وُضِع موضعَ: كان من حقِّ المؤمنين التشجّعُ(١) والصبر تأسِّياً بمن
قبلهم، كما يدل عليه ما أخرجه البخاريُّ وأبو داود والنسائيُّ والإمام أحمد عن
خبَّاب بن الأَرَتِّ قال: شكونا إلى رسول الله وَليه ما لقِينا من المشركين فقلنا:
ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله تعالى لنا؟ فقال: ((إنَّ مَن كان قبلكم كان أحدهم
يوضع المنشار على مَفْرق رأسه فتخلُص إلى قدميه، لا يَصْرِفُه ذلك عن دينه،
ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعَظمه لا يصرفُه ذلك عن دينه)) ثم قال: ((والله
لَيَتِمَّنَّ هذا الأمرُ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله
تعالى، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون))(٢). وهذا هو المُضْرَب عنه بـ ((بل))
التي تضمنتها ((أم))، أي: دَعْ ذلك، أحسبوا أن يدخلوا الجنة، فتُرِك هذا إلى
الخطاب، وحَصَل الالتفات معنىً.
ومما ذُكر يُعلم وجه ربط الآية بما قبلها، وقيل: وَجْهُ ذلك أنه سبحانه لَمَّا قال:
(يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ) وكان المراد بـ ((الصراط)) الحقَّ الذي يُفضي اتِّاعُه
إلى دخول الجنة، بَيَّن أن ذلك لا يَتِمُّ إلا باحتمال الشدائد والتكليف.
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ الواو للحال، والجملة بعدها نصبٌ على الحال، أي: غيرَ
آتيكم، و((لمَّا)) جازمةٌ كـ ((لم))، وفُرِّق بينهما في كتب النحو، والمشهور أنها بسيطة،
وقيل: مركبةٌ مِن ((لم)) و((ما)) النافية، وهي نظيرةُ ((قد)» في أنَّ الفعل المذكورَ بعدها
منتظَرُ الوقوع.
(١) في (م): التشجيع.
(٢) صحيح البخاري (٣٦١٢)، وسنن أبي داود (٢٦٤٩)، والسنن الكبرى للنسائي (٥٨٦٢)،
ومسند أحمد (٢١٠٧٣).

الآية : ٢١٤
٢٢٧
سُورَةُ الْبَّنَة
﴿َّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: مِثْلُ مَثَلِهم وحالهم العجيبة، فالكلامُ على
حذف مضافٍ، و((الذين)) صفةٌ لمحذوف، أي: المؤمنين، و((من قبلكم)) متعلّقٌ
بـ ((خَلَوا)» وهو کالتأکید لِما یفهم منه.
﴿َسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالشَّرَّهُ﴾ بيانٌ للمَثَلِ على الاستئناف، سواء قُدِّر: كيف ذلك
المَثَل؟ أو لا، وجَوَّز أبو البقاء كونَها حاليةً بتقدير: قد(١).
﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ أي: أُزْعِجوا إزعاجاً شديداً بأنواع البلاء.
﴿حَّ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ أي: انتهى أمرهم من البلاء إلى حيث
اضطرُّوا إلى أن يقول الرسول - وهو أعلمُ الناس بما يليق به تعالى، وما تقتضيه
حكمته - والمؤمنون المقتدون بآثاره، المهتدون بأنواره: ﴿مَ﴾ يأتي ﴿نَصْرُ اللَّهُ﴾،
طلباً وتمنياً له، واستطالةً لمدة الشدّة، لا شكًا وارتياباً.
والمراد من ((الرسول)) الجنسُ لا واحدٌ بعينه. وقيل: هو اَلْيَسع. وقيل:
شعياء. وقيل: أشعياء. وعلى التعيين يكون المراد من ((الذين خلوا)) قوماً بأعيانهم،
وهم أتباعُ هؤلاء الرسل.
وقرأ نافع: ((يقولُ)) بالرفع(٢) على أنها حكايةُ حالٍ ماضيةٍ. و(معه)) يجوز أن
يكون منصوباً بـ ((يقول))، أي: إنهم صاحبوه في هذا القول، وأن يكون منصوباً
بـ «آمنوا)»، أي: وافَقوه في الإيمان.
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ الَّهِ قَرِيبُ ﴿3﴾ استئنافٌ نَخْويٌّ على تقدير القول، أي: فقيل لهم
حينئذ ذلك تطبيباً لأنفسهم بإسعافهم بمرامهم. و[في] (٣) إيثار الجملة الاسمية على
الفعلية المناسِبةِ لما قبلها، وتصديرِها بحرف التنبيه والتأكيدِ من الدِّلالة على تحقّق
مضمونها وتقريره ما لا يخفى.
واختيارُ حكاية الوعد بالنصر لِمَا أنها في حكم إنشاء الوعد للرسول،
والاقتصارُ على حكايتها دون حكاية النصر مع تحقَّقه؛ للإيذان بعدم الحاجة إلى
ذلك؛ لاستحالة الخُلْف.
(١) الإملاء بهامش الفتوحات الإلهية ١/ ٤٢٧.
(٢) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٢٧/٢.
(٣) ما بين حاصرتين زيادة من تفسير أبي السعود ٢١٥/١، والكلام منه.

سُوَةُ الْبََّة
٢٢٨
الآية : ٢١٤
وقيل: لَمَّا كان السؤال بـ ((متى)) يشير إلى استعلام القُرْب، تضمَّن الجواب
القُرْبَ واكتفى به، ليكون الجواب طبق السؤال.
وجُوِّز أن يكون هذا وارداً من جهته تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض،
لا وارداً عند وقوع المَخكي.
والقولُ بأنَّ هذه الجملة مقولُ الرسول، و((متى نصر الله)) مقولُ مَن معه على
طريق اللَّف والنشر الغير المرتَّب، ليس بشيء: أمَّا لفظاً فلأنه لا يَحْسُنُ تعاطف
القائلَيْنِ دون المقولَيْنِ، وأمَّا معنًى فلأنه لا يَحْسُنُ ذكر قول الرسول: ((ألا إن
نصر الله قريب)) في الغاية التي قُصِد بها بيانُ تناهي الأمر في الشدة.
والقولُ بأنَّ ترك العطف للتنبيه على أنَّ كلَّا مقولٌ لواحدٍ منهما، واحترازٌ عن
توقُّم كون المجموع مَقُولَ واحدٍ، وتنبيهٌ على أن الرسول قال لهم في جوابهم،
وبأنَّ مَنْصِب الرسالة يستدعي تنزيه الرسول عن التزلزل = لا ينبغي أن يُلتفت إليه،
لأنه إذا تُرِكَ العطف لا يكون معطوفاً على القول الأول، فكيف التنبيه على كون كلِّ
مقولاً لواحد منهما؟ ولا نأمن(١) وراء منع كون مَنْصِب الرسالة يستدعي ذلك
التنزيه، وليس التزلزلُ والانزعاجُ أعظمَ من الخوف، وقد عَرَى الرسلَ صلوات الله
تعالی وسلامہ علیھم کما یصرِّح به کثیر من الآيات.
وفي الآية رمزٌ إلى أن الوصول إلى الجناب الأقدس لا يتيسَّر إلا برفض اللذَّات
ومكابدةِ المشاقٌّ، كما يُنبئ عنه خبر: ((حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار
بالشهوات)(٢)، وأخرج الحاكم وصحَّحه عن أبي مالك(٣) قال: قال رسول الله وَلآتٍ:
((إن الله تعالى لَيُجَرِّب أحدكم بالبلاء - وهو أعلم به - كما يُجَرِّب أحدُكم ذهبه
بالنار، فمنهم مَن يخرج كالذهب الإبريز، فذلك الذي نجاه الله تعالى من السيئات،
(١) في الأصل: ولأنا من، بدل: ولا نأمن.
(٢) أخرجه أحمد (٧٥٣٠)، والبخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٣) من حديث أبي هريرة ﴿ه،
وجاء عند البخاري في الموضعين: حُجِبت، بدل: حفت. وأخرجه من حديث أنس أحمد
(١٢٥٥٩) و (١٣٦٧١)، ومسلم (٢٨٢٢).
(٣) كذا نقل المصنف عن الدر المنثور ٢٤٣/١، والصواب: عن أبي أمامة، كما في المستدرك
٤/ ٣١٤.

التفسير الإشاري (٢١٤-٢١٤)
٢٢٩
سُورَةُ الْبَقَدَة
ومنهم من يخرج كالذهب الأسود، فذلك الذي قد افتُِن)).
ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قُولُهُ، فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾
يدَّعي المحبة، ويتكلَّم في دقائق الأسرار، ويُظهر خصائص الأحوال، وهو في مقام
النفس الأمَّارة ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِ قَلْبِهِ﴾ من المعارف والإخلاص بزعمه ﴿وَهُوَ أَلَّهُّ
اُلْخِصَامِ﴾ شديدُ الخصومة لأهل الله تعالى في نفس الأمر ﴿وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِي اْأَرْضِ
لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ بإلقاء الشُّبَه على ضعفاء المريدين ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾ ويَحْصِد بمنْجَل
تمويهاته زرعَ الإيمان النابتَ في رياض قلوب السالكين، ويقطعَ نسل المرشدين
﴿وَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ فكيف يدَّعي هذا الكاذبُ محبةَ الله تعالى ويرتكب ما لا يحبه؟!
﴿وَإِذَا قِبْلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ حملته الحميَّةُ النفسانية حميَّةُ الجاهلية على الإثم ◌َجاجاً
وحبًّا لظهور نفسه، وزعماً منه أنه أعلم بالله سبحانه من ناصحه ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾
أي: يكفيه حَبْسُه في سِجِّين الطبيعة وظلماتِها، وهذه صفةُ أكثر أرباب الرسوم الذين
حُجِبوا عن إدراك الحقائق بما معهم من العلوم.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن﴾ يبذُل نفسه في سلوك سبيل الله طلباً لرضاه، ولا يلتفت إلى
القال والقيل، ولا يغلو لديه في طلب مولاه جليلٌ.
﴿َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَدْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ﴾ وتسليم الوجود لله تعالى، والخمودِ
تحت مجاري القدرة لكم وعليكم كافةً، فإن زللَتم عن مقام التسليم والرضا
بالقضاء، من بعد ما جاءتكم دلائلُ تجلِّيات الأفعال والصفات، فاعلموا أنَّ الله
تعالى عزيزٌ غالبٌ يَقْهَركم، حكيمٌ لا يُقْهَر إلا على مقتضى الحكمة.
﴿هَلْ يَظُرُونَ﴾ إلّا أن يتجلَّى الله سبحانه في تُلَلِ صفاتٍ قَهْريةٍ من جملة
تجلّيات الصفات، وصورٍ ملائكة القوى السماوية. ﴿وَقُفِىَ اٌلْأَمْرُ﴾ بوصول كلٍّ إلى
ما سُبِقِ له في الأزل ﴿وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ بالفَناءِ.
﴿كَنَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾ على الفطرة ودينِ الحقِّ في عالم الإجمال، ثم اختلفوا في
النشأة بحسب اختلاف طبائعهم، وغلبة صفات نفوسهم، واحتجابٍ كلِّ بمادة بدنه
﴿َبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ﴾ ليَدْعوهم من الخِلاف إلى الوفاق، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن
.

سُوَّةُ الْجَمَة
٢٣٠
الآية : ٢١٥
العداوة إلى المحبة، فتفرَّقوا وتحزَّبوا عليهم وتميَّزوا، فالسّفْليون ازدادوا خلافاً
وعناداً، والعُلْويُّون هداهم الله تعالى إلى الحق، وسلكوا الصراط المستقيم.
﴿أَمْ حَيِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا﴾ جنةَ المشاهَدة، ومجالسَ الأُنس بنور المكاشفة ﴿وَلَمَّا
يَأْتِكُمْ﴾ حالُ السالكين قبلكم ﴿مَسَّتْهُمْ﴾ بأساءُ الفَقْر، وضَرَّاءُ المجاهَدةِ وكسرِ النفس
بالعبادة حتى تضجَّروا من طول مدة الحجاب، وعِيْل صبرُهم عن مشاهدة الجمال،
وطلبوا نصر الله تعالى بالتجلِّي، فَأُجيبوا إذ(١) بلغ السيل الزُّبى(٢)، وقيل لهم: ﴿أَّ
إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ﴾ برفع الحجاب، وظهورِ آثار الجمال ﴿قَرِيبٌ﴾ مِمَّن بذل نفسه، وصَرَف
عن غير مولاه حِسَّه(٣)، وتحمَّل المشاقَّ، وذبح الشهوات بسيف الأشواق:
ودون اجتناءِ النَّحلِ ما جَنَتِ النَّحْلُ (٤)
ومَن لَم يَمُت في حبِّه لم یعِش به
﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ قال ابن عباس ﴿يا في رواية أبي صالح: كان عمرو بن
الجَمُوح شيخاً كبيراً ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا نتصدَّق، وعلى مَن
نتفق؟ فنزلت(٥).
وفي رواية عطاءٍ عنه: أنها(٦) نزلت في رجل أتى النبيَّ وَّ فقال: إن لي
ديناراً. فقال: ((أَنفِقْه على نفسك)) فقال: إنَّ لي دينارين. فقال: ((أنفقهما على
أهلك)»، فقال: إنَّ لي ثلاثة. فقال: ((أنفقها على خادمك))، فقال: إنَّ لي أربعة.
فقال: ((أنفقها على والديك))، فقال: إنَّ لي خمسة. فقال: ((أنفقها على قرابتك))،
فقال: إنَّ لي ستة. فقال: ((أنفقها في سبيل الله تعالى))(٧).
(١) في (م): إذا.
(٢) جمهرة الأمثال ١/ ٢٢٠، ومجمع الأمثال ٩١/١، والمستقصى ١٤/٢. والزُّبِى جمع زُبْيَة،
وهي حفرةٌ تحفر للأسد في مكان مرتفع ليُصطاد، فإذا بلغها الماء فهو المُجْحِف. وهذا
المثل يضرب لمن جاوز الحد.
(٣) في (م): حسنه.
(٤) قائله ابن الفارض وهو في ديوانه ص١٣٤ .
(٥) أسباب النزول للواحدي ص ٦٠.
(٦) قبلها في (م): لا، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.
(٧) أسباب النزول ص ٦٠، وسنده واوٍ كما ذكر الحافظ في العجاب ٥٣٥/١.

الآية : ٢١٥
٢٣١
سُورَةُ الْبَقَة
وعن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله #: أين يضعون أموالهم؟
فنزلت(١).
﴿قُلّ مَّ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَآلْأَفْرَبِينَ وَالْتَ وَالْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ ظاهرُ الآية
أنه سُئِل عن المُنْفَق، فأجاب ببيان المَصْرِف صريحاً؛ لأنه أهم، فإنَّ اعتداد النفقة
باعتباره، وأشار إجمالاً إلى بيان المُنْفَق، فإنَّ ((من خير)) يتضمَّنُ كونه حلالاً إذ
لا يسمَّى ما عداه خيراً، وإنما تعرَّضَ لذلك وليس في السؤال ما يقتضيه؛ لأنَّ
السؤال للتعلُّم لا للجدل، وحُّ المعلِّم فيه أن يكون كطبيبٍ رفيقٍ يتحرَّى ما فيه
الشفاء، طلبه المريض أم لم يطلبه، ولمَّا كانت حاجتهم إلى مَن يُنْفَق عليه
كحاجتهم إلى ما يُنْفَق، بَيَّن الأمرين، وهذا كمن به صفراءُ، فاستأذن طبيباً في أكل
العسل، فقال: كُلُه مع الخل، فالكلام إذاً من أسلوب الحكيم(٢).
ويحتمل أن يكون في السؤال(٣) ذكرُ المَصرف أيضاً كما تدلُّ عليه الرواية
الأولى في سبب النزول، إلا أنه لم يذكره في الآية للإيجاز في النظم، تعويلاً على
الجواب، فتكون الآية جواباً لأمرين مسؤولٍ عنهما. والاقتصارُ في بيان المُنْفَق
على الإجمال من غير تعرُّض للتفصيل كما في بيان المَصْرف؛ للإشارة إلى كون
الثاني أهم، وهل تَخْرُجُ الآية بذلك عن كونها من أسلوب الحكيم أم لا؟ قولان
أشهرُهما الثاني، حيث أُجيب عن المتروك صريحاً وعن المذكور تبعاً .
والأكثرون على أنَّ الآية في التطوُّع. وقيل: في الزكاة، واستدلَّ بها من أباح
صرفها للوالدين. وفيه أنَّ عموم ﴿خير﴾ مما ينافي كونها في الزكاة؛ لأن الفَرْضَ
فيها قَدْرٌ معيَّن بالإجماع.
ولم يتعرَّض سبحانه للسائلين والرِّقاب إمَّا اكتفاءً بما ذكر في المواضع الأُخَر،
وإمَّا بناءً على دخولهم تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيٍّ﴾ فإنه شاملٌ لكلِّ
(١) أخرجه الطبري ٣/ ٦٤٢.
(٢) هو تلقّي المخاطب بغير ما يترقَّب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيهاً على أنه الأولى
بالقصد، أو السائلِ بغير ما يتطلّب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً على أنه الأولى بحاله، أو
المهم له. الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ١/ ٧٥ .
(٣) في (م): الكلام.

سُورَةُ الْبَّكَقَة
٢٣٢
الآية : ٢١٦
خير واقعٍ في أيِّ مصرف كان.
و ((ما)) شرطيةٌ مفعولٌ به ل﴿تفعلوا﴾، والفعل أعمُّ من الإنفاق، وأتى بما يعمُّ
تأكيداً للخاصِّ الواقع في الجواب.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ يعلم كُنْهَه كما يُشير به صيغة فعيل مع الجملة
الاسمية المؤَّدة، والجملةُ جواب الشرط باعتبار معناها الكِنائي، إذ المراد منها
توفیةُ الثواب. وقيل: إنها دليل الجواب، وليست به.
ومناسَبةُ هذه الآية لِمَا قبلها هو أن الصبر على النفقة وبذل المال من أعظم
ما تحلَّى به المؤمن، وهو من أقوى الأسباب المُوصِلة إلى الجنة حتى ورد:
((الصدقةُ تُطفِئُ غضب الرب))(١) .
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي: قتال الكفار وهو فرضُ عينٍ إن دخلوا بلادنا،
وفرضُ كفاية إن كانوا ببلادهم. وقُرئ بالبناء للفاعل - وهو الله عز وجل - ونصبٍ
القتال. وقرئ أيضاً: كُتِب عليكم القتلُ (٢)، أي: قَتْلُ الكفرة.
﴿وَهُوَ كُزْءٌ لَّكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿كُتِبَ﴾، وعطفُ الاسمية على الفعلية جائزٌ
كما نُصَّ عليه.
وقيل: الواو للحال والجملة حال، ورُدَّ بأن الحال المؤكِّدة لا تجيء بالواو،
والمنتقلة لا فائدة فيها .
والكُره بالضم كالكَرْه بالفتح - وبهما قُرئ(٣) -: الكراهة. وقيل: المفتوح:
المشقَّةُ التي تنال الإنسان من خارج، والمضمومُ ما يناله من ذاته. وقيل: المفتوح
اسمٌ بمعنى الإكراه، والمضموم بمعنى الكراهة. وعلى كلِّ حالٍ فإن كان مصدراً
(١) أخرجه الترمذي (٦٦٤)، وابن حبان (٣٣٠٩) من حديث أنس بن مالك ﴿ه. قال
الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. اهـ. وفيه عبد الله بن عيسى الخَزَّاز وهو
ضعيف كما في التقريب.
(٢) ذكر القراءة الأولى أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ١٤٣، والثانية ابن عطية في المحرر
الوجيز ٢٨٩/١، والقرطبي في تفسيره ٤١٥/٣ .
(٣) قراءة الضم هي قراءة الجمهور، وقراءة الفتح ذكرها الرازي في تفسيره ٢٨/٦، وأبو حيان
في البحر المحيط ٢/ ١٤٣ .

الآية : ٢١٦
٢٣٣
سُورَةُ الْبَدَة
فمؤوَّل أو محمولٌ على المبالغة، أو هو صفةٌ كخبز بمعنى مخبوز، وإن كان بمعنى
الإكراه(١) وحُمِل على المكرَه عليه فهو على التشبيه البليغ؛ كأنهم أكرهوا عليه
لشدَّته وعِظَم مشقته.
ثم كون القتل(٢) مكروهاً لا ينافي الإيمان؛ لأن تلك الكراهية طبيعيةٌ، لِمَا فيه
من القتل والأسر، وإفناء البدن، وتلف المال، وهي لا تنافي الرِّضا بما كلِّف به،
كالمريض الشارب للدواء البشِع يكرهه لما فيه من البشاعة، ويرضى به من جهة
أخرى.
﴿وَعَسَّ أَنْ تَكَّرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وهو جميع ما كُلِّفوا به - فإن الطبع
يكرهه وهو مناط صلاحهم - ومنه القتال، فإن فيه الظّفر والغنيمة والشهادة التي هي
السببُ الأعظمُ للفوز بغاية الكرامة.
﴿وَعَسَقَّ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرِّ لَّكُمْ﴾ وهو جميع ما نُهُوا عنه - فإن النفس تحبُّه
وتهواه وهو يفضي بها إلى الرَّدَى - ومن ذلك تركُ قتال الأعداء، فإن فيه الذُّلَّ،
وضعفَ الأمر، وسَبْيَ الذراري، ونهبَ الأموال، وملكَ البلاد، وحرمانَ الحِّ
الأوفر من النعيم الدائم.
والجملتان الاسميتان حالان من النكرة وهو قليل، ونصَّ سيبويه على جوازه
كما في ((البحر))(٣). وجوَّز أبو البقاء أن يكونا صفةً لها، وساغ دخول الواو لِمَا أنَّ
صورة الجملة هنا كصورتها إذا كانت حالاً(٤).
و((عسى)) الأولى للإشفاق، والثانية للترجّي على ما ذهب إليه البعض، وإنما ذُكِر
((عسى)) الدَّالةُ على عدم القطع؛ لأن النفس إذا ارتاضت وصَفَتْ انعكس عليها الأمر
الحاصل لها قبل ذلك، فيكون محبوبها مكروهاً ومكروهُها محبوباً، فلمَّا كانت قابلةً
(١) في (م): الكره، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٠١/٢.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: القتال.
(٣) ١٤٤/٢، ولم يذكر ذلك عن سيبويه، إلا أنه ذكره عنه في النهر الماد على هامش البحر
١٤٣/٢-١٤٤.
(٤) الإملاء بهامش الفتوحات الإلهية ٤٣٣/١ - ٤٣٤.

سُورَةُ الْبَُّغَة
٢٣٤
الآية : ٢١٧
بالارتياض لمثل هذا الانعكاس، لم يقطع بأنها تكره ما هو خيرٌ لها، وتحبُّ ما هو
شرٌّ لها، فلا حاجة إلى أن يقال: إنها هنا مستعملٌ في التحقيق كما في سائر القرآن
ما عدا قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥].
﴿وَللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خيرٌ لكم وما هو شرٌّ لكم، وحُذِف المفعول للإيجاز ﴿وَأَنْتُرْ
لَا تَعْلَمُونَ (٣) ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به؛ لأنه لا يأمركم إلا بما عَلِم فيه
خيراً لكم، وانتهُوا عما نهاكم عنه؛ لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شرِّ لكم.
ومناسبةُ هذه الآية لِمَا قبلها ظاهرةٌ؛ لأنَّ فيها الجهادُ، وهو بذلُ النفس الذي
هو فوق بذلِ المال.
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم
والبيهقيُّ من طريق يزيد بن رُومان عن عروة قال: بعث رسول الله ◌َّ﴿ عبد الله بنَ
جحش، وهو ابن عمة النبيِّ وَّه إلى نخلةَ فقال: ((كنْ بها حتى تأتينا بخبرٍ من أخبار
قريش)) ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتاباً قبل أن يُعلِمه أين
يسير فقال: ((اخرج أنت وأصحابك حتى إذا سِرْتَ يومين فافتح كتابك وانظر فيه،
فما أمرتُكَ به فامضٍ له ولا تَسْتَكْرِه أحداً من أصحابك على الذهاب معك)» فلمَّا سار
يومين، فتح الكتاب، فإذا فيه: ((أنِ امضٍ حتى تنزل نخلةَ، فأتِنا من أخبار قريش
بما اتَّصل إليك منهم)) فقال لأصحابه - وكانوا ثمانية - حين قرأ الكتاب: سمعاً
وطاعة، مَن كان منكم له رغبةٌ في الشهادة فلينطلق معي، فإِنِّي ماضٍ لأمر
رسول الله وَّله، ومَن كره ذلك منكم فليرجع، فإنَّ رسول الله وَ له قد نهاني أن
أستكره منكم أحداً. فمضى معه القوم حتى إذا كانوا بُبُخْران(١)، أضلَّ سعدُ بن
أبي وقاص وعتبةُ بنُ غزوان بعيراً لهما كانا يَعْتَقِبانه، فتخلَّفا عليه يطلبانه، ومضى
القوم حتى نزلوا نخلةَ، فمر بهم عمرو بن الحضرمي والحَكّم بن كيسان وعثمان بن
عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله معهم تجارةٌ قد مرُّوا بها من الطائف، أدَمٌ
وزبيب، فلَّما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله، وكان قد حلق رأسه،
فلمَّا رأَوه حليقاً قالوا: عُمَّارٌ، ليس عليكم منهم بأس. وانتمر القوم بهم أصحابُ
(١) بُخْران بالضم - وقيده بعضهم بالفتح -: موضع بناحية الفُرْع، والفرع قرية من نواحي المدينة
غنّاء كبيرة فيها نخل ومياه كثيرة. معجم البلدان ٣٤١/١ و٤/ ٢٥٢.

الآية : ٢١٧
٢٣٥
سُورَةُ الْبَقَة
رسول الله ﴿ وكان آخر يوم من جُمادى، فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في
الشهر الحرام، ولئن تركتموهم لَيَدْخُلُنَّ في هذه الليلة مكة الحرام فَلَيَتَمَّنَّعُنَّ منكم.
فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي(١) عمرو بنَ الحضرمي
بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم ابن كيسان، وأفلت نوفل
وأَعْجَزَهم، واستاقوا العِير فقدِموا بها على رسول اللهِ وَّر، فقال لهم: ((والله
ما أمرتكم بقتالٍ في الشهر الحرام؛ فأوقف رسول الله ◌َّ﴿ الأسيرين والعير، فلم
يأخذ منها شيئاً. فلمَّا قال لهم رسول الله وَّه ما قال، سُقِط في أيديهم، وظنُّوا أنْ
قد هلكوا، وعنَّفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء:
قد سَفَك محمد ◌ِّ الدم الحرام، وأخذ المال، وأسَر الرجال، واستحلَّ الشهر
الحرام. فنزلت، فأخذ رسول الله وَّ﴿ العير، وفَدَى الأسيرين(٢).
وفي سيرة ابن سيِّد الناس: أنَّ ذلك في رجب، وأنهم لَقوا أولئك في آخر يوم
منه(٣).
وفي رواية الزُّهري عن عروة أنه لَمَّا بلغ كفار قريش تلك الفَعْلة، ركب وفدٌ
منهم حتى قدِموا على النبيِّ وَ﴿ فقالوا: أَيحِلُّ القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله
تعالى الآية (٤).
ومن هنا قيل: السائلون هم المشركون. وأُيِّد بأنَّ ما سيأتي من ذكر الصدِّ
والكفر والإخراج أكبرُ شاهدٍ صدقٍ على ذلك، ليكون تعريضاً بهم موافقاً لتعريضهم
بالمؤمنين.
(١) في الأصل و(م): السهمي، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في الدر المنثور
٢٥٢/١ والكلام منه، وكذا ذكره الحافظ في الإصابة ٢٩٣/١٠.
(٢) السيرة النبوية ١/ ٦٠١ - ٦٠٥، وتفسير ابن جرير ٣/ ٦٥٠ - ٦٥٣، وسنن البيهقي ٥٨/٩ -
٥٩، ولم نقف عليه في تفسير ابن أبي حاتم، والكلام من الدر المنثور ٢٥١/١ - ٢٥٢.
وقال الحافظ في تغليق التعليق ٧٦/٢: وهذا مرسل جيد قوي الإسناد ... وله شاهد جيد
متصل من حديث أبي السؤَّار العدوي عن جندب بن عبد الله البجلي ... وله شاهد آخر من
حديث عبد الله بن عباس. اهـ. قلنا: أخرج الحديثين الطبري ٣/ ٦٥٥ - ٦٥٧.
(٣) عيون الأثر في فنون المغازي والسير لابن سيد الناس ٢٢٨/١.
(٤) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ١٧/٣ .

سُورَةُ الْبََّقَ
٢٣٦
الآية : ٢١٧
واختار أكثر المفسرين أن السائلين هم المسلمون، قالوا: وأكثر الروايات
تقتضيه، وليس الشاهد مفصِحاً بالمقصود.
والمراد من ((الشهر الحرام): رجبٌ، أو جُمادى(١)، فـ ((أل)) فيه للعهد،
والكثير والأظهر أنها للجنس، فيراد به الأشهر الحُرُم، وهي: ذو القَعْدة، وذو
الحِجَّة، والمحرَّم، ورجب، وسمِّت حُرُماً لتحريم القتال فيها .
والمعنى: يسألونك - أي: المسلمون، أو الكفار - عن القتال في الشهر
الحرام، على أنَّ ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدلُ اشتمال من ((الشهر))؛ لأن (٢) الأول غيرُ وافٍ
بالمقصودُ، مُشَوِّقٌ إلى الثاني، مُلابِسٌ له بغير الكلِّية والجزئية، ولَمَّا كان النكرة
موصوفةً أو عاملةً صحَّ إبدالها من المعرفة، على أنَّ وجوب التوصيف إنما هو في
بدل الكلِّ كما نصَّ عليه الرضي.
وقرأ عبد الله: ((عن قتال فيه))(٣) وهو أيضاً بدل اشتمال، إلا أنه بتكرير
العامل. وقرأ عكرمة(٤): ((قَتْلِ فيه))، وكذا في ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، أي: عظيمٌ
وزراً.
وفيه تقريرٌ لحرمة القتال في الشهر الحرام، وأنَّ ما اعتُقِد من استحلاله وَّل
القتالَ فيه باطلٌ، وما وقع من أصحابه عليه الصلاة والسلام كان من باب الخطأ في
الاجتهاد وهو معفوٌّ عنه، بل مَن اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحد كما في الحديث(٥)،
والأكثرون على أنَّ هذا الحكم منسوخٌ بقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا آَنسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْمُرُ فَاقْتُلُواْ
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فإنَّ المراد بالأشهر الحُرُم أشهرٌ معيَّنةٌ أُبيح
(١) لعل المصنف يشير بذكر جمادى - وهو ليس من الأشهر الحرم - إلى ما ورد في خبر عروة
من أن ذلك كان في آخر يوم من جمادى، وفي حديث جندب :... فلقوا ابن الحضرمي
فقتلوه ولم يدروا ذلك اليوم من رجب أو من جمادى. وفي حديث ابن عباس: لقي واقد بن
عبد الله عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب وهو يرى أنه من جمادى، فقتله ...
(٢) في (م): لما أن.
(٣) الكشاف ٣٥٧/١، وتفسير الرازي ٣٢/٦.
(٤) كما في القراءات الشاذة ص١٣، والكشاف ٣٥٧/١.
(٥) أخرجه أحمد (١٧٧٧٤)، والبخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن
العاص

الآية : ٢١٧
٢٣٧
سُوَّةُ الْبَرَة
للمشركين السياحةُ فيها بقوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]،
وليس المراد بها الأشهرَ الحُرُمَ من كلِّ سنة، فالتقييد بها يفيد أنَّ قتلهم بعد
انسلاخها مأمورٌ به في جميع الأمكنة والأزمنة، وهو نسخ الخاصِّ بالعام، وساداتُنا
الحنفية يقولون به .
وأمَّا الشافعية فيقولون: إنَّ الخاصَّ سواءٌ كان متقدِّماً على العام أو متأخِّراً عنه
:
مخصِّصٌ له؛ لكون العامِّ عندهم ظنيًّا، والظنيُّ لا يعارِض القطعيَّ.
وقال الإمام: الذي عندي أنَّ الآية لا تدلُّ على حرمة القتال مطلقاً في الشهر
الحرام؛ لأن القتال فيها نكرةٌ في حيِّز مثبَتٍ فلا تعمُّ، فلا حاجة حينئذ إلى القول
بالنسخ(١).
واعتُرِض بأنها عامة لكونها موصوفةً بوصفٍ عامٍّ أو بقرينة المقام، ولو سُلِّم
فقتالُ المشركين مرادٌ قطعاً؛ لأن قتال المسلمين حرامٌ مطلقاً من غير تقييد بالأشهر
الحرم.
وفيه: أنَّا لا نسلِّم أنها موصوفة؛ لجواز أن يكون الجارُّ ظرفاً لغواً، ولو سُلِّم
فلا نُسلِّم عموم الوصف، بل هو مخصِّصٌ لها بالقتال الواقع في الشهر الحرام
المعيّن، والوصفُ المفيدُ للعموم هو الوصفُ المساوي عمومُه عمومَ الجنس كما في
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا طَيْرِ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقولٍ
الشاعر:
ولا ترى الضبَّ بها يَنْجَجِرْ(٢)
وكونُ الأصل مطابقةَ الجواب للسؤال قرينةٌ على الخصوص، وكونُ المراد قتالَ
المشركين على عمومه غيرُ مسلم؛ لأن الكلام في القتال المخصوص، ولو سُلِّم
عمومُها في السؤال فلا نُسلِّمُ عمومها في الجواب، بناءً على ما ذكره الراغب أنَّ
النكرة المذكورةَ إذا أُعيد ذكرها يعادُ معرَّفاً، نحو: سألتني عن رجل والرجلُ كذا
(١) تفسير الرازي ٦/ ٣٣.
(٢) وصدره: لا تُفزعُ الأرنبَ أهوالُها، والبيت لعمرو بن أحمر، وهو في شرح ديوان الحماسة
المرزوقي ١٢٠/١، وأمالي ابن الشجري ٢٩٨/١، والخزانة ١٠/ ١٩٢.

سُورَةُ الْبَرَة
٢٣٨
الآية : ٢١٧
وكذا، ففي تنكيرها هنا تنبيهٌ على أنه ليس المراد كلَّ قتال حكمُه هذا، فإنَّ قتال
النبيَِّ لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أُحِلَّت لي
ساعة من نهار))(١).
وحرمةُ قتال المسلمين مطلقاً لا يخفى ما فيه؛ لأن قتال أهل البغي يَحِلُّ، وهم
مسلمون.
فالإنصافُ: أن القول بالنسخ ليس بضروريٍّ، نعم هو ممكنٌ وبه قال ترجمان
القرآن ابنُ عباس ﴿ها كما رواه عنه الضحاك، وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان
الثوري أنه سُئِل عن هذه الآية فقال: هذا شيء منسوخ، ولا بأس بالقتال في الشهر
الحرام (٢). وخالف عطاءٌ في ذلك فقد رُويَ عنه أنه سُئِل عن القتال في الشهر
الحرام، فحلف بالله تعالى ما يَحِلُّ للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام
إلا أن يقاتلوا فيه، وجَّعَل ذلك حكماً مستمرًّا إلى يوم القيامة، والأمةُ اليوم على
خلافه في سائر الأمصار.
﴿وَصَدُّ﴾ أي: منعٌ وصَرف ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو الإسلام؛ قاله مقاتل. أو
الحجّ؛ قاله ابن عباس والسُّدِّي. أو الهجرةُ كما قيل. أو سائرُ ما يُوصِل العبد إلى الله
تعالى من الطاعات. فالإضافة إما للعهد، أو للجنس.
﴿وَكُفْرَّ بِهِ﴾ أي: بالله، أو بسبيله ﴿وَالْسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ اختار أبو حيان(٣)
عَظْفَه على الضمير المجرور وإن لم يُعَد الجارّ، وأجاز ذلك الکوفیون ویونس
والأخفش وأبو علي، وهو شائعٌ في لسان العرب نظماً ونثراً.
واعتُرض بأنه لا معنى للكفر بالمسجد الحرام وهو لازمٌ من العطف. وفيه
بحثٌ إذ الكفر قد يُنسَب إلى الأعيان باعتبار الحكم المتعلّق بها كقوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٢٧٩)، والبخاري (١٣٤٩)، ومسلم (١٣٥٣) عن ابن
عباس ﴾. وأخرجه أيضاً أحمد (٧٢٤٢)، والبخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥) من
حديث أبي هريرة څ.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣٨٥/٢ (٢٠٢٥).
(٣) في البحر المحيط ١٤٧/٢.

الآية : ٢١٧
٢٣٩
سُورَةُ الْبَيْنَة
واختار القاضي(١) تقديرَ مضافٍ معطوفٍ على ((صد))، أي: وصدُّ المسجد
الحرام عن الطائفين والعاكفين والركع السجود.
واعتُرِض بأن حذف المضاف وإبقاءَ المضاف إليه بحاله مقصورٌ على السماع.
ورُدَّ بمنع الإطلاق، ففي ((التسهيل)): إذا كان المضاف إليه إثر عاطفٍ - متصلٍ به،
أو مفصولٍ بـ ((لا)) - مسبوقٍ بمضافٍ مثلِ المحذوف لفظاً ومعنى، جاز حذف
المضاف وإبقاءُ المضاف إليه على انجراره قياساً (٢)، نحو: ما مثلُ زيد وأبيه يقولان
ذلك، أي: مثلُ أبيه، ونحو: ما كلُّ سوداءَ تمرةٌ ولا بيضاءَ شحمةٌ، وإذا انتفى
واحد من الشروط، كان مقصوراً على السماع، وفيما نحن فيه سَبَق إضافةُ مثل
ما حُذِف منه.
واختار الزمخشريُّ عطفه على ((سبيل الله))(٣). واعتُرِض بأنَّ عطف ((وكفر به))
على ((وصفٌّ) مانعٌ من ذلك، إذ لا يُقدَّم العطف على الموصول على العطف على
الصِّلة(٤)، وذُكِر لصحة ذلك وجهان:
أحدهما: أنَّ ((وكفرٌ به)) في معنى الصدِّ عن سبيل الله، فالعطفُ على سبيل
التفسير، كأنه قيل: وصدٌّ عن سبيل الله - أعني كفراً به - والمسجدِ الحرام،
فالفاصل ليس بأجنبي.
ثانيهما: أن موضع ((وكفرٌ به)) عقيب ((والمسجدِ الحرام)) إلا أنه قُدِّم لفَرْطِ
العناية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَّا أَحَدٌّ﴾ [الإخلاص: ٤]، حيث
كان مِن حقِّ الكلام: ولم يكن أحدٌ كفواً له، ولا يخفى أن الوجه الأول أولى؛ لأن
التقديم لا يزيل محذور الفصل ويزيد محذوراً آخر.
(١) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٣٠٢/٢.
(٢) التسهيل ص ١٦٠.
(٣) الكشاف ٣٥٧/١.
(٤) لأنه يؤدي إلى الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي؛ إذ تقديره: أن صدُّوا؛ لأن المصدر مقدر
بأنْ والفعل، وأن موصول حرفي وما بعدُ صلته، فإذا عطف ((المسجد الحرام)) على
((سبيل الله))، كان من تتمة الصلة، و((كفرٌ)) معطوف على المصدر نفسه، فهو أجنبي عن
الصلة إذ لا تعلق له بها. حاشية الشهاب ٢/ ٣٠٢، وينظر الدر المصون ٣٩٣/٢.

سُورَةُ الْجَمَة
٢٤٠
الآية : ٢١٧
واختار السجاونديُّ العطف على ((الشهر الحرام))، وضُعِّف بأن القوم لم يسألوا
عن المسجد الحرام.
واختار أبو البقاء كونَه متعلِّقاً بفعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه الصدُّ، أي: ويصدُّون عن
المسجد الحرام، كما قال سبحانه: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
اَلْحَرَامِ﴾(١) [الفتح: ٢٥]. وضُعِّف بأن حذف حرف الجر وبقاءً عمله مما لا يكاد
يوجد إلا في الشعر.
وقيل: إنَّ الواو للقسم وقعت في أثناء الكلام، وهو كما ترى.
﴿وَإِخَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ﴾ وهم النبيُّوَله والمؤمنون، وإنما كانوا أهله لأنهم
القائمون بحقوقه، وقيل: إن ذلك باعتبار أنهم يصيرون أهله في المستقبل بعد فتح
مكة.
﴿أَكْبُ عِندَ اللَّهُ﴾ خبرٌ للأشياء المعدودة من كبائر قريش، و(أفعل)) مما(٢)
يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر(٣) والمؤنث. والمفضَّل عليه محذوفٌ، أي:
مما فعلته السَّرِية خطأً في الاجتهاد، ووجودُ أصلِ الفعل في ذلك الفعل مبنيٌّ على
الزعم.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبُ مِنَ الْقَتْلُ﴾ تذييلٌ لِمَا تقدَّم للتأكيد، عُطِفَ عليه عطفَ الحكم
الكلِّي على الجزئي، أي: ما يُفْتَنُ (٤) به المسلمون ويُعذَّبون به ليكفروا أكبرُ عند الله
من القتل، وما ذُكِر سابقاً داخلٌ فيه دخولاً أوَّلِيًّا .
وقيل: المراد بالفتنة: الكفرُ، والكلام كبرى لصغرى محذوفة، وقد سيق
تعليلاً للحكم السابق.
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَ يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ عطف على ((يسألونك)) بجامع
(١) الإملاء بهامش الفتوحات الإلهية ٤٣٩/١.
(٢) في الأصل و(م): وأفعل من، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٠٣/٢،
والكلام فيه بنحوه. واسم التفضيل إذا كان مجرَّداً عن ((أل)) والإضافة، أو مضافاً إلى نكرة،
لزمه الإفراد والتذكير. ينظر شرح الألفية لابن عقيل ١٧٦/٢ - ١٧٨.
(٣) في (م): المذكور.
(٤) في الأصل: يفتتن.