النص المفهرس

صفحات 201-220

التفسير الإشاري (٢٠٢-٢٠٢)
٢٠١
سُورَةُ الْبَقَة
﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ من قُوى نفوسكم ودواعي بَشَريَّتكم،
فإن ذلك هو الجهاد الأكبر ﴿وَلَا تَمْتَدُوَّأْ﴾ بإهمالها والوقوفِ مع حظوظها، أو
لا تتجاوزوا في القتال إلى أن تُضعِفوا البدن عن القيام بمراسم الطاعة ووظائف
العبودية، فربَّ مَخْمَصةٍ شرٌّ من النُّخَم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ﴾ الواقفين مع
نفوسهم، أو المتجاوزين ظلَّ الوحدة وهو العدالة.
﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَنِقْتُهُمْ﴾ أي: امنعوا هاتيك القُوى عن شمٍّ لذائذ الشهوات
والهوى حيث كانوا ﴿وَأَزِعُوهُم﴾ عن مكة الصدر كما أخرجوكم عنها، واستنزلوكم
إلى بقعة النفس، وحالوا بينكم وبين مقر القلب.
وفتنتُهم التي هي عبادة الهوى والسجودُ لأصنام اللَّذات أشدُّ من الإماتة بالكلية،
أو بلاؤكم عند استيلاء النفس أشدُّ عليكم من القتل الذي هو محو الاستعداد وطمس
الغرائز، لِمَا يترتب على ذلك من ألم الفراق عن حضرة القدس الذي لا يتناهى.
﴿وَلَا تُقَدِلُهُمْ عِنْدَ الْمَسِْدِ الْمَرَامِ﴾ - وهو مقام القلب - إذا وافقوكم في توجُّهكم،
حتى ينازعوكم في مطالبكم، ويجرُّوكم عن دين الحق، ويَدْعُوكم إلى عبادة عجل
النظر إلى الأغيار، فإن نازعوكم ﴿فَقْتُلُوهُمْ﴾ بسيف الصدق، واقطعوا مادة تلك
الدواعي ﴿كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ﴾ السائرين للحق ﴿فَإِنِ آَتْهُوا﴾ عن نزاعهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾.
﴿وَقَائِلُهُمْ﴾ على دوام الرعاية وصدق العبودية ﴿حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ ولا يحصلَ
التفاتٌ إلى السِّوى ﴿وَيَكُونَ الذِينُ لِّهِ﴾ بتوجُّه الجميع(١) إلى الجناب الأقدس والذَّاتِ
المقدَّس ﴿فَإِنِ أَنَّهَوْاْ فَلَا عُدْوَنَ﴾ إلا على المجاوزين للحدود.
﴿الثَّهُ لْرَُّ﴾ الذي قامت به النفس لحقوقها ﴿بِلشَّهْرِ لَْرَّامِ﴾ الذي هو وقت
حضوركم ومراقبتكم ﴿وَالُمَتُ قِصَاصُ﴾ فلا تُبالوا بهتك حرمتها .
﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما معكم من العلوم بالعمل به والإرشاد ﴿وَلَا تُلْقُوأَ
بِأَيْدِيكُ﴾ إلى تهلُكة التفريط ﴿وَأَخِنُوا﴾ بأن تكونوا مشاهدين ربّكم في سائر أعمالكم
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾ المشاهِدین له.
(١) في (م): الجمع.

سُوَّةُ الْبَقَة
٢٠٢
التفسير الإشاري (٢٠٢-٢٠٢)
﴿وَأَنْتُوا﴾ حجَّ توحيدِ الذات، وعمرةَ توحيد الصفات ﴿اللَّهِ﴾ بإتمام جميع
المقامات والأحوال ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ﴾ بمنع أعداء النفوس أو مرض الفتور، فجاهِدوا
في الله بسَوْقِ هَذْي النفس وذبحها بفِناء كعبة القلب، ولاختلاف النفوس في
الاستعداد قال: ما استيسر.
﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُ﴾ ولا تُزيلوا آثار الطبيعة وتختاروا فراغ الخاطر حتى يبلغ
هدي النفس مَحِلَّه، فحينئذ تأمنون من التشويش وتكدُّر الصفاء.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا﴾، ضعيفَ الاستعداد ﴿أَوْ بِةٍ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ﴾ أي: مبتلىّ
بالتعلُّقات ولم يتيسر له السلوك على ما ينبغي، فعليه فديةٌ من إمساكٍ عن بعض لذَّاته
وشواغله، أو فعلٍ بِّ، أو رياضةٍ تَقْمَع بعض القُوى.
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ من المانع المحصِر ﴿فَ تَمَنََّ﴾ بذوق تجلِّي الصفات متوسِّلاً به
إلى حجّ تجلِي الذات، فيجب عليه ما أمكن من الهدي بحسب حاله ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ﴾
الضعف نفسه وانقهارها ﴿فَصِيَامُ ثَةٍ أَيَّمٍ فِي لَيّ﴾ أي: فعليه الإمساكُ عن أفعال
القُوى التي هي الأصولُ القويةُ في وقت التجلِّي والاستغراقِ في الجمع والفناء،
وهي العقل والوهم والمخيّلة(١) ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى مقام التفصيل والكثرة، وهي
الحواسُّ الخمسةُ الظاهرة والغضبُ والشهوة، لتكون عند الاستقامة في الأشياء بالله
عزَّ وجل.
﴿يِّكَ عَشَرَةٌ كَامِلَّةٌ﴾ موجِبةٌ لأفاعيلَ عجيبةٍ مشتملةٍ على أسرار غريبة ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ
يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ﴾ من الكاملين الحاضرين مقام الوحدة؛ لأن أولئك
لا يُخاطَبون ولا يُعاتَبون، ومَن وَصَل فقد استراح.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ﴾ وهي مدة الحياة الفانية، أو من وقت بلوغ الحُلم إلى
الأربعين كما قال في (البقرة)): ﴿لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُّ عَوَانُ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [الآية: ٦٨]
ومن هنا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد، نَعَمْ العمشُ خيرٌ من العمى، والقليل
خيرٌ من الحرمان.
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ اللَّ﴾ على نفسه بالعزيمة ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾، أي: فلا يَمِلْ إلى
(١) في (م): المتخيلة.

سُوَّةُ الْبَّكَقَة
٢٠٣
التفسير الإشاري (٢٠٢-٢٠٢)
الدنيا وزينتها ﴿وَلَا فُوفَ﴾ ولا يُخرِج القوة الغضبية عن طاعة القلب، بل لا يخرج
عن الوقت ولا يدخل فيما يُورِث المقت ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجْ﴾ أي: ولا ینازِع
أحداً في مقام التوجُّه إليه تعالى إذ الكلُّ منه وإليه، ومَن نازعه في شيء ينبغي أن
يُسْلِمَه إليه ويسلِّم عليه ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ من فضيلةٍ في ترك شيء من هذه الأمور ﴿يَعْلَنْهُ اللَّهُ﴾ ويُثيبكم
عليه ﴿وَتَزَّوَّدُواْ﴾ من الفضائلِ التي يَلزمها الاجتناب عن الرذائل ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
الثَّقْوَى﴾ وتمامُها بنفي السِّوى ﴿وَتَّقُونِ يَكَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ فإنَّ قضية العقل الخالص
عن شَوْبٍ الوهم وقشر المادة اتِّقاءُ الله تعالى.
ليس عليكم حرجٌ عند الرجوع إلى الكثرة أن تطلبوا رُفَقاً لأنفسكم على مقتضى
ما حدَّه المظهر الأعظم وَّر، فإذا دفعتم أنفسكم من عرفات المعرفة ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ
عِندَ الْمَشْعَرِ الْكَرَّاءِ﴾ أي: شاهدوا جماله سبحانه عند السِّرِّ الروحي المسمَّى
بالخفي، وسمِّي مشعراً لأنه محلُّ الشعور بالجمال، ووُصِف بالحرام لأنه مُحَرَّمٌ أن
يصل إليه الغير ﴿وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَدُكُمْ﴾ إلى ذكره في المراتب ﴿وَإِن كُنتُمْ﴾ من
قبل الوصول إلى عرفات المعرفة والوقوف بها ﴿لَمِنَ الضَّآلِينَ﴾ عن هذه الأذكار في
طلب الدنیا .
﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ إلى ظواهر العبادات ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ﴾ سائرُ الناس إليها،
وكونوا كأحدهم، فإن النهاية الرجوعُ إلى البداية، أو أفيضوا من حيث أفاض
الأنبياء عليهم السلام لأجل أداء الحقوق والشفقة على عباد الله تعالى بالإرشاد
والتعليم ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ الله﴾ فقد كان الشارع الأعظم وَ﴿ يُغانُ على قلبه ويستغفرُ الله
تعالى في اليوم سبعين مرَّةٍ(١) ومَن أنت يا مسكين بعده ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ نَّحِيمُ﴾.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ﴾ وفرغتم من الحج ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِيْكُرُّ ◌َبَاءَكُمْ﴾
قبل السلوك ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ لأنه المبدأ الحقيقيّ، فكونوا مشغولين به
حَسْبما تقتضيه ذاته سبحانه.
(١) أخرجه أحمد (١٧٨٤٨)، ومسلم (٢٧٠٢): (٤١) من حديث الأغر المزني ظُه وفيه: مئة
مرة، بدل سبعين مرة.

سُورَةُ الْبَقَة
٢٠٤
الآية : ٢٠٣
فمن الناس مَن لا يطلب إلا الدنيا، ولا يعبد إلا لأجلها، وما لَه في مقام الفناء
من نصيب؛ لقصور همته واكتسابه الظّلْمة المنافية للنور، ومنهم مَن يطلب خير
الدارين، ويحترز عن الاحتجاب بالظُّلْمة والتعذيب بنيران الطبيعة ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ
نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ﴾ من حظوظ الآخرة، والأنوار الباهرة، واللَّذات الباقية، والمراتب
العالية، ﴿وَلَهُ سَرِيعُ الِْسَابِ
﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ أي: كبِّروه أدبار الصلوات، وعند ذبح القرابين، ورمي
الجمار وغيرها .
﴿فِيّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ وهي ثلاثةُ أيام التشريق، وهو المرويُّ في المشهور عن
ا أنها أربعة
عمَر وعليٍّ وابن عباس ﴿ ه، وأخرج ابن أبي حاتم(١) عن ابن عباس ـ
أيام بضمٌ يوم النحر إليها. واستدلَّ بعضهم للتخصيص بأن هذه الجملة معطوفةٌ على
قوله سبحانه: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ إلخ، فكأنه قيل: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله
في أيام معدودات، والفاءُ للتعقيب فاقتضى ذلك إخراجَ يوم النحر من الأيام.
ومَن اعتبر العطف والتعقيب وجَعَلَ بعض يوم يوماً استدل بالآية على ابتداء
التكبير خلف الصلاة من ظهر يوم النحر، واستدلَّ بعمومها مَن قال: يُكبِّر خلف
النوافل.
واستشكل وصف أيام بمعدودات، لأن أياماً جمعُ يوم وهو مذكَّر، و
(معدودات)) واحدها معدودة وهو مؤنَّث، فكيف تقع صفة له؟ فالظاهر: معدودة،
ووصفُ جمع ما لا يعقل بالمفرد المؤنث جائز.
وأُجيب بأن «معدودات)) جمعُ معدود لا معدودة، وكثيراً ما يُجمع المذكّر جمعَ
المؤنث كحمَّامات وسِجِلَّات.
وقيل: إنه قُدِّر اليوم مؤنثاً باعتبار ساعاته.
وقيل: إن المعنى أنها في كلِّ سنة معدودة، وفي السنين معدودات، فهي جمع
معدودة حقيقةً، ولا يخفى ما فيه.
(١) في تفسيره ٢/ ٣٦١.

الآية : ٢٠٣
٢٠٥
سُورَةُ الْبَّفَقَة
﴿فَمَنْ تَّعَجَّلَ﴾ أي: عَجَّل في النَّفْرِ، أو استعجل النَّفْر من مِنى، وقد ذكر غيرُ
واحد أنَّ تعجّل(١) واستعجل يجيئان مُطاوِعين بمعنى عجَّل، يقال: تعجّل في الأمر
واستعجل، ومتعدِّيَيْن يقال: تعجّل الذهاب [واستعجله]. والمطاوعةُ عند
الزمخشريِّ أوفُق لقوله تعالى: (وَمَن تَأَخََّ)، كما هي كذلك في قوله:
قد يُدرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجته وقد يكون من المستعجِلِ الزَّلَلُ(٢)
لأَجْلِ المتأني(٣).
وذهب بعض أرباب التحقيق إلى ترجيح التعدِّي؛ لأن المراد بيانُ أمور الحجّ(٤)
لا التعجّلُ مطلقاً. وقيل: لأن اللازم يستدعي تقدير ((في))، فيلزم تعلّقُ حرفَي جرِّ -
أحدُهما المقدَّر، والثاني ﴿فِى يَوْمَيْنِ﴾ - بالفعل، وذا لا يجوز.
واليومان: يوم القَرّ، ويوم الرؤوس(٥)، واليوم الذي بعده.
والمراد: فمن نفر في ثاني أيام التشريق قبل الغروب وبعد رمي الجمار عند
الشافعية، وقبل طلوع الفجر من اليوم الثالث إذا فرغ من رمي الجمار عندنا، والنَّفْرُ
في أول يوم منها لا يجوز، فظرفيةُ اليومين له على التوسُّع باعتبار أنَّ الاستعداد له
في اليوم الأول.
والقولُ بأن التقدير: في أحد يومين، إلا أنه مجمَلٌ فُسِّر باليوم الثاني، أو: في
آخِر يومين، خروجٌ عن مذاق النظم (٦).
﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيّْةٍ﴾ باستعجاله ﴿وَمَنْ تَأَخَّ﴾ في النَّفْر حتى رمى في اليوم الثالث
(١) في الأصل و(م): عجل، والمثبت من الكشاف ٣٥١/١، والكلام وما سيأتي بين حاصرتين
منه ٢٩٤/٢.
(٢) قائله القطامي، وهو في ديوانه ص٢٥.
(٣) الكشاف ٣٥١/١.
(٤) في الأصل و(م): العجل، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٩٥/٢، والكلام منه.
(٥) يوم القر هو نفسه يوم الرؤوس، وهو أول أيام التشريق، سمي يوم القر لاستقرارهم فيه
بمنى، ويوم الرؤوس لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي. ينظر أساس البلاغة (رأس)،
وحاشية الشهاب ٢٩٥/٢.
(٦) في (م): النظر.
٠

سُورَةُ الْبَحَ
٢٠٦
الآية : ٢٠٣
قبل الزوال أو بعده عندنا، وعند الشافعي بعده فقط ﴿فَلَّ إِثْمَ عَّةٍ﴾ بما صنع من
التأّر. والمرادُ التخيير بين التعجُّل والتأخّر، ولا يقدح فيه أفضليةُ الثاني خلافاً
لصاحب ((الإنصاف))(١).
وإنما ورد بنفي الإثم تصريحاً بالردِّ على أهل الجاهلية حيث كانوا مختلفين
فيه، فمِن مُؤَثِّم للمعجِّل، ومؤثّم للمتأخّر.
﴿لِمَنِ أَثَّقْنُ﴾ خبر لمحذوف، واللام إما للتعليل أو للاختصاص، أي: ذلك
التخييرُ المذكورُ بقرينة القُرْبِ لأَجْلِ المتقي؛ لئلا يتضرَّر بترك ما يقصده من التعجيل
والتأثّر؛ لأنه حذِرٌ متحرِّز عما يَريبه، أو: ذلك المذكور من أحكام الحج مطلقاً
نظراً إلى عدم المخصِّص القطعي، وإن كانت عامةً لجميع المؤمنين، مختصَّةٌ
بالمتَّقي؛ لأنه الحاجُ على الحقيقة، والمنتفعُ بها .
والمراد من التقوى على التقديرين: التجنُّبُ عما يُؤثِم من فعلٍ أو ترك، ولا يجوز
حملها على التجنب عن الشرك؛ لأن الخطاب في جميع ما سبق للمؤمنين.
واستدلَّ بعضهم بالآية على أن الحاجَّ إذا اتقى في أداء حدود الحجِّ وفرائضه،
غُفِرت له ذنوبه كلُّها، ورُويَ ذلك عن ابن عباس ﴿ها، وأخرج ابن جرير عنه(٢) أنه
فسَّر الآية بذلك ثم قال: إنَّ الناس يتأوَّلونها على غير تأويلها. وهو من الغرابة
بمكان.
﴿وَُّواْ الَّهُ﴾ في جميع أموركم التي يتعلَّق بها العزم؛ لتنتظموا في سِلْك
المغتنمين بالأحكام المذكورة، أو: احذروا الإخلال بما ذُكِر من أمور الحج
﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ ﴾﴾ للجزاء على أعمالكم بعد الإحياء والبعث.
وأصلُ الحشر: الجمعُ وضُّ المفرَّق، وهو تأکیدٌ للأمر بالتقوى وموچِبٌ
للامتثال به، فإنَّ مَن عَلِم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدَّواعي
له إلى ملازمة التقوى، وقُّدِّم ((إليه)) للاعتناء بمن يكون الحشر إليه، ولتواخي
الفواصل.
(١) ينظر الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال لابن المنير ٣٥١/١.
(٢) في تفسيره ٥٦٢/٣.

الآية : ٢٠٤
٢٠٧
سُورَةُ الْبَعَة
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ﴾،
والجامع أنه سبحانه لَمَّا ساق بيان أحكام الحج إلى بيان انقسام الناس في الذِّكر
والدعاء في تلك المناسك إلى الكافر والمؤمن، تَمَّمه سبحانه ببيان قسمين آخرين :
المنافق والمخلص.
وأصلُ التعجُّب: حَيرةٌ تَعرِض للإنسان لجهله بسبب المتعجَّب منه، وهو هنا
مجازٌ عما يلزمه من الرَّوْق والعظمة، فإنَّ الأمر الغريب المجهول يستطيبه الطبع
ويعظُمُ وَقْعُه في القلوب، وليس على حقيقته لعدم الجهل بالسبب، أعني الفصاحةً
والحلاوة.
فالمعنى: ومنهم مَن يَروقُك ويعظُم في نفسك ما يقوله ﴿فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي:
في أمور الدنيا وأسباب المعاش، سواءٌ كانت عائدةً إليه أم لا، فالمراد من
((الحياة))؛ ما به الحياة والتعيُّش. أو: في معنى الدنيا، فإنها مرادُه من ادِّعاء المحبة
وإظهار الإيمان، فالحياة الدنيا على معناها.
وجعلُه ظرفاً للقول من قبيل قولهم في عنوان المباحث: الفصل الأول في كذا،
والكلام في كذا، أي: المقصود منه ذلك. ولا حذف في شيء من التقديرين على
ما وُهِم، وتكون الظرفية حينئذ تقديريةً كما في قوله وَله: ((في النفس المؤمنة مئةٌ من
الإبل))(١) أي: في قتلها، فالسبب الذي هو القتل متضمِّنٌ للدية تَضمُّنَ الظرف
للمظروف، وهذه هي التي يقال لها: إنها سببية، كذا في الرضي. قاله بعض
المحققين.
وجُوِّز تعلُّق المجرور بالفعل قبله، أي: يعجبك في الدنيا قولُه لفصاحته وطراوةٍ
ألفاظه، ولا يعجبك في الآخرة لِمَا يعتريه من الدَّهشة واللَّكْنة، أو لأنه لا يُؤْذَن له
في الكلام، فلا يتكلّم حتى يعجبك.
والآية كما قال السُّدِّيُّ: نزلت في الأخنس بن شريقٍ الثقفي حليف بني زُهرة،
أقبل إلى النبيِّ ◌َ ﴿ في المدينة فأظهر له الإسلام، وأَعْجَب النبيَّ ◌َ ﴿ ذلك منه،
وقال: إنَّما جئتُ أُريد الإسلام، والله تعالى يعلم إني لصادق. ثم خرج من عند
(١) قطعة من حديث عبد الله بن عمرو الطويل، أخرجه أبو داود (٤٥٤١)، والنسائي ٤٢/٨-٤٣.

سُوَّةُ الْبَحْمَة
٢٠٨
الآية : ٢٠٤
رسول الله ◌َّ﴾، فمر بزرع [لقوم] من المسلمين وحُمُرٍ، فأحرق الزرع وعَقَّر
الحُمُرُ (١) وقيل: في المنافقّين كافَّة.
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَ مَا فِى قَلْبِهِ.﴾ أي: بحسب ادِّعائه، حيث يقول: الله يعلم أنَّ
ما في قلبي موافقٌ لِمَا في لساني، وهو معطوف على ((يعجبك)). وفي مصحف أبيٍّ:
((ويستشهد الله)، وقُرِئ: ((ويَشْهَد اللهُه بالرفع(٢) فالمراد بما في قلبه: ما فيه حقيقة،
ويؤيِّده قراءةُ ابن عباس ﴿هما: ((والله يَشْهَد على ما في قلبه)) (٣) على أن كلمة ((على))
لكون المشهود به مضرًّا له، والجملةُ حينئذ اعتراضية.
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ أي: شديدُ المخاصمة في الباطل، كما قال ابن
عباس ، واستشهد عليه بقول مهلهل:
إنَّ تحت الحجار حَزْماً وجُوداً وخصيماً ألدَّ ذا مِغْلاقِ(٤)
فألدُّ صفةٌ كأحمر بدليل جمعه على لُدِّ ومجيءٍ مؤنَّثِهِ لدَّاء، لا أفعلُ تفضيل،
والإضافة من إضافة الصفة إلى فاعلها كحَسن الوَجْهِ على الإسناد المجازي.
وجعلها بعضهم بمعنى ((في)) على الظرفية التقديرية، أي: شديدٌ في المخاصمة.
ونقل أبو حيان عن الخليل: أنَّ الدَّ أفعلُ تفضيل، فلا بد من تقدير: وخصامُه
ألدُّ الخصام، أو: ألدُّ ذوِي الخصام(٥) أو يُجعل ((وهو)) راجعٌ إلى الخصام المفهوم
من الكلام على بُعد، أو يقال: الخصام جمعُ خصم، كبحر وبحار، وصَعْب
وصِعاب، فالمعنى: أشدُّ الخصوم خصومة (٦) والإضافة فيه للاختصاص كما في
أحسن الناس وجهاً .
(١) أخرجه الطبري ٣/ ٥٧٢ وما بین حاصرتين منه.
(٢) القراءتان في الكشاف ٣٥٢/١، والبحر المحيط ١١٤/٢.
(٣) أوردها القرطبي في تفسيره ٣٨٢/٣.
(٤) أخرجه الطستي كما في الدر المنثور ٢٣٩/١، والبيت أورده المبرد في الكامل ٥٦/١
برواية: مِعْلاق، وقال: ويروى ((مِغْلاق))، فمن روى ذلك فتأويله أنه يُغْلِقِ الحجة على
الخصم، ومن قال: ذا مِعْلاق، فإنما يريد أنه إذا علق خصماً لم يتخلص منه.
(٥) البحر المحيط ٢/ ١١٤.
(٦) في الأصل: خصومته.

الآية : ٢٠٥
٢٠٩
سُؤَدَّةُ الْبَدَة
وفي الآية إشارةٌ إلى أنَّ شدة المخاصمة مذمومةٌ، وقد أخرج البخاريُّ ومسلم
عن عائشة ﴿ّا، عن النبيِّ وَّهِ: ((أبغضُ الرجال إلى الله تعالى الألدُّ الخَصِمُ))(١).
وأخرج أحمد عن أبي الدَّرداء: كفى بك إثماً أن لا تزال ممارياً، وكفى بك
ظالماً أن لا تزال مخاصماً، وكفى بك كاذباً أن لا تزال محدِّثاً، إلا حديثاً في
ذات الله عز وجل(٢).
وشدةُ الخصومة من صفات المنافقين؛ لأنهم يحبُّون الدنيا، فيُكثِرون الخصام
عليها .
﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أي: أَدْبَر وأعرض؛ قاله الحسن. أو: إذا غلب وصار والياً؛ قاله
الضحاك.
﴿َعَى﴾ أي: أسرع في المشي، أو: عَمِلَ ﴿فِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ ما أمكنه.
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرَّثَ وَالنَّسْلِ﴾ كما فعله الأخنس، أو كما يفعله ولاة السُّوء بالقتل
والإتلاف، أو بالظلم الذي يمنع الله تعالى بشؤمه القَظر. و((الحرث)): الزرع،
و((النسل): كلُّ ذات روح، يقال: نَسَل ينسُل نسولاً: إذا خرج فسقط، ومنه نَسَل وبرُ
البعير أو ريشُ الطائر، وسُمِّ العَقْب من الولد نسلاً، لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه.
وذكر الأزهري(٣) أن الحرث هنا النساء، والنسل الأولاد. وعن الصادق أنَّ
الحرث في هذا الموضع الدِّينُ، والنَّسْل الناس.
وقُرِئ: ((ويَهلِكُ الحرثُ والنَّسلُ))(٤) على أن الفعل للحرث والنسل، والرفع
للعطف على ((سعى)).
وقرأ الحسن بفتح اللام وهي لغةُ أَبَى يأْبَى(٥). ورُوي عنه: ((ويُهْلَكَ)) على البناء
للمفعول(٦).
(١) صحيح البخاري (٢٤٥٧)، وصحيح مسلم (٢٦٦٨)، وهو عند أحمد (٢٤٢٧٧).
(٢) الزهد لأحمد بن حنبل ص ١٧٢ .
(٣) كما في مجمع البيان للطبرسي ٢/ ١٧٢ .
(٤) القراءات الشاذة ص ١٣، والبحر ١١٦/٢.
(٥) المحتسب ١٢١/١، والبحر ١١٦/٢.
(٦) الكشاف ٣٥٢/١، والبحر المحيط ١١٦/٢.

سُوَّةُ الْبَقَة
٢١٠
الآية : ٢٠٦
﴾﴾ لا يرضى به، فاحذروا غضبه عليه، والجملةُ
﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
اعتراض للوعيد، واكتفى فيها على الفساد لانطوائه على الثاني؛ لكونه من عطف
العام على الخاص(١).
ولا يَرِدُ أن الله تعالى مُفسِدٌ للأشياء قبل الإفساد، فكيف حَكّم سبحانه بأنه
لا يحب الفساد؟ لأنه يقال: الإفساد - كما قيل في الحقيقة - إخراجُ الشيء عن حالةٍ
محمودة لا لغرضٍٍ صحيح، وذلك غيرُ موجود في فعله تعالى ولا هو آمِرٌ بهِ،
وما نراه من فعله جلَّ وعلا إفساداً فهو بالإضافة إلينا، وأمَّا بالنظر إليه تعالى فكلُّه
صلاح، وأمَّا أمرُه بإهلاك الحيوان مثلاً لأكله، فلإصلاح الإنسان الذي هو زبدة
هذا العالم، وأمَّا إماتتُه فأحدُ أسبابٍ حياته الأبدية، ورجوعِه إلى وطنه الأصلي،
وقد تقدَّم ما عسى أن تحتاجه هنا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ في فعلك ﴿أَخَذَتْهُ أَلْمِزَّةُ﴾ أي: احتوت عليه وأحاطت به
وصار كالمأخوذ بها. والعِزَّة في الأصل خلافُ الذُّل، وأُريد بها الأَنَفةُ والحميَّة
مجازاً.
﴿يَالإِثْرِ﴾ أي: مصحوباً أو مصحوبةً به، أو بسبب إثمه السابق. ويجوز أن
يكون «أخذ)) من الأخذ بمعنى الأسر، ومنه الأخِيذ للأسير، أي: جعلته العزة
وحميَّةُ الجاهلية أسيراً بقيد الإثم لا يتخلَّص منه.
﴿فَحَسْبُهُ جَهَّمٌ﴾ مبتدأ وخبر، أي: كافيهِ جهنمُ. وقيل: ((جهنم)) فاعل
لـ ((حَسْبُه)) سادٌّ مسدَّ خبره، وهو مصدرٌ بمعنى الفاعل، وقَوِيَ لاعتماده على الفاء
الرابطة للجملة بما قبلها .
وقيل: ((حَسْبُ)) اسم فعلٍ ماضٍ بمعنى كفى، وفيه نظر.
و ((جهنم)) عَلَمٌ لدار العقاب، أو لطبقةٍ من طبقاتها، ممنوعةٌ من الصرف للعَلَمية
والتأنيث، وهي من الملحق بالخماسي بزيادة الحرف الثالث، ووزنه: فَعَنْلَل.
(١) كذا قال، والصواب أن يقال: لكونه من عطف الخاص على العام؛ قال أبو حيان في البحر
١١٦/٢: تقدمت علَّتان، والثانية داخلة تحت الأولى، فأخبر تعالى أنه لا يحب الفساد،
واكتفى بذكر الأولى لانطوائها على الثانية.

الآية : ٢٠٧
٢١١
سُورَةُ الََّة
وفي ((البحر)): إنها مشتقة من قولهم: رَكيَّة جِهِنَّام، إذا كانت بعيدة القعر،
وكلاهما من الجَهْم، وهي الكراهية والغِلَظ، ووزنها فعثَّل(١).
ولا يُلتفت لمن قال: وزنها فعلَّل كَعَدَبَّس(٢)، وأن فعثَّلاً مفقود؛ لوجود فعثَّل
نحو: زَوَّنَّك وضَغَنَّط(٣) وغيرهما.
وقيل: إنها فارسي وأصلها كهِنَّام، فعرِّبت بإبدال الكاف جيماً وإسقاط الألف،
والمنعُ من الصرف حينئذ للعَلَمية والعجمة.
﴿وَلَيْسَ أَلْمِهَادُ ﴾﴾ جوابُ قسم مقدَّر؛ والمخصوصُ بالذمِّ محذوف لظهوره
وتعيُنُه. والمِهاد: الفراش، وقيل: ما يوَّأ للجَنْب، والتعبير به للتھكُم.
وفي الآية ذمُّ لمن يغضب إذا قيل له: اتَّق الله، ولهذا قال العلماء: إذا قال
الخصم للقاضي: اعدِل، ونحوَه، له أن يُعزِّره، وإذا قال له: اتق الله، لا يُعزِّرُه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود له: إنَّ من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه:
اتَّق الله تعالى، فيقول: عليك بنفسك عليك بنفسك (٤).
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ﴾ أي: يبيعها ببذلها في الجهاد، على ما رُويّ
أنَّ الآية نزلت في سرية الرجيع. أو في الأمر
عن ابن عباس والضحاك
بالمعروف والنهي عن المنكر، على ما أخرج ابن جرير(٥) عن أبي الخليل قال:
سمع عمر ◌ُه إنساناً يقرأ هذه الآية، فاسترجع وقال: قام رجلٌ يأمر بالمعروف
وينهى عن المنکر فقُتِل.
(١) البحر ١٠٨/٢، وفيه: الكراهة والغلظة، بدل: الكراهية والغلظ.
(٢) في الأصل: فعلل بلامين كعرندس، وفي (م): فعنلل كعرندس، والصواب ما أثبتناه،
ينظر البحر ١٠٨/٢، والنهر الماد من البحر على هامش البحر ١١٧/٢، والدر المصون
٢/ ٣٥٥. والعَدَبَّس: الشديد الموثَّق الخَلْق من الإبل وغيرها القاموس (عدبس).
(٣) في الأصل و(م): دونك وخفنك، وهو تصحيف، ينظر البحر ١٠٨/٢، والدر المصون
٣٥٥/٢، والعين ٧٩/٧. والزَّوَنَّك: القصير. والضَّغَنَّط: السمين.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٥٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٢٤٦).
(٥) تفسير الطبري ٥٩٣/٣، وأبو الخليل هو صالح بن أبي مريم الضُّبَعي مولاهم. من رجال
التهذيب.

سُورَةُ الْبََّعَة
٢١٢
الآية : ٢٠٧
﴿أَبْغََّةَ مَرْضَاتٍ اَللَّهِ﴾ أي: طلباً لرضاه، فـ ((ابتغاء)) مفعولٌ له، و((مرضات))
مصدرٌ بُنيَ - كما في ((البحر)) - على التاء كَمَدْعاة، والقياس تجريده منها(١)، وكُتِب
في المصحف بالتاء، ووُقِف عليه بالتاء والهاء(٢).
وأكثر الروايات أنَّ الآية نزلت في صهيب الرومي تَظُه، فقد أخرج جماعة أنَّ
صهيباً أقبل مهاجراً نحو النبيِّ وَّه، فاتَّبعه نفرٌ من المشركين، فنزل عن راحلته ونثر
ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أنّي من أَزْماكُم
رجلاً، وايمُ الله لا تَصِلون إليَّ حتى أرميَ بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي
في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فقالوا: دُلَّنا على بيتك ومالِكَ بمكة ونُخَلِّي
عنك، وعاهدوه إنْ دلَّهم أن يَدَعوه ففعل، فلما قَدِم على النبيِّ وَّ قال: ((أبا يحيى
رَبِح البيع ربح البيع)) وتلا له الآية(٣)، وعلى هذا يكون الشِّراء على ظاهره بمعنى
الاشتراء.
وفي الكواشي أنها نزلت في الزبير بن العوَّام وصاحبِهِ المقداد بن الأسود،
لَمَّا قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن يُنزِل خُبَيباً عن خشبته، فله الجنة)) فقال: أنا
وصاحبي المقداد. وكان خبيبٌ قد صلبه أهل مكة (٤).
وقال الإماميَّة وبعضٌ منَّا: إنها نزلت في عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، حين
استخلفه النبيُّ وَّ﴿ على فراشه بمكة لَمَّا خرج إلى الغار، وعلى هذا يُرتكب في
الشراء مثل ما ارتكب أولاً .
﴿وَلَهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾﴾ أي: المؤمنين، حيث أرشدهم لِمَا فيه رضاه،
وجَعَل النعيم الدائم جزاءَ العمل المنقطع، وأثاب على شراء مُلكه بملكه.
(١) البحر المحيط ١١٩/٢.
(٢) ذكر أبو عمرو الداني في التيسير ص ٦٠ أن الكسائي وقف عليها بالهاء، والباقين بالتاء اتّباعاً
لخط المصحف.
(٣) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في بغية الباحث (٦٧٩)، وابن سعد في
الطبقات الكبرى ٢٢٨/٣، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٥١ من طريق علي بن زيد بن جدعان
عن سعيد بن المسيب مرسلاً. وينظر العجاب في بيان الأسباب ٥٢٥/١ - ٥٢٦.
(٤) تفسير الثعلبي ١٢٢/١، وتفسير البغوي ١٨٢/١ عن ابن عباس، وأورده العيني في عمدة
القاري ١٠١/١٧ وعزاه لأبي يوسف في كتابه اللطائف.

الآية : ٢٠٨
٢١٣
سُؤَةُ الْبَوَة
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِى السِّلْمِ كَانَّةٌ﴾ أخرج غير واحد عن ابن
عباس ﴿يا أنها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابِه، وذلك أنهم حين آمنوا
بالنبيِّ ◌َّ﴾، وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام، فعظّموا السبت، وكرهوا
لُحمان الإبل وألبانَها بعد ما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا
نَقْوى على هذا وهذا. وقالوا للنبيِّ وَّهِ: إنَّ التوراة كتابُ الله تعالى، فدعنا فلنعمل
بها. فأنزل الله تعالى هذه الآية (١)، فالخطابُ لمؤمني أهل الكتاب.
و((السِّلم)) بمعنى الإسلام، و((كانَّة)) في الأصل صفةٌ مِن كفَّ بمعنى منع،
استُعمِل بمعنى الجملة بعلاقةِ أنها مانعةٌ للأجزاء عن التفرُّق، والتاءُ فيه للتأنيث، أو
للنقل من الوصفية إلى الاسمية كعامَّة وخاصَّة وقاطبة، أو للمبالغة، واختار الطَّيبي
الأولَ مدَّعياً أن القول بالأخيرين خروجٌ عن الأصل من غير ضرورة، والشمولُ
المستفاد منه شمولُ الكلِّ للأجزاء، لا الكلِّي لجزئياته ولا الأعم منهما. ولا يختص
بمن يعقل، ولا بكونه حالاً، ولا نكرةً، خلافاً لابن هشام(٢) وليس له في ذلك
ثَبت.
وهو هنا حال من الضمير في ((ادخلوا))، والمعنى: ادخلوا في الإسلام
بكلِّيتكم، ولا تَدَعُوا شيئاً من ظاهركم وباطنكم إلا والإسلامُ يستوعبه بحيث لا يبقى
مكانٌ لغيره من شريعة موسى عليه السلام.
وقيل: الخطاب للمنافقين، و ((السِّلم)) بمعنى الاستسلام والطاعة على ما هو
الأصل فيه، و((كانَّة)) حالٌ من الضمير أيضاً، أي: استسلموا لله تعالى وأطيعوه
جملة، واتركوا النفاق، وآمنوا ظاهراً وباطناً.
وقيل: الخطاب لكفار أهل الكتاب الذين زعموا الإيمان بشريعتهم، والمراد
من ((السِّلم)) جميعُ الشرائع بذكر الخاصِّ وإرادةِ العامِّ، بناءً على القول بأن الإسلام
شريعةُ نبينا وََّ، وحَمْل اللام على الاستغراق، و((كافة)) حالٌ من ((السِّلم))،
والمعنى: ادخلوا أيُّها المؤمنون بشريعةٍ واحدةٍ في الشرائع كلُّها، ولا تفرِّقوا بينها.
(١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٥٩، وفي إسناده عبد الغني بن سعيد، وهو واوٍ
كما ذكر الحافظ في العجاب ٥٣٠/١.
(٢) في المغني ص٧٣٣، وينظر حاشية الشهاب ٢٩٦/٢.

سُورَةُ الْبََّة
٢١٤
الآية : ٢٠٨
وقيل: الخطاب للمسلمين الخُلَّص، والمراد من ((السِّلم)) شُعَبُ الإسلام،
و((كافة)) حالٌ منه، والمعنى: ادخلوا أيُّها المسلمون المؤمنون بمحمد ◌ّله في شُعب
الإيمان كلِّها، ولا تُخِلُّوا بشيء من أحكامه.
وقال الزجَّاج في هذا الوجه: المراد من ((السِّلم)) الإسلام، والمقصود أمرُ
المؤمنين بالثبات عليه (١). وفيه أنَّ التعبير عن الثبات على الإسلام بالدخول فيه بعيدٌ
غاية البعد.
وهذا ما اختاره بعض المحققين من ستةَ عَشَرَ احتمالاً في الآية حاصلة من ضرب
احتمالي ((السِّلم)) في احتمالي ((كانَّة)) وضربٍ المجموع في احتمالات الخطاب،
ومَبْنَى ذلك على أمرين، أحدهما: أن ((كافة)) لإحاطة الأجزاء. والثاني: أنَّ مَحظّ
الفائدة في الكلام القيدُ كما هو المقرَّر عند البُلَغاء، ونصَّ عليه الشيخ في ((دلائل
الإعجاز))، وإذا اعتبرتَ احتمال الحالية من الضمير والظاهر معاً كما في قوله:
خرجتُ بها نمشي تجرُّ وراءنا على أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطِ مُرَجَّلٍ(٢)
بلغتِ الاحتمالات أربعةً وعشرين، ولا يخفى ما هو الأوفق منها بسبب
النزول.
وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي: ((السَّلم)) بفتح السين، والباقون بكسرها(٣)،
وهما لغتان مشهورتان فيه، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام(٤).
﴿وَلَا تَنَِّعُوا خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ﴾ بمخالفة ما أُمرتم به، أو بالتفرُّق في جملتكم،
أو بالتفريق في الشرائع(٥) أو الشُّعَب ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾﴾ ظاهرُ العداوة،
أو مظهرٌ لها، وهو تعليل للنهي والانتهاء.
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٧٩/١ - ٢٨٠.
(٢) البيت لامرئ القيس وهو في ديوانه ص١٤، وفيه: مرحل بالحاء، بدل: مرجل. وهي رواية
ثانية للبيت، والمِرط كساء من صوف أو خَزّ. والمُرَجَّل: أي: فيه صور الرجال.
والمُرَخَّل: هو بُرْد فيه تصاوير رَحْل. القاموس (مرط) و(رجل) و(رحل).
(٣) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٢٧/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.
(٤) الکشاف ص٣٥٣، وتفسير الرازي ٢٢٦/٥.
(٥) في (م): بالشرائع.

الآية : ٢٠٩، ٢١٠
٢١٥
سُورَةُ الْجَمَة
﴿فَإِن زَلَلْتُمْ﴾ أي: مِلتم عن الدخول في السِّلْم وتنَّيتم، وأصلُه السقوط
وأُريد به ما ذُكِر مجازاً ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَّهِنَتُ﴾ أي: الحُجَجُ الظاهرةُ الدالَّةُ
على أنه الحق، أو آياتُ الكتاب الناطقةُ بذلك، الموجبةُ للدخول ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره لا يُعجزه شيء من الانتقام منكم ﴿حَكِيمُ ﴾﴾ لا يترك
ما تقتضيه الحكمة من مؤاخذَةِ المجرمین.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ استفهام في معنى النفي، والضمير للموصول السابق إن أُريد به
المنافقون أو أهلُ الكتاب، أو إلى ((مَن يعجبك)) إن أُريد به مؤمنو أهل الكتاب أو
المسلمون.
﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بالمعنى اللائق به جلَّ شأنه، منزَّهاً عن مشابهة المُحْدَثات
والتقيُّدٍ بصفات الممكِنات. ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمع ظُلَّة كقُلَّة وقُلَل(١)، وهي ما أظلَّك،
وقُرِئ: ((ظِلال)) كقِلال(٢) ﴿مِّنَ الْغَمَاءِ﴾ أي: السحابِ، أو الأبيض منه.
﴿وَالْمَلَئِكَةُ﴾ يأْتُون، وقُرِئٍ: ((والملائكةِ) بالجرِّ عطفُ على (ظُلَل)) أو
((الغمام)(٣). والمراد: مع الملائكة؛ أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبيِّ وَلقول
قال: ((يجمع الله تعالى الأوَّلين والآخِرين لميقاتٍ يومٍ معلوم، قياماً شاخصةً
أبصارُهم إلى السماء، ينظرون فَصْلَ القضاء، ويَنزِل الله تعالى في ظُلَل من الغمام
من العرش إلى الكرسي)،(٤).
وأخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله بن عمرو(٥) في هذه الآية قال: يهبط حين
يهبط وبينه وبين خَلْقِهِ سبعون ألفَ حجاب، منها النورُ والظّلمة والماء، فيصوِّتُ
الماء في تلك العظمة صوتاً تنخلع له القلوب(٦).
(١) في (م): وكقلل.
(٢) القراءات الشاذة ص١٣، والمحتسب ١٢٢/١ عن قتادة.
(٣) قرأ بها أبو جعفر بن القعقاع كما في النشر ٢٢٧/٢.
(٤) قطعة من حديث طويل عن ابن مسعود أخرجه الطبراني في الكبير (٩٧٦٣)، والدارقطني في
الرؤية (١٦٣).
(٥) في الأصل و(م): عمر، وما أثبتناه هو الصواب، وهو الموافق للمصادر الآتية.
(٦) تفسير الطبري ١٧/ ٤٣٧، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٣٧٢/٢ (١٩٥٨)، وأبو الشيخ في العظمة
(٢٨٦)، ووقع عندهم: فيصوت الماء في تلك الظلمة، بدل: فيصوت الماء في تلك العظمة.

سُورَةُ الجَََ
٢١٦
الآية : ٢١٠
وعن ابن عباس : إن من الغمام ظُلَلاً يأتي الله تعالى فيها محفوفاتٍ
بالملائكة(١)
وقرأ أبيٍّ: ((إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ في ظُلَل))(٢).
ومن الناس مَن قدَّر في أمثال هذه المتشابهات محذوفاً، فقال في الآية:
الإسناد مجازيٌّ، والمراد: يأتيهم أمر الله تعالى وبأسُه. أو حقيقيٍّ والمفعول
محذوف، أي: يأتيهم الله تعالى ببأسه، وحُذِف المأتيُّ به للدِّلالة عليه بقوله
سبحانه: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فإنَّ العزة والحكمة تدل على الانتقام بحق، وهو
البأس والعذاب. وذكر الملائكة لأنهم الواسطة في إتيان أمره، أو الآتون على
الحقیقة، ویکون ذِكْرُ الله تعالی حينئذ تمهيداً لذكرهم كما في قوله سبحانه:
﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: ٩] على وجه. وخُصَّ الغمام بمحِلِّية العذاب؛
لأنه مظنة الرحمة، فإذا جاء منه العذاب كان أفظع؛ لأن الشرَّ إذا جاء من حيث
لا يُحتسب كان أصعب، فكيف إذا جاء من حيث يُحتسب الخير؟
ولا يخفى أنَّ مَن عَلِمَ أن الله تعالى أن يَظهر بما شاء وكيف شاء ومتى شاء،
وأنه في حال ظهوره باقٍ على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق، منزَّةٌ عن التقيُّد، مبرّاً
عن التعدُّد، كما ذهب إليه سَلَفُ الأمة وأربابُ القلوب من ساداتنا الصوفية قدَّس الله
تعالى أسرارهم، لم يَحَتَجْ إلى هذه التكلّفات(٣)، ولم يَحُم حول هذه التأويلات.
﴿وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ أي: أُتِمَّ أمرُ العباد وحسابُهم، فأُتيبَ الطائع وعُوقب العاصي،
أو: أُتِمَّ(٤) أمرُ إهلاكهم وفُرغ منه، وهو عطف على ((هل ينظرون))؛ لأنه خبرٌ
معنّى، ووُضِع الماضي موضعَ المستقبل لدنوٍ وتيقُّنِ وقوعِه.
وقرأ معاذ بن جبل: ((وقضاءُ الأمر))(٥) عطفاً على ((الملائكة)).
(١) أخرجه الطبري ٣/ ٦١٠ عن ابن عباس مرفوعاً.
(٢) تفسير الطبري ٣/ ٦٠٥، وذكرها الفراء في معاني القرآن ١٢٤/١ عن ابن مسعود
(٣) في (م): الكلفات.
(٤) في (م): وأتم، بدل: أو أتم.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٣ .

الآية : ٢١١
٢١٧
سُورَةُ الْبَرَة
﴿وَإِلَى الَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾﴾ تذييلٌ للتأكيد، كأنه قيل: وإلى الله تُرجع الأمور
التي من جملتها الحسابُ أو الإهلاك، وعلى قراءة معاذ عطفٌ على ((هل ينظرون))،
أي: لا ينظرون إلا الإتيانَ، وأمرُ ذلك إلى الله تعالى.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (تُرجَع)) على البناء للمفعول على أنه
من الرَّجْع(١). وقرأ الباقون على البناء للفاعل بالتأنيث - غير يعقوب - على أنه من
الرجوع (٢). وقُرِئ أيضاً بالتذكير وبناء المفعول(٣).
﴿وَسَلْ بَنِّ إِسْرَِّلَ﴾ أمرٌ للرسول ◌َ لل كما هو الأصل في الخطاب، أو لكلِّ
واحد ممن يصحُّ منه السؤال. والمرادُ بهذا السؤال تقريعُهم وتوبيخُهم على طغيانهم
وجحودِهم الحقَّ بعد وضوح الآيات، لا أن يجيبوا فيَعلم من جوابهم، كما إذا أراد
واحدٌ منَّا توبيخَ أحدٍ يقول لمن حضر: سَلْه كم أنعمتُ عليه.
ورَبْطُ الآية بما قبلها - على ما قيل -: أنَّ الضمير في ((هل ينظرون)) إن كان
لأهل الكتاب فهي كالدليل عليه، وإن كان لـ (مَنْ يُعجبك)) فهي بيانٌ لحال
المعاندين من أهل الكتاب بعد بيان حال المنافقين من أهل الشرك.
﴿كَمْ ءَاتَيْتَهُم مِّنْ ءَايَقِ بَيِّنَةٍ﴾ أي: علامةٍ ظاهرةٍ، وهي المعجزات الدالَّةُ على
صدق رسول الله وَليه، كما قال الحسن ومجاهد. وتخصيصُ إيتاء المعجزات بأهل
الكتاب مع عمومه للكلِّ؛ لأنهم أعلمُ من غيرهم بالمعجزات وكيفيةٍ دلالتها على
الصدق؛ لعلمهم بمعجزات الأنبياء السابقة.
وقد يُراد بالآية معناها المتعارَف وهو طائفةٌ من القرآن وغيره. و((بيِّنة)) مِن بان
المتعدِّي، فالسؤالُ على إيتاء الآيات المتضمِّنة لنعت الرسول وَه، وتحقيقٍ نبوَّته،
والتصديقٍ بما جاء به.
و ((كم) إمَّا خبريةٌ والمسؤولُ عنه محذوف، والجملة ابتدائيةٌ لا محلَّ لها من
(١) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٠٨/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.
(٢) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢٠٨/٢ وقراءة يعقوب المشهورة عنه هي أيضاً مثلهم على البناء
للفاعل والتأنيث، وكلام المصنف نقله من تفسير البيضاوي ٢٣٠/١.
(٣) القراءات الشاذة ص١٣.

سُورَةُ الْبَقَة
٢١٨
الآية : ٢١١
الإعراب، مبيِّنةٌ لاستحقاقهم التقريع، كأنه قيل: سَلْ بني إسرائيل عن طغيانهم
وجحودهم للحقِّ بعد وضوحه، فقد آتيناهم آياتٍ كثيرةً بيِّنةً، وزَعمُ لزوم انقطاع
الجملة على هذا التقدير وهمّ کما ترى.
وإمَّا استفهاميةٌ والجملة في موضع المفعول الثاني لـ ((سَلْ)). وقيل: في موضع
المصدر، أي: سَلْهم هذا السؤال. وقيل: في موضع الحال، أي: سَلْهم قائلاً:
كم آتيناهم. والاستفهامُ للتقرير، بمعنى حَمْلِ المخاطَب على الإقرار.
وقيل: بمعنى التحقيق والتثبيت. واعتُرِض بأن معنى التقريع: الاستنكارُ
والاستبعادُ، وهو لا يجامع التحقيق. وأجيب بأن التقريع إنما هو على جحودهم
الحَقَّ وإنكاره المجامع لإِيتاء الآيات لا على الإيتاء حتى يفارقه.
ومحلُّها النصبُ على أنها مفعولٌ ثانٍ لـ ((آتينا))، وليس من الاشتغال كما وُهِم،
أو الرفع بالابتداء على حذف العائد، والتقدير: آتيناهموها، أو: آتيناهم إياها،
وهو ضعيفٌ عند سيبويه.
و((آية)) تمييز، و((من)) صِلة أُتيَ بها للفصل بين كون (آية)) مفعولاً لـ ((آتينا))،
وكونها مميّزةً لـ ((كم))، ويجب الإتيان بها في مثل هذا الموضع، فقد قال الرضي:
وإذا كان الفصل بين ((كم)) الخبرية ومميِّزها بفعل متعدٍّ وجب الإتيان بمِن؛
لئلا يلتبس المميِّز بمفعول ذلك المتعدِّي، نحو: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ﴾ [الدخان: ٢٥]
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ [القصص: ٥٨] وحالُ ((كم)) الاستفهامية المجرورِ مميِّزُها
مع الفصل كحال ((كم) الخبرية في جميع ما ذكرنا، انتهى. وحُكِيَ عنه أنه أنكر
زيادة ((مِن)) في مميز الاستفهامية، وهو محمولٌ على الزيادة بلا فصل لا مطلقاً،
فلا تَنافي بین کلامَيْه.
﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ﴾ أي: آياتِهِ، فإنها سبب الهُدى الذي هو أجلُّ النِّعَم، وفيه
وضع المُظهَر موضع المضمَر بغير لفظه السابق لتعظيم الآيات. وتبديلُها: تحريفُها
وتأويلُها الزائغ، أو: جعلُها سبباً للضَّلالة وازديادِ الرِّجس، وعلى التقديرين
لا حذف في الآية.
وقال أبو حيان: حُذِف حرف الجر من ((نعمة))، والمفعولُ الثاني لـ ((یبدل))،

الآية : ٢١٢
:
٢١٩
سُورَةُ الْبَّقَة
والتقدير: ومَن يبدِّل بنعمة الله كفراً، ودلَّ على ذلك ترتيبُ جواب الشرط عليه(١)،
وفيه ما لا يخفى.
وقُّرِئ: ((ومَن يُبدِل)) بالتخفيف(٢).
﴿مِنَّ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ﴾ أي: وَصلَته وتمكَّن من معرفتها، وفائدةُ هذه الزيادة - وإن
كان تبديلُ الآيات مطلقاً مذموماً - التعريضُ بأنهم بدَّلوها بعدما عقَلوها، وفيه تقبيحٌ
عظيمٌ لهم ونعيّ على شناعة حالهم، واستدلالٌ على استحقاقهم العذاب الشديد،
حيث بدَّلوا بعد المعرفة، وبهذا يندفع ما يتراءى من أنَّ التبديل لا يكون إلا بعد
المجيء، فما الفائدةُ في ذكره؟
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْمِقَابِ (٦)﴾ تعليلٌ للجواب أُقيم مُقامه، والتقدير: ومَن يُبدِّل
نعمة الله عاقَبَه أشدَّ عقوبةٍ لأنه شديد العقاب، ويحتمل أن يكون هو الجواب بتقدير
الضمير، أي: شديدُ العقاب له. وإظهارُ الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال
الروعة.
﴿زُيْنَ لِلِّنَ كَفَرُوا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ أي: أُوجِدتْ حسنةً، وجُعلِت محبوبةً في
قلوبهم، فتهافتوا عليها تهافُتَ الفَرَاش على النار، وأَعرضوا عمَّا سواها، ولذا
أعرض أهل الكتاب عن الآيات وبدَّلوها، وفاعلُ التزيين بهذا المعنى حقيقةً هو الله
تعالى. وإن فُسِّر بالتحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كما في قوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ
لَهُمْ فِ اٌلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩] كان فاعلُ ذلك هو الشيطان، والآية محتمِلةٌ
للمعنيين، والتزيينُ حقيقةٌ فيهما على ما يقتضيه ظاهر كلام الراغب(٣).
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الموصول للعهد، والمراد به فقراءُ المؤمنين كصهيب
وبلال وعمار، أي: يستهزؤون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العُقْبى،
و(من)) للتعدية وتفيد معنى الابتداء، كأنهم جُعِلوا لفّقْرهم ورَثاثةٍ حالهم منشأً
للسُّخرية، وقد يُعدَّى السُّخر بالباء، إلا أنه لغةٌ رديئة.
(١) البحر المحيط ١٢٨/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٣.
(٣) في مفردات ألفاظ القرآن (زين).

سُورَةُ الْبَقَة
٢٢٠
الآية : ٢١٣
والعطفُ على ((زُيِّن)) وإيثارُ صيغة الاستقبال للدَّلالة على الاستمرار. وجُوِّز أن
تکون الواو للحال، و«یسخرون» خبرٌ لمحذوف، أي: وهم يسخرون.
والآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من رؤساء قريش، بُسِطت لهم الدنيا،
وكانوا يسخرون من فقراء المؤمنين ويقولون: لو كان محمد وَ ل﴿ نبيًّا لاتَّبعه أشرافنا.
ورُوي ذلك عن ابن عباس
وقيل: نزلت في ابن أبيٍّ بن سلول. وقيل: في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير
وقيتُقاع، سَخِروا من فقراء المهاجرين. وعن عطاء: لا مانع من نزولها في جميعهم.
﴿وَالَّذِينَ أَنَّقَوْا﴾ هم الذين آمنوا بعينهم، وآثرَ التعبير به مدحاً لهم بالتقوى،
وإشعاراً بعلة الحكم، ويجوز أن يراد العموم ويدخل هؤلاء فيهم دخولاً أوليًّا.
﴿فَوْقَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةُ﴾ مكاناً؛ لأنهم في عِلِِّين، وأولئك في أسفل السافلين، أو
مكانةً؛ لأنهم في أوج الكرامة، وهم في حضيض الذَّل والمهانة، أو لأنهم
يتطاولون عليهم في الآخرة، فيسخرون منهم كما سخِروا منهم في الدنيا. والجملة
معطوفةٌ على ما قبلها، وإيثارُ الاسمية للدلالة على دوام مضمونها، وفي ذلك من
تسلية المؤمنين ما لا يخفى.
﴿وَلَّهُ يَزْزُقُ﴾ في الآخرة ﴿مَنْ يَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١)﴾ أي: بلا نهايةٍ لِمَا يعطيه.
وقال ابن عباس ﴾: هذا الرزق في الدنيا. وفيه إشارة إلى تملُّك المؤمنين
المستهزئ بهم أموال بني قريظة والنضير. ويجوز أن يراد في الدارين، فيكونُ
تذییلاً لكِلا الحكمين.
﴿كَنَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ منَّفقين على التوحيد، مقرِّين بالعبودية حين أخذ الله
تعالى عليهم العهد، وهو المرويُّ عن أُبيِّ بن كعب.
أو بين آدمَ وإدريسَ عليهما السلام بناءً على ما في ((روضة الأحباب(١)»: أن
الناس في زمان آدمَ كانوا موحّدین متمسِّکین بدينه بحيث يصافحون الملائكة -
إلا قليلاً من قابيل ومُتَابِعِيه - إلى زمن رَفْعٍ إدريس.
(١) روضة الأحباب في سير النبي والآل والأصحاب لجمال الدين الشيرازي النيسابوري. كشف
الظنون ١/ ٩٢٢.