النص المفهرس
صفحات 181-200
الآية : ١٩٦ ١٨١ سُورَةُ الْبَقَة وقال الشافعي: المراد وقتُ أداء الحجّ، وهو أيام الاشتغال به بعد الإحرام وقبل التحلّل، ولا يجوز الصوم عنده قبل إحرام الحج، والأحبُّ أن يصوم سابع ذي الحجة وثامنَه وتاسعَه؛ لأنه غاية ما يمكن في التأخير؛ لاحتمال القدرة على الأصل وهو الهدي، ولا يجوز يوم النحر وأيام التشريق؛ لكون الصوم منهيًّا فيها. وجَوَّز بعضُهم صوم الثلاثة الأخيرة احتجاجاً بما أخرجه ابن جرير والدار قطنيُّ والبيهقيُّ عن ابن عمر قال: رخّص النبيُّ وَّه للمتمتع إذا لم يجد الهَذْي ولم يصم حتى فاته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق مكانها(١). وأخرج مالك عن الزهري قال: بعث رسول الله ﴿ عبد الله بنَ حذافةً فنادى في أيام التشريق فقال: إنَّ هذه أيامُ أكل وشرب وذِكر الله تعالى، إلا مَن كان عليه صومٌ من ◌َذي(٢). وأخرج الدارقطني مثله من طريق سعيد بن المسيّب(٣). وأخرج البخاريُ(٤) وجماعة عن عائشة ﴿ّا قالت: لم يرخِّص وَّ في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمتمتع لم يجد هدياً . وبذلك أخذ الإمام مالك، ولعلَّ ساداتنا الحنفيةَ عوَّلوا على أحاديث النهي وقالوا: إذا فاته الصوم حتى أتى يومُ النحر لم يُجْزه إلا الدمُ، ولا يقضيه بعد أيام التشريق كما ذهب إليه الشافعية؛ لأنه بَدَلّ والأبدالُ لا تُنْصَب إلا شرعاً، والنصُّ خصَّه بوقت الحج، وجوازُ الدم على الأصل، وعن عمر رظُبه أنه أمر في مثله بذبح الشاة. ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي: فرغتم ونفرتم من أعماله، فذُكِرِ الرجوعُ وأُرِيد سيبه، أو المعنى: إذا رجعتم من منى. وقال الشافعي رَظ ◌ُه ـ على ما هو الأصحّ عند معظم أصحابه -: إذا رجعتم إلى أهليكم، ويؤيِّده ما أخرجه البخاري عن ابن عباس . (١) تفسير الطبري ٤٢٧/٣، وسنن الدارقطني (٢٢٨٣)، وسنن البيهقي ٢٥/٥. وأصله في صحيح البخاري (١٩٩٧، ١٩٩٨) من حديث عائشة وابن عمر ﴿، وسيأتي حديث عائشة. (٢) الموطأ ٣٧٦/١ وهو مرسل. (٣) سنن الدارقطني (٢٢٨٩) من طريق سعيد بن المسيب عن عبد الله بن حذافة السهمي ـ (٤) برقم (١٩٩٧). سُورَةُ الْبَحَة ١٨٢ الآية : ١٩٦ ((إذا رجعتم إلى أمصاركم))(١) وأنَّ لفظ الرجوع أظهرُ في هذا المعنى. وحكمُ ناوي الإقامة بمكة توظّناً حكمُ الراجع إلى وطنه؛ لأن الشرع أقام موضعَ الإقامة مُقَامَ الوطن. وفي ((البحر)): المراد بالرجوع إلى الأهل: الشروعُ فيه عند بعض، والفراغُ بالوصول إليهم عند آخرين، وفي الكلام التفاتٌ، وحملٌ على معنى [مَنْ] بعد الحمل على لفظه في إفراده وغيبته(٢). وقُرِئ: ((سبعةً)) بالنصب(٣) عطفاً على محل ((ثلاثة أيام))؛ لأنه مفعولٌ اتِّساعاً، ومَن لم يُجوِّزه قدَّر: وصوموا، وعليه أبو حيان(٤). ﴿يَّكَ عَشَرَةٌ كَامِلَّةٌ﴾ الإشارة إلى الثلاثة والسبعة، ومميِّز العدد محذوفٌ، أي: أيام، وإثباتُ التاء في العدد مع حذف المميِّز أحسنُ الاستعمالين. وفائدةُ الفذلكة: أن لا يُتوقَّم أنَّ الواو بمعنى أو التخييرية، وقد نصَّ السيرافيُّ في شرح الكتاب على مجيئها لذلك، وليس تقدُّمُ الأمر الصريح شرطاً فيه، بل الخبر الذي هو بمعنى الأمر كذلك. وأن يندفع التوهُّم البعيد الذي أشرنا إليه في مقدمة إعجاز القرآن. وأن يُعلم العدد جملةً كما ◌ُلِم تفصيلاً، فيُحاط به من وجهين فيتأكد العلم، ومن أمثالهم: ((عِلْمان خيرٌ من عِلْمٍ)) (٥)، لاسيَّما وأكثرُ العرب لا يحسن الحساب، فاللائقُ بالخطاب العاميِّ - الذي يفهم به الخاصُّ والعامُّ الذين هم من أهل الطبع، لا أهل الارتياض بالعلم - أن يكون بتكرار الكلام وزيادة (١) علقه البخاري (١٥٧٢) مطولاً ووصله الإسماعيلي كما في فتح الباري ٤٣٤/٣، ووصله أيضاً ابن حجر في تغليق التعليق ٣/ ٦٢ - ٦٣ من طريقه. (٢) ينظر البحر ٧٩/٢، والنهر المادُّ من البحر لأبي حيان أيضاً على هامش البحر، وما بين حاصرتین منهما، وقال أبو حيان: أما الالتفات فإن قوله ((فمن تمتع)) و(فمن لم يجد)) اسمُ غائبٍ، ولذلك استتر في الفعلين ضمير الغائب، فلو جاء على هذا النظم لكان الكلام: إذا رجع. وأما الحمل على المعنى فإنه أتى بضمير الجمع، ولو راعى اللفظ لأَفْرَد. (٣) الكشاف ٣٤٥/١ والبحر المحيط ٧٩/٢. (٤) في البحر المحيط ٧٩/٢. (٥) مجمع الأمثال ٢٣/٢، والمستقصى ١٦٧/٢. يضرب هذا المثل في الأمر بالبحث والمشاورة. الآية : ١٩٦ ١٨٣ سُورَةُ الْبَدَ الإفهام، والإيذان بأن المراد بالسبعة العددُ دون الكثرة، فإنها تستعمل بهذين المعنيين. فإن قلت: ما الحكمةُ في كونها كذلك حتى يُحتاج إلى تفريقها المستدعي لِمَا ذُكِرِ؟ أُجِيب بأنها لَمَّا كانت بدلاً عن ((الهدي)) والبدلُ يكون في محلِّ المبدل منه غالباً، جعل الثلاثة بدلاً عنه في زمن الحج، وزيد عليها السبعةُ علاوةً لتُعادله من غير نقص في الثواب؛ لأن الفدية مبنيةٌ على التيسير، ولم يجعل السبعة فيه لمشقة الصوم في الحج. وللإشارة إلى هذا التعادُل، وصفت العشرة بأنها كاملة؛ فكأنه قيل: تلك عشرة كاملة في وقوعها بدلاً من ((الهدي)). وقيل: إنها صفةٌ مؤكِّدةٌ تفيد زيادة التوصية بصيامها، وأن لا يُتهاون بها ولا يُنقص من عددها، كأنه قيل: تلك عشرة كاملة فراعُوا كمالها ولا تنقصوها. وقيل: إنها صفةٌ مبيِّنةٌ كمالَ العشرة، فإنها عددٌ كَمُل فيه خواصُّ الأعداد، فإنَّ الواحد مبتدأُ العدد، والاثنين أولُ العدد، والثلاثة أولُ عددٍ فَرْدٍ، والأربعة أولُ عددٍ مجذورٍ، والخمسة أولُ عددٍ دائرٍ، والستة أولُ عددٍ تامٌّ، والسبعة عددٌ أول، والثمانية أول عددٍ زوجٍ الزوج، والتسعة أولُ عددٍ مثلثٍ، والعشرة نفسها ينتهي إليها العدد، فإنَّ كلَّ عددٍ بعدها مركّبٌ منها ومما قبلها. قاله بعض المحققين فافهمه(١). (١) جاء في حاشية الأصل في شرح هذه العبارات ما نصّه: قوله: الواحد مبدأ العدد، يريد أنه علّة الأعداد ومقدَّمها، وليس من العدد. وقوله: والاثنان أول العدد، إشارة إلى ما هو المعروف عندهم من أن العدد هو نصف مجموع حاشیتیه، والواحد ليس كذلك فلا يكون من العدد بل هو مبدؤه، وأوله الاثنان لصدق التعريف عليه. وعند فيثاغورث أول العدد الثلاثة، والاثنان ليس بأول؛ لأن الأول أشرف، وهو زوج، والفرد أشرف من الفرد (كذا، ولعل الصواب: من الزوج). وقوله: والثلاثة أول عدد فرد، مبنيٌّ على أن أول العدد هو الزوج، فتكون الثلاثة أول عدد فرد. وقوله: أول عدد مجذور، مبني على ذلك أيضاً، فإذا ضرب الاثنان في نفسه كان أربعة، وهو المجذور، والعدد المضروب في نفسه هو الجذر. قوله: والخمسة أول عدد دائر، أي: إنها تحفظ نفسها وما تولد منها، وتدور بشكلها في جميع أطوار الجذر، فإنك إذا ضربت الخمسة في نفسها يكون الحاصل (٢٥) وإذا ضرب هذا العدد في نفسه يكون الحاصل (٦٢٥)، وإذا ضربت هذا في نفسه يكون الحاصل = سُورَةُ الْبَّفَقَة ١٨٤ الآية : ١٩٦ وذكر الإمام(١) لهذه الفذلكة مع الوصف عشَرةً أوجه، لكنها عشَرةٌ غيرُ كاملة، ولولا مزيدُ التطويل، لذكرتها بما لها وعليها. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى التمتّع المفهوم من قوله سبحانه: ((فمَن تمتَّع)) عند أبي حنيفة ظُه، إذ لا مُتعةً ولا قرانَ لحاضري المسجد؛ لأن شَرْعهما للترقُّه بإسقاط أحد السفرتين، وهذا في حقِّ الآفاقي لا في حقِّ أهل مَّةَ ومَن في حکمهم. وقال الشافعي رَظُه: إنها إشارةٌ إلى الأقرب وهو الحكم المذكور، أعني لزومَ الهدي أو بدلَه على المتمتع، وإنما يلزم ذلك إذا كان المتمتِّع آفاقياً؛ لأن الواجب أن يُحرِم عن الحج من الميقات، فلمَّا أَحرم من الميقات عن العمرة، ثم أحرم عن الحج لا من الميقات، فقد حصَل هناك الخلل، فَجُعِل مجبوراً بالدَّم، والمكيُّ لا يجب إحرامه من الميقات، فإقدامُه على التمتُّع لا يوقع خللاً في حَجِّه، فلا يجب عليه الهدي ولا بدلُه. ويردُّه أنه لو كانت الإشارة للهدي والصوم، لأتى بـ ((على)) دون اللام في قوله سبحانه: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِىِ الْمَسْجِدِ الْحَرَّارِ﴾ لأنَّ الهديَ وبدلَه واجبٌ على المتمتع، والواجبُ يستعمل بـ ((على)) لا باللام، وكون اللام واقعةً موقع ((على)) كما قيل به في ((اشترطي لهم الولاء))(٢) خلافُ الظاهر. والمراد بالموصول: مَن كان من الحرم على مسافة القصر عند الشافعي ه، (٣٩٠٦٢٥)، وهكذا في جميع مراتبه تدور الخمسة فلذا سميت دائراً، ويوجد في بعض نسخ مولانا عبد الحكيم (هو السيالكوتي) حاشية البيضاوي: وتر بدل دائر، ولعله غلط من الناسخ. وقوله: والستة أول عدد تام، وهو ما إذا أخذ أجزاؤه، لم تزد عليه ولم تنقص، وهي هنا النصف والثلث والسدس ... إلخ. وما تبقى منها غير واضح. وقوله: نصف مجموع حاشيته، يعني بهما حاشيتيه القريبتين أو البعيدتين، كالأربعة مثلاً؛ فإن حاشيتيها القريبتين ثلاثة وخمسة ومجموعهما ثمانية، والأربعة نصفها، وحاشيتاها البعيدتان اثنان وستة أو واحد وسبعة، والأربعة نصف مجموعهما، وكالاثنين يساوي نصف مجموع الواحد والثلاثة، وبه علم أن الواحد لا يسمى عدداً عند الحساب. حاشية ابن عابدين ٦/ ٨٠٨. (١) هو الرازي في تفسيره ١٧٠/٥ - ١٧٣. (٢) هو قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٠٤): (٨) عن عائشة ؤنا. الآية : ١٩٧ ١٨٥ سُورَةُ الْبَعَة ومَن كان مسكنُه وراء الميقات عند أبي حنيفة رَُّه، وأهلُ الحلِّ عند طاوس، وغيرُ أهل مگّةً عند مالك والحاضرُ على الوجه الأول ضدُّ المسافر، وعلى الوجوه الأُخَر بمعنى الشاهد الغير الغائب، والمراد من حضور الأهل حضورُ المَخْرَم، وعبَّر به لأن الغالب على الرجل - كما قيل - أن يسكن حيث أهلُه ساكنون. وللمسجد الحرام إطلاقان: أحدهما نفسُ المسجد، والثاني: الحرم كلُّه، ومنه قوله سبحانه: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] بناءً على أنه وَل﴿ إنما أُسريّ به من الحرم لا من المسجد، وعلى إرادة المعنى الأخير في الآية هنا أكثرُ أئمة الدين. ﴿وَنَُّواْ اللّهُ﴾ في كلِّ ما يأمركم به وينهاكم عنه، كما يُستفاد من ترك المفعول، ويدخلُ فيه الحجُّ دخولاً أوليًّا، وبه يَتِمُّ الانتظام. ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ ﴾﴾ لمن لم يتَّقه، أي: استحضِروا ذلك لتمتنعوا عن العصيان. وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الرَّوعة. وإضافةُ ((شديد)) من إضافة الصفة المشبّهة إلى مرفوعها . ﴿أَلْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ أي: وقتُه ذلك، وبه يصحُّ الحمل. وقيل: ذو أشهر، أو: حَجُّ أشهرٍ. وقيل: لا تقدير، ويُجعل الحجّ الذي هو فعلٌ من الأفعال عينَ الزمان مبالغة. ولا يخفى أن المقصد بيانُ وقت الحجِّ كما يدلُّ عليه ما بعدُ، فالتنصيصُ علیه أولى. ومعنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَّعْلُومَتٌ﴾: معروفاتٌ عند الناس، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجّة عندنا، وهو المرويُّ عن ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وابن عمر والحسن ته. وأَيِّد بأنَّ يوم النحر وقتٌّ لركنٍ من أركان الحج، وهو طواف الزيارة، وبأنه فُسِّر يومُ الحجّ الأكبر بيوم النحر. وعند مالك: الشهران الأوَّلان وذو الحِجَّة كلُّه، عملاً بظاهر لفظ الأشهر، ولأنَّ أيام النحر يُفعل فيها بعضُ أعمال الحج: من طواف الزيارة، والحَلْق، ورمي الجمار. سُورَةُ الْبَقَة ١٨٦ الآية : ١٩٧ والمرأةُ إذا حاضت تُؤَخِّر الطواف الذي لا بُدَّ منه إلى انقضاء أيامه بعد العشرة، ولأنه يجوز - كما قيل - تأخيرُ طواف الزيارة إلى آخر الشهر على ما رُويَ عن عروةً بنِ الزبير؛ ولأن ظواهر الأخبار ناطقةٌ بذلك، فقد أخرج الطبرانيُّ والخطيب وغيرُهما بطرق مختلفة أنَّ رسول اللهِ ﴿ عدَّ الثلاثةَ أشهر الحج(١). وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عمر عه مثلَ ذلك(٢). وعند الشافعي له: الشهران الأولان وتسعُ ذي الحجَّة بليلة النحر؛ لأنَّ الحجَّ يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر، والعبادة لا تكون فائتةً مع بقاء وقتها. قاله الرازي(٣). وفيه أنَّ فَوْتَه بفَوْتِ ركنه الأعظم - وهو الوقوف - لا بفوت وقته مطلقاً. ومدارُ الخلاف أنَّ المراد بوقته: وقتُ مناسكه وأعماله من غير كراهة، وما لا يَحْسُن فيه غيره من المناسك مطلقاً، أو وقتُ إحرامه. والشافعيُّ رَُّ على الأخير، والإحرام لا يصحُّ بعد طلوع فجر يوم النحر لعدم إمكان الأداء، وإن جاز أداء بعض أعمال الحج في أيام النحر. ومالك على الثاني فإنه - على ما قيل - كره الاعتمار في بقية ذي الحِجَّة، لِمَا رُويَ أنَّ عمر ◌َله كان يخوِّف الناس بالدرَّة وينهاهم عن ذلك فيهنَّ، وأنَّ ابنه ◌ُه قال الرجل: إن أطعتني انتظرتَ حتى إذا أهلَّ المُحَرَّم خرجتَ إلى ذات عِرْق، فأهللتَ منها بعمرة (٤). والإمام أبو حنيفة ظُّه على الأوَّل؛ لكون العاشر وقتاً لأداء الرمي والحلقِ وغيرهما، وغيرُها من بقية أيام النحر - وإن كان وقتاً لذلك أيضاً - إلَّا أنه خُصِّص بالعشر اقتضاءً لِما رُوي في الآثار مِن ذِكر العشر، ولعلَّ وَجْهَه أنَّ المراد الوقتُ (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٦٠٧)، من حديث أبي أمامة حظه. والخطيب البغدادي في تاريخه ٦٣/٥ من حديث ابن عباس # كلاهما بلفظ: قال رسول الله مصر في قوله عز وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَتَ﴾: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. (٢) سنن سعيد بن منصور (٣٣٤ - تفسير). (٣) في تفسيره ١٧٦/٥ . (٤) أخرجه الطبري ٣/ ٤٥٠ . الآية : ١٩٧ ١٨٧ سُؤَدَّةُ الْبََّة الذي يتمكّن فيه المكلَّف من الفراغ عن مناسكه بحيث يَحلُّ له كلُّ شيءٍ، وهو اليوم العاشر، وما سواه من بقية أيام النحر فللتَّيسير في أداء الطواف، ولتكميل الرمي. والأشهُر مستعملٌ في حقيقته إلا أنه تجوِّز في بعض أفراده، فإنَّ أقلَّ الجمع ثلاثةُ أفراد عند الجمهور، فَجُعِل بعضٌ مِن فردٍ فرداً ثم مُجُمِع. وقيل: إنه مجازٌ فيما فوق الواحد بعلاقة الاجتماع، وليس من الجمع حقيقةً، بناءً على المذهب المرجوح فيه؛ لأنه إنما يصحُّ إطلاقه على اثنين فقط، أو ثلاثة، لا على اثنين وبعضٍ ثالث. والقول بأن المراد به اثنان والثالثُ في حكم العدم، في حكم العدم. وقيل: المراد ثلاثة، ولا تجوُّز في بعض الأفراد؛ لأن أسماء الظروف تطلق على بعضها حقيقة لأنها على معنى ((في))، فيقال: رأيته في سنة كذا، أو شهر كذا، أو يوم كذا، وأنت قد رأيته في ساعة من ذلك، ولعله قريبٌ إلى الحق. وصيغةُ جمع المذكّر في غير العقلاء تجيء بالألف والتاء. ﴿فَمَن فَضَ﴾ أي: ألزم نفسه ﴿فِيهِنَ الَّْ﴾ بالإحرام، ويصير مُخْرِماً بمجرَّد النية عند الشافعي؛ لكون الإحرام التزامُ الكفّ عن المحظورات، فيصير شارعاً فيه بمجردها كالصوم، وعندنا لا، بل لا بد من مقارنة التلبية؛ لأنَّه عقدٌ على الأداء فلا بد من ذِكْرٍ، کما في تحریمة الصلاة، ولَمَّا کان باب الحجِّ أوسعَ من باب الصلاة، كفى ذِكْرٌ يُقصد به التعظيم سوى التلبية، فارسيًّا كان أو عربيًّا، وفعلٌ كذلك من سوق الهدي أَو تقليده. واستُدِلَّ بالآية على أنه لا يجوز الإحرام بالحجِّ إلا في تلك الأشهر، كما قاله ابن عباس ﴿يا وعطاء وغيرُهما؛ إذ لو جاز في غيرها - كما ذهب إليه الحنفية - لَمَا كان لقوله سبحانه: ((فیھنَّ)» فائدةٌ. وأُجيب بأنَّ فائدة ذِكْر ((فيهنَّ)) كونُها وقتاً لأعماله من غير كراهة(١)، فلا يستفاد منه عدمُ جواز الإحرام قبله، فلو قدَّم الإحرام انعقد حجًّا مع الكراهة. (١) في (م): كراهية، وهما سواء في المعنى. سُورَةُ الْبَقَة ١٨٨ الآية : ١٩٧ وعند الشافعي رَؤُه يصير مُخْرِماً بالعمرة. ومدارُ الخلاف أنه ركنٌ عنده وشرطُ عندنا فأشبه الطهارةَ في جواز التقديم على الوقت، والكراهةُ جاءت للشبهة، فعن جابر عن النبيِّ بَّرِ: ((لا ينبغي لأحد أن يُحرِمِ بالحجِّ إلا في أشهر الحج))(١). ﴿فَلَ رَفَثَ﴾ أي: لا جماع، أو: لا نُحش من الكلام. ﴿وَلَا شُوقَ﴾ ولا خروج عن حدود الشرع بارتكاب المحظورات، وقيل: بالسِّباب والتنابُزِ بالألقاب. ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ ولا خصام مع الخدم والرُّفقة ﴿فِيِ لَلَّ﴾ أي: في أيامه، والإظهارُ في مقام الإضمار لإظهار كمال الاعتناء بشأنه، والإشعارِ بعلَّة الحكم، فإنَّ زيارة البيت المعظم والتقرُّبَ بها إلى الله تعالى من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنّسة لمن قصد السير والسلوك إلى ملك الملوك. وإيثارُ النفي للمبالغة في النهي والدِّلالةِ على أنها حقيقةٌ بأن لا تكون، فإنَّ ما كان منكراً مستقبحاً في نفسه، منهيًّا عنه مطلقاً، فهو للمُخرِم بأشرف العبادات وأشقّها أنكرُ وأقبح، كلُبس الحرير في الصلاة، وتحسين الصوت بحيث تخرج الحروف عن هيآتها في القرآن. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأوّلين بالرفع حملاً لهما على معنى النهي، أي: لا يكوننَّ رفث ولا فسوقٌ، والثالثَ بالفتح(٢) على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف في الحج، وذلك أنَّ قريشاً كانت تقف بالمشعر الحرام، وسائرُ العرب يقفون بعرفة، وبعد ما أُمِر الكلُّ بالوقوف في عرفة ارتفع الخلاف فأخبر به. وقُرئ بالرفع فيهنّ(٣)، ووجهه لا يخفى. ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بتأويل الأمر معطوفٌ على ((فلا رفث))، أي: لا ترفُثوا وافعلوا الخيرات، وفيه التفاتٌ وحثٌّ على الخير عقيب النهي عن الشَّرِّ ليُستبدل به، ولهذا خُصَّ متعلِّقُ العلم مع أنه تعالى عالم بجميع ما يفعلونه من (١) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور ٢١٨/١، وتفسير ابن كثير عند هذه الآية. وأخرجه الشافعي في الأم ١٣٢/٢ عن جابر موقوفاً، قال ابن كثير: وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع . (٢) التيسير ص ٨٠، والنشر ٢١١/٢، وهي قراءة يعقوب من العشرة. (٣) هي قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني، كما في النشر ٢١١/٢. الآية : ١٩٨ ١٨٩ سُورَةُ الْبَيْنَة خير أو شر. والمراد من العلم إمّا ظاهرُه، فيقدَّر بعد الفعل: فيثيبُ عليه، وإمَّا المجازاةُ مجازاً. ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَ﴾ أخرج البخاريُّ وأبو داود والنسائيُّ وابن المنذر وابن حِبَّان والبيهقيُّ عن ابن عباس ﴿ قال: كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزوَّدون ويقولون: نحن متوكِّلون، ثم يَقدَمون فيسألون الناس، فنزلت(١). فالتزوُّدُ بمعناه الحقيقي، وهو اتخاذ الطعام للسفر، و ((التقوى)) بالمعنى اللُّغوي، وهو الاتِّقاء من السؤال. وقيل: معنى الآية: انَّخذُوا التقوى زادكم لمعادكم، فإنها خيرُ زاد، فمفعول (تزوَّدوا)) محذوفٌ بقرينةٍ خبرٍ ((إنَّ)، وهو التقوى بالمعنى الشرعي. وكان مقتضى الظاهر أن يُحمل ((خير الزاد)» على ((التقوى))، فإنَّ المسند إليه والمسندَ إذا كانا معرفتين، يجعل ما هو مطلوب الإثبات مسنداً، والمطلوبُ هنا إثباتُ ((خير الزاد)) للتقوى؛ لكونه دليلاً على تزوُّدها، إلا أنه أخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر للمبالغة؛ لأنه حينئذ يكون المعنى: إنَّ الشيء الذي بلغكم أنه خيرُ الزاد، وأنتم تطلبون نعتَه هو التقوى، فيفيد اتحاد ((خير الزاد)» بها. ﴿وَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾ أي: أَخْلِصوا لي التقوى، فإن مقتضى العقل الخالص عن الشوائب ذلك، وليس فيه على هذا شائبةٌ تكرار مع سابقه؛ لأنه حقٌّ على الإخلاص بعد الحثِّ على التقوى. ﴿أَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ﴾ أي: حرجٌ في ﴿أَن تَبْتَغُوا﴾ أي: تطلبوا ﴿فَضْلًا مِنْ زَّيِّكُمْ﴾ أي: رزقاً منه تعالى بالرِّبح بالتجارة في مواسم الحج، أخرج البخاريُّ(٢) وغيره عن ابن عباس ﴿ها قال: كانت عكاظٌ ومَجَنَّهُ وذُو المجازِ أسواقاً في الجاهلية، فتأثَّموا أن يتَّجِروا في الموسم، فسألوا رسول الله وَّه عن ذلك، فنزلت. (١) صحيح البخاري (١٥٢٣)، وسنن أبي داود (١٧٣٠)، وسنن النسائي الكبرى (٨٧٣٩)، وصحيح ابن حبان (٢٦٩١)، والسنن الكبرى للبيهقي ٣٣٢/٤. (٢) برقم (٢٠٥٠). سُورَةُ الجَمَة ١٩٠ الآية : ١٩٨ واستُدلَّ بها على إباحة التجارة والإجارة وسائر أنواع المكاسب في الحج، وأنَّ ذلك لا يُحبِط أجراً ولا يُنقِص ثواباً. ووجه الارتباط أنه تعالى لَمَّا نهى عن الجدال في الحجِّ كان مَظنَّةٌ للنهي عن التجارَة فيه أيضاً؛ لكونها مُفضيةً في الأغلب إلى النزاع في قلَّة القيمة وكثرتها، فعقَّب ذلك بذكر حكمها . وذهب أبو مسلم إلى المنع عنها في الحجِّ، وحملَ الآية على ما بعد الحج، وقال: المراد: واتقونِ في كلِّ أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناحٌ إلخ؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الضَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُوا فِ اَلْأَرْضِ وَأَبْثَغُوا مِن [الجمعة: ١٠]. فَضْلِ اَللَّهِ﴾ وزُيِّف (١): بأنَّ حمل الآية على محلِّ الشبهة أولى من حملها على ما لا شبهة فيه، ومحلُّ الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ فنفيُ الجُناح معلومٌ. وقياسُ الحج على الصلاة فاسدٌ، فإنَّ الصلاة أعمالُها متصلةٌ، فلا يَحِلُّ في أثنائها التشاغلُ بغيرها، وأعمالُ الحج متفرِّقةٌ تحتمل التجارة في أثنائها . وأيضاً الآثارُ لا تساعد ما قاله، فقد سمعتَ ما أخرجه البخاري، وقد أخرج أحمد(٢) وغيره عن أبي أمامةً التيميِّ قال: سألت ابن عمر فقلت: إنَّا قومٌ نُكْرِي في هذا الوجه، وإنَّ قوماً يزعمون أنه لا حجَّ لنا، قال: ألستم تلبُّون، ألستم تطوفون بين الصفا والمروة، ألستم ألستم؟؟ قلت: بلى. قال: إنَّ رجلاً سأل النبيَّ ◌ِلمول عما سألتَ عنه، فلم يَدْرِ ما يَرُدُّ عليه حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ﴾ الآية، فدعاه فتلا عليه حين نزلت وقال: ((أنتم الحُجَّاج)). وكان ابن عباس ﴿ يقرأ - فيما أخرجه البخاريُّ وعبد بن حميد وابن جرير وغيرهم عنه -: ((ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربّكم في مواسم الحج))(٣)، وكذلك رُوي عن ابن مسعود. (١) ما سيأتي من ردود على كلام أبي مسلم ذكر أكثرها الرازي في تفسيره ١٨٨/٥. (٢) برقم (٦٤٣٤). (٣) صحيح البخاري (٢٠٥٠)، وتفسير الطبري ٣/ ٥٠٤. الآية : ١٩٨ ١٩١ سُورَةُ الْجَمَة وأيضاً الفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ﴾ ظاهرةٌ في أنَّ هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل، وذلك مؤذِنٌ بأن المراد وقوعُ التجارة في زمان الحج. نعم قال بعضهم: إذا كان الداعي للخروج إلى الحجِّ هو التجارة، أو كانت جزءً العلَّة أضرَّ ذلك بالحجّ؛ لأنه ینافي الإخلاص لله تعالی به، وليس ببعيد. و((أفضتم)) من الإفاضة، من فاض الماء: إذا سال منصبًّا، وأفضته: أسَلْتُه، والهمزة فيه للتعدية، ومفعولُه مما التُزِمِ حذفه للعلم به، وأصل أفضتم: أَقْيَضْتُم فُتُقِلت حركةُ الياء إلى الفاء قبلها، فتحركت الياء في الأصل، وانفتحَ ما قبلها الآن، فقلبت ألفاً ثم حذفت. والمعنى هنا: فإذا دفعتُم أنفسكم بكثرةٍ من عرفات، و ((مِنْ)) لابتداء الغاية. و((عرفات)): موضعٌ بمنى، وهي اسم في لفظ الجمعِ فلا تُجمع، قال الفراء: ولا واحد له بصحة، وقولُ الناس: نزلنا عرفة، شبيهٌ بمولَّدٍ وليس بعربيّ مَخْضٍ (١). واعتُرِض عليه بخبر: ((الحجّ عرفة))(٢) . وأُجيب بأن ((عرفة)) فيه اسمٌ لليوم التاسع من ذي الحجّة كما صرَّح به الراغب والبغويُّ والكرماني(٣)، والذي أنكره باستعمالِهِ في المكان، فالاعتراض ناشئٌ من عدم فهم المراد، ومن هنا قيل: إنه جمع عرفة، وعليه صاحب ((شمس العلوم))(٤)، والتعدُّدُ حينئذ باعتبار تسمية كلِّ جزء من ذلك المكان عرفة، كقولهم: جَبَّ مذاكيره، فلا يَرِدُ ما قاله العلامة: من أنه لو سُلِّم كونُ عرفةَ عربيًّا محضاً، فعرفةُ وعرفات مدلولُهما واحد، وليس ثمة أماكنُ متعددةٌ كلٌّ منها عرفة لتُجمع على عرفات. (١) نقل قول الفراء الجوهري في الصحاح (عرف). (٢) هو قطعة من حديث عبد الرحمن بن يَعْمُر ﴿ه أخرجه أحمد (١٨٧٧٣)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي ٢٥٦/٥، وابن ماجه (٣٠١٥). (٣) ذكره عنهم الشهاب في الحاشية ٢٩١/٢. (٤) شمس العلوم في اللغة لنشوان بن سعيد الحميري اليمني المتوفي سنة (٥٧٣ هـ). كشف الظنون ٢/ ١٠٦١. سُورَةُ الْبَّنْعَة ١٩٢ الآية : ١٩٨ وإنما نُوِّن وكُسِر مع أن فيه العلميةَ والتأنيث؛ لأن تنوين جمع المؤنَّث في مقابلة نون جمع المذكر، فإن النون في جمع المذكر قائمٌ مَقام التنوين الذي في الواحد في المعنى الجامعِ لأقسام التنوين، وهو كونُه علامةً تمام الاسم فقط، وليس في النون شيءٌ من معاني الأقسام للتنوين، فكذا التنوينُ في جمع المؤنث علامةٌ لتمام الاسم فقط، وليس فيها أيضاً شيءٌ من تلك المعاني سوى المقابلة، وليس الممنوع من غير المنصرف هذا التنوين بل تنوينُ التمكين؛ لأنه الدالُّ على عدم مشابهة الاسم بالفعل، وأنَّ ذهاب الكسرة على المذهب المَرْضي تبعٌ لذهاب التنوين من غير عوضٍ لعدم الصرف، وهنا ليس كذلك. قاله الجمهور. وقال الزمخشري: إنما نُوِّن وكُسِر لأنه منصرف لعدم الفرعيتين المعتبرتين، إذ التأنيثُ المعتبر مع العَلَمية في منع الصرف إمَّا أن يكون بالتاء المذكورة وهي ليست تاءً تأنيثٍ بل علامةَ الجمع، وإمَّا أن يكون بتاءٍ مقدَّرةٍ كما في زينب، واختصاصُ هذه التاء بجمع المؤنث يأبى تقديرَ تاءٍ لكونه بمنزلة الجمع بين علامتي تأنيث، فهذه التاء كتاء بنت ليست للتأنيث بل عوضٌ عن الواو المحذوفة، واختَصَّت بالمؤنث فمنعت تقدير التاء، فعلى هذا لو سُمِّ بمسلماتٍ وبنتٍ مؤنثٌ كان منصرفاً(١). وقولُ ابن الحاجب: إنَّ هذا يقتضي أنه إذا سُمِّي بذلك مُنِعِ صرفه، ليس بشيء؛ إذ الاقتضاء غيرُ مسلَّم. وكذا ما قاله عصام الدين من أن التأنيث لمنع الصرف لا يستدعي قوة، ألا يرى أنَّ طلحة يعتبر تأنيثه لمنع الصرف ولا يعتبر لتأنيث ضميرٍ يرجع إليه؟ لأن بناء الاستدلال ليس على اعتبار القوة والضعف، بل على عدم تحقق التأنيث. نعم يَرِدُ ما أورده الرضي من أنه لو لم يكن فيه تأنيثٌ لَمَا التُزِمِ تأنيثُ الضمير الراجع إلیه. ویُجاب بأنَّ اختصاص هذا الوزن بالمؤنث يكفي لإرجاع الضمير، ولا يلزم فيه وجودُ التاء لفظاً أو تقديراً. وإنما سُمِّي هذا المكان المخصوص بلفظٍ يُنبئ عن المعرفة؛ لأنه نُعتَ لإبراهيم (١) الكشاف ٣٤٨/١. الآية : ١٩٨ ١٩٣ سُورَةُ الْبَدَة عليه الصلاة والسلام فعرفَهُ، ورُوِي ذلك عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وابنِ عباس أو لأن جبريل كان يدور به في المشاعر فلمَّا رآه قال: قد عرفتُ، ورُويَ عن عطاء . أو لأن آدمَ وحواء اجتمعا فيه فتعارفا، ورُوي عن الضحاك والسُّدِّيّ. أو لأن جبريل عليه السلام قال لآدم فيه: اعترف بذنبك واعرف مناسكك، قاله بعضهم . وقيل: سُمِّي بذلك لعلوِّه وارتفاعه، ومنه عُرْفُ الديك. واختير الجمع للتسمية مبالغة فيما ذُكِر من وجوهها كأنه عرفاتٌ متعددةٌ، وهي من الأسماء المرتجلة قطعاً عند المحققين، وعرفةُ يحتمل أن تكون منها، وأن تكون منقولةً من جمعٍ عارفٍ، ولا جزمَ بالنقل إذ لا دليل على جَعْلِها جمعَ عارف، والأصل عدم النقل. ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهُ﴾ بالتلبية والتهليل والدعاء، وقيل: بصلاة العِشاءين؛ لأن ظاهر الأمر للوجوب ولا ذكرَ واجبَ ﴿عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ إلا الصلاةُ. والمشهور أنَّ المَشْعر مزدلفةُ كلُّها، فقد أخرج وكيع وسفيان وابنُ جرير والبيهقيُّ وجماعة عن ابن عمر ه أنه سُئِل عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي الرواحل بالمزدلفة قال: هذا المشعر الحرام(١). وأُيِّد بأن الفاء تدلُّ على أن الذِّكر عند المشعر يحصل عقيب الإفاضة من عرفات وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة. وذهب كثير إلى أنه جبلٌ يقف عليه الإمام في المزدلفة ويُسمَّى قُزَحَ، وخَصَّ الله تعالى الذكر عنده مع أنه مأمورٌ به في جميع المزدلفة - لأنها كلَّها موقِفٌ إلا وادي مُحَسِّر كما دلَّت عليه الآثار الصحيحة(٢) - لمزيد فضله وشرفه. (١) أخرجه ابن جرير ٥١٨/٣، والبيهقي ١٢٣/٥ من حديث عبد الله بن عمرو ؤها. قال البيهقي: كذا قال: عبد الله بن عمرو، وقيل: عبد الله بن عمر. وأخرجه من حديث عبد الله ابن عمر الطبري ٥١٨/٣ - ٥١٩ بنحوه. (٢) ينظر ما ورد في ذلك من آثار في الاستذكار ٩/١٣ - ١٠، وذكر ابن عبد البر في التمهيد سُورَةُ الْبَيْنَة ١٩٤ الآية : ١٩٨ وعن سعيد بن جبير: ما بين جبلي المزدلفة فهو المشعر الحرام. ومثلُه عن ابن عباس بها . وإنما سُمِّي مشعراً لأنه مَعْلَم العبادة، ووُصِف بالحرام لحرمته. والظرف متعلِّق بـ (اذكروا»، أو بمحذوفٍ حالٍ من فاعله. ﴿وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنكُمْ﴾ أي: كما علَّمكم المناسك، والتشبيهُ لبيان الحال وإفادةِ التقييد، أي: اذكروه على ذلك النحو ولا تَعدلوا عنه. ويحتمل أن يراد مطلقُ الهداية، ومفادُ التشبيه التسويةُ في الحسن والكمال، أي: اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هدايةً حسنةً إلى المناسك وغيرها . و ((ما)) على المعنيين تحتمل أن تكون مصدرية، فمحل «کما هداكم)) النصبُ على المصدرية بحذف الموصوف، أي: ذكراً مماثلاً لهدايتكم، وتحتمل أن تكون كافَّةً فلا محلَّ لها من الإعراب. والمقصودُ من الكاف مجرَّدُ تشبيه مضمون الجملة بالجملة، ولذا لا تطلب عاملاً تفضي بمعناه إلى مدخولها . وذهب بعضهم إلى أن الكاف للتعليل، وأنها متعلّقة بما عندها و ((ما)) مصدرية لا غير، أي: اذكروه وعظّموه لأجل هدايته السابقة منه تعالى لكم. ﴿وَإِن كُمْ﴾ أي: وإنكم كنتم، فخففت ((إنَّ)، وحُذِف الاسم، وأُهمِلت عن العمل، ولَزِمِ اللَّمُ فيما بعدها. وقيل: إنَّ ((إنْ)) نافية، واللَّام بمعنى إلا. ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أي: الهُدى، والجارُّ متعلِّق بمحذوف يدلُّ عليه ﴿لَيِنَ الضَّالِينَ (®﴾، ولم يعلِّقوه به لأنَّ ما بعد ((أل)) الموصولة لا يعمل فيما قبلها، وفيه تأمُّل. والمراد من الضلال الجهلُ بالإيمان ومراسم الطاعات. والجملةُ تذييل لِمَا قبلها، كأنه قيل: اذكروه الآن، إذ لا يُعتبر ذكركم السابق المخالِفُ لِمَا هداكم؛ لأنه من الضلالة. وحملُه على الحال توهمٌ بعيدٌ عن المرام. = ٤١٨/٢٤ أن أكثر الآثار ليس فيها استثناء محسِّر من المزدلفة، قال: وكذلك نقلها الحفاظ الأثبات الثقات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في الحديث الطويل في الحج اهـ. والحديث عند مسلم (١٢١٨). الآية : ١٩٩ ١٩٥ سُولَةُ الْبَقَة ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي: من عرفة لا من المزدلفة، والخطاب عام، والمقصود إبطال ما كان عليه الحُمْسُ من الوقوف بِجَمْع (١)، فقد أخرج البخاريُّ ومسلم عن عائشة ﴿ّا قالت: كانت قريش ومَن دان دينَها يقفون بالمزدلفة وكانوا يُسمَّون الحُمْس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلمَّا جاء الإسلام، أمر الله تعالى نبيَّهِ وَ ﴿ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ الآية (٢). ومعناها: ثم أفيضوا أيُّها الحجّاجُ من مكانٍ أفاض جنس الناس منه قديماً وحديثاً، وهو عرفة، لا من مزدلفة. وجَعْلُ الضمير عبارة عن الحُمْس يلزم منه بتر النظم، إذ الضمائرُ السابقة واللاحقة كلُّها عامة. والجملةُ معطوفة على قوله تعالى: ((فإذا أفضتم)»، ولَمَّا كان المقصود من هذه التعريضَ، كانت في قوة: ثم لا تُفيضوا من المزدلفة، وأتى بـ ((ثم)) إيذاناً بالتفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأن إحداهما صواب والأخرى خطأ، ولا يقدح في ذلك أن التفاوت إنما يعتبر بين المتعاطفين لا بين المعطوف عليه وما دخله حرف النفي من المعطوف؛ لأن الحصر ممنوع، وكذا لا يضرُّ انفهام التفاوت من كون أحدهما مأموراً به والآخر منهيًّا عنه كيفما كان العطف؛ لأن المراد أنَّ كلمة ((ثم)» تُؤذِن بذلك مع قطع النظر عن تعلق الأمر والنهي. وجُوِّز أن يكون العطف على ((فاذكروا)) ويعتبر التفاوت بين الإفاضتين أيضاً كما في السابق بلا تفاوت. وبعضُهم جعله معطوفاً على محذوف، أي: أفيضوا إلى منى ثم أفيضوا إلخ، وليس بشيء، كالقول بأن في الآية تقديماً وتأخيراً، والتقدير: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام واستغفروا. وإذا أُريد بالمُفاض منه مزدلفة، وبالمُفاض إليه منى - كما قال الجُبَّائي - بقيت كلمة ((ثم)) على ظاهرها؛ لأن الإفاضة إلى منى بعيدةٌ عن الإفاضة من عرفات؛ لأن (١) أي: بمزدلفة. القاموس (جمع). (٢) صحيح البخاري (٤٥٢٠)، وصحيح مسلم (١٢١٩). سُورَةُ الْبَحْدَة ١٩٦ الآية : ٢٠٠ الحاجّ إذا أفاضوا منها عند غروب الشمس يوم عرفة يجيئون إلى المزدلفة ليلة النحر، ويبيتون بها، فإذا طلع الفجر وصلَّوا بغلس، ذهبوا إلى قُزَح فَيَرْقَون فوقه أو يقفون بالقرب منه، ثم يذهبون إلى وادي مُحَسِّر، ثم منه إلى منى، والخطابُ على هذا عامّ بلا شبهة. والمراد من الناس الجنس كما هو الظاهر، أي: من حيث أفاض الناس كلُّهم قديماً وحديثاً. وقيل: المراد بهم إبراهيمُ عليه السلام، وسُمِّي ناساً؛ لأنه كان إماماً للناس. وقيل: المراد هو وبنوه. وقُرِئ: ((الناس)) بالكسر(١)، أي: الناسي، والمراد به آدم عليه السلام، لقوله تعالى في حقه: ﴿فَنَسِىَ﴾ [طه: ١٥]، وكلمةُ (ثم)) على هذه القراءة للإشارة إلى بُعد ما بين الإفاضة من عرفات والمخالَفةِ عنها، بناءً على أنَّ معنى: ((ثم أفيضوا)) عليها: ثم لا تخالفوا عنها؛ لكونها شرعاً قديماً. كذا قيل فليُتدبر. ﴿وَأَسْتَغْفِرُوا الله﴾ من جاهليتكم في تغيير المناسك ونحوه ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ بهم مُنْعِمٌ عليهم. ﴿رَحِيمٌ للمستغفرین ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمِ نَّنَسِكَكُمْ﴾ أي: أدَّيتم عباداتكم الحَجِّيَّةَ وفرغتم منها ﴿فَاذْكُرُواْ اللّه گنْگُز ءاباءكُمْ﴾ أي: کما کنتم تذکرونهم عند فراغ حَجِّكم بالمفاخر؛ رُوي عن ابن عباس ها قال: كان أهل الجاهلية يجلسون بعد الحج فيذكرون أيام آبائهم وما يعدُّون من أنسابهم يومهم أجمع، فأنزل الله تعالى ذلك. ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ إمَّا مجرورٌ معطوفٌ على الذِّكر بجعل الذِّكر ذاكراً على المجاز، والمعنى: واذكروا الله ذكراً كذكركم آباءكم أو كذكرٍ أشدَّ منه وأبلغ، أو على ما أضيف إليه بناءً على مذهب الكوفيين المجوِّزين للعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الخافض في السَّعة بمعنى: أو كذكر قوم أشدَّ منكم ذكراً. وإما منصوب بالعطف على ((آباءكم))، و((ذكراً)) من فعل المبنيّ للمفعول، بمعنى: أو كذكركم أشدَّ مذكورية من آبائكم، أو بمضمر دلَّ عليه المعنى، أي: (١) القراءات الشاذة ص١٢، والمحتسب ١١٩/١ عن سعيد بن جبير. الآية : ٢٠٠ ١٩٧ سُؤَةُ البَََة ليكن ذكركم الله تعالى أشدَّ من ذكركم آباءكم، أو: كونوا أشدَّ ذكراً لله تعالى منكم لآ بائکم، کذا قيل. واختار في ((البحر))(١) أن يكون ((أشدَّ) نُصِبَ على الحال من ((ذكراً)) المنصوب بـ (اذكروا))؛ إذ لو تأخر عنه لكان صفة له، وحَسُنَ تأخر ((ذكراً) لأنه كالفاصلة ولزوال قلق التكرار، إذ لو قُّدِّم لكان التركيب: فاذكروا الله كذكركم آباءكم، أو اذكروا ذكراً اشد. وفيه أن الظاهر على هذا الوجه أن يقال: أو أشدَّ، بدون («ذكراً)) بأن يكون معطوفاً على ((كذكركم)) صفةً للذكر المقدَّر، وأنَّ المطلوب الذكرُ الموصوف بالأشدية لا طلبه حال الأشدية. ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ﴾ جملة معترضةٌ بين الأمرين المتعاطفين للحثِّ والإكثار من ذكر الله تعالى وطلبٍ ما عنده، وفيها تفصيلٌ للذاكرين مطلقاً حجَّاجاً أو غيرَهم كما هو الظاهر إلى مُقِلٌّ لا يطلب بذكر الله تعالى إلا الدنيا، ومُكثِرٍ يطلب خير الدارين. وما نُقِل عن بعض المتصوفة من قولهم: إن عبادتنا لذاته تعالى فارغةٌ من الأغراض والأعراض، جهلٌ عظيم ربما يجرُّ إلى الكفر كما قاله حجة الإسلام قُدِّس سرُّه؛ لأن عدم التعليل في الأفعال مختصٍّ بذاته تعالى، على أن البعض قائلٌ بأن أفعاله سبحانه أيضاً معلَّلةٌ بما تقتضيه الحكمة. نعم إن عبادته تعالى قد تكون لطلب الرضا لا لخوف مكروه، أو لنيل محبوب، لكن ذا من أجلِّ حسنات الأخرى ٤ يطلبه خُلَّص عباده قال تعالى: ﴿وَيِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وقَرَن سبحانه الذكر بالدعاء للإشارة إلى أن المعتبر من الذكر ما يكون عن قلب حاضرٍ، وتوّجُهِ باطنٍ، كما هو حال الداعي حين طَلَبٍ حاجة، لا مجرَّدُ التفوُّه والنطق به . وذهب الإمام وأبو حيان(٢) إلى أن التفصيل للداعين المأمورين بالذكر بعد (١) ١٠٤/٢. (٢) ينظر تفسير الرازي ٢٠٤/٥، والبحر المحيط ١٠٤/٢. سُورَةُ الْبَفَعَة ١٩٨ الآية : ٢٠١ الفراغ من المناسك، وبدأ سبحانه وتعالى بالذِّكر لكونه مفتاحاً للإجابة، ثم بيَّن جَلَّ شأنه أنهم ينقسمون في سؤال الله تعالی إلی من یغلب علیه حبُّ الدنيا فلا يدعو إلا بها، ومَن يدعو بصلاح حاله في الدنيا والآخرة. وفي الآية التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيبة حظًّا لطالب الدنيا عن ساحة عزِّ الحضور. ولا يخفى أن الأول هو المناسبُ لإبقاء الناس على عمومه، والمطابقُ لما سيأتي من قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ﴾ إلخ [البقرة: ٢٠٤] ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِى﴾ [البقرة: ٢٠٧]. نعم سبب النزول - كما رُويَ عن ابن عباس ◌ُّ - طائفةٌ من الأعراب يجيؤون إلى الموقف فيطلبون الدنيا، وطائفةٌ من المؤمنين يجيزونه فيطلبون الدنيا والآخرة، وهذا لا يقتضي التخصيص. ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الذُّنْيَا﴾ أي: اجعل كلَّ إيتائنا ومنحتنا فيها، فالمفعولُ الثاني متروك، ونُزِّل الفعل بالقياس منزلة اللازم ذهاباً إلى عموم الفعل؛ للإشارة إلى أن همته مقصورةٌ على مطالب الدنيا . إخبارٌ منه تعالى ببيان حال هذا الصنف ﴿وَمَا لَهُ فِى الَْخِرَةِ مِنْ خَقٍ في الآخرة، يعني أنه لا نصيب له فيها ولا حظّ. والخلاق من خَلُقَ به: إذا لاق، أو من الخَلْق كأنه الأمر الذي خُلِقِ له وقُدِّر. وقيل: الجملة بيانٌ لحال ذلك في الدنيا، فهي تصريح بما عُلم ضمناً من سابقه تقريراً له وتأكيداً، أي: ليس له في الدنيا طلبُ خلاقٍ في الآخرة، وليس المراد أنه ليس له طلبٌ في الآخرة للخلاق ليقال: إن هذا حكم كلِّ أحد إذ لا طلبَ في الآخرة وإنما فيها الحظّ والحرمان، ويُجاب بمنع عدم الطلب إذ المؤمنون يطلبون زيادة الدرجات والكافرون الخلاصَ من شدة العذاب. و((من)) صلة، و((له)) خبرٌ مقدَّم، والجار والمجرور بعده متعلُّق بما تعلق به، أو حال مما بعده. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاثِنَا فِى الذُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ يعني العافية والكفاف؛ قاله قتادة. أو المرأةَ الصالحة؛ قاله عليٍّ كرم الله تعالى وجهه. أو العلمَ والعبادة؛ قاله الحسن. أو المالَ الصالح؛ قاله السُّدِّي. أو الأولاد الأبرار. أو ثناء الخَلْقِ؛ قاله الآية : ٢٠٢ ١٩٩ سُورَةُ الْبَقَة ابن عمر. أو الصحة والكفاية والنصرة على الأعداء. أو الفهمَ في كتاب الله تعالى. أو صحبة الصالحين؛ قاله جعفر. والظاهرُ أن الحسنة وإن كانت نكرةً في الإثبات وهي لا تعم، إلا أنها مطلقةٌ فتنصرف إلى الكامل، والحسنةُ الكاملة في الدنيا ما يشمل جميع حسناتها وهو توفيق الخير، وبيانُها بشيء مخصوصٍ ليس من باب تعيين المراد؛ إذ لا دلالة للمطلق على المقيّد أصلاً، وإنما هو من باب التمثيل. وكذا الكلام في قوله تعالى: ﴿وَفِ اَلْآَخِرَةِ حَسَنَّةٌ﴾ فقد قيل: هي الجنة، وقيل: السلامةُ من هول الموقف وسوءِ الحساب، وقيل: الحورُ العين، وهو مرويٌّ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه. وقيل: لذةُ الرؤية. وقيل، وقيل ... والظاهرُ الإطلاق وإرادةُ الكامل وهو الرحمة والإحسان. ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾﴾ أي: احفظنا منه بالعفو والمغفرة، واجعلنا ممن يدخل الجنة من غير عذاب، وقال الحسن: احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدِّية إلى عذاب النار. وقال عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: عذابُ النار الامرأةُ السُّوء أعاذنا الله تعالى منها، وهو على نحو ما تقدم، وقد كان پڑ أکثرُ دعوة يدعو بها هذه الدعوةَ، كما رواه البخاريُّ ومسلم عن أنس تَهُ(١). وأخرجا عنه أيضاً أنه قال: إن رسول الله وسير دعا رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ المنتوف، فقال له: وَلّم: «هل كنتَ تدعو الله تعالى بشيء))؟ قال: نعم، كنتُ أقول: اللهم ما كنتَ معاقِبي به في الآخرة، فعجِّله لي في الدنيا. فقال رسول الله وَّالية: ((سبحان الله! إذاً لا تطيق ذلك - أو لا تستطيعه - فهلًا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) ودعا له فشفاه الله تعالى(٢). ﴿أُوْلَبِكَ﴾ إشارةٌ إلى الفريق الثاني، والجملةُ في مقابلة ((وما لهم في الآخرة من خلاق)). والتعبيرُ باسم الإشارة للدلالة على أنَّ اتِّصافهم بما سبق علةٌ للحكم (١) صحيح البخاري (٦٣٨٩)، وصحيح مسلم (٢٦٩٠). (٢) صحيح مسلم (٢٦٨٨)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٢٨)، وأحمد (١٢٠٤٩). سُورَةُ الْبَدَة ٢٠٠ التفسير الإشاري (٢٠٢-٢٠٢) المذكور، ولذا تُرِك العطف هاهنا لكونه كالنتيجة لما قبله، قيل: وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى علوِّ درجتهم، وبُعْدٍ منزلتهم في الفضل. وجُوِّز أن تكون الإشارة إلى كِلَا الفريقين المتقدمين. فالتنوين في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَا كَسَبُواْ﴾ على الأول للتفخيم، وعلى الثاني للتنويع، أي: لكلِّ منهم نصيبٌ من جنس ما كسبوا، أو: من أَجْلِهِ، أو: مما دَعَوا به نعطيهم منه ما قدَّرناه. و (من)) إمَّا للتبعيض أو للابتداء، والمبدئيةُ على تقدير الأَجْلية على وجه التعليل، وفي الآية على الاحتمال الثالث وضعُ الظاهر موضعَ المضمر بغير لفظ السابق؛ لأن المفهوم من ((ربنا آتنا)) الدعاءُ لا الكسبُ، إلا أنه يسمى كسباً لأنه من الأعمال. وقُرِئ: مما اكتسبوا(١). ﴿وَللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾﴾ يحاسب العباد على كثرتهم في قَدْرِ نصف نهار من أيام الدنيا، ورُويَ بمقدار فُواق ناقةٍ (٢)، ورُويَ بمقدار لمحة البصر. أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسبَ الناس، فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات. والجملة تذييلٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِيْكُرْ ءَبَآءَكُمْ﴾ إلخ. والمحاسبةُ إمَّا على حقيقتها كما هو قول أهل الحقِّ: من أن النصوص على ظاهرها ما لم يَصرف عنها صارفٌ، أو مجازٌ عن خلقِ علم ضروريٍّ فيهم بأعمالهم وجزائها كمَّا وكيفاً، أو مجازاتهم عليها . هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا﴾ بيوت قلوبكم من طرف حواسكم ومعلوماتكم البدنية المأخوذة من المشاعر، فإنها ظهورُ القلوب التي تلي البدن ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ آَنَّقَرُ﴾ شواغلَ الحواسِّ وهواجسَ الخيال ووساوسَ النفس الأمَّارة ﴿وَأَنُواْ﴾ هاتيك ﴿الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾ التي تلي الروح ويدخلُ منها الحق، واتقوا الله عن رؤية تقواكم لعلكم تفوزون به. (١) أخرج هذه القراءة ابن أبي داود في المصاحف (١٩٧) عن ابن عباس ـ (٢) الفُواق - ويفتح -: هو ما بين الحلبتين من الوقت، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع. القاموس (فوق). ٠٠