النص المفهرس
صفحات 101-120
الآية : ١٧٧ ١٠١ سُورَةُ الشَفَرَ الشخص، وإيراد كلمة ((في)) للإيذان بأنَّ ما يعطى لهؤلاء مصروفٌ في تخليصهم لا يملكونه كما في المصارف الأُخْرِ . ﴿وَأَقَامَ الصَّلَوةَ﴾ عطف على صلة (مَن))، والمراد بالصلاة: المفروضةُ، كالزكاة في ﴿وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾، بناءً على أنَّ المراد بما مرَّ من إيتاء المال نوافلُ الصدقات، وقدّمت على الفريضة مبالغةً في الحثِّ عليها، أو حقوقٌ كانت في المال غير مقدَّرة سوى الزكاة؛ أخرج الترمذي والدارقطني وجماعةٌ عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول اللهِ وَله: ((في المال حقٌّ سوى الزكاة)) ثمَّ قرأ الآية(١). وأخرج البخاري في تاريخه (٢) عن أبي هريرة ﴿به نحو ذلك. واختلف هل بقي هذا الحقُّ أم لا؟ فذهب قوم إلى الثاني، واستدلُّوا بما روي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً: ((نَسَخَ الأضحى كلَّ ذبح، ورمضانُ كلَّ صوم؛ وغُسْلُ الجنابة كلَّ غسل، والزكاةُ كلَّ صدقة))(٣). وقال جماعة بالأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌّ لِلِسَآَيِلِ وَاَْحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمنُ بالله واليوم الآخر من بات شَبِعاً وجارُه طارٍ إلى جنبه)» (٤) وللإجماع على أنَّه إذا انتهت الحاجةُ إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوا مقدارَ رفع(٥) الضرورة وإن لم تكن الزكاةُ واجبة عليهم، ولو امتنعوا عن الأداء جاز الأخذ منهم. وأجابوا عن الحدیث بأنّه غریب معارض، (١) سنن الترمذي (٦٥٩)، وسنن الدارقطني (٢٠١٦)، وفي إسناده أبو حمزة ميمون الأعور. قال الترمذي: يضعف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله، وهو أصح. اهـ. وقد أخرجه ابن ماجه (١٧٨٩) بلفظ: ((ليس في المال حق ... ))، فقيل: هو خطأ قديم في بعض نسخ ابن ماجه، وقيل: إن الحديث مضطرب متناً، وقيل غير ذلك، وينظر تفصيل ذلك في حاشية تفسير القرطبي ٥٩/٣ - ٦٠. (٢) ٨٩/٣ - ٩٠. (٣) أخرجه البيهقي ٢٦١/٩، وفي سنده المسيب بن شريك، وهو متروك كما ذكر البيهقي، وأخرج عبد الرزاق في المصنف (١٤٠٤٦) نحوه عن علي ته موقوفاً. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٤/١١، والبخاري في الأدب المفرد ١١٢ من حديث ابن عباس (٥) في (م): دفع. سُورَةُ الْبَقَة ١٠٢ الآية : ١٧٧ وفي إسناده المسيب بن شريك، وهو ليس بالقوي عندهم، وبأنَّ المراد أن الزكاة نسخت كلَّ صدقة مقدَّرةٍ. وجوِّز أن يكون المرادُ بما مرَّ الزكاةَ المفروضة أيضاً، ولا تكرار لأنَّ الغرض مما تقدم بيانُ مصارفها، ومن هذا بيانُ أدائها والحثُّ عليها. وترك ذكر بعض المصارف؛ لأنَّ المقصود ها هنا بيانُ أبواب الخير دون الحصر، وقدّم بيان المصرف اهتماماً بشأنه، فإنَّ الصدقة إنما تعتبر إذا كانت في مصرفها ومحلِّها كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلّ مَا أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَفْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] وعلى هذا يتعيَّن أن يراد بالسائلين الفقراء. ﴿وَالْمُوْقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ عطف على ((مَن آمَنَ))، ولم يقل: وأوفى - كما قبله - إشارةً إلى وجوب استمرار(١) الوفاء. وقيل: رمزاً إلى أنه أمر مقصود بالذات. وقيل: إيذاناً بمغايرته لِمَا سبق؛ فإنَّه من حقوق الناس، والسابقُ من حقوق الله تعالى(٢). وعلى هذا فالمراد بالعهد: ما لا يُحلّ(٣) حراماً ولا يحرِّم حلالاً من العهود الجارية فيما بين الناس. والظاهر حملُ العهد على ما يشمل حقوقَ الحقِّ وحقوقَ الخلق، وحذفُ المعمول یؤذن بذلك. والتقييد بالظرف للإشارة إلى أنَّه لا يتأخر إيفاؤهم بالعهد عن وقت المعاهدة. وقيل: للإشارة إلى عدم کون العهد من ضروريات الدین، وليس للتأکید کما قيل به. ﴿وَالصَِّينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَِّ﴾ نصب على المدح بتقدير: أخُصُّ أو أمدح، وغيِّر سَبْكَه عمَّا قبله تنبيهاً على فضيلة الصبر ومزيَّته على سائر الأعمال حتى كأنَّه ليس من جنس الأول. ومجيء القطع في العطف مما أثبته الأئمة الأعلام، ووقع في ((الكتاب)) أيضاً (٤)، واستحسنه الأَجلَّة وجعلوه أبلغَ من الأتباع، وقد جاء في النكرة أيضاً كقول الهذلي : (١) في (م): استقرار. (٢) في (م): ((فإنه من حقوق الله تعالى، والسابق من حقوق الناس)). (٣) في (م): يحلل. (٤) الكتاب ٢/ ٦٢. الآية : ١٧٧ ١٠٣ سُوَّةُ الْبَيْنَة وَيَأُوي إلى نِسْوةٍ مُظَّلٍ وشُعْئاً مَرَاضِيْعَ مثل السَّعالي(١) و((البأساء)): البؤس والفقر، و ((الضراء)): السَّقم والوجع. وهما مصدران بنيا على فَعْلاء، وليس لهما أَفْعَل؛ لأنَّ أفعل وفعلاء في الصفات والنعوت ولم يأتيا في الأسماء التي ليست بنعوت. وقرئ: ((والصابرون)) كما قرئ: ((والموفين))(٢). ﴿وَحِينَ الْتَأْسُ﴾ أي: وقتَ القتال وجهاد العدو، وهذا من باب الترقِّي في الصبر من الشديد إلى الأشد؛ لأنَّ الصبرَ على المرض فوق الصبر على الفقر، والصبرَ على القتال فوق الصبر على المرض، وعُدِّي الصبر على الأولين بـ ((في)»، لأنَّه لا يعدُّ الإنسان من الممدوحين إذا صبر على شيء من ذلك إلا إذا صار الفقرُ والمرض کالظرف له، وأما إذا أصاباہ وقتاً ما وصبر، فلیس فیہ کثیرُ مدح إذ أکثرُ الناس كذلك، وأتى بـ ((حين)) في الأخير؛ لأنَّ القتال حالة لا تكاد تدوم في أغلب الأوقات. ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ في إيمانهم، أو طلبِ البر ﴿ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ عذَابَ الله تعالى بتجنُّبٍ معاصيه وامتثال أوامره. وأتى بخبر (أولئك)) الأولى موصولاً بفعل ماض؛ إيذاناً بتحقُّق اتِّصافهم به، وأنَّ ذلك قد وقع منهم واستقر، وغاير في خبر الثانية ليدلَّ على أنَّ ذلك ليس بمتجدِّد، بل صار كالسجيّة لهم، وأيضاً لو أتى به على طبق سابقه، لَما حَسُنَ وقوعُه فاصلة. هذا والآيةُ كما ترى مشتملةٌ على خمس عشرة خِصلةً، وترجع إلى ثلاثة أقسام: فالخمسة الأولى منها تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل صحَّة الاعتقاد، وآخرها قوله: ((والنبيين)) وافتتحها بالإيمان بالله واليوم الآخر .. (١) البيت لأمية بن أبي عائذ الهذلي، وهو في أشعار الهذليين ٢/ ١٨٤، والكتاب ٦٦/٢، والخزانة ٤٢٦/٢. العظّل: اللائي لا حَلْيَ عليهن، والشعث: المتغيرات من الهزال وسوء الحال. وشبَّههن بالسَّعالي لشعئهن وتغيُّرهِن. شرح شواهد الكتاب للأعلم ص٢٣٤. ورواية البيت في أشعار الهذليين: له نسوةٌ عاطلات الصدو رعُوجٌ مراضيع مثل السعالي (٢) قراءة ((والصابرون)) هي قراءة الجحدري، وقراءة ((والموفين)) هي قراءة ابن مسعود. القراءات الشاذة ص١١ . سُورَةُ الْبَحَة ١٠٤ التفسير الإشاري (١٧٧) لأنَّهما إشارةٌ إلى المبدأ والمعاد الَّذِين هما المشرقُ والمغرب في الحقيقة، فيلتئم مع ما نفاه أولاً غايةَ الالتئام. والستة التي بعدها تتعلَّقُ بالكمالات النفسية التي هي من قبيل حسن معاشرة العباد، وأولُها ((وآتى المال)» وآخرُها ((وفي الرقاب)). والأربعة الأخيرة تتعلَّق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل تهذيب النفس، وأولها ((وأقام الصلاة)) وآخِرُها ((وحين البأس)). ولعمري مَن عَمِلَ بهذه الآية فقد استكملَ الإيمانَ، ونال أقصى مراتبٍ الإيقان. ومن باب التأويل: ﴿لَّيْسَ آلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ﴾ مشرق عالَم الأرواح ومغرب عالَم الأجساد، فإنَّ ذلك تقيُّدٌ واحتجاب، ﴿وَلَكِنَّ الْبِّ﴾ برُّ الموحِّد الذي ﴿ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ والمعاد في مقام الجمع، وشاهد الجمع في تفاصيل الكثرة، ولم يحتجب بالجمع عن التفصيل الذي هو باطنُ عالم الملائكة وظاهرُ عالم النبيين، والكتاب الجامع بين الظاهر والباطن. ﴿وَءَانَ﴾ العلم الذي هو مالُ القلب - مع كونه محبوباً - ذوي قربى القوى الرُّوحانية القريبة منه، ويتامى القوى النَّفسانية المنقطعة عن الأب الحقيقي وهو نورُ الروح، ومساكينَ القوى الطبيعيّة التي لم تَزَلْ دائمةَ السكون إلى تراب البدن، وأبناءَ السبيل السالكين إلى منازل الحقِّ، والسائلين الطالبين بلسان استعدادهم ما يكون غذاءً لأرواحهم، وفي فكِّ رقاب عَبَدةِ الدنيا وأسراءِ الشهوات بالوعظ والإرشاد. ﴿وَأَقَامَ﴾ صلاة الحضور، وآتى ما يزكِّي نفسه بنفي الخطرات(١) ومحو الصفات، ﴿وَالْمُوقُونَ﴾ بعهد الأزل بترك المعارضة في العبودية، والإعراضٍ عما سوى الحقِّ في مقام المعرفة، ﴿وَالصَّبِينَ﴾ في بأساء الافتقار إلى الله تعالى دائماً، وضرَّاءِ كسر النفس، وحين بأس محاربة العدو الأعظم، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ الله تعالى في السير إليه وبذل الوجود، ﴿وَأَوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ (٣)﴾ عن الشرك المنزَّهون عن سائر الرذائل. (١) في (م): الخواطر. الآية : ١٧٨ ١٠٥ سُؤَدَّةُ الْبََّة ﴿ يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ شروعٌ في بيان بعض الأحكام الشرعية على وجه التلافي لما فُرِّط من المخلِّين بما تقدَّم من قواعد الدِّين التي يبنى عليها أمرُ المعاش والمعاد. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فُرض وألزم عند مطالبة صاحب الحقِّ، فلا يضر فيه قدرة الولي على العفو، فإنَّ الوجوب إنَّما اعتبر بالنسبة إلى الحكام أو القاتلين، وأصلُ الكتابة الخطُ، ثمَّ كُني به عن الإلزام، وكلمة ((على)) صريحة في ذلك. ﴿الْقِصَاصُ فِ اَلْقَلْلِ﴾ أي: بسببهم على حدّ ((إنَّ امرأة دخلتِ النارَ في هِرَّة ربطَتْها))(١) وقيل: عدِّي القصاص بـ ((في)) لتضمُّنه معنى المساواة؛ إذ معناه أن يُفعل بالإنسان مثلُ ما فَعَل، ومنه سُمِّي المقصُّ مقصًّا لتعادُل جانبيه، والقصةُ قصةً؛ لأنَّ الحكاية تساوي المَحْكيَّ، والقصَّاصُ قصَّاصاً؛ لأنَّه يذكُر مثل أخبار الناس. و (القتلى)): جمع قتيل، کجريح وجرحى. وقرئ: ((كَتَب)) على البناء للفاعل، و ((القصاصَ)) بالنصب(٢)، وليس في إضمار المتعيِّن المتقرِّر قبل ذكره إضمارٌ قبل الذكر. ﴿اَلُّْ بِْخُ وَالْعَبْدُ بِلْعَبْدِ وَآلْأُنثَى بِآلْأُنْ﴾ جملةٌ مبيِّنة لِمَا قبلها، أي: الحرُّ يُقتصُّ بالحرِّ، وقيل: مأخوذ به، روي أنه كان في الجاهلية بين حيَّين من أحياء العرب دماء، وكان لأحدهما طَوْلٌ على الآخر، فأقسموا لنقتلنَّ الحرَّ منهم بالعبد، والذكرَ بالأنثى، فلمَّا جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله وَ ل﴿ فنزلت، فأمرهم أن يتباوؤوا(٣). فالآية كما لا(٤) تدلُّ على أن لا يُقتل العبدُ بالحرِّ والأنثى بالذكر؛ لأنَّ مفهوم (١) أخرجه أحمد (٧٥٤٧)، والبخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٣) من حديث أبي هريرة ظ ◌ُه. وأخرجه أيضاً البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢) من حديث ابن عمر . (٢) ذكرها البيضاوي ٢١٤/١. (٣) أسباب النزول للواحدي ص ٤٤ عن الشعبي، وأخرجه الطبري عنه وعن قتادة بنحوه ٣/ ٩٥ - ٩٦ وهو بلفظ المصنف في الكشاف ٣٣١/١، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢/ ٢٧٢ . وقوله: يتباوؤوا أي يتقاصُّوا في قتالهم على التساوي، فيقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد. حاشية الشهاب ٢/ ٢٧٢ . (٤) قوله: لا، ساقط من (م)، وينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٧٢/٢. سُورَةُ الْبَغَة ١٠٦ الآية : ١٧٨ المخالفة إنَّما يُعتبر إذا لم يُعلم نفيُهُ بمفهوم الموافقة، وقد عُلِمَ مِن قَتْلِ العبد بالعبد وقتل الأنثى بالأنثى أنَّه يُقتل العبد بالحرِّ والأنثى بالذكر بطريقِ الأَوْلى، كذلك لا تدل على أن لا يقتل الحرُّ بالعبد والذكرُ بالأنثى؛ لأنَّ مفهومَ المخالفة كما هو مشروط بذلك الشرط، مشروط بأنْ لا يكون للتخصيص فائدةً أخرى، والحديث بيِّنُ الفائدة، وهو المنع من التعدي وإثباتُ المساواة بين حرِّ وحرّ، وعبدٍ وعبد. فمنع الشافعيُّ ومالكٌ قتلَ الحرِّ بالعبد سواءٌ كان عبدَه أو عبدَ غيره، ليس للآية بل للسُّنة والإجماعِ والقياس: أمَّا الأول: فقد أخرج ابنُ أبي شيبة عن علي ◌َّبُهِ: أنَّ رجلاً قتلَ عبدَه فجلده الرسولُ وَّهِ ونفاه سنةً ولم يُقِدْه به(١). وأخرج أيضاً أنَّهِ وَ ه قال: ((من السُّنَّة أن لا يُقتل مسلم بذي عهدٍ، ولا حرِّ بعبد))(٢). وأما الثاني: فقد روي أنَّ أبا بكر وعمر ﴿هما كانا لا يقتلان الحرَّ بالعبد بين أظهر الصحابة(٣)، ولم ينكر عليهما أحدٌ منهم، وهم الذين لم تأخذهم في الله تعالى لومة لائم. وأما الثالث: فلأنَّه لا قصاص في الأطراف بين الحرِّ والعبد بالاتفاق، فيقاس القتل عليه . وعند إمامنا الأعظم له: يُقتل الحرُّ بالعبد؛ لقوله وَله: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم))(٤) ولأنَّ القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي بالدين أو بالدار (١) مصنف ابن أبي شيبة ٩/ ٣٠٤، وأخرجه ابن ماجه (٢٦٦٤) وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك كما ذكر الحافظ في التقريب. وأخرجه الدارقطني (٣٢٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو رؤيتها، وفي إسناده محمد بن عبد العزيز الشامي، قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٦/٤: قال فيه أبو حاتم: لم يكن عندهم بالمحمود وعنده غرائب. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٩/ ٢٩٥، من حديث علي ظه. وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٠٥. (٤) أخرجه أحمد(٩٥٩)، والنسائي ٢٤/٨ من حديث علي ظه. وأخرجه أحمد (٦٦٩٢) و(٦٧٩٧)، وأبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٥)، من حديث عبد الله بن عمرو الآية : ١٧٨ ١٠٧ سُؤَةُ الْبَعَة وهما سيَّان فيهما، والتفاضلُ في الأنفس غير معتبر بدليلٍ أنَّ الجماعةَ لو قَتلوا واحداً قُتِلوا به، ولقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وشريعةُ مَن قبلَنا إذا قُصَّت علينا من غير دلالة على نسخها فالعملُ بها واجبٌ على أنَّها شريعة لنا . ومن الناس مَن قال: إنَّ الآية دالَّةٌ على ما ذهب إليه المخالف؛ لأنَّ ﴿اَلْثُرُّ بِالْرٌ﴾ بيانٌ وتفسير لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَفْلِ﴾ فدلَّ على أنَّ رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة، وإيجابُ القصاص على الحرِّ بقتل العبد إهمالٌ لرعاية التسوية في ذلك المعنى. ومقتضى هذا أنْ لا يُقتلَ العبد إلا بالعبد، ولا تُقتلَ الأنثى إلا بالأنثى، إلا أنَّ المخالف لم يذهب إليه، وخالف الظاهرَ للقياس والإجماع. ومَن سلَّم هذا منَّا ادَّعى نسخَ الآية بقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لأنَّه لعمومه نَسَخَ اشتراط المساواة في الحرية والذكورة المستفادة منها، وهو المرويُّ عن ابن عباس رضيًا، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، والثوري. وأورد عليه أنَّ الآية حكايةُ ما في التوراة، وحجيَّةُ حكاية شَرْعِ مَن قبلنا مشروطةٌ بأن لا يظهر ناسخُه كما صرَّحوا به، وهو يتوقَّف على أن لا يوجد في القرآن ما يخالف المَحْكيَّ؛ إذ لو وجد ذلك كان ناسخاً له لتأخّره عنه، فتكون الحكاية حكاية المنسوخ، ولا تكون حجةً فضلاً عن أن تكون ناسخاً، وبعد تسلیم الدلالة يوجد الناسخ كما لا يخفى هذا. وذهب ساداتنا الحنفيةُ والمالكيةُ وجماعةٌ إلى أنَّه ليس للولي إلا القصاصُ، ولا يأخذ الدِّيةَ إلا برضا القاتل؛ لأنَّ الله تعالى ذكر في الخطأ الدية، فتعيَّن أن يكون القصاص فيما هو ضدُّ الخطأ وهو العمد، ولمَّا تعيَّن بالعمد لا يعدل عنه؛ لئلا يلزم الزيادة على النصِّ بالرأي. واعترض بأنَّ منطوقَ النَّصِّ وجوبُ رعاية المساواة في القَوَد وهو لا يقتضي وجوبَ أصل القَوَد. وأجيب بأنَّ القصاص وهو القود بطريق المساواة يقتضي وجوبَهما. سُؤَدَّةُ الْبَحَقَة ١٠٨ الآية : ١٧٨ ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ, مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ أي: مما (١) يسمَّى شيئاً من العفو والتجاوز ولو أقلَّ قليلٍ، فالمصدر المبهم في حكم الموصوف، فيجوز نيابته عن الفاعل وله مفعول به. و (من أخيه)) يجوز أن يتعلق بالفعل، ويجوز أن يكون حالاً من ((شيء))، وفي إقامة (شيء)) مقام الفاعل إشعارٌ(٢) بأنَّ بعضَ العفو - كأن يُعْفَى عن بعضٍ الدَّم، أو يعفو عنه بعضُ الورثة - كالعفو التامّ في إسقاط القصاص؛ لأنه لا يتجزأ. والمراد بالأخ وليّ الدم، سماه أخاً استعطافاً بتذكير أخوَّة البشرية والدين. وقيل: المراد به المقتول، والكلام على حذف مضاف، أي: من دم أخيه، وسماه أخا القاتل؛ للإشارة إلى أنَّ أخوة الإسلام بينهما لا تنقطع بالقتل. و((عفي)) تُعدَّى إلى الجاني وإلى الجناية بعن، يقال: عفوت عن زيد وعن ذنبه، وإذا عدِّيت إلى الذنب مراداً، سواء كان مذكوراً أو لا كما في الآية، عدِّي إلى الجاني باللام؛ لأنَّ التجاوز عن الأول والنفع للثاني، فالقصد هنا إلى التجاوز عن الجناية إلا أنه ترك ذكرها لأنَّ الاهتمام بشأن الجاني. وقدَّر بعضهم ((عن)) هذه داخلةً على ((شيء)»، لكن لمّا حذفتْ ارتفع لوقوعه موقع الفاعل، وهو من باب الحذف والإيصال المقصورِ على السماع. ومن الناس مَن فسَّر (عُفي)) بـ ((تُرك))، فهو حينئذ متعدٍّ أقيم مفعولُه مُقام فاعله. واعترض بأنه لم يثبت: عفا الشيءَ بمعنى تَرَكه، وإنَّما الثابت: أعفاه. ورُدَّ بأنه وَرَد، ونقله أئمة اللغة المعوَّلُ عليهم في هذا الشأن، وهو وإن لم يَشْتَهِر إلا أنَّ إسناد المبني للمجهول إلى المفعول الذي هو الأصل یرجِّحُ اعتباره، ويجعله أولى من المشهور؛ لِمَا أنَّ فيه إسنادَ المجهول للمصدر وهو خلاف الأصل. والقول بأن ((شيء)) مرفوعٌ بـ ((ترك)) محذوفاً يدل عليه ((عفي))، ليس بشيء؛ لأنَّه بعد اعتبار معنى العفو لا حاجة إلى معنى الترك، بل هو ركيك كما لا يخفى. ﴿فَانْبَاجٌ بَلْمَعْرُوفِ وَدَآءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: فليكن اتِّباعٌ، أو: فالأمرُ اتباعٌ، (١) في (م): ما. (٢) قبلها في (م): على. الآية : ١٧٨ ١٠٩ سُوَّةُ الْبَقَة والمراد وصيةُ العافي بأن لا يشدِّد في طلب الدية على المعفوِّ له، ويُنْظِرَه إن كان مُعْسِراً، ولا يطالبه بالزيادة عليها، والمعفوِّ بأن لا يَمطل العافي فيها، ولا يبخس منها، ويدفعها عند الإمكان، وإلى هذا ذهب ابن عباس ها والحسن وقتادة ومجاهد. وقيل: المراد: فعلى المعفوِّ له الاتِّباعُ والأداء. والجملة خبر ((مَنْ)) على تقدير موصوليَّتها، وجوابُ الشرط على تقدير شرطيَّتها . وربَّما يُستدل بالآية على أنَّ مقتضى العمد القصاصُ وحده، حيث رتَّب الأمر بأداء الدية على العفو المرتَّب على وجوب القصاص. واستدلَّ بها بعضُهم على أنَّ الدية أحد مقتضى العمد، وإلا لَمَا رَتَّب الأمر بأداء الدِّية على مطلق العفو الشاملِ للعفو عن كلِّ الدم وبعضه، بل يشترط رضا القاتل وتقييده بالبعض. واعترض بأنَّه إنَّما يتم لو كان التنوين في ((شيء)» للإبهام، أي: شيءٌ من العفو أيّ شيء كان ككلِّه أو بعضه، أما لو كان للتقليل فلا؛ إذ يكون الأمرُ بالأداء مرتَّباً على بعض العفو، ولا شكَّ أنه إذا تحقَّق عن الدم، يصير الباقي مالاً وإن لم يَرْضَ القاتل. وأيضاً الآية نزلت في الصلح وهو الموافق للَّام، فإنَّ ((عفا)) إذا استعملت بها كان معناها البدل، أي: فَمَن أعطي له من جهة أخيه المقتول شيء من المال بطريق الصلح، فلمَن أُعطي وهو الوليُّ مطالبةُ البدل عن مجاملة وحُسْنٍ معاملة، إلا أن يقال: إنَّها نزلت في العفو كما هو ظاهر اللفظ، وبه قال أكثر المفسرين. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الحكم المذكور في ضمن بيان العفو والدية ﴿تَغْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ لِمَا في شرعيَّة العفو تسهيلٌ على القاتل، وفي شرعيَّة الدية نفعٌ لأولياء المقتول. وعن مقاتل: إنَّه كتب على اليهود القصاص وحده، وعلى النصارى العفو مطلقاً، وخيَّر هذه الأمةَ بين الثلاث تيسيراً عليهم وتنزيلاً للحكم على حسب المنازل، وعلى هذا يكون ﴿فَمَن تَصَدَّفَ﴾ [المائدة: ٤٥] بياناً لحكم هذه الشريعة بعد حكاية حكم كان في التوراة، وليس داخلاً تحت الحكاية. سُؤَدَّةُ الْبَكَة ١١٠ الآية : ١٧٩ ﴿فَمَنِ أَعْتَّدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: تَجاوَز ما شُرع، بأن قتل غيرَ القاتل بعد ورود هذا الحكم، أو قتلَ القاتل بعد العفو وأخذ الدية ﴿فَلَمُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (3)﴾ أي: نوع من العذاب مؤلم، والمتبادر أنَّه في الآخرة، والمروي عن الحسن وابن جبير أَنَّه في الدنيا، بأن يُقتل لا محالة، ولا يقبل منه دية؛ لِمَا أخرجه أبو داود من حديث سمرة مرفوعاً: ((لا أعافي أحداً قتلَ بعْدَ أخذِ الدِّية))(١). ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَوَةٌ﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ والمقصود منه توطينُ النفس على الانقياد لحكم القصاص لكونه شاقًّا للنفس، وهو كلامٌ في غاية البلاغة، وكان أوجزُ كلام عندهم في هذا المعنى: القتلُ أَنْفَى للقتل، وفَضْلُ هذا الكلام عليه من وجوه: الأول: قلَّةُ الحروف، فإنَّ الملفوظَ هنا عشرة أحرف إذا لم يعتبر التنوين حرفاً على حدة، وهناك أربعة عشر حرفاً . الثاني: الاطّراد، إذ في كلِّ قصاص حياة، وليس كلُّ قتل أنفى للقتل، فإنَّ القتل ظلماً أدعى للقتل. الثالث: ما في تنوين ((حياة)) من النوعية أو التعظيم. الرابع: صنعة الطباق بين القصاص والحياة؛ فإنَّ القصاص تفويتُ الحياة فهو مقابلها . الخامس: النصّ على ما هو المطلوب بالذات، أعني الحياة، فإنَّ نفي القتل إنَّما يطلب لها لا لذاته. السادس: الغرابة من حيث جَعْلُ الشيء فيه حاصلاً في ضدِّه، ومن جهة أنَّ المظروف إذا حواه الظرفُ، صانه عن التفرق، فكان القصاص فيما نحن فيه يحمي الحياة من الآفات. السابع: الخلوّ عن التكرار مع التقارب، فإنَّه لا يخلو عن استبشاع، ولا يعدُّ ردُّ العجز على الصدر حتى يكون محسِّناً. (١) سنن أبي داود (٤٥٠٧)، وأخرجه أحمد (١٤٩١١)، وهو من حديث جابر ظه، وفيهما: لا أعفي ... ، والحديث ضعيف. الآية : ١٧٩ ١١١ سُورَةُ الْبََّة الثامن: عذوبة اللفظ وسلاستُه، حيث لم يكن فيه ما في قولهم من توالي الأسباب الخفيفة، إذ ليس في قولهم حرفان متحرِّكان على التوالي إلا في موضع واحد، ولا شكَّ أنه يُنقِص من سلاسة اللفظ وجريانه على اللسان. وأيضاً الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة؛ لُبُعد الهمزة من اللام، وكذلك الخروجُ من الصاد إلى الحاء أعدلُ من الخروج من الألف إلى اللام. التاسع: عدم الاحتياج إلى الحيثية، وقولُهم يحتاج إليها . العاشر: تعريف ((القصاص)) بلام الجنس الدالّة على حقيقة هذا الحكم، المشتملة على الضَّرْب والجرح والقتل وغير ذلك، وقولهم لا يشمله. الحادي عشر: خلُوُّه من أَفْعَل الموهم أنَّ في الترك نفياً للقتل أيضاً. الثاني عشر: اشتماله على ما يصلح للتفاؤل(١) - وهو الحياة - بخلاف قولهم، فإنَّه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان، وإنه لممًّا يليق بهم. الثالث عشر: خلوُّه عما يوهمه ظاهر قولهم من كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه، وهو محال. إلى غير ذلك، فسبحان مَن عَلَتْ كلمتُه، وبَهرَتْ آيتُه. ثم المراد بالحياة إما الدنيوية وهو الظاهر؛ لأنَّ في شرع القصاص والعلم به يُرْدَعُ(٢) القاتل عن القتل، فيكون سببَ حياة نفسين في هذه النشأة، ولأنَّهم كانوا يقتلون غيرَ القاتل، والجماعةَ بالواحد، فتثورُ الفتنة بينهم، وتقوم حرب البسوس على ساق، فإذا اقتُصَّ من القاتل سَلِم الباقون، ويصير ذلك سبباً لحياتهم. ويلزم على الأول الإضمار، وعلى الثاني التخصيص. وإما الحياة الأخروية بناءً على أنَّ القاتل إذا اقتُصَّ منه في الدنيا، لم يؤاخَذ بحقِّ المقتول في الآخرة، وعلى هذا يكون الخطاب خاصًّا بالقاتلين، والظاهر أنَّه عامٌّ. (١) في (م): للقتال، وهو تصحيف، وينظر غرائب القرآن النيسابوري ٢/ ٩٠. (٢) في الأصل و(م): يروع. والمثبت من تفسير البيضاوي ٢١٤/١، وتفسير أبي السعود ١٩٦/١. سُؤَدَّةُ الْبََّقَة ١١٢ الآية : ١٨٠ والظرفان إمَّا خبران لـ ((حياة))، أو أحدهما خبر والآخر صلةٌ له، أو حالٌ من المستکنِّ فیه. وقرأ أبو الجوزاء: ((في القصص)) (١)، وهو مصدر بمعنى المفعول، والمراد من المقصوص هذا الحكمُ بخصوصه، أو القرآنُ مطلقاً وحينئذ يراد بالحياة حياةٌ القلوب لا حياةُ الأجساد، وجوِّز كون ((القصص)) مصدراً بمعنى القصاص، فتبقى الحياة على حالها . ﴿يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ يا ذوي العقول الخالصة عن شوب الهوى، وإنَّما خصَّهم بالنداء مع أنَّ الخطاب السابق عامٌّ، لأنَّهم أهلُ التأمُّل في حكمة القصاص، من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس. وقيل: للإشارة إلى أنَّ الحكم مخصوصٌ بالبالغين دون الصبيان. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ربَّكم باجتناب معاصيه المُفْضِيةِ إلى العذاب أو القتل، بالخوف من القصاص، وهو المروي عن ابن عباس والحسن وزيد . والجملة متعلِّقة بأول الكلام. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ بيانُ حكم آخر من الأحكام المذكورة، وفَصَله عمَّا سبق؛ للدلالة على كونه حكماً مستقلاً، كما فَصَل اللاحق لذلك، ولم يصدِّره بـ: يا أيها الذين آمنوا؛ لقرب العهد بالتنبيه مع ملابسته بالسابق في كون كلٍّ منهما متعلقاً بالأموات، أو لأنَّه لمَّا لم يكن شاقًّا لم يصدِّره كما صدَّر الشاقّ تنشيطاً لفعله. والمراد من حضور الموت حضورُ أسبابه وظهورُ أماراته من العلل والأمراض المخوفة، أو حضوره نفسه ودنوُّه، وتقديم المفعول لإفادة كمال تمكّن الفاعل عند النفس وقت وروده عليها . ﴿إِن تَّرَكَ خَيْرًا﴾ أي: مالاً، كما قاله ابن عباس رَته ومجاهد، وقيَّده بعضُهم بكونه كثيراً؛ إذ لا يقال في العرف للمال خيرٌ إلا إذا كان كثيراً، كما لا يقال: فلان ذو مال، إلا إذا كان له مال كثير. (١) القراءات الشاذة ص١١. الآية : ١٨٠ ١١٣ سُورَةُ الجَقَة ويؤيِّده ما أخرجه البيهقيُّ وجماعةٌ عن عروة: أنَّ عليًّا كرَّم الله تعالى وجهه دخل على مولّى له في الموت وله سبعُ مئة درهم أو ستُّ مئة درهم، فقال: ألا أوصي؟ قال: لا، إنَّما قال الله تعالى: ﴿إِن تَرَّكَ خَيْرًا﴾ وليس لك كثيرُ مال، فدع مالك لورثتك(١). وما أخرجه ابن أبي شيبة(٢) عن عائشة ؤنا أنَّ رجلاً قال لها: أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالُك؟ قال: أربعة. قالت: قال الله تعالى: ﴿إِن تَّرَّكَ خَيْرًّا﴾ وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل. والظاهر من هذا أنَّ الكثرة غيرُ مقدَّرة بمقدار، بل تختلف باختلاف حال الرجل، فإنَّه بمقدارٍ من المال يوصف رجل بالغنى ولا يوصف به غيره لكثرة العيال. وعن ابن عباس ظي ما تقديرها، فقد أخرج عبد بن حميد(٣) عنه: مَن لم يترك ستين ديناراً لم يترك خيراً . ومذهب الزهري أنَّ الوصيةَ مشروعة مما قلَّ أو كثر، فالخيرُ عنده المال مطلقاً، وهو أحدُ إطلاقاته، ولعلَّ اختياره إيذاناً بأنَّه ينبغي أن يكون الموصى به حلالاً طيباً لا خبيثاً؛ لأنَّ الخبيث يجب ردُّه إلى أربابه ويأثم بالوصية فيه. ﴿اَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ مرفوع بـ ((كُتب))، وفي الرضي: إذا كان الظاهر غيرَ حقيقيّ التأنيث منفصلاً، فتَرْكُ العلامة أَحْسَنُ؛ إظهاراً لفضل الحقيقيٍّ على غيره، ولهذا اختير هنا تذكير الفعل. والوصية: اسم من أوصى يوصي، وفي ((القاموس)): أوصاه ووصَّاه توصيةً: عَهِدَ إليه، والاسم الوَصَاة والوصاية والوَصِيّة(٤)، وهي الموصى به أيضاً. والجار (١) سنن البيهقي ٦/ ٢٧٠ بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٣٥١)، والطبري في تفسيره ١٣٧/٣. (٢) في مصنفه ٢٠٨/١١. (٣) كما في الدر المنثور ١/ ١٧٤ . (٤) في الأصل: الوصاة والوصية، وفي (م): الوصاية والوصية، والمثبت من القاموس (وصی). سُورَةُ الشََّنَة ١١٤ الآية : ١٨٠ متعلق بها فلا بدَّ من تأويلها بـ ((أنْ)) مع الفعل عند الجمهور، أو بالمصدر بناء على تحقيق الرضيِّ من أنَّ عمل المصدر لا يتوقف على تأويله، وهو الراجح ولذلك ذكر الراجع في ((بدَّله)). وجوِّز أن يكون النائب ((عليكم))، و((الوصية)) خبرَ مبتدأ، كأنَّه قبل: ما المكتوب؟ فقيل: هو الوصية، وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه ((كتب عليكم)). وقيل: مبتدأ خبره للوالدين، والجملة جواب الشرط بإضمار الفاء؛ لأنَّ الاسمية إذا كانت جزاء لا بد فيها منها، والجملة الشرطية مرفوعة بـ ((كُتب))، أو ((عليكم)) وحده، والجملة استئنافية. وردًّ بأنَّ إضمار الفاء غير صحيح لا يُجترى عليه إلا في ضرورة الشعر كما قال الخليل. والعامل في ((إذا)) معنى ((كُتب))، والظرف قيدٌ للإيجاب من حيث الحدوث والوقوع، والمعنى: توجّه خطاب الله تعالى عليكم ومقتضى كتابته إذا حضر، وغيِّر إلى ما ترى لينضم(١) إلى هذا المعنى أنَّه مكتوب في الأزل. وجوّز أن يكون العامل ((الوصية))، وهي وإن كانت اسماً إلا أنها مؤوَّلة بالمصدر أو بـ : ((أنْ)) والفعل، والظرفُ مما يكفيه رائحة الفعل؛ لأنَّ له شأناً ليس لغيره؛ لتنزيله من الشيء منزلةً نفسه لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه، ولهذا توسّع في الظروف ما لم يُتوسّع في غيرها، وليس كلُّ مؤوَّل بشيء حكمه حكم ما أوِّل به، وقد كثر تقديم معمول المصدر عليه في الكلام، والتقدير تكلّف. ولا يَرِدُ على التقديرين أنَّ الوصية واجبة على مَن حضره الموت لا على جميع المؤمنين عند حضور أحدهم الموت؛ لأنَّ ((أحدكم)» يفيد العموم على سبيل البدل، فمعنى ((إذا حضر أحدكم الموت)): إذا حضر واحداً بعد واحد، وإنَّما زيد لفظ ((أحد)) للتنصيص على كونها فرضَ عينٍ لا كفايةٍ، كما في ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ القَلْلِّ﴾ . والقول بأنَّ الوصية لم تفرض على مَن حضره الموت فقط، بل عليه بأن يوصي وعلى الغير بأن يحفظ ولا يبدّل، ولهذا قال: ((عليكم)) وقال: ((أحدكم)) لأنَّ الموت (١) في الأصل و(م): لينظم، والصواب ما أثبتناه. الآية : ١٨٠ ١١٥ سُورَةُ الْبَقَة يحضر أحد المخاطبين بالافتراض عليهم= ليس بشيء؛ لأنَّ حفظ الوصية إنَّما يفرض على البعض بعد الوصية لا وقت الاحتضار، فكيف يصحّ أن يقال: فُرِضَ عليكم حِفْظُ الوصية إذا حضر أحدكم الموت، ولأنَّ إرادة الإيصاء وحفظَه من الوصية تعشُّف لا يخفى. واختار بعض المحققين أنَّ ((إذا)) شرطية، وجوابُ كلٍّ من الشرطين محذوف، والتقدير: إذا حضر أحدكم الموتُ فليوصٍ إن ترك خيراً فليوص، فحذف جواب الشرط الأول لدلالة السياق عليه، وحذف جواب الشرط الثاني لدلالة الشرط الأول وجوابِه عليه، والشرط الثاني عند صاحب ((التسهيل)) مقيِّد للأول، كأنَّ قيل: إذا حضر أحدكم الموتُ تاركاً للخير فليوصِ، ومجموعِ الشرطين معترِضٌ بين (كتب)) ومرفوعه(١) لبيان كيفية الإيصاء، قيل: ولا يخفى أنَّ هذا الوجهَ مع غَنائه عن تكلُّفِ تصحيح الظرفية وزيادة لفظ ((أحد)) أنسب بالبلاغة القرآنية، حيث ورد الحكم أولاً مجملاً ثَمَّ مفصَّلاً، ووقع الاعتراض بين الفعل وفاعله؛ للاهتمام ببيان كيفية الوصية الواجبة. انتهى، وأنت تعلم ما في ذلك من كثرة الحذف المهوِّنة لِمَا تقدَّم. ثمّ إنَّ هذا الحكم كان في بدء الإسلام، ثمَّ نسخ بآية المواريث، كما قاله ابن عباس وابن عمر وقتادة وشريح ومجاهد وغيرهم. وقد أخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذيُّ وصحَّحه، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، عن عمرو بن خارجة به أنَّ النبيَّ وَّه خطبهم على راحلته فقال: ((إنَّ الله قد قَسَمَ لكلِّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا تجوزُ لوارثٍ وصيّة))(٢). وأخرج أحمد والبيهقيُّ في ((سنته)) عن أبي أمامة الباهليّ، سمعتُ رسول الله والدول في حجَّة الوداع في خطبته يقول: ((إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصية لوارث)»(٣). (١) في (م): وفاعله. (٢) مسند أحمد (١٧٦٦٤)، وسنن الترمذي (٢١٢١) وسنن النسائي ٢٤٧/٦، وسنن ابن ماجه (٢٧١٢). (٣) مسند أحمد (٢٢٢٩٤)، وسنن البيهقي الكبرى ٢١٢/٦، وأخرجه أيضاً أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠) وحُسنه، وابن ماجه (٢٧١٣). سُولَةُ الجَفَقَة ١١٦ الآية : ١٨٠ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحو ذلك(١)، وهذه الأحاديث لتَلَقِّي الأمة لها بالقبول انتظمت في سلك المتواتر في صحة النسخ بها عند أئمتنا قدَّس الله أسرارهم، بل قال البعض: إنَّها من المتواتر وإنَّ التواتر قد يكون بنقلِ مَن لا يُتُصوَّر تواطؤهم على الكذب، وقد يكون بفعلهم بأن يكونوا عملوا به من غير نكير منهم، على أنَّ النسخ في الحقيقة بآية المواريث، والأحاديثُ مبيِّنَةٌ لجهة نسخها، وبيَّن فخر الإسلام ذلك بوجهين: الأول: أنَّها نزلت بعد آية الوصية بالاتفاق وقد قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُؤْمِى بِهَا أَوْ دَيٍِّ﴾ [النساء: ١١] فرتَّب الميراث على وصية منكَّرة، والوصية الأولى كانت معهودة، فلو كانت تلك الوصية باقية لوجب ترتيبُه على المعهود، فلمَّا لم يترتَّب عليه ورتّب على المطلق، دلَّ على نسخ الوصية المقيدة؛ لأنَّ الإطلاق بعد التقييد نسخٌ كما أنَّ التقييد بعد الإطلاق كذلك لتغاير المعنيين. والثاني: أنَّ النسخ نوعان، أحدهما: ابتداءٌ بعد انتهاءٍ مَحْضٍ، والثاني: بطريق الحوالة من محلٌّ إلى آخر كما في نسخ القبلة، وهذا من قبيل الثاني؛ لأنَّ الله تعالى فوَّض(٢) الإيصاء في الأقربين إلى العباد بشرط أن يراعوا الحدود، ويبيِّنوا حقَّ كلِّ قريب بحَسَبٍ قرابته، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَلْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالعدل، ثم لَمَّا کان الموصي قد لا يحسن التدبير في مقدار ما یوصي لكل واحد منهم، وربما كان يقصد المُضَارَّة، تولَّى بنفسه بيانَ ذلك الحقِّ على وجهٍ تيقَّن به أنَّه الصواب، وأنَّ فيه الحكمة البالغة، وقَصَره على حدود لازمة من السدس والثلث والنصف والثمن لا يمكن تغيرها، فتحوَّل من جهة الإيصاء إلى الميراث فقال: ﴿يُصِيكُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أي: الذي فوَّض إليكم تولَّى شأنه بنفسه: إذ عجزتم عن مقاديره لجهلكم، ولما بيَّن بنفسه ذلك الحقَّ بعينه، انتهى حكم تلك الوصية لحصول المقصود بأقوى الطرق، کمَن أمره غیرُه بإعتاق عبده ثمّ أعتقه بنفسه، فإنَّه بذلك انتهى حكمُ الوكالة، وإلى ذلك تشير الأحاديث؛ لِمَا أنَّ الفاء تدلُّ على سببية ما قبلها لِمَا بعدها. (١) الدر المنثور ١/ ١٧٥. (٢) في (م): فرض. الآية : ١٨٠ ١١٧ سُؤَدَّةُ الْبَقَة فما قيل: من(١) أنَّ آية المواريث لا تعارض هذا الحكم، بل تحقّقه من حيث تدل على تقديم الوصية مطلقاً، والأحاديثُ من الآحاد، وتَلَقِّي الأمة لها بالقَبول لا تُلحقها بالمتواتر، ولعلَّه احترز عن النسخ مَن فسَّر ((الوصية)» بما أوصى به الله عزَّ وجلَّ من توريث الوالدين والأقربين بقوله سبحانه: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ﴾ [النساء: ١١] أو بإيصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى به الله تعالى عليهم = على ما فيه، بمعزل عن التحقيق. وكذا ما قيل: من أنَّ الوصية للوارث كانت واجبةً بهذه الآية من غير تعيين لأنصبائهم، فلمَّا نزلت آيةُ المواريث بياناً للأنصباء بلفظ الإيصاء، فُهم منها بتنبيه النبي ◌َ﴿ أنَّ المراد منه هذه الوصيةُ التي كانت واجبة، كأنه قيل: إنَّ الله تعالى أوصى بنفسه تلك الوصية ولم يفوِّضها إليكم، فقام الميراث مَقام الوصية، فكان هذا معنى النسخ، لا أنَّ فيها دلالةً على رفع ذلك الحكم؛ لأن كون آية المواريث رافعةً لذلك الحكم، مبينةً لانتهائه، مما لا ينبغي أن يشتبه على أحد. ثَّ إنَّ القائلين بالنسخ اختلفوا، فمنهم من قال: إنَّ وجوبَها صار منسوخاً في حقِّ الأقارب الذين يرثون، وبقي في حقِّ الذين لا يرثون من الوالدين والأقربين كأن يكونوا كافرين، وإليه ذهب ابن عباس رضيًا، وروي عن علي كرَّم الله تعالى وجهَه: مَن لم يوصٍ عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث، فقد ختم عمله بمعصية. ومنهم مَن قال: إنَّ الوجوب صار منسوخاً في حقِّ الكافَّة، وهي مستحبة في حقِّ الذين لا يرثون، وإليه ذهب الأكثرون، واستدل محمد بن الحسن بالآية على أنَّ مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين لعطفه عليه. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٣)﴾ مصدر مؤكِّد للحدث الذي دلَّ عليه (كُتب)»، وعامله إما (كُتب)) أو ((حَقَّ) محذوفاً، أي: حَقَّ ذلك حقًّا، فهو على طرز: قعدتُ جلوساً، ويحتمل أن یکون مؤكّداً لمضمون جملة («کتب علیکم)) وإن اعتبر إنشاءً فیکون علی طرز: له عليّ ألفٌ عرفاً(٢). وجَعْلُه صفةً لمصدرٍ محذوف، أي: إيصاءً حقًّا، ليس بشيء. (١) قبلها في (م): إن. (٢) أي: اعترافاً، فاعتراف مصدر منصوب بفعل محذوف وجوباً، والتقدير: أعترف اعترافاً، ويُسمَّى مؤكّداً لنفسه؛ لأنه مؤكّدٌ للجملة قبله، وهي نفس المصدر، بمعنى أنها لا تحتمل سواه. شرح الألفية لابن عقيل ١/ ٧٠ ٥. سُؤَدَّةُ الْبَقْقَة ١١٨ الآية : ١٨١ وعلى التقديرين: ((على المتقين)) صفةٌ له، أو متعلّق بالفعل المحذوف على المختار، ويجوز أن يتعلق بالمصدر؛ لأنَّ المفعول المطلق يعمل نيابة عن الفعل. والمراد بالمتقين: المؤمنون، ووضع المُظهَر موضع المضمر للدلالة على أنَّ المحافظةً على الوصية والقيامَ بها من شعائر المتقين الخائفين من الله تعالى. ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ أي: غيَّر الإيصاء من شاهد ووصيّ، وتغييرُ كلٍّ منهما إما بإنكار الوصية من أصلها، أو بالنقص فيها، أو بتبديل صفتها، أو غير ذلك. وجَعَل الشافعية من التبديل عموم وصيته مَن أوصى إليه بشيء خاص، فالموصَى بشيء خاصٍّ لا يكون وصيًّا في غيره عندهم، ويكون عندنا، وليس ذلك من التبديل في شيء. ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ أي: عَلِمَه وتحقَّق لديه، وكنى بالسماع عن العلم؛ لأنَّه طريقُ حصوله ﴿فَإِنََّآ إِثْمُهُ، عَلَى الَّذِينَ يُبَيِّلُونَهُ؟﴾ أي: فما إثم الإيصاء المبدَّل أو التبديل - والأول رعايةٌ لجانب اللفظ، والثاني رعاية لجانب المعنى - إلا على مبدِّليه لا على الموصي؛ لأنَّهم الذين خالفوا الشرع وخانوا، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على علَّّة التبديل للإثم، وإيثار صيغة الجمع مراعاة لمعنى مَنْ، وفيه إشعارٌ بشمول الإثم لجميع الأفراد. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾﴾ فيسمع أقوال المبدِّلين والموصين، ويعلم بنيَّاتهم فيجازيهم على وفقها، وفي هذا وعيدٌ للمبدِّلين ووعدٌ للموصين. واستدل بالآية على أنَّ الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية ولا يلحقه ضررٌ إن لم يُعمل بها، وعلى أنَّ مَن كان عليه دين فأوصى بقضائه، سَلِمَ من تَبِعته يوم القيامة(١) وإنْ ترك الوصيُّ والوارث قضاءه، وإلى ذلك ذهب إلكيا(٢). والذي يميل القَلب إليه: أنَّ المديون لا تبعةً عليه بعد الموت مطلقاً، ولا يحبس في قبره كما يقوله الناس، أما إذا لم يترك شيئاً ومات مُعْسراً فظاهرٌ؛ لأنَّه لو بقي حيًّا لا شيء عليه بعد تحقّق إعساره سوى نَظِرةٍ إلى ميسرة، فمؤاخذتُه وحبسُه في (١) في (م): في الآخرة. (٢) هو أبو الحسن علي بن محمد الطبري الهرَّاسي، المتوفى سنة (٥٠٤هـ)، وكلامه في أحكام القرآن له ١/ ٦٠. الآية : ١٨٢ ١١٩ سُورَةُ الْبَقَة قبره بعد ذهابه إلى اللطيف الخبير مما لا يكاد يُعقل، وأما إذا ترك شيئاً وعلم الوارث بالدَّين أو بُرهن عليه به، كان هو المطالب بأدائه والملزَمَ بوفائه، فإذا لم يؤدِّ ولم يفِ أُوخِذَ هو لا مَن مات وتَرَك مَا يوفَّى منه دينُه كلَّا أو بعضاً، فإن مؤاخذة مَن يقول: يا رب تركت ما يفي ولم يفِ عني مَنْ أوجبت عليه الوفاء بعدي، ولو أمهلتني لوفَّيت، مما ينافي الحكمة، ولا تقتضيه الرحمة، نعم المؤاخذة معقولة فيمَن استدان الحرام، وصرف المال في غير رضا الملك العلَّام، وما ورد في الأحاديث محمول على هذا أو نحوِهِ، وأَخْذُ ذلك مطلقاً مما لا يقبله العقلُ السليم والذهنُ المستقيم. ﴿فَمَنْ غَافَ مِن مُّوصٍ جَنًَّا أَوْ إِثْمًا﴾ الجنف مصدرُ جَنِفَ كفرح: مطلقُ الميل والجور، والمراد به: الميل في الوصية من غير قصدٍ بقرينة مقابلته بالإثم، فإنَّه إنما يكون بالقَصد، ومعنى خاف: توقَّع وعلم، ومنه قوله: تُروِّي عِظامي بعدَ مَوْتي عُروقُها إذا مِتُّ فادفِنِّي إلى جَنْبٍ كَرْمةٍ أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذوقُها(١) ولا تَدْفِئَنِّي بالفَلاة فإنَّني وتحقيق ذلك أنَّ الخوف حالةٌ تعتري عند انقباضٍ من شرِّ متوقَّع، فلتلك الملابسة استُعمل في المتوقَّع، وهو قد يكون مظنونَ الوقوع وقد يكون معلومَه، فاستعمل فيهما بمرتبة ثانية؛ ولأنَّ (٢) الأول أكثر كان استعماله فيه أظهر، ثمَّ أصله أن يستعمل في الظنِّ والعلم بالمحذور، وقد يُتَّسَع في إطلاقه على المطلق، وإنَّما حُمِل على المجاز هنا لأنَّه لا معنى للخوف من الميل والإثم بعد وقوع الإيصاء. وقرأ أهلُ الكوفة - غير حفص - ويعقوبُ: ((منْ مُوَصِّ)) بالتشديد والباقون بالتخفيف(٣). ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الموصَى لهم من الوالدين والأقربين بإجرائهم على نهج الشرع. (١) البيتان لأبي محجن الثقفي، وهما في الشعر والشعراء ٤٢٤/١، والأغاني ١٨/ ٣٧٤، والأزهية ص٦٧، والخزانة ٣٩٨/٨. (٢) في الأصل: لأن. (٣) التيسير ص٧٩، والنشر ٢٢٦/٢. سُؤَدَّةُ الْبَقَة ١٢٠ الآية : ١٨٣ وقيل: المراد فعلُ ما فيه الصلاح بين الموصي والموصَى له، بأن يأمر بالعدل والرجوع عن الزيادة وكونها للأغنياء، وعليه لا يراد الصلح المرتَّب على الشقاق، فإنَّ الموصي والموصى له لم يقع بينهما شقاق. ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في ذلك التبديل؛ لأنَّ تبديلُ باطلٍ إلى حقٌّ بخلاف السابق. واستدل بالآية على أنَّه إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل الوصيةُ كلُّها خلافاً لزاعمه، وإنما يبطل منها ما زاد عليه؛ لأنَّ الله تعالى لم يبطل الوصية جملةً بالجور فيها، بل جعل فيها الوجه الأصلح. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ®﴾ تذييل أتى به للوعد بالثواب للمصلح على إصلاحه، وذكر المغفرة مع أنَّ الإصلاح من الطاعات - وهي إنَّما تليق من فِعْلٍ ما لا يجوز - لتقدُّم ذكر الإثم الذي تتعلَّق به المغفرة، ولذلك حسن ذكرُها. وفائدتها: التنبيه على الأعلى بما دونه، يعني أنَّه تعالى غفور للآثام، فلَأَنْ يكونَ رحيماً مَن أطاعه من باب الأَوْلى. ويحتمل أن يكون ذِكْرُها وعداً للمصلح بمغفرةٍ ما يفرّط منه في الإصلاح؛ إذ رُبَّما يحتاج فيه إلى أقوالٍ كاذبة وأفعالٍ تركُها أولى. وقيل: المراد: غفورٌ للجَنَّف أو الإثم الذي وقع من الموصي، بواسطة إصلاح الوصيِّ وصيتَه، أو غفورٌ للموصي بما حدَّث به نفسَه من الخطأ والعمد إذا رجع إلى الحق، أو غفورٌ للمصلح بواسطة إصلاحه بأن يكون الإصلاح مكفِّراً لسيئاته، والكل بعید. ﴿َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ﴾ بيانٌ لحكم آخرَ من الأحكام الشرعية، وتكريرُ النداء لإظهار الاعتناء مع بُعْدِ العهد. والصيام كالصوم مصدرُ صام، وهو لغةً: الإمساك، ومنه يقال للصمت صوم؛ لأنه إمساك عن الكلام. قال ابن دريد: كلُّ شيء تمكث حركته فقد صام، ومنه قول النابغة: خيلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحت العَجاجِ وأخرى تعلُكُ اللُّجُما(١) (١) جمهرة اللغة لابن دريد ٨٩/٣، والبيت في ديوان النابغة الذبياني ص١٣٠، وكتاب العين ٢٠٢/١، وتهذيب اللغة ٣١٣/١.