النص المفهرس

صفحات 41-60

الآية : ١٥٢
٤١
سُورَةُ الْجَرَة
إمَّا بتعليمه إياهم، أو بأمرهم بالعمل به، فهي إمَّا نفسُ التعليم أو أمرٌ لا تعلُّق له
به. وغاية ما يمكن أن يقال: إنَّ التعليم باعتبارٍ أنه يترتَّب عليه زوالُ الشكِّ وسائرٍ
الرذائل تزكيتُهُ (١) إياهم، فهو باعتبارٍ غايةٌ وباعتبارٍ مغيًّا، كالرمي والقتل في قولهم:
رماه فقتله. فافهم.
﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴿3﴾ مما لا طريق إلى معرفته سوى الوحي،
وكان الظاهر: ومالم تكونوا؛ ليكون من عطف المفرد على المفرد، إلا أنَّه تعالى
كرَّر الفعلَ؛ للدلالة على أنَّه جنسٌ آخر غيرُ مشارِكٍ لما قبله أصلاً، فهو تخصيصٌ
بعد التعميم، مبينٌ لكون إرساله وَّ نعمةً عظيمة، ولولاه لكان الخلقُ متحيِّرين في
أمر دينهم، لا يدرون ماذا يصنعون.
﴿فَذْكُرُونِ﴾ بالطاعة قلباً وقالباً، فيعمّ الذكرَ باللسان والقلب والجوارح:
فالأول - كما في ((المنتخب)) -: الحمد والتسبيح والتحميد وقراءة كتاب الله
تعالى.
والثاني: الفكر في الدلائل الدالَّة على التكاليف والوعد والوعيد، وفي
الصفات الإلهية والأسرار الربّانيَّة.
والثالث: استغراق الجوارح في الأعمال المأمورِ بها خاليةً عن الأعمال المنهيِّ
عنها .
ولكون الصلاة مشتملةً على هذه الثلاثة سماها الله تعالى ذكراً في قوله:
﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
وقال أهل الحقيقة: حقيقة ذكر الله تعالى أن ينسى كلَّ شيء سواه.
﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ أي: أجازِكُم بالثواب، وعبَّر عن ذلك بالذِّكر للمشاكَلَة، ولأنَّه نتيجتُه
ومنشؤه، وفي الصحيحين: (مَنْ ذكرني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومَنْ ذكرني في
ملأٍ ذكرتُه في ملأ خيرٍ من ملئه))(٢).
(١) في الأصل: تزكية.
(٢) قطعة من حديث أبي هريرة ظله، وهو في صحيح البخاري (٧٤٠٥)، وصحيح مسلم
(٢٦٧٥)، وأخرجه أحمد (٧٤٢٢).

سُؤَةُ الْبَرَة
٤٢
الآية : ١٥٣، ١٥٤
﴿وَأَشْكُرُواْ لِى﴾ ما أنعمت به عليكم، وهو و((اشكروني)) بمعنّى، و((لي)) أفصحُ
مع الشكر.
وإنَّما قدم الذكر على الشكر؛ لأنَّ في الذكر اشتغالاً بذاته تعالى، وفي الشكر
اشتغالاً بنعمته، والاشتغالُ بذاته تعالى أولى من الاشتغال بنعمته.
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ (٤)﴾ بجحدٍ نعمتي وعصيانِ أمري، وأردف الأمر بهذا النهي؛
ليفيد عمومَ الأزمان، وحذف ياء المتكلم تخفيفاً لتناسب الفواصل، وحذف(١) نون
الرفع للجازم.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ﴾ على الذكر والشكر وسائر الطاعات من
الصوم والجهاد، وتركِ المبالاة بطعن المعاندين في أمر (٢) القبلة. ﴿وَالضَّلَوَةِ﴾ التي
هي الأصل والموچِبُ لكمال التقرُّبِ إليه تعالی.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَِّبِينَ ﴾﴾ معيّة خاصة بالعون والنصر، ولم يقل: مع المصلين؛
لأنَّه إذا كان مع الصَّابرين كان مع المصلين من بابٍ أَوْلَى؛ لاشتمال الصلاة على
الصبر.
﴿وَلَا نَقُولُواْ﴾ عطفٌ على ((واستعينوا)) إلخ مسوقٌ لبيان أنَّه لا غائلة للمأمور به،
وأنَّ الشهادة التي ربَّما يؤدي إليها الصبر حياةٌ أبدية ﴿لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي:
في طاعته وإعلاء كلمته، وهم الشهداء، واللام للتعليل لا للتبليغ؛ لأنَّهم لم يبلِّغوا
الشهداء قولهم: ﴿أَقْوَتُّ﴾ أي: هم أموات. ﴿بَلْ أَنْيَّةٌ﴾ أي: بل هم أحياء،
والجملة معطوفة على ((لا تقولوا)) إضرابٌ عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد
ليكون في حيِّز القول، ويصير المعنى: بل قولوا أحياء؛ لأنَّ المقصود إثباتُ الحياةِ
لهم، لا أَمْرُهم بأن يقولوا في شأنهم: إنَّهم أحياء، وإن كان ذلك صحيحاً أيضاً.
﴿وَلَكِنْ لَّا تَشْعُرُونَ ﴾﴾ أي: لا تحسُّون ولا تدركون ما حالُهم بالمشاعر؛
لأنَّها من أحوال البرزخ التي لا يُطَّلع عليها، ولا طريقَ للعلم بها إلَّا بالوحي.
واختُلف في هذه الحياة؛ فذهب كثيرٌ من السلف إلى أنَّها حقيقية بالروح
(١) في (م): وحذفت.
(٢) في الأصل: بأمر، بدل: في أمر.

الآية : ١٥٤
٤٣
سُورَةُ الْبَغَة
والجسد ولكنَّا لا ندركها في هذه النشأة، واستدلَّوا بسياق قوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وبأنَّ الحياة الروحانية التي ليست بالجسد ليستْ من
خواصِّهم، فلا يكون لهم امتيازٌ بذلك على مَنْ عَدَاهم.
وذهب البعض إلى أنَّها روحانية، وکونھم یُرزقون لا ينافي ذلك، فقد روي عن
الحسن: إنَّ الشهداء أحياءٌ عند الله تعالى تُعْرض أرزاقُهم على أرواحهم فيَصِلُ إليهم
الرَّوْحِ(١) والفَرَح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًّا وعشيًّا فيَصِلُ إليهم
الوجع. فوصول هذا الرَّوْح إلى الرُّوح هو الرزق، والامتياز ليس بمجرَّد الحياة، بل
مع ما ينضمُّ إليها من اختصاصهم بمزيدٍ من القرب من الله عزَّ شأنه، ومزيدِ البهجة
والكرامة.
وذهب البلخي إلى نفي الحياة بالفعل عنهم مطلقاً، وأخرج الجملة الاسمية
الدالةَ على الاستمرار المستوعب للأزمنة من وقت القتل إلى ما لا آخر له عن
ظاهرها، وقال: معنى ((بل أحياء)): أنَّهم يَخْيَون يوم القيامة فيُجْزَوْن أحسنَ الجزاء،
[الانفطار: ١٣ - ١٤].
لِفِی
الْفُجَارَ
فالآية على حدٍّ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ( وَإِنَّ
وفائدة الإخبار بذلك الردُّ على المشركين حيث قالوا: إنَّ أصحاب محمد يقتلون
أنفسهم، ويخرجون من الدنيا بلا فائدة، ويضيِّعون أعمارَهم، فكأنَّه قيل: ليس
الأمر كما زعمتم، بل يَخْيَون ويخرجون.
وذهب بعضُهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بما نالوا من الذِّكْر الجميل والثناء
الجليل، كما روي عن عليٍّ كرم الله وجهه: هلك خُزَّان الأموال، والعلماءُ باقون
ما بقي الدهر، أعيانُهم مفقودةٌ وآثارُهم في القلوب موجودة.
وحكي عن الأصمِّ أنَّ المراد بالموت والحياة الضلالُ والهدى، أي: لا تقولوا:
هم أمواتٌ في الدِّين ضالّون عن الصراط المستقيم، بل هم أحياءٌ بالطاعة قائمون
بأعبائها .
ولا يخفى أنَّ هذه الأقوالَ - ما عدا الأوَّلَيْنِ - في غاية الضعف، بل نهايةٍ
البطلان، والمشهورُ ترجيحُ القول الأول، ونُسب إلى ابن عباس وقتادة ومجاهد
(١) الرَّوْح: الراحة والرحمة. القاموس (روح).

سُوَّةُ الْبَّفَقَة
٤٤
الآية : ١٥٤
والحسنِ وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجبائيِّ والرُّمَّانيِّ وجماعةٍ من
المفسرين. لكنَّهم اختلفوا في المراد بالجسد:
فقيل: هو هذا الجسد الذي هُدِمتْ بنيتُه بالقتل، ولا يعجز الله تعالى أن يُحِلَّ به
حياةً تكون سببَ الحسِّ والإدراك، وإن كنَّا نراه رمَّةً مطروحةً على الأرض،
لا يتصرف، ولا يُرى فيه شيءٌ من علامات الأحياء، فقد جاء في الحديث: «أنَّ
المؤمنَ يُفْسَحُ له مدَّ بصره، ويقال له: نَمْ نومةَ العَرُوس))(١) مع أنَّا لا نشاهد ذلك؛
إذ البرزخ برزخٌ آخر بمعزلٍ عن أذهاننا وإدراك قوانا .
وقيل: جسدٌ آخرُ على صورة الطَّير تتعلق الرُّوح فيه، واستُدلَّ بما أخرجه
عبدُ الرزاق عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ أرواحَ
الشهداء في صورٍ طيرٍ خُضْرٍ، معلّقة في قناديل الجنة حتى يرجعها الله تعالى يومَ
القيامة))(٢).
ولا يعارِضُ هذا ما أخرجه مالك وأحمد والترمذيُّ وصحَّحه والنسائي وابن
ماجه عن كعب بن مالك: أنَّ رسول اللهِ وَّهِ قال: ((إنَّ أرواح الشهداءِ في أجواف
طيرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ من ثمر الجنة)) أو ((شجر الجنة))(٣). ولا ما أخرجه مسلم في
صحيحه عن ابن مسعود مرفوعاً: ((إنَّ أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور
خُضْرٍ تَسْرح في أنهار الجنةِ حيث شاءت، ثمَّ تأوي إلى قناديلَ تحت العرش)،(٤)
لأنَّ كونَها في الأجواف، أو في الحواصل، يجامع كونَها في تلك الصور؛ إذ
الرائي لا یری سواها .
وقيل: جسدٌ آخَرُ على صُوَر أبدانهم في الدنيا، بحيث لو رأى الرائي أحدَهم
(١) أخرجه مطولاً الترمذي (١٠٧١) من حديث أبي هريرة عليه، وقال: حسن غريب.
(٢) مصنف عبد الرزاق (٩٥٥٦)، وهو حديث مرسل، عبد الله بن كعب، قال عنه العجلي:
مدني تابعي ثقة. التهذيب ٤٠٩/٢ .
(٣) موطأ مالك ١/ ٢٤٠، ومسند أحمد (٢٧١٦٦)، وسنن الترمذي (١٦٤١)، وسنن النسائي
(المجتبى) ١٠٨/٤، وسنن ابن ماجه (٤٢٧١). ووقع عند مالك والنسائي وابن ماجه:
إنما نسمة المؤمن طائر يعلق ... ، وهو موافق لرواية الحديث عند أحمد (١٥٧٧٨).
(٤) صحيح مسلم (١٨٨٧).

الآية : ١٥٤
٤٥
سُورَةُ الْبَيْرَ
لقال: رأيتُ فلاناً، وإلى ذلك ذهب بعضُ الإمامية، واستدلُّوا بما أخرجه
أبو جعفر (١) مسنداً إلى يونس بن ظبيان قال: كنتُ عند أبي عبد الله جالساً فقال:
ما تقولُ الناس في أرواح المؤمنين؟ قلت: يقولون: في حَوَاصِل طير خُضْرٍ في
قناديلَ تحت العرش. فقال أبو عبد الله: سبحان الله! المؤمنُ أكرم على الله من أن
يَجْعل روحَه في حَوْصلة طائر أخضر، يا يونس(٢)، المؤمنُ إذا قَبَضه الله تعالى صيّر
روحه في قالبٍ كقالبه في الدنيا، فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عَرَفوه
بتلك الصورة التي كانت في الدنيا .
ووجهُ الاستدلال إذا كان المرادُ بالمؤمنين الشهداءَ ظاهرٌ، وأمَّا إذا كان المرادُ
بهم سائرَ مَن آمَنَ، فيعلم منه حالُ الشهداء - وأنَّ أرواحهم ليست في الحواصل -
بطريق الأولى.
وعندي أنَّ الحياة في البرزخ ثابتةٌ لكلِّ مَنْ يموت من شهيد وغيره، وأنَّ
الأرواحَ وإن كانت جواهرَ قائمةً بأنفُسها، مغايرةً لِمَا يُحَسُّ به من البدن، لكن
لا مانع من تعلُّقها ببدن برزخيٍّ مغاير لهذا البدن الكثيف، وليس ذلك من التناسخ
الذي ذهب إليه أهل الضلال، وإنَّما يكون منه لو لم تَعُد إلى جسم نَفْسِها الذي
كانت فيه، والعودُ حاصل في النشأة الجنانية. بل لو قلنا بعدم عَوْدِها إليه، والتزمنا
العود إلى جسم مشابه لِمَا كان في الدنيا، مشتمِلٍ على الأجزاء النطفية (٣) الأصلية،
أو غير مشتملٍ، لا يلزم ذلك التناسخ أيضاً؛ لأنَّهم قالوه على وجهٍ نَفوا به الحَشْر
والمعاد، وأثبتوا فيه سَرْمديةَ عالَمِ الكون والفساد.
وأنَّ أرواح الشهداء يَثْبتُ لها هذا التعلُّق على وجهٍ يمتازون به عمَّنِ عَدَاهم،
إمَّا في أصل التعلَّق، أو في نفس الحياة، بناءً على أنَّها من المشكَّك لا المتواطئ،
(١) الطوسي، محمد بن الحسن بن علي، شيخ الشيعة، وصاحب التصانيف، أخذ عن رأس
الإمامية الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي، ولزمه وبرع، وصنف التفسير،
توفي سنة (٤٦٠هـ). السير ٣٣٤/١٨. وهذا الخبر أخرجه في كتابه تهذيب الأحكام،
كما ذكر الطبرسي في مجمع البيان ٢/ ٣٧.
(٢) وقع في (م) بدل (یا یونس)): يؤنس.
(٣) في (م): النطقية.

سُورَةُ الْبََّقَة
٤٦
الآية : ١٥٤
أو في نفس المتعلّق به، مع ما ينضمُّ إلى ذلك من البهجة والسُّرور والنعيم اللائق
بهم، والذي يميل القلبُ إليه أن لهاتيك الأبدان شَبّهاً تامًّا صوريًّا بهذه الأبدان،
وأنَّ الموادَّ مختلفةٌ والأجزاءَ متفاوتةٌ؛ إذ فرقٌ بين العالمين، وشئَّانَ ما بين
البرزخین.
ويمكن حملُ أحاديث الطير على تشبيه هذه الأبدان الغضَّة الطريّة بسرعة
حركتها، وذهابِها حيثُ شاءت، بالطير الخُضْر، وتُحْمل الصورةُ على الصفة
كما حُملت على ذلك في حديث: ((خُلِقَ آدمُ على صورة الرَّحمن))(١).
واستبعادُ أبي عبد الله رَّه ما تقدَّم محمولٌ على ما يفهمه العامَّة من ظاهر
اللَّفظ، ولمزيدِ الإيضاح اللائق بعوامٌ وقته عَدَل عنه إلى عبارةٍ لا يتراءى منها شائبةٌ
استبعادٍ كما يتراءى من ظاهر الحديث، حتى إنَّ بعض العلماء لذلك حملوا ((في))
فيه على (على))، وهو إما تجاهلٌ أو جهلٌ بأنَّ صغرَ المتعلَّق أو ضِيقَه - لو كان
موجوداً فيما نحن فيه - لا يضرُّ الروحَ شيئاً، ولا ينافي نعيمَها، أو ظنٍّ بأنَّ لتلك
الصورة روحاً غيرَ روح الشهيد فلا يمكن أن تتعلَّق بها روحان، والأمر على خلاف
ما يظنُّون.
وإن شئتَ قلتَ بتمثُّل الروح نفسها صورةً؛ لأنَّ الأرواح في غاية اللطافة،
وفيها قوةُ التجسُّد، كما يُشعر به ظهورُ الروح الأمين عليه السلام بصورة دِحية
الكلميّ څ﴾(٢).
وأمَّا القول بحياة هذا الجسد الرميم مع هدم بُنْيته وتفرُّقٍ أجزائه وذهاب هيئته،
وإن لم یکن ذلك بعيداً عن قدرة من يبدأ الخلق ثم يُعیدہ، لکن لیس إلیه کثیرُ
حاجَّة، ولا فيه مزيدُ فضل، ولا عظيمُ منَّة، بل ليس فيه سوى إيقاعٍ ضَعَفة المؤمنين
بالشكوك والأوهام، وتكليفهم من غير حاجة بالإيمان بما يَعُدُّونَ قائلَه من سَفَهة
الأحلام، وما يُحْكى من مشاهدة بعض الشهداء الذين قتلوا منذ مئات سنين، وأنَّهم
(١) سلف ٢/ ٩٠-٩١، وينظر الكلام عليه هناك.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٣٣)، ومسلم (٢٤٥١) من حديث أسامة بن زيد ◌ًا. وأخرجه أحمد
(٥٨٥٧) من حديث ابن عمر ـ

الآية : ١٥٥
٤٧
سُورَةُ الْبَرَة
إلى اليوم تشخبُ جروحُهم دماً إذا رفعت العصابة عنها، فذلك مما رواه هيَّان بن
بَيَّان، وما هو إلا حديثُ خرافة، وكلامٌ يشهد على مصدِّقيه بقديم (١) السخافة.
هذا ثم إنَّ نهي المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشُّهداء: أمواتٌ، إما أن يكون
دفعاً لإيهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البرزخ، وتلك خصوصيَّةٌ لهم وإن شاركهم في
النعيم - بل وزاد عليهم - بعضُ عباد الله تعالى المقرَّبين ممن يقال في حقٌّهم ذلك،
وإما أن يكون صيانةً لهم عن النطق بكلمةٍ قالها أعداءُ الدِّين والمنافقون في شأن
أولئك الكرام، قاصدين بها أنَّهم حُرِموا من النعيم ولم يَرَوْه أبداً، وليس في الآية نهي
عن نسبة الموت إليهم بالكلِّيَّة بحيث إنَّهم ما ذاقوه أصلاً ولا طرفة عين، وإلا لقال
تعالى: ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله ماتوا. فحيث عدل عنه إلى ما ترى، عُلم
أنَّهم امتازوا بعد أن قُتلوا بحياةٍ لائقة بهم، مانعةٍ عن أن يقال في شأنهم: أموات.
وعَدَل سبحانه عن ((قُتلوا)) المعبَّرِ عنه في ((آل عمران))(٢) إلى ((يقتل))
رَوْماً للمبالغة في النهي، وتأكيدُ الفعل في تلك السورة يقوم مقام هذا العدول هنا،
كما قرَّره بعضُ أحبابنا من الفضلاء المعاصرين.
والآية نزلتْ - كما أخرجه ابن منده(٣) عن ابن عباس رظه ـ في شهداء بدرٍ.
وكانوا عدّةَ لياليه (٤) ثمانيةً من الأنصار وستةً من المهاجرين حبه أجمعين.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ((استعينوا)) إلخ عطفَ المضمون على
المضمون، والجامعُ أنَّ مضمونَ الأولى طلبُ الصبر، ومضمونَ الثانية بيانُ مَواطنه،
والمراد: لَنُعاملنَّكم معاملة المبتلي والمختبر، ففي الكلام استعارةٌ تمثيلية؛ لأنَّ
الابتلاء حقيقة لتحصيل العلم، وهو محالٌ من اللطيف الخبير.
والخطاب عامٌّ لسائر المؤمنين. وقيل: للصحابة فقط، وقيل: لأهل مكةً فقط.
﴿بِشَىْءٍ مِّنَ اْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي: بقليل من ذلك، والقلَّة بالنسبة لِمَا حَفِظَهم عنه
(١) في (م): تقديم، وهو تصحيف.
(٢) الآية: (١٦٩).
(٣) نقله عنه في الدر المنثور ١٥٥/١.
(٤) أي: البدر.

سُورَةُ الْجَمَة
٤٨
الآية : ١٥٥
مما لم يقعْ بهم، وأخبرهم سبحانه به قبلَ وقوعه ليوظّنوا عليه نفوسَهم؛ فإنَّ
مفاجآت(١) المكروه أَشدُّ، ويزداد يقينُهم عند مشاهدتهم له حَسْبَمَا أخبر به،
وليعلموا أنَّه شيء يسيرٌ له عاقبةٌ محمودة.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ﴾ عطف إمَّا على ((شيء))، ويؤيِّده التوافقُ في
التنكير ومجيءُ البيان بعد كلٍّ، وإمَّا على ((الخوف)) ويؤيِّده قربُ المعطوف عليه،
ودخولُه تحت «شيء)).
والمرادُ من الخوف: خوفُ العدو، ومن الجوع: القَحْطُ إقامةً للمسبَّب مقام
السبب؛ قاله ابن عباس ﴾. ومن نَقْصِ الأموال: هلاكُ المواشي. ومن نقص
الأنفس: ذهابُ الأحبَّة بالقتل والموت. ومن نقص الثمرات: تلفُها بالجوائح،
ونصَّ عليها مع أنَّها من الأموال؛ لأنَّها قد لا تكون مملوكة.
وقال الإمام الشافعي ظه: الخوف خوف الله تعالى، والجوعُ صومُ رمضان،
والنقصُ من الأموال الزكواتُ والصدقات، ومن الأنفس الأمراضُ، ومن الثمرات
موتُ الأولاد(٢).
وإطلاقُ الثمرة على الولد مَجازٌ مشهور؛ لأنَّ الثمرة كلُّ ما يستفاد ويحصل،
كما يقال: ثمرة العلم العمل.
وأخرج الترمذيُّ من حديث أبي موسى وحسَّنه عن النبيِّ وَّهِ: ((إذا مات ولدُ
العبدِ، قال الله تعالى للملائكة: أَقَبَضْتُم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقولُ: أقبضتُمْ
ثمرةً قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقولُ الله تعالى: ماذا قال عبدي، فيقولون: حَمِدَكَ
واسْترجَعَ، فيقول الله تعالى: ابنُوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمُّوه بيت الحمد))(٣).
(١) في (م): مفاجأة.
(٢) ذكره عن الشافعي البغوي ١/ ١٣٠، وهو في أحكام القرآن للشافعي ٣٩/١، إلا أن فيه:
... والثمرات: الصدقات، وبشر الصابرين على أدائها .
(٣) سنن الترمذي (١٠٢١)، وأخرجه أحمد (١٩٧٢٥)، وهو من طريق الضحاك عن أبي موسى،
ورواية الضحاك عن أبي موسى مرسلة كما في الجرح والتعديل ٤/ ٤٥٩. وفي إسناده أيضاً
أبو سنان عيسى بن سنان، قال الذهبي في الميزان: ضعفه أحمد وابن معين، وهو ممن
یُکتب حديثه على ضعفه.

الآية : ١٥٦
٤٩
سُورَةُ الْبَّغَة
واعتُرض ما قاله الإمام بعد تسليم أنَّ الآية نزلت قبل فرضية الصوم والزكاة:
بأنَّ خوف الله تعالى لم تَزَلْ قلوبُ المؤمنين مشحونةً به قبل نزول الآية، وكذا
الأمراض وموتُ الأولاد موجودان قبل، فلا معنى للوَعْدِ بالابتلاء بذلك، وكذا
لا معنى للتعبير عن الزكاة - وهي النُّموُّ والزيادة - بالنقص.
وأُجيب بأنَّ كونَ قلوبِ المؤمنين مشحونةً بالخوف قبلُ لا ينافي ابتلاءهم في
الاستقبال بخوف آخر، فإنَّ الخوفَ يتضاعف بنزول الآيات، وكذا الأمراض،
وموتُ الأولاد أمورٌ متجدِّدةٌ يصحُّ الابتلاء بها في الآتي من الأزمان، والتعبيرُ عن
الزَّكاة بالنقص؛ لكونها نقصاً صورةً وإن كانت زيادةً معنى، فعند الابتلاء سماها
نقصاً، وعند الأمر بالأداء سماها زكاة ليَسْهُل أداؤُها .
خطابٌ للنبيِّ وَ﴿ أو لكلِّ مَن تتأتَّى منه البشارة،
٨١٥٥)
﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ
والجملة عطفٌ على ما قبلها عطفَ المضمون على المضمون من غير نظر إلى
الخبرية والإنشائية، والجامعُ ظاهرٌ، كأنَّه قيل: الابتلاء حاصلٌ لكم، وكذا
البشارة، ولكن لمن صبر منكم. وقيل: على محذوف، أي: أَنذر الجازِعين وبشِّر.
وفي توصيف الصابرين بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذّآ أَصَبَتْهُمْ تُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّأَ
إِلَيْهِ رَجِعُونَ
إشارةٌ إلى أنَّ الأجر لِمَن صبر وقتَ إصابتها، كما في الخبر:
١٥٦
(إنَّما الصبرُ عند أوَّلِ صدمة)(١).
والمصيبةُ تعمُّ ما يصيب الإنسانَ من مكروه في نفسٍ أو مالٍ أو أهلٍ، قليلاً كان
المكروهُ أو كثيراً، حتى لَدْغُ الشوكة، ولَسْعُ البعوضة، وانقطاعُ الشِّسع(٢)، وانطفاء
المصباح، وقد استرجع النبيُّ وَّه من ذلك وقال: ((كلُّ ما يؤذي المؤمنَ فهو مصيبةٌ
له وأجر))(٣).
(١) أخرجه أحمد (١٢٣١٧)، والبخاري (٧١٥٤)، ومسلم (٩٢٦)، من حديث أنس
(٢) الشسع: أحد سيور النعل، وهو الذي يُدخّل بين الإصبعين ويُدخل طرفه في الثقب الذي في
صدر النعل المشدود في الزمام. اللسان (شسع).
(٣) أخرجه أبو داود في المراسيل (٤١٢) عن عمران القصير، وأخرجه عبد بن حميد - كما في
الدر المنثور ١٥٧/١ - عن عكرمة، كلاهما أرسله عن النبي وَله، وأخرج نحوه الطبراني في
الكبير (٧٨٢٤) من حديث أبي أمامة ﴿، بلفظ: ((ما أصاب المؤمن مما يكره فهي

سُورَةُ الْبَّكَقَة
٥٠
الآية : ١٥٧
وليس الصبرُ بالاسترجاع باللسان، بل الصبرُ باللسان وبالقلب، بأن يخطر بباله
ما خُلق لأَجْلِه من معرفة الله تعالى وتكميل نفسه، وأنَّه راجعٌ إلى ربِّه وعائدٌ إليه
بالبقاء السرمديّ، ومرتحلٌ عن هذه الدنيا الفانية وتاركٌ لها على علَّاتها، ويتذكر
نِعَم الله تعالى عليه؛ ليرى ما أعطاه أضعافَ ما أخذ منه، فيهون على نفسه ويستسلم
له.
والصبر من خواصِ الإنسان؛ لأنَّه يتعارض فيه العقل والشهوة، والاسترجاعُ
من خواصِّ هذه الأمة، فقد أخرج الطَّبَراني وابن مردويه عن ابن عباس ظنًا قال:
قال النبيُّ وَّهِ: ((أُعْطِيَتْ أمتي شيئاً لم يُعْطَه أحدٌ من الأمم، أنْ تقولَ عند المصيبة:
إِنَّا لله وإنّا إليه راجعون))(١) .
وفي رواية: ((أُعْطِيَتْ هذه الأمةُ عند المصيبة شيئاً لم تعطّه الأنبياء قبلهم، إنَّا لله
وإنّا إليه راجعون، ولو أُعْطِيَها الأنبياءُ قبلهم لأعطيها يعقوبُ إذ يقول: ﴿بَأَسَفَ عَلَى
يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]))(٢).
ويُسَنُّ أنْ يقول بعد الاسترجاع: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخْلِفْ لي خيراً
منها)) فقد أخرج مسلم عن أم سلمةً قالت: سمعتُ رسولَ اللهِوَّه يقول: ((ما مِنْ
عبدٍ تصيبه مصيبةٌ فيقول: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهمَّ أُجُرني إلخ، إلا أجَرَه الله
تعالى في مصيبته وأَخلف له خيراً منها)» قالت: فلمَّا توفي أبو سلمة قلت كما أمرني
رسول اللهِ وَّهِ، فَأَخْلَفَ الله تعالى لي خيراً منه رسولَ الله وَلِينَ(٣).
ومفعول ((بشِّر)) محذوف، أي: برحمةٍ عظيمة وإحسانٍ جزيل، بدليل قوله
تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّنْ زَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ .
الصلاة في الأصل على ما عليه أكثرُ أهل اللغة: الدعاءُ، ومن الله تعالى:
= مصيبة)). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣١/٢: رواه الطبراني بإسناد ضعيف.
(١) المعجم الكبير (١٢٤١١)، قال في مجمع الزوائد ٢/ ٣٣٠: وفيه محمد بن خالد الطحان،
وهو ضعيف.
(٢) أخرج هذه الرواية الطبري في تفسيره ٧٠٨/٢، وابن أبي حاتم ٢٦٥/١ (١٤٢٢) والبيهقي
في الشعب (٩٦٩١) من قول سعيد بن جبير، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٥٦/١.
(٣) صحيح مسلم (٩١٨)، وهو في مسند أحمد (٢٦٦٣٥).

الآية : ١٥٧
٥١
سُؤَّةُ الْبََّة
الرحمةُ، وقيل: الثناء، وقيل: التعظيم، وقيل: المغفرة، وقال الإمام الغزالي:
الاعتناء بالشأن.
ومعناها الذي يناسب أن يراد هنا سواء كان حقيقيًّا أو مجازيًّا: الثناءُ
والمغفرةُ؛ لأنَّ إرادة الرحمة يستلزمُ التكرار، ويخالفُ ما روي: نِعْمَ العدلان
للصابرين: الصلاة والرحمة(١). وحَمْلُها على التعظيم والاعتناءِ بالشأن يأباهما صيغةُ
الجمع. ثمَّ إنْ جوَّزنا إرادةَ المعنيين بتجويز عموم المشترك، أو الجمع بين الحقيقة
والمجاز، أو بين المعنيين المجازيَّين، يمكن إرادةُ المعنيين المذكورين كليهما،
وإلا فالمراد أحدُهما .
والرحمةُ تقدَّم معناها. وأتى بـ ((عَلَى)) إشارةً إلى أنَّهم منغمسون في ذلك وقد
غَشِيَهم وتجلَّلهم، فهو أبلغ من اللام.
وجمع ((صلوات)) للإشارة إلى أنَّها مشتملةٌ على أنواع كثيرة، على حَسَب
اختلافِ الصفات التي بها الثناءُ، والمعاصي التي تتعلَّق بها المغفرة.
وقيل: للإيذان بأنَّ المراد: صلاةٌ بعد صلاةٍ، على حدِّ التثنية في ((لبَّيْك
وسَعْدَيْك)). وفيه: أنَّ مجيء الجمع لمجرَّد التكرار لم يُوجَدْ له نظير.
والتنوينُ فيها وكذا فيما عُطِفَ عليها للتفخيم. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع
الإضافة إلى ضميرهم لإظهار مزيد العناية بهم.
و((مِن)) ابتدائية. وقيل: تبعيضيَّة، وثَمَّ مضافٌ محذوف، أي: مِن صلوات ربِّهم.
وأتى بالجملة اسميةً للإشارة إلى أنَّ نزولَ ذلك عليهم في الدنيا والآخرة، فقد
أخرج ابنُ أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عباس
مرفوعاً: ((مَن اسْتَرْجَعَ عند المصيبة جَبَر الله تعالى مصيبته، وأحسنَ عُقْباه، وجَعَل
له خَلَفاً صالحاً يرضاه)»(٢).
(١) هو قول عمر ظاه ذكره البخاري تعليقاً قبل حديث (١٣٠٢)، وأخرجه الحاكم ٢٩٦/٢،
ومن طريقه البيهقي ٤/ ٦٥ .
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٤/١ - ٢٦٥، والطبراني في الكبير (١٣٠٢٧)، وشعب الإيمان
(٩٦٨٩).

سُؤَُّ الْبَعْدَة
٥٢
التفسير الإشاري (١٥٣- ١٥٧)
﴿وَأُوْلَكَ﴾ إشارةٌ كسابِقِه إلى الصابرين المنعوتين بما ذُكر من النُّعوت، والتكريرُ
لإظهار كمال العناية بهم. ويجوز أن يكون إشارةً إليهم باعتبار حيازتهم ما ذكر من
الصلوات والرحمة المترتّبة على ما تقدم.
(@) هو
فعلى الأول المرادُ بالاهتداء في قوله عز شأنه: ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ
الاهتداء للحقِّ والصواب مطلقاً، والجملة مقرِّرةٌ لما قبلُ، كأنَّه قيل: وأولئك هم
المختصُّون بالاهتداء لكلِّ حقِّ وصواب، ولذلك استَرْجَعوا واستسلموا لقضاء الله
تعالى. وعلى الثاني هو الاهتداءُ والفوزُ بالمطالب، والمعنى: أولئك هم الفائزون
بمطالبهم الدينية والدنيوية، فإنَّ مَن نال تزكية الله تعالى ورحمته، لم يَفُتْه مطلب.
*
ومن باب الإشارة والتأويل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الإيمانَ العِيَانيَّ ﴿أَسْتَعِينُواْ
بِاَلْقَبْرِ﴾ معي عند سطوات تجلِّيات عظمتي وكبريائي ﴿وَالصَّلَوْةِ﴾ أي: الشهود
الحقيقي ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ المُطِيقين لتجلِّيات أنواري.
﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ﴾ يُجعل فانياً مقتولاً في سلوك سبيل التوحيد ﴿أَمْوَتُ﴾ أي:
عَجَزَةٌ مساكين ﴿بل﴾ هم ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ بالحياة الحقيقية الدائمة السرمديَّة،
شهداءُ لله تعالى قادرون به ﴿وَلَكِنْ لَّا نَشْعُرُونَ﴾ لعَمَى بصيرتكم، وحرمانِكم من
النور الذي تبصر به القلوبُ أعيانَ عالَم القدس وحقائق الأرواح.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ اْقَوْفِ﴾ أي: خوفي الموجبِ لانكسار النفس وانهزامها.
﴿وآلجُوع﴾ الموجب لهتك(١) البدن، وضَعْفِ القُوی، ودفع(٢) حجاب الهوى،
وتضييق مجاري الشيطان إلى القلب ﴿وَنَّقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ﴾ التي هي موادُّ الشَهوات
المقوِّية للنفس، الزائدة في طغيانها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ المستولية على القلب بصفاتها، أو
أنفسِ الأحباب الذين تأوون إليهم لتنقطعوا إليَّ ﴿وَالثَّمَرَتِّ﴾ أي: الملاذُ النفسانية؛
لتَلْتُّوا بالمكاشفات والمعارِفِ القلبية، والمشاهَداتِ الروحية عن صفاءِ بَواطِنِكم،
وخُلوصٍ نَضَارٍ قلوپِکم بنار الرياضة.
(١) في تفسير ابن عربي ٨١/١ (والكلام منه): لنهك.
(٢) في (م): ورفع.

الآية : ١٥٨
٥٣
سُورَةُ الْبَّنَة
﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ معي بي، أو عن مألوفاتهم بلذّة محبتي ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم
تُصِيبَةٌ﴾ من تصرُّفاتي فيهم، شاهدوا آثارَ قدرتي، بل أنوارَ تجلِّيات صفتي،
واستسلموا وأيقنوا أنَّهم ملكي أتصرَّف فيهم(١) بتجلِّياتي، وتفانَوا فيَّ وشاهدوا
هلكهم بي، فقالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ .
﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن زَّيِّهِمْ﴾ بالوجود الموهوب لهم بعد الفناء، المنهلَّةِ عليه
صفاتي، الساطعةِ عليه أنواري ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: هدايةٌ يَهدون بها خَلْقي ومَن أرادَ
التوجُّه نحوي ﴿وَأُوْلَتَبَكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ بي، الواصلون إليَّ بعد تخلّصهم من
وجودهم الذي هو الذنبُ الأعظم عندي.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَبِ الَّهِ﴾ لمَّا أشار سبحانَه فيما تقدَّم إلى الجهاد، عقّب
ذلك ببيان معالم الحجّ، فكأنه جمع بين الحجّ والغزو، وفيهما شقُّ الأنفس وتلفُ
الأموال.
وقيل: لَمَّا ذكر الصبر عقَّبه ببحث الحجِّ؛ لِمَا فيه من الأمور المحتاجة إليه.
والصفا في الأصل: الحجر الأملس، مأخوذٌ من صفا يصفو: إذا خلص،
واحدُه: صَفَاة، كحصى وحصاة، ونوى ونواة. وقيل: إنَّ الصفا واحد، قال
المبرِّد: وهو كلُّ حجر لا يخالطه غيرُه من طين أو تراب، وأصلُه من الواو؛ لأنَّك
تقول في تثنيته: صَفَوان، ولا يجوز إمالته.
والمروة في الأصل: الحجرُ الأبيض الليِّن، والمرؤُ لغةٌ فيه، وقيل: هو جمعٌ
مثل تمرة وتمر.
ثَّ صارا في العُرْفِ عَلَمين لموضعين معروفين بمكة للغَلَبة، واللام لازمةٌ فيهما.
وقيل: سمي الصفا لأنَّه جلس عليه آدم صفيُّ الله تعالى، وسمي المروة؛ لأنَّه
جلست علیه امرأتُه حواء.
والشعائر: جمعُ شَعيرة أو شَعارة، وهي العلامة. والمراد بهما: أعلام
المتعبَّدات أو العبادات الحَجِّية. وقيل: المعنى: إنَّ الطوافَ بين هذين الجبلين من
(١) في (م): فيه.

سُورَةُ البَرَة
٥٤
الآية : ١٥٨
علامات دين الله تعالى، أو أنَّهما من المواضع التي يقام فيها دينُه، أو من علاماته
التي تُعبِّد بالسعي بينهما، لا من علامات الجاهلية.
﴿فَمَنْ حََّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ﴾ الحجُّ لغةً: القصدُ مطلقاً أو إلى معظّم، وقيَّده
بعضهم بكونه على وجه التكرار، والعمرة: الزيارة، أخذاً من العمارة، كأنَّ الزائر
يعمُر المكان بزيارته، فغلِّبا شرعاً على القصد (١) المتعلّق بالبيت وزيارتِه على
الوجهين المخصوصين. والبيتُ خارجٌ من المفهوم، والنسبة مأخوذةٌ فيه فلا بد من
ذكره، فلا يَرِدُ أنَّ البيت مأخوذٌ في مفهومهما، فيكفي: مَن حجَّ أو اعتمر،
ولا حاجةً إلى أن يُتكلَّف بأنَّه مأخوذٌ في مفهوم الاسمين خارجٌ عن مفهوم الفعلين،
وعلى تقديرٍ أَخْذِه في مفهومهما يعتبر التجريد؛ ليظهر شرفُ البيت.
﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يََوَّفَ بِهِمَا﴾ أي: لا إثم عليه في أن يطوف، وأصل
الجُنَاحِ: الميل، ومنه ﴿وَ إِن جَنَعُوا لِسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] وسمي الإثم به لأنَّه ميلٌ من
الحقِّ إلى الباطل، وأصل ((يَطَّوَّف)): يَتَطَوَّف، فأدغمت التاء في الطاء.
وسببُ النزول ما صحَّ عن ابن عباس ﴿ّ: أنَّه كان على الصفا صنمٌ على
صورة رجل يقال له إساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة، زعم
أهلُ الكتاب أنَّهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين، فوضعا على الصفا
والمروة ليعتبر بهما، فلمَّا طالت المدة عُبدا من دون الله تعالى، فكان أهلُ الجاهلية
إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلمَّا جاء الإسلام وكُسرت الأصنامُ كره المسلمون
الطوافَ بينهما لأجل الصنمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية(٢).
ومنه يُعلم دفعُ ما يُتراءى: أنَّه لا يتصوَّر فائدةٌ في نفي الجُنَاحِ بعد إثبات
أنَّهما من الشعائر، بل رُبَّما لا يتلازمان؛ إذ أدنى مراتب الأول النَّذْبُ، وغايةُ
الثاني الإباحة.
(١) في (م): المقصد.
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٤٢. وأخرجه بنحوه مختصراً الطبري ٢/ ٧١٥، والخبر بهذا
اللفظ الذي عزاه الواحدي لابن عباس مروي من كلام الشعبي، كما أخرجه سعيد بن منصور
(٢٣٤ - تفسير)، والفاكهي في أخبار مكة (١٤٣٨)، والطبري ٧١٤/٢، وصحح الحافظ في
الفتح ٥٠٠/٣ سنده إلى الشعبي.

الآية : ١٥٨
٥٥
سُؤَةُ الْبَقَة
وقد وقع الإجماع على مشروعية الطواف بينهما في الحجّ والعمرة لدلالة نفي
الجُنَاح عليه قطعاً، لكنهم اختلفوا في الوجوب؛ فروي عن أحمد أنَّه سنَّة، وبه قال
أنس وابن عباس وابن الزبير؛ لأنَّ نفي الجُنَاح يدلُّ على الجواز، والمتبادِرُ منه عَدَمُ
اللزوم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَرَجَمَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] وليس مباحاً
بالاتفاق، ولقوله تعالى: ﴿مِّنْ شَعَكَبِرِ اللَّهِ﴾ فيكون مندوباً.
وضعِّف بأنَّ نفيَ الجناح وإن دلَّ على الجواز المتبادر منه عدمُ اللزوم، إلا أنه
يجامع الوجوب فلا يدفعه ولا ينفيه، والمقصود ذلك، فلعل ها هنا دليلاً يدلُّ على
الوجوب كما في قوله تعالى: ﴿فَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١]
ولعل هذا كقولك لمن عليه صلاة الظهر مثلاً، وظنَّ أنه لا يجوز فعلُها عند
الغروب، فسأل عن ذلك(١): لا جناح عليك إن صلَّيتها في هذا الوقت، فإنَّه جواب
صحيح، ولا يقتضي نفيَ وجوب صلاة الظهر.
وعن الشافعي ومالك: أنَّه ركن، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد. واحتجوا
بما أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: سئل رسول الله و له فقال: ((إن الله تعالى
كتب عليكم السعيّ فاسْعَوا))(٢).
ومذهبُ إمامنا أبي حنيفة رَبُ أنَّه واجبٌ يُجبر بالدم؛ لأنَّ الآية لا تدلُّ إلا على
نفي الإثم المستلزم للجواز، والركنيةُ لا تثبت إلا بدليلٍ مقطوعٍ به ولم يوجد،
والحديثُ إنَّما يفيد حصول الحكم معلَّلاً ومقرَّراً في الذهن، ولاَ يدلُّ على بلوغه
غاية الوجوب بحيث يفوت الجواز بفَوْته لتتحقَّق الركنية، وهو ظنيُّ السند، وإنْ
فُرِضَ قَطْعيَّ الدلالة فلا يدل على الفرضية.
وما روى مسلم عن عائشة أنَّها قالت: لَعَمْري ما أتمَّ الله تعالى حجَّ مَنِ لم يَسْعَ
بين الصفا والمروة ولا عمرتَه(٣). ليس فيه دليل على الفرضية أيضاً، سلَّمنا لكنه
(١) بعدها في الأصل: فقيل له.
(٢) المعجم الكبير للطبراني (١١٤٣٧). وأخرجه أحمد (٢٧٣٦٧) من حديث حبيبة بنت
أبي تجراء پا.
(٣) صحيح مسلم (١٢٧٧)، وأخرجه البخاري (١٧٩٠).

سُورَةُ الشَّرَة
٥٦
الآية : ١٥٨
مذهبٌ لها، والمسألة اجتهادية فلا نُلزم(١) به، على أنَّه معارَض بما أخرجه الشعبي
عن عروة بن مُضَرِّس الطائي أنه قال: أتيتُ النبيَّ وَّه بالمزدلفة فقلت: يا رسول الله،
جئتُ من جبل طيِّئ، ما تركت جبلاً إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حجّ؟ فقال: ((مَن
صلَّى معنا هذه الصلاةَ، ووقف معنا هذا الموقفَ، وقد أدرك عرفةً قبلَ ذلك ليلاً أو
نهاراً، فقد تمَّ حجُّه، وقضَى تفثَه))(٢) فأخبر ◌ََّ بتمام حجِّه، وليس فيه السعيُّ
بينهما، ولو كان من فروضه لبيّنه للسائل لعلمه بجهله.
وقرأ ابن مسعود وأبيّ: ((أنْ لا يَطَّوَّف))(٣). ولا تصلح أن تكون ناصرةً للقول
الأول؛ لأنَّها شاذةٌ لا عملَ بها مع ما يعارضُها، ولاحتمال أنَّ ((لا)) زائدة
كما يقتضيه السياق.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: مَن انقاد انقياداً خيراً، أو بخير، أو آتياً بخير، فَرْضاً
كان أو نفلاً، وهو عطف على ((فمَن حج)) إلخ، مؤكّدٌ أمرَ الحجّ والعمرة والطوافٍ
تأكيدَ الحكم الكلِي للجزئي.
أو: مَن تبرّع تبرُّعاً خيراً أو بخير أو آتياً بخير، من حجِّ أو عمرة أو طوافٍ؛
لقرينة المساق، وعليه تكون الجملة مسوقةً لإفادةِ شرعيةِ التنفُّلِ بالأمور الثلاثة.
وفائدة ((خيراً)) على الوجهين - مع أنَّ التطوُّع لا يكون إلا كذلك - التنصيصُ
بعموم الحكم بأنَّ مَن فعل خيراً أيَّ خيرٍ كان يثابُ عليه.
أو: مَن تبرَّع تبرُّعاً خيراً أو بخير أو آتياً بخير من السعي فقط، بناءً على أنه
سنَّةٌ، والجملة حينئذ تكميلٌ لدفع ما يُتوقَّم من نفي الجناح من الإباحة. وفائدة
القيد التنصيصُ بخيريَّة الطواف دفعاً لحرج المسلمين.
وقرأ ابن مسعود: ((ومَن تطوّع بخير))(٤). وحمزة والكسائيُّ ويعقوب: (يَطَّوَّعْ))(٥)
(١) في (م): تلزم.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٢٠٨)، وأبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي في المجتبى
٢٦٣/٥، وابن ماجه (٣٠١٦).
(٣) القراءات الشاذة ص١١، والمحتسب ١١٥/١.
(٤) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٤٥٨/١.
(٥) التيسير ص٧٧، والنشر ٢٢٣/٢. وهي قراءة خلف من العشرة أيضاً.

الآية : ١٥٩
٥٧
سُورَةُ الْجَمَة
على صيغة المضارع المجزوم؛ لتضمُّن ((مَنْ)) معنى الشرط، وأصلُه: ((يتطوَّع)) فأُدغم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ﴾ أي: مُجازٍ على (١) الطاعة بالثواب، وفي التعبير به مبالغة في
الإحسان إلى العباد ﴿عَلِيمُ ﴾﴾ مبالغٌ في العلم بالأشياء، فيعلم مقادير أعمالهم
وكيفياتها، فلا يُنْقِص من أجورهم شيئاً، وبهذا أظهر وجهُ تأخير هذه الصفة
عمَّا قبلها .
ومَن قال: أتى بالصفتين ها هنا لأنَّ التطوُّع بالخير يتضمَّن الفعلَ والقصدَ،
فناسَبَ ذكرَ الشكر باعتبار الفعل وذِكْرَ العلم باعتبار القَصْد، وأخّر صفةَ العلم وإن
كانت متقدِّمةً على الشكر كما أنَّ النية متقدّمة على الفعل؛ لتَوَاخي(٢) رؤوس الآي=
لم يأت بشيء.
وهذه الجملة عِلَّةٌ لجواب الشرط المحذوف قائمٌ مقامه، كأنه قيل: ومَن تطوّع
خيراً جازاه الله تعالى - أو أثابه - فإنَّ الله شاكر علیم.
قال: سأل معاذُ بن جبل،
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ﴾ أخرج جماعةٌ عن ابن عباس ﴿ًّا
وسعدُ بن معاذ، وخارجةُ بن زيد نفراً من أحبار يهودَ عن بعض ما في التوراة،
فكتموهم إياه وأبَوا أن يخبروهم، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية(٣).
وعن قتادة: أنَّها نزلت في الكاتمين من اليهود والنصارى(٤).
وقيل: نزلتْ في كلِّ مَن كتم شيئاً من أحكام الدِّين؛ لعموم الحكم للكلِّ، فقد
روى البخاريُ وابنُ ماجه وغيرُهما عن أبي هريرة ﴿ه أنَّه قال: لولا آيةٌ في
كتاب الله تعالى ما حدَّثتُ أحداً بشيء أبداً، ثمَّ تلا هذه الآية(٥).
قال: قال
وأخرج أبو يعلى والطبرانيُّ بسند صحيح عن ابن عباس
(١) في الأصل: عن.
(٢) في الأصل: ليتواخى.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٧٣٠.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٧٣١.
(٥) صحيح البخاري (١١٨)، وسنن ابن ماجه (٢٦٢)، وأخرجه أحمد (٧٢٧٦)، ومسلم
(٢٤٩٢).

مُدَّةُ الْبَارَة
٥٨
الآية : ١٥٩
رسول الله ◌َّ: (مَن سُئِل عن عِلْم فكتمه، جاء يومَ القيامة مُلْجَماً بلجام من
نار))(١).
والأقرب أنَّها نزلت في اليهود، والحكمُ عامّ كما تدل عليه الأخبار، وكونُها
نزلتْ في اليهود لا يقتضي الخصوصَ؛ فإنَّ العبرةَ لعموم اللَّفْظ لا لخصوص
السبب، فالموصولُ للاستغراق ويدخل فيه مَن ذُكر دخولاً أوليًّا.
والكتم والكتمان: تَرْكُ إظهار الشيء قصداً مع مَسَاس الحاجة إليه، وتحقُّقِ
الداعي إلى إظهاره، وذلك قد يكون بمجرَّد ستره وإخفائه، وقد يكون بإزالته ووضعٍ
شيء آخَرَ موضعَه، واليهود قاتَلَهم الله تعالى ارتكبوا كِلَا الأمرين.
﴿مَآ أَنَا﴾ على الأنبياء ﴿مِنَ الْبَيِنَتِ﴾ أي: الآيات الواضحة الدالّة على
الحقِّ، ومن ذلك ما أنزلناه على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام في أمر
محمد ◌َلة
﴿وَالْمُدَى﴾ عطف على ((البينات))، والمراد به: ما يهدي إلى الرشد مطلقاً،
ومنه ما يهدي إلى وجوب اتِّبَاعِهِ وَّ والإيمان به، وهي الآياتُ الشاهدة على صدقه
عليه الصلاة والسلام، والعطفُ باعتبار التغايُر في المفهوم، كـ : جاءني الآكل
فالشارب.
وقيل: إنَّه عطفٌ على ((ما أنزلنا)) إلخ، والمراد بالأول الأدلَّةُ النقلية، وبالثاني
ما يدخل فيه الأدلةُ العقلية، أو المرادُ بالأول التنزيلُ، وبالثاني ما يقتضيه من الفوائد.
ولا يخفى أنَّه تكلُّف يأبى عنه قربُ المعطوف عليه، والتبيينُ الدالُّ على كمال
الوضوح في قوله سبحانه: ﴿مِنْ بَعْدٍ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ﴾ أي: شَرَحْناه وأظهرناه لهم.
والظرف متعلّقٌ بـ ((يكتمون))، واللام في ((الناس)) صلةُ ((بيَّنَّا))، أو لامُ الأَجْل،
والمراد بهم الجنسُ أو الاستغراق، وفي تقييد الكتمان بالظرف إشارةٌ إلى شناعة
حالهم بأنَّهم يكتمون ما وضح للناس، وإلى عِظَمِ الإثم بأنّهم يكتمون ما فيه النفعُ
العام.
(١) مسند أبي يعلى (٢٥٨٥)، والمعجم الكبير (١١٣١٠). وأخرجه أحمد (٧٥٧١)، وأبو داود
(٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) وحسّنه، وابن ماجه (٢٦١)، من حديث أبي هريرة څته.

الآية : ١٥٩
٥٩
سُورَةُ الْبَدَة
﴿فِي الْكِتَبِ﴾ متعلِّق بـ ((بينَّاه)»، وتَعَلُّقُ جارَّين بفعلٍ واحدٍ عند اختلاف المعنى
مما لا ريب في جوازه. أو متعلّق بمحذوفٍ وقع حالاً من مفعوله.
والمرادُ به الجنس. وقيل: التوراة. وقيل: هي والإنجيل. وقيل: القرآن،
والمراد من ((الناس)) أمةُ محمد ێ.
ومِن الناس مَن حَمَلَ ((البينات)) على ما في القرآن، وعلَّق ((من بعد)) بـ ((أنزلنا))،
وفَسَّر الكتابَ بالتوراة، والكتمانَ بعدم الاعتراف بالحقيَّة، ولعل ما ذهبنا إليه أَوْلى
من جميع ذلك.
﴿أُوْلَكَ يَلْعَُّهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يبعدهم عن رحمته، ويذيقُهم أليمَ نقمته. والالتفات
إلى الغيبة بإظهار اسم الذات لتربية المهابة، والإشعارِ بأنَّ مبدأ صدور اللعن صفةٌ
الجلال المغايرةُ لِمَا هو مبدأ الإنزالِ والتبيينِ من صفة الجمال.
ولم يؤت بالفاء في هذه الجملة التي هي خبرُ الموصول كما أُتي به فيما بعدُ من
قوله سبحانه: ﴿فَأَوْلَيْكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٠] مع أنَّ الموصول متضمِّنٌ لمعنى
الشرط وقَصْدِ السببية في الموضعين، ولذا أورد اسم الإشارة الذي تعليق الحكم به
كتعليقه بالمشتق، قيل: لئلّا يُتوهَّم أنَّ لعنهم إنَّما هو بهذا السبب بناءً على أنَّ فاء
السببية في الأصل لكونه فاءَ التعقيب يفيد أنَّ حصول المسبّب بعد السبب بلا تَراخِ،
وقد يُقْصَد منه ذلك بمعونة المقام كما في الآية بعدُ. وليس كذلك، بل له أسبابٌ
جمَّة، وبهذا عُلم أنَّ اسم الإشارة لا يغني عن الفاء؛ لأنَّه يُشعر بالسببية ولا يُشعر
بالتعقيب المُؤهِمِ للانحصار بناءً على امتناع التوارُد.
﴿وَيَلْعَنَّهُمُ الَّهِنُونَ ﴾﴾ أي: مَن يتأتَّى منه اللَّعن عليهم من الملائكة والثَّقْلَين،
فالمراد بـ ((اللاعنون)) معناه الحقيقيُّ وليس على حدٍّ: مَن قتل قتيلاً (١)، في المشهور،
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٢٦٠٧)، والبخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١) عن
أبي قتادة حلُ، وسلف ٣٤٢/١. واستشهد به الزمخشري في الكشاف ١١٧/٤ عند تفسير
الآية الأولى من سورة الطلاق، فقال: معنى ((إذا طلقتم النساء)): وإذا أردتم تطليقهن
وهممتم به، على تنزيل المُقْبلِ على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه، كقوله عليه الصلاة
والسلام: ((من قتل قتيلاً فله سَلَّبُه)).

سُوَّةُ الْبَّفْعَة
٦٠
الآية : ١٦٠
والاستغراق عرفيٍّ، أي: كلُّ فرد مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف، وليس
بحقيقيّ حتى يَرِدَ أنَّه لا يلعنهم كلُّ لاعن في الدنيا، ويحتاج إلى التخصيص.
وإنَّما أعاد الفعل؛ لأنَّ لعنة اللاعنين بمعنى الدعاء عليهم بالإبعاد عن رحمة الله
تعالى، وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن مجاهد تفسير اللاعنين بدوابٍّ
الأرض حتى العقارب والخنافس(١). ولعل الجمع حينئذ على حد قوله تعالى:
﴿وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمَرُ رَيْنُهُمْ لِ سَيِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
واستُدلَّ بهذه الآية على وجوب إظهار علم الشريعة وحرمةٍ كتمانه، لكن
اشترطوا لذلك أن لا يخشى العالِمُ على نفسه، وأن يكون متعيِّناً، وإلا لم يحرم
عليه الكتمُ إلا إن سئل فيتعيّن عليه الجواب ما لم يكن إثمه أكبرَ من نَفْعه.
قالوا: وفيها دليل أيضاً على وجوب قبول خبر الواحد؛ لأنَّه لا يجب عليه
البیان إلا وقد وجب قبول قوله. وقد يستدل بها على عدم وجوب ذلك على
النساء بناءً على أنَّهنَّ لا يدخلن في خطاب الرجال.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أي: رجعوا عن الكتمان، أو عنه وعن سائر ما يجب أن يتاب
عنه، بناءً على أنَّ حذف المعمول يفيد العموم. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ التوبة عن
الكتمان فقط لا يوجب صَرْفَ اللعن عنهم ما لم يتوبوا عن الجميع؛ فإنَّ لِلَعْنھم
أسباباً جمة.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسدوا بالتدارُك فيما(٢) يتعلق بحقوق الحقِّ والخلق، ومن ذلك
أن يصلحوا قومَهم بالإرشاد إلى الإسلام بعد الإضلال، وأن يزيلوا الكلامَ المحرَّف
ویکتبوا مكانه ما كانوا أزالوه عند التحريف.
﴿وَبَيِّنُوا﴾ أي: أظهروا ما بيَّنه الله تعالى للناس معاينةً. وبهذين الأمرين تتمُّ
التوبة .
(١) شعب الإيمان (٣٣١٧)، وأخرجه ابن ماجه (٤٠٢١) من حديث البراء بن عازب ـ
مرفوعاً. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٣٠٢: هذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن
ابي سلیم.
(٢) في الأصل: مما.