النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ١٤٤
٢١
سُورَةُ الْبَقَة
و((الحرام)) المحرم، أي: محرَّم فيه القتال، أو ممنوع من الظّلمة أن
يتعرَّضوه(١). وفي ذكر المسجد الحرام الذي هو محيطً بالكعبة دون الكعبة - مع أنَّها
القبلةُ التي دلَّت عليها الأحاديث الصحاح - إشارةٌ إلى أنَّه يكفي للبعيد محاذاةٌ جهة
القبلة وإن لم يُصِبْ عينَها، وهذه الفائدة لا تحصل من لفظ الشطر كما قاله جمع؛
لأنَّه لو قيل: فولٌ وجهَك شطر الكعبة، لكان المعنى: اجعل صرفَ الوجه في مكان
يكون مسامتاً ومحاذياً للكعبة. وهذا هو مذهب أبي حنيفة رَظ ◌ُه وأحمد، وقولُ أكثر
الخراسانيين من الشافعية، ورجَّحه حجَّةُ الإسلام في ((الإِحياء))(٢). إلا أنهم قالوا:
يجب أن يكون قصد المتوجّه إلى الجهة العينَ التي في تلك الجهة؛ لتكون القبلةُ
عينَ الكعبة .
وقال العراقيون والققَّالُ منهم: يجب إصابةُ العين.
وقال الإمام مالك: إنَّ الكعبة قبلةُ أهل المسجد، والمسجد قبلةُ مكة، وهي
قبلة الحرم، وهو قبلة الدنيا، وفي حديث ابن عباس ظها مرفوعاً ما يدل عليه(٣).
وهذا الخلاف في غير مَن يكون شاهداً، أما هو فيجب عليه إصابة العين
بالإجماع.
ولم يقيِّد سبحانه وتعالى التولية في الصلاة؛ لأنَّ المطلوب لم يكن سوى ذلك
فأغنى عن الذكر.
وقيل: لأنَّ الآية نزلت وهو وَّرَ في الصلاة، فأغنى التلبُّسُ بها عن ذكرها.
واستدل هذا القائل بما ذكره القاضي تبعاً لغيره: أنَّه ◌ِ له قدم المدينة، فصلى نحو
بيت المقدس ستة عَشَرَ شهراً، ثمَّ وُجِّه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال
بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول
في الصلاة واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفَهم، فسمي المسجدُ
(١) في (م): يتعرضوا، والمثبت من الأصل، وهو الصواب، والمعنى: يتعرضوا له. ينظر
حاشية الشهاب ٢٥٢/٢.
(٢) ١٦٦/١.
(٣) أخرجه البيهقي ٩/٢ وقال: تفرد به عمر بن حفص المكي [عن ابن جريج]، وهو ضعيف
لا يحتج به، وروي بإسناد آخر ضعيف عن عبد بن حبشي كذلك مرفوعاً، ولا يحتج بمثله.

سُورَةُ الََّفَة
٢٢
الآية : ١٤٤
مسجدُ القبلتين(١). وهذا - كما قال الإمام السيوطي - تحريف للحديث، فإنَّ
قصة بني سلمة لم يكن فيها النبيُّ وَِّ إماماً، ولا هو الذي تحول في الصلاة.
فقد أخرج النسائيُّ(٢) عن أبي سعيد بن المُعَلَّى قال: كنا نَغْدو إلى المسجد،
فمررنا يوماً ورسولُ الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قاعدٌ على المنبر، فقلت:
حدث أمرٌ، فجلستُ، فقرأ رسولُ اللهِوَّهِ: ﴿قَدْ نَرَى تَقُلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾
الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزِلَ رسولُ اللهِوَّهِ، فنكونُ أوَّلَ
مَن صلَّى، فصلَّيناهما، ثم نزل رسولُ اللهِوَّ﴿ فصلى للناس الُهرَ يومئذ.
وروى أبو داود عن أنسٍ مَّهُ أنَّ النبيَّ وَّهِ وأصحابَه كانوا يصلُّون نحوَ بيت
المقدس، فلما نزلت هذه الآيةُ مرَّ رجلُ ببني سلمة، فناداهم وهم ركوعٌ في صلاة
الفجر نحوَ بيت المقدس: ألا إنَّ القبلةَ قد حُوِّلتْ إلى الكعبة، فمالوا كما هُمْ
ركوعاً إلى الكعبة))(٣) فما ذكر مخالفٌ للروايات الصحيحة الثابتة عند أهل هذا
الشأن فلا یعوَّل عليه.
وقرأ أبيُّ: ((تلقاءَ المسجد الحرام)) (٤) وهي تؤيِّد القولَ الأول في ((شطر))
کما لا يخفى.
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَظْرَةُ﴾ عطف على ((فولِّ وجهك))، ومن تتمة
إنجاز الوعد، والفاء جواب الشرط؛ لأنَّ ((حيث)) إذا لحقه ((ما)) الكافَّةُ عن الإضافة
يكون مِن كَلِم المجازاة، والفرَّاء لا يشترط ذلك فيها(٥) و((كان)) تامة، أي: في أيِّ
موضع وُجدتم. وأصل ((ولُّوا)): ولِّيوا، فاستُثقِلت الضمةُ على الياء، فحذفت فالتقى
ساكنان، فحذف أولُهما وضُمَّ ما قبل الياء للمناسبة، فوزنه: فعُوا. وهذا تصريح
بعموم الحكم المستفاد من السابق اعتناءً به؛ إذ الخطاب الوارد في شأن النبيِّ وَل ـ
(١) تفسير البيضاوي ١٩٧/١ - ١٩٨.
(٢) في السنن الكبرى (١٠٩٣٧).
(٣) سنن أبي داود (١٠٤٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٠٣٤)، ومسلم (٥٢٧).
(٤) الكشاف ٣٢٠/١، وهي في المحرر الوجيز ٢٢٢/١، والبحر المحيط ٤٢٩/١، عن
عبد الله بن مسعود قڅ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٨٥/١.

الآية : ١٤٤
٢٣
سُورَةُ الْبَقَة
عامّ حكمهُ، ما لم يَظهر اختصاصه به عليه الصلاة والسلام.
وفائدة تعميم الأمكنة . على ما ذهب إليه البعض - دفعُ توهُّم أنَّ هذه القبلة
مختصَّةٌ بأهل المدينة.
وقيل: لمَّا كان الصرف، عن الكعبة لاستجلاب قلوب اليهود، وكان مظنةً أن
لا يتوجه إليها في حضورهم، أشار إلى تعميم التولية جميعَ الأمكنة.
أو يقال: صرَّح بأنَّ التولية جهةَ الكعبة فرضٌ مع حضور بيت المقدس، ولأهله
أيضاً؛ لئلا يُظنَّ أنَّ حضور بيت المقدس يمنع التوجه إلى الكعبة(١) مع غيبتها،
فليفهم. وقرأ عبد الله: ((فولُّوا وجوهكم قِبَلَه))(٢).
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: التحويلَ
أو التوجُّهَ المفهومَ من التولية ﴿لَقُّ مِن ◌َّهُمْ﴾ لا غيرِه؛ لعِلْمھم بأنَّ محمداً وَّهـ
لا يأمر بالباطل؛ إذ هو النبي المبشَّرُ به في كتبهم، وتحقُّقِهم أنه لا يتجاوز كل
شريعة عن قبلتها إلى قبلة شريعة أخرى، وأمَّا اشتراك النبيِّ وَّهِ وإبراهيمَ عليه
السلام في هذه القبلة، فلاشتراكهما في الشريعة على ما يُنْبئ عنه قوله تعالى: ﴿بَلّ
مَِّ إِزَهِمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، ووقوفِهم على ما تضمنته كتبهم من أنه وَّ يصلِّي
إلى القبلتين. والجملةُ عطفٌ على ((قد نرى)) بجامع أنَّ السابقة مسوقةٌ لبيان أصل
التحويل، وهذه لبيان حَقِّيته. قيل: أو اعتراضيةٌ لتأكيد أمر القبلة.
اعتراضٌ بين الكلامين جيء به للوعد والوعيد
﴿وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
للفريقين من أهل الكتاب الداخلَين تحت العموم السابق، المشار إليهما فيما سيجيء
قريباً إن شاء الله تعالى، وهما مَن كَتَم ومَن لم يكتم.
وقرأ ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ: ((تعملون))(٣) بالتاء فهو وعد للمؤمنين.
وقيل: على قراءة الخطاب وعدٌ لهم، وعلى قراءة الغيبة وعيدٌ لأهل الكتاب
مطلقاً. وقيل: الضمير على القراءتين لجميع الناس، فيكون وعداً ووعيداً لفريقين
من المؤمنین والکافرین.
(١) في (م): إلى جهة الكعبة.
(٢) المحرر الوجيز ٢٢٢/١، والبحر ٤٣٠/١.
(٣) التيسير ص٧٧، وينظر السبعة ص ١٦٠ - ١٦٢ .

سُؤَّةُ الْبََّقَة
٢٤
الآية : ١٤٥
﴿وَلَيِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ عطفٌ على ((وإنَّ الذين)) بجامعِ أنَّ
كلَّا منهما مؤكِّدٌ لأمر القبلة، ومبيِّن لحقّيته، والمراد من الموصول الكفارُ من أولئك
بدليل الجواب، ولذا وضع المظهَر موضعَ المضمَر، ومَن خصَّ ما تقدم بالكفار،
جعل هذا الوضع للإيذان بكمالِ سوءِ حالهم من العناد مع تحقَّق ما ينافيه من
الكتاب الصادح بحقِّيَّة ما كابروا في قبوله.
﴿بِكُلِّ ءَايَةٍ﴾ أي: حجةٍ (١) قطعيةٍ دالَّةٍ على أنَّ تَوجُّهَك إلى الكعبة هو الحقُّ،
واللام موطئةٌ لقسمٍ محذوف.
﴿مَّا تَبِعُواْ قِلَتَكَ﴾ جوابُ القسم سادٌّ مسدَّ جواب الشرط، لا جوابُ
الشرط، لمَا تقرَّر: أنَّ الجواب إذا كان القسم مقدَّماً للقسم لا للشرط إن لم
يكنْ مانع، فكيف إذا كان كترك الفاء ها هنا، فإنَّها لازمة في الماضي المنفيِّ
إذا وقع جزاءً.
وهذا تسلية للنبيِّ وَّهِ عن قبولهم الحقَّ، والمعنى: إنَّهم ما تركوا قبلتَكَ لشبهةٍ
تدفعها بحجة، وإنَّما خالفوك لمخض العناد وبَحْتِ المكابرة. وليس المراد من
التعلُّق(٢) بالشرط الإخبارَ عن عدم متابعتهم على أبلغ وجه وآكدِه، بأن يكون
المعنى: إنَّهم لا يتبعونك أصلاً وإن أتيت بكلِّ حجَّة، فاندفع ما قيل: كيف حكم
بأنَّهم لا يتَبعون وقد آمن منهم فريق؟ واستغنى عن القول بأنَّ ذلك في قوم
مخصوصين، أو حُكُمٌ على الكلِّ دون الأبعاض؛ فإنه تكلُّفٌ مستغنّى عنه. وإضافة
القبلة إلى ضميره وَّة؛ لأنَّ الله تعالى تعبَّده باستقبالها .
﴿وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَنَهُمْ﴾ أي: لا يكون ذلك منك، ومحالٌ أن يكون، فالجملة
خبرية لفظاً ومعنَى، سيقت لتأكيد حقِّيَّة أمر القبلة كلَّ التأكيد، وقَظْعِ تمنِّي أهلٍ
الكتاب فإنَّهم قالوا: يا محمدُ عُدْ إلى قبلتنا ونؤمن بك ونتَّبعك، مخادعةً منهم
لعنهم الله تعالى. وفيها إشارة إلى أنَّ هذه القبلة لا تصير منسوخة أبداً.
(١) في (م): وحجة، بدل: أي حجة.
(٢) في (م): التعليق.

الآية : ١٤٥
٢٥
سُؤَّةُ الْجَمَة
وقيل: إنَّها خبريةٌ لفظاً إنشائيةٌ معنّى، ومعناها النهي، أي: لا تتَّبعْ قبلتهم،
أي: داوِمْ على عدم اتِّباعها .
وأفرد القبلةَ وإن كانت مثناة - إذ لليهود قبلةٌ وللنصارى قبلةٌ - لأنَّهما اشتركتا في
كونهما باطلتين، فصار الاثنان واحداً من حيث البطلان، وحسَّن ذلك المقابَلةُ؛
لأنَّ قبله: ((ما تبعوا قبلتك)).
وقد يقال: إنَّ الإفراد بناء على أنَّ قبلةَ الطائفتين الحَقَّةَ في الأصل بيتُ
المقدس، وعيسى عليه السلام لم يصلِّ جهةً الشرق حتى رُفِع، وإنَّما كانت قبلته
قبلة بني إسرائيل اليوم، ثمَّ بعد رَفْعِه شرع أشياخ النصارى لهم الاستقبالَ إلى
الشرق، واعتذروا بأنَّ المسيحَ عليه السلام فوَّض إليهم التحليل والتحريم وشَرْعَ
الأحكام، وأنَّ ما حلَّلوه وحرَّموه فقد حلَّله هو وحرَّمه في السماء، وذكروا لهم أنَّ
في الشرق أسراراً ليست في غيره، لهذا كان مولدُ المسيح شرقاً كما يشير إليه قوله
تعالى: ﴿إِذْ أَنتَّبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَنَا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] واستقبل المسيح حين صُلب
بزعمهم الشرقَ.
وقيل: إنَّ بعض رهبانهم قال لهم: إني لقيت عيسى عليه الصلاة والسلام،
فقال لي: إنَّ الشمس كوكبٌ أحبُّه يبلِّغُ سلامي في كلِّ يومٍ، فمُرْ قومي ليتوجهوا
إليها في صلاتهم. فصدَّقوا وفعلوا. ويؤيد ذلك أنه ليسَ في الإنجيل استقبالُ
الشرق.
وذهب ابن القيِّم(١) إلى أنَّ قبلة الطائفتين الآن لم تكن قبلُ(٢) بوحي وتوقيفٍ
من الله تعالى، بل بمشورةٍ واجتهادٍ منهم. أمَّا النَّصارى فاجتهدوا وجعلوا الشرقَ
قبلةً، وكان عيسى قبل الرفع يصلِّي إلى الصخرة. وأما اليهود فكانوا يصلُّون إلى
التابوت الذي معهم إذا خرجوا، وإذا قَدِموا بيت المقدس نصبوه إلى الصخرة
وصلُّوا إليه، فلمَّا رُفع اجتهدوا، فأدَّى اجتهادهم إلى الصلاة إلى موضعه وهو
الصخرة، وليس في التوراة الأمر بذلك، والسامرة منهم يصلّون إلى طورهم بالشام
قرب بلدة نابلس.
(١) في بدائع الفوائد ١٧١/٤ .
(٢) في (م): قبلة.

سُؤَةُ الْبََّوَة
٢٦
الآية : ١٤٥
وهذان القولان إن صحًا يُشْكِل عليهما القولُ بأنَّ عادته تعالى تخصيصُ كلِّ
شريعة بقبلة، فتدبّرْ.
ثم إنَّ هذه الجملة أبلغُ في النفي من الجملة الأولى من وجوه: كونُها اسميةً،
وتكرَّر فيها الاسمُ مرتين، وتأكَّد نفيُها بالباء، وفعل ذلك اعتناء بما تقدم.
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعِ قِبْلَةَ بَعْضٍٍ﴾ أي: أنَّ اليهود لا تتبع قبلةَ النصارى،
ولا النصارى تتبع قبلةً اليهود، ما داموا باقين على اليهودية والنصرانية، وفي ذلك
بيانٌ لتصلُّبهم في الهوى وعنادِهم، بأنَّ هذه المخالفة والعناد لا يختصُّ بك، بل
حالهم فيما بينهم أيضاً كذلك.
والجملة عطفٌ على ما تقدم، مؤكِّدةٌ لأمر القبلة ببيان أنَّ إنكارَهم ذلك ناشئٌ
عن فَرْط العناد، وتسلية للرسول وَلِّ أيضاً (١).
﴿وَلَيْنِ أَتَّعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ أي: على سبيل الفَرض، وإلا فلا معنى لاستعمال ((إن))
الموضوعةِ للمعاني المحتملة بعد تحقَّق الانتفاء فيما سبق، والمقصود بهذا الفرض
ذكرُ مثالٍ لاتِّباع الهوى وذكرُ قبحه، من غير نظرٍ إلى خصوصية المتّبع والمتَبَع.
﴿مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: المعلوم الذي أوحي إليك، بقرينة إسنادٍ
المجيء إليه، والمراد: بعدما بانَ لك الحق.
﴿إِنَّكَ إِذَّا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: المرتكبين الظلمَ الفاحش.
وهذه الجملة أيضاً تقريرٌ لأمر القبلة، وفيها وجوهٌ من التأكيد والمبالغة، وهي:
القسم، واللامُ الموطّةُ له، و((إنْ)) الفَرَضية، و((إنَّ» التحقيقيةُ، واللامُ في خبرها (٢)،
وتعريفُ الظالمين، والجملةُ الاسمية، وإذاً الجزائية، وإيثارُ ((من الظالمين)) على:
ظالم أو الظالم؛ لإِفادته أنه مقرَّر محقَّق، وأنه معدود في زمرتهم عريقٌ فيهم.
وإيقاعُ الاتّباعِ على ما سماه هوّى، أي: لا يعضده برهان، ولا نزل في شأنه بيان.
والإِجمالُ والَتفصيلُ، وجَعْلُ الجائي نفسَ العلم.
(١) لفظة ((أيضاً)): ليست في (م).
(٢) في (م): حيزها .

الآية : ١٤٦
٢٧
سُورَةُ الْبَرَة
وعُدَّ أيضاً من ذلك: عدُّه واحداً من الظالمين، مغموراً فيهم، غيرَ متعيِّنٍ
كتعيُّنهم(١) فيما بين المسلمين. فإنَّ فيه مبالغةً عظيمة للإشعار بالانتقال من مرتبة
العدل إلى الظلم، ومن مرتبة التعيُّن والسيادة المطلقة إلى السفالة والمجهولية، ولو
جعل ((كنت)) في ((كنت عليها)) بمعنى صرت، لكان أعلى كعباً في الإفادة. وأنت
تعلم أنَّ التركيب يقتضي المبالغةَ في الاستعمال لا المجهولية، ولو اقتضاها فيه
لكان العدُّ معدوداً في عداد المقبول.
وفي هذه المبالغات تعظيم لأمر الحقِّ، وتحريضٌ على اقتفائه، وتحذيرٌ عن
متابعة الهوى، واستعظامٌ لصدور الذنب عن الأنبياء، وذو المرتبة الرفيعة إلى تجديد
الإنذار عليه أحوجُ، حفظاً لمرتبته، وصيانةً لمكانته، فلا حاجة إلى القول بأنَّ
الخطاب للنبيِّ والمعنيُّ به غيره.
﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ﴾ مبتدأ وخبر، والمراد بهم العلماء لأنَّ العرفان
لهم حقيقة، ولذا وضع المظهَر موضع المضمَر، ولأنَّ ((أوتوا)) يستعمل فيمَن لم
يكن له قبول، و((آتينا)» أكثر ما جاء فيمن له ذلك.
وجوِّز أن يكون الموصول بدلاً من الموصول الأول، أو ((من الظالمين))،
فتكون الجملة (٢) حالاً من الكتاب أو من الموصول. ويجوز أن يكون نصباً بـ ((أعني))
أو رفعاً على تقدير: هم.
وضمير (يعرفونه)) لرسول الله وَّله وإن لم يسبق ذكره؛ لدلالة قوله تعالى: ﴿كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمْ﴾ عليه، فإنَّ تشبيه معرفته بمعرفة الأبناء دليلٌ على أنه المراد.
وقيل: المرجعُ مذكورٌ فيما سبق صريحاً بطريق الخطاب، فلا حاجة إلى اعتبار
التقديم المعنوي، غايةُ الأمر أن يكون ها هنا التفاتٌ إلى الغيبة للإيذان بأنَّ المراد
ليس معرفتَهم له عليه الصلاة والسلام من حيث ذاتُه ونسبُه الزاهر، بل من حيث
كونُه مسطوراً في الكتاب، منعوتاً فيه بالنعوت التي تستلزم إفحامَهم، ومن جملتها
أنه يصلي إلى القبلتين، كأنَّه قال: الذين آتيناهم الكتاب يعرفون مَن وصفناه فيه.
(١) كذا في النسخ: كتعينهم، ولعل الصواب: كتعُّنه. ينظر حاشية الشهاب ٢٥٥/٢.
(٢) يعني جملة: ((يعرفونه)).

سُورَةُ الْبََّدَّة
٢٨
الآية : ١٤٦
وأجيب: بأَنَّه وَّ وإن خوطب في الكلام الذي في شأن القبلة مراراً، لكنه
لا يحسن إرجاع الضمير إليه؛ لأنَّ هذه الجملة اعتراضية مستطرِدةٌ بعد ذكر أمر
القبلة وظهورها عند أهل الكتاب بجامع المعرفة الجلية مع الطعن، ولذا لم تُعطف.
فلو رجع الضميرُ إلى المذكور لأَوْهَمَ نوعَ اتصالٍ، ولم يحسن ذلك الحسن، ودليل
الاستطراد ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]. نعم إن قيل بمجرد الجواز فلا بأس به إذ
هو محتمل، ولعلَّه الظاهر بالنظر الجليل.
وقيل: الضمير للعلم المذكورِ بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أو
القرآنِ بادعاء حضوره في الأذهان، أو للتحويل لدلالة مضمون الكلام السابق عليه.
وفيه: أنَّ التشبيه يأبى ذلك؛ لأنَّ المناسب تشبيه الشيء بما هو من جنسه، فكان
الواجب في نظر البلاغة حينئذ: كما يعرفون التوراة، أو الصخرة. وأنَّ التخصيص بأهل
الكتاب يقتضي أن تكون هذه المعرفة مستفادةً من الكتاب، وقد أخبر سبحانه عن ذكر
نعته وَّر في التوراة والإنجيل، بخلاف المذكورات فإنَّها غيرُ مذكورٍ فيه ذكرها فيهما .
والكاف في محلِّ نصبٍ على أنَّها صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أي: يعرفونه ۔
بالأوصاف المذكورة في الكتاب - بأنَّه النبيُّ الموعود بحيث لا يلتبس علیھم،
عرفاناً مثلَ عرفانهم أبناءهم بحيث لا تلتبس عليهم أشخاصُهم بغيرهم. وهو تشبيهٌ
للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسِّيَّة، في أنَّ
کلَّا منهما يتعذر الاشتباهُ فیه.
والمراد بالأبناء: الذكور؛ لأنَّهم أكثرُ مباشرةً ومعاشرةً للآباء، وألصقُ وأعلقُ
بقلوبهم من البنات، فكان ظنُّ اشتباه أشخاصهم أبعد، وكان التشبيه بمعرفة الأبناء
آكَدَ من التشبيه بالأنفس؛ لأنَّ الإنسان قد يمرُّ عليه قطعة من الزمان لا يعرف فيها
نفسه كزمن الطفولية، بخلاف الأبناء فإنه لا يمرُّ عليه زمان إلا وهو يعرف ابنه.
وما حكي عن عبد الله بن سلام أنَّه قال في شأنه وَّهِ: أنا أعلم به منِّي بابني،
فقال له عمرُ رَّهِ: لِمَ؟ قال: لأنِّي لستُ أشكُّ بمحمدٍ أَنَّه نبيّ، فأمَّا ولدي فلعلَّ
والدته خانَتْ، فقبَّل عمرُ تَهُ رأسَه(١).
(١) ذكر القصة بنحوها الواحدي في الوسيط ٢٣١/١، والبغوي في تفسيره ١٢٦/١.

الآية : ١٤٧
٢٩
سُورَةُ الْبََّقَة
فمعناه: إنِّي لستُ أشكُّ في نبوَّته عليه الصلاة والسلام بوجهه، وأما ولدي
فأشكُّ في بنوَّته وإن لم أشك بشخصه، وهو المشبه به في الآية، فلا يتوهّم منه أنَّ
معرفة الأبناء لا تستحق أن يشبَّه بها لأنَّها دون المشبّه للاحتمال، ولا يحتاج إلى
القول بأنه يكفي في وجه الشبه كونُه أشهر في المشبه به وإن لم يكن أقوى، ومعرفة
الأبناء أشهرُ من غيرها، ولا إلى تكلُّفِ أنَّ المشبّه به في الآية إضافةُ الأبناء إليهم
مطلقاً سواء كانت حقَّة أو لا، وما ذكره ابنُ سلام كونه ابناً له في الواقع.
﴿وَإِنَّ ◌َرِيقًا ◌ِنْهُمْ﴾ وهم الذين لم يُسْلِموا ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ الذي يعرفونه ﴿وَهُمْ
يَعْلَمُونَ ﴾﴾ جملة حالية، و((يعلمون)) إما منزَّلٌ منزلة اللازم، ففيه تنبيهٌ على كمال
شناعة كتمان الحقِّ، وأنه لا يليق بأهل العلم، أو المفعول محذوف، أي:
(يعلمونه))، فيكون حالاً موكِّدة؛ لأنَّ لفظ ((يكتمون الحقَّ) يدلُّ على عِلْمه؛ إذ الكتم
إخفاءُ ما يعلم. أو: يعلمون عقابَ الكتمان، أو: أنَّهم يكتمون فتكون مبيّنة.
وهذه الجملة عطفٌ، على ما تقدم من عطف الخاصِّ على العامّ، وفائدته:
تخصيصُ مَن عاند وكتم بالذمّ، واستثناءُ مَن آمن وأظهر عِلْمَه عن حكم الكتمان.
﴿الْحَقُّ مِن رٌَِّّ﴾ استئنافُ كلام قُصد به رةُّ الكاتمين، وتحقيقُ أمرٍ
رسول الله ◌َ﴿، ولذا فصل. و((الحقُّ)َ إما مبتدأ خبرُه الجارّ، و((اللام)) إما للعهد
إشارة إلى ما جاء به النبيُّ وَّ، ولذا ذُكر بلفظ المظهَر، أو الحقِّ الذي كتمه
هؤلاء، ووضع فيه المظهر موضع المضمر تقريراً لحقِّيته وتثبيتاً لها، أو للجنس،
وهو يفيد قَصْرَ جنس الحقِّ على ما ثبت من الله، أي: أنَّ الحقَّ ذلك كالذي أنت
عليه، لا غيره كالذي عليه أهل الكتاب. وإما خبر المبتدأ محذوف، أي: هو
الحق، أو هذا الحق.
و (من ربك)) خبرٌ بعد خبرٍ أو حالٌ مؤكِّدة، واللام حينئذ للجنس، كما في
﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ [البقرة: ٢] ومعناه: أنَّ ما يكتمونه هو الحق، لا ما يدَّعونه
ويزعمونه، ولا معنى حينئذٍ للعهد لأدائه إلى التكرار فيحتاج إلى تكلُّف.
وقرأ الإمام عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: ((الحقَّ) بالنصب(١) على أنه مفعول
(١) القراءات الشاذة ص ١٠.

سُؤَدَّةُ الْبَقَة
٣٠
الآية : ١٤٨
((يعلمون))، أو بدل و((من ربك)) حال منه، وبه يحصل مغايرتُه للأول وإن اتَّحد
لفظُهما. وجوِّز النصب بفعلٍ مقدَّرٍ كـ((الزم)).
وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة من إظهار اللطف به وَ لقي ما لا يخفى.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٣٢)﴾ أي: الشاكِّين، أو المتردِّدين في كتمانهم الحقَّ
عالمين به، أو في أنَّه من ربك. وليس المراد نهيّ الرسول وَّر عن ذلك؛ لأنَّ النهي عن
شيء يقتضي وقوعَه أو ترقُّبَه من المنهي عنه، وذلك غير متوقَّع من ساحة حضرة
الرسالة وَلقر، فلا فائدة في نهيه، ولأنَّ المكلّف به یجب أن یکون اختیاریًّا، ولیس
الشكُّ والتردُّد مما يحصل بقصد واختيار. بل المراد: إما تحقيقُ الأمر، وأنه بحيث
لا يشكُّ فيه أحد كائناً مَن كان، أو الأمرُ للأمة بتحصيل المعارف المُزيلةِ لما نهى عنه،
فيجعل النهي مجازاً عن ذلك الأمر، وفي جعل امتراء الأمة امتراءه بَّهِ مبالغةٌ لا تخفَى.
ولك أن تقول: إنَّ الشكَّ ونحوَه وإن لم يكن مقدور التحصيل لكنه مقدورٌ
لإزالة البقاء، ولعلَّ النهي عنه بهذا الاعتبار، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ
مِنَ الْمُمْتَّينَ﴾ دون: فلا تمتر، ومَن ظنَّ أنَّ منشأ الإشكال إقحامُ الكونِ؛ لأنَّه هو
الذي ليس مقدوراً فلا يُنهى عنه، دون الشك والتردد، لم يأت بشيء.
﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ﴾ أي: لكلِّ أهل ملَّة أو جماعة من المسلمين واليهود والنصارى،
أو: لكلِّ قوم من المسلمين جهةٌ وجانب من الكعبة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو
شرقية أو غربية. وتنوين ((كلِّ)) عوضٌ عن المضاف إليه.
و((وجهةٌ)) جاء على الأصل، والقياسُ: جهة، مثل: عِدَة وزِنَّة، وهي مصدر
بمعنى المتوجَّه إليه، كالخلق بمعنى المخلوق، وهو محذوف الزوائد؛ لأنَّ الفعل:
توجّه أو اتَّجه، والمصدر: التوجُّه أو الاِّجاه، ولم يستعمل منه وجه كوعد. وقيل :
إنَّها اسم للمكان المتوجَّهِ إليه، فثبوت الواو ليس بشاذ. وقرأ أبيّ: ((ولكلِّ قِبْلة))(١).
﴿هُوَ مُوَِّهَا﴾ الضمير المرفوع عائد إلى ((كل)) باعتبار لفظه، والمفعول الثاني
للوصف محذوف، أي: وجهَه، أو نفسه، أي: مستقبلُها، ويحتمل أن يكون
الضمير لله تعالى، أي: الله موليها إياه.
(١) الكشاف ٣٢٢/١، والبحر المحيط ٤٣٧/١.

الآية : ١٤٨
٣١
سُورَةُ الْبَقَة
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ظيًّا أنَّه قرأ: ((ولكلِّ وجهةٍ)) بالإضافة(١).
وقد صعُب تخريجها حتى تجرَّأ بعضهم على ردِّها، وهو خطأ عظيم، وخرَّجها
البعض: أنَّ ((كل)) كان في الأصل منصوباً على أنه مفعولٌ به لعاملٍ محذوفٍ يفسره
(موليها))، وضمير ((هو)) عائد إلى الله تعالى قطعاً، ثم زيدت اللام في المفعول به
صريحاً؛ لضعف العامل المقدَّر من جهتين: كونه اسمَ فاعلٍ، وتقديم المعمول
عليه، والمفعولُ الآخر محذوف، أي: لكلِّ وجهةِ الله مولِّي مولِّيها.
ورُدَّ بأن لام التقوية لا تزاد في أحد مفعولي المتعدِّي لاثنين؛ لأنَّه إما أن تزاد
في الآخر ولا نظير له، أو لا، فيلزم الترجيح بلا مرجّح.
وأُجيبَ: بأنَّ إطلاق النحاة(٢) يقتضي جوازَه، والترجيحُ بلا مرجِّحٍ مدفوعٌ هنا
بأنَّه ترجّح بتقدیمه.
وقيل: إنَّ المجرور معمولٌ للوصف المذکورٍ على أنه مفعول به له واللامُ
مزيدةٌ، أو أنَّ الكلام من باب الاشتغال بالضمير.
ولا يخفى أن هذين التخريجين يُخْرِجُ أولهُما إلى إرجاع الضمير المجرور
بالوصف إلى التولية، وجعله مفعولاً مطلقاً كقوله:
هذا سراقة للقرآن يدرسه(٣)
لئلا يقال: كيف يعمل الوصف مع اشتغاله بالضمير؟ وثانيهما إلى القول: بأنه
قد يجيء المجرور من باب الاشتغال على قراءة مَن قرأ: ((وللظالمين أعدَّ لهم))(٤).
والقول: بأنَّ اللام أصلية، والجار متعلِّق بصلُّوا محذوفاً، أو باستبِقوا،
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٧/١ (١٣٧٨)، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠.
(٢) في (م): وإن أجيب بإطلاق النحاة، والمثبت هو الصواب. ينظر حاشية الشهاب ٢٥٦/٢.
(٣) صدر بيت عجزُه: والمرء عند الرُّشا إنْ يَلْقَها ذيب. وهو في الكتاب لسيبويه ٦٧/٣، وأمالي
ابن الشجري ٩١/٢، والخزانة ٣/٢. قال الأعلم في شرح شواهد الكتاب ص ٤١١: هجا
رجلاً من القراء فنسب إليه الرياء وقبول الرشا والحرص عليها، والهاء في يدرسه كناية عن
المصدر، والفعل متعدٍّ باللام إلى القرآن، والتقدير: هذا سراقة يدرس القرآن درساً.
(٤) في (م): والظالمين أعدَّ لهم، وهو خطأ، وهي قراءة ابن مسعود كما في إعراب القرآن
للنحاس ١١٠/٥، والبحر المحيط ٤٠٢/٨. وهي الآية (٣١) من سورة الإنسان.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٢
الآية : ١٤٨
و((الفاء)) زائدة، بعيدٌ بل لا أكاد أُجيزه.
وقرأ ابن عامر، وروي عن ابن عباس عيًّ: ((مُوَلَّاها)) على صيغة اسم
المفعول(١)، أي: هو قد ولِّي تلك الجهة، فالضمير المرفوع حينئذ عائد إلى ((كلِّ))
البتة، ولا يجوز رجوعُه إلى الله تعالى؛ لفساد المعنى.
وأخرج ابن جرير وابن أبي داود في ((المصاحف)) عن منصور قال: نحن نقرأ:
((ولكلٍّ جعلنا قبلةً يَرْضَونها))(٢).
﴿فَأَسْتَّبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ جمع خَيْرة بالتخفيف، وهي الفاضلة من كلِّ شيء،
والتأنيث باعتبار الخصلة، واللام للاستغراق فيعم المحلَّى أمرَ القبلة وغيرَه،
والخطاب للمؤمنين. والاستباق متعدِّ كما في ((التاج))(٣)، وقيل: لازم و((إلى)) بعده
مقدَّرةٌ. أي: إذا كان كذلك فبادروا أيُّها المؤمنون ما به يحصل السعادة في
الدارين؛ من استقبال القبلة وغيره، ولا تنازِعوا مَن خالفكم؛ إذ لا سبيل إلى
الاجتماع على قبلة واحدة؛ لجري العادة على تولية كلِّ قوم قبلةً يستقبلها .
وفي أَمْرِ المؤمنين بطَلَبِ التسابق فيما بينهم - كما قال السعد - دلالةٌ على طلب
سَبْقِ غيرهم بطريق الأَوْلى. وقيل: الاقتصارُ على سَبْقِ بعضِهم إشارةٌ إلى أنَّ غيرهم
ليس في طريق الخير حتى يُتُصورَ أمرُ أحدٍ بالسَّبْقِ إلى الخير عليه.
ويجوز أن تكون ((اللام)) للعهد، فالمراد بالخيرات: الفاضلاتُ من الجهات
التي تُسامِتُ الكعبة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الصلاة إلى عين الكعبة أكثرُ ثواباً من
الصلاة إلى جهتها .
وقيل: يحتمل أن يراد بها الصلواتُ الفاضلاتُ، والمراد بالاستباق السرعةُ
فيها، والقيامُ بها في أول أوقاتها. وفيه بُعْد، وأبعدُ منه ما قيل: إنَّ المعنى:
فاستبقوا قبلتكم، وعبَّر عنها بالخيرات إشارةً إلى اشتمالها على كلِّ خير.
(١) التيسير ص٧٧، والنشر ٣٢٢/٢ عن ابن عامر، وذكرها عن ابن عباس الطبري في تفسيره
٦٧٨/٢.
(٢) تفسير الطبري ٦٧٧/٢، والمصاحف (١٧٤).
(٣) مادة (سبق).

الآية : ١٤٨
٣٣
سُؤَدَّةُ الْبَقَة
واستدل الشافعيةُ بالآية على أنَّ الصلاة في أول الوقت بعد تحقُّقه أفضلُ، وهي
مسألةٌ فُرغ منها في الفروع.
ولبعض العارفين في الآية وجهٌ آخرُ، وهو أنه تعالى جعل الناس في أمور
دنياهم وأخراهم على أحوال متفاوتة، فجعل بعضهم أعوانَ بعض؛ فواحدٌ يزرع،
وآخَرُ يطحن، وآخر يخبز، وكذلك في أمر الدين، واحدٌ يجمع الحديث، وآخرُ
يحصِّل الفقه، وآخر يطلب الأصول، وهم في الظاهر مختارون، وفي الباطن
مسخَّرون، وإليه الإشارةُ بقوله وَّهِ: ((كلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ له))(١).
ولهذا قال بعض الصالحين لمَّا سُئِل عن تفاوت الناس في أفعالهم: كلُّ ذلك
طرقٌ إلى الله تعالى أراد أن يعمرها بعباده، ومَن تحرَّى وجهَ الله تعالى في كلِّ طريق
يسلكُه وصل إليه، لكن ينبغي تحرِّي الأحسنٍ من تلك الطرق؛ إذ المراتب متفاوتة،
والشؤون مختلفة، ومظاهر الأسماء شتّی.
وقيل: المراد بها: أنَّ لكلِّ أحدٍ قبلة، فقبلةُ المقرَّبين العرشُ، والروحانيين
الكرسيُّ، والكَروبيين(٢) البيتُ المعمور، والأنبياء قَبْلكَ بيتُ المقدس، وقبلتُك
الكعبة، وهي قبلةُ جسدك، وأما قبلةُ روحك فأنا، وقبلتي أنت كما يشير إليه: ((أنا
عند المنكسرة قلوبُهم من أجلي))(٣).
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ بَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ أين: ظرفُ مكانٍ تضمَّن معنى الشرط،
و (ما)) مزيدة، و((يأت) جوابها، والمعنى: في أيِّ موضع تكونوا من المواضع
الموافقة لطبعكم كالأرض، أو المخالفة كالسماء، أو المجتمعة الأجزاء كالصخرة،
أو المتفرقة كالتي يختلط بها ما فيها كالرمل، يحشركم الله تعالى إليه لجزاء
أعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر، والجملة معلِّلة لما قبلها، وفيها حثٌّ على
الاستباق بالترغيب والترهيب، وهي على حدِّ قوله تعالى: ﴿يَبُنَّ إِنَّاَ إِن تَكُ مِثْقَالَ
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٦٢١)، والبخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧): (٧) عن
عليَّ هُبه.
(٢) الكروبيون: هم الملائكة المقربون. ينظر النهاية (کرب).
(٣) قال صاحب كشف الخفاء ٢٣٤/١: وتمامه: ((وأنا عند المندرسة قلوبهم لأجلي)) ولا أصل
لهما في المرفوع.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٤
الآية : ١٤٩
حَبَّتْ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ◌َللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦].
أو: في أيِّ موضع تكونوا، من أعماق الأرض، وقُلَلٍ (١) الجبال، يقبض الله
تعالى أرواحكم إليه، فهي على حدٍّ قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ
في بُرُوجِ تُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] ففيها حثٌّ على الاستباق باغتنام الفرصة؛ فإنَّ الموت
لا یختصُّ بمكان دون مكان.
أو: أينما تكونوا من الجهات المتقابلات يمنةً ويسرة، وشرقاً وغرباً، يجعل الله
تعالى صلاتكم مع اختلاف جهاتها في حكم صلاةٍ منَّحدةِ الجهة، كأنَّها إلى عين
القبلة(٢)، أو في المسجد الحرام، فـ ((يأت بكم)) مجازٌ عن جعل الصلاة منَّحدةَ
الجهة. وفائدة الجملة المعلِّلة حينئذ بيانُ حكم الأمر بالاستباق.
ومنهم مَن قال: الخطاب في ((استبقوا)) إمَّا عامٌّ للمؤمنين والكافرين، وإمَّا خاصٌ
بالمؤمنين، فعلى الأول يراد هنا العموم، أي: في أيِّ موضع تكونوا من المواضع
الموافقة للحقِّ أو المخالفة له، وعلى الثاني الخصوص، أي: أينما تكونوا في
الصلاة أيُّها المؤمنون من الجهات المتقابلة شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً بعد أن
تولُّوا جهة الكعبة، يجعل الله تعالى صلاتكم كأنَّها إلى جهة واحدة؛ لاتِّحادكم في
الجهة التي أُمرتم بالاتجاه إليها. وليس بشيء كما لا يخفى.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ ومن ذلك إماتتُكم وإحياؤكم وجَمْعُكم،
والجملة تذييلٌ وتأكيد لما تقدم.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلْ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَارِ﴾ عطف على ((فاستبقوا))،
و((حيث)) ظرفٌ لازمُ الإضافة إلى الجمل غالباً، والعامل فيها ما هو في محل الجزاء
لا الشرط، فهي هنا متعلِّقة بـ ((ولِ)). والفاءُ صلة للتنبيه على أنَّ ما بعدها لازمٌ
لما قبله لزومَ الجزاء للشرط؛ لأنَّ ((حيث)) وإن لم تكن شرطية لكنَّها لدلالتها على
العموم أشبهت كلمات الشرط، ففيها رائحة الشرط، ولا يجوز تعلُّقها بـ ((خرجْتَ))
لفظاً وإن كانت ظرفاً له معنى؛ لئلا يلزمَ عدُ الإضافة، والمعنى: من أيِّ موضع
(١) القُلل: جمع قُلَّة، وهي أعلى الجبل. الصحاح (قلل).
(٢) في (م): الكعبة.

الآية : ١٥٠
٣٥
سُؤَةُ الْبَّغَة
خرجْتَ فولٌ وجهك من ذلك الموضع شطر ... إلخ، ((ومن)) ابتدائية؛ لأنَّ الخروج
أصلٌ لفعلٍ ممتد وهو المشي، وكذا التولية أصلٌ للاستقبال وقت الصلاة الذي هو
ممتد .
وقيل: إنَّ ((حيث)) متعلقة بـ ((ولِ)) والفاء ليست زائدة، وما بعدها يعمل فيما قبلها
كما بُيِّن في محله، إلا أنه لا وجهَ لاجتماع الفاء والواو، فالوجه أن يكون التقدير:
افعل ما أمرت به من حيث خرجت فولِّ، فيكون ((فول)) عطفاً على المقدَّر.
ويجوز أن يجعل ((من حيث خرجت)) بمعنى: أينما كنتَ وتوجَّهْتَ، فیکون
((فولِ)) جزاءً له، على أنَّها شرطية العاملُ فيها الشرط، ولا يخفى ما فيه من
التكلُّف، والتخريجُ على قولٍ ضعيفٍ لم يذهب إليه إلا الفراء (١)، وهو شرطيةٌ
(حيث)) بدون ((ما))، حتى قالوا: إنَّه لم يسمع في كلام العرب.
ثم الأمرُ بالتولية مقيدٌ بالقيام إلى الصلاة؛ للإجماع على عدم وجوب استقبال
القبلة في غير ذلك.
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الاستقبال، أو الصرف، أو التولية، والتذكير باعتبار أنها أمر من
الأمور، أو لتذكير الخبر، أو لعدم الاعتداد بتأنيث المصدر، أو بذي التاء الذي
لا معنى للمجرد عنه سواء كان مصدراً أو غيره، وإرجاعُ الضمير للأمر السابق
واحدِ الأوامر علی قُرْبِه بعید.
﴿لَلْحَقُّ مِنْ زَيِّكْ﴾ أي: الثابت الموافق للحكمة ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
فيجازيكم بذلك أحسنَ الجزاء، فهو وعد(٢) للمؤمنين. وقرئ: ((يعملون))(٣) على صيغة
الغيبة، فهو وعيدٌ للكافرين. والجملة عطفٌ على ما قبلها وهما اعتراض للتأكيد.
﴿وَمِنْ حَيْتُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَّلُواْ وُجُوهَكُمْ
شَطْرَهُ﴾ معطوفٌ على مجموع قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ رِجْهَةٌ﴾ إلخ، أو على قوله تعالى:
﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ إلخ عَظْفَ القصةِ على القصة، وليس معطوفاً على قوله
(١) في معاني القرآن له ١/ ٨٥.
(٢) في (م): وعيد، وهو تصحيف.
(٣) وهي قراءة أبي عمرو كما في التيسير ص ٧٧، والنشر ٢٢٣/٢.

سُورَةُ الْجَمَة
٣٦
الآية : ١٥٠
تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ [الآية: ١٤٩] الداخلِ تحت فاء السببية الدالةِ على ترُّبه
على قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ رِجْهَةٌ﴾؛ لأنَّه معلَّل بقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ
حُبَّةٌ﴾، وهو وإن كان علَّة لـ ((ولُّوا)) - لا لمحذوفٍ، أي: عرَّفناكم وجهَ الصواب
في قبلتكم والحجةَ في ذلك، كما قيل به - إلا أنه يفهم منه كونُه علة لـ («ولّ))؛ لأنَّ
انقطاع الحجة بالتولية إذا حصل للأمة كان حصوله بها للرسول و * بطريق الأولى،
ولو جُعل الخِطاب عامًّا للرسول وَّهِ والأمَّةِ ولم يلتزم تخصيصه بالأمة على حدٍّ
خطابات الآية(١)، كان علَّة لهما.
وإنما كرّر هذا الحكم لتعدُّد علله، والحصرُ المستفاد من ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ إلخ
[البقرة: ١٤٣] إضافيٍّ أو ادِّعائي، فإنَّه تعالى ذكر للتحويل ثلاثَ علل: تعظيم
الرسول وَ ﴿ بابتغاء مرضاته أولاً. وجَرْيَ العادة الإلهية على أن يؤتى كلُّ أهلٍ ملةٍ
وجهةً ثانياً. ودفعَ حجج المخالفين ثالثاً، فإنَّ التولية إلى الكعبة تدفع احتجاجَ اليهود
بأنَّ المنعوت في التوراة قبلتُه الكعبةُ لا الصخرة، وهذا النبيُّ يصلَّ إلى الصخرة،
فلا يكون النبيَّ الموعود، وبأنه وَله يدَّعي أنه صاحبُ شريعة ويتَّبع قبلتنا،
وبينهما تَدافُع؛ لأنَّ عادته سبحانه وتعالى جارية بتخصيص كلِّ صاحب شريعة بقبلة،
وتدفع احتجاج المشركين بأنه عليه الصلاة والسلام يدعي ملّة إبراهيم ويخالف قبلته.
وترك سبحانه التعميم بعد التخصيص في المرتبة الثالثة اكتفاءً بالعموم المستفاد
من العلة، وزاد ((من حيث خرجت)) دفعاً لتوهُّم مخالفةِ حالِ السفر حال(٢) الحضر،
بأن يكون حال السفر باقياً على ما كان كما في الصلاة - حيث زيد في الحضر
ركعتان - أو يكون مخيَّراً بين التوجُّهين كما في الصوم.
وقد يقال: فائدة هذا التكرار الاعتناءُ بشأن الحكم؛ لأنه من مظانِّ الطعن وكثرة
المخالفين فيه لعدم الفرق بين النسخ والبداء(٣).
(١) في الأصل: الخطابات الآتية.
(٢) في (م): لحال.
(٣) النسخ: هو الخطاب الدالُّ على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدِّم على وجه لولاه
لكان ثابتاً به. أما البداء فهو أن يظهر له ما كان خفيًّا عنه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا
كبيراً. ينظر اللمع ص١٦٣ -١٦٤.

الآية : ١٥٠
٣٧
سُورَةُ الشَّرَة
وقيل: لا تكرار؛ فإن الأحوال ثلاثة: كونه في المسجد، وكونه في البلد خارج
المسجد، وكونه خارج البلد. فالأول محمول على الأول، والثاني على الثاني،
والثالث على الثالث، ولا يخفى أنه مجرد تشهٌ لا يقوم عليه دليل.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ إخراج من ((الناس))، وهو بدل على المختار،
والمعنى عند القائلين بأنَّ الاستثناء من النفي إثبات: لئلا يكون لأحد من الناس
عليكم حجة إلا الذين ظلموا بالعناد، فإن لهم عليكم حجةً، فإن اليهود منهم
يقولون: ما تحوَّل إلى الكعبة إلا ميلاً لدين قومه وحبًّا لبلده، والمشركين منهم
يقولون: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم.
وتسميةُ هذه الشبهة الباطلة حجَّةً مع أنَّها عبارةٌ عن البرهان المثبت للمقصود؛
لكونها شبيهةً بها باعتبار أنهم يسوقونها مَسَاقَها.
واعتُرض بأنَّ صدر الكلام لو تناول هذا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز،
وإلا لم يصحَّ الاستثناء؛ لأن الحجّةَ مختصةٌ بالحقيقة، ولا محیص سوی أن یراد
بالحجة المتمسَّكُ، حقًّا كان أو باطلاً.
وأجيبَ: بأنه لم يستثن شبهتَهم عن الحجّة بل ذواتَهم عن الناس، إلا أنه لزم
تسمية شبهتهم حجَّة باعتبار مفهوم المخالفة، فلا حاجة إلى تناول الصدر إياها .
وأنت تعلم أنَّ مراد المعترض أنَّ الاستثناء وإن كان من الناس، إلا أنه يَثبت به
ما نفي عن المستثنى منه للمستثنى بناءً على أنَّ الاستثناء من النفي إثبات، فإن كان
الصدر مشتملاً على ما أثبت للمستثنى، لزم الجمع، وإلا لم يتحقَّق الاستثناء
بمقتضاه؛ إذ الثابت للمستثنى منه شيء وللمستثنى شيء آخر، ولا محيص
للتفصي(١) عن ذلك إلا أن يراد بالحجة المتمسَّك، أو ما يطلق عليه الحجة في
الجملة، فيتحقق حينئذ الاستثناء بمقتضاه لأنَّ الشبهة حجّة بهذا المعنى كالبرهان،
ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
ولك أن تحمل الحيّة على الاحتجاج والمنازعة كما في قوله تعالى: ﴿لَا حُبَّةً
(١) أي: للتخلُّص. ينظر الصحاح (فصا).

سُورَةُ الْبَدَة
٣٨
الآية : ١٥٠
بَيْنَنَا وَيَتْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] فأمرُ الاستثناء حينئذ واضح، إلا أنَّ صوغَ الكلام بعيد
عن الاستعمال عند إرادة هذا المعنى.
وقيل: الاستثناء منقطع، وهو من تأكيد الشيء بضدِّه وإثباتِه بنفيه، والمعنى: إن
يكن لهم حجةٌ فهي الظلم، والظلم لا يمكن أن يكون حجَّة، فحجتُهم غير ممكنة
أصلاً، فهو إثبات بطريق البرهان على حدٍّ قوله:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ نزيلَهم يُلامُ بنسيانِ الأحبَّة والوطن(١)
وقرأ زيد بن علي رضي﴾: ((أَلَا)) بالفتح والتخفيف(٢)، وهي حرفٌ يستفتح به
الكلام لينبه السامع إلى الإصغاء، و((الذين)) مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿فَلَا تَّخْشَوْهُمْ﴾
والفاء زائدةٌ فيه للتأكيد، وقيل: لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط، وجوّز أن يكون
الموصول نصباً على شريطة التفسير (٣).
والمشهور أنَّ الخشية مرادفةٌ للخوف، أي: فلا تخافوا الظالمين؛ لأنَّهم
لا يقدرون على نفعٍ ولا ضرّ. وجوِّز عَوْدُ الضمير إلى الناس، وفيه بُعْد.
﴿وَأَخْشَوْنِ﴾ أي: وخافوني فلا تخالفوا أمري، فإنِّي القادر على كلِّ شيء،
واستدل بعض أهل السنّة بالآية على حرمة التَّقِيَّةِ التي يقول بها الإمامية، وسيأتي إن
شاء الله تعالى تحقيق ذلك في محلِّه (٤).
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾﴾ الظاهر من حيث اللفظُ أنَّه عطفٌ
على قوله تعالى: ﴿لِئَلَا يَكُونَ﴾ كأنه قيل: فولُّوا وجوهكم شطره لئلا يكونَ للناس
عليكم حجة ولأُتِمَّ إلخ، فهو علَّة لمذكور، أي: أمرتكم بذلك لأجمع لكم خيرَ
الدارين، أمَّا دنيا فلظهور سلطانِكم على المخالفين، وأما عُقْبَى فلإثابتكم الثواب
الأوفى، ولا يرد الفصل بالاستثناء وما بعده؛ لأنَّ كَلَا فَضْلٍ؛ إذ هو من متعلَّق العلة
(١) البيت في معاهد التنصيص للعباسي ١٠٩/٣ دون نسبة، وروايته فيه:
ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم تُعاب بنسيان
(٢) القراءات الشاذة ص ١٠، والمحتسب ١١٤/١.
(٣) يعني على الاشتغال، والفاء زائدة، والتقدير: لا تخشوا الذين ظلموا لا تخشوهم .. ، ينظر
الدر المصون ١٨٠/٢.
(٤) عند الآية (٢٨) من سورة آل عمران.

الآية : ١٥١
٣٩
سُورَةُ الشَّيَّة
الأولى. نعم اعتُرض ببُعْدِ المناسبةِ، وبأنَّ إرادة الاهتداءِ المشعِر بها الترجِّي
إنَّما تصلح علةً للأمر بالتولية لا لفعلِ المأمورِ به كما هو الظاهر في المعطوف عليه،
فالظاهرُ معنَى جَعْلُه علةً لمحذوف، أي: وأمرتكم بالتولية والخشية لإتمام نعمتي
عليكم، وإرادتي اهتداءَكم، والجملةُ المعلِّلة معطوفةٌ على الجملة المعلِّة السابقة.
أو عطف على عِلَّة مقدَّرة مثل: واخشوني لأحفظكم ولأتم إلخ. ورجّح بعضُهم
هذا الوجهَ بما أخرجه البخاريُّ في ((الأدب المفرد)) والترمذيُّ من حديث معاذ بن
جبل ((تمامُ النِّعمة دخولُ الجنَّة))(١).
ولا يخفى أنه على الوجه الأول قد يؤُولُ الكلام إلى معنى: فاعبدوا وصلُّوا
متجهين شطرَ المسجد الحرام لأدخلكم الجنة، والحديث لا يأبى هذا، بل يطابقه
حذو القُذَّة بالقُذَّة(٢)، فكونه مرجِّحاً لذلك بمعزل عن التحقيق.
فإن قيل: إنَّه تعالى أنزل عند قرب وفاته نَّهِ ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣] فبيّن أنَّ تمام النعمة إنَّما حصل ذلك اليوم، فكيف قال قبل
ذلك بسنين في هذه الآية: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾؟ أجيب بأنَّ تمامَ النعمة في كلِّ
وقت بما يليق به، فتدبر.
﴿كَمَّا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ متصل بما قبله، فالكاف للتشبيه، وهي في
موضع نصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف، والتقدير: لأتمَّ نعمتي عليكم في أمر
القبلة - أو في الآخرة - إتماماً مثل إتمام إرسال الرسول، وذكرُ الإرسال وإرادةٍ
الإتمام من إقامة السبب مقام المسبّب. و((فيكم)) متعلق بـ ((أرسلنا))، وقدِّم على
المفعول الصريح تعجيلاً بإدخال السرور، ولما في صفاته من الطول.
وقيل: متصل بما بعده، أي: اذکروني ذكراً مثل ذکری لکم بالإرسال، أو:
اذكروني بدل إرسالنا فيكم رسولاً، فالكاف للمقابلة متعلِّقٌ بـ ((اذكروني))، ومنها
يستفاد التشبيه؛ لأنَّ المتقابلَيْنِ متشابهان ومتبادلان.
وإيثارُ صيغة المتكلم مع الغير بعد التوحيد افتنانٌ وجريانٌ على سَنَن الكبرياء،
(١) الأدب المفرد (٧٢٥)، وسنن الترمذي (٣٥٢٧) مطولاً. قال الترمذي: حديث حسن.
(٢) أي: مثلاً بمثل، وهو مثل يضرب في التسوية بين الشيئين، مجمع الأمثال ١٩٥/١.

سُوَّةُ البَرَة
٤٠
الآية : ١٥١
وإشارةٌ إلى عظمة نعمة هذا الإرسال وهذا الرسول وَ ف9.
﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا﴾ صفة ((رسولاً))، وفيه إشارة إلى طريق إثبات نبوته عليه
الصلاة والسلام؛ لأنَّ تلاوة الأميِّ الآيات الخارجةَ عن طوقِ البشر باعتبار بلاغتها
واشتمالها على الإخبار بالمغيَّيات والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش،
أقوی دلیلٍ على نبوته.
﴿وَيُزَكِيكُمْ﴾ أي: يطهِّركم من الشرك، وهي صفةٌ أخرى للرسول، وأتى بها
عقب التلاوة لأنَّ التطهير عن ذلك ناشئٌ عن إظهار المعجزة لمن أراد الله تعالى
توفيقه .
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ صفة إثر صفة، وأخِّرت لأنَّ تعليم الكتاب،
وتفهيمَ ما انطوى عليه من الحكمة الإلهية والأسرار الربانية، إنَّما يكون بعد التخلّي
عن كَنَس الشرك ونَجَس الشك بالاتباع، وأما قبلَ ذلك فالكفرُ حجاب.
وقدَّم التزكيةَ على التعليم في هذه الآية وأخّرها عنه في دعوة إبراهيم؛
لاختلاف المراد بها في الموضعين، ولكلِّ مقام مقال.
وقيل: التزكية عبارةٌ عن تكميل النفس بحسب القوة العملية، وتهذيبها المتفرِّع
على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصلِ بالتعليم المترتّب على التلاوة، إلا أنَّها
وسِّطت بين التلاوة والتعليم المترتّب عليها؛ للإيذان بأنَّ كلَّا من الأمور المترتبة
نعمةٌ جليلة على حيالها، مستوجبةٌ للشكر، ولو روعي ترتيب الوجود كما في دعوة
إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لتبادر إلى الفهم كونُ الكلِّ نعمة واحدة.
وقيل: قُدِّمت التزكيةُ تارة وأخِّرت أخرى؛ لأنَّها علةٌ غائية لتعليم الكتاب
والحكمة، وهي مقدَّمة في القصد والتصوُّر، مؤخّرة في الوجود والعمل، فقدِّمت
وأخِّرت رعايةً لكلٍّ منهما.
واعتُرض بأنَّ غاية التعليم صيرورتُهم أزكياءَ عن الجهل، لا تزكيةُ الرسول عليه
الصلاة والسلام إياهم(١) المفسّرة بالحمل على ما يصيرون به أزكياء؛ لأنَّ ذلك
(١) في (م): إياها .