النص المفهرس

صفحات 1-20

◌َجُ المُعَانِ
في
تَفِي القُرآن لَعَظِيم والسُّنْ المَثَانِى
تأليف
شِهَابُ الدِّينُ أبيُ الثّناء
مَحْمُودِ بْن عَبِّدُ اللَّهُ الالوسيُ الْبُعْدادِيْ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقةَ هَذَا الجزء
بَاهِرْ جَبُوْشٌ
سَاهُمْ في تحقيق
عَادَ النَّارِِّيُ
نَايُم المشهدوفي
المجلد الثالث
مؤسسة الرسالة

◌ُوعُ المَعَانِى
ف
تفِ القُرآن ◌َعَ ظِيمُ والِسَنْع المثَانِ
(٣)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر
الطّبعة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
للطّبَاعَة وَالسَّشْر وَالتَّوْزِيّعِ
بيروت -وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
Al-Resalafı
Publishing House
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com

سُؤَدَّةُ الََّقَة
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ أي: الخفافُ الأحلام، أو المستَمْهِنوها بالتقليد المحض
والإعراض عن التدبُّر، والمتبادرُ منهم ما يشمل سائرَ المنكِرين لتغيير القبلة من
المنافقين واليهود والمشركين. وروي عن السدِّيِّ الاقتصارُ على الأول، وعن ابن
عباس الاقتصارُ على الثاني، وعن الحسن الاقتصارُ على الثالث.
ولعلَّ المراد بيانُ طائفةٍ نزلتْ هذه الآية في حقِّهم لا حملُ الآية عليها؛ لأنَّ
الجمع فيها محلّى باللام، وهو يفيد العموم، فيدخل فيه الكلُّ، والتخصيصُ بالبعض
لا يدعو إلیہ داعٍ.
وتقديمُ الإخبار بالقول على الوقوع لتوطين النفس به، فإنَّ مفاجأةٍ(١) المكروه
أشدُّ إيلاماً، والعلم به قبل الوقوع أبعدُ من الاضطراب، ولِمَا أنَّ فيه إعدادَ
الجواب، والجوابُ المعدُّ قبل الحاجة إليه أَقْطَعُ للخصم. وفي المثل: قَبْلَ الرَّمْي
يُرَاشُ السَّهْم (٢). وليكون الوقوع بعد الإخبار معجزةً له وَله.
وقيل: إنَّ الوجه في التقديم هو التعليم والتنبيهُ على أنَّ هذا القول أثر السفاهة،
فلا يبالي به ولا يتألم منه. ويَرِدُ عليه أنَّ التعليم والتنبيه المذكورين يحصلان بمجرد
ذكر هذا السؤال والجوابِ ولو بعد الوقوع.
وقال القفَّال: إنَّ الآية نزلتْ بعد تحويل القبلة، وإنَّ لفظ ((سيقول)) مرادٌ منه
الماضي، وهذا كما يقول الرجل إذا عمل عملاً فطعن فيه بعضُ أعدائه: أنا أعلم أنَّهم
سيطعنون فيَّ. كأنَّه يريد أنه إذا ذُكر مرة فيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما رواه
(١) في الأصل: مفاجآت.
(٢) راش السهم يَريشُه: ألزق عليه الريش. القاموس (ريش). وهو مَثَل يضرب في تهيئة الآلة
قبل الحاجة إليها. مجمع الأمثال للميداني ٢/ ١٠١ .

سُؤَةُ النَّفَة
٦
الآية : ١٤٢
﴿ّ قال: لمَّا قدم رسولُ اللهِ وَّهِ المدينةَ فصلَّى نحو بيت المقدس
البخاريُّ عن البراء
ستةَ عَشَرَ شهراً أو سبعةَ عَشَرَ شهراً، وكان رسولُ الله وَّهِ يحبُّ أن يتوجَّه نحو الكعبة،
فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] إلى آخر الآية، فقال
السفهاء وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّنْهُمْ عَنْ قِبْلَئِمُ﴾ إلى آخر الآية (١). وفي رواية ابن إسحاق
وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم (٢) عنه زيادة: فأنزل الله تعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ إلخ.
ومناسَبةُ الآيةِ لِمَا قبلها أنَّ الأولى قدح في الأصول، وهذا في أمرٍ متعلِّقٍ
بالفروع، وإنَّما لم يعطف تنبيهاً على استقلال كلٍّ منهما في الشناعة .
﴿مِّنَ النَّاسِ﴾ في موضع نصب على الحال، والمرادُ منهم الجنس، وفائدة
ذكره التنبيهُ على كمال سفاهتهم بالقياس إلى الجنس.
وقيل: الكفرة، وفائدته: بيانُ أنَّ ذلك القول المحكيّ لم يصدر عن كلِّ فردٍ فرد
من تلك الطوائف، بل عن أشقيائهم المعتادين للخوض في آسن الفساد. والأَوَّلُ
أَوْلَى كما لا يخفى.
﴿مَا وَلَّئُهُمْ﴾ أي: أيُّ شيء صرفهم؟ وأصله من الوَلْي، وهو حصول الثاني بعد
الأول من غير فصل، والاستفهام للإنكار.
﴿عَنْ قِبْلَئِمُ﴾ يعني بيتَ المقدس، وهي فِعْلَة من المقابلة، كالوِجْهة من
المواجهة، وأصلها الحالة التي كان عليها المقابل، إلا أنَّها في العرف العام اسمٌ
للمكان المقابل المتوجَّهِ إليه للصلاة.
﴿الَّى كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ أي: على استقبالها، والموصول صفةُ القبلة، وفي وصفها
بذلك بعد إضافتها إلى ضمير المسلمين تأكيدٌ للإنكار.
ومدارُ هذا الإنكار بالنسبة إلى اليهود: زعمُهم استحالةَ النسخ، وكراهتُهم
مخالفتَه وَّ لهم في القبلة، حتى إنَّهم قالوا له: ارجع إلى قبلتنا نتَّبعْك ونؤمنْ بك.
ولعلَّهم ما أرادوا بذلك إلا فتنته عليه الصلاة والسلام.
(١) صحيح البخاري (٣٩٩)، وهو عند أحمد (١٨٤٩٦)، ومسلم (٥٢٥).
(٢) في الأصل و (م): وفي رواية أبي إسحاق وعبيد بن حميد وأبي حاتم، والمثبت من الدر
المنثور وهو الصواب، وينظر تفسير ابن كثير عند هذه الآية.

الآية : ١٤٣
٧
سُورَةُ الجَّفَقَة
وبالنسبة إلى مشركي العرب: القصدُ إلى الطعن في الدين، وإظهارُ أنَّ كلّ من
التوجُّه إليها والانصرافِ عنها، بغير داعٍ إليه، حتى إنَّهم كانوا يقولون: إنه رَغِب
عن قبلة آبائه ثمَّ رجع إليها، وليرجعنَّ إلىّ دينهم أيضاً.
وبالنسبة إلى المنافقين: مختلفٌ باختلاف أصولهم؛ فإنَّ فيهم اليهود وغيرهم.
واختلف الناس في مدة بقائه وَ ﴿ مستقبلاً بيت المقدس، ففي رواية البخاريِّ
ما عَلِمْتَ، وفي رواية أنس بن مالك(١): تسعة أشهر أو عشرة أشهر. وعن معاذ:
ثلاثة عشر شهراً (٢). وعن الصادق: سبعة أشهر. وهل استَقْبَل غيرَه قبلُ بمكة أم
لا؟ قولان أشهرهما الثاني، وهو المرويُّ أيضاً عن الصادق ◌َ﴾(٣).
﴿قُل لِِّ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ﴾ أي: جميع الأمكنة والجهات مملوكةٌ له تعالى،
مستويةٌ بالنسبة إليه عزَّ شأنه، لا اختصاص لشيء منها به جلَّ وعلا، إنَّما العبرة
لامتثال أمره، فله أن يكلِّف عباده باستقبال أيِّ مكان وأيِّ جهة شاء.
﴿يَهْدِى مَن يَشَّةُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣)﴾ أي: طريقٍ مستوٍ، وهو ما تقتضيه الحكمة
من التوجُّه إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة أخرى، والجملة بدلُ اشتمال مما تقدم،
وهو إشارة إلى مصحِّح التولية، وهذا إلى مرجِّحها، كأنَّه قيل: إنَّ للتولية المذكورة
هدايةٌ يخصُّ الله تعالى بها مَن يشاء ويختار مِن عباده، وقد خصَّنا بها فله الحمد.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسًَّا﴾ اعتراضٌ بين كلامين متَّصلين وقعا خطاباً لِه ◌ِ،
استطراداً لمدح المؤمنين بوجهٍ آخر، أو تأكيداً لردِّ الإنكار بأنَّ هذه الأمة وأهلَ هذه
الملَّة شهداءُ عليكم يوم الجزاء، وشهادتهم(٤) مقبولة عندكم، فأنتم إذاً أحقُّ
باتباعهم والاقتداء بهم، فلا وجه لإنكارکم علیھم.
(١) في النسخ مالك بن أنس، والمثبت هو الصواب، فقد أخرجه البزار (٤٢٠- كشف)،
والطبري في تفسيره ٢/ ٦٢١ من حديث أنس بن مالك ه، وفي إسناده عثمان بن سعد،
وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٧) وإسناده منقطع.
(٣) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٧/٢ بلفظ: تحولت القبلة إلى الكعبة بعد ما صلى النبي وَيه
بمكة ثلاث عشرة سنة إلى بيت المقدس.
(٤) في (م): وشهاداتهم.

سُورَةُ الْبَّكَقَة
٨
الآية : ١٤٣
(وذلك)) إشارةٌ إلى الجَعْلِ المدلول عليه بـ (جعلناكم))، وجيءٍ بما يدلُّ على
البعد تفخيماً، والكاف مقحم للمبالغة وهو إقحام مطّرد، ومحلَّها في الأصل
النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف، وأصل التقدير: جعلناكم أمةً وسطاً
جعلاً كائناً مثلَ ذلك الجَعْلِ، فقدِّم على الفعل لإفادة القَصْر، وأُقحمت الكافُ
فصار نفسَ المصدر المؤكِّد لا نعتاً له، أي: ذلك الجعلَ البديعَ جعلناكم
لا جعلاً آخَرَ أدنى منه وكذا قالوا(١).
وقد ذكرنا قبلُ أنَّ ((كذلك)) كثيراً ما يُقصد بها تثبيت ما بعدها، وذلك لأنَّ وجه
الشبه يكون كثيراً في النوعية والجنسية، كقولك: هذا الثوب كهذا الثوب في كونه
خزًّا أو بزًّا، وهذا التشبيه يستلزم وجودَ مثله وثبوتَه في ضمن النوع، فأريد به على
طريق الكناية مجردُ الثبوت لِمَا بعده، ولمَّا كانت الجملة تدلُّ على الثبوت، كان
معناها موجوداً بدونها وهي مؤكّدة له، فكانت كالكلمة الزائدة، وهذا معنى قولهم:
إنَّ الكاف مقحمة، لا أنَّها زائدة كما يوهمه كلامُهم، أما استفادة كون ما بعدها
عجيباً فليس إلا لأنَّ ما ليس كذلك لا يحتاج لبيان، فلما اهتمَّ بإثباته في الكلام
البليغ عُلِم أنَّه أمر غريب، أو لحمل البعد المفهوم من ذلك على البعد الرُّتْبي.
ومن الناس مَن جعل ((كذلك)) للتشبيه بجَعْلٍ مفهومٍ من الكلام السابق، أي:
مثلَ ما جعلناكم مهديِّين، أو جعلنا قبلتكم أفضل القِبَلِ ((جعلناكم أمة وسطاً)).
ويَرِدُ على ذلك أنَّ المحلَّ المشبّهَ به غيرُ مختصٍّ بهذه الأمة، لأنَّ مؤمني الأمم
السابقة كانوا أيضاً مهتدين إلى صراط مستقيم، وكانت قبلةُ بعضهم أفضلَ القِبَلِ
أيضاً، والجعلُ المشبّه مختصٍّ بهم، فلا يحسن التشبيه. على أنَّه لا يفهم من
السابق سوى أنَّ التوجه إلى كلِّ واحد من القبلتين في وقته صراط مستقيم، والأمر
به في ذلك الوقت هداية، ولا يفهم منه أن قبلتَهم أفضلُ القِبَلِ، والناسخ لا يلزم أن
يكون خيراً من المنسوخ، اللهم إلا أن يكون مراد القائل: كما جعلنا قبلتكم الكعبة
التي هي أفضل القبل في الواقع جعلنا ... إلخ، إلا أنَّه على ما فيه لا يحسم
الإيراد كما لا يخفى.
(١) هو أبو السعود في تفسيره ١٧٢/١.

الآية : ١٤٣
٩
سُورَةُ الْبَدَة
ومعنى («وسطاً)»: خياراً، أو: عدولاً. وهو في الأصل اسم لِمَا يستوي نسبةٌ
الجوانبٍ إليه كالمركز، ثمَّ استُعير للخصال المحمودة البشرية؛ لكونها أوساطاً
للخصال الذميمة المكتنَفَةِ بها من طرفي الإفراط والتفريط، كالجود بين الإسراف
والبخل، والشجاعة بين الجبن والتهوُّر، والحكمةِ بين الجَرْبزة(١) والبلادة. ثم
أُطلق على المنَّصف بها إطلاقَ الحالِّ على المحلِّ، واستوى فيه الواحد وغيره؛
لأنَّه بحسب الأصل جامد لا تُعتبر مطابقته، وقد يُراعى فيه ذلك.
وليس هذا الإطلاق مطَّرداً كما يُظنُّ من قولهم: خير الأمور الوسط، إذ يعارضه
قولُهم على الذم: أثقلُ مِن مُغَنٍّ وسط؛ لأنَّه كما قال الجاحظ(٢): يختم على القلب
ويأخذ بالأنفاس، وليس بجيِّد فيُظْرِب، ولا برديء فيُضْحِك. وقولُهم: أخو الدُّون
الوسط. بل هو وصفُ مدحٍ في مقامين: في النسب؛ لأنَّ أوسط القبيلة أعرقُها
وصميمُها. وفي الشهادة كما هنا؛ لأنَّه العدالة التي هي كمال القوة العقلية
والشهوية والغضبية، أعني استعمالها فيما ينبغي على ما ينبغي. ولما كان علم العباد
لم يُحِط إلا بالظاهر، أقام الفقهاء الاجتنابَ عن الكبائر وعدم الإصرار على
الصغائر مقامَ ذلك، وسمّوه عدالةً في إحياء الحقوق، فليحفظ.
وشاع عن أبي منصور(٣) الاستدلالُ بالآية على أنَّ الإجماع حجةٌ؛ إذ لو كان
ما اتفقت عليه الأمة باطلاً، لانئلمتْ به عدالتهم.
وهو مع بنائه على تفسير الوسط بالعدول - وللخصم أن يفسِّرَه بالخيار، فلا يتم؛
إذ كونهم خياراً لا يقتضي خَيْرِيَّتهم في جميع الأمور، فلا ينافي اتفاقَهم على الخطأ
- لا يخلو عن شيء:
أمَّا أولاً: فلأنَّ العدالة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد؛ إذ لا فسق فيه، كيف
والمجتهدُ المخطئ ماجور.
وأمَّا ثانياً: فلأنَّ المراد كونُهم وسطاً بالنسبة إلى سائر الأمم.
(١) الجُرْبُزُ: الخِبُّ الخبيث، معرب كُرْبُز. والمصدر: الجَرْيَزَة. القاموس (جربز).
(٢) في البيان والتبيين ١٤٥/١، وينظر زهر الأكم ٢/ ١٠.
(٣) هو الماتريدي، وكلامه في تأويلات أهل السنة ١/ ١٠١.

سُورَةُ الْبَّكَفَة
١٠
الآية : ١٤٣
وأمَّا ثالثاً: فلأنَّه لا معنى لعدالة المجموع بعد القطع بعدم عدالة كلِّ واحد.
وأمَّا رابعاً: فلأنَّه لا يلزم أن يكونوا عدولاً في جميع الأوقات، بل وقتَ أداء
الشهادة وهو يوم القيامة.
وأمَّا خامساً: فلأنَّ قصارى ما تدل عليه بعد اللُّيًّا والتي حجيةُ إجماع كلِّ
الأمة، أوكلِّ أهل الحلِّ والعقد منهم، وذا متعذّر، ولا تدلُّ على حجية إجماع(١)
مجتهدي كلِّ عصر، والمستَدِلُّ(٢) بصدد ذلك.
وأجيب عن الأول والثاني: بأنَّ العدالة بالمعنى المرادِ تقتضي العصمة في
الاعتقاد والقول والفعل، وإلَّا لَمَا حصل التوسطُ بين الإفراط والتفريط، وبأنَّه عبارة
عن حالة متشابهةٍ حاصلةٍ عن امتزاج الأوساط من القوى التي ذكرناها، فلا يكون
أمراً نسبياً.
وعن الثالث: بأنَّ المراد أنَّ فيهم مَن يوجد على هذه الصفة، فإذا كنَّا لا نعرفهم
بأعيانهم افتقرنا إلى اجتماعهم كيلا يخرج مَن يوجد على هذه الصفة، لكن يدخل
المعتبرون في اجتماعهم، ومتى دخلوا وحصل الخطأ انثلمت عدالة المجموع.
وعن الرابع: بأنَّ (جعلناكم)) يقتضي تحقّق العدالة بالفعل، واستعمالُ الماضي
بمعنى المضارع خلافُ الظاهر.
وعن الخامس: بأنَّ الخطاب للحاضرين - أعني الصحابة كما هو أصله - فيدلُ
على حجية الإجماع في الجملة.
وأنت تعلم أنَّ هذا الجواب الأخير لا يشفي عليلاً، ولا يروي غليلاً؛ لأنَّه بعيد
بمراحل عن مقصودِ المستَدِلِّ.
على أنَّ مَن نظر بعين الإنصاف لم ير في الآية أكثرَ من دلالتها على أفضلية هذه
الأمة على سائر الأمم، وذلك لا يدلُّ على حجيةِ إجماعٍ ولا عَدَمِها .
نعم ذهب بعضُ الشيعة إلى أنَّ الآية خاصَّة بالأئمة الاثني عشر، ورووا عن
(١) في الأصل: اجتماع.
(٢) يعني أبا منصور.

الآية : ١٤٣
١١
سُورَةُ الْبََّة
الباقر أنه قال: نحن الأمَّةُ الوسط، ونحن شهداءُ الله على خَلْقِهِ، وحجَّتُه في أرضه.
وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: نحن الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا﴾. وقالوا: قولُ كلِّ واحد من أولئك حجَّةٌ فضلاً عن إجماعهم، وإنَّ
الأرض لا تخلو عن واحد منهم حتى يرث الله تعالى الأرضَ ومَن عليها. ولا يخفى
أنَّ دون إثبات ما قالوه خَرْطَ القَتَادُ(١).
﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: سائِر الأمم يوم القيامة بأنَّ الله تعالى قد
أوضح السبل وأرسل الرسل فبلَّغوا ونصحوا، وهو غايةٌ للجَعْل المذكور مترتبةٌ عليه.
أخرج الإمام أحمد وغيره عن أبي سعيد قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يجيءُ النبيُّ يومَ
القيامة ومعه الرجلُ، والنبيُّ ومعه الرجلان وأكثرُ من ذلك، فيُدعى قومُه فيقال لهم:
هل بلَّغَكم هذا؟ فيقولون: لا ، فيقال له: هلَ بَلَّغْتَ قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له:
مَن يشهدُ لك؟ فيقول: محمدٌ وأمَّتُه. فيدعى محمدٌ وأمَّتُه، فيقال لهم: هل بلَّغ هذا
قومَه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما عِلْمُكم؟ فيقولون: جاءنا نبيُّنَا وَّهِ فأخبرنا أنَّ
الرسلَ قد بلَّغوا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾))(٢) .
وفي رواية: فيؤتى بمحمدٍ بََّ فُيُسأل عن حالِ أمتِهِ فيزكيهم ويشهدُ بعدالتهم،
وذلك قوله عزوجل: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(٣).
وكلمة الاستعلاء لما في الشهيد من معنى الرقيب، أو لمشاكلةٍ ما قبله.
وأُخّرتْ صلةُ الشهادة أولاً وقدِّمتْ آخِراً؛ لأنَّ المرادَ في الأول إثباتُ شهادتهم
على الأمم، وفي الثاني اختصاصُهم بكون الرسول شهيداً عليهم.
وقيل: ((لتكونوا شهداء على الناس)) في الدنيا فيما لا يصلح إلا بشهادة العدول
الأخيار ((ويكون الرسول عليكم شهيدا)) ويزكيكم ويُعلم بعدالتكم. والآثار لا تساعد
ذلك على ما فيه.
(١) الخَرْطُ: قَشْرُك الورقَ عن الشجرة اجتذاباً بكفِّك، والقَتَاد: شجر له شوك أمثال الإبر، وهو
مثل يضرب للأمر دونه مانع. مجمع الأمثال ١/ ٢٦٥.
(٢) مسند أحمد (١١٥٥٨)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (١٠٩٤٠)، وابن ماجه
(٤٢٨٤).
(٣) ذكر هذه الرواية الزمخشري في الكشاف ٣١٧/١، والرازي في تفسيره ١١٣/٤.

سُورَةُ الْبَرَة
١٢
الآية : ١٤٣
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ أَلَتِ كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ وهي صخرةُ بيتِ المقدس، بناءً على ما روي
عن ابن عباس ﴿ها: أن قبلتَه ◌َله بمكة كانت بيت المقدس، لكنه لا يستدبر الكعبة،
بل يجعلها بينه وبينه (١).
و((التي)) مفعول ثانٍ لـ ((جعل))، لا صفةُ ((القبلة)) والمفعولُ الثاني محذوف، أي:
قبلةً، كما قيل(٢).
وقال أبو حيان: إنَّ الجعل تحويلُ الشيء من حالة إلى أخرى، فالمتلبِّس
بالحالة الثانية هو المفعول الثاني، كما في: جعلتُ الطينَ خزفاً، فينبغي أن يكون
المفعول الأول هو الموصول، والثاني هو ((القبلة))(٣). وهو المنساقُ إلى الذهن
بالنظر الجلیل.
ولكنَّ التأمُّل الدقيق يهدي إلى ما ذكرنا؛ لأنَّ القبلة عبارةٌ عن الجهة التي
تستقبل للصلاة وهو كلِّيٍّ، والجهة التي كنت عليها جزئيٌّ من جزئياتها، فالجعل
المذكور من باب تصيير الكلِّيِّ جزئياً، ولا شك أنَّ الكليَّ يصير جزئياً - كالحيوان
يصير إنساناً - دون العكس.
والمعنى: إنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة كما هو الآن ((وما جعلنا)) قبلتك
بيتَ المقدس لشيءٍ من الأشياء ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي: في ذلك الزمان ﴿مَن يَّبِعُ
الرَّسُولَ﴾ أي: يتَّبعك في الصلاة إليها. والالتفاتُ إلى الغيبة مع إيرادهِ بَّ بعنوان
الرسالة؛ للإشارة إلى علَّةِ الاِّباع. ﴿مِتَن يَنْقَلِبُ عَلَ عَقِبَيٍْ﴾ أي: يرتدُّ عن دين
الإسلام، فلا يتَّبعك فيها أَلْفاً لقبلة آبائه، و((مِن)) هذه للفصل، كالتي في قوله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. والكلامُ من باب الاستعارة
التمثيلية (٤) بجامع أنَّ المنقلب يترك ما في يديه ويُذْبِرُ عنه على أسوأ أحوال
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣١٨/١، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٩٩١).
(٢) القول بأن التي صفة للقبلة والمفعول الثاني محذوف، ذكره أبو البقاء في الإملاء ١/ ٨٢.
(٣) البحر المحيط ٤٢٣/١.
(٤) هي تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور بالأخرى، ثم تدخل المشبهة في جنس
المشبه بها مبالغة في التشبيه. ينظر معجم المصطلحات البلاغية ص٩٤. وكذاك ذكر
السيوطي في الإتقان ٧٨٦/٢، قال: هي أن يكون وجه الشبه فيها منتزعاً من متعدّدٍ، نحو
=

الآية : ١٤٣
١٣
سُورَةُ الْبََّنَة
الرجوع، وكذلك المرتدُّ يرجع عن دين الإسلام ويترك ما في يديه من الدلائل على
أسوأ حال. و((نعلم)) حكاية حالٍ ماضية، و((يتبع)) و((ينقلب)) بمعنى الحدوث،
والجعلُ مجازٌ باعتبار أنَّه كان الأصلُ استقبالَ الكعبة.
أو المعنى: ما جعلنا قبلتك بيتَ المقدس ((إلا لنعلم)) الآن بعد التحويل إلى
الكعبة (مَن)) يتّبعك حينئذ ((ممن)) لا يتّبعك، كبعض أهل الكتاب ارتدّوا لمَّا تحولت
القبلة، فـ ((نعلم)) على حقيقة الحال.
والحاصل أنَّ ما فعلناه كان لأمر عارض، وهو امتحان الناس: إما في وقت
الجعل، أو في وقت التحويل، وما كان لعارض يزول بزواله.
وقيل: المرادُ بالقبلة الكعبة بناءً على أنه وَّ كان يصلي إليها بمكة، والمعنى:
ما رددناك إلَّا لنعلم الثابتَ الذي لا تزيغه شبهة ولا يعتريه اضطراب، ممن يرتدُّ
بقلقلة واضطراب بسبب التحويل: بأنَّه إن كان الأول حقًّا فلا وجه للتحویل عنه،
وإن كان الثاني فلا معنى للأمر بالأول. والجعل على هذا حقيقة، و((يتّبع))
للاستمرار بقرينة مقابله، ويُضْعِفُ هذا القولَ أنه يستلزم دعوى نسخ القبلة مرتين.
واستشكلت الآية بأنَّها تشعر بحدوث العلم في المستقبل، وهو تعالى لم يزل
عالماً، وأجيب بوجوه:
الأول: أنَّ ذلك على سبيل التمثيل، أي: فعلنا ذلك فِعْلَ من يريد أن يَعْلَم.
الثاني: أنَّ المرادَ العلمُ الحاليُّ الذي يدور عليه فلكُ الجزاء، أي: ليتعلق
عِلْمُنا به موجوداً بالفعل، فالعلم مقيَّد بالحادث، والحدوث راجع إلى القيد.
الثالث: أنَّ المراد: ليعلم الرسول والمؤمنون، وتجوِّز في إسنادٍ فعلٍ بعض
خواصٌ الملك إليه تنبيهاً على كرامة القرب والاختصاص، فهو كقول الملك: فتحنا
البلد، وإنما فتحه (١) جنده.
﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ شبّه استظهار العبد بالله ووثوقه بحمايته باستمساك الواقع في
=
مهواة بحبلٍ وثيقٍ مدلَّى من مكان مرتفع يأمنُ انقطاعه.
(١) في (م): فتحها .

سُورَةُ الْبَحَدَة
١٤
الآية : ١٤٣
الرابع: أنه ضُمِّن العلمُ معنى التمييز، أو أريد به التمييزُ في الخارج، وتجوِّز
بإطلاق اسم السبب على المسبَّب، ويؤيده تعدِّيه بـ ((مَن)) كالتمییز، وبه فسره ابن
عباس ◌ًَّا، ويشهد له قراءة: ((ليُعْلَم)) على البناء للمفعول(١)، حيث إنَّ المراد:
ليعلم كل مَن يأتي منه العلم، وظاهرٌ أنه فرعُ تمييزِ الله وتفريقه بينهما في الخارج
بحيث لا يخفى على أحد.
الخامس: أنَّ المراد به الجزاء، أي: لنجازي الطائعَ والعاصي، وكثيراً ما يقع
التهديد في القرآن بالعلم.
السادس: أنَّ ((نعلم)) للمتكلم مع الغير، فالمراد: ليشترك العلم بيني وبين
الرسول ◌َ﴿ والمؤمنين. ويَرِدُ على هذا أن مخالفته مع ((جعلنا)) آبٍ عنه، مع أنَّ
تشريك الله تعالى مع غيره في ضمير واحد غيرُ مناسب.
ثمَّ العلم إن كان مجازاً عن التمييز، فـ ((مَن)) و ((ممَّن)) مفعولاه بواسطة
وبلا واسطة، وإن كان حقيقة: فإما أن يكون من الإدراك المعدَّى إلى مفعول
واحد فـ (مَن)) موصولةٌ في موضع نصب به، و((ممن)) حال، أي: متميزاً ممَّن. أو
من العلم المعدّى إلى مفعولين، فـ (مَن)) استفهامية في موضع المبتدأ، و((يَتَّبع)) في
موضع الخبر، والجملة في موضع المفعولين، و((ممن ينقلب)) حالٌ من فاعلٍ
(يَتَّبع)). وبهذا يندفع قول أبي البقاء: إنَّه لا يجوز أن تكون (مَن)) استفهاميةً؛ لأنَّهَ
لا يبقى لقوله تعالى: (مِقَن يَنقَلِبُ) متعلَّق؛ لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يعمل
فيما بعده، ولا معنى لتعلُّقه بـ ((يَتَّبَع)(٢). والكلام دالٌّ على هذا التقدير، فلا يَرِدُ
أنَّه لا قرينة علیه.
ثمّ إنَّ جملة ((وما جعلنا)) إلخ، معطوفة كالجملتين التاليتين لها على مجموع
السؤال والجواب؛ بياناً لحكمة التحويل.
وقيل: معطوفة على (لله المشرق والمغرب))، ويحتاج إلى أن يقال حينئذ:
إنه * * مأمور بأداء مضمون هذا الكلام بألفاظه؛ إذ لا يصح ضمير المتكلم في
(١) وهي قراءة الزهري كما في القراءات الشاذة ص ١٠، والمحتسب ١١١/١.
(٢) الإملاء على هامش الفتوحات الإلهية ٢٨٢/١، وحاشية الشهاب ٢/ ٢٥٢، والكلام منه.

الآية : ١٤٣
١٥
سُؤَدَّةُ البَفَة
كلامه عليه الصلاة والسلام، وفيه بعدٌ ما كما لا يخفى.
﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: شاقَّةً ثقيلةً، والضمير لِمَا دلَّ عليه قوله تعالى: (وَمَا
جَعًَّ) إلخ من الجعلة، أو التولية، أو الردّة، أو التحويلة، أو الصيرورة، أو
المتابعة، أو القبلة. وفائدة اعتبار التأنيث على بعض الوجوه: الدلالةُ على أنَّ هذا
الردَّ والتحويلَ بوقوعه مرة واحدة، واختصاصه بالنبي ◌ِِّ، كانت ثقيلةً عليهم حيث
لم يعهدوه سابقاً .
والقولُ بأنَّ تأنيث ((كبيرة)) يجعله (١) صفة حادثة، وتأنيثُ الضمير لتأنيث الخبر،
فيرجع إلى الجعل أو الرد أو التحويل بدون تكلُّف، تكلفٌ عريٍّ عن الفائدة.
و ((إنْ)) هي المخفَّفةُ من الثقيلة، المفيدةُ لتأكيد الحكم، ألغيت عن العمل
فيما بعدها بتوسُّطِ ((كان))، واللام هي الفاصلةُ بين المخفَّفة والنافية. وزعم
الكوفيون أنَّ ((إنْ)) هي النافية، واللام بمعنى إلَّا. وقال البصريون: لو كان كذلك
لجاز أن يقال: قام(٢) القوم لَزيداً، على معنى: إلا زيداً. وليس فليس.
وقرىء: ((لكبيرةٌ)) بالرفع(٣)، ففي ((كان)) ضمير القصة، و((كبيرةٌ) خبر مبتدأ
محذوف، أي: لهي كبيرةٌ، والجملةُ خبرُ كان.
وقيل: إنَّ ((كانت)) زائدة، كما في قوله:
وإخوان لنا كانوا كرام(٤)
واعتُرِض بأنه إنْ أريد أنَّ كان مع اسمها زائدة، كانت ((كبيرةٌ)) بلا مبتدأ، و((إنْ))
المخفَّفة بلا جملة، ومثلُه خارجٌ عن القياس. وإن أريد أنَّ ((كان)) وحدها كذلك
والضمير باقٍ على الرفع بالابتداء(٥)، فلا وجه لاتصاله واستتاره.
وأجيب بأنه لمَّا وقع بعد ((كان))، وكان من جهة المعنى في موقع اسم ((كان))،
(١) في الأصل: بجعله.
(٢) في (م): جاء.
(٣) وهي قراءة اليزيدي كما في القراءات الشاذة ص١٠.
(٤) هذا عجز بيت للفرزدق، صدره: فكيف إذا رأيت ديار قومٍ، وهو في ديوانه ٢/ ٢٩٠، وفيه:
(وجیران) بدل (وإخوان)).
(٥) والتقدير: وإن هي لكبيرة. ينظر الكشاف ٣١٩/١، والبحر ٤٢٥/١.

سُورَةُ الْبَقَة
١٦
الآية : ١٤٣
جعل مستتراً تشبيهاً بالاسم إن كان مبتدأ تحقيقاً، ولا يخفى أنه من التكلف غايتُه،
ومن التعسُّف نهايتُه.
﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: إلى سرِّ الأحكام الشرعية المبنيَّة على الحِكْمِ
والمصالح إجمالاً أوتفصيلاً، والمراد بهم مَن يتبع الرسول من الثابتين على
الإيمان، الغيرِ المتزلزِلين المنقلبين على أعقابهم.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمَّ﴾ أي: صلاتكم إلى القبلة المنسوخة، ففي
الصحيح أنَّه لما وُجِّه رسولُ اللهِ وَّه إلى القبلة، قالوا: يا رسول الله، فكيف بالذين
ماتوا وهم يصلُّون إلى بيت المقدس؟ فنزلت(١). فالإيمان مجازٌ من إطلاق اللازم
على ملزومه، والمقام قرينةٌ، وهو التفسير المرويُّ عن ابن عباس ﴿ّ وغيره من
أئمة الدين، فلا معنى لتضعيفه كما يحكيه صنيع بعضهم.
وقيل: المراد: ثباتكم على الإيمان، أو(٢): إيمانكم بالقبلة المنسوخة.
واللام في ((ليضيع)) متعلقةٌ بخبر ((كان)) المحذوف كما هو رأي البصریین،
وانتصابُ الفعل بعدها بأن المضمرةِ، أي: ما كان الله مريداً لأن يضيع، وفي توجيه
النفي إلى إرادة الفعل مبالغةٌ ليست في توجيهه إليه نفسِه.
وقال الكوفيون: اللام زائدة وهي الناصبة للفعل، و((يضيع)) هو الخبر، ولا
يقدح في عملها زيادتُها، كما لا تقدح زيادةٌ حروف الجر في العمل. وبهذا يندفع
استبعادُ أبي البقاء خبريةَ ((يضيع)): بأنَّ اللام لامُ الجر، و((أنْ)) بعدها مُرادةٌ، فيصير
التقدير: ما كان الله إضاعةً إيمانكم (٣)، فيحوج للتأويل. لكن أنت تعلم أنَّ هذا
الذي ذهب إليه الكوفيون بعيدٌ من جهة أخرى لا تخفی.
تذييلٌ لجميع ما تقدم، فإنَّ اتصافَه تعالى
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَّؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١)
بهذين الوصفين يقتضي لا محالةً أنَّ الله لا يضيع أجورَهم، ولا يدع ما فيه
(١) صحيح البخاري (٤٤٨٦) من حديث البراء حبه بنحوه، وأخرجه بلفظ المصنف أحمد
(٢٦٩١)، وأبو داود (٤٦٨٠)، والترمذي (٢٩٦٤) من حديث ابن عباس
(٢) في الأصل: و.
(٣) الإملاء على هامش الفتوحات الإلهية ٢٨٥/١.

الآية : ١٤٤
١٧
سُورَةُ الَتَرَة
صلاحَهم، والباءُ متعلقة بـ ((رؤوف))، وقدِّم على ((رحيم)) لأنَّ الرأفة مبالغة في رحمة
خاصة، وهي رفع المكروه وإزالةُ الضرر، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُرُ
بِمَا رَأَفَةٌ فِ يِنِ اَللَّهِ﴾ [النور: ٢] أي: لا ترأفوا بهما فترفعوا الجَلْد عنهما، والرحمة
أعُمُّ منه ومن الإفضال، ودفعُ الضَّرر أهمُّ من جلب النَّفع.
وقول القاضي بيَّض الله تعالى غرَّة أحواله: لعلَّ تقديمَ الرؤوف - مع أنه أبلغ -
محافظةٌ على الفواصل(١). ليس بشيء؛ لأنَّ فواصل القرآن لا يُلاحَظ فيها الحرف
الأخير كالسجع، فالمراعاة حاصلة على كلِّ حال، ولأنَّ الرأفة (٢) حيث وردت في
القرآن قُدِّمت ولو في غير الفواصل، كما في قوله تعالى: ﴿رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ وَرَهْبَانِيَّةٌ
آبْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] في وسط الآية، وكلام الجوهري(٣) في هذا الموضع خزف
لا یعوَّل عليه .
وقول عصام: إنَّه لا يبعد أن يقال: الرؤوف إشارة إلى المبالغة في رحمته
لخواصٌ عباده، والرحيم إشارة إلى الرحمة لمن دونَهم، فرتِّبا على حسب ترتيبهم،
فقدم الرؤوف لتقدم متعلّقه شرفاً وقدراً= لا شرفَ ولا قدرَ بل ولا عصام له؛ لأنَّه
تخصیص لا يدل عليه كتاب ولا سنة ولا استعمال.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص: ((لرؤوف)) بالمد، والباقون بغير مدِّ
كـ (نَدُس))(٤) .
﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ أي: كثيراً ما نرى تردُّدَ وجهِك وتصرُّفَ
نظرك في جهة السماء متشوِّفاً للوحي، وكان رسولُ اللهِ وَّ يقع في قلبه ويتوقع من
ربِّه أن يحوّلَه إلى الكعبة؛ لِمَا أنَّ اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمدٌ ويتَّبع قبلتَنا!
ولما أنَّها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وأقدمُ القبلتين، وأدعى للعرب إلى
الإيمان.
(١) تفسير البيضاوي ١٩٦/١ .
(٢) في الأصل و(م): الرحمة، وهو خطأ، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٥٢/٢، والكلام منه.
(٣) في الصحاح (رأف)، وقوله هو: الرأفة أشدُّ الرحمة.
(٤) رجل نَدُسٌ وندِسٌ، أي: فَهِمٌ. الصحاح (ندس)، والقراءة في السبعة ص١٧١، والتيسير
ص٧٧، والنشر ٢٢٣/٢.

سُورَةُ الْبَقَة
١٨
الآية : ١٤٤
والظاهر أنَّهُ وَّه لم يسأل ذلك من ربِّه، بل كان ينتظر فقط؛ إذ لو وقع السؤال
لكان الظاهر ذكره، ففي ذلك دلالة على كمال أدبه وَ له .
وقال قتادة والسدِّيُّ وغيرهما: كان رسولُ الله وَّه يقلِّب وجهَه في الدعاء إلى
الله تعالى أن يحوِّله إلى الكعبة. فعلى هذا يكون السؤال واقعاً منه عليه الصلاة
والسلام، ولم يذكر لأنَّ تقلُّب الوجه نحو السماء التي هي قبلةُ الدعاء يشير إليه في
الجملة، ولعلَّ ذلك بعد حصول الإذن له بالدعاء، لما أنَّ الأنبياء لا يسألون الله
تعالى شيئاً من غير أن يُؤْذّنَ لهم فيه؛ لأنَّه يجوز أن لا يكون فيه مصلحةٌ فلا يجابون
إليه، فيكون فتنةً لقومهم.
ويؤيد ذلك ما في بعض الآثار أنه وُّ ل﴿ استأذن جبريلَ أن يدعو الله تعالى،
فأخبره بأنَّ الله تعالی قد أذن له بالدعاء.
كذا يُفهم من كلامهم، والذي أراه أنه لا مانع من دعائه وَّهِ وسؤالهِ التحويلَ
لمصلحةٍ أُلْهِمَها ومنفعةٍ دينية فهمها، ولا يتوقف ذلك على الاستئذان ولا الإذن
الصريحين؛ لأنَّ مَن نال قرب النوافل مستغنٍ عن ذلك، فكيف مَن حصل له مقام
قربِ الفرائض حتى غدا سيدَ أهله. ومَن علم مرتبةَ الحبيب عدَّ جميع ما يصدر منه
في غاية الكمال، مع مراعاة نهاية الأدب.
وأمَّا معاتبته ◌َ﴿ في بعض ما صدر، فليس لنقصٍ فيه ولا لإخلالٍ بالأدب عند
فعله، حاشاه ثمَّ حاشاه، ولكن لأسرارٍ خفيَّة وحِكَمِ ربَّانية عَلِمِها مَن عَلِمها،
وجَّهِلها مَن جَهِلها .
بقي: هل دعا ◌َّ في هذه الحادثة صريحاً أم لا؟ الظاهر الثاني بناء على ما
صحَّ عندنا من ظواهر الأخبار، حيث لم يكن فيها سوى حبِّ التحويل، فقد أخرج
البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما عن البراء قال: صلَّينا مع رسول الله وَّه بعد قدومه
المدينةَ ستة عشر شهراً نحوَ بيت المقدس، ثمَّ علم الله تعالى هوى نبيِّه عليه الصلاة
والسلام فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى﴾ الآية(١). وليس في الآية ما يدلُّ صريحاً على أحد
(١) بنحوه في صحيح البخاري (٣٩٩)، وصحيح مسلم (٥٢٥)، وأخرجه بلفظ المصنف
الدارقطني (١٠٧٢).

الآية : ١٤٤
١٩
سُورَةُ الْبَغَة
الأمرين، وأما الإشارة فقد تصلح لهذا وهذا كما لا يخفى.
هذا ومن الناس مَن جعل ((قد)» هنا للتقليل، زعماً منه أنَّ وقوع التقلُّب قليلاً
أدلُّ على كمال أدبه وَّهِ .
واعترض بأنَّ مَن رفع بصره إلى السماء مرةً واحدة لا يقال له: قلَّب بصره إلى
السماء، وإنَّما يقال: قَلَّب، إذا داوم، فالكثرةُ تفهم من الآية لا محالة؛ لأنَّ التقلُّب
الذي هو مطاوعُ التقليب يدلُّ عليها .
وهل التكثير معنى مجازيٌّ لـ ((قد)) أو حقيقي؟ قولان نُسب ثانيهما إلى سيبويه.
وهذه الكثرة أو القِلَّة هنا منصرفة إلى التقلُّب. وذكر بعض النحاة أنَّ ((قد)) تَقْلِبُ
المضارعَ ماضياً، ومنه ماهنا، وقولُه تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤]،
﴿وَلَقَدْ نَعَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ [الحجر: ٩٧]، إلى غير ذلك.
﴿فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ أي: لنُمكِّنَنَّكَ من استقبالها، من قولك: ولَّيته كذا: إذا
جعلتَه والياً له. أو: فلنَجعلنَّك تلي جهتَها دون جهة بيت المقدس، من وَلِیَه: دنا
منه، وولَّيته إياه: أدنيته منه. والفاء لسببيةٍ ما قبلها لما بعدها، وهي في الحقيقة
داخلةٌ على قَسَم محذوف تدل عليه اللام، وجاء هذا الوعد على إضمار القسم
مبالغة في وقوعه؛ لأنَّه يؤكّد مضمون الجملة المقسم عليها، وجاء قبل الأمر لفرح
النفس بالإجابة، ثمَّ بإنجاز الوعد، فيتوالى السرور مرتين. و((نولِي)) يتعدى لاثنين
((الكاف)) الأول، و((قبلة)) الثاني.
وقوله تعالى: ﴿تَرْضَهَا﴾ - أي: تحبُّها وتميلُ إليها للأغراض الصحيحة التي
أضمَرْتَها، ووافقَتْ مشيئة الله تعالى وحكمته - في موضع نصبٍ صفةٍ لـ ((قبلة))،
ونكّرها لأنَّه لم يجر قبلها ما يقتضي أن تكون معهودةً فتعرَّفَ باللام، وليس في
اللفظ ما يدلُّ على أنه وَلّ كان يطلب قبلة معينة.
﴿فَوَلْ وَجْهَكَ﴾ الفاء لتفريع الأمر على الوعد، وتخصيصُ التولية بالوجه لِمَا أنَّه
مدارُ التوجُّه ومعيارُه.
وقيل: المراد به جميعُ البدن، وكنى بذلك عنه لأنَّه أشرف الأعضاء، وبه يتميّز
بعضُ الناس عن بعض، أو مراعاةً لِمَا قبلُ.

سُورَةُ الْبَقَة
٢٠
الآية : ١٤٤
والتولية إذا كانت متعدية بنفسها إلى تمام المفعولين كانت مستعملةً بأحد
المعنيين المتقدِّمين، وإذا كانت متعدية إلى واحد، فمعناها الصرف إمَّا عن الشيء
أو إلى الشيء، على اختلاف صلتها الداخلةِ على المفعول الثاني، وهي هنا بهذا
المعنى، فـ ((وجهك)) مفعولُ ((ولِّ)).
وقوله تعالى: ﴿شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: نحوه، كما روي عن ابن عباس. أو
قِبَله، كما روي عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه. أو تلقاءه، كما روي عن قتادة.
ظرفُ مكانٍ مبهمٌ كمفسره، منصوبٌ على الظرفية أغنى غناءَ ((إلى))، فإنَّ مؤدَّى: و:
ولِّ وجهك نحو أو قِبَل أو تلقاءَ المسجد، ولِّ وجهك إلى المسجد، واحدٌ.
وإنَّما لم يجعل الأمر من المتعدية إلى مفعولين، بأن يكون ((شطر)) مفعوله الثاني
- كما قيل به - لأنَّ ترُّبه بالفاء، وكونَه إنجازاً للوعد بأنَّ الله تعالى يجعله(١) مستقبل
القبلة أو قريباً من جهتها بأن يؤمر(٢) بالصلاة إليها، يناسبه أن يكون مأموراً بصرف
الوجه إليها، لا بأن يجعل نفسه مستقبلاً لها، أو قريباً من جهتها، فإنَّ المناسب
لهذا: فلنأمرنَّك بأن تولِّي، ولأنَّه يلزم حينئذ أن يكون الواجبُ رعايةَ سمت الجهة؛
لأنَّ المسجد الحرام جهةُ القبلة، فإذا كان النبيُّ ◌َلّ مأموراً بجعل نفسه مستقبلاً(٣)
جهة المسجد أو قريباً منها، كان مأموراً باستقبال جهة الجهة أو بقرب جهة الجهة،
بخلاف ما إذا جعل من التولية بمعنى الصرف، و((شطر)) ظرفاً، فإنَّه يصير المعنى:
اصرف وجهَك نحوَ المسجد الحرام وتلقاءَه الذي هو جهة القبلة، فيكون مأموراً
بمسامتة الجهة وإصابته. قاله بعض المحققين.
وقيل: الشطر في الأصل لما انفصل من (٤) الشيء، ثمَّ استعمل لجانبه وإن لم
ينفصل، فيكون بمعنى بعض الشيء، ويتعين حينئذ جعلُه مفعولاً ثانياً. وفيه أنه وإن
لم يلزم حينئذ وجوب رعاية جهة الجهة، لكن عدم مناسبته بإنجاز الوعد باق.
والقول: بأنَّ الشطر هنا بمعنى النصف، مما لا يكاد يصح.
(١) في (م): يجعل.
(٢) في الأصل: يأمر.
(٣) في (م): مستقبل.
(٤) في (م): عن.