النص المفهرس
صفحات 461-480
الآية : ١ ٤٦١ سُورَةُ الفَلِقِ وأخرج الطستي عنه أنَّه فسَّره بالصبح، وأنشد قُه قول زهير: كما يفرِّجُ غَمَّ الظُلمةِ الفَلَؤُ(١) الفارجُ الهمَّ مَسْدُولاً عساكرُه وهو مرويٌّ عن جابر بن عبد الله ومجاهدٍ وقتادةَ وابن جبير والقرطبيّ(٢) وابن زيد، وعليه فتعليقُ العياذ باسم الربِّ المضاف إلى الفلق المُنْبِئ عن النور عقيب الظلمة، والسعة بعد الضيق، والفَتْقِ بعد الرَّتْقِ، عِدَةٌ كريمٌ بإعاذة العائذ مما يعوذ منه، وإنجائه منه، وتقويةٌ لرجائه بتذكير بعض نظائره، ومزيدُ ترغيبٍ له في الجِدِّ والاعتناءِ بقَرْعٍ باب الالتجاء إليه عز وجل. وقيل: إنَّ في تخصيص (٣) الفلق بالذكر لأنه أنموذجٌ من يوم القيامة، فالذُّورُ كالقبور، والنومُ أخو الموت، والخارجون من منازلهم صباحاً منهم مَن يذهب النضرةٍ وسرور، ومنهم مَن يكون - من مطالبةِ ديونٍ - في غموم وشرور، إلى أحوالٍ أُخَرَ تكون للعباد هي أشبهُ شيءٍ بما يكون لهم في المعاد. وتعقِّب بأن هذا لا يلائم المقام؛ لأن القصد الاستعاذة لا الدلالةَ والإشارة إلى أحوال يوم القيامة، إلا أن يقال: إن ذلك يدل على قدرة مَن لجأ المستعيذُ إليه، ففيه تبشيرٌ بأنه يُعيذه، وفيه بعدٌ كما ترى(٤). وفي ((تفسير القاضي)): أن لفظ الربِّ هاهنا أَوْقَعُ من سائر الأسماء - أي: التي يجوز إضافتها إلى ((الفلق)) على ما قيل - لأنَّ الإعاذة من المضارِّ تربيةٌ(٥). وهو على تعميم ((الفلق)) ظاهرٌ؛ لشموله للمستعيذ والمستعاذِ منه، وعلى تخصيصه بالصبح قيل: لأنه مشعرٌ بأنه سبحانه قادرٌ مغيِّرٌ للأحوال مقلِّبٌ للأطوار، فيزيلُ الهمومَ والأكدار. (١) الدر المنثور ٤١٨/٦، وأخرجه من طريق الطستي السيوطي في الإتقان ٣٩٤/١، ولم نقف عليه في ديوان زهير، وهو دون نسبة في العين ١٠٩/٦، وأساس البلاغة (فرج). (٢) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٥٣٠/٨، والصواب: القرظي، كما في تفسير القرطبي ٢٢/ ٥٧١، وتفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وهو محمد بن كعب القرظي، وأخرجه عنه وعن الأئمة المذكورين الطبري ٢٤/ ٧٤٣-٧٤٤. (٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: إن تخصيص، بحذف كلمة ((في)). (٤) من قوله: وتعقب، إلى هذا الموضع ليس في (م). (٥) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤١٥/٨. الآية : ١ ٤٦٢ سُورَةُ الفَلِقِ وقال الرئيس ابن سينا بعد أن حمل ((الفلق)) على ظلمة العدم المفلوقة بنور الوجود: إنَّ في ذكر الربِّ سرًّا لطيفاً من حقائق العلم، وذلك أن المربوب لا يستغني في شيءٍ من حالاته عن الربِّ، كما يشاهَدُ في الطفل ما دام مربوباً، ولَمَّا كانت الماهِيَاتُ الممكنةُ غيرَ مستغنيةٍ عن إفاضة المبدأ الأول، لا جَرَمَ ذُكِرَ لفظُ الربِّ للإشارة إلى ذلك. وفيه إشارةٌ أخرى من خفيَّات العلوم، وهو أنَّ العوذ والعياذ في اللغة عبارةٌ عن الالتجاء إلى الغير، فلما أمر بمجرَّد الالتجاء إلى الغير وعبّر عنه بالربِّ، دلَّ ذلك على أنَّ عدم الحصول ليس لأمرٍ يرجع إلى المستعاذ به المُفيضِ للخيرات، بل لأمرٍ يرجع إلى قابلها، فإنَّ من المقرَّر أنه ليس شيءٌ من الكمالات وغيرها مبخولاً به من جانب المبدأ الأول سبحانه، بل الكلُّ حاصلٌ موقوفٌ على أن يَصْرِفَ المستعدُّ جهةَ قبوله إليه، وهو المعنيُّ بالإشارة النبوية: ((إنَّ لربِّكم في أيام دهركم نفحاتٍ من رحمته، ألَا فتعرَّضوا لها))(١)، بيَّن أنَّ نفحات الألطاف دائمةٌ وإنما الخَلَلُ من المستعدِّ. انتهى. وفي رواية عن ابن عباس أيضاً وجماعةٍ من الصحابة والتابعين أن ((الفلق)) جُبُّ = (٢) في جهنّم(٢). وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سألتُ رسول الله وَ﴿ عن قول الله عز وجل: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) قال: ((هو سجنٌ في جهنَّمَ يُحْبَسُ فيه الجبّارون والمتكبِّرون، وإنَّ جهنم لتعوذُ بالله تعالى منه))(٣). وأخرج ابن مردويه(٤) عن عمرو بن عَبَسة(٥) قال: صلَّى بنا رسول الله وَّل (١) سلف ١٢ / ٥٥٠. (٢) أخرجه الطبري ٧٤١/٢٤ عن ابن عباس والسدي، وخبر ابن عباس بلفظ: ((الفلق)): سجن في جهنم. (٣) الدر المنثور ٤١٨/٦، وهو في مسند الفردوس للديلمي ٢١٧/٣. (٤) كما في الدر المنثور ٤١٨/٦، وعنه نقل المصنف. (٥) في الأصل و(م): عنبسة، في الموضعين، والصواب ما أثبتناه. الآية : ٢ ٤٦٣ سُوَرَّةُ الفَلِقِ فقرأ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) فقال: ((يا ابن عَبَسة، أتدري ما الفلق))؟ قلت: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: ((بئرٌ في جهنم، فإذا سعِّرت البئر فمنها تسعَّرُ جهنم، وإن جهنم لتأذَّى منه كما يتأذَّى ابنُ آدم من جهنم). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن كعب قال: ((الفلق)) بيتٌ في جهنم إذا فُتح صاح أهلُ النار من شدّة حرِّه(١). وعن الكلبيِّ: أنه وادٍ في جهنّم. وقيل: هو جهنمُ. وهو (٢) - على ما في ((الكشاف)) - من قولهم لِمَا اطمأنَّ من الأرض: الفلق، والجمعُ: فُلْقان(٣)، كخَلَق وخُلْقان. وتخصيصُه بالذكر قيل: لأنه مسكنُ اليهود، فعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرأى دُورَ أهل الذمة وما هم فيه من خَفْضٍ العيش وما وسّع عليهم من دنياهم، فقال: لا أبالي، أليس مِن ورائهم الفلق. وفسّر بما روي آنفاً عن كعب (٤). ومنهم الذي سحر النبيَّ وَّ، ففي تعليق العياذ بالربِّ مضافاً إليه عِدَةٌ كريمةٌ بإعادته بَّهِ من شرِّهم. ولا يَخْفَى أنَّ هذا مما لا يُثْلِجُ الصدرَ، وأظنُّ ضَعْفَ الأخبار السالفة، ويترجَّحُ في نظري المعنى الأول للفلق. ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾﴾ أي: من شرِّ الذي خَلَقه من الثقلين وغيرهم كائناً ما كان من ذواتِ الطباع والاختيار. والظاهرُ عمومُ الشرِّ للمضارِّ البدنية وغيرِها، وزعم بعضهم أن الاستعاذة هاهنا من المضارِّ البدنية، وأنها تعمُّ الإنسانَ وغيرَه مما ليس بصدد الاستعاذة، ثم جُعل عمومها مدارَ إضافة الربِّ إلى الفلق بالمعنى العامِّ. وهو كما ترى، نعم الذي يتبادر إلى الذهن أنَّ عمومه لشرور الدنيا . وقال بعض الأفاضل: هو عامٌّ لكلِّ شرِّ في الدنيا والآخرة، وشرِّ الإنس والجنِّ (١) تفسير الطبري ٧٤٢/٢٤، وعزاه لابن أبي حاتم ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٢) يعني على القول بأنه وادٍ في جهنم أو جبُّ فيها، كما في الكشاف ٣٠٠/٤. (٣) الكشاف ٤/ ٣٠٠. (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٧٤٢. سُوَّةُ الفَلِق ٤٦٤ الآية : ٢ والشياطين، وشرِّ السباع والهوامِّ، وشرِّ النار، وشرِّ الذنوب والهوى، وشرِّ النفس، وشر العمل. وظاهرُه تعميمُ ((ما خلق)) بحيث يشمل نفس المستعيد، ولا یأبى ذلك نزولُ السورة ليستعيذ بها رسول الله وله. وجوَّز بعضهم جَعْلَ ((ما)» مصدريةً مع تأويل المصدر باسم المفعول، وهو تكلُّفٌ مستغنّی عنه. وإضافة الشرِّ إلى ((ما خلق)) قيل: لاختصاصه بعلم الخلق المؤسَّس على امتزاج الموادِّ المتباينة المستتبعة للكون والفساد، وأمَّا عالَمُ الأمر الذي أُوجِدَ بمجرد أمرٍ (ن)) من غيرِ مادةٍ فهو خيرٌ محضّ منزَّهُ عن شوائب الشَّرِّ بالمرَّة. والظاهر أنه عنى بعالَم الأَمر عالَمَ المجرَّدات، وهم الملائكةُ علیھم السلام. وأُورِدَ عليه - بعد غضِّ الطَّرْفِ عن عدم ورود ذلك في لسان الشرع - أنَّ منهم مَن يَصْدُرُ منه شرٌّ، كخسف البلاد، وتعذيبِ العباد. وأجيب بأنَّ ذلك بأمره تعالى، فلم يَصْدُر إلا لامتثالِ الأمر، لا لقَصْدِ الشرِّ من حیث هو شرٌّ، فلا إیرادَ. نعم يَرِدُ أنَّ كونهم مجرَّدين خلافُ المختار الذي عليه سَلَفُ الأمة ومَن تبعهم، بل هم أجسامٌ لطيفةٌ نوريةٌ، ولو سلِّم تجرُّدهم قلنا بعدم حَصْرِ المجرَّدات فيهم، كيف وقد قال كثيرٌ بتجرُّد الجنِّ، فقالوا: إنها ليست أجساماً ولا حالَّةً فيها، بل هي جواهرُ مجرَّدٌ قائمةٌ بأنفسها، مختلفةٌ بالماهية، بعضُها خيِّرةٌ وبعضُها شرِّيرةٌ، وبعضها كريمةٌ حرةٌ مُحِبَّةٌ للخيرات، وبعضُها دَنِيَّةٌ خسيسةٌ مُحِبَّةٌ للشرور والآفات. وحينئذ كيف يتسنَّى إطلاقُ القول بأنَّ عالَم الأمر الذي وُجد من غير مادةٍ خيرٌ محضّ؟ م وأيضاً قيل: إن الأرواح البشرية - على القول بتجرُّدها - منها ما هو شرِّيرٌ، فَتَرِدُ عليه أيضاً، إلا أن يقال إنه حَمَل المجرَّد على ما ليس جسماً ولا متعلِّقاً به، وهو كما تَری(١) . (١) من قوله: وحينئذٍ كيف يتسنى، إلى هذا الموضع، ليس في (م). الآية : ٣ ٤٦٥ سُورَةُ الفَلِقِ وبالجملة ((ما خلق)) أعمُّ من المجرَّد - على القول به - وغيره، والكلُّ مخلوقٌ له تعالى، أي: موجَدٌ بالاختيار بعد العدم، إلا أنَّ المراد الاستعاذةُ مما فيه شرٌّ من ذلك. وقرأ عمرو بن فائد على ما في ((البحر)): ((من شرِّ) بالتنوين (١)، وقال ابن عطية: هي قراءةُ عمرو بن عبيد وبعضٍ المعتزلة القائلين بأنَّ الله تعالى لم يَخْلُقِ الشرَّ، وحملوا ((ما)) على النفي، وجعلوا الجملة في موضع الصفة، أي: من شرِّ ما خَلَقه الله تعالى ولا أَوْجَدَه، وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيةٌ على مذهبٍ باطلٍ(٢). انتهى. وأنت تعلم أنَّ القراءة بالرواية، ولا يتعيَّن في هذه القراءة هذا التوجيهُ، بل يجوز أن تكون ((ما)) بدلاً من ((شَرّ)) على تقدير محذوفٍ قد حُذف لدلالة ما قبله عليه، أي: من شرِّ شرِّ ما خلق(٣). ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ تخصيصٌ لبعض الشرور بالذكر مع اندراجِه فيما قبلُ؛ لزيادة مساس الحاجة إلى الاستعاذة منه؛ لكثرة وقوعه، ولأنَّ تعيين المستعاذ منه أدلُّ على الاغتناء بالاستعاذة، وأَدْعَى إلى الإعاذة. والغاسقُ: الليل إذا اعتكر ظلامُه. وأصلُ الغسق: الامتلاء؛ يقال: غَسقَتِ (٤) العينُ: إذا امتلأتْ دمعاً. وقيل: هو السَّيلان، وغَسَقُ الليل: انصبابُ ظلامه، على الاستعارة، وغَسَقُ العين: سيلانُ دمعها . وإضافة الشرِّ إلى الليل لملابسته له لحدوثه فيه، على حدٍّ: نهارُه صائمٌ، وتنكيرُه لعموم شمول الشرِّ لجميع أفراده ولكلِّ أجزائه. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: إذا دخل ظلامه في كلِّ شيء، وأصلُ الوقب: النقرةُ والحفرة، ثم استعمل في الدخول، ومنه قوله: (١) البحر ٨/ ٥٣٠، وهي في القراءات الشاذة ص ١٨٢ . (٢) المحرر الوجيز ٥٣٨/٥. (٣) فحذف ((شر)) الثاني لدلالة الأول عليه، أطلق أولاً ثم عمم ثانياً. ينظر البحر ٥٣٠/٨، والدر المصون ١٥٨/١١ . (٤) كضرب وسمع. القاموس (غسق). سُورَةُ الْفَلِقِ ٤٦٦ الآية : ٣ وَقَبَ العذابُ عليهمُ فكأنَّهمْ لَحِقَتْهِمُ نارُ السَّمومِ فَأُخْمِدوا (١) وكذا في المغيب؛ لِمَا أنَّ ذلك كالدخول في الوقب، أي: النقرة والحفرة، وقد فسِّر هنا بالمجيء أيضاً. والتقييدُ بهذا الوقت لأنَّ حدوثَ الشرِّ فيه أكثر، والتحرُّز منه أصعب وأَعْسَرُ، ومن أمثالهم: الليل أخْفَى للويل(٢). وتفسير الغاسق بالليل، والوقوبٍ بدخول ظلامه، أخرجه ابنُ جرير وابن المنذر عن ابن عباس ومجاهد(٣)، وابنُ أبي حاتم عن الضحاك(٤)، وروي عن الحسن أيضاً، وإليه ذهب الزجَّاج، إلا أنه جعل الغاسق بمعنى البارد، وقال: أُطلق على الليل لأنه أبردُ من النهار (٥) . وقال محمد بن كعب: هو النهار، ووقب بمعنى دخل في الليل. وهو كما ترى. وقيل: القمر إذا امتلأ نوراً، على أنَّ الغسق الامتلاء، وَوُقوبُه دخولُه في الخسوف واسودادُه. وقيل: التعبير عنه بالغاسق لسرعة سيره وقَطْعِه البروجَ على أن الغسق مستعارٌ من السيلان. وقيل: التعبير عنه بذلك لأن جِرْمَه مظلمٌ، وإنما يستنيرُ من ضوء الشمس. ووقوبُه على القولين المحاقُ(٦) في آخر الشهر، والمنجِّمون يَعُدُّونه نحساً (١) أنشده ابن عباس لنافع ابن الأزرق كما في الدر المنثور ٤١٩/٦، وهو في تفسير القرطبي ٥٧٤/٢٢، والبحر ٥٢٩/٨ برواية: فأحصدوا، بدل: فأخمدوا. (٢) جاء في هامش الأصل: أول مَن تكلّم به سارية بن عويمر العقيلي، والمعنى: افعل فيه ما تريد فإنه أخفى لشرِّك، ولهذا الخفاء يَعْسُر الدفع. اهـ منه. (٣) تفسير الطبري ٧٤٦/٢٤، والدر المنثور ٤١٨/٦ و٤١٩، وعنه نقل المصنف. (٤) لم نقف على من عزاه لابن أبي حاتم، وأخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث ٢/ ٧١٥ من طريق جويبر عن الضحاك قال: الغاسق: الليل. (٥) معاني القرآن للزجاج ٣٧٩/٥ . (٦) المحاق مثلثة الميم: أن يستسرَّ القمر ليلتين، فلا يُرى غدوة ولا عشية، ويقال: هو ثلاث ليال من آخر الشهر. معجم متن اللغة (محق). الآية : ٣ ٤٦٧ سُوَرَّةُ الفَلِق ولذلك لا تشتغلُ السحرة بالسحر المورِثِ للمرض إلا في ذلك الوقت، قيل: وهو المناسبُ لسبب النزول. واستُدلَّ على تفسيره بالقمر بما أخرجه الإمام أحمد والترمذيُّ والحاكم وصححه وغيرُهم عن عائشة قالت: نظر رسول الله وَّ ه يوماً إلى القمر لَمَّا طلع، فقال: ((يا عائشة، استعيذي بالله تعالى من شرِّ هذا، فإنَّ هذا الغاسقُ إذا وقب))(١) ومَن سلَّم صحة هذا لا ينبغي له العدولُ إلى تفسيرٍ آخَرَ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب أنه قال: الغاسق إذا وقب: الشمسُ إذا غربت(٢). وكأنَّ إطلاق الغاسق عليها لامتلائها نوراً. ونقل ابن زيد عن العرب أنَّ الغاسق الثريا، ووقوبها سقوطُها، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند ذلك(٣). ورَوَى تفسيرَه بذلك غيرُ واحدٍ عن أبي هريرة مرفوعاً (٤). وفي الحديث: ((إذا طلع النجم ارتفعت العاهة))(٥)، وفي بعض الروايات زيادة: ((عن جزيرة العرب))(٦). وفى بعضها: ((ما طلع النجمُ ذات غداةٍ إلا رُفعت كلُّ آفةٍ أو عاهةٍ أو خفَّت))(٧)، وفيه رواياتٌ أَخَرُ، فليُراجَعْ شرحُ المناوي الكبير للجامع الصغير(٨). (١) مسند أحمد (٢٥٨٠٢)، وسنن الترمذي (٣٣٦٦)، والمستدرك ٥٤٠/٢. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) الدر المنثور ٤١٨/٦ . (٣) أخرجه الطبري ٧٤٧/٢٤-٧٤٨، وفيه: وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها . (٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤١٨/٦ للطبري وأبي الشيخ وابن مردويه بلفظ: ((النجم هو الغاسق، وهو الثريا))، وهو في تفسير الطبري ٧٤٨/٢٤ بلفظ: ((النجم الغاسق)). قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ◌َّر. (٥) أخرجه أحمد (٨٤٩٥) بلفظ: ((إذا طلع النجم ذا صباح رفعت العاهة)). (٦) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٠٠) بلفظ: (( ... عن كل بلد)). (٧) أخرج هذه الرواية أبو الشيخ في العظمة (٦٩٩)، وبنحوها أحمد (٩٠٣٩)، وابن عبد البر في التمهيد ١٩٣/٢ . (٨) ينظر فيض القدير ٤٥٤/٥ . الآية : ٤ ٤٦٨ سُورَةُ الفَلِقِ وقيل: أريدَ بذلك: الحيَّة إذا لَدَغَتْ، وإطلاق الغاسق عليها لامتلائها سمًّا. وقيل: أريد سمُّها إذا دخل في الجسد، وأطلق عليه الغاسق لسيلانه من نابها. وكِلا القولين لا يعوَّلُ عليه. وقيل: هو كلُّ شرِّ يعتري الإنسان، والشرُّ يوصَفُ بالظُلمة والسواد، ووقوبُه هجومُه . وذكر المجد الفيروزآبادي في ((القاموس)) في مادة ((وقب)) قولاً في معنى الآية زعم أنه حكاه الغزالي وغيرُه عن ابن عباس(١)، ولا أظنُّ صحة نسبته إليه؛ لظهور أنه عورةٌ بين الأقوال. ﴾﴾ أي: ومن شرِّ النفوس السواحر اللاتي ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ و يعقدن عُقَداً في خيوطٍ وينفثْنَ عليها، فالنقَّائات صفةٌ للنفوس، واعتبر ذلك لمكان التأنيث، مع أن تأثير السحر إنما هو من جهة النفوس الخبيثة والأرواح الشريرة، وسلطانُه منها . وقدَّر بعضهم النساء موصوفاً، والأول أولى؛ ليشمل الرجالَ ويتضمَّنَ الإشارةَ السابقة، ويطابقَ سببَ النزول، فإنَّ الذي سَحَرَه ◌َلِّ كان رجلاً على المشهور كما ستسمع إن شاء الله تعالى. وقيل: أعانه بعضُ النساء، ولكون مثلِ ذلك من عمل النساء وكيدهنَّ غلِّب المؤنَّثُ على المذكَّر هنا، وهو جائزٌ على ما فصَّله الخفاجيُّ في ((شرح درة الغوّاص». والنفث: النفخ مع ريق كما قال الزمخشري(٢). وقال صاحب ((اللوامح))(٣): هو شبهُ النفخ يكون في الرُّقية ولا ريقَ معه، فإن كانْ بِرِيقٍ فهو تَفْلٌ. (١) القاموس (وقب). (٢) في الكشاف ٣٠١/٤. (٣) كما في البحر ٥٣٠/٨. الآية : ٤ ٤٦٩ سُورَةُ الفَلِقِ والأول هو الأصحُّ؛ لِمَا نقله ابن القيم(١) من أنهم إذا سَحَروا استعانوا على تأثير فعلهم بنَفَسٍ يمازجُه بعضُ أجزاء أنفسهم الخبيثة. وقرأ الحسن: ((النُّفَّاثَات)) بضمِّ النون. وقرأ هو أيضاً وابنُ عمر وعبد الله بن القاسم ويعقوب في روايةٍ: ((النافئات)). وأبو الربيع والحسن أيضاً: ((النَّفِئات)) بغير ألف كالحذرات(٢). وتعريفُها إما للعهد أو للإيذان بشمول الشرِّ لجميع أفرادهنَّ وتمخُّضهنَّ فيه، وتخصيصُه بالذكر لِمَا رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ وابن ماجه عن عائشة ﴿ّا قالت: سُحِرَ رسول الله وَّهُ حتى إنه ليُخَيَّلُ إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فَعَلَه، حتى إذا كان ذاتَ يوم - أو ذاتَ ليلةٍ - دعا اللهَ، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: ((أَشَعرْتِ يا عائشةُ أنَّ الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه)) قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: ((جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي والآخَرُ عند رجليَّ، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجليَّ، أو الذي عند رجليَّ للذي عند رأسي: ما وجعُ الرجل؟ قال: مَظْبوبٌ. قال: مَن طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَم(٣). قال: في أيِّ شيء؟ قال: في مِشْطٍ ومُشاطةٍ، وجُفِّ طلعةٍ ذَكَرٍ. قال: فأين هو؟ قال: في بئرِ ذي أَرْوَان)) قالت: فأتاها رسول الله وَّر في أناسٍ من أصحابه، ثم قال: ((يا عائشة، والله لكأنَّ ماءها نُقاعةُ الحِنَّاء، ولكأنَّ نَخْلَها رؤوسُ الشياطين)) قالت: فقلتُ: يا رسول الله، أفلا أحْرَقْتَه؟ قال: ((لا، أمَّا أنا فقد عافاني الله تعالى وكرهتُ أن أثير على الناس شرًّا، فأمرتُ بها فدُفنت))(٤). (١) في زاد المعاد ١٧٩/٤. (٢) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص ١٨٢، والبحر ٥٣١/٨، وعنه نقل المصنف. (٣) جاء في هامش الأصل: يهودي من يهود بني زريق، وكان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام. اهـ منه. وينظر الكلام على لبيد بن الأعصم في فتح الباري ٢٢٦/١٠. (٤) صحيح البخاري (٥٧٦٥)، وصحيح مسلم (٢١٨٩)، واللفظ له، وسنن ابن ماجه (٣٥٤٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٣٠٠). قال السندي كما في حاشية المسند: قوله: مطبوب، أي: مسحور. وقوله: في مشط ومشاطة، المشط معروف، والمشاطة: شعر ساقط عند التسريح. وقوله: وجُفّ طلعة ذكر بضم جيم وتشديد فاء: وهو الغشاء الذي على طلع النخل، ويطلق النخل على الذكر والأنثى، ولذا قيَّده بالذَّكر. سُوْدَةُ الفَلِقِ ٤٧٠ الآية : ٤ وهذان الملكان - على ما يدلُّ عليه رواية ابن مردويه(١) من طريق عكرمة عن ابن عباس - هما جبريلُ وميكائيل عليهما السلام. ومن حديثها في ((الدلائل)) للبيهقي بعد ذكر حديث الملكين: فلما أصبح رسول الله ◌َّ غدا ومعه أصحابه إلى البئر، فدخل رجلٌ فاستخرج ◌ُفَّ طلعةٍ من تحت الراعوفة، فإذا فيها مشطُ رسول اللهِ وَّهُ ومِن مُشاطةٍ رأسه، وإذا تمثالٌ من شمع تمثالُ رسول الله وَّه، وإذا فيها إبرٌ مغروزةٌ، وإذا وترٌ فيه إحدى عَشْرةَ عقدةً، فأتاه جبريل عليه السلام بالمعوِّذتين فقال: يا محمد (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وحلَّ عقدةً (مِن شَرِّ مَا خَلَقَ) وحلَّ عقدةً، حتى فَرِغَ منها وحلَّ العُقَدَ كلَّها، وجعل لا ينزعُ إِبرةً إلَّا وجد ألماً ثم يجد بعد ذلك راحةً، فقيل: يا رسول الله، لو قتلتَ اليهوديّ. قال: ((قد عافاني الله تعالى، وما يراه من عذاب الله تعالى أشدُّ»(٢). وفي روايةٍ: أنَّ الذي تولَّى السحر لبيد بن الأعصم وبناتُهُ(٣)، فمرض النبيُّ ◌ََّ، فنزل جبريل بالمعوِّذتين، وأخبره بموضع السحر وبِمَن سَحَره وبمَ سَحَره، فأرسل وَلِهِ عليًّا كرم الله تعالى وجهه والزبير وعماراً، فنزحوا ماء البئر وهو كنقاعة الحثَّاء، ثم رفعوا راعوفة البئر فأخرجوا أسنان المشط ومعها وترٌ قد عُقِدَ فيه إحدى عَشْرةَ عقدةً مغروزة بالإبر فجاؤوا بها النبيَّ وَّر، فجعل يقرأ المعوِّذتين عليها، فكان كلما قرأ آيةً انحلَّت عقدةٌ، ووجد عليه الصلاة والسلام خفةً، حتى انحلَّت العقدة الأخيرة عند تمام السورتين، فقام ◌َّ كأنما أُنشط من عقال، الخبر(٤). والروايةُ الأولى أصحُ من هذه. (١) كما في الدر المنثور ٤١٧/٦-٤١٨. (٢) دلائل النبوة للبيهقي ٧/ ٩٢-٩٤، وإسناده ضعيف كما ذكر الحافظ في الفتح ٢٣٥/١٠. قوله: الراعوفة، هي حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي، وقد يكون في أسفل البئر. وجاء في بعض روايات الحديث: رعوفه، دون ألف، وفي بعضها: رعوثة بمثلثة بدل الفاء، وفي النهاية: زعوبة بزاي وباء، وقال: هي بمعنى راعوفة. ينظر الفتح ١٠/ ٢٣٤. (٣) جاء في هامش الأصل: وقيل: أعانته زينب اليهودية. (٤) نقل المصنف هذه الرواية عن تفسير أبي السعود ٩/ ٢١٥. وذكرها مطولة الثعلبي في تفسيره = الآية : ٤ ٤٧١ سُؤَدَّةُ الفَلِقْ ونقل الماتريدي(١) عن أبي بكر الأصمّ أنه قال: إن حديث السحر المروي هنا متروك؛ لِمَا يلزمه من صدق قول الكفرة: إنه عليه الصلاة والسلام مسحور، وهو مخالف لنصِّ القرآن العظيم (٢). وقال الإمام المازريُّ(٣): قد أنكر ذلك الحديثَ المبتدعةُ من حيث إنه يحظُ منصبَ النبوّة ويشكِّكُ فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع. وأجيبَ: بأن الحديث صحيحٌ، وهو غيرُ مراغمٍ للنصِّ، ولا يلزم عليه حظّ منصب النبوّة والتشكيكُ فيها؛ لأنَّ الكفار أرادوا بقولهم: مسحور، أنه مجنونٌ وحاشاه، ولو سلِّم إرادةٌ ظاهره فهو كان قبل هذه القصة، أو مرادهم أنَّ السحر أثَّر فيه، وأنَّ ما يأتيه من الوحي من تخيُّلات السحر، وهو كذبٌ أيضاً؛ لأنَّ الله عصمه فيما يتعلَّقُ بالرسالة. وأما ما يتعلَّق ببعض أمور الدنيا التي لم يُبعث عليه الصلاة والسلام بسببها وهي مِمَّا يَعْرِضُ للبشر، فغيرُ بعيدٍ أن يخيَّل إليه من ذلك ما لا حقيقةً له، وقد قيل: إنه إنما كان يخيَّل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئٍ، وقد يتخيَّل الإنسان مثل هذا في المنام، فلا يبعد تخيُّله في اليقظة. وقيل: إنه يخيَّل أنه فَعَله وما فَعَله، ولكن لا يعتقد صحةَ ما تَخيَّله، فتكون اعتقاداتُه عليه الصلاة والسلام على السَّداد. وقال القاضي عياض(٤): قد جاءت رواياتُ حديث عائشة مبيِّنةً أنَّ السحر إنما تسلَّطَ على جسده الشريف بَّهُ وظواهِرٍ جوارحه، لا على عَقْلِه عليه الصلاة = ٣٣٨/١٠ عن ابن عباس وعائشة ، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هكذا أورده (يعني الثعلبي) بلا إسناد، وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم. (١) في تأويلات أهل السنة ٥٤٣/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٤١٦/٨. (٢) من قوله: ونقل الماتريدي، إلى هذا الموضع، ليس في (م). (٣) في المُعْلِم بفوائد مسلم ٩٣/٣. (٤) في إكمال المُعْلِم ٨٨/٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النووي في شرح صحيح مسلم ١٤/ ١٧٥، وما قبله منه. الآية : ٤ ٤٧٢ سُؤَدَّةُ الفَلِق والسلام وقلبِه واعتقادِه، ويكون معنى ما في بعض الروايات: حتى يَظنّ أنه يأتي أهله ولا يأتيهنَّ، وفي بعضٍ: أنه يخيّل إليه أنه .. إلخ، أنه يظهر له من نشاطه ومتقدِّم عادته القدرةُ عليهنَّ فإذا دنا منهنَّ أخذته أخذةُ السحر فلم يأتهنَّ ولم يتمكّن من ذلك كما يعتري المسحور، وكلُّ ما جاء في الروايات من أنه عليه الصلاة والسلام يخيَّل إليه فعلُ شيءٍ ولم يفعله ونحوُه فمحمولٌ على التخيُّل بالصبر، لا لخللٍ تطرَّق إلى العقل، وليس في ذلك ما يُدخِلُ لبساً على الرسالة، ولا طعناً لأهل الضلالة(١). انتهى. وبعضهم أنكر أصل السحر ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالاتٍ باطلةٍ لا حقائق لها، ومذهبُ أهل السنَّة وعلماءِ الأمة على إثباته، وأنَّ له حقيقةً كحقيقة غيره من الأشياء؛ لدلالةِ الكتاب والسنَّة على ذلك، ولا يُستنكر في العقل أنَّ الله تعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفَّقٍ، أو تركيبِ أجسامٍ مخصوصةٍ أو المزج بين قوّى على ترتيبٍ لا يعرفه إلا الساحر، وإذا شاهد الإنسان بعضَ الأجسام، منها قاتلةٌ كالسموم، ومنها مُسْقِمةٌ كالأدوية الحادّة، ومنها مُضِرَّةٌ كالأدوية المضادّة للمرض، لم يستبعد عقلُه أن ينفرد الساحر بعلم قوّى قَتَّالةٍ، أو كلام مهلكٍ، أو مؤدِّ إلى التفرقة، ومع ذلك لا يخلو من تأثيرٍ نفسانيٍّ. ثم إنَّ القائلين به اختلفوا في القَدْرِ الذي يقع به، فقال بعضهم: لا يزيد تأثيرُه على قَدْرِ التفرقة بين المرء وزوجه؛ لأنَّ الله تعالى إنما ذكر ذلك تعظيماً لما يكون عنده وتهويلاً له، فلو وقع به أعظم منه لذَكَره؛ لأنَّ المَثَلَ لا يُضْرَبُ عند المبالغة إلا بأعلى أحوال المذكور. ومذهبُ الأشاعرة أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، وهو الصحيح عقلاً؛ لأنه لا فاعلَ إلا الله، وما يقع من ذلك فهو عادةٌ أجراها الله تعالى ولا تفترقُ الأفعال في ذلك، وليس بعضُها بأَوْلَى من بعضٍ، ولو ورد الشرع بقصوره عن مرتبةٍ لوَجَبَ المصيرُ إليه، ولكن لا يوجد شرعٌ قاطعٌ يوجب الاقتصار (١) جاء في هامش الأصل: وقد جرى على الأنبياء عليهم السلام من العوارض البشرية الغير المخلَّة بالنبوة ما هو أعظم من هذا التأثر، وهو القتل ونحوه. اهـ منه. الآية : ٥ ٤٧٣ سُورَةُ الفَلِقِ على ما قاله القائل الأول، وذِكْرُ التفرقة بين الزوجين في الآية ليس بنصٍّ في منع الزيادة، وإنما النظرُ في أنه ظاهرٌ أم لا . والفرقُ بين الساحر وبين النبيِّ والوليِّ - على قول الأشاعرة بأنه يجوز خَرْقُ العادة على يد الساحر - مبيَّنٌ في الكتب الكلامية، وغيرِها من شروح الصحاح. وقيل في الآية: المرادُ بالنفث في العُقَدِ إبطالُ عزائم الرجال بالحيل، مستعارٌ من تليين العُقَدِ بنَفْثِ الرِّيقِ لَيَسْهُلَ حَلُّها. وهو يَقْرُبُ من بِدَع التفاسير. ﴿وَ مِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾﴾ أي: إذا أَظْهَرَ ما في نفسه من الحسد، وعَمِلَ بمقتضاه بترتيب مقدِّمات الشرِّ ومبادي الإضرار بالمحسود قولاً وفعلاً، ومن ذلك - على ما قيل - النظرُ إلى المحسود وتوجيهُ نفسه الخبيثة نحوه على وجه الغضب، فإنَّ نفس الحاسد حينئذٍ تتكيَّفُ بكيفيةٍ خبيثةٍ ربما تؤثِّر في المحسود بِحَسَب ضَعْفِهِ وقوَّةٍ نَفْسِ الحاسد شرًّا قد يصل إلى حدِّ الإهلاك، ورُبَّ حاسدٍ يؤذي بنظره بعينٍ حسده نحوَ ما يؤذي بعضُ الحِيَّات بنظرهنَّ. وذكروا أنَّ العائن والحاسد يشتركان في أنَّ كلَّا منهما تتكيَّفُ نفسه وتتوجّه نحو مَن تريد أذاه، إلا أنَّ العائن تتكيَّفُ نفسه عند مقابلة العين والمعاينةِ، والحاسدُ يَحْصُلُ حَسَدُه في الغيبة والحضور. وأيضاً العائنُ قد يَعِينُ من لا يحسده من حيوانٍ وزرعٍ، وإن كان لا ينفكُ من حسد صاحبه(١). والتقييد بذلك(٢) إذ لا ضرر قبله، بل قيل: إنَّ ضرر الحسد قبلُ(٣) إنما يَحيقُ بالحاسد لا غير، كما قال عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: لله درُّ الحسد ما أَعْدَلَه، بدأ بصاحبه فقتله. وقال ابن المعتز: اصْبِرْ على حسد الحسو د فإنَّ صَبْرَكَ قاتِلُهْ (١) أي: صاحب الحيوان والزرع. (٢) أي: بقوله: ((إذا حسد)). (٣) قوله: قبل، ليس في (م). الآية : ٥ ٤٧٤ سُورَةُ الفَلِقِ فالنارُ تأكل بعضها إن لم تجدما تأكله(١) ولْيُعْلَمْ أنَّ الحسد يُظْلَقُ على تَمِنِّي زوال نعمة الغير، وعلى تمنِّي استصحاب عدم النعمة ودوامٍ ما في الغير من نقصٍ أو فقرٍ أو نحوه، والإطلاقُ الأول هو الشائعُ، والحاسدُ بكِلا الإطلاقين ممقوتٌ عند الله تعالى وعند عباده عز وجل، آتٍ باباً من الكبائر على ما اشتهر بينهم، لكن التحقيق أنَّ الحسد الغريزي الجِبِّي إذا لم يعمل بمقتضاه من الأذى مطلقاً، بل عامَلَ المتَّصفُ به أخاه بما يحبُّ الله تعالى مجاهداً نفسه، لا إثم فيه، بل يثابُ صاحبُه على جهاد نفسه وحُسْنِ معاملتِهِ أخاه ثواباً عظيماً، لما في ذلك من مشقَّةِ مخالفةِ الطبع كما لا يخفى. ويطلق الحسد على الغبطة مجازاً، وكان ذلك شائعاً في العرف الأول، وهي تمنِّي أن يكون له مثل ما لأخيه من النعمة، من غير تمنِّي زوالها، وهذا مما لا بأس به، ومن ذلك ما صحَّ من قوله وَّهِ: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله تعالى مالاً فسلَّطه على هلكته في الحقِّ، ورجلٌ آتاه الله تعالى الحكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها الناس))(٢). وقال أبو تمام: هُمُ حَسَدُوه لا مَلومينَ مَجْدَه وما حاسدٌ في المكرُماتِ بحاسدٍ (٣) وقال أيضاً : واعْذِرْ حسودك فیما قد خُصِصْتَ به إنَّ العُلا حَسَنٌ في مِثْلِها الحسدُ (٤) هذا، وقال الرئيس ابن سينا: الغاسق: القوةُ الحيوانية، فهي ظُلْمةٌ غاسقةٌ منكدرةٌ، على خلاف النفس الناطقة التي هي المستعيذةُ، فإنها خُلقت في جوهرها نقيةً صافيةً مبرَّأةً عن كدورات المادة وعلائقها، قابلةً لجميع الصور والحقائق، وإنما تتلوَّثُ من الحيوانية. والنفَّائاتُ في العُقَد إشارةٌ إلى القوى النباتية من حيث (١) ديوان ابن المعتز ص ٣٤٤. (٢) سلف ٣/ ٤٦٠. (٣) ديوان أبي تمام ٢/ ٧٣ . (٤) ديوان أبي تمام ٢١/٢ . الآية : ٥ ٤٧٥ سُوَّةُ الفَلِقِ إنها تَزِيدُ في المقدار من جميع جهاته: الطول والعَرْض والعمق، فكأنها تنفثُ في العُقَدِ الثلاث، ولَمَّا كانت العلاقةُ بين النفس الإنسانية والقُوى النباتية بواسطةٍ الحيوانية، لا جَرَمَ قدّم ذكر القوى الحيوانية على القوى النباتية، والشرُّ اللازم من هاتين القوتين في جوهر النفس هو استحكامُ علائق البدن، وامتناعُ تغذِّيها بالغذاء الموافق لها اللائقِ بجوهرها، وهو الإحاطةُ بملكوت السماوات والأرض، والانتقاش بالنقوش الباقية. وعُني بقوله تعالى: (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) النزاعُ الحاصل بين البدن وقواه وبين النفس، فالحاسدُ هو البدن من حيث له القوتان، والمحسودُ هو النفس، فالبدنُ وبالٌ عليها، فما أحسن حالَها عند الإعراض عنه، وما أعظم لذَّتها بالمفارقة إن لم تكن تلوَّثَتْ منه. وقيل: الغاسق إشارةٌ إلى المعدن، والنقَّاثاتُ إلى النباتات، والحاسدُ إلى الحيوان، ولما كان الإنسان لا يتضرَّرُ عن الأجسام الفلكية وإنما يتضرَّرُ عن الأجسام العنصرية، وهى إما معدنٌ أو نباتٌ أو حيوانٌ، أُمِرَ بالاستعاذة من شرِّ كلِّ منها . وكلا القولين كما ترى، والله تعالى أعلم. سُورَةُ الثَّانِ وتسمَّى مع ما قبلها - كما أشرنا إليه قبلُ - بالمعوِّذتين بكسر الواو، والفتحُ خطأ، وكذا بالمقشقشتين، وتقدَّم الكلام في أمر مكيتها ومدنيتها. وهي ستُّ آياتٍ، لا سبعٌ وإن اختاره بعضهم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ وقرئ في السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام كما قرئ: ((فَخُذَ ارْبعة))(١) [البقرة: ٢٦٠]. ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أي: مالكِ أمورهم، ومربِّيهم بإفاضة ما يصلحهم ودَفْعِ ما يضرُّهم، وأمال ((الناس)) هنا أبو عمرو، والدوريُّ عن الكسائيِّ، وكذا في كلِّ موضع وقع فيه مجروراً (٢). ﴿مَلِكِ النَّاسِ ﴾﴾ عطفُ بيانٍ على ما اختاره الزمخشريُّ(٣)، جيء به لبيانِ أنَّ تربيته تعالى إياهم ليست بطريق تربية سائر الملَّاكِ لِمَا تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل والتصرُّفِ الكلِّيِّ والسلطان القاهر. وكذا قولُه فإنه لبیان أنَّ ملکه تعالی لیس بمجرد الاستیلاء علیھم، تعالى: ﴿إِلَهِ النَّاسِ (١) التيسير ص ٣٥. (٢) قال ابن مجاهد في السبعة ص٧٠٣: كلَّهم قرأ ((الناس)) غير ممالة إلا ما روى الحلواني عن أبي عمرو الدوري عن الكسائي أن قراءته كانت بإمالة النون من ((الناس)) في موضع الخفض، ولا يميل في الرفع والنصب. (٣) في الكشاف ٣٠٢/٤. الآية : ٤ ٤٧٧ سُورَةُ النَّاسِ والقيام بتدبير أمور سياستهم، والتولِّي لترتيب مبادئ حفظهم وحمايتهم، كما هو قُصارى أمرٍ الملوك، بل هو بطريق المعبودية المؤسّسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرُّف الكلِّي فيهم إحياءً وإماتةً، وإيجاداً وإعداماً. وجوِّزت البدلية أيضاً. وقال أبو حيان: إنهما صفتان، وتعقّب قول الزمخشري أنهما عطف بيان: بأنَّ عطف البيان المشهورُ أنه يكون بالجوامد، وأن ظاهر كلامه أنهما عَطْفًا بيانٍ لواحد، ولم أظفر من النحاة بشيءٍ في أمر عطف البيان، هل يجوز أن يتكرر لمعطوف عليه واحد أم لا يجوز(١). وأنت تعلم أنه لا مانع منه عقلاً، ثم ما هنا وإن لم يكن جامداً فهو في حُكْمِه، ولعل الجزالة دعتْ إلى اختياره. وتخصيصُ الإضافة إلى ((الناس)) مع انتظام جميع العالم في سلك ربوبيته تعالى وملكوتِه وألوهيته - على ما في ((الإرشاد)) - للإرشاد إلى منهاج الاستعاذة الحقيقة بالإعاذة، فإنَّ توسُّلَ العائذ بربِّه وانتسابَه إليه بالمربوبية والمملوكية والعبودية في ضِمْنٍ جنسٍ هو فردٌ من أفراده، من دواعي مزيدِ الرحمة والرأفة، وأَمْرُه تعالى بذلك من دلائل الوعد الكريم بالإعاذة لا محالةَ، ولأنَّ المستعاذَ منه شرُّ الشيطان المعروفِ بعداوتهم، ففي التنصيص على انتظامهم في سلك عبوديته تعالى وملكوته رمزٌ إلى إنجائهم من ملكة الشيطان وتسلَّطِه عليهم حَسْبَما ينطق به قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَائْ﴾ (٢) [الإسراء: ٦٥]. واقتصر بعض الأجلَّة في بيان وجه التخصيص على كون الاستعاذة هنا من شرٌّ ما يخصُّ النفوسَ البشرية، وهي الوسوسةُ كما قال تعالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ وبُحث فيه - بعد الإغماض عمَّا فيه من القصور في توفية المقامِ حقَّه - بأن شرَّ الموسوس كما يلحق النفوسَ يلحق الأبدان أيضاً، وفيه شيء سنشير إن شاء الله تعالى إليه. (١) البحر ٥٣١/٨-٥٣٢. والكلام من قوله: وقال أبو حيان، إلى هذا الموضع ليس في (م). (٢) إرشاد العقل السليم ٢١٦/٩. سُورَةُ النَّاسِ ٤٧٨ الآية : ٤ واختار هذا الباحثُ في ذلك أنه لَمَّا كانت الاستعاذة فيما سبق من شرِّ كلِّ شيءٍ، أُضيفَ الربُّ إلى كلِّ شيءٍ، أي: بناء على عموم ((الفلق))، ولما كانت هنا من شرِّ الوسواس لم يُضَفْ إلى كلِّ شيءٍ، وكان النظر إلى السورة السابقة يقتضي الإضافة إلى الوسواس، لكنه لم يضف إليه حظًّا لدرجته عن إضافة الربِّ إليه، بل إلى المستعيذ، وكأنَّ في هذا الحظّ رمزاً إلى الوعد بالإعاذة، وهو الذي يجعل لِمَا ذكر حظًا في أداء حقِّ المقام. وربما يقال: إنَّ في إضافة الربِّ إلى الناس في آخر سورةٍ من كتابه تذكيراً لأول أمرٍ عرفوه في عالم الذرِّ، وأُخِذَ عليهم العهد بالإقرار به فيما بعدُ، كما أشار إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىّ أَنفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَيَّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] فيكون في ذلك تحريضُ على الاستعاذة من شرِّ الوسواس لئلا يتدنَّسَ أمرُ ذلك العهد، وفيه أيضاً رمزٌ إلى الوعد الكريم بالإعاذة. وذكر القاضي(١) أنَّ في النَّظم الجليل إشعاراً بمراتب الناظر المتوجِّه لمعرفة خالقه، فإنه يعلم أولاً بما يَرى عليه من النعم الظاهرة والباطنة أنَّ له ربًّا، ثم يتغلغل في النظر حتى يتحقَّق أنه سبحانه غنيٌّ عن الكلِّ، وذاتُ كلِّ شيءٍ له، ومصارفُ أمره منه، فهو الملك الحقُّ، ثم يستدلُّ به على أنه المستحقُّ للعبادة لا غير، ويتدرَّج (٢) في وجوه الاستعاذة المعتادة(٣) تنزيلاً لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات، فإنَّ عادةً من ألَمَّ به همٌّ أن يرفع أمره لسيده ومربِّيه كوالديه، فإنْ لم يقدرا على رَفْعِه، رَفَعَه لملكه وسلطانه، فإنْ لم يُزِلْ ظلامتَه شكاه إلى ملك الملوك ومَن إليه المشتكى والمفزَعُ(٤)، وفي ذلك إشارة إلى عظم الآفة المستعاذ منها . (١) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٨/ ٤١٧-٤١٨. (٢) في (م): ويندرج، وفي تفسير البيضاوي: وتدرَّج، والمثبت من الأصل. (٣) قوله: المعتادة، صفة لقوله: وجوه. قاله الشهاب. (٤) من قوله: فإن عادة من ألمّ به همّ، إلى هذا الموضع، ليس من كلام البيضاوي، وإنما هو من شرح الشهاب له. الآية : ٤ ٤٧٩ سُورَةُ النَّاسِ ولابن سينا هاهنا كلامٌ تتحرَّج منه الأقلام، كما لا يخفى على مَن ألَمَّ به وكان له بالشريعةِ المطهّرة أدنى إلمام. وتكرير المضاف إليه لمزيد الكشف والتقرير والتشريف بالإضافة. وقيل: لا تكرار؛ فإنه يجوز أن يراد بالعامِّ بعضُ أفراده، فالناسُ الأول بمعنى الأجِنَّة والأطفال المحتاجين للتربية، والثاني الكهول والشبان؛ لأنهم المحتاجون لمن يسوسُهم، والثالث الشيوخ المتعبِّدون المتوجِّهون الله تعالى. وهو على ما فيه يُبْعِدُه حديثُ إعادة الشيء معرفةً وإن كان أغلبيًّا . وقال عصام الدين: استعاذ بربِّ الناس من الشرك الطاري بإسناد النعم إلى الأسباب الظاهرة، وبملك الناس من الشرك الطاري من إسناد السياسات ونظام المملكة إلى الملوك والسلاطين، وبإله الناس من الشرك الظاهر الذي يبتلى به المشرك. وسلك طريق الترقِّي وكرَّر الناس إظهاراً لمزيد الصفات الثلاثة على فرقة الناس. وليس بذاك(١). والوسواس عند الزمخشري اسمُ مَصْدَرٍ بمعنى الوسوسة، والمصدرُ بالكسر، وهو صوت الحليِّ والهمسُ الخفيُّ، ثم استعمل في الخطرة الردية، وأريد به هاهنا الشيطان، سمِّي بفِعْلِه مبالغةً كأنه نفسُ الوسوسة، أو الكلام على حذفِ مضافٍ، أي: ذي الوسواس(٢). وقال بعض أئمة العربية: إنَّ فعلل ضربان: صحيحٌ كدَحْرَجَ، وثنائيٌّ مکرَّرٌ كصَلْصَلَ، ولهما مصدران مطَّردان: فَعْلَلَة، وفِعْلال بالكسر وهو أقيس، والفتح شاذٌ لكنه كثُر في المكرَّر كتَمْتام وفَأُفاء، ويكون للمبالغة كفَعَّال في الثلاثي، كما قالوا: وَطواط للضعيف، وثَرْثار للمكثِر، والحقُّ أنه صفةٌ، فليُحْمَلْ عليه ما في الآية الكريمة من غير حاجةٍ إلى التجوُّز أو حَذْفِ المضاف. وقد تقدَّم في سورة الزلزال ما يتعلَّق بهذا المبحث، فتذكَّر فما في العهد من قِدَم. (١) من قوله: وقال عصام الدين، إلى هذا الموضع ليس في (م). (٢) الكشاف ٤/ ٣٠٢ بنحوه. سُورَةُ النَّاسِ ٤٨٠ الآية : ٤ والظاهر أنَّ المراد الاستعاذةُ من شرِّ الوسواس من حيث هو وسواسٌ، ومالُه إلى الاستعاذة من شرٍّ وسوسته. وقيل: المراد الاستعاذةُ من جميع شروره، ولذا قيل: ((من شر الوسواس)) ولم يقل: من شرٌّ وسوسة الوسواس. قيل: وعليه يكون القول بأنَّ شرّه يلحق البدن كما يلحق النفس أظهرَ منه على الظاهر، وعُدَّ مِن شرِّه أنه - كما في ((صحيح البخاري))(١) - يعقدُ على قافية رأس العبد إذا هو نام ثلاثَ عقدٍ، مرادُه بذلك منعُه من اليقظة، وفي عدِّ هذا من الشر البدني خفاءٌ. وبعضهم عدَّ منه التخبُّط، إذ الحق عند أهل السنَّة أنه قد يكون من مسِّه كما تقدَّم في موضعه. وقوله تعالى: ﴿اَلْخَنَّاسِ﴾ صيغةُ مبالغةٍ أو نسبة، أي: الذي عادتُه أن يخنس ويتأخّر إذا ذَكَر الإنسانُ ربَّه عز وجل؛ أخرج الضياء في ((المختارة))، والحاكم وصحَّحه، وابن المنذر، وغيرُهم، عن ابن عباس قال: ما من مولودٍ يُولد إلا على قلبه الوسواسُ، فإذا عَقَل فذكر الله تعالى خَنَس، فإذا غَفَل وَسْوَسَ(٢). وله على ما روي عن قتادة خرطومٌ كخرطوم الكلب(٣). ويقال: إنَّ رأسه کرأس الحية. وأخرج ابن شاهين عن أنس قال: سمعتُ رسول الله ،وَّلَه يقول: ((إنَّ للوَسْوَاسِ خَظْماً(٤) كخَظْم الطائرِ، فإذا غَفَلَ ابنُ آدَم وَضَعَ ذلك المنقارَ في أُذُن القلبِ يُؤَسْوِس، فإنْ ذَكَرَ الله تعالى نَكَصَ وخَسَ، فلذلك سُمِّي الوسواس الخناس(٥) . (١) برقم (١١٤٢)، وأخرجه أيضاً مسلم (٧٧٦)، وهو من حديث أبي هريرة نظريته. (٢) الأحاديث المختارة (١٧٢)، والمستدرك ٢/ ٥٤١، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٤١٠، والطبري ٧٥٣/٢٤-٧٥٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٦/ ٤٢٠، وعنه نقل المصنف. (٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤١٠. (٤) الخَظُمُ: منقار الطائر. ومن الدابَّة: مقدَّم أنفِها وفمِها. القاموس (خطم). (٥) عزاه لابن شاهين السيوطي في الدر ٦/ ٤٢٠، وأخرجه بنحوه أبو يعلى في مسنده (٤٣٠١)، ولفظه: ((إن الشيطان واضحٌ خَظْمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خَنَسَ، وإن نَسِيَ التَّقَّم =