النص المفهرس

صفحات 441-460

الآية : ١
٤٤١
سُوَّةُ الإِخْلاَضِ
سبحانه من الصفات أنَّ المرادَ الواحديةُ الكاملةُ، وذلك على الوجهين: كون
الضمير للشأن، وكونه للمسؤول عنه، ولا يصحُّ أن يُرادَ الواحدُ بالعدد أصلاً؛ إذ
يخلو الكلامُ عليه من الفائدة.
وذكر بعضُهم أنَّ الاسمَ الجليلَ يدلُّ على جميع صفات الكمال، وهي الصفاتُ
الثبوتيةُ، ويقال لها صفاتُ الإكرام أيضاً، والأحدُ يدلُّ على جميع صفات الجلال،
وهي الصفاتُ السلبيةُ، ويتضمَّنُ الكلامُ على كونهما خبرين الإخبارَ بكون المسؤول
عنه متَّصفاً بجميع الصفات الجلالية والكمالية.
وتُعقِّبَ بأنَّ الإلهيةَ جامعةٌ لجميع ذلك، بل كلُّ واحدٍ من الأسماء الحسنى
كذلك؛ لأنَّ الهويةَ الإلهية لا يمكنُ التعبيرُ عنها لجلالتها وعَظَمتها إلا بأنه هو هو،
وشَرُْ تلك الهوية بلوازمَ منها ثبوتيةٌ ومنها سلبيةٌ، واسمُ الله تعالى متناولٌ لهما
جميعاً، فهو إشارةٌ إلى هويته تعالى، والله سبحانه كالتعريف لها، فلذا عقّب به،
وكلامُ الرئيس ينادي بذلك، وسنشير إليه إن شاء الله تعالى.
وبعضهم أنكر استجماع لفظ الله الصفات السلبية وقال: إنه مستجمعٌ للصفات
الثبوتية لا غير. ونسب ذلك للإمام، واستدلَّ بما فيه نظر.
والحقُّ عندي أنْ لا دلالة بالذات إلا على الذات والإشعار باعتبار اللزوم
والاشتهار بالجميع(١).
وقرأ عبد الله وأُبيّ: ((هو الله أحد)) بغير ((قل))(٢). وقد اتفقوا على أنه لا بدَّ منها
في ((قل يا أيها الكافرون))، ولا تجوز في ((تَبَّت)) فقيل: لعلَّ ذلك لأنَّ سورةَ
((الكافرين)) مشاقَّةُ الرسول وَّ ر، أو موادعته عليه الصلاة والسلام لهم، ومثل ذلك
يناسب أن يكون من الله تعالى؛ لأنه وَلّ مأمورٌ بالإنذار والجهاد. وسورة ((تَبَّت))
معاتبةٌ لأبي لهب، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام على خُلُقٍ عظيمٍ وأدبٍ جسيمٍ، فلو
أُمر بذلك لزمَ مواجهته به، وهو عمُّه ◌َّهِ. وهذه السورةُ توحيدٌ، وهو يناسَب أن
(١) من قوله: وبعضهم أنكر ... إلى هنا ليس في (م).
(٢) القراءات الشاذة ص ١٨٢، والكشاف ٢٩٨/٤.

سُوَّةُ الإِخْلَاضِ
٤٤٢
الآية : ١
يقول به تارةً ويُؤمَرَ بأن يدعوَ إليه أخرى.
وقيل في وجه ((قل)) في سورة ((الكافرون)): إنَّ فيها ما لا يصحُّ أن يكون من الله
تعالى كـ : ((لا أعبد ما تعبدون)) فلا بدَّ فيها من ذكر ((قل)).
وفيه نظرٌ؛ لأنه لا يلزمُ ذكره بهذا اللفظ، فافهم.
وقال الدواني في وجه ترك ((قل)) في ((تَبَّت)): لا يبعدُ أن يقال: إنَّ القولَ
بمعاتبة أبي لهبٍ إذا كان من الله تعالى، كان أدخلَ في زجره وتفضيحه.
وقيل: فيه رمزٌ إلى أنه لكونه - على العلّات - عمَّه ◌ِّر، لا ينبغي أن يُهينه بمثل
هذا الكلام إلا الذي خلقه؛ إذ لا يبعدُ أن يتأذّى مسلمٌ من أقاربه لو سَبَّه أحدٌ غيرُهُ
عزَّ وجلَّ، فقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه
قال: مرَّتْ دُرَّةُ ابنةُ أبي لهبٍ برجلٍ، فقال: هذه ابنةُ عدوِ الله أبي لهب. فأقبلت
عليه فقالت: ذَكَرَ الله تعالى أبي بنباهته (١) وشَرَفه، وتَرَكَ أباكَ لجهالته. ثم ذكرتْ
ذلك للنبيِّ وَّهِ، فخطب فقال: ((لا يُؤْذَيَنَّ مسلمٌ بكافر))(٢).
ثم إنَّ إثباتَ ((قل)) على قراءة الجمهور في المصحف، والتزامَ قراءتها في هذه
السورة ونظائرها، مع أنه ليس من دأب المأمور بـ ((قل)) أن يتلفّظَ في مقام الائتمار
إلا بالمقول، قال الماتريديُّ في ((التأويلات))(٣): لأنَّ المأمورَ ليس المخاطَبَ به
فقط، بل كلُّ أحدٍ ابتلي بما ابتلي به المأمورُ، فأُثبتَ ليبقى على مرِّ الدهور مَنَّا على
العباد.
وقيل: يمكن أن يقال: المخاطب بـ ((قل)) نفسُ التالي، كأنه تعالى أعلمَ به أنَّ
كلَّ أحدٍ عند مقام هذا المضمون ينبغي أن يأمرَ نفسه بالقول به وعدم التجاوز عنه،
فتأمل والله تعالى الموفق.
(١) في الدر المنثور ٤٠٩/٦: لنسابته.
(٢) ابن أبي الدنيا في الحلم (١١٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٧٢/٦٧. وهو مع إرساله
فيه علي بن أبي علي اللهبي، قال عنه أحمد: له مناكير. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال
أبو حاتم والنسائي: متروك. الميزان ١٤٧/٣-١٤٨.
(٣) ٥/ ٥٣٧ بنحوه.

الآية : ٢
٤٤٣
سُورَةُ الإِخْلَاضِ
مبتدأٌ وخبرٌ. وقيل: الصمدُ: نعتٌ، والخبرُ
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الضََّمَدُ
٢
ما بعده. وليس بشيء.
والصمد: قال ابن الأنباريِّ: لا خلافَ بين أهل اللغة أنه السَّيِّدُ الذي ليس فوقه
أحدٌ، الذي يَصْمُدُ إليه الناس في حوائجهم وأمورهم.
وقال الزجاج: هو الذي ينتهي إليه السُّؤددُ، ويُضْمَدُ إليه، أي: يقصدهُ كلُّ
شيء، وأنشدوا :
لقد بكَر الناعي بخيرٍ بني أسدْ
بعمرو بن مسعودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ(١)
وقوله :
عَلَوتُهُ بحسامٍ ثمَّ قلتُ له خُذْها خُزِيْتَ فأنتِ السَّيِّدُ الصَّمَدُ (٢)
وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: هو السيدُ الذي قد كَمُلَ في
سُؤدده، والشريفُ الذي قد كَمُلَ في شرفه، والعظيمُ الذي قد كَمُلَ في عَظَمته،
والحليمُ الذي قد كُمُلَ في حِلْمِه، والعليمُ الذي قد كَمُلَ في عِلْمِه، والحكيمُ الذي
قد كَمُلَ في حِكْمته، وهو الذي قد كَمُلَ في أنواعِ الشَّرف والسُّؤدد(٣).
وعن أبي هريرة: هو المستغني عن كلِّ أحدٍ، المحتاجُ إليه كلُّ أحدٍ .
وعن ابن جبير: هو الكاملُ في جميع صفاته وأفعاله.
وعن الربيع: هو الذي لا تعتريه الآفاتُ.
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٧٨/٥، والبيت لهند بنت معبد بن نضلة، تَبكي عمَّيها اللذين قتلهما
المنذر بن ماء السماء، وهو في البيان والتبيين ١/ ١٨٠، والأغاني ٩٢/٢٢، ومعجم
ما استعجم ٩٩٦/٣، والخزانة ٢٦٩/١١. ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣١٦/٢
لسبرة بن عمرو الأسدي.
(٢) البيت في الأمالي للقالي ٢٨٨/٢، والصحاح (صمد)، ومجمل اللغة ٥٤١/٢، والبحر
٨/ ٥٢٧. وجاء في المصادر عدا البحر: حذيف، بدل: خزيت.
(٣) أخرجه الطبري ٧٣٦/٢٤ .

سُورَةُ الأَخْلَاضِ
٤٤٤
الآية : ٢
وعن مقاتل ابن حيان: هو الذي لا عَيْبَ فيه.
وعن قتادة: هو الباقي بعد خَلْقه. ونحوه قولُ مَعْمَرٍ: هو الدائمُ، وقولُ مُرَّةَ
الهمداني: هو الذي لا يبلى ولا يفنى، وعنه أيضاً: هو الذي يحكمُ ما يريدُ،
ويفعلُ ما يشاء، لا مُعقِّبَ لحكمه، ولا رادً لقضائه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم(١) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه - قال:
لا أعلمه إلا قد رفعه - قال: الصَّمَدُ: الذي لا جَوْفَ له. وروي عن الحسن
ومجاهد، ومنه قوله :
شهابُ حُروبٍ لا تزال جيادُهُ
عوابسَ يَعْلُكْنَ الشَّكيمَ المُصَمَّدا(٢)
وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود قال: الصَّمَدُ: الذي ليس له
أحشاء(٣). وهو روايةٌ عن ابن عباس.
وعن عكرمة: هو الذي لا يطعم. وفي رواية أخرى: الذي لم يخرجْ منه شيءٌ.
وعن الشعبي: هو الذي لا يأكلُ ولا يشربُ.
وعن طائفةٍ منهم أَبِيُّ بن كعب والربيعُ بن أنس: إنه الذي لم يلد ولم يولد.
كأنهم جعلوا ما بعده تفسيراً له.
والمعوَُّ عليه تفسيره(٤) بالسيد الذي يصمدُ إليه الخلق في الحوائج والمطالب،
وتفسيرُهُ بالذي لا جوفَ له وما عداهما إما راجعٌ إليهما، أو هو مما لا تساعد عليه
(١) تفسير الطبري ٧٣٣/٢٤، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا غريب جدًّا، والصحيح
أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٦/٥: وفي هذا التفسير نظر؛ لأنَّ الجسم في غاية البعد
عن صفات الله تعالى.
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٧١/٦، والقرطبي ٥٥٩/٢٢. والشكيم: جمع شكيمة،
وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس. القاموس المحيط (شكم).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم - كما في فتاوى ابن تيمية ١٧ / ٢٢٠- من طريق مندل بن علي، عن
أبي روق عطية بن الحارث، عن أبي عبد الرحمن السلمي به. ومندل بن علي ضعيف كما في
التقريب .
(٤) في (م): تفسيراً.

الآية : ٢
٤٤٥
سُورَةُ الإخلاصِ
اللغة، وهو على الثاني إشارةٌ على ما زعمَ الرئيسُ وشارحُ كلامه إلى نفي الماهية،
فإنَّ كلَّ ماله ماهيةٌ كان له جوفٌ وباطنٌ، وهو تلك الماهية، وفي ذلك إشارةٌ إلى
وجوب الوجود من جميع الجهات؛ لأنَّ ما لا باطنَ له وهو موجودٌ، فهو لا جهةً له
ولا اعتبارَ في ذاته إلا الوجود، وكلُّ ما لا اعتبار له إلا الوجود فهو غيرُ قابلٍ
للعدم، ضرورةً أنَّ الموجودَ من حيثُ هو موجودٌ لا يقبله(١). وجعل معنى كونه
تعالى سَيِّداً أنه مبدأُ الكلِّ، وفي معناه تفسيرُهُ بالغني المطلق المحتاج إليه ما سواه،
وقال: يحتمل أن يكون كلا المعنيين مراداً، فيكونُ وَصْفاً له تعالى بمجموع السَّلْب
والإيجاب، وهو ظاهرٌ في جواز استعمال المشترك في كلا معنييه كما ذهب إليه
الشافعيُّ.
والذي أختاره تفسيرُهُ بالسَّيِّد الذي يصمدُ إليه الخلقُ، وهو فعلٌ بمعنى مفعول،
من صَمَدَ بمعنى قَصَدَ، فيتعدَّى بنفسه وباللام، وإطلاقُ الصَّمَدِ بمعنى السيد عليه
تعالى مما لا خلافَ فيه، وإن كان في إطلاق السيد نفسه خلافٌ، والصحيحُ إطلاقه
عليه عزَّ وجلَّ كما في الحديث: ((السيد الله))(٢).
وقال السهيليُّ(٣): لا يُطلَقُ عليه تعالى مضافاً، فلا يقال: سَيِّدُ الملائكة والناس
مثلاً .
وقَصْدُ الخلق إياه تعالى بالحوائج أعمُّ من القصد الإرادي والقصد الطبيعي
والقصد بحَسَبِ الاستعداد الأصلي الثابت لجميع الماهيات؛ إذ هي كلُّها متوجِّهةٌ
إلى المبدأ تعالى في طلب كمالاتها منه عزَّ وجلَّ.
وتعريفُهُ دون أحدٍ قيل: لعلمهم بصمديَّتْه تعالى دون أحديَّتَه.
وتُعقِّبَ بأنه لا يخلو عن كَدَرٍ؛ لأنَّ عِلْمَ المخاطَبِ بمضمون الخبر لا يقتضي
(١) من قوله: وهو على الثاني ... إلى هنا، ليس في (م).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٣٠٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١١)، وأبو داود (٤٨٠٦) من
حديث مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه.
(٣) في الروض الأنف ٢٩٨/٣.

سُورَةُ الأَخْلَاضِ
٤٤٦
الآية : ٢
تعريفه، بل إنما يقتضي أن لا يُلْقَى إليه إلا بعد تنزيله منزلةَ الجاهل؛ لأنَّ إفادةَ لازم
فائدةِ الخبر بمعزلٍ عن هذا المقام، فالأَولى أن يقال: إنَّ التعريفَ لإفادة الحَصْرِ،
كقولك: زيدٌ الرجلُ، ولا حاجةَ إليه في الجملة السابقة بناءً على أنَّ مفهومَ ((أحد)»
المنزَّه عن أنحاء التركيب والتعدُّدِ مطلقاً إلى آخر ما تقدَّم، مع أنهم لا يعرفون
أحدێَّته تعالی، ولا يعترفون بها .
واعتُرض بأنه يقتضي أنَّ الخبرَ إذا كان معلوماً للمخاطَبِ، لا يُخبِرُ به إلا بتنزيله
منزلةَ الجاهل، أو إفادته لازمَ الخبر، أو إذا قُصِدَ الحصرُ، وهو ينافي ما تقرَّرَ في
المعاني من أنَّ كونَ المبتدأ والخبر معلومين لا ينافي كونَ الكلام مفيداً للسامع
فائدةً مجهولةً؛ لأنَّ ما يستفيدُهُ السّامعُ من الكلام هو انتسابُ أحدهما للآخر،
وكونُه هو هو، فيجوز أن يقال هنا: إنهم يعرفونه تعالى بوجهٍ ما، ويعرفون معنى
المقصود، سواءٌ كان هو الله سبحانه أو غيره عندهم، ولكن لا يعرفون أنه هو سواءٌ
كان بمعنى الفرد الكامل أو الجنس، فعيَّنه الله تعالى لهم.
وقيل: إنَّ ((أحد) في غير النفي والعدد لا يُطلَقُ على غيره تعالى، فلم يحتجْ إلى
تعريفه، بخلاف ((الصَّمد))، فإنه جاء في كلامهم إطلاقُهُ على غيره عزَّ وجلَّ، أي:
كما في البيتين السابقين، فلذا عُرِّفَ.
وتكرارُ الاسم الجليل دون الإتيان بالضمير قيل: للإشعار بأنَّ مَنْ لم يتَّصفْ
بالصَّمَدية لم يستحقَّ الأُلوهية، وذلك على ما صرَّحَ به الدوانيُّ مأخوذٌ من إفادة
تعريف الجزأين الحصرَ، فإذا قلتَ: السلطانُ العادلُ، أَشْعَرَ بأنَّ مَنْ لم يَّصفْ
بالعدل لم يستحقَّ السلطنة.
وقيل: ذلك لأنَّ تعليقَ الصَّمَد باللهِ يُشعِرُ بعِلِّيَّةِ الأُلوهية للصمدية، بناءً على أنه
في الأصل صفة، وإذا كانت الصمديةُ نتيجةً للأُلوهية، لم يستحقَّ الألوهيةَ مَنْ لم
يتصف بها .
وبُحِثَ فيه بأنَّ الألوهية - فيما يظهرُ - للصمدية؛ لأنه إنما يُعبَدُ لكونه محتاجاً
إليه دون العكس، إلا أن يقال: المرادُ بالأُلوهية مبدؤها وما تترتَّبُ عليه، لا كونه

الآية : ٣
٤٤٧
سُورَةُ الإِخْلَاضِ
معبوداً بالفعل. وإنما لم يكتف بمسنَدٍ إليه واحدٍ لـ ((أحد))، و((الصمد)) هو الاسم
الجليل، بأن يقال: اللهُ الأحدُ الصمدُ؛ للتنبيه على أنَّ كلَّ من الوصفين مستقلٌّ في
تعيين الذات. وتَرْكُ العاطف في الجملة المذكورة؛ لأنها كالدليل عليه، فإنَّ مَنْ
كان غنيًّا لذاته محتاجاً إليه جميعُ ما سواه، لا يكون إلا واحداً، وما سواه لا يكون
إلا ممكناً محتاجاً إليه، أو لأنها كالنتيجة لذلك بناءً على أنَّ الأحديةَ تستلزمُ
الصمدية والغنى المطلق، وبالجملة: هذه الجملةُ من وجهٍ تُشبهُ الدليلَ، ومن وجهٍ
تُشبه النتيجة، فهي مستأنفةٌ أو مؤكّدةٌ.
وقرأ أبان بن عثمان وزيد بن علي ونصر بن عاصم وابن سيرين والحسن وابن
أبي إسحاق وأبو السمال وأبو عمرو في رواية يونس ومحبوب والأصمعي واللؤلؤي
وعبيد: ((أحدُ الله)) (١) بحذف التنوين، لالتقائه مع لام التعريف، وهو موجودٌ في
كلام العرب، وأكثرُ ما يوجدُ في الشعر، كقول أبي الأسود الدؤلي:
فألفيته(٢) غيرَ مُستعتبٍ ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا(٣)
وقول الآخر:
ورجالُ مكةَ مُسْنِتُون عجافُ (٤)
عمرو الذي هَشَمَ الثريدَ لضیفه
والجيِّدُ هو التنوينُ، وكسره لالتقاء الساكنين.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ إلخ على نحو ما سبق، ونفيُ ذلك عنه تعالى لأنَّ
الولادة تقتضي انفصالَ مادةٍ منه سبحانه، وذلك يقتضي التركيبَ المنافي للصَّمَدية
(١) القراءات الشاذة ص٧٠١، والكشاف ٢٩٨/٤، والبحر ٥٢٨/٨.
(٢) في هامش الأصل: أوله:
فذكَّرْتُه ثم عاتبتهُ عتاباً رفيقاً وقولاً جميلا
فألفيته
(٣) البيت في الكتاب ١٦٩/١، والخزانة ٣٧٤/١١.
(٤) نسب لعبد الله بن الزبعرى، وهو في ملحقات ديوانه ص٥٣، ونسب أيضاً لمطرود بن كعب
الخزاعي، كما في المنمق لابن حبيب ص ١٢، والاشتقاق ص ١٣. وأسنتوا: أجدبوا.
القاموس (سنت).

سُوَّةُ الأَخْلَاضِ
٤٤٨
الآية : ٣
والأَحدية، أو لأنَّ الولد من جنس أبيه، ولا يُجانسه تعالى أحدٌ؛ لأنه سبحانه
واجبٌ وغيرُهُ ممكنٌ، ولأنَّ الولدَ على ما قيل يطلبهُ العاقلُ إما لإعانته، أو ليخلفه
بعده، وهو سبحانه دائمٌ باقٍ غيرُ محتاجٍ إلى شيءٍ من ذلك.
والاقتصار على الماضي دون أن يقال: لن يلدَ؛ لوروده ردًّا على مَنْ قال: إنَّ
الملائكةَ بناتُ الله سبحانه، أو: المسيح ابنُ الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً .
ويجوز أن يكون المرادُ استمرارَ النفي، وعُبِّر بالماضي لمشاكلة قوله تعالى: ﴿وَلَمْ
يُولَذْ﴾ وهو لا بدَّ أن يكون بصيغة الماضي.
ونفي المولودية عنه سبحانه لاقتضائها المادة، فيلزمُ التركيبُ المنافي للغنى
المطلق، والأحديةِ الحقيقية، أو لاقتضائها سَبْقَ العَدَم ولو بالذات، أو لاقتضائها
المجانسةَ المستحيلةَ على واجب الوجود.
وقُدِّمَ نفيُ الولادة لأنه الأهمُّ؛ لأنَّ طائفةً من الكفار توهّموا خلافه، بخلاف
نفي المولودية، أو لكثرة متوهِّمي خلافِ الأول دون خلاف الثاني، بناءً على أنَّ
النصارى يلزمهم بواسطة دعوى الاتحاد القول بالولادة والمولودية فيمن يعتقدونه
إلهاً، وذلك على ما تضمَّنته كُتُبهم أنهم يقولون: الأبُ هو الأقنوم الأول من
الثالوث، والابنُ هو الثاني الصادرُ منه صدوراً أزليًّا مساوياً بالأزلية له، وروحُ
القدس هو الثالثُ الصادرُ عنهما كذلك، والطبيعةُ الإلهيةُ واحدةٌ، وهي لكلٍّ من
الثلاثة، وكلٌّ منها مُتَّحدٌ معها، ومع ذلك هم ثلاثةُ جواهرَ، لا جوهرٌ واحدٌ،
فالأبُ ليس هو الابن، والابنُ ليس هو الأب، وروحُ القدس ليس هو الأب
ولا الابن، وهما ليسا روح القدس، ومع ذا هم إلهٌ واحدٌ؛ إذ لهم لاهوتٌ واحدٌ،
وطبيعةٌ واحدةٌ، وجوهرٌ واحدٌ، وكلٌّ منهم مُتَّحدٌ مع اللاهوت، وإن كان بينهم
تمايزٌ، والأولُ هو الوجودُ الواجبُ الجوهريُّ، والثاني هو العقلُ الجوهريُّ، ويقال
له العلم، والثالثُ هو الإرادة(١) الجوهرية، ويقال لها: المحبة.
فالله ثلاثةُ أقانيم جوهرية، وهي على تمايزها تمايزاً حقيقيًّا، وقد يطلقون عليه
(١) في (م): الإدارة.

الآية : ٣
٤٤٩
سُورَةُ الأَخْلَاضِ
إضافيًّا - أي: بإضافة بعضها إلى بعضٍ - جوهرٌ وطبيعةٌ واحدةٌ هو الله، وليس يُوجدُ
فيه غیرهُ، بل كلُّ ما هو داخلٌ فيه عینُ ذاته.
ويقولون: إنَّ فيه - تعالى عمَّا يقولون - أربعَ إضافاتٍ:
أُولاها: فاعليةُ التعقُّل(١) في الأقنوم الأول.
ثانيتها : مفعوليةُ التعقُّل في الأقنوم الثاني الذي هو صورةُ عَقْلِ الأب.
ثالثتها: فاعليةُ الانبثاق في الأقنوم الأول والثاني اللَّذين لهما الإرادة.
رابعتها: مفعولية هذا الانبثاق في الأقنوم الثالث الذي هو حُبُّ الإرادة الإلهية
التي للأقنوم الأول والثاني.
وزعموا أنَّ التعبيرَ بالفاعلية والمفعولية في الأقانيم الإلهية على سبيل التوسُّع،
وليست الفاعليةُ في الأب نحوَ الابن إلا الأبوَّةَ، وفيه وفي الابن نحو روح القدس،
ليست إلا بدء صدوره منهما، وليست المفعوليةُ في الابن وروح القدس إلا البنوة
في الابن والانبثاق في الروح، ويقولون: كلُّ ذلك مما يجبُ الإيمانُ به، وإن كان
فوق الطّور البشري.
ويزعمونَ أنَّ لتلك الأقانيم أسماء تلقَّوها من الحواريين، فالأقنوم الأول في
الطبع الإلهي يُدعى أباً. والثاني ابناً وكلمةً وحِكْمةً ونوراً وضياءً وشعاعاً. والثالث
روحَ القدس ومُعَزِّياً، وهو معنى قولهم باليونانية: أراكليط (٢).
وقالوا في بيان وجه الإطلاق: إنَّ ذلك لأنَّ الأقنوم الأولَ بمنزلة ينبوعٍ ومبدأ،
أَعطى الأقنومَ الثاني الصادرَ عنه بفعلٍ يقتضي شِبْهَ فاعله - وهو فعلُ العقلِ - طبيعتَهُ
وجوهرَهُ كلَّه، حتى إنَّ الأقنوم الثاني الذي هو في صورة الأولِ الجوهرية الإلهية
مساوٍ له كمالَ المساواة، وحدُّ الإيلاد هو صدورُ حيٍّ من حيٍّ بآلةٍ ومبدأ مقارنٍ
يقتضي شِبْهَ طبيعته، وهنا كذلك، بل أبلغُ؛ لأنَّ للثاني الطبيعيةَ الإلهيةَ نفسَها،
(١) في (م): التعقيل.
(٢) في هامش الأصل: ويقال: فارقليط. وجاء في (م): ومغرياً، بدل: ومعزياً.

سُورَةُ الإِخْلَاصِ
٤٥٠
الآية : ٣
فلا بدع إذا سُمِّيَ الأولُ أباً والثاني ابناً، وإنما قيل للثاني كلمةً؛ لأنَّ الإيلادَ ليس
على نحو إيلاد الحيوان والنبات، بل بفعل(١) العقل، أي: بتصوُّرٍ (٢) الأبٍ لاهوتَه
وفَهْمِه ذاتَه، ولا شكَّ أنَّ تلك الصورة كلمةٌ؛ لأنها مفهوميةُ العقل ونُظْقه، وقيل
لها: حكمةٌ؛ لأنه كان مولوداً من الأب بفعل عقله الإلهي الذي هو حكمة، وقيل
له: نورٌ وشعاعٌ(٣) وضياءٌ؛ لأنه حيث كان حكمةً كان به معرفةُ حقائق الأشياء
وانكشافها، كالمذكورات، وقيل للثالث: روح القُدُس(٤)؛ لأنه صادرٌ من الأب
والابن بفعل الإرادة التي هي واحدةٌ للأب والابن، ومنبثقٌ منهما بفعلٍ هو كهيجان
الإرادة بالحبِّ نحو محبوبها، فهو حُبُّ الله، واللهُ نفسُهُ هو الروحُ الصِّرْفُ والتقدُّسُ
عينُهُ، ولكلٍّ من الأول والثاني وجهٌ لأنْ يُدْعى روحاً؛ لمكان الاتحاد، لكن لَمَّا
دُعي الأولُ باسم يدلُّ على رتبته وإضافته إلى الثاني، والثاني كذلك، اختصَّ الثالثُ
بالاسم المشاعِ، ولم يُدْعَ ابناً، وإن كان له طبيعةُ الأب وجوهرُهُ كالابن؛ لأنه لم
يصدرْ من الأب بفعلٍ يقتضي شِبْهَ فاعله، يعني بفعلِ العقل، بل صَدَرَ منه بفعل(٥)
الإرادة، فالثاني من الأول كهابيلَ من آدم، والثالثُ كحواءَ منه، والكلُّ حقيقةٌ
واحدةٌ، لكن يقال لهابيل: ابنٌ، ولا يقال لها: بنتٌ. وقيل له: مُعزِّي(٦)، لأنه كان
عتيداً لأن يأتي الحواريين فيغريهم لفقد المسيح عليه السلام.
وزعموا أنَّ هذه الأسماء إنما تدلُّ على تمايز الأقانيم بإضافة بعضها إلى بعضٍ،
لا على امتياز أحدها فضلاً على الآخر، أما الإضافة فلأنَّ النظرَ إليها من حيثُ هي
إضافةٌ، وهي من تلك الحيثية لا دلالة فيها على أفضليةٍ ومفضوليةٍ (٧). وأما الفاعلية
والمفعولية فلأنهما غيرُ موجودين حقيقةً، والأبوةُ والبنوةُ هاهنا لا تقتضيهما كما في
(١) في (م): يفعل.
(٢) في (م): يتصور.
(٣) في الأصل: نوراً وشعاعاً.
(٤) في (م): روح قدس.
(٥) في (م): فعل.
(٦) في (م): مغزى.
(٧) من قوله: وزعموا ... إلى هنا ليس في (م).

الآية : ٣
٤٥١
سُورَةُ الإخلاصِ
المحدثات، ولذا لا يقال هنا للأب: عِلّةٌ وسببٌ لابنه، وإن قيل هناك، فالثلاثةُ
متساويةٌ في الجوهر والذات واستحقاقِ العبادة والفضل من كلِّ وجهٍ.
ثم إنهم زعموا تجسُّدَ الأقنوم الثاني وهو الكلمةُ، واتحادَهُ بأشرف أجزاء البتول
من الدم بقوة روح القدس، فكان المسيحُ عليه السلام المركّبُ من الناسوت
والكلمةِ، والكلمةُ مع اتحادها لم تخرجْ عن بساطتها ولم تتغيَّر؛ لأنها الحدُّ الذي
ينتهي إليه الاتحادُ، فلا مانعَ في جهتها من الاتحاد، وكذا لا مانعَ في جانب
الناسوت منه، فلا يتعاصى الله تعالى شيءٌ.
وزعموا(١) أنَّ المسيح عليه السلام كان إلهاً تامًّا وإنساناً تامًّا، ذات طبيعتين
ومشيئتين قائمتين بأقنوم إلهي، وهو أقنوم الكلمة، ومن ثَمَّ تُحمَلُ عليه الصفات
الإلهية والبشرية معاً، لكنّ من حيثيّتين.
ثم إنهم زادوا في الطنبور رَنَّةً وقالوا: إنَّ المسيحَ أَطعمَ يوماً الحواريِّينَ خبزاً،
وسقاهم خمراً، فقال: أكلتمْ لحمي وشربتمْ دمي، فاتَّحدتمْ معي، وأنا مُتَّحِدٌ مع
الأب. إلى رئَّاتٍ أُخَرَ هي أشهرُ من أن تُذْكَرَ.
ويُعلَمُ مما ذكرنا أنه لا فَرْقَ عندهم بين أن يقال: إنَّ الله تعالى هو المسيحُ،
وبين أن يقال: إنَّ المسيحَ ابنه، وبين أن يقال: إنه سبحانه ثالثُ ثلاثةٍ، ولذا جاء
في التنزيل كلٌّ من هذه الأقوال منسوباً إليهم، ولا حاجةَ إلى جَعْلِ كلِّ قولٍ لقومٍ
منهم كما قال غيرُ واحدٍ من المفسِّرين والمتكلِّمين.
ثم لا يخفى منافاة ما ذكروه للأحدية والصَّمدية. وقولهم: إنَّ الأقانيمَ - مع
كونها ثلاثةَ جواهر متمايزةً تمايزاً حقيقيًّا - جوهرٌ واحدٌ = لبداهةِ بطلانه لا يُسمِنُ
ولا يغني، وما يذكرونه من المثال لإيضاح ذلك فهو عن الإيضاح بمعزلٍ، وبعيد
عن المقصود بألفِ ألفٍ منزل.
وكنّا ذكرنا في ضمن هذا الكتاب ما يتعلَّقُ ببعضِ عقائدهم مع رَدِّهِ، إلا أنه كان
قبل النظر في كتبهم، وقد اعتمدنا فيه ما ذكرهُ المتكلِّمون عنهم، واليومَ لنا عَزْمٌ على
(١) في (م): زعموا. بدون واو.

الآية : ٤
٤٥٢
سُورَةُ الإخلاصِ
تأليف رسالةٍ تتضمَّنُ تحريرَ اعتقاداتهم في الواجب تعالى، وذِكْرَ شُبَههم العقلية
والنقلية التي يستندون إليها ويُعوِّلون في التثليث عليها حسبما وقفنا عليه في كتبهم،
مع رَدِّها على أكمل وجهٍ إن شاء الله تعالى، ونسأل الله تعالى التوفيق لذلك، وأن
يسلكَ سبحانه بنا في جميع أمورنا أقومَ المسالك، فهو سبحانه الجوادُ الأجود،
الذي لم يجْبَهَ مَن توجّه إلیه بالرَّدّ.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًّا أَحَدٌ ﴾﴾ أي: لم يكافئه أحدٌ، ولم يماثله، ولم
يشاکله، من صاحبةٍ وغيرها .
وقيل: هو نفيٌ للكفاءة المعتبرة بين الأزواج. وهو كما ترى.
و((له)) صلة ((كفواً)) على ما ذهب إليه المبرد وغيره، والأصل أن يُؤخَّرَ إلا أنه
قُدِّمَ للاهتمام؛ لأنَّ المقصودَ نفيُ المكافأة عن ذاته عزَّ وجلَّ، وللاهتمام أيضاً قُدِّمَ
الخبرُ، مع ما فيه من رعاية الفواصل.
وعن سيبويه أنه اختار أن لا يقدَّم الظرف إذا لم يكن خبراً(١).
وفي شرح ((الكتاب)) للسيرافي: إن قال قائلٌ: قد اختار سيبويه أن لا يُقدَّمَ
الظرفُ إذا لم يكن خبراً، وكتابُ الله تعالى أولى بأفصح اللغات(٢)؟
قيل له: إنَّ الظرفَ هنا - وإن لم يكن خبراً - مبطلٌ سقوطُه معنى الكلام؛ لأنك
لو قلت: لم يكن كفواً أحدٌ، لم يكن له معنًى، فلما احتيجَ إليه صارَ بمنزلة الخبر،
فَحَسُنَ ذلك.
وقال أبو حيان(٣): كلام سيبويه في الظرف الذي يصلح أن يكونَ خبراً، وهو
الظرفُ التامُّ، وما هنا ليس كذلك.
(١) ينظر الكتاب ٥٥/١-٥٦، والبحر ٥٢٨/٨-٥٢٩. وقوله: وعن سيبويه، إلى هذا الموضع
ليس في الأصل.
(٢) من قوله: وفي شرح ... إلى هنا، ليس في (م).
(٣) في البحر المحيط ٥٢٩/٨.

الآية : ٤
٤٥٣
سُورَةُ الإِخْلَاضِ
وقال ابن الحاجب: قُدِّمَ الظرفُ للفواصل ورعايتها، ولم يُقدَّمْ على ((أحد)) لئلّا
يفصل بين المبتدأ وخبره. وفيه نظرٌ ظاهرٌ.
وجُوِّزَ أن يكونَ الظرفُ حالاً من ((أحد)) قُدِّمَ عليه رعايةً للفاصلة، ولئلا يلتبسَ
بالصفة أو الصلة، وأن يكون خبراً لـ ((يكن))، ويكونُ ((كفواً)) حالاً من ((أحدٍ)) قُدِّمَ
عليه لكونه نكرةً، أو حالاً من الضمير في الظرف الواقع خبراً. وهذا الوجه نقله
أبو عليٍّ في ((الحُجَّة)) عن بعض النحاةٍ(١)، وَرُدَّ بأنَّه - كما سمعتَ آنفاً عن
أبي حيان - ظرفٌ ناقصٌ، لا يصحُّ أن يكون خبراً، فإن قُدِّرَ له متعلِّقٌ خاصٌّ، وهو:
مماثلٌ ونحوه مما تتُّ به الفائدة، يكون ((كفواً)) زائداً.
ولعلَّ وقوعَ الجمل الثلاث متعاطفةً دون ما عداها من هذه السورة؛ لأنها
سِيقتْ لمعنّى وغرضٍ واحدٍ، وهو نفيُّ المماثلة والمناسبة عنه تعالى بوجهٍ من
الوجوه، وما تضمَّنته أقسامها(٢)، لأنَّ الممائِلَ إما ولدٌ أو والدٌ أو نظيرٌ غيرهما،
فلتغايرِ الأقسام واجتماعها في المُقسَم، لَزِمَ العطفُ فيها بالواو كما هو مقتضى
قواعد المعاني.
وفي ((كفواً)) لغاتٌ: ضَمُّ الكاف وكَسْرُها وفَتْحُها مع سكون الفاء، وضَمُّ الكاف
مع ضَمِّ الفاء (٣).
وقرأ حمزة ويعقوب ونافعٌ في روايةٍ: ((كُفْؤاً) بالهمز والتخفيف(٤)، وحفصّ
بالحركة وإبدال الهمزة واواً(٥)، وباقي السبعة بالحركة مهموزاً (٦). وسهَّلَ الهمزةَ
الأعرجُ وأبو جعفر وشيبةُ ونافعٌ في روايةٍ(٧)، وفي أخرى عنه: (كُفَّى)) من غير
(١) الحجة ٤٦٢/٦، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٤١٣/٨.
(٢) أي: وما تضمنته الجمل الثلاث هو أقسام المماثلة.
(٣) البحر المحيط ٨/ ٥٢٨.
(٤) التيسير ص٢٢٦، والنشر ٢١٥/٢، عن حمزة ويعقوب، وهي خلاف المشهور عن نافع،
والكلام من البحر ٥٢٨/٨ .
(٥) التيسير ص ٢٢٦، والنشر ٢١٥/٢.
(٦) التيسير ص٢٢٦، والنشر ٢١٥/٢، وهذه هي المشهورة عن نافع.
(٧) المحرر الوجيز ٥٣٧/٥، والبحر ٥٢٨/٨.

سُورَةُ الإخلاصِ
٤٥٤
الآية : ٤
همزٍ، نَقَلَ حركةَ الهمزة إلى الفاء وحَذَفَ الهمزةَ(١).
وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: ((كِفاءً)) بكَسْرِ الكاف وفتح الفاء
والمدِّ(٢)، كما في قول النابغة:
لا تقذِفَنِّي برُكْنٍ لا كِفاءَ له(٣)
أي: لا مِثْلَ له كما قال الأعلم.
وهذه السورةُ الجليلةُ قد انطوتْ مع تقارب قُطْرِها على أشتاتِ المعارف الإلهية
والعقائد الإسلامية، ولذا جاء فيها ما جاء من الأخبار، وَوَرَدَ ما وَرَدَ من الآثار.
وقال الشيخ الرئيس: انظر إلى كمال حقائق هذه السورة، أشار سبحانه أولاً
إلى هويته المخصوصة التي لا اسم لها غير أنه هو، ثم عقَّبه بذِكْر الإلهية التي هي
أقربُ اللوازم لتلك الحقيقة وأشدّها تعريفاً، ثم عقّبه تعالى بذِكْر الأحدية لفائدتين:
الأولى: لئلّا يقال: إنه تركَ التعريفَ الكاملَ بذِكْر المقوِّمات، وعَدَل إلی ذِكْرِ
اللوازم.
الثانية: ليدلَّ على أنه تعالى فردٌ واحدٌ من جميع الوجوه.
ورتَّبَ الأحديةَ على الإلهية ولم يعكسْ لأنَّ الإلهية عبارةٌ عن استغنائه تعالى عن
الكلِّ، واحتياج الكلِّ إليه، وما كان كذلك كان واحداً مطلقاً، وإلا لكان محتاجاً
إلى أجزائه، فالإلهيةُ من حيثُ هي تقتضي الوحدة، والوحدةُ لا تقتضي الإلهية.
ثم عقَّبَ ذلك بقوله تعالى: (اَللَّهُ الضََّمَدُ)(٤)، ودلَّ على تحقيق معنى الإلهية
بالصَّمَدية التي معناها وجوبُ الوجود، أو المبدئية لوجود كلِّ ما عداه من
الموجودات.
(١) المصدران السابقان.
(٢) المصدران السابقان.
(٣) صدر بيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٣٦، وعجزه: وإنْ تأثَّفَكَ الأعداءُ بالرِّفَد. قوله:
تأثفك، أي: اجتمعوا حولك كالأثافي. والرُّفَد: جمع رفدة، أي: يرفد بعضهم بعضاً.
(٤) من قوله: وقال الشيخ ... إلى هنا ليس في (م).

الآية : ٤
٤٥٥
سُورَةُ الأَخْلَاضِ
ثم عقَّبَ ذلك ببيان أنه لا يتولَّدُ عنه غيره؛ لأنه غيرُ متولِّدٍ عن غيره، وبيَّنَ أنه
تعالى وإن كان إلهاً لجميع الموجودات، فيَّضاً للوجود عليها، فلا يجوز أن يفيضَ
الوجودُ على مثله، كما لم يكن وجودُهُ من غيره.
ثم عَقَّبَ ذلك ببيان أنه ليس في الوجود ما يساويه في قوةٍ الوجود، فمِنْ أول
السورة إلى ((الصمد)» في بيان ماهيته تعالى ولوازم ماهيته، وَوَحْدةٍ حقيقته، وأنه غيرُ
مُرَكَّبٍ أصلاً، ومن قوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ) إلى (أَحَدٌ) في بيان أنه ليس ما يساويه
من نوعه ولا من جنسه، لا بأن يكون سبحانه متولِّداً، ولا بأن يكون متولِّداً عنه،
ولا بأن يكون موازياً في الوجود، وبهذا المبلغ يحصلُ تمامُ معرفة ذاته عزَّ وجلَّ.
انتھی .
وأشار فيه إلى أنَّ ((ولم يولد)) كالتعليل لما قبله، وكأنْ قد قال قبلُ: إنَّ كلَّ
ما كان مادِّيًّا أو كان له علاقةٌ بالمادة، يكون متولِّداً من غيره، فيصيرُ تقديرُ الكلام:
لم يلد؛ لأنه لم يتولَّد، والإشارةُ إلى دليله بـ ((هو)) أول السورة، فإنه لَمَّا لم يكن له
ماهيةٌ واعتبارٌ سوى أنه هو لذاته، وَجَبَ أن لا يكونَ متولِّداً عن غيره، وإلا لكانت
هُوِيَّته مستفادة عن غيره، فلا يكون هو لذاته، وظاهرُ العَظْفِ يقتضي عدمَ اعتبار
ما أشار إليه من العِلِّيَّةِ، وقد علمتَ فيما سبقَ وجه ذِكْرِه.
وجَعَلَ بعضُهمُ العَطْفَ فيه قريباً من عَطفِ ((لا يستقدمون)) على ((لا يستأخرون)).
وأشار بعضُ السلف إلى أنَّ ذِكْرَ ذلك لأنه جاءَ في سبب النزول أنهم سألوا
النبيَّ ◌َِّ عن ربِّه سبحانه: من أيِّ شيءٍ هو، أَمِنْ كذا أم من كذا؟ ومِمَّنْ وَرِثَ
الدنيا ولمن يُورثها؟ .
وقال الإمام: إنَّ ((هو الله أحدٌ)) ثلاثةُ ألفاظِ، وكلُّ واحدٍ منها إشارةٌ إلى مقامٍ
من مقامات الطالبين، فالمقامُ الأولُ مقامُ المقرَّبين، وهو أعلى مقامات السائرين
إلى الله تعالى، وهؤلاء نظروا بعيون عقولهم إلى ما هيّأت الأشياء وحقائقها من
حيثُ هي، فما رأوا موجوداً سوى الحقّ؛ لأنه الذي يجبُ وجودُهُ لذاته، وما عداه
ممكنٌ لذاته، فهو من حيثُ ذاتُهُ ليس، فقالوا: ((هو)) إشارةٌ إلى الحقِّ إذ ليس هناك

سُورَةُ الإخلاصِ
٤٥٦
الآية : ٤
في نظرهم موجودٌ يرجع إليه سواه عزَّ وجلَّ ليحتاجَ إلى التمييز.
والمقام الثاني لأصحاب اليمين، وهؤلاء شاهدوا الحقَّ سبحانه موجوداً، وكذا
شاهدوا الخلقَ، فحصلت كثرةٌ في الموجودات في نظرهم، فلم يكن هو كافياً في
الإشارة إلى الحقِّ بل لا بدَّ من مُميِّزٍ، فاحتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة ((الله)) بلفظ،
فقيل لأجلهم: ((هو الله)).
والمقام الثالث، مقامُ أصحاب الشمال الذين يُجوِّزونَ أن يكونَ واجبُ الوجود
أكثرَ من واحدٍ، والإله كذلك، فجِيءَ بـ ((أحد)) ردًّا عليهم وإبطالاً لمقالتهم(١).
انتھی .
وبعض الصوفية عَدَّ لفظةَ ((هو)) من عداد الأسماء الحسنى، بل قال: إن هاء
الغيبة هي اسمُهُ تعالى الحقيقيُّ؛ لدلالته على الهوية المطلقة، مع كونه من
ضروريات التنفّس الذي به بقاءُ حياة النفس، وإشعارِ رَسْمه بالإحاطة، ومرتبتِه من
العدد إلی دوامه وعدم فنائه.
ونقل الدوانيُّ عن الإمام أنه قال: علَّمني بعضُ المشايخ يا هو، يا من هو،
يا من لا إله إلا هو (٢). وعلى ذلك اعتقادُ أكثر المشايخ اليوم، ولم يَرِدْ ذلك في
الأخبار المقبولة عن المحدِّثين، والله تعالى أعلم.
(١) التفسير الكبير ١٧٩/٣٢ -١٨٠.
(٢) التفسير الكبير ١/ ١٥٢، وفيه: يا مَن لا هو إلا هو، بدل: يا مَن هو.

سُورَةُ الْفَلِقِ
مکیةٌ في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر ورواية کریب عن ابن عباس،
مدنية في قول ابن عباس في رواية أبي صالح وقتادة وجماعة(١)، وهو الصحيح؛
لأنَّ سببَ نزولها سحر اليهود كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهم إنما سَحَروه عليه
الصلاة والسلام بالمدينة كما جاء في الصحاح(٢)، فلا يُلتفت لمن صحَّح كونَها
مکیةً. وكذا في الكلام في سورة الناس.
وآيها خمس بلا خلاف. ولَمَّا شرح أمر الإلهية في السورة قبلها جيء بها
بعدها شرحاً لِمَا يُستعاذ منه بالله تعالى من الشرِّ الذي في مراتب العالم ومراتب
مخلوقاته. وهي والسورة التي بعدها نزلتا معاً كما في ((الدلائل)) للبيهقي(٣)،
فلذلك قُرِنَتا، مع ما اشتركتا فيه من التسمية بالمعوِّذتَينِ، ومن الافتتاح بـ : (قُلّ
أَعُوذُ).
وقال الجلال السيوطي: عقّب بهما سورةَ الإخلاص لأنَّ الثلاثة سُمِّيت في
الحديث بالمعوِّذات، وبالقواقل(٤). وأنت قد سمعتَ في حديث عقبة بن عامر أنها
خير ثلاث سورٍ أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم.
(١) النكت والعيون ٣٦٩/٦، والبحر ٥٣٠/٨.
(٢) ينظر صحيح البخاري (٣٢٧٨)، وصحيح مسلم (٢١٨٩)، ومسند أحمد (٢٤٣٠٠).
(٣) دلائل النبوة: ٢٤٨/٦ من حديث ابن عباس ﴿يا، وضعَّف الحافظ سنده في الفتح ٢٢٥/١٠،
وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١٩٨/٢-١٩٩ بطريق آخر، وسنده منقطع كما في الفتح.
(٤) تناسق الدرر للسيوطي ص ١٠٥، وينظر في تسميتها بالمعوذات حديث عائشة عند البخاري
(٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢)، وينظر كذلك فتح الباري ٩/ ٦٠. وأما تسميتها بالقواقل فقد
وردت فيه أخبار كلها باطلة. ينظر الميزان ٣/ ٦٥٢، واللسان ٩٧/٢ و٣٤٨.

٤٥٨
سُورَةُ الفَلِق
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهما عنه قال: قال رسول الله وَالت:
(أنزلت عليَّ الليلةَ آياتٌ لم أَرَ مثلَهنَّ قظُ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاسِ)(١).
وأخرج البخاري وأبو داود والنسائيُّ وابنُ ماجه عن عائشة أنَّ النبيَّ وَّ كان إذا
أوى إلى فراشِه كلَّ ليلة جَمَع كفّيه، ثمَّ نَفَثَ فيهما فقرأ فيهما: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ)
و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، ثم يَمْسَح بهما ما استطاعَ من
جسده، يبدأ بهما على رَأسه وعلى وجهه وما أقْبَلَ من جسده، يفعلُ ذلك ثلاثَ
مرات(٢).
وأخرج النسائي وغيره عن ابن عابس(٣) الجهني أن رسول الله رض خلال قال:
((يا ابن عابس(٤)، ألَا أُخْبِرُكَ بأفضلِ ما تَعوَّذَ به المتعوِّذون))؟ قلت: بلى
يا رسول الله. قال: (((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) وهما
المعوذتان)»(٥).
وجاء في الحديث أنَّ مَن قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثاً حين يُمسي، وثلاثاً
حين يُصبح كفَّتْه مِن كلِّ شيءٍ (٦). وفي فضلهما أخبارٌ كثيرةٌ غيرُ ما ذكر.
وعن ابن مسعود أنَّه أنكر قُرآنِيَّتَهما؛ أخرج الإمام أحمد والبزَّار والطبرانيُّ وابن
مردويه من طُرق صحيحةٍ عنه: أنَّه كان يَحُكُّ المعوِّذتَين من المصحف ويقول:
(١) صحيح مسلم (٨١٤)، وسنن الترمذي (٢٩٠٢)، وسنن النسائي ١٥٨/٢، وهو عند أحمد
(١٧٣٧٠).
(٢) صحيح البخاري (٥٠١٧)، وسنن أبي داود (٥٠٥٦)، وسنن النسائي الكبرى (١٠٥٥٦)،
وسنن ابن ماجه (٣٨٧٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٨٥٣)، والترمذي (٣٤٠٢).
(٣) في الأصل: أبي حابس، وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج على ما يأتي.
(٤) في الأصل: يا أبا حابس، والمثبت من المصادر.
(٥) من قوله: وأخرج النسائي وغيره، إلى هذا الموضع، ساقط من (م). والحديث في سنن
النسائي (المجتبى) ٢٥١/٨-٢٥٢، وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٢٩٧).
(٦) أخرجه أحمد (٢٢٦٦٤)، وأبو داود (٥٠٨٢)، والنسائي ٢٥٠/٨ من حديث عبد الله بن
خبيب ضـ
.

٤٥٩
سُورَةُ الفَلِقِ
لا تخلطُوا القرآنَ بما ليس منه، إنهما ليستًا من كتاب الله تعالى، إنما أمر النبيُّ وَّهه
أنْ يتعوَّذ بهما. وكان ابنُ مسعود لا يقرأ بهما. قال البزار: لم يتابع ابنَ مسعود
أحدٌ من الصحابة، وقد صحَّ عن النبي ◌َّ أنَّه قرأ بهما في الصلاة، وأُثْبِتَتَا في
المصحف(١).
وأخرج الإمام أحمد والبخاريُّ والنسائيُّ وابن حبَّان وغيرهم عن زِرِّ بن حُبيش
قال: أتيتُ المدينةَ فلقيتُ أَبيَّ بن كعب، فقلت له: يا أبا المنذر إنِّي رأيتُ ابنَ
مسعود لا يكتبُ المعوذتين في مصحفه؟ فقال: أَمَا والذي بعَثَ محمداً ◌َّهِ بالحقِّ
لقد سألتُ رسول الله وَّ عنهما، وما سأَلني عنهما أحدٌ منذُ سألتُ غيرَك، فقال:
((قيل لي: قل، فقلتُ، فقولوا)) فنحن نقولُ كما قال رسول الله وَلِينَ(٢).
وبهذا الاختلاف قدَحَ بعضُ الملحدين في إعجاز القرآن؛ قال: لو كانت بلاغةُ
ذلك بلغت حدَّ الإعجاز لتميَّزَ به عن غير القرآن، فلم يُختَلَف في كونه منه.
وأنت تعلم أنَّه قد وقعَ الإجماع على قرآنِيَّتهما، وقالوا: إنَّ إنكار ذلك اليوم
كفرٌ، ولعل ابنَ مسعود رجَعَ عن ذلك.
وفي ((شرح المواقف)): إنَّ اختلافَ الصحابة في بعض سور القرآن مرويٌّ
(١) مسند البزار (١٥٨٦)، والخبر في مسند أحمد (٢١١٨٦) من زوائد ابنه عبد الله، والمعجم
الكبير (٩١٥٢)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٤١٦/٦، وعنه نقل المصنف.
(٢) مسند أحمد (٢١١٨٢)، وصحيح البخاري (٤٩٧٧)، وسنن النسائي الكبرى (١١٦٥٣)،
وصحيح ابن حبان (٧٩٧)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٤١٦/٦، ولفظ البخاري
مختصر.
وقد ذهب جمع إلى تكذيب ما روي عن ابن مسعود وبطلانه، منهم ابن حزم في المحلى
١٣/١، والنووي في المجموع ٣٩٦/٣، والفخر الرازي في تفسيره ٢١٨/١، ولم يرتض
ذلك ابن حجر في الفتح ٧٤٣/٨، حيث قال: والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند
لا يقبل، بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل. اهـ. وجاء في كتاب الانتصار للقرآن
للإمام الباقلاني: باب الكلام في المعوذتين، والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة
بهما، وإبطال ما يدَّعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآناً منزلاً، وتأويل ما روي
في إسقاطهما من مصحفه وحكِّه إياهما ... ثم أفاض في الكلام على ذلك، ينظر
الانتصار ٣٠٠/١-٣٣٠، والفتح ٧٤٢/٨-٧٤٣.

الآية : ١
٤٦٠
سُورَةُ الفَلِقِ
بالآحاد المفيدة للظنِّ، ومجموعُ القرآن منقولٌ بالتواتر المفيدِ لليقين الذي يَضْمَحِلُّ
الظنُّ في مقابلته، فتلك الآحادُ مما لا يُلتَفَتُ إليه، ثم إنْ سلَّمنا اختلافَهم فيما ذكر
قلنا: إنَّهم لم يختلفوا في نزوله على النبيِّ ◌ََّ، ولا في بلوغه في البلاغة حدًّ
الإعجاز، بل في مجرَّد كونِهِ من القرآن، وذلك لا يضرُّ فيما نحن بصدده(١).
انتھی .
وعكسُ هذا القول في السورتَين المذكورتَين قيل في سورتَي الخلعِ والحفْدِ،
وفي ألفاظهما رواياتٌ منها ما يَقْنُتُ به الحنفية، فقد روي أنَّهما في مصحف أُبيِّ بن
كعب وفي مصحف ابن عباس وفي مصحف ابن مسعود، فهما إنْ صحَّ أنَّهما
كلامُ الله تعالى منسوخا التلاوة وليسا من القرآن كما لا يخفى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أي: ألتجئُ وأعتصمُ وأتحرَّز ﴿يِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فَعَل بمعنى مفعول،
صفةٌ مشبَّهة كقَصَصَ بمعنى مقصوص، مِن فَلَقَ: شَقَّ وفَرقَ، وهو يعمُّ جميعَ
الموجودات الممكنة، فإنَّه تعالى فَلَق [ظلمة العدم](٢) بنورِ الإيجادِ عنها(٣)، سيما
ما يخرج مِن أصلٍ، كالعيون من الجبال، والأمطار من السحاب، والنباتِ من
الأرض، والأولادِ من الأرحام، وخُصَّ عرفاً بالصبح، وإطلاقُهم المفلوقَ عليه مع
قولهم: فَلَق الله تعالى الليلَ عن الصبح، على نحو إطلاق المسلوخ على الشاة مع
قولهم: سلختُ الجلدَ من الشاة.
وتفسيرُه بالمعنى العامِّ أخرجَه ابن جرير وابن المنذر وأبن أبي حاتم عن ابن
عباس، ولفظه: ((الفَلَقُ)): الخلق(٤).
(١) شرح المواقف للجرجاني ٨/ ٢٥٠-٢٥١.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤١٤/٨.
(٣) أي: عن الموجودات الممكنة. حاشية الشهاب ٤١٤/٨.
(٤) تفسير الطبري ٢٤/ ٧٤٥، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٤١٨/٦.