النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سُورَةُ الإِخْلَاضِ
التفريسر سورةَ التجريد، وسورةَ النجاة، وسورةَ الولاية، وسورةَ المعرفة؛ لأنَّ
معرفةَ الله تعالى إنما تتمُّ بمعرفة ما فيها، وفي أثرٍ أنَّ رجلاً صلى فقرأها، فقال
النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ هذا عبدٌ عَرَفَ رَّه))(١).
وسورةَ الجمال، قيل: لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إنَّ الله جميلٌ
يُحبُّ الجمال)) فسألوه ◌َّه عن ذلك فقال: ((أحدٌ صَمَدٌ، لم يلد ولم يولد))(٢).
ولا أظنُّ صحةَ الخبر.
وسورةَ النسبة؛ لورودها جواباً لمن قال: انسبْ لنا ربَّك(٣)؟ على ما ستسمعه
إن شاء الله تعالى. وقيل: لما أخرجه الطبرانيُّ من طريق عثمان بن عبد الرحمن
الظّرائفيّ عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه:
(لكلِّ شيءٍ نسبةٌ، ونسبةُ الله تعالى: (قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ * اُللَّهُ الصََّمَدُ) (٤) وهو
كما قال الحافظ ابن رجب: ضعيفٌ جدًّا، وعثمانُ يروي المناكير. وفي ((الميزان))
أنه موضوعٌ(٥).
وسورةَ الصمد وسورةَ المعوِّذة؛ لما أخرج النسائيُّ والبزارُ وابن مردويه بسندٍ
صحيحٍ (٦) عن عبد الله بن أنيس قال: إنَّ رسولَ الله وَّهَ وَضَعَ يدهُ على صدري، ثم
قال: ((قل)) فلم أدرِ ما أقول. ثم قال: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) فقلت حتى فرغت منها.
(١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٩٨/١ من حديث جابر بن عبد الله ﴿يًا، وأخرجه
ابن حبان (٢٤٦٠) بلفظ: ((هذا عبد آمن بربِّه)».
(٢) أخرج الشطر الأول منه أحمد (٣٧٨٩)، ومسلم (٩١) من حديث ابن مسعود حظذاته، ولم
نقف على سؤالهم لرسول الله وَّ ر في كتب الحديث وذكره الرازي في تفسيره ١٧٦/٣٢ .
(٣) وتمامه: فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الضََّمَدُ ﴿ لَمْ بَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
كُفُوَا أَحَدٌ (ج). أخرجه أحمد (٢١٢١٩)، والترمذي (٣٣٦٤) من
وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ,
حديث أبيّ بن كعب رُه. وفي إسناده أبو سعد محمد بن مُيسّر الصاغاني، وأبو جعفر
الرازي وهو عيسى بن عبد الله بن ماهان، وهما ضعيفان كما في التقريب.
(٤) المعجم الأوسط (٧٣٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٤٦/٧: فيه الوازع بن نافع، وهو
متروك.
(٥) لم نقف عليه في الميزان للذهبي، ونقله المصنف عن الشهاب في الحاشية ٤١١/٨.
(٦) كما في الدر المنثور ٦/ ٤١٥، وهو في سنن النسائي الكبرى (٧٧٩٦).

٤٢٢
سُوَةُ الإِخْلَاضِ
ثم قال: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ) فقلت حتى فرغتُ منها. ثم قال:
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) فقلت حتى فرغت منها. فقال رسول الله بَّه: ((هكذا فتعوَّذْ،
وما تَعوَّذَ المتعوِّذونَ بمثلهنَّ قطُ)).
وسورةَ المانعة، قيل: لما روى ابن عباس أنه تعالى قال لنبيِّه بَِّ حين عرجَ
به: أعطيتكَ سورةَ الإخلاص، وهي من ذخائر كنوز عرشي، وهي المانعةُ، تمنعُ
كُرُبات القبر، ونفحات النيران(١). والظاهرُ عدمُ صحة هذا الخبر، ويعارضه
ما أخرجه ابن الضُّريس(٢) عن أبي أمامة: أربعُ آيَاتٍ نزلت من كنز العرش، لم ينزلْ
منه غيرهنَّ: أمُّ الكتاب، وآيةُ الكرسي، وخاتمةُ سورة البقرة، والكوثر. وحُكْمُه
حكم المرفوع، بل أخرجه أبو الشيخ ابن حيان(٣) والديلميُّ وغيرهما بالسند عن
أبي أمامةَ مرفوعاً (٤).
وسورةَ المحضر قيل: لأنَّ الملائكةَ عليهم السلام تحضُرُ لاستماعها إذا قُرئت.
وسورةَ المنفِّرة، قيل: لأنَّ الشيطان ينفرُ عند قراءتها .
وسورةَ البراءة قيل: لما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يقرؤها فقال:
((أما هذا فقد برئَ من الشرك))(٥)، ولم أَدْرٍ مَنْ روی ذلك، نعم روى أبو نعيم من
طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة عن مهاجر قال: سمعتُ رجلاً يقول: صحبتُ
النبيَّ ◌َّرُ فِي سَفَرٍ، فسَمِعَ رجلاً يقرأ: (قُلْ يَأَيُّهَ اَلْكَفِرُونَ) فقال: ((قد بَرئَ من
الشرك)» وسَمِعَ آخر يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) فقال: ((غُفِرَ له)) (٦)، وعليه فألحق بهذا
الاسم سورة الكافرون، ولعلَّ الأَولى أن يقال: سُمِّيتْ بذلك لما في حديث
(١) ذكره الرازي في تفسيره ١٧٦/٣٢ .
(٢) في فضائل القرآن (١٤٨).
(٣) في الأصل و(م): أخرجه الشيخ بن حبان، والصواب ما أثبتناه، وقد أخرجه أبو الشيخ في
كتاب الثواب كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٥/١، وينظر التعليق الذي بعده.
(٤) عزاه السيوطي في الدر ١/٥ لأبي الشيخ والطبراني وابن مردويه والديلمي، وهو في المعجم
الكبير (٧٩٢٠)، وإسناده ضعيف، ينظر فيض القدير ٤٦٩/١ .
(٥) ذكره الرازي في تفسيره ١٧٦/٣٢ .
(٦) أخرجه أحمد (١٦٦١٧).

٤٢٣
سُوَّةُ الأَخْلَاضِ
الترمذيِّ عن أنسٍ: ((مَنْ أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه ثم قرأ: (قُلّ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُّ) مئة مرة، كَتَبَ الله تعالى له براءةً من النار))(١).
وسورةَ المذكِّرة؛ لأنها تُذكِّر خالصَ التوحید.
وسورةَ النور، قيل: لما روي من قوله وَّهِ: ((إنَّ لكلِّ شيءٍ نوراً، ونورُ القرآن:
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ)(٢).
وسورةَ الإيمان؛ لأنه لا يتمُّ بدون ما تضمَّنته من التوحيد، وقد ذَكَرَ معظمَ هذه
الأسماء الإمام الرازي(٣)، وبيَّنَ وجهَ التسمية بها بما بَيَّنَ، والرجلُ رحمه الله تعالى
ليس بإمامٍ في معرفة أحوال المرويّات، لا يُميِّزُ غثَّها من سمينها، أو لا يبالي
بذلك، فيكتبُ ما ظفر به، وإن عرفَ شِدَّةَ ضَعْفِهِ.
وهي مكيةٌ في قول عبد الله والحسن وعكرمة وعطاء ومجاهد وقتادة، مدنيةٌ في
قول ابن عباس ومحمد بن كعب وأبي العالية والضحاك؛ قاله في ((البحر))(٤)، وخبرُ
ابن عباس السابق - إن صحَّ - ظاهرٌ في أنها عنده مكية، وفي ((الإتقان))(٥): فيها
قولان؛ لحديثين في سبب نزولها متعارضين، وجَمَعَ بعضُهم بينهما بتكرُّرِ نزولها،
ثم ظَهَرَ لي ترجيحُ أنها مدنية.
وعلى ما في الكتابين لا يخفى ما في قول الدواني: إنها مكيةٌ بالاتفاق، من
الدلالة على قِلَّة الاطلاع.
وآيها خمسٌ في المكِّ والشامي، أربعٌ في غيرهما(٦).
وَوُضِعَتْ هنا، قيل: للوزان في اللفظ بين فواصلها ومقطع سورة المسد.
(١) سنن الترمذي (٢٨٩٨)، وفي إسناده حاتم بن ميمون، وهو ضعيف كما في التقريب.
(٢) ذكره الرازي في تفسيره ١٧٦/٣٢ .
(٣) في تفسيره ١٧٥/٣٢ وما بعدها.
(٤) ٨/ ٥٢٧ .
(٥) ٤٢/١.
(٦) في هامش الأصل: اختلافها ((لم يلد)) مكي شامي.

٤٢٤
سُؤَدَّةُ الإِخْلاَرضِ
وقيل وهو الأولى: إنها مُتَّصلةٌ بـ (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) في المعنى، فهما بمنزلة
كلمة التوحيد في النفي والإثبات، ولذا يُسمَّيان المقشقشتين، وقُرن بينهما في
القراءة في صلواتٍ كثيرةٍ على ما قاله بعضُ الأئمة، كركعتي الفجر والطواف
والضُّحى وسنّة المغرب وصُبْح المسافر ومغرب ليلة الجمعة، إلا أنه فُصِلَ بينهما
بالسورتين لما تقدم من الوجه ونحوه. وكأنَّ في إيلائها سورةَ ((تَبَّت)) ردًّا على
أبي لهپٍ بخصوصه.
وجاء فيها أخبارٌ كثيرةٌ تدلُّ على مزيد فضلها، منها ما تقدم آنفاً، وفي صحيحي
البخاري ومسلم (١) من حديث عائشة: أن النبيَّ ◌َّو بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ
لأصحابه في صلواتهم، فكان يختم بـ ((قل هو الله أحد)) فلما رجعوا ذكروا ذلك
للنبي وَّ فقال: ((سلوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك)) فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن،
وأنا أحبُّ أن أقرأها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أخبروه أنَّ الله تعالى
یحبُّه»(٢).
وروى مباركُ بن فضالة عن أنسٍ أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إني أُحِبُّ هذه
السورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ). قال: ((إنَّ حُبَّكَ إياها أدخلكَ الجنة))(٣). وأخرجه
الإمام أحمد في ((المسند))(٤) عن أبي النضر عن مبارك المذكور عن أنس، وذكر
البخاريُّ أنَّ حُبَّها يُوجِبُ دخولَ الجنة تعليقاً(٥).
وروى مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا هريرةَ يقول: أقبلتُ
مع النبيِّ وَّرَ، فسَمِعَ رجلاً يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ)، فقال رسول الله وَّه :
(١) صحيح البخاري (٧٣٧٥)، وصحيح مسلم (٨١٣).
(٢) من قوله: وفي صحيحي ... إلى هنا ليس في (م)، وضُرب عليه في النعمانية (ب).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٩٠١)، وأخرجه أيضاً ضمن خبر طويل من طريق عبيد الله بن عمر عن
ثابت عن أنس، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث عبيد الله بن
عمر عن ثابت. وجاء في هامش الأصل عند هذا الموضع: ومنها: أنَّ من قرأها في مرض
موته فهو من الشهداء.
(٤) برقم (١٢٤٣٢).
(٥) قبل الحديث (٧٧٥).

٤٢٥
سُوَّةُ الإخلاصِ
((وجبت)) قلت: وما وَجَبَتْ؟ قال: ((الجنة)) وأخرجه النسائيُّ والترمذيُّ وقال:
حديثٌ صحيحٌ، لا نعرفه إلا من حديث مالك(١).
وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذيُّ(٢) - وقال: حسنٌ غريبٌ - عن بريدةَ أنَّ
رسولَ اللهِ وَلهُ سَمِعَ رجلاً يقول: اللهمَّ إني أسألك بأني أشهدُ أنك أنتَ الله لا إله
إلا أنت الأحدُ الصمدُ، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكنْ له كفواً أحد. فقال
النبيُّ ◌َّ: ((والذي نفسي بيده، لقد سألَ الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به
أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى)).
وفي ((المسند)) عن مِحْجَن بن الأدرَع أنَّ النبيَّ نَّهِ دَخَلَ المسجد، فإذا هو
برجلٍ قد قضى صلاته، وهو يتشهَّدُ ويقول: إني أسألكَ يا الله الواحدُ الأحدُ
الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك
أنت الغفور الرحيم. فقال نبيُّ اللهَوَّرُ ثلاثَ مرات: ((قد غُفِرَ له، قد غُفِرَ له، قد
غُفِرَ له))(٣).
وأخرج البخاريُّ ومالك وأبو داود والنسائيُّ عن أبي سعيدٍ أنَّ رجلاً سَمِعَ رجلاً
يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) يُردِّدها، فلما أصبحَ جاء إلى النبيِّ وَّهِ، فَذَكَرَ ذلك له،
وكأنَّ الرجلَ يتقالُّها، فقال رسول الله وَّهِ: ((والذي نفسي بيده، إنها لتعدلُ ثلثَ
القرآن»(٤).
(١) مالك في الموطأ ٢٠٨/١، والنسائي في المجتبى ١٧١/٢، والترمذي (٢٨٩٧)، وهو عند
أحمد (٨٠١١). ووقع في مطبوع سنن الترمذي، وعارضة الأحوذي ٢٥/١١: حديث حسن
غريب، بدل: حديث صحيح. وفي تحفة الأحوذي ٢٠٩/٨، وتفسير ابن كثير ٥٢٣/٨ نقلاً
عن الترمذي: حسن صحيح غريب.
(٢) أبو داود (١٤٩٣)، والترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وهو عند أحمد (٢٢٩٦٥).
(٣) مسند أحمد (١٨٩٧٤).
(٤) البخاري (٥٠١٣)، ومالك ٢٠٨/١، وأبو داود (١٤٦١)، والنسائي في المجتبى ١٧١/٢،
وهو عند أحمد (١١٣٠٦).
وقوله: يتقالها: أصله يتقاللها، أي: يعتقد أنها قليلة، والمراد استقلال العمل لا التنقيص.
فتح الباري ٩/ ٦٠ .

٤٢٦
سُورَةُ الإخلاصِ
وأخرج أحمد والنسائيُّ في ((اليوم والليلة))(١) من طريق هُشَيم عن أُبيِّ بن
كعب، أو رجلٍ من الأنصار، قال: قال رسول الله وَجه: ((مَنْ قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ) فكأنما قرأ بثلث القرآن)).
وفي رواية يوسف بن عطية الصَّفَّار بسنده عن أُبيِّ مرفوعاً: ((مَن قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ) فكأنما قرأ ثُلُثَ القرآن، وكُتِبَ له من الحسنات بعَدَدِ مَنْ أشرك بالله تعالى
وآمن به))(٢).
وجاء أنها تعدلُ ثُلُثَ القرآن في عِدَّة أخبارٍ مرفوعةٍ وموقوفةٍ، وفي ((المسند))(٣)
من طريق ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ قال: باتَ
قتادةٌ بن النعمان يقرأ الليل(٤) كلَّه بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) فذكر ذلك للنبيِّ ◌َِّ، فقال:
((والذي نفسي بيده، إنها لتعدلُ نصفَ القرآن أو تُلُثَهُ)). وحُمِلَ على الشَّكِّ من
الراوي(٥) .
والروايات تُعيِّنُ الثلث، واختلف في المراد بذلك؛ فقيل: المراد أنها باعتبار
معناها ثلثٌ من القرآن المجزّأ إلى ثلاثة، لا أنَّ ثوابَ قراءتها ثلثَ ثواب القرآن.
وإلى هذا ذهب جماعةٌ، لكنهم اختلفوا في بيان ذلك:
فقيل: إنَّ القرآنَ يشتملُ على قصصٍ، وأحكامٍ، وعقائدَ، وهي كلُّها مما يتعلَّقُ
بالعقائد، فكانت ثُلُثاً بذلك الاعتبار.
وقال الغزاليُّ في ((الجواهر)) ما حاصله: هي عِدْلُ ثلثه باعتبار أنواع العلوم
الثلاثة، التي هي أمُّ ما في القرآن: عِلْمُ المبدأ، وعِلْمُ المعاد، وعِلْمُ ما بينهما،
أعني الصراط المستقيم.
(١) أحمد (٢١٢٧٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٨٥).
(٢) أخرجه الخلال في فضائل سورة الإخلاص (٢٦)، وذكره الرازي في تفسيره ١٧٤/٣٢ .
(٣) برقم (١١١١٥).
(٤) في (م): الليلة.
(٥) قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٢٨/١٩: أو نصفه، شكّ من المحدّث، لا يجوز أن يكون
شكًّا من النبي ◌َّ، على أنها لفظة غير محفوظة في هذا الحديث ولا في غيره، والمحفوظ
الثابت الصحيح في هذا الحديث وغيره أنها تعدل ثلث القرآن دون شك.

٤٢٧
سُوَرَّةُ الإِخْلَاضِ
وقال الجوني: المطالب التي في القرآن معظمها الأصول الثلاثة التي بها يصحُّ
الإسلام ويحصلُ الإيمان، وهي: معرفة الله تعالى، والاعترافُ بصِدْق رسوله وَلَره
واعتقادُ القيام بين يديه، وهذه السورةُ تفيدُ الأصلَ الأولَ، فهي ثُلُهُ من هذا الوجه.
وقيل: القرآنُ قسمان: خبرٌ وإنشاءٌ، والخبرُ قسمان: خبرٌ عن الخالق، وخبرٌ
عن المخلوق، فهذه ثلاثةُ أثلاثٍ، وسورةُ الإخلاص أخلصتِ الخبرَ عن الخالق،
فهي بهذا الاعتبار ثُلُثُ، وهذا كما ترى.
وأيَّاما كان قيل: لا تَنَافيَ بين رواية الثلث ورواية ((عِدْل القرآن كلِّه)) المذكورة
في ((الكشاف))(١) على تقدير ثبوتها؛ لجواز أن يقال: هي عِدْلُ القرآن باعتبار أنَّ
المقصودَ التوحيد، وما عداه ذرائعُ إليه.
ويؤيِّدُ اعتبارَ الأجزاء أنفسها دون الثواب ما في ((صحيح مسلم))(٢) من طريق
قتادة عن أبي الدرداء أنَّ رسولَ الله وَّم قال: ((أيعجزُ أحدكم أن يقرأ كلَّ يومٍ ثُلُثَ
القرآن)) قالوا: نعم. قال: ((فإنَّ الله تعالى جزَّأ القرآنَ ثلاثةَ أجزاء فـ (قُلْ هُّوَ اَللَّهُ
أَحَدُّ) ثُلُثُ القرآن)).
وقيل: المراد: تعدِلُ الثلثَ ثواباً لظواهر(٣) الأحاديث. وضعَّفَ ذلك ابنُ
عقيل، وقال: لا يجوز أن يكونَ المعنى: فله أجرُ ثُلُثِ القرآن؛ لقوله ◌َّ: (من قرأ
القرآنَ فله بكلِّ حرفٍ عشر حسنات))(٤)، فيكونُ ثوابُ قراءة القرآن بتمامه أضعافاً
مضاعفةً بالنسبة لثواب قراءة هذه السورة. والدوانيُّ أورَد هذا إشكالاً على هذا
القول، ثم أجاب بأنَّ للقارئ ثوابين تفصيليًّا بحَسَبٍ قراءة الحروف، وإجماليًّا
بسبب ختمه القرآن، فثواب ((قل هو الله أحد)) يَعدِلُ ثُلُثَ ثواب الختم الإجمالي
(١) ٢٩٨/٤، وأخرج هذه الرواية أبو يعلى (١٤٨١) عن أنس ظه، قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٢٣٤/٥ و١٤٧/٧: رواه أبو يعلى، وفيه عبيس بن ميمون، وهو متروك.
(٢) برقم (٨١١)، وهو عند أحمد (٢٧٥٢٢).
(٣) في (م): بالظواهر.
(٤) أخرجه الترمذي (٢٩١٠)، والطبراني في الكبير (٨٦٤٦)، والحاكم ٥٥٥/١ من حديث ابن
مسعود ره. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

٤٢٨
سُورَةُ الإِخْلَاضِ
لا غيره، ونظيره إذا عيَّنَ أحدٌ لمن يبني له داراً في كلِّ يومٍ دنانير، وعيَّنَ له إذا أتمَّهُ
جائزةً أخرى غيرَ أجرته اليومية. وعلى هذا يقاس ما ورد في سائر السور من أنها
تعدل ربع القرآن أو أقلّ أو أكثر(١).
وفي ((شرح البخاري)) للكرماني: فإن قلتَ: المشقَّةُ في قراءة الثلث أكثرُ منها
في قراءتها، فكيف يكون حكمه حكمها؟ قلتُ: يكون ثوابُ قراءة الثلث بعَشْرٍ،
وثوابُ قراءتها بقَدْرِ ثواب مرَّةٍ منها؛ لأنَّ التشبيهَ في الأصل دون الزائد، وتِسْعٌ منها
في مقابلة زيادة المشقة.
وقال الخفاجيُّ - بعد أن قال: ليس فيما ذُكِرَ ما يُثلِجُ الصدرَ ويطمئنُّ له البال -:
والذي عندي في ذلك أنَّ للناظر في معنى كلام الله تعالى المتدبِّر لآياته ثواباً،
وللتالي له وإن لم يفهمه ثوابٌ آخرُ، فالمراد أنَّ مَنْ تلاها مراعياً حقوقَ أدائها،
فاهماً دقيقَ معانيها، كانت تلاوته لها مع تأملها وتدبُّرها تعدِلُ ثوابَ تلاوة ثلثٍ
القرآن من غيرِ نظرٍ في معانيه، أو ثلثٍ ليس فيه ما يتعلَّقُ بمعرفة الله تعالى وتوحيده، "
ولا بدعَ في أشرف المعاني إذا ضُمَّ لبعضٍ من أشرف الألفاظ أن يَعْدِلَ من جنس
تلك الألفاظ مقداراً كثيراً، كلوح ذهبٍ زِنَتُهُ عشرةُ مثاقيل مُرَصَّع بأنفس الجواهر،
يساوي ألفَ مثقالٍ ذهباً فصاعداً(٢). انتهى.
ولا أرى له كثيرَ امتيازٍ على غيره مما تقدم، والذي أختاره أن يقال: لا مانع
من أن يخصَّ الله عزَّ وجلَّ بعضَ العبادات التي ليس فيها كثيرُ مشقَّةٍ بثوابٍ أكثرَ من
ثواب ما هو من جنسها وأشقَّ منها بأضعافٍ مضاعفة، وهو سبحانه الذي لا حَجْرَ
عليه، ولا يتناهى جُوده وكرمه، فلا يبعدُ أن يتفضَّلَ جلَّ وعلا على قارئ القرآن
بكلِ حرفٍ عشرَ حسنات، ويزيد على ذلك أضعافاً مضاعفةً جدًّا لقارئ الإخلاص،
بحيث يعدِلُ ثوابُه ثوابَ قارئ ثُلُثٍ منه غير مشتملٍ على تلك السورة، ويُفوَّضُ
حكمة التخصيص إلى علمه سبحانه، وكذا يقال في أمثالها، وهذا مرادُ مَنْ جَعَلَ
(١) من قوله: وعلى هذا ... إلى هنا ليس في (م)، وكلام الدواني ذكره أيضاً الشهاب في
الحاشية ٨ / ٤١٤ .
(٢) حاشية الشهاب ٨/ ٤١٤.

٤٢٩
سُورَةُ الإِخْلاَضِ
ذلك من المتشابه الذي استأثرَ الله تعالى بعلمه، وليس هذا بأبعدَ ولا أبدعَ من
تخصيص بعض الأزمنة والأمكنة المتَّحدة الماهية بأنَّ للعبادة فيه(١) - ولو قليلةً - من
الثواب ما يزيدُ أضعافاً مضاعفة على ثواب العبادة في مجاوره - مثلاً - ولو كثيرة،
بل قد خصَّ سبحانه بعضَ الأزمنة والأمكنة بوجوب العبادة فيه، وبعضَها بحُرْمتها
فيه، وله سبحانه في كلِّ ذلك من الحِكَمِ ما هو به أعلمُ.
وقال ابن عبد البر(٢): السكوتُ في هذه المسألة أفضلُ من الكلام فيها وأَسْلَمُ.
ثم ذَكَرَ عن الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أنهما - وهما إمامان
بالسُّنّة - ما قاما ولا قعدا في هذه المسألة وقد سئلا عنها. ومراده من ذلك تأييدُ
ما ادَّعى من أنَّ السكوتَ أسلمُ، وهو كذلك، لكنْ على الوجه الذي قرَّرناه.
وقد وَرَدَ في تكرار قراءتها خمسينَ مرةً أو أكثر من ذلك، وعشرَ مراتٍ عقيبَ
كلِّ صلاةٍ أحاديثُ كثيرةٌ، فيها كما قال الحافظ ابن رجب ضَعْفٌ(٣)، وكذلك
حديثُ معاوية بن معاوية الليثي الذي افتتح به الإمامُ(٤) الكلامَ في هذه السورة
الكريمة، خرَّجه الطبرانيُّ وأبو يعلى من طُرُقٍ كلُّها ضعيفة(٥)، والأحاديثُ الصحيحةُ
(١) في (م): منه.
(٢) في الاستذكار ١١٧/٨-١١٨.
(٣) من قوله: ثم ذكر .... إلى هنا ليس في (م)، وضرب عليه في النعمانية (ب).
وقد جاء في فضل تكرارها خمسين مرة حديث أخرجه الدارمي في مسنده (٣٤٣٨) أن
رسول الله وَ ل قال: ((من قرأ: قل هو الله أحد خمسين مرة، غفرت له ذنوب خمسين سنة)).
قال ابن كثير في تفسيره ٥٣٤/٨ : إسناده ضعيف.
وفي فضل قراءتها عشر مرات ما أخرجه أحمد (١٥٦١٠) من حديث معاذ بن أنس الجهني،
وإسناده ضعيف، وأخرج الدارمي (٣٤٢٩) من طريق سعيد بن المسيب عن النبي وَلاغير أنه
قال: ((من قرأ: قل هو الله أحد عشر مرات بُني له بها قصرٌ في الجنة، ومن قرأها عشرين
مرة بني له بها قصران في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بني له بها ثلاثة قصور في الجنة))
قال ابن كثير: وهذا مرسل جید.
(٤) في تفسيره ١٧٤/٣٢ .
(٥) أخرجه أبو يعلى (٤٢٦٧) من حديث أنس ظُه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٧٨/٩:
رواه أبو يعلى، وفيه العلاء بن زيدل أبو محمد الثقفي، وهو متروك.

١
سُورَةُ الإِخْلَاضِ
٤٣٠
الواردةُ فيها تكفي في فضلها، بل قيل لذلك: إنها أفضلُ سورةٍ في القرآن، ومنهم
من استدلَّ عليه بما روى الدارميُّ في ((مسنده)) عن أبي المغيرة عن صفوان [عن
أَيْفَعَ بن عبد]َ الكَلَاعِيِّ قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، أيُّ سُوَرِ القرآن أعظمُ؟
قال: ((قل هو الله أحد))(١).
وفي ((المسند))(٢) من طريقي معان(٣) بن رفاعة وأَسيد بن عبد الرحمن، عن
عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَله: ((ألا أُعلِّمكَ خيرَ ثلاثٍ سُوَرٍ أنزلت في
التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم»؟ قلت: بلى. قال: فأقرأني (قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُّ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثم قال: ((يا عقبةُ،
لا تنساهنَّ(٤)، ولا تَبِتْ ليلةً حتى تقرأهنَّ)) وروى الترمذيُّ(٥) بعضَ هذا الحديث
وحسّنه، ولا يدلُّ على أنها أفضلُ سُوَرِ القرآن مطلقاً، بل على أنها من
الأفضل.
واعلم أنَّ (٦) في هذا المطلب كلاماً، فقد اختلف الناسُ: هل في القرآن شيءٌ
أفضلُ من شيءٍ؟ فذهب الأشعريُّ وأبو بكر الباقلاني وابن حبان(٧) إلى منع أن يقال
في شيءٍ منه: إنه أفضلُ من شيءٍ آخر منه، وروي ذلك عن مالك؛ لأنَّ الكلَّ
كلامُ الله تعالى، ولئلا يُتوهَّمَ نقصُ المفضَّل عنه. وقال ابن حبان(٨) في ((أعظم))
فيما تقدم: إنه أُريد به: أعظم في الأجر.
(١) سنن الدارمي (٣٣٨٠) وما سلف بين حاصرتين منه، وهو حديث مرسل، كما في الإصابة
٢٢٢/١.
(٢) مسند أحمد (١٧٣٣٤) و(١٧٤٥٢).
(٣) في الأصل و(م): معاذ. والصواب ما أثبتناه.
(٤) كذا جاء الفعل بإثبات الألف، والجادة حذفها؛ لأن الفعل مجزوم بـ ((لا)) الناهية، وقد
يخرج هنا على أن الألف للإشباع، كما فعل السمين في الدر المصون ١٠/ ٧٦١ في تخريج
قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَنسَى ﴾﴾ على القول بأن ((لا)) ناهية.
(٥) في سننه (٢٩٠٢)، (٢٩٠٣).
(٦) من قوله: واعلم أنَّ ... إلى هنا ليس في (م).
(٧) في صحيحه إثر الحديث (٧٧٤)، ونقله المصنف عنه بواسطة السيوطي في الإتقان ١١٣١/٢ .
(٨) في صحيحه إثر الحديث (٧٧٧)، والكلام من الإتقان.
-٠٠ ٠٠٠
:

٤٣١
سُورَةُ الأَغْلَاضِ
وذهب آخرون إلى التفضيل؛ لظواهر الأحاديث، منهم إسحاق بن راهويه
وأبو بكر بن العربي وحجة الإسلام الغزالي. وقال القرطبيُّ(١): إنه الحق، ونقله
عن جماعة من العلماء والمتكلِّمين(٢).
وقال ابن الحصار(٣): العَجَبُ ممن يذكرُ(٤) الاختلافَ في الفضل مع كثرة
النصوص الواردة فيه.
واختلف القائلون بالتفضيل، فقال بعضُهم: الفضلُ راجعٌ إلى عِظَمٍ ومضاعفة
الثواب بحَسَبِ انتقالات النفس وخشيتها وتدبُّرها عند أوصاف العُلا.
وقيل: بل يرجعُ لِذَات اللفظ، فإنَّ ما (٥) تضمَّنته سورةُ الإخلاص مثلاً من
الدلالة على الوحدانية وصفاته تعالى، ليس موجوداً في ((تَبَّت)) مثلاً، فالتفضيلُ إنما
هو بالمعاني العجيبة وكثرتها .
ونقل البيهقيِّ عن الحليميُّ(٦) أنَّ معنى التفضيل بين الآيات والسور يرجعُ إلى
أشياءَ :
أحدها : أن يكون العملُ بها أولى من العمل بأُخرى وأَغْوَدَ على الناس، وعلى
هذا يقال في آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد: خيرٌ من آيات القصص؛ لأنه إنما
أُريد بها تأكيدُ الأمر والنهي والإنذار والتبشير، ولا غنى للناس عن هذه الأمور،
وقد يستغنونَ عن القصص، فكان ما هو أَعودُ عليهم وأنفعُ لهم مما يجري مجرى
الأصول خيرٌ لهم مما يُجْعَلُ تبعاً لما لا بدَّ منه.
(١) في تفسيره ١/ ١٧٠، والكلام من الإتقان.
(٢) من قوله: واعلم أن، إلى هذا الموضع ليس في (م).
(٣) في (م): الحصاد، وهو تصحيف، والمثبت من تفسير القرطبي والإتقان، وابن الحصار هو
عبد الرحمن بن أحمد القرطبي المالكي، المتوفى سنة (٤٢٢هـ). ينظر السير ١٧ / ٤٧٣ .
(٤) في الأصل و(م): ينكر، وهو تصحيف، والمثبت من تفسير القرطبي والإتقان.
(٥) قوله: ما، ليس في (م)، والمثبت من الأصل والإتقان.
(٦) في الأصل و(م): ونقل الحليمي عن البيهقي، والصواب ما أثبت، بدليل أن العبارة في
الإتقان: وقال الحليمي ونقله عنه البيهقي. ولأن وفاة البيهقي متأخرة عن الحليمي، وكلامهما
في المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ٢٤٤، وشعب الإيمان للبيهقي ٥١٥/٢.

سُورَةُ الإخلاصِ
٤٣٢
الآية : ١
الثاني: أن يقال: الآياتُ التي تشتملُ على تعديد أسماء الله تعالى وبيان
صفاته، والدلالة على عظمته عزَّ وجلَّ أفضلُ، بمعنى أنها أسنى وأجلُّ قدراً
مما لا تشتملُ على ذلك.
الثالث: أن يقال: سورةٌ خيرٌ من سورةٍ، أو آيَةٌ خيرٌ من آيةٍ، بمعنى أنَّ القارئَ
يتعجَّلُ له بقراءتها فائدةٌ سوى الثواب الآجل، ويتأدَّى منه بتلاوتها عبادةٌ كآية
الكرسي والإخلاص والمعوّذتين، فإنَّ قارئها يتعجَّلُ بقراءتها الاحترازَ مما يخشى،
والاعتصامَ بالله تعالى، ويتأدّى بتلاوتها عبادةُ الله سبحانه؛ لما فيها من ذِكْرِه تعالى
بالصفات العُلا على سبيل الاعتقاد لها، وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر
وبركته، وأما آياتُ الحُكْم فلا يقعُ بنفس تلاوتها إقامةُ حُكْمٍ، وإنما يقعُ بها عِلْمٌ.
وقد يقال: إنَّ سورةً أفضلُ من سورةٍ؛ لأنَّ الله تعالى جعلَ قراءتها كقراءة
أضعافها مما سواها، وأَوجبَ بها من الثواب ما لم يوجب سبحانه لغيرها، وإن
كان المعنى الذي لأجله بلغَ بها هذا المقدار لا يظهرُ لنا، وهذا نظيرُ ما يقال في
تفضيل الأزمنة والأمكنة بعضها على بعض على ما سمعت آنفاً .
وبالجملة التفضيلُ بأحد هذه الاعتبارات لا ينافي كونَ الكلِّ كلامَ الله عز وجل
ومَّحد النسبة إليه سبحانه كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴾ المشهورُ أنَّ ((هو)) ضمير الشأن، ومحلُّه الرفعُ على
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ
الابتداء، خبرُهُ الجملةُ بعده، ومثلُها لا يكون لها رابطٌ؛ لأنها عينُ المبتدأ في
المعنى، والسِّرُّ في تصديرها به التنبيهُ من أول الأمر على فخامة مضمونها مع ما فيه
من زيادة التحقيق والتقرير، فإنَّ الضميرَ لا يُفهَمُ منه من أول الأمر إلا شأنٌ مُبِهَمٌ له
خطرٌ جليلٌ، فيبقى الذهنُ مترقِّباً لما أمامه مما يفسِّره ويزيلُ إبهامه، فيتمكَّنُ عند
وروده له فَضْلَ تمكُّنٍ، وقولُ الشيخ عبد القاهر في ((دلائل الإعجاز))(١) إنَّ له مع
(١) ص٣١٧.

الآية : ١
٤٣٣
سُورَةُ الإخلاصِ
(إنَّ) حُسْناً بل لا يصحُّ بدونها. غيرُ مسلّم، نعم قال الشهابُ القاسميُّ (١): إنَّ هاهنا
إشكالاً؛ لأنه إن جُعلَ الخبرُ مجموعَ معنى الجملة المبيَّن في باب القضية، أعني:
مجموع ((الله)) ومعنى ((أحد)) والنسبة بينهما، ففيه أنَّ الظاهرَ أنَّ ذلك المجموعَ ليس
هو الشأنُ، وإنما الشأنُ مضمونُ الجملة الذي هو مُفردٌ، أعني: الوحدانية، وإن
جُعِلَ مضمونَ الجملة الذي هو مفردٌ، فتخصيصُ عدم الرابط بالجملة المخبَرِ بها عن
ضمير الشأن غيرُ مثَّجهٍ؛ إذ كلُّ جملةٍ كذلك؛ لأنَّ الخبَر لا بدَّ من اتحاده بالمبتدأ
بحسب الذات، ولا يتَّحدُ به كذلك إلا مضمون الجملة الذي هو مُفرَدٌ.
وأجيب باختيار الشّقِّ الأول كما يُرشِدُ إليه تعبيرهم عن هذا الضمير أحياناً
بضمير القصة، ضرورةً أنَّ مضمونَ الجملة الذي هو مُفرَدٌ ليس بقصة، وإنما القصّةُ
معناها المبيّنُ في بابٍ القضية، وأيضاً هم يعدُّون مثل قوله وَّهِ: ((أَحَقُّ ما قال
العبد، وكلُّنا لك عبدٌ: لا مانعَ لما أَعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفعُ ذا
الجدِّ منك الجدّ)(٢) من الجمل التي هي عينُ المبتدأ في المعنى، الغير المحتاجة
إلى الضمير لذلك، ومن المعلوم أنَّ ما يقال ليس المضمونَ الذي هو مفردٌ، بل هو
الجملةُ بذلك المعنى، ولذا تراهم يُوجبون كَسْرَ همزة ((إنَّ» بعد القول، وكذا
تمثيلهم لها بـ : نطقي الله حسبي وكفى، أي: منطوقي الذي أَنطقُ به ذلك؛ إذ من
الظاهر أنَّ ما نطقَ به هو الجملةُ بالمعنى المعروف، وقد دلَّ كلامُ ابن مالك في
((التسهيل)) على أنَّ المراد بكون(٣) الجملة التي لا تحتاج إلى رابطٍ عينَ المبتدأ أنها
وقعت خبراً عن مُفرَدٍ مدلولُهُ جملةٌ (٤). وهو ظاهرٌ فيما قلنا أيضاً، وكونُ ذلك
(١) هو أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، شهاب الدين، أبو العباس بن أبي القاسم الحميري
المالكي، الفاسي الأصل، القسنطيني المولد، ويعرف بالخلَّوف، له: ((نظم المغني)) في
النحو، و((نظم التلخيص)) في المعاني والبيان، و((تحرير الميزان)) في العروض، وله دیوان
شعر، توفي سنة (٨٩٩هـ). الضوء اللامع ١٢٢/٢، ومعجم المطبوعات ص ٩٩، والأعلام
٢٣١/١.
(٢) أخرجه أحمد (١١٨٢٨)، ومسلم (٤٧٧) من حديث أبي سعيد الخدري
٠
(٣) في (م): على المراد يكون.
(٤) التسهيل ص٤٨ بنحوه.

سُؤَدَةُ الإِخْلَاضِ
٤٣٤
الآية : ١
شأناً - أي: عظيماً من الأمور - باعتبار ما تضمَّنه، وَوَصْفُ الكلام بالعِظَمِ ومقابله
بهذا الاعتبار شائعٌ ذائعٌ.
وقال العلامة أحمد الغنيمي(١): إن أُريد أنها عينُهُ بحَسَبِ المفهوم، فهو
مُشكِلٌ؛ لعدم الفائدة، وإن أُريد عينُهُ بحسب المصدّق مع التغاير في المفهوم كما هو
شأنُ سائر الموضوعات مع محمولاتها، فقد يقال: إنه مشكلٌ أيضاً؛ إذ ما صدق
ضمير الشأن أعمّ من «الله أحد)»، والخاصُّ لا يُحمَلُ على العامِّ في القضايا الكلية،
ودعوى الجزئية في هذا المقام ينبو عنه تصريحهم بأنَّ ضميرَ الشأن لا يخلو عن
إبهام، وبعبارةٍ أخرى: وهي أنَّ ما صدق عليه ضميرُ الشأن مُفْرَدٌ، وما صدق
الجملة مُرَكَّبٌ، ولا شيءَ من المفرد بمركَّبٍ، ولذا تراهم يُؤْوِّلون الجملةَ الواقعةَ
خبراً بمفردٍ صادقٍ على المبتدأ؛ ليصحَّ وقوعها خبراً، والتزام ذلك في الجملة
الواقعة خبراً عن ضمير الشأن ينافيه تصريحهم بأنها غيرُ مُؤَوَّلةٍ بالمفرد، وإن كانت
في موقعه.
وأُجيب بأنَّ معنى قولهم: هو ضميرُ الشأن، أنه ضميرٌ راجعٌ إليه، وموضوعٌ
موضعه، وإن لم يسبقْ له ذِكْرٌ؛ للإيذان بأنه من الشهرة والنباهة بحيثُ يستحضرهُ كلُّ
أحدٍ، وإليه يُشير كلُّ مشير، وعليه يعودُ كلُّ ضمير. وقولهم في عَدِّ الضمائر التي
ترجعُ إلى متأخّر لفظاً ورتبةً: منها ضميرُ الشأن، فإنه راجعٌ إلى الجملة
بعده = مسامحةٌ ارتكبوها؛ لأنَّ بيانَ الشأن وتعيينَ المراد به بها، فما صدق الضمير
هو بعينه ما صدق الشأن الذي عادَ هو عليه، فيختارُ الشقَّ الثاني، فإما أن يُرادَ
بالشأن الشأنُ المعهود ادِّعاءً، وتُجعَلَ القضيةُ شخصيةً نظيرَ: هذا زيدٌ، وإما أن يُرادَ
المعنى الكلي وتُجعل القضيةُ مهملةً، وهي في قوة الجزئية، كأنه قيل: بعضُ
الشأن الله أحد.
(١) هو أحمد بن محمد بن علي، شهاب الدين، الخزرجي الأنصاري، المصري الحنفي،
نحوي متكلم، له شروح وحواشٍ في الأصول والعربية، وله تعليقات على تفاسير البيضاوي
والزمخشري وأبي السعود، جمعها في كتاب سمي ((حاشية الغنيمي في التفسير))، توفي سنة
(١٠٤٤ هـ). هدية العارفين ١٥٨/١، والأعلام ١/ ٢٣٧.

الآية : ١
٤٣٥
سُوَّةُ الأَخْلَاضِ
وجاء الإبهامُ الذي ادَّعى تصريحهم به من عَدَمِ تعيُّنِ البعض قبل ذِكْرِ الجملة،
وحَمْلِها عليه، وما صدق عليه الشأن كما يكون مفرداً يكونُ جملةً، فليكن هنا
كذلك، واستمجد الأول، واحتمال الكلية مبالغةً - نحو: كل الصَّيد في جوف
الفَرَا(١) - كما ترى، فليتأمل.
وجوَّزوا أن يكون ((هو)) ضمير المسؤول عنه، أو المطلوب صفته أو نسبته، فقد
أخرج الإمام أحمد في ((مسنده))، والبخاريُّ في ((تاريخه))، والترمذيُّ، والبغويُّ في
(معجمه))، وابن [أبي] عاصم في ((السنة))، والحاكم وصححه، وغيرهم، عن أُبيِّ بن
كعب أنَّ المشركين قالوا للنبيِّ وَّهِ: يا محمد، انسبْ لنا ربَّك؟ فأنزل الله تعالى:
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) السورة(٢).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبرانيُّ في ((الأوسط)) والبيهقيُّ بسندٍ حَسَنٍ
وآخرون عن جابر قال: جاء أعرابيٍّ إلى النبيِّ ◌َّ فقال: انسبْ لنا ربك؟ فأنزل الله
تعالى: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) إلخ(٣).
وفى ((المعالم))(٤) عن ابن عباس أنَّ عامرَ بن الطفيل وأَربدَ بن ربيعة أتيا
النبيَّ وَِّ، فقال عامر: إلامَ تدعونا يا محمد؟ قال: ((إلى الله)) قالا: صِفْهُ لنا: أمنْ
ذهبٍ هو، أم من فضة، أو من حديدٍ، أو من خشب؟ فنزلت هذه السورة،
فأهلك الله تعالى أربدَ بالصاعقة، وعامراً بالطاعون.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات))(٥) عن ابن عباس أنَّ
(١) الفَرَأ: حمار الوحش، وهو في المثل بغير همز؛ لأن الأمثال موضوعة على الوقف، وينظر
ما سلف عند تفسير الآية (٤) من سورة لقمان.
(٢) أحمد (٢١٢١٩)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢٤٥/١، والترمذي (٣٣٦٤)، والسنة لابن
أبي عاصم (٦٦٣)، والحاكم ٢/ ٥٤٠. وإسناده ضعيف كما سلف في بداية تفسير هذه
السورة.
(٣) ابن جرير ٧٢٨/٢٤، والطبراني في الأوسط (٥٦٨٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات
(٦٠٨)، والكلام من الدر المنثور ٦/ ٤١٠.
(٤) معالم التنزيل للبغوي ٤ / ٥٤٤ .
(٥) الدر المنثور ٦/ ٤١٠، وهو في الأسماء والصفات (٦٠٦).

سُؤَةُ الأَخْلَاضِ
٤٣٦
الآية : ١
اليهودَ جاءت إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام منهم كعبُ بن الأشرف وحُيي بن
أَخطب، فقالوا: يا محمدُ، صِفْ لنا ربَّكَ الذي بعثكَ؟ فأنزل الله تعالى السورة.
وكون السائلين اليهود مرويٌّ عن الضحاك وابن جبير وقتادة ومقاتل، وهو ظاهرٌ
في أنَّ السورةَ مدنيةٌ.
وجاز رجوعُ الضمير إلى ذلك للعلم به من السؤال، وجَرْيٍ ذِكْرِهِ فيه، وهو عليه
مبتدأُ والاسم الجليلُ خبرُهُ، و((أحدٌ)) خبرٌ بعد خبر، وأجاز الزمخشريُّ(١) أن يكون
بدلاً من الاسم الجليل على ما هو المختار من جواز إبدال النكرة من المعرفة، وأن
يكونَ خبرَ مبتدأ محذوف، أي: هو أحدٌ.
وأجاز أبو البقاء(٢) أن يكونَ الاسمُ الأعظمُ بدلاً من ((هو))، و((أحدٌ) خبرُه.
و ((الله)) تعالى وتَقدَّسَ: عَلَمٌ على الذات الواجب الوجود كما ذهب إليه جمهور
الأشاعرة وغيرهم، خلافاً للمعتزلة، حيث قالوا: العَلَمُ في حَقِّهِ سبحانه مُحالٌ؛
لأنَّ أحداً لا يعلمُ ذاته تعالى المخصوص بخصوصيةٍ حتى يُوضَع له، وإنما يُعلَمُ
بمفهوماتٍ كُلِّيةٍ منحصرةٍ في فَرْدٍ، فيكونُ اللفظُ موضوعاً لأمثال تلك المفهومات
الكلية، فلا يكونُ عَلَماً.
وَرُدَّ بأنه تعالى عالمٌ بخصوصية ذاته، فيجوز أن يضعَ لَفْظاً بإزائه بخصوصه،
فيكونُ عَلَماً، وهذا على مذهب القائلين بأنَّ الواضعَ هو الله تعالى ظاهرٌ، إلا أنه
يلزمُ أن يكونَ ما يُفهَمُ من لفظ ((الله)) غيرَ ما وضِعَ له؛ إذ لا يعلمُ غيره تعالى
خصوصيةَ ذاته تعالى التي هي الموضوعُ له على هذا التقدير، والقولُ بأنه يجوزُ أن
يكونَ المفهوم الكليُّ آلةً للوضع، ويكون الموضوع له هو الخصوصية التي يَصْدُقُ
عليها المفهوم الكُلِّيُّ كما قيل في هذا ونظائره، يلزمُ عليه أيضاً أن يكونَ وَضْعُ اللفظ
لما لا يُفهَمُ منه، فإنَّا لا نفهمُ من أسمائه تعالى إلا تلك المفهومات الكُلِّية، والظاهرُ
أنَّ الملائكةَ عليهم السلام كذلك؛ لاحتجاب ذاته عزَّ وجلَّ عن غيره سبحانه، ومن
(١) في الكشاف ٢٩٨/٤.
(٢) في الإملاء ٤/ ٤٨٧.

الآية : ١
٤٣٧
سُورَةُ الأَخْلَاصِ
هنا استظهر بعضُ الأَجِلَّةِ ما نُقِلَ عن حُجَّة الإسلام أنَّ الأشبهَ أنَّ الاسمَ الجليلَ
جارٍ - في الدلالة على الموجود الحقِّ الجامع لصفات الإلهية، المنعوتِ بنعوت
الربوبية، المتفردِ بالوجود الحقيقي - مجرى الأعلام(١). أي: وليس بعَلَم.
وقد مرَّ ما يتعلَّقُ بذلك أولَ الكتاب فارجع إليه .
بقي في هذا المقام بحثٌ، وهو أنَّ الأعلامَ الشخصيةَ كزيدٍ إما أن يكون كلٌّ
منها موضوعاً للشخص المعيَّن كما هو المتبادر المشهور، فإذا أُخبر أحدٌ بتولّدِ ابنِ
له فسمَّاه زيداً مثلاً من غير أن يبصره، يكون ذلك اللفظُ اسماً للصورة الخيالية التي
حصلتْ في مخيِّلته؛ وحينئذٍ إذا لم يكن المولودُ بهذه الصورة(٢)، لم يكن إطلاقُ
الاسم عليه بحَسَبٍ ذلك الوضع، ولو قيل بكونه موضوعاً للمفهوم الكُلِّيِّ المنحصر
في ذلك الفردٍ لم يكن عَلَماً كما سبق، ثم إذا سمعنا عَلَماً من تلك الأعلام
الشخصية، ولم نبصرْ مسمَّاه أصلاً، فإنَّا لا نفهمُ الخصوصيةَ التي هو عليها، بل
ربما تخيَّلناه عل غير ما هو عليه من الصور.
وإما أن يكون جميعُ تلك الصور الخيالية موضوعاً له، فيكون من قبيل الألفاظ
المشتركة بين معانٍ غيرِ محصورة.
وإما أن يكون الموضوعُ له هو الخصوصيةَ التي هو عليها فقط، فيكونُ غيرُها
خارجاً عن الموضوع له، فيكونُ فَهْمُ غيرها من الخصوصيات منه غَلَطاً، فإما أن
يتركَ دعوى كون تلك الأعلام جزئياتٍ حقيقية، ويقال: إنها موضوعاتٌ للمفهوماتِ
الكلية المنحصرة في الفرد، أو يُلتزمَ أحدُ الاحتمالات الأُخر، وكلا الوجهين محلٌّ
تأملٍ كما ترى، فتأمل.
و((أحدٌ)): قالوا: همزته مبدَلةٌ من الواو، وأصله: وَحَدٌ، وإبدالُ الواو المفتوحة
همزةً قليلٌ، ومنه قولهم: امرأةٌ أناةٌ، يريدون وناٌ؛ لأنه من الوَنى، وهو الفُتور.
وهذا بخلاف: أَحدٍ، الذي يُلازمُ النفيَ ونحوه، ويراد به العموم كما في قوله
(١) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى للغزالي ص٦١. وجاء في (م):
المنفرد، بدل: المتفرد.
(٢) في (م): السورة.

سُوَّةُ الإِخْلاَرضِ
٤٣٨
الآية : ١
تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وقوله عليه الصلاة والسلام:
(أُحِلَّتْ ليَ الغنائمُ ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي))(١)، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾
[مريم: ٩٨] وقوله سبحانه: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقوله عزَّ وجلَّ:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] فإنَّ همزته أصلية. وقيل: الهمزةُ فيه
أصليةٌ كالهمزة في الآخر.
والفرقُ بينهما قال الراغب: إنَّ المختصَّ بالنفي منهما(٢) لاستغراق جنس
الناطقين، ويتناولُ القليل والكثيرَ على طريق الاجتماع والافتراق، نحو: ما في
الدار أحدٌ، أي: لا واحدٌ ولا اثنانِ فصاعداً، لا مجتمعين ولا مفترقين، ولهذا لم
يصحَّ استعماله في الإثبات؛ لأنَّ نفيَ المتضادّين يصحُّ، ولا يصحُّ إثباتهما، فلو
قيل: في الدار أحدٌ، لكان فيه إثباتُ واحدٍ منفردٍ، مع إثبات ما فوق الواحد
مجتمعين ومفترقين، وذلك ظاهرُ الإحالة، ولتناوُلِ ذلك ما فوق الواحد يصحُّ أن
يقال: ما من أحدٍ فاضِلينَ، وعليه الآية المذكورةُ آنفاً .
والمستعملُ في الإثبات على ثلاثة أوجه: الأول: أن يُضَمَّ إلى العشرات نحو:
أحدَ عشرَ، وأحدَ وعشرون. والثاني: أن يُستعملَ مضافاً، أو مضافاً إليه بمعنى
الأول، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ، خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] وقولهم: يومُ
الأحدِ، أي: يومُ الأولِ. والثالث: أن يُستعملَ مطلقاً وَصْفاً، وليس ذلك إلا في
وَصْفِ الله تعالى، وهو وإن كان أصلُهُ ((وَحَداً) إلا أنَّ ((وَحَداً)) يُستعملُ في غيره
سبحانه، نحو قول النابغة:
كأنَّ رَحْلي وقد زال النهارُ بنا
بذي الجليلِ على مُستأنسٍ وَحدٍ
انتھی
(٣)
.
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، وأحمد (١٤٢٦٤) عن جابر بن
عبد الله رض
(٢) في هامش الأصل: قال بعض الأفاضل: إنه لم يرد إلا في النفي أو مع كلمة ((كل))
فلا تغفل.
(٣) المفردات (أحد)، والبيت في ديوان النابغة الذبياني ص٣١. وذو الجليل: وادٍ قرب مكة.
معجم البلدان ١٥٨/٢. وقد سلف الكلام عن هذه المسألة مع قول الراغب عند تفسير
الآية (٣٢) من سورة الأحزاب.

الآية : ١
٤٣٩
سُوَرَةُ الإِخْلاَضِ
وقال مكي: أصلُ ((أَحدٍ)): واحِدٌ، فَأَبدلوا الواوَ همزةً، فاجتمعَ أَلِفان؛ لأنَّ
الهمزةَ تُشبه الألفَ، فحذفت إحداهما تخفيفاً(١).
وفرَّق ثعلبٌ بين: أحدٍ وواحدٍ، بأنَّ ((أحداً)) لا يُبنى عليه العددُ ابتداءً،
فلا يقال: أحدٌ واثنانٍ، كما يقال: واحدٌ واثنان، ولا يقال: رجلٌ أحدٌ، كما يقال:
رجلٌ واحدٌ، ولذلك اختصَّ به سبحانه.
وصرَّح بالاختصاص الأزهريُّ أيضاً في تفسير ((أسماء الله تعالى الحسنى))
فقال: الأحد من صفات الله تعالى التي استأثرَ سبحانه بها، فلا يشركه عزَّ وجلَّ
فيها شيءٌ، ولا يُوصَفُ شيءٌ بالأحد غير الله تعالى، فلا يقال: رجلٌ أحدٌ، ولا:
درهمٌ أحدٌ، وإنما يقال: رجلٌ أو درهمٌ واحدٌ(٢).
وفرَّقَ بعضُهم بينهما أيضاً بأنَّ الأحد في النفي نصٌّ في العموم، بخلاف
الواحد، فإنه محتملٌ للعموم وغيره، فيقال: ما في الدار أحدٌ، ولا يقال: بل
اثنان، ويجوز أن يقال: ما في الدار واحدٌ، بل اثنان.
ونُقل عن بعض الحنفية أنه قال في التفرقة بينهما: إنَّ الأحديةَ لا تحتملُ
الجزئيةَ والعدديةَ بحالٍ، والواحديةَ تحتملهما لأنه يقال: مئةُ واحدةٍ، وألفُ واحدٍ،
ولا يقال: مئة أحدٍ، ولا: ألفُ أحدٍ، وبنى على ذلك مسألة الإمام محمد بن
الحسن التي ذكرها في ((الجامع الكبير))(٣) إذا كان لرجلٍ أربعُ نسوةٍ، فقال: والله
لا أقربُ واحدةً منكنَّ. صار مُولِياً منهنَّ جميعاً، ولم يجزْ أن يقربَ واحدةً منهنَّ
إلا بكفارة، ولو قال: والله لا أقربُ إحداكنَّ. لم يصرْ مُولياً إلا من إحداهنَّ،
والبیان إليه .
وفرَّق الخطّابيُّ بأنَّ الأحدية لتفرُّدِ الذات، والواحدية لنفي المشاركة في
الصفات. ونُقل عن المحقّقين التفرقةُ بعكس ذلك. ولَمَّا لم ينفكَّ في شأنه تعالى
أحدُ الأمرين من الآخر قيل: الواحدُ الأحد، في حُكم اسمٍ واحدٍ.
(١) مشكل إعراب القرآن ٨٥٣/٢.
(٢) من قوله: وصرح .... إلى هنا ليس في (م).
(٣) وذكرها أيضاً في المبسوط ٢٦/٧ .

سُورَةُ الإِخْلاَصِ
٤٤٠
الآية : ١
وفسَّر الأحد هنا ابن عباس وأبو عبيدة - كما قال ابن الجوزي(١) - بالواحد،
وأُيِّدَ بقراءة الأعمش: ((قل هو الله الواحد))(٢)، وفُسِّرَ بما لا يتجزّأ ولا ينقسمُ.
وقال بعض الأجلَّة: إنَّ الواحدَ مقولٌ على ما تحته بالتشكيك، فالمراد به هنا
حيث أُطلق: المتَّصفُ بالواحدية التي لا يمكنُ أن يكونَ أزيد منها ولا أكمل، فهو
ما يكون منزَّهَ الذات عن أنحاء التركيب(٣) والتعدُّد خارجاً وذهناً، وما يستلزم
أحدَهما كالجسمية والتحيُّز والمشاركة في الحقيقة وخواصِّها(٤)، كوجوب الوجود،
والقدرة الذاتية، والحكمة التامة المقتضية للألوهية.
وهو مأخوذٌ من كلام الرئيس أبي علي بن سينا في تفسيره السورةَ الجليلةَ حيث
قال: إنَّ ((أحداً)) داٌّ على أنه تعالى واحدٌ من جميع الوجوه، وأنه لا كثرةً هناك
أصلاً لا كثرةً معنويةً، وهي كثرةُ المقوِّمات والأجناس والفصول، وكثرة الأجزاء
الخارجية(٥) المتمايزة عقلاً كما في المادة والصورة، والكثرة الحسية بالقوة أو
بالفعل كما في الجسم، وذلك يتضمَّنُ لكونه سبحانه منزَّهاً عن الجنس والفصل
والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلمُ
الوحدة الكاملة والبساطة الحقَّةَ اللائقةَ بكرم وجهه عزَّ وجلَّ عن أن يشبهه شيءٌ أو
يساويه سبحانه شيء.
وقال ابن عقيل الحنبلي: الذي يصحُّ لنا من القول مع إثبات الصفات أنه تعالى
واحدٌ في إلهيّته لا غير.
وقال غيره من السلفيين كالحافظ ابن رجب: هو سبحانه الواحدُ في إلهيَّته
وربوبيته، فلا معبودَ ولا ربَّ سواه عزَّ وجلَّ. واختار بعد وَصْفه تعالى بما وَرَدَ له
(١) في زاد المسير ٩/ ٢٦٧.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٨٢، والكشاف ٢٩٨/٤.
(٣) أي: أقسامه، وهو جمع نَحْوٍ بمعنى طريق، فتجوِّز به عما ذكر. حاشية الشهاب ٤١١/٨.
(٤) قوله: كالجسمية والتحيز، مثالٌ لما يستلزم التركيب، وما بعده لما يستلزم التعدد. حاشية
الشهاب ٨/ ٤١٢ .
(٥) كذا وقعت العبارة في الأصل و(م)، وصوابها: ولا كثرة حسية، وهي كثرة الأجزاء
الخارجية ... إلخ، كما جاء في التحرير والتنوير عند تفسير هذه السورة نقلاً عن ابن سينا.