النص المفهرس
صفحات 381-400
الآية : ٢ - ٥ ٣٨١ سُورَةُ الْكَافِرُونَ واعترض أيضاً بأنَّ فيه إعمالَ اسم الفاعل بمعنى الماضي النصبَ، وهو لا يجوِّزه كالكسائي وهشام(١). وكونُه اعتبر النصبَ بفعلٍ مقدَّرٍ مستأنف بعيدٌ من كلامه، وأبعدُ منه كون ذلك من حكاية الحال [الماضية](٢) كما في: ﴿بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨](٣) وإن قيل بتحقُّق الاستغراب على القول باشتراطه في الحكاية في ((عابد)» الأول، وعدمٍ ضررٍ فَقْدِه في الثاني؛ لأنَّ النصبَ به للمشاكلة. وقيل: القرينتان الأوليان للاستقبال كما مرَّ، والأُخريان للحال، واختاره أبو حيان(٤)، أي: ولستُ في الحال بعابدٍ معبوديكم، ولا أنتم في الحال بعابدي معبودي. وقيل بالعكس، وعليه كلامُ الزجاج ومحيي السنة (٥). وقيل: الأوليان للماضي، والأخريان للمستقبل. نقله ابن كثير عن حكاية البخاري وغيره. ونَقَلَ أيضاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ المرادَ بقوله سبحانه: (لَآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) نفي الفعل؛ لأنها جملةٌ فعليةٌ، وبقوله تعالى: (وَلَآَ أَنَاْ عَاِدٌ مَّا عَبَدَّتُمْ) نفي قبوله وَّيهِ لذلك بالكلية؛ لأنَّ النفيَ بالجملة الاسمية آكدُ، فكأنه نفى الفعل وكونَه عليه الصلاة والسلام قابلاً لذلك، ومعناه نفيُ الوقوع ونفيُ إمكانه الشرعي(٦). ونوقش في إفادة الجملة الاسمية نفيَ القبول، ولا يبعد أن يقال: إنَّ معنى الجملة الفعلية نفي الفعل في زمانٍ معيَّنٍ، والجملةُ الاسمية معناها نفيُ الدخول (١) أي: ليس مذهبُ الزمخشري في اسم الفاعل مذهبَ الكسائي وهشام من جواز إعماله ماضياً. البحر ٨/ ٥٢٢، وهو صاحب هذا الاعتراض. (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٨/ ٤٠٥، وقال الشهاب: معنى حكاية الحال الماضية أن تقدِّر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان، أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن، وفسرها الزمخشري بأن تقدِّر أن ذلك الفعل الماضي واقع حال التكلم، وقال: إنما يُفعل هذا في الماضي المستغرب يحضر في تصور المخاطب ليتعجب منه. (٣) من قوله: واعترض ... إلى هنا ليس في (م). (٤) في البحر ٥٢٢/٨. (٥) معاني القرآن للزجاج ٣٧١/٥، وتفسير البغوي ٤/ ٥٣٥. (٦) تفسير ابن كثير ٥٠٨/٨. سُورَةُ الْكَافِرُونَ ٣٨٢ الآية : ٢ - ٥ تحت هذا المفهوم مطلقاً من غير تعرُّضٍ للزمان، كأنه قيل: أنا مِمَّنْ لا يصدُقُ عليه هذا المفهوم أصلاً، وأنتم ممن لا يَصْدُقُ عليه ذلك المفهوم، فتدبر. وقيل: الأوليان لنفي الاعتبار الذي ذكره الكافرون، والأخريان للنفي على العموم، أي: لا أعبدُ ما تعبدون رجاءَ أن تعبدوا الله تعالى، ولا أنتم عابدون رجاءً أن أعبدَ صنمكم. ثم قيل: ولا أنا عابدٌ صَنَمَكُمْ لغرضٍ من الأغراض، بوجهٍ من الوجوه، وكذا أنتم لا تعبدون الله تعالى لغرضٍ من الأغراض. وإيثار ((ما)) في (ما أعبد)) - قيل: على جميع الأقوال السابقة - على ((مَنْ)) لأنَّ المراد الصفة، كأنه قيل: ما أعبدُ من المعبود العظيم الشأن الذي لا يُقادَرُ قَدْرُ عظمته. وُجُوِّزَ أن يقال: لَمَّا أُطلقتْ ((ما)) على الأصنام أولاً - وهو إطلاقٌ في محزِّه - أُطلقت على المعبود بحقِّ للمشاكلة. ومَنْ يقول: إنَّ ((ما)) يجوز أن تقع على مَنْ يعلم - ونُسِبَ إلى سيبويه - لا يحتاجُ إلى ما ذُكِرَ. وقال أبو مسلم: ((ما)) في الأوليين بمعنى (الذي)) مفعولٌ به، والمقصودُ المعبود، أي: لا أعبد الأصنامَ، ولا تعبدون الله تعالى، وفي الأخريين: مصدريةٌ، أي: ولا أنا عابدٌ مثلَ عبادتكم المبنية على الشَّكِّ - وإن شئتَ قلتَ: على الشرك - المخرِجِ لها عن كونها عبادةً حقيقة، ولا أنتم عابدون مثلَ عبادتي المبنية على اليقين، وإن شئتَ قلتَ: على التوحيد والإخلاص. وعليه لا يكون تكرارٌ أيضاً. وقال بعض الأجلة في هذا المقام: إنَّ قوله تعالى: (لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) وقوله سبحانه: (وَلَّ أَنْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُّمْ) إما كلاهما نفيُ الحال، أو كلاهما نفي الاستقبال، أو أحدهما للحال والآخر للاستقبال، وعلى التقادير فلَفْظُ ((ما)) إما مصدريةٌ في الموضعين، وإما موصولةٌ أو موصوفةٌ فيهما، وإما مصدريةٌ في أحدهما، وموصولةٌ أو موصوفةٌ في الآخر، وهذه ستةُ احتمالاتٍ حاصلة من ضَرْبِ الثلاثة في الاثنين، ولم يُلْتَفَتْ إلى تقسيم صورة الاختلاف إلى الفرق بين الأولى والأخرى، ولا إلى الفرق بين الموصولة والموصوفة؛ لتكثرَ الأقسام؛ لأنَّ صُوَرَ الاختلاف متساوية الآية : ٢ - ٥ ٣٨٣ سُورَةُ الْكَافِرُونَ الأقدام في دفع التكرار، ومؤدَّى الموصولة والموصوفة متقاربان، فيكتفى بإحداهما، وكذا الحالُ في قوله تعالى: (وَلَّ أَنْتُمْ عَيِّدُونَ مَآ أَعْبُدُ) في الموضعين، ومعلومٌ أنه لا تكرار في صورة الاختلاف، سواء كان باعتبار الحال أو الاستقبال(١)، أو باعتبار كون ما في أحدهما موصولة أو موصوفة، وفي الآخر مصدرية، ونَفَى عبادتَهم في الحال أو الاستقبال معبودَهُ عليه الصلاة والسلام بناءً على عدم الاعتداد بعبادتهم لله تعالى مع الإشراك المحبِطِ لها، وجَعْلها هباءً منثوراً كما قيل : إذا صافى صديقك مَن تُعادي فقد عاداك وانقطع الكلام(٢) وقيل: إنَّ عبادتهم الحالية أو الاستقبالية لم تكن لمن هو في نفس الأمر معبوده وَّر - أعني الله جل جلاله - بل لمعبودٍ توهّموه وحسبوا أنه الله عزَّ وجلَّ في نفس الأمر، حسبما قامَ عليه البرهانُ العقليُّ، فهم إنما يعبدون مَنْ وَصَفوه بصفاتٍ قام البرهانُ على امتناع اتصاف الواجب بها، فليس ذلك هو الله تعالى في نفس الأمر(٣). ومن هنا قال بعض الأفاضل في إخراج الآية عن التكرار: يحتمل أن يكون المرادُ من قوله تعالى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) نفي عبادة الأصنام، ومن قوله تعالى: (وَلَّ أَنْتُمْ عَدُونَ مَآ أَعْبُدُ) نفي عبادة الله تعالى من غير تعرُّضٍ لشيءٍ آخر، ولَمَّا كان مظنَّة أن يقولوا لغفلةٍ عن المراد أو نحوها: كيف يسوغُ لك أن تنفيَ عنك عبادةَ ما نعبد، وعنًّا عبادةَ ما تعبد، ونحن أيضاً نعبدُ الله تعالى، غايةُ ما في الباب أنّا نعبد معه غيره، أَرْدَفَ ذلك بقوله سبحانه: (وَلَّ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدُ) إلخ للإشارة إلى أنهم ما عبدوا الله حقيقةً، وإنما عبدوا شيئاً قالوا: إنه الله، والله عزَّ وجلَّ وراءَ ذلك، أي: ولا أنا عابدٌ في وقتٍ من الأوقات الإله الذي عبدتم؛ لأنكم عبدتم شيئاً تخيَّلتموه، وذلك بعنوان ما تخيَّلتم ليس بالإله الذي أعبده، ولا أنتم عابدون (١) في (م): والاستقبال. (٢) البيت في غرر الخصائص الواضحة ص٤٣٢، ونفحة اليرحانة ١٧٧/٤، وسلف ٧٤/٨. (٣) من قوله: وقيل ... إلى هنا ليس في (م). سُوَدَّةُ الْكَافِرُون ٣٨٤ الآية : ٢ - ٥ في وقتٍ من الأوقات ما أنا على عبادته؛ لأني إنما أعبدُ الإله المثَّصفَ بالصفات التي قام البرهان على أنها صفاتُ الإله النفسِ الأمري. ويُعلَمُ منه وجهٌ غير ما تقدَّم للتعبير بـ ((الكافرون)) دون: المشركون، وكأنه لم يُؤتَ بالقرينتين الأوليين بهذا المعنى، ويكتفى بهما عن الأخريين لأنهما أوفقُ بجوابهم، مع أنَّ هذا الأسلوبَ أنكى لهم، فلا تغفل. ومن الناس مَن اختار كونَ ((ما)) في القرينتين الأوليين موصولةً مفعولاً به لما قبلها، والمراد بها أولاً آلهتهم، وثانياً إلهه عليه الصلاة والسلام، والمراد نفي العبادة ملاحَظاً معها التعلُّقُ بما تعلَّقتْ به من المفعول، بل هو المقصودُ ومحظّ النظر كما يقتضي ذلك وقوعُ القرينتين في الجواب، ويُعتَبرُ الاستقبالُ رعايةً للغالب في استعمال ((لا)) داخلةً على المضارع، مع كونه أوفقَ بالجواب أيضاً، ويكون قد تمَّ بهما، فكأنه قيل: لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في الحال من الآلهة، أي: لا أُحدِثُ ذلك حَسْبَما تطلبونه مني وتَدْعوني إليه، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبدُ في الحال. وكونَها(١) في الأُخريين مصدريةً مؤولةً مع ما بعدها بمصدرٍ وَفَعَ مفعولاً مطلقاً لما قبلُ، كما فعل أبو مسلم؛ ليتضمَّنَ الكلامُ الإشارةَ إلى بيان حال العبادة في نفسها من غير نظرٍ إلى تعلُّقها بالمفعول - وإن كانت لا تخلو عنه في الواقع - إثرَ الإشارة إلى بيان حالها مع ملاحظة تعلُّقها بالمفعول، ويُرادُ استمرارُ النفي في كلتيهما كما في قوله تعالى: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] وفي ذلك من إنكائهم ما ليس في الاقتصار على ما تمَّ به الجوابُ، فكأنه قيل: ولا أنا عابدٌ على الاستمرار عبادةً مثلَ عبادتكم التي أذهبتم بها أعماركم؛ لأنَّ عبادتي مأمورٌ بها، وعبادتكم منهيٍّ عنها، ولا أنتم عابدون على الاستمرار عبادةً مثل عبادتي التي أنا مستمرٌّ عليها؛ لأنكم الذين خَذَلهم الله تعالى وخَتَمَ على قلوبهم، وإني الحبيبُ المبعوثُ بالحقِّ، فلا زلتم في عبادةٍ منهيٍّ عنها، ولا زلتُ في عبادةٍ مأمورٍ بها. ولك أن تعتبرَ الفرقَ بين العبادتين بوجهٍ آخرَ. واعتبارُ الاستمرار في ((ما أعبد)» يُشعِرُ به العدولُ عن: ما عبدت، الذي يقتضيه ((ما عبدتم)) قبله إليه. (١) عطف على ((كون)) في قوله: ومن الناس مَن اختار كونَ. الآية : ٢ - ٥ ٣٨٥ سُورَةُ الْكَافِرُونَ وذكر بعض الأجلة أنَّ الظاهر أن يقال في الجملة الثانية: ولا تعبدون ما أعبد، لتناسب ما قبلها من قوله تعالى: (لَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) وفي الجملة الرابعة: ولا أنتم عابدون ما عبدتُ، لتكون أوفق بقوله تعالى: (وَآَ أَنَأْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُمْ). وأُجيب عن العدول في الثانية إلى ما في النظم الجليل لأنَّ الخطاب مع مَنْ عُلِمَ أنهم لا يؤمنون أصلاً، فأتى بما يفيد الاستمرار بمعونة المقام(١)، وعن العدول في الثانية إلى ذلك؛ لأنَّ أنواعَ عبادته عليه الصلاة والسلام لم تكن تامةً بعد، بل كانت تتجدَّدُ لها أنواعُ أُخَرُ، فأتى بما يفيدُ الاستمرارَ التجدُّديَّ للإشارة إلى حَقِّيَّةٍ جميع ما يأتي بِهِ وَّل من ذلك. وقال الزمخشريُّ: لم يقل: ما عبدتُ، كما قيل: ((ما عبدتم))؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل البعث، وهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يعبدُ الله تعالى في ذلك الوقت(٢). وتعقِّب بأنَّ فيه نظراً؛ لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يتحَّثُ في غار حراء قبل البعثة. ونصَّ أبو الوفاء عليٍّ بن عقيل على أنه وَلَ﴿ كان متديِّناً قبل بعثه بما يصحُّ عنه أنه من شريعة إبراهيم عليه السلام، وأما بعد البعث فقال ابن الجوزي في كتاب ((الوفا))(٣): فيه روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنه كان متعبِّداً بما صحَّ من شرائع مَنْ قبله بطريق الوحي، لا من جهتهم ولا نقلهم(٤) ولا كتبهم المبدَّلة. واختارها أبو الحسن التميمي، وهو قولُ أصحاب أبي حنيفة. الثانية: أنه لم يكن متعبِّداً إلا بما يوحى إليه من شريعته، وهو قولُ المعتزلة والأشعرية . ولأصحاب الشافعي وجهان کالروايتين. (١) من قوله: وذكر بعض الأجلة ... إلى هنا ليس في (م). (٢) الكشاف ٤/ ٢٩٣. (٣) الوفا بأحوال المصطفى ص ١٣٦. (٤) في مطبوع الوفا: ولا بعلمهم. سُورَةُ الْكَافِرُونَ ٣٨٦ الآية : ٢ - ٥ والقائلون بأنه عليه الصلاة والسلام متعبِّدٌ بشَرْعِ مَنْ قبله اختلفوا في التعيين، فقيل: كان متعبِّداً بشريعة إبراهيم عليه السلام، وعليه أصحاب الشافعي. وقيل: بشريعة موسى عليه السلام إلا ما نُسِخَ في شرعنا . وظاهرُ كلام أحمد أنه نََّ كان متعبِّداً بكلِّ ما صحَّ أنه شريعةٌ لنبيِّ قبله ما لم يثبتْ نَسْخُه؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُّ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقال ابن قتيبة: لم تزلِ العربُ على بقايا دين إسماعيل عليه السلام كالحجِّ والختان وإيقاع الطلاق الثلاث والدية والغسل من الجنابة وتحريم المحرَم بالقرابة والصهر، وكان عليه الصلاة والسلام على ما كانوا عليه من الإيمان بالله تعالى والعمل بشرائعهم. انتهى. والمعتزلة لم يُجوِّزوا ذلك لزعمهم أنَّ فيه مفسدةً، وهو إيجابُ النُّفْرة، نعم من أصولهم وجوبُ التعبُّد العقليّ بالنظر في آيات الله تعالى، وأدلة توحيده سبحانه، ومعرفته عزَّ وجلَّ، ولا يمكنُ أن يُخِلَّ ◌َِّ بذلك. وفي «الكشف)): العبادةُ قد تُطلَقُ على أعمال الجوارح الواقعة على سبيل القربة، فالإيمانُ والنيةُ والإخلاصُ شروطٌ، ومنه: ((لفَقيةٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألف عابد)) (١)، واختلف أنه عليه الصلاة والسلام كان متعبِّداً بهذا المعنى قبل نبوَّته بشَرْعٍ أو لا، فميلُ الإمام فخر الدين وجماعةٍ من الشافعية وأبي الحسين البصري وأتباعه إلى أنه وَ لّ لم يكن متعبِّداً، وأجابوا عن الطواف والتحثُّثِ وغيرهما من المكارم أنها لا تُحرَّمُ من غير شرع حتى يقال: الآتي بها لا بدَّ أن يكون متعبِّداً، بل هي من اقتضاء العادات المستمرَّة والمكارم الغريزية، دون نظرٍ إلى قربة. والزمخشريُّ اختارَ ذلك القول، وعليه بنى تفسيرَهُ، وقد ظهرَ أنه لم يخالف أصله في وجوب التعبُّد العقليِّ بالنظر في الآيات وأدلة التوحيد والمعرفة. (١) أخرجه الترمذي (٢٦٨١)، وابن ماجه (٢٢٢) من حديث ابن عباس حدیث غريب. . قال الترمذي : الآية : ٦ ٣٨٧ سُوَّةُ الكَافِرُون ثم قال: والظاهرُ حَمْلُ ((ما أعبد)» على إفادة الاستمرار والتصوير على أنهم ما كانوا ينكرون ما كان عليه و ﴿ فيما مضى عبادةً كانت أو لا، بل كانوا يُعظّمونه ويُلقِّبونه بالأمين، إنما كان المنكر ما كان عليه بعد النبوة، فلذلك قيل ثانياً: ((ولا أنتم عابدون ما أعبد)) إذ لو قيل: ما عبدتُ، لم يُطابق المقام. وفيه أنَّ ما كانوا يتوهّمونه من موافقته عليه الصلاة والسلام قبل النبوة لم يكن صحيحاً، بل إنما كان ذلك لأنه لم يكن ويّهرِ مأموراً بالدعوة. انتهى، فتدبّرْه. وزعم بعضُهم أنَّ تغايرَ الأساليب في هذه السورة لتغاير أحوال الفريقين، وليس بشيءٍ. وفي تكليف مثل هؤلاء المخاطَبين بما ذُكِرَ - على القول بإفادته الاستمرارَ على الكفر - بالإيمان بحثٌ مذكورٌ في كتب الأصول، إن أردته فارجع إليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة (تَبَّتْ) إشارةٌ مّا إلى ذلك. وقوله تعالى: ﴿لَكُرْ دِينُكُمْ﴾ هو عند الأكثرين تقريرٌ لقوله تعالى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) وقوله تعالى: (وَلَّ أَنَأْ عَائِدٌ مَا عَبَدُمْ) كما أنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَِ دِينِ﴾ عندهم تقريرٌ لقوله تعالى: (وَلََّ أَنْتُمْ عَيِدُونَ مَا أَعْبُدُ) والمعنى: إنَّ دينكم - وهو الإشراك - مقصورٌ على الحصول لكم، لا يتجاوزه إلى الحصول لي(١) كما تطمعون فيه، فلا تُعلِّقوا به أمانيكم الفارغة، فإنَّ ذلك من المحالات، وإنَّ ديني - الذي هو التوحيدُ - مقصورٌ على الحصول لي لا يتجاوزه إلى الحصول لكم أيضاً؛ لأنَّ الله تعالى قد خَتَمَ على قلوبكم لسوء استعدادكم، أو لأنكم علَّقتموه بالمحال الذي هو عبادتي لآلهتكم، أو استلامي لها، أو لأنَّ ما وَعَدْتُموه عينُ الإشراك، وحيث إنَّ مقصودهم شِرْكَةُ الفريقين في كلتا العبادتين كان القَصْرُ المستفاد من تقديم المسند قَصْرَ إفرادٍ حتماً، وجُوِّزَ أن يكون هذا تقريراً لقوله تعالى: (وَلَّ أَنْتُمْ عَيِدُونَ مَا أَعْبُدُ) والآيةُ على ما ذُكِرَ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ كما لا يخفى. (١) قوله: لي. ليس في (م). الآية : ٦ ٣٨٨ سُورَةُ الْكَافِرُونَ أو المراد المتارَكةُ، على معنى: إني نبيٌّ مبعوثٌ إليكم لأدعوكم إلى الحقِّ والنجاة، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتّبعوني فدَعوني كفافاً، ولا تَدْعوني إلى الشرك. فهي على هذا كما قال غيرُ واحدٍ منسوخةٌ بآية السيف. وفُسِّرَ الدينُ بالحساب، أي: لكم حسابكم ولي حسابي، لا يرجعُ إلى كلٍّ منّا مِن عَمَلٍ صاحبه أثرٌ. وبالجزاء، أي: لكم جزاؤكم ولي جزائي. قيل: والكلامُ على الوجهين استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: فما يكون إذا بقينا على عبادة آلهتنا، وإذا بقيتَ على عبادة إلهك، فقيل: لكم .. إلخ، والمراد: يكون لهم الشَّرُّ ويكون له عليه الصلاة والسلام الخيرُ، لكن أتى باللام في ((لكم)) للمشاكلة، وعليه لا نَسْخَ أيضاً. ويحتمل أن يكونَ المرادُ غير ذلك مما تكونُ عليه الآية منسوخةً، ولعلَّه لا يخفى. وقد يُفَسَّرُ الدين بالحال كما هو أحدُ معانيه حسبما ذكره القالي في ((أماليه))(١) وغيره، أي: لكم حالُكُم اللائقُ بكم الذي يقتضيه سوءُ استعدادكم، ولي حالي اللائقُ بي الذي يقتضيه حُسْنُ استعدادي. والجملةُ عليه كالتعليل لما تضمَّنه الكلامُ السابقُ، فلا نَسْغَ. والأَولى أن تُفسَّرَ بما لا تكونُ عليه منسوخة؛ لأنَّ النَّسْخَ خلافُ الظاهر، فلا يُصارُ إليه إلا عند الضرورة. وللإِمام الرازي أوجهٌ في تفسيرها لا يخلو بعضُها عن نظرٍ، وذكر عليه الرحمة أنه جرتِ العادةُ بأنَّ الناسَ يتمثّلون بهذه الآية عند المتاركة، وذلك لا يجوز؛ لأنَّ القرآنَ ما أُنزل ليُتَمَثَّلَ به، بل ليُهتَدَى به (٢). وفيه مَيلٌ إلى سَدِّ باب الاقتباس، والصحيحُ جوازه، فقد وَقَعَ في كلامه عليه الصلاة والسلام وكلام كثيرٍ من الصحابة (١) ٢٩٥/٢. (٢) تفسير الرازي ١٤٧/٣٢-١٤٨. الآية : ٦ ٣٨٩ سُوَّةُ الْكَافِرُونَ والأئمة والتابعين، وللجلال السيوطي رسالةٌ وافيةٌ كافيةٌ في إزالة الالتباس عن وجه جواز الاقتباس(١)، وما ذُكِرَ من الدليل فأظهر من أن يُنبّه على ضعفه. وقرأ سلام ويعقوب: ((ديني)) بياء وَصْلاً وَوَقفاً (٢)، وحَذَفها القراءُ السبعة، والله تعالى أعلم. (١) وهي المسماة: رفع الباس وكشف الالتباس في ضرب المثل من القرآن والاقتباس. كشف الظنون ٩١٠/١، ومكتبة الجلال السيوطي لأحمد الشرقاوي ص٣٤١، وهي رسالة مطبوعة ضمن الحاوي للفتاوي ٣٩٩/١-٤٤١ . (٢) النشر ٤٠٤/٢ عن يعقوب، وذكرها عن سلام أبو حيان في البحر ٥٢٢/٨. سُوْدَةُ التَّصْ وتُسمَّى سورة ((إذا جاء)»، وعن ابن مسعود: أنها تُسمَّى سورةَ ((التوديع))؛ لما فيها من الإيماء إلى وفاته عليه الصلاة والسلام وتوديعه الدنيا وما فيها، وجاء في عِدَّة رواياتٍ عن ابن عباس وغيره أنه بَّه قال حين نزلت: ((نُعِيتْ إليَّ نفسي))(١). وفي روايةٍ للبيهقي عنه: أنه لَمَّا نزلت دعا عليه الصلاة والسلام فاطمةَ رِيُّا وقال: ((إنه قد نُعِيَتْ إليَّ نفسي)) فبكت ثم ضحكت، فقيل لها، فقالت: أخبرني أنه نُعِيَتْ إليه نفسُهُ فبكيت، ثم أخبرني بأنك أولُ أهلي لحاقاً بي فضحكت(٢). وقد فَهِمَ ذلك منها عمر نَظَهُ(٣)، وكان يفعلُ عليه الصلاة والسلام بعدها فِعْلَ مُودِّعٍ. وهي مدنيةٌ على القول الأصح في تعريف المدني، فقد أخرج الترمذيُّ في مسنده(٤)، والبيهقيُّ من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار(٥) وصدقة بن بشار عن ابن عمر ها أنه قال: هذه السورةُ نزلتْ على رسول الله وَّهِ أوسطَ أيام التشريق بمنى(٦) وهو في حَجَّة الوداع: (إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ) حتى ختمها، (١) أخرجه أحمد (١٨٧٣). (٢) دلائل النبوة للبيهقي ٧/ ١٦٧، وأخرجه أيضاً الدارمي (٧٩). (٣) أخرجه البخاري (٤٩٧٠)، وفيه قصة. (٤) كذا في الأصل و(م)، وليس للترمذي كتاب اسمه المسند، ولم نقف عليه في سننه، فنسبته للترمذي وهمٌّ من المصنف رحمه الله. (٥) في الأصل و(م): موسى بن عبيدة وعبد الله بن دينار، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٦) في (م): بمعنى، وهو تصحيف. ٣٩١ سُؤَدَّةُ النَّصْ الخبر، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهما (١)، لكن قال الحافظ ابن رجب بعد أن أخرجه عن الأولَين: إنَّ إسناده ضعيفٌ جدًّا، وموسى بن عبيدة قال أحمد: لا تَحِلُّ الروايةُ عنه. وعليه إن صحَّ يكون نزولها قريباً جدًّا من زمان وفاته وَّهِ، فإنَّ ما بين حجَّةِ الوداع وإجابته عليه الصلاة والسلام داعيَ الحقِّ ثلاثة أشهر ونيف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر(٢) عن قتادة أنه قال: والله ما عاش ◌َّه بعد نزول: (إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ) إلا قليلاً، سنتين ثم توفِّي عليه الصلاة والسلام. وفي ((البحر)): أنَّ نزولها عند منصرفه وٍَّ من خيبر(٣). وأنت تعلم أنَّ غزوةً خيبر كانت في سنة سبعٍ أواخرَ المحرَّم، فيكونُ ما في البين أكثرَ من سنتين. ويدلُّ على مدنيَّتها أيضاً ما أخرجه مسلم وابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: آخرُ سورةٍ نزلتْ من القرآن جميعاً (إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ) (٤). وآيها ثلاثٌ بالاتفاق، وفيها إشارةٌ إلى اضمحلال مِلَّةِ الأصنام وظهور دين الله عزَّ وجلَّ على أتمٍّ وجهٍ، وهو وجهُ مناسبتها لما قبلها، ويحتمل غير ذلك، وهي على ما أخرج الترمذيُّ وغيره من حديث أنس: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ربع القرآن(٥). ولم أظفرْ بوجه ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلَّقُ به. (١) مسند عبد بن حميد (٨٥٨)، وسنن البيهقي ١٥٢/٥، وعزاه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر ٤٠٦/٦، وأخرجه أيضاً البزار (١١٤١ - كشف). (٢) الدر المنثور ٤٠٦/٦، وهو في تفسير الطبري ٢٤/ ٧١٢. (٣) البحر ٥٢٣/١٠. (٤) صحيح مسلم (٣٠٢٤)، ومصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٠٤. (٥) سنن الترمذي (٢٨٩٥)، وقال: حديث حسن. . سُورَةُ النَّصِ ٣٩٢ الآية : ١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٠٠١ ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: إعانته تعالى وإظهاره إياك على عدوِّك، وهذا معنى النصر المعدّى بـ ((على))، وفُسِّر به لأنه أوفق بقوله تعالى: ﴿وَاَلْفَتْحُ﴾. وجُوِّزَ أن يُراد به المعدَّى بـ ((مِنْ)) ومعناه: الحفظُ، والفتحُ يتضمَّنُ النصرَ بالمعنى الأول، فحينئذٍ يكون الكلامُ مشتملاً على إفادة النصرين، والأولُ هو الظاهر. و((إذا)) منصوبٌ بـ ((سبِّح))، والفاءُ غيرُ مانعةٍ على ما عليه الجمهور في مثل ذلك، وأبو حيان(١) على أنها معمولةٌ للفعل بعدها، وليست مضافةً إليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى قولٌ آخرُ. والمراد بهذا النصر ما كان في أمر مكة من غلبته عليه الصلاة والسلام على قريش، وذكر النقاش عن ابن عباس أنَّ النصرَ هو صلحُ الحديبية، وكان في آخر سنة ◌ِتِّ، وأما الفتح فقد أخرج جماعةٌ عنه وعن عائشةً أنَّ المراد به فتحُ مكة، وروي ذلك عن مجاهدٍ وغيره، وصحَّحه الجمهور، وكان في السنة الثامنة. وقال ابن شهاب: لثلاث عشرةً بقيتْ من شهر رمضان على رأس ثمان سنين ونصف من الهجرة، وخَرَجَ عليه الصلاة والسلام - على ما أخرجه أحمدُ بسندٍ صحيح عن أبي سعيد - لليلتين خلتا من شهر رمضان(٢)، وفي روايةٍ أخرى عن أحمد: لثمانِ عشرةً(٣)، وفي أخرى: لثنتي عشرة(٤). وعند مسلم: لِسِتَّ =(٥) عشرةَ(٥). (١) في البحر ٥٢٣/٨. (٢) مسند أحمد (١١٨٢٥). (٣) مسند أحمد (١٧١١٢) من حديث شداد بن أوس (٤) مسند أحمد (١١٤١٣) من حديث أبي سعيد الخدري (٥) صحيح مسلم (١١١٦). ٠ ٠٠٠ الآية : ٢ ٣٩٣ سُورَةُ النَّصْ وقال الواقديُّ: خرج بَّهِ يومَ الأربعاء لعشرٍ خَلَوْنَ من رمضان بعد العصر(١). وضعَّفه القسطلاني(٢) . وكان المسلمون في تلك الغزوة عشرة آلافٍ من المهاجرين والأنصار وطوائف من العرب، وفي ((الإكليل)) اثني عشر ألفاً (٣). وجُمع بأنَّ العشرة خَرَجَ بها عليه الصلاة والسلام من المدينة، ثم تلاحق الألفان. والأولى أن يُحمَلَ النصر على ما كان مع الفتح المذكور، فإن كانت السورةُ الكريمةُ نازلةً قبل ذلك فالأمرُ ظاهرٌ، وتتضمَّنُ الإعلام بذلك قبل کونه، وهو من أعلام النبوَّة، وإذا كانت نازلةً بعده فقال الماتريدي في ((التأويلات)): إنَّ ((إذا)) بمعنى ((إذ)) التي للماضي، ومجيئها بهذا المعنى كثيرٌ في القرآن(٤). وعليه تكون متعلِّقةً بمقدَّرٍ كـ: كَمُلَ الأمرُ، أو: أتمّ النعمةَ على العباد، أو نحو ذلك، لا بـ((سبَّح))؛ لأنَّ الكلامَ حينئذٍ نحو: أَضْرِبُ زيداً أمس. وقال بعضُ الأجِلَّة: هي لما يُستقبل كما هو الأكثرُ في استعمالها، وحينئذٍ لم يكن بُدٍّ من أن يُجعل شيءٌ من ذلك مستقبلاً مترقَّباً باعتبار أنَّ فتح مكة كان أمَّ الفتوح، والدستورَ لما يكون من بعده، فهو مترقّبٌ باعتبار ما يدلُّ عليه، وإن كان متحقِّقاً باعتباره في نفسه. وجُوِّزَ أن يكون الاستقبالُ باعتبار مجموع ما في حَيِّز ((إذا))، فمنه ما هو مستقبلٌ وهو ما تضمَّنه قوله سبحانه: ﴿وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا چ﴾ ولو باعتبارٍ آخِرِ داخلٍ، وهو مما لا بأسَ به إن لم يكن النزولُ بعد تمام الدخول. وقيل: المراد جنسُ نصر الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، (١) مغازي الواقدي ٢/ ٨٠١. (٢) في المواهب اللدنية (مع شرح الزرقاني) ٢٩٩/٢. (٣) هو: الإكليل في الحديث للحاكم النيسابوري، ونقله المصنف عنه بواسطة القسطلاني في المواهب ٢٩٨/٢. (٤) تأويلات أهل السنة ٥٣١/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٤٠٦/٨، وجاء في التأويلات: ((إن)) بدل ((إذ)). سُوَّةُ النَّصِر ٣٩٤ الآية : ٢ وجنسُ الفتح، فيعمُّ ما كان في أمر مكة - زادها الله شرفاً - وغيرَه، وأَمْرُ الاستقبال علیه ظاهرٌ. وأيًّا ما كان فالمرادُ بالمجيء الحصولُ، وهو حقيقةٌ فيه على ما يقتضيه ظاهرُ كلام الراغب(١). وقال القاضي: مجاز، وتُجوِّزَ به عنه للإشعار بأنَّ المقدَّرات متوجهةٌ من الأزل إلى أوقاتها المعيَّنةِ لها، فتقرُبُ منها شيئاً فشيئاً بحسب الاستعداد والأسباب العادية(٢). وقال عصام الدين: يمكن أن يقال: التعبيرُ بالمجيء للإشارة إلى أنَّ حصولَ نصرته تعالى بمجيء جندٍ يكون بهم النصرُ والفتحُ(٣). والظاهرُ أنَّ الخطابَ في ((رأيت)) للنبيِّ عليه الصلاة والسلام، والرؤيةُ بصريةٌ، أو علميةٌ متعدِّيةٌ لمفعولین. و((الناس)): العربُ، و((دين الله)): ملَّةُ الإسلام التي لا دينَ له تعالى يُضافُ إليه غيرها. و((الأفواجُ)) جمعُ فَوْجٍ، وهو على ما قال الراغبُ: الجماعةُ المارَّةُ المسرِعةُ(٤). ويُرادُ به مطلقُ الجماعة. قال الحوفي: وقياس جمعه أَفْوُجُ، ولكن استُثقلتِ الضمةُ على الواو، فَعُدِلَ إلى أفواج. وفى ((البحر))(٥): قياس ((فَعْلٍ)) صحيحِ العين أن يُجْمَعَ على ((أَفْعُل)) لا على (أفعال))، ومعتلّ العين بالعكس، فالقياسُ فيه ((أفعالٌ)) كحوضٍ وأحواض، وشَذَّ فيه (أَفْعُلٌ)) كثوبٍ وأَثْوُب. ونصب ((أفواجاً)) على الحال من ضمير ((يدخلون)). وأما جملة ((يدخلون)) فهي حالٌ من ((الناس)) على الاحتمال الأول في الرؤية، ومفعولٌ ثانٍ على الاحتمال الثاني فيها . (١) في مفرداته (جاء). (٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤٠٦/٨. (٣) من قوله: وتجوز به ... إلى هنا ليس في (م). (٤) المفردات (فوج). (٥) ٨/ ٥٢٣. الآية : ٢ ٣٩٥ سُوَدَّةُ النَّصِّ وكونُها حالاً أيضاً بجَعْلِ ((رأيت)) بمعنى عرفت كما قال الزمخشريُّ(١)، تعقّبه أبو حيان بقوله: لا نعلمُ أنَّ ((رأيت)) جاءت بمعنى عرفت، فيحتاج في ذلك إلى استثباتٍ(٢). والمراد بدخول الناس في دينه تعالى أفواجاً - أي: جماعاتٍ كثيرة -: إسلامُهم من غير قتال، وقد كان ذلك بين فتح مكة وموته عليه الصلاة والسلام، وكانوا قبل الفتح يدخلون فيه واحداً واحداً، واثنين اثنين، أخرج البخاريُّ(٣) عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتحُ بادرَ كلُّ قومٍ بإسلامهم إلى رسول الله وَّر، وكانت الأحياءُ تتلوَّمُ بإسلامها فتحَ مكة، فيقولون: دعوه وقومَهُ، فإن ظهرَ عليهم فهو نبيٌّ. وعن الحسن قال: لما فتحَ رسول الله وَّ مكةَ قالت الأعراب: أما إذا ظفر بأهل مكة وقد أجارهم الله تعالى من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان، فدخلوا في دين الله تعالى أفواجاً (٤). وقال أبو عمر بن عبد البرِّ: لم يُتُوفَّ رسولُ اللهِ وَّرِ وفي العرب رجلٌ كافرٌ، بل دخل الكلُّ في الإسلام بعد حُنين والطائف، منهم مَنْ قَدِمَ، ومنهم من قَدِمَ وافدُهُ(٥) . وتأوَّلَ ذلك ابن عطية فقال: المراد والله تعالى أعلم العربُ عَبَدَةُ الأوثان، فإنَّ نصارى بني تغلب ما أراهم أسلموا في حياة رسول الله وَله، ولكن أَعطوا الجزية(٦). ونصَّ بعضُهم على أنهم لم يسلموا إذ ذاك، فالمراد بالناس عَبَدَةُ الأوثان من العرب، كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن ونحوهم. (١) في الكشاف ٤/ ٢٩٤. (٢) البحر المحيط ٥٢٣/٨. (٣) في صحيحه (٤٣٠٢). (٤) الكشاف ٢٩٤/٤. واليدان: القدرة والطاقة. يقال: مالي بهذا الأمر يدٌ ولا يدان. النهاية ٢٩٣/٥. (٥) الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٢١٠/١١. (٦) المحرر الوجيز ٥/ ٥٣٢. الآية : ٢ ٣٩٦ سُوَرَةُ الْنَصِ وقال عكرمة ومقاتل: المراد بالناس أهلُ اليمن، وَفدَ منهم سبع مئة رجلٍ وأسلموا. واحتُجَّ له بما أخرجه ابن جرير من طريق الحسين(١) بن عيسى عن معمر عن الزهري عن أبي حازم عن ابن عباس(٢) قال: بينما رسول الله وَله في المدينة إذ قال: ((الله أكبر الله أكبر، جاء نصرُ الله والفتح، وجاء أهل اليمن)) قيل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: ((قومٌ رقيقةٌ قلوبهم، لَيِّنةٌ طاعتهم، الإيمانُ يمانٍ، والفقهُ يمانٍ، والحكمةُ يمانية))(٣). وأخرجه أيضاً من طريق عبد الأعلى عن معمر عن عكرمة مرسلاً (٤). وفيه أنه لا دلالة لذلك على أنَّ المراد بالناس هم أهل اليمن لا غير، وهو (٥) ظاهر(٥). وقوله عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان يمانٍ)) جاء في حديثٍ أخرجه البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ(٦) عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((أتاكم أهل اليمن، هم أَرقُّ أفئدةً، وألينُ قلوباً، الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانية)). فقيل: قال رسول الله رَ﴿ ذلك لأنَّ مكةَ يمانيةٌ، ومنها بُعِثَ وَِّ وفشا الإيمان. وقيل: أراد عليه الصلاة والسلام مَذْحَ الأنصار لأنهم يمانون، وقد تبوَّؤوا الدار والإيمان، وقول ابن عباس في الخبر: في المدينة، يُعارضُ قولَ مَنْ قال: إنَّ ذلك إنما قاله ◌َ* بتبوك، وكان بينه وبين اليمن مكةُ والمدينة، وهما دارا الإيمان ومظهراه، ويحتمل تكرُّر القول. والظاهرُ أنه ثناءٌ على أهل اليمن لإسراعهم إلى الإيمان، وقبولهم له بلا سيف، (١) تصحف في (م) إلى: الحصين. (٢) تصحف في (م) إلى: أبي عباس. (٣) تفسير الطبري ٧٠٦/٢٤، وأخرجه أيضاً ابن حبان (٧٢٩٩)، وهو حديث صحيح لغيره إسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية صحيح ابن حبان. (٤) تفسير الطبري ٢٤/ ٧٠٧ . (٥) من قوله: وفيه ... إلى هنا ليس في (م). (٦) البخاري (٤٣٩٠)، ومسلم (٥٢)، والترمذي (٣٩٣٥)، وهو عند أحمد (٧٢٠٢). الآية : ٣ ٣٩٧ سُورَةُ النَّصْ ويشملُ الأنصار من أهل اليمن وغيرهم، فكأنَّ الإيمان كان في سِنْخِ(١) قلوبهم فقبلوه كما أُنهي إليهم، كمن يجدُ ضالَّته، ومِثْلُه في الثناء عليهم قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أجِدُ نَفَسَ ربِّكم من قِيَلِ اليمن))(٢). وللشيخ الأكبر قُدِّس ◌ِرُّه في هذا الخبر كلامٌ طويلٌ على ما هو المعروف من مشربه قُدِّسَ سِرُّه(٣) . وقال عصام الدين: يحتملُ أن يكونَ الخطابُ في ((رأيت الناس)) عامًّا لكلِّ مؤمن، ثم قال: ومما يختلجُ في القلب أنَّ المناسبَ بقوله تعالى: (يَدْخُلُونَ فِی دِینِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) أن يُحمَلَ قوله سبحانه: (وَاُلْفَتْحُ) على فتح باب الدين عليهم. انتهى، وكلا الأمرين كما ترى. وقرأ ابن عباس كما أخرج أبو عبيد(٤) وابن المنذر عنه: ((إذا جاء فتح الله والنصر))(٥). وقرأ ابن كثير في رواية: ((يُدْخَلون)) بالبناء للمفعول(٦). ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَيِّكَ﴾ أي: فنزِّهه تعالى بكلِّ ذِكْرٍ يدلُّ على التنزيه، حامداً له جلَّ وعلا زيادةً في عبادته والثناء عليه سبحانه؛ لزيادة إنعامه سبحانه عليك، فالتسبيحُ التنزيهُ، لا التلفُّظُ بكلمة ((سبحان الله)) والباءُ للملابسة، والجارُّ والمجرور في موضع الحال، و((بحمد))(٧) مضافٌ إلى المفعول، والمعنى على الجمع بين تسبيحه تعالى - وهو تنزيهه سبحانه عما لا يليق به عليه عزَّ وجلَّ من النقائص - وتحميده، وهو إثباتُ ما يليقُ به تعالى من المحامد له، لِعِظَم ما أنعم سبحانه به عليه عليه الصلاة والسلام. (١) السِّنْخُ: المنبت. القاموس المحيط (سنخ). (٢) أخرجه أحمد (١٠٩٧٨) من حديث أبي هريرة (٣) من قوله: وللشيخ ... إلى هنا ليس في (م) وضرب عليها في النعمانية (ب). (٤) في (م): أبو عبيدة. وهو تصحيف. (٥) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٨٩، والدر المنثور ٤٠٦/٦، وعنه نقل المصنف. (٦) الكشاف ٤/ ٢٩٤، والبحر ٥٢٣/٨. (٧) في (م): والحمد. : سُوَدَّةُ النَّصْرِ ٣٩٨ الآية : ٣ وقيل: أي: نزِّهْهُ تعالى عن العجز في تأخير ظهور الفتح، واحمده على التأخير، وَصِفْهُ تعالى بأنَّ توقيتَ الأمور من عنده ليس إلا لحكمةٍ لا يعرفها إلا هو عزَّ وجلَّ. وهو كما ترى. ويجوز أن يراد بالتسبيح التلفّظ بكلمة ((سبحان الله)) أو ((ربي)) مثلاً، أي: فقل سبحان الله حامداً له (١). وأيِّدَ ذلك بما في ((الصحيحين)) عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله ◌َّه يُكثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)) يتأوَّلُ القرآنَ(٢). تعني هذا مع قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرَةٌ﴾ أي: اطلب منه أن يغفر لك. وكذا كما في ((مسند)) الإمام أحمد، و((صحيح)) مسلم(٣) عن عائشة أيضاً قالت: كان رسول الله وَّهُ يُكثِرُ في آخر أمره من قول: ((سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه)) وقال: ((إنَّ ربي كان أخبرني أنْ سأرى علامةً في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أُسبِّحَ بحمده وأستغفره» إلخ. وروى ابن جرير(٤) من طريق حفص بن عاصم عن الشعبي عن أمِّ سلمة قالت: كان رسول الله وَّرَ في آخر أمره لا يقومُ ولا يقعدُ ولا يذهبُ ولا يجيءُ إلا قال: ((سبحان الله وبحمده)) قال: ((إني أُمرتُ بها)) وقرأ السورة. وهو غريب. وفي ((المسند)) عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت على رسول الله وَّه: (إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) كان يُكثِرُ إذا قرأها وركع أن يقول: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم)) ثلاثاً(٥). وجُوِّزَ أن تكون الباء للاستعانة، والحمدُ مضافٌ إلى الفاعل، أي: سَبِّحهُ (١) من قوله: ويجوز ... إلى هنا ليس في (م). (٢) صحيح البخاري (٤٩٦٨)، وصحيح مسلم (٤٨٤). (٣) أحمد (٢٤٠٦٥)، ومسلم (٤٨٤). (٤) في تفسيره ٢٤/ ٧١١. (٥) مسند أحمد (٣٦٨٣). ٠٠ الآية : ٣ ٣٩٩ سُورَةُ النَّصْ بما حَمِدَ سبحانه به نفسه. قال ابن رجب: إذ ليس كلّ تسبيح بمحمودٍ، فتسبیحُ المعتزلة يقتضي تعطيل كثيرٍ من الصفات، وقد كان بشرٌ المريسي يقول: سبحان ربي الأسفل. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً. والظاهر الملابسة. وجُوِّز أن يكون التسبيحُ مجازاً عن التعجُّب بعلاقة السببية، فإنَّ مَنْ رأى أمراً عجيباً قال: سبحان الله، أي: فتعجَّبْ لتيسير الله تعالى ما لم يخطر ببالك وبالٍ أحدٍ من أن يَغلبَ أحدٌ على أهل الحرم، واحمده تعالى على صنعه. وهذا التعجُّبُ تعجّبُ متأملٍ شاكرٍ يصحُ أن يُؤمَرَ به، وليس الأمرُ بمعنى الخبر بأنَّ هذه القصة من شأنها أن يتعجَّبَ منها كما زعم ابن المنير(١)، والتعليلُ بأنَّ الأمرَ في صيغة التعُبِ ليس أمراً بيِّن السقوطِ، نعم هذا الوجه ليس بشيءٍ، والأخبارُ دالةٌ على أنَّ ذلك أمرٌ له وَ﴿ بالاستعداد للتوجّه إلى ربه تعالى، والاستعداد للقائه بعدما أكمل دينه، وأدَّى ما عليه من البلاغ، وأيضاً ما ذكرناه من الآثار آنفاً لا يساعدُ عليه. وقيل: المراد بالتسبيح الصلاةُ لاشتمالها عليه، ونقله ابن الجوزي(٢) عن ابن عباس، أي: فَصَلِّ له تعالى حامداً على نعمه، وقد روي أنه وسيٍ لَمَّا دخل مكة صلّى في بيت أمِّ هانئ ثمان ركعات(٣). وزَعَمَ بعضُهم أنه صلّاها داخلَ الكعبة، وليس بالصحيح. وأيَّاما كان فهي صلاةُ الفتح، وهي سنَّةٌ، قد صلّها سعدٌ يوم فتح المدائن(٤). وقيل: صلاةُ الضحى. وقيل: أربعٌ منها للفتح، وأربعٌ للضحى. وعلى كلِّ ليس فيها دليلٌ على أنَّ المراد بالتسبيح الصلاة، والأخبار أيضاً تساعد على خلافه. واستغفاره بَ ﴿ قيل: لأنه كان دائماً في الترقِّي، فإذا ترقَّى إلى مرتبةٍ استغفرَ لما قبلها . وقيل: مما هو في نظره الشريف خلافُ الأَولى بمنصبه المنيف. (١) في الانتصاف ٤/ ٢٩٤. (٢) في زاد المسير ٢٥٦/٩ . (٣) أخرجه أحمد (٢٦٨٨٧)، والبخاري (١١٠٣)، ومسلم (٣٣٦). (٤) تاريخ الطبري ١٦/٤، والبداية والنهاية ١٣/١٠. سُورَةُ النَّصِ ٤٠٠ الآية : ٣ وقيل: عمَّا كان من سهوٍ ولو قبل النبوَّة. وقيل: لتعليم أمته وَلتر. وقيل: هو استغفارٌ لأمته عليه الصلاة والسلام أي: واستغفره لأمتك. وجوَّزَ بعضُهم كونَ الخطاب في ((رأيت)) عامًّا، وقال هاهنا: يجوز حينئذٍ أن يكون الأمر بالاستغفار لمن سواه عليه الصلاة والسلام، وإدخاله و # في الأمر تغليبٌ. وهذا خلافُ الظاهر جدًّا، وأنت تعلم أنَّ كلَّ أحدٍ مقصِّرٌ عن القيام بحقوق الله تعالى كما ينبغي، وأدائها على الوجه اللائق بجلاله جلَّ جلاله وعظمته سبحانه، وإنما يؤدِّيها على قَدْرِ ما يعرفُ، والعارفُ يعرفُ أنَّ قَدْرَ الله عزَّ وجل أعلى وأجلُّ من ذلك، فهو يستحي من عمله، ويرى أنه مقصِّرٌ، وكلّما كان الشخصُ بالله تعالى أَعْرَفَ، كان له سبحانه أَخْوفَ، وبرؤية تقصيره أَبْصَرَ، وقد كان كَهْمَس(١) يُصلِّي كلَّ يوم ألفَ ركعة، فإذا صلَّى أخذ بلحيته ثم يقول لنفسه: قومي يا مأوى كلِّ سوء، فوالله ما رضيتك لله عزَّ وجلَّ طَرْفةً عين. وعن مالك بن دينار: لقد هممتُ أن أوصي إذا متّ أن يُنْطَلَق بي كما يُنطَلَقُ بالعبد الآبق إلى سيِّده، فإذا سألني قلت: يا ربِّ إني لم أرضَ لك نفسي طَرْفةً عين. فيمكن أن يكون استغفاره عليه الصلاة والسلام لما يَعرِفُ من عظيم جلال الله تعالى وعظمته سبحانه، فيرى أنَّ عبادته - وإن كانت أجلّ من عبادة جميع العابدين - دونَ ما يليقُ بذلك الجلال وتلك العَظَمة التي هي وراءَ ما يخطرُ بالبال، فیستحيي ويهرعُ إلى الاستغفار. وقد صحَّ أنه عليه الصلاة والسلام كان يستغفرُ الله في اليوم والليلة أكثرَ من سبعين مرة (٢). (١) ابن الحسن التميمي الحنفي البصري العابد، أبو الحسن، من كبار الثقات، حدث عن الحسن البصري وجماعة، وحدث عنه ابن المبارك ومعتمر ووكيع وخلق كثير. توفي سنة (١٤٩ هـ). سير أعلام النبلاء ٣١٦/٦. (٢) أخرجه أحمد (٧٧٩٣)، والبخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة ـ