النص المفهرس
صفحات 361-380
الآية : ١ ٣٦١ سُورَةُ الْكِتْرِ أعطانيه ربِّي في الجنَّةِ عليه خيرٌ كثيرٌ، تَرِدُ عليه أُمتي يومَ القيامةِ، آنيتُهُ عدَدُ الكواكبِ، يُختَلَجُ العبدُ منهم فأقول: يا ربِّ إنَّه من أمتي، فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدَثَ بعدَك)). وقوله عليه الصلاة والسلام على ما أخرجه الإمام أحمدُ والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون عن أنس عنه وَله: ((دخلتُ الجنةَ فإذا أنا بنهرٍ حافَتَاهُ خيامُ اللؤلؤ، فضَرَبْتُ بَيَدي إلى ما يَجْري فيه الماءُ، فإذا مِسكٌ أَذْفَرُ، قلتُ: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الذي أَعطَاكَهُ الله تعالى)»(١). وجاء في حديثٍ عن أنس أيضاً قال: دخلتُ على رسول الله وَ له فقال: ((قد أُعطيتُ الكوثرَ)) قلتُ: يا رسول الله، وما الكوثرُ؟ قال: ((نهرٌ في الجنة عَرْضُه وطولُه ما بين المشرقِ والمغرب، لا يشربُ منه أحدٌ فيظمأ، ولا يتوضأ منه أحدٌ فيَشْعَث أبداً، لا يشربُ منه مَن أخفَرَ ذِمتي، ولا مَن قَتَل أهل بيتي))(٢). وروي عن عائشة أنَّها قالت: هو نهرٌ في الجنة عمقُه سبعون ألفَ فَرسَخ، ماؤُه أشدُّ بياضاً مِن اللبن، وأحلى من العسل، شاطِئاهُ الدُّ والياقوتُ والزَّبِرْجَدُ، خَصَّ الله تعالى به نبيَّه محمد بَّر من بين الأنبياء عليهم الصلاة (٣) والسلام(٣) . وقالت: ليس أحدٌ يُدخِلُ أُصبُعَيه في أُذَنَيه إلا سَمِع خَرِيرَ ذلك النهرِ (٤). وهو على التشبيه البليغ. (١) المسند (١٢٠٠٨)، وصحيح البخاري (٧٥١٧)، وسنن الترمذي (٣٣٥٩)، وسنن النسائي الكبرى (١١٦٤٢)، وعزاه لمسلم وابن ماجه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٢، وفي سنن ابن ماجه نحوه من حديث ابن عمر رة (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٨٨٧) من طريق حماد بن المختار، عن عطية العوفي، عن أنس به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٦٠/١٠: حماد بن يحيى بن المختار مجهول، وعطية ضعيف. (٣) أخرجه بهذا اللفظ الآجري في الشريعة (١٠٨٥)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة ص ١٤٨، وابن مردويه كما في الدر المنثور ٤٠٢/٦، جميعهم عن ابن عباس حظُ، وهو موقوف. (٤) أخرجه الطبري ٢٤/ ٦٨٠-٦٨١. سُورَةُالْكِوَّرَ ٣٦٢ الآية : ١ وقيل: هو حوضٌ له عليه الصلاة والسلام في المحشر، وهو كما في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ((مسيرةُ شهرٍ، وزواياه سواءٌ، ماؤه أبيضُ من اللبن، وريحُه أطيبُ من المسك، وكيزانُه أكثرُ من نجوم السماء، مَن شَرِبَ منه لا يظمأُ أبداً»(١). وجاءت رواياتٌ أُخَرُ في تحديده، وليس ذلك من الاضطراب الموجبٍ للضعف كما قال بعضُ القاصرين، لإمكان الجمع بما هو مذكورٌ في محلِّه، ومنه قولُ النوويِّ: ليس في ذكر المسافة القليلةِ ما يدفعُ المسافةَ الكثيرة، فالأكثر ثابتٌ بالحديث الصحيح، فلا معارضة(٢)، وقولُ بعضهم: الاختلافُ في الروايات سببُه ملاحظةُ اختلافِ سرعة السير وعدمها، وهو قبلَ الميزان والصراط عند بعضٍ، وبعدَهما قريباً من باب الجنة حيث يُحبَس أهلُها من أمته ◌َ﴿ ليتحالَلُوا من المظالم التي بينَهم عند آخرين، ويكونُ على هذا في الأرض المبدلة. وقيل: له وَّ حوضان، حوضٌ قبل الصراط، وحوضٌ بعده، ويُسمَّى كلٌّ منهما على ماحكاه القاضي زكريا كوثراً، وصحّح رحمه الله تعالى أنَّه بعد الصراط، وأنَّ الكوثر في الجنة، وأنَّ ماءَه ينصبُّ فيه ولذا يُسمَّى كوثراً، وليس هو من خواصِّه عليه الصلاة والسلام كالنهر السابق، بل يكونُ لسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يَرِدُه مؤمنو أممهم، ففي حديث الترمذي: ((إنَّ لكلِّ نبيِّ حوضاً، وإنَّهم يتباهَون أيُّهم أكثرُ واردةً، وإني أرجو أنْ أكونَ أكثرَهم واردةً) وهو كما قال: حديث حسن غريب(٣). (١) صحيح البخاري (٦٥٧٩)، وصحيح مسلم (٢٢٩٢)، وهو عند أحمد (١٥١٢١) من حديث جابر بن عبد الله ﴿يا، والكيزان جمع الكوز. القاموس (کوز). (٢) شرح مسلم للنووي ٥٨/١٥ . (٣) سنن الترمذي (٢٤٤٣) عن الحسن عن سمرة عن النبي ونَ*و، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي ◌َّر مرسلاً، ولم يذكر فيه: عن سمرة، وهو أصح. اهـ. ولم يرد كلمة حسن في مطبوع السنن ولا في تحفة الأشراف ٧٣/٤، وورد في تحفة الأحوذي ٧/ ١٣٤ . الآية : ١ ٣٦٣ سُوَدَةُ الْكَوْرِ وهذه الحياض لا يجبُ الإيمان بها كما يجبُ الإيمان بحوضه عليه الصلاة والسلام عندنا - خلافاً للمعتزلة النافينَ له - لكون أحاديثِهِ بلغَت مبلَغَ التواتر بخلاف أحاديثها فإنَّها آحادٌ، بل قيل: لا تكادُ تبلغُ الصحةَ. ورأيتُ في بعض الكتب أنَّ الكوثرَ هو النهرُ الذي ذكره أولاً وهو الحوض، وهو على ظهر مَلَكِ عظيم يكونُ مع النبي ◌َِّ حيث يكون، فيكونُ في المحشر إذ يكونُ عليه الصلاة والسلام فيه، وفي الجنة إذ يكون عليه الصلاة والسلام فيها، ولا يُعْجِزُ الله تعالى شيءٌ. وقيل: هو أولاده عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ السورةَ نزلَت ردًّا على مَن عابه رَّهر، وهم - والحمد لله تعالى - كثيرون قد ملؤوا البسيطة. وقال أبو بكر بن عياش(١) ويمان بن رئاب(٢): أصحابُه وأشياعُه وَّ إلى يوم القيامة . وقيل: علماءُ أمته وَِّ، وهم أيضاً كثيرون في كلِّ قطرٍ، وإنْ كانوا اليومَ في بعض الأقطار - والأمرُ الله تعالى - أقلَّ قليلٍ . وعن الحسن: إنَّه القرآن وفضائلُه لا تُحصَى. وقال الحسين بن الفضل: هو تيسيرُ القرآن وتخفيفُ الشرائع. وقيل: هو الإسلام. وقال هلال(٣): هو التوحيدُ. وقال عكرمة: هو النبوَّة. وقال جعفر الصادق مظ الله: هو نورُ قلبه ◌َل . (١) في الأصل و(م) ومطبوع البحر ٥١٩/٨ (والكلام منه): عباس، وهو تصحيف، والمثبت من تفسير القرطبي ٥٢١/٢٢، واللباب لابن عادل الحنبلي ٥٢١/٢٠. (٢) في الأصل و(م) ومطبوع البحر: وثاب، وهو تصحيف، والمثبت من تفسير القرطبي واللباب. (٣) هو ابن يساف، كما في تفسير القرطبي والبحر واللباب. الآية : ١ ٣٦٤ سُودَةُالكَوْرَ وقيل: هو العلمُ والحكمة. وقال ابن کیسان: هو الإيثار. وقيل: هو الفضائلُ الكثيرة المتصف بها عليه الصلاة والسلام. وقيل: المقام المحمود. وقيل غير ذلك، وقد ذكر في ((التحرير)) ستةً وعشرين قولاً فيه، وصحّح في ((البحر)) قولَ النهر (١)، وجماعةٌ أنَّه الخيرُ الكثير والنِّعَم الدنيوية والأخروية من الفضائل والفواضل، ورواه ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد(٢)، وهو المشهورُ عن الحِبر ابن عباس رضي﴿ً؛ وقد أخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بِشْر عن سعيد بن جبير عنه ﴾ا أنَّه قال: ((الكوثرُ)) الخيرُ الذي أعطاه الله تعالى إياه عليه الصلاة والسلام. قال أبو بِشْر قلتُ لسعيد: فإنَّ ناساً يزعمون أنَّه نهرٌ في الجنة، قال: النهرُ الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله عز وجل إياه ◌َل﴾(٣). وحكي هذا الجوابُ عن ابن عباس نفسِه أيضاً، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ ما صحَّ في الأحاديث من تفسيره ل* إياه بالنهر مِن باب التمثيل والتخصيصٍ لنكتة، وإلا فبعد أنْ صحَّ الحديثُ في ذلك بل كاد يكونُ متواتراً، كيف يُعدَل عنه إلى تفسيرٍ آخَرَ، وكذا يقال في سائر ما في الأقوال السابقة وغيرها . وهو فَوْعَل من الكثرة صيغةُ مبالغةِ الشيء الكثير كثرةً مفرطةً، قيل لأعرابيّة رَجع ابنُها من السفر: بِمَ آبَ ابنك؟ قالت: بكوثر. وقال الكُميت: وكان أبوك ابنَ العقائلِ كَوْثرا(٤) وأنت كثيرٌ يا ابنَ مروانَ طيِّبٌ (١) البحر المحيط ٥١٩/٨، وفيه: والصحيح ما فسَّر به رسول الله وَ ﴿ فقال: ((هو نهرٌ في الجنة ... )) الحديث. (٢) الطبري ٢٤/ ٦٨٣ -٦٨٤، وعزاه لابن عساكر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٣. (٣) صحيح البخاري (٤٩٦٦) و(٦٥٧٨)، والطبري ٦٨٢/٢٤-٦٨٣، والمستدرك ٥٣٧/٢. (٤) ديوان الكميت ص١٧٧، وتهذيب اللغة ١٧٨/١٠، والصحاح (كثر). الآية : ١ ٣٦٥ سُؤَُّ الكوثر وفي حذف موصوفِهِ ما لا يخفَى من المبالغة على ما أشار إليه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية (١)، وفي إسناد الإعطاء إليه دون الإيتاء إشارةٌ إلى أنَّ ذلك إيتاءٌ على جهة التمليك، فإنَّ الإعطاء دونه كثيراً ما يُستعمل في ذلك، ومنه قوله تعالى لسليمان عليه السلام ﴿هَذَا عَطَآتُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمِْكْ﴾ [ص: ٣٩] بعد قوله: ﴿وَهَبْ لِ مُذَكًا﴾ [ص: ٣٥]. وقيل: فيه إشارةٌ إلى أنَّ المعطَى - وإنْ كان كثيراً في نفسه - قليلٌ بالنسبة إلى شأنه عليه الصلاة والسلام، بناءً على أنَّ الإيتاء لا يُستعمل إلا في الشيء العظيم كقوله تعالى: ﴿وَءَاتَلُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠] و﴿َنَّيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] والإعطاء يُستعمَل في القليل والكثير كما قال تعالى: ﴿وَأَعْطَى قَلِلًا وَأَكْدَىٌ﴾ [النجم: ٣٤] ففيه من تعظيمه عليه الصلاة والسلام ما فيه. وقيل: التعبيرُ بذلك لأنَّه بالتفضُّل أشبَهُ، بخلاف الإيتاء فإنَّه قد يكونُ واجباً، ففيه إشارةٌ إلى الدوام والتزايد أبداً؛ لأنَّ التفضُّل نتيجةُ كرم الله تعالى الغيرِ المتناهي. وفي جعل المفعول الأول ضميرَ المخاطب دون الرسول أو نحوه إشعارٌ بأنَّ الإعطاء غيرُ معلَّل، بل هو من مَحْض الاختيار والمشيئةِ، وفيه أيضاً من تعظيمه عليه الصلاة والسلام بالخطاب ما لا يخفى. وفي جَعْل الفاعل ضميرَ العظمة إشارةٌ إلى تعظيم أمر الإعطاء، وفيه تعظيمُ أمر العطية، ولعل في الكلام حينئذٍ الإشارةَ إلى أنَّ ما أُعْطيَه عليه الصلاة والسلام عظيم كمّا وكيفاً(٢). وجوِّز أنْ يكونَ في إسناد الإعطاء إلى ((نا)) إشارةٌ إلى أنَّه مما سعَى فيه الملائكةُ والأنبياءُ المتقدِّمون عليهم السلام، وهو كما ترى(٣). (١) مجموع الفتاوى ٥٢٩/١٦. (٢) من قوله: وفي جعل الفاعل ضمير، إلى هذا الموضع ليس في (م). (٣) قوله: وهو كما ترى، ليس في (م). الآية : ٢ ٣٦٦ وفي التعبير بالماضي قيل: إشارة إلى تحقّق الوقوعِ. وقيل: إشارة إلى تعظيم الإعطاء، وأنَّه أمرٌ مَرْعيُّ لم يُترَك إلى أنْ يُفْعَل بعد. وقيل: إشارة إلى بشارة أخرى، كأنَّه قيل: إنَّا هيَّأنا أسبابَ سعادتك قبل دخولك في الوجود، فكيف نُهمل أمرَك بعد وجودك واشتغالك بالعبودية. وقيل: إشارة إلى أنَّ حكم الله تعالى بالإغناء والإفقار والإسعاد والإشقاء ليس أمراً محدثاً، بل هو حاصلٌ في الأزل. وبُني الفعل على المبتدأ للتأكيد والتقوِّي، وجوِّز أنْ يكون للتخصيص على بعض الأقوال السابقة في الكوثر. وفي تأكيد الجملة بـ ((إنَّ) ما لا يخفى من الاعتناء بشأن الخبر. وقيل: لردٌ استبعادِ السامعِ الإعطاءَ، لِمَا أنَّه لم يُعلَّل والمعطَى في غاية الكثرة. وجوِّز أنْ يكون لردِّ الإنكار على بعض الأقوال في الكوثر أيضاً. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاَنْحَرْ ﴾﴾ لترتيب ما بعدَها على ما قبلَها؛ فإنَّ إعطاءه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام ما ذكر من العطية التي لم يُعطِها أحداً من العالمين مستوجبٌ للمأمور به أيَّ استيجاب، أي: فدُمْ على الصلاة لربِّك الذي أفاضَ عليك ما أفاض من الخير خالصاً لوجهه عز وجل، خلافَ الساهين عنها المرائين فيها، أداءً لحقِ شُكره تعالى على ذلك، فإنَّ الصلاة جامعةٌ لجميع أقسام الشكر - ولذا قيل: ((فَصَلِّ))، دون: فاشكر - وانحر البُدن التي هي خيارُ أموال العرب باسمه تعالى، وتصدَّق على المحاويج خلافاً لمن يَدُغُهم ويمنَعُ منهم الماعون، كذا قيل، وجَعَل السورةَ عليه كالمقابلة لما قبلها كما فعل الإمام. ولم يذكروا مقابل التكذيب بالدين؛ وقال الشهاب الخفاجي: إنَّ الكوثرَ بمعنى الخير الكثيرِ الشامل للأخروي يقابلُ ذلك لِمَا فيه من إثباته ضِمْناً، وكذا إذا كان بمعنى النهر والحوض، والأمرُ على تفسيره بالإسلام وتفسير الدين به أيضاً في غاية الظهور(١). (١) حاشية الشهاب ٨/ ٤٠٤. الآية : ٢ ٣٦٧ سُوَُّةُ الْكِوَِّ والمراد بالصلاة عند أبي مسلم: الصلاةُ المفروضة، وأخرج ذلك ابنُ جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك(١)، وأخرجَه الأولُ وابن المنذر عن ابن عباس(٢). وذهب جمعٌ إلى أنَّها جنس الصلاة. وقيل: المرادُ بها صلاةُ العيد، وبالنحر التضحية، أخرج ابنُ جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: كانت هذه الآيةُ يومَ الحديبية، أتاه جبريلُ عليهما الصلاة والسلام فقال: انْحَر وارْجِع، فقام رسول الله وَّ﴿ فخطَّبَ خطبة الأضحى، ثم ركَعَ ركعتين ثم انصرف إلى البُدن فنَحَرها، فذلك قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ) (٣) واستدلَّ به على وجوب تقديم الصلاة على التضحية، وليس بشيء. وأخرج عبد الرزاق وغيرُه عن مجاهد وعطاء وعكرمة أنَّهم قالوا: المرادُ صلاةٌ الصبح بمزدلفة، والنحرُ بمنى(٤). والأكثرون على أنَّ المرادَ بالنحر نحرُ الأضاحي، واستَدَلَّ به بعضُهم على وجوب الأُضحيةِ؛ لمكان الأمر مع قوله تعالى: ﴿فَأَّبِعُوهٌ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وأجيب بالتخصيص(٥) بقوله وَله: ((ثلاثٌ كُتبَت عليَّ ولم تُكتَب عليكم: الضحى والأُضحية والوِتْر)(٦). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص أنَّه قال: ((وانحر)) أي: استقبل القبلة بنحرك (٧). وإليه ذهب الفراءُ وقال: يقال: منازلُهم تَتَناحر، أي: تتقابل، وأنشد قوله: (١) الدر المنثور ٤٠٣/٦، ولم نقف عليه في تفسير الطبري. (٢) الطبري ٢٤/ ٦٩٣، وعزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٦/ ٤٠٣ . (٣) الطبري ٢٤/ ٦٩٥- ٦٩٦، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر المنثور ٤٠٣/٦. (٤) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٠١، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٤/ ٦٩٢. (٥) في (م): بالتخصص. (٦) أخرجه أحمد (٢٠٥٠) و(٢٠٦٥) و(٢٠٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى ٤٦٨/٢ من حديث ابن عباس ◌ًا، قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٨/٢: وأطلق الأئمة على هذا الحديث الضَّعْفَ، كأحمد والبيهقي وابن الصلاح وابن الجوزي والنووي وغيرهم. (٧) الدر المنثور ٦/ ٤٠٣ . سورةالكوثر ٣٦٨ الآية : ٢ أبا حَكَم هل أنتَ عمُّ مجالِدٍ وسيدُ أهلِ الأبطَحِ المتَنَاحِرِ (١) وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في ((سننه)) عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه قال: لَمَّا نزلَت هذه السورةُ على النبيِ وَّهِ (إِنَّا أَعْطَيْنَكَ) إلخ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لجبريل عليه السلام: ((ما هذه النحيرةُ التي أمرني بها ربِّي؟ فقال: إنَّها ليسَت بنحيرةٍ، ولكنْ يأمرُك إذا تحرَّمت للصلاة أنْ ترفَعَ يدَيك إذا كبرتَ، وإذا ركعْتَ، وإذا رفعتَ رأسَك من الركوع، فإنّها صلاتُنا وصلاةُ الملائكة الذين هم في السماوات السبع، وإنَّ لكلِّ شيءٍ زينةً، وزينةٌ الصلاة رفعُ اليدين عند كلِّ تكبيرة))(٢). وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر عظ ◌ُه أنَّه قال في ذلك: ترفع يديك أول ما تكبِّر في الافتتاح (٣). وأخرج البخاري في (تاريخه)) والدارقطني في ((الأفراد)) وآخرون عن الأمير كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه قال: ضَعْ يدَك اليمنَى على ساعد اليسرى ثم ضَعْهما على صدرك في الصلاة(٤). وأخرج نحوه أبو الشيخ والبيهقي في ((سننه)) عن أنس مرفوعاً (٥)، ورواه جماعةٌ عن ابن (٦) عباس(٦). وروي عن عطاء أنَّ معناه: اقعُدْ بين السجدَتَين حتى يبدُوَ نحرُك. وعن الضحاك وسليمان التيمي أنَّهما قالا: معناه: ارفَع يدَيْكَ عقيبَ الصلاة عند الدعاء إلى نحرك. (١) معاني القرآن للفراء ٢٩٦/٣، وذكر البيت الطبري ٦٩٦/٢٤، والقرطبي ٥٢٤/٢٢. (٢) المستدرك ٥٣٧/٢، والسنن الكبرى ٢/ ٧٥-٧٦، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٣. وأخرجه أيضاً ابن حبان فى المجروحين ١٧٧/١ وقال: هذا متن باطل إلا ذكر رفع اليدين فيه. والحديث من الموضوعات كما في اللآلئ المصنوعة للسيوطي ١٨/٢، والفوائد المجموعة ص ٢٩-٣٠. وسيرد مزيد كلام عليه قريباً. (٣) الطبري ٢٤/ ٦٩٢. (٤) التاريخ الكبير ٤٣٧/٦، وعزاه للدارقطني في الأفراد السيوطي في الدر المنثور ٤٠٣/٦، وهو في سنن الدارقطني (١٠٩٩)، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٤/ ٦٩١. (٥) الدر المنثور ٤٠٣/٦، وهو في سنن البيهقي ٣١/٢، وفي إسناده رجل مبهم. (٦) أخرجه من قول ابن عباس إبراهيم الحربي في غريب الحديث ٤٤٣/٢، والبيهقي ٣١/٢. الآية : ٣ ٣٦٩ سُودَةُ الْكِِّ ولعلَّ في صحة الأحاديث عند الأكثرين مقالاً، وإلا ما(١) قالوا الذي قالوا. وقد قال الجلال السيوطي في حديث عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه الأولِ: إنَّه أخرجَه ابنُ أبي حاتم والحاكم في ((المستدرك)) بسند ضعيف. وقال فيه ابنُ كثير: إنَّه حديثٌ منكرٌ جدًّا(٢). بل أخرجه ابنُ الجوزي في ((الموضوعات))(٣). وقال الجلال في الحديث الآخر عن الأمير كرم الله تعالى وجهه: أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم بسند لا بأس به (٤) . ويُرجِّح قولَ الأكثرين - إنْ لم يصحَّ عن النبيِّ وََّ ما يخالفه - أنَّ الأشهرَ استعمالُ النحر في نحر الإبل دون تلك المعاني، وأنَّ سُنَّةَ القرآن ذكرُ الزكاةِ بعد الصلاة، وما ذكر بذلك المعنى قريبٌ منها، بخلافه على تلك المعاني، وأنَّ ما ذكروه من المعاني يرجعُ إلى آداب الصلاة أو أبعاضها، فيدخل تحت ((فَصَلِّ لربك)» ويَبعدُ عَطْفُه عليه دونَ ما عليه الأكثر مع أنَّ القوم كانوا يُصلُّون ويَنحرون للأوثان، فالأنسبُ أنْ يُؤْمَرَ بَّه في مقابلتهم بالصلاة والنحر له عز وجل. هذا واعتبارُ الخلوص في ((فصلِّ)) إلخ كما أشرنا إليه لدلالة السياق عليه، وقيل: لدلالة لام الاختصاص، وفي الالتفات عن ضمير العظمة إلى خصوص الربِّ مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تأكيدٌ لترغيبه وَّهِ في أداء ما أُمِرَ به على الوجه الأكمل. ﴿إِنَّ شَانِتَكَ﴾ أي: مُبِغِضَك كائناً مَن كان ﴿هُوَ الْأَبْرُ﴾ الذي لا عَقِبَ له، حيث لا يبقَى منه نسلٌ ولا حُسْنُ ذِكْرٍ، وأما أنت فتبقَى ذرِّيتُك وحُسنُ صيتك وآثارُ فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يندرج تحت البيان. وأصل البتر: القطعُ، وشاعَ في قطع الذَّنب. وقيل لمن لا عَقِبَ له: أبتر، على الاستعارة، شبِّه الولدُ والأثر الباقي بالذَّنَب لكونه خَلْفَه، فكأنَّه بعده وعدمُه بعدمه. (١) في (م): فما . (٢) تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية. (٣) برقم (٧٧٠). (٤) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص ٣٠٠. : سُودَةُ الْكْرَ ٣٧٠ الآية : ٣ وفسّره قتادة بالحقير الذليل، وليس بذاك كما يُفصِحُ عنه سبب النزول. وفيها عليه دلالة على أنَّ أولادَ البناتِ من الذُّرِّية كما قال غيرُ واحدٍ. واسمُ الفاعل - أعني ((شانئ)) - هاهنا قيل: بمعنى الماضي ليكونَ معرفةً بالإضافة، فيكون ((الأبتر)) خبرَه، ولا يُشكلُ ذلك بمن كان يُبغضُه عليه الصلاة والسلام قبل الإيمان من أكابر الصحابة ظنّه، ثم هداهُ الله تعالى للإيمان وذاق حلاوته، فكان ◌َّه أحبَّ إليه من نفسه وأعزَّ عليه مِن روحه، ولم يكن أبتر لِمَا أنَّ الحكم على المشتقٌ يُفيدُ عِلِيَّةَ مأخذه، فيفيدُ الكلام أنَّ الأبترية معلَّلَةٌ بالبغض فتدور معه، وقد زال في أولئك الأكابر ﴿ه، واختار بعضُهم في دفع ذلك حَمْلَ اسمٍ الفاعل على الاستمرار، فهم لم يستمرُّوا على البغض. والظاهرُ أنَّه انقطع نسلُ كلِّ مَن كان مُبغضاً له عليه الصلاة والسلام حقيقةً، وقيل: انقطعَ حقيقةً أو حكماً؛ لأنَّ من أسلم مِن نسل المبغضين انقطَعَ انتفاعُ أبيه منه بالدعاء ونحوه؛ لأنَّه لا عصمةً بين مسلم وكافر. وما أشرنا إليه من أنَّ ((هو)) ضميرُ فصل هو الأظهر، وجوِّز أنْ يكونَ مبتدأً خبرُه ((الأبتر)) والجملةُ خبر ((شانئك))، وحينئذ يجوزُ صناعةً أنْ يكون بمعنى الحال أو الاستقبال. وحَمْلُ ((شانئك)) على الجنس هو الظاهرُ، وخَصَّه بعضُهم بمن جاء في سبب النزول واحداً أو متعدِّداً، وفيه روايات: أخرج ابنُ سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبرُ ولدِ رسول الله وَّهِ القاسمَ ثم زينبَ ثم عبدَ الله ثم أمَّ كلثوم ثم فاطمةَ ثم رقيَّةَ، فمات القاسمُ عليه السلام، وهو أولُ ميتٍ مِن ولده عليه الصلاة والسلام بمكةَ، ثم مات عبدُ الله عليه السلام، فقال العاص بن وائل السهمي قد انقطَعَ نسله فهو أبتر. فأنزل الله تعالى: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)(١). (١) طبقات ابن سعد ١٣٣/١، وتاريخ دمشق ١٢٥/٣-١٢٦. الآية : ٣ ٣٧١ سُودَةُ الْكِّوْرَ وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن شِمْر بن عطية قال: كان عقبة بن أبي مُعَيْط يقول: إنَّه لا يبقَى للنبيِّ بَّه عقب، وهو أبتر، فأنزل الله تعالى فيه: (إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبَْ)(١). وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: لَمَّا مات إبراهيم بن رسول الله وَ﴿ مشَى المشركون بعضُهم إلى بعض فقالوا: إنَّ هذا الصابئ قد بُيِّرَ الليلةَ، فأنزل الله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَكَ) السورة(٢). وأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عباس أنَّه قال في الآية: هو أبو جهل. أي: لأنَّها نزلَت فيه(٣)، وهذا المقدارُ في الرواية عن ابن عباس لا بأس به، وحكايةُ أبي حيان عنه أنَّه لَمَّا مات إبراهيم بنُ رسول الله وَّ خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال: بُيَِّ محمدٌ عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله تعالى (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)(٤)، لا تكاد تصحُّ لأنَّ هلاكَ اللعين أبي جهل على التحقيق قبلَ وفاةِ إبراهيمَ عليه السلام. وعن عطاء أنَّها نزلَت في أبي لهب. والجمهورُ على نزولها في العاص بنِ وائل. وأيَّاما كان فلا ريبَ في ظهور عموم الحكم، والجملةُ كالتعليل لِمَا يُفهِمُه الكلامُ، فكأنَّه قيل: إنَّا أعطيناك ما لا يَدخُل تحت الحصر من النعم، فصلِّ وانحَر خالصاً لوجه ربِّك، ولا تكتَرِث بقول الشانئ الكريهِ، فإنَّه هو الأبتر لا أنت، وتأكيدُها قيل: للاعتناء بشأن مضمونها. وقيل: هو مثلُه في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَطِيْنِ فِىِ الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] وذلك لمكان: فلا تكترث .. إلخ، المفهومِ من السياق. (١) الطبري ٢٩٩/٢٤، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٠٤. (٢) المعجم الكبير (٤٠٧١)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٤٠٣/٦. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٤٣ : وفيه واصل بن السائب وهو متروك. (٣) ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، دون أن يعزوه. (٤) البحر المحيط ٥٢٠/٨، وذكر هذه الرواية أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٠/٥، والقرطبي في تفسيره ٥٢٩/٢٢. سُورَةُ الكَوْرَ ٣٧٢ الآية : ٣ وفي التعبير بالأبتر دون المبتور على ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ما لا يخفَى من المبالغة، وعمَّم هذا الشيخ عليه الرحمة كلَّا من جزأَي الجملة فقال: إنَّه سبحانه يَبترُ شانئَ رسول اللهِ وَّهِ مِن كلِّ خيرٍ، فيبترُ أهلَه ومالَه، فيخسرُ ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفِعُ بها ولا يتزوَّد فيها صالحاً لمعاده، ويبترُ قلبَه فلا يعي الخيرَ ولا يُؤْهِّله لمعرفته تعالى ومحبَّتِهِ والإيمانِ برسله عليهم السلام، ويبتر أعمالَه فلا يستعملُه سبحانه في طاعته، ويبترُه من الأنصار فلا يجدُ له ناصراً ولا عوناً، ويبترُه من جميع القُرَبِ فلا يذوقُ لها طعماً ولا يجدُ لها حلاوةً، وإن باشرها بظاهره فقلبُه شاردٌ عنها. وهذا جزاءُ كلِّ مَن شنأ ما جاء به الرسولُ وَّر لأجل هواهُ، كمَن تأوَّل آيات الصفات أو أحاديثَها على غير مرادِ الله تعالى ومرادٍ رسوله عليه الصلاة والسلام، أو تمنَّى أنْ لا تكونَ نزلَت أو قيلَت، ومن أقوى العلامات على شَنَآَنَه نَفْرَتُه عنها إذا سمعَها حين يَستدلُّ بها السَّلفيُّ على ما دلّت عليه من الحق، وأيُّ شنآن للرسول عليه الصلاة والسلام أعظمُ من ذلك. وكذلك أهلُ السماع الذين يَرقصُون على سماع الغناء والدفوف والشَّبَّابات، فإذا سمعُوا القرآن يُتْلَى أو قُرئ في مجلسهم استَطالُوه واستثقلوه. وكذلك مَن آثر كلامَ الناس وعلومَهم على القرآن والسنة، إلى غير ذلك، ولكلٍّ نصيبٌ من الانبتار على قَدْر شنانه(١). انتهى، وفي بعضه نظرٌ لا يخفى. وقرأ ابنُ عباس: ((شنيك)) بغير ألف (٢)، فقيل مقصورٌ من: شاني، كما قالوا: برد، في بارد، وبَرٍّ في بارّ، وجوز أنْ يكون بناءً على فَعِل. هذا واعْلَم أنَّ هذه السورةَ الكريمة على قِصَرها وإيجازها قد اشتملَت على ما ينادي على عظيم إعجازها، وقد أطال الإمام(٣) فيها الكلامَ، وأتَى بكثير مما يَستحسِنُهُ ذَوُو الأفهام، وذكر أنَّ قولَه تعالى: (وَأَنْحَرْ) متضمِّنُ الإخبارَ بالغيب، (١) مجموع الفتاوى ٢٢٦/١٦-٢٢٧. (٢) البحر المحيط ٨/ ٥٢٠. (٣) في تفسيره ١١٧/٣٢ وما بعد. الآية : ٣ ٣٧٣ سُوَدَّةُ الْكِّوْرِ وهو سعةُ ذاتِ يدِهِ وَِّ وأمته (١)، وقيل: مثلُه في ذلك (إِنَ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)، وذكر أنَّه روي أنَّ مسيلمة الكذاب عارضَها بقوله: إنَّا أعطيناك الزماجر، فصلِّ لربك وهاجر (٢)، إنَّ مُبغضَك رجلٌ كافر. ثم بيَّن الفرقَ من عدَّة أوجهٍ، وهو لَعَمري مثلُ الصبح ظاهرٌ، ومَن أراد الاطلاع على أزيدَ مما ذُكر فليرجع إلى تفسير الإمام، والله تعالى وليُّ التوفيق والإنعام. (١) في الأصل: أَمْنه، والمثبت الصواب ينظر مفاتيح الغيب ١٢٨/٣٢. (٢) الذي في مفاتيح الغيب ١٣٥/٣٢: إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر ..... سُورَةُ الْكَافِرُونَ وتسمَّى المقشقِشة كما أخرجه ابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى(١)، وهو من فَشْقَشَ المريضُ: إذا صَحَّ وبَرِئَ، أي: المُبرئة من الشرك والنفاق، وتسمَّى أيضاً - كما في ((جمال القرّاء))(٢) - سورة العبادة، وكذا تسمَّى سورةَ الإخلاص. وهي عند ابن عباس والجمهور مكية، وأخرج ابن مردويه(٣) عن ابن الزبير أنَّها مدنية، وحكاه في ((البحر)) عن قتادة(٤) على خلاف ما في ((مجمع البيان)) من أنه قائلٌ بمكيتها (٥)، وأيَّاما كان فقولُ الدواني: إنها مكيةٌ بالاتفاق، ليس في محلّه. وأيُّها سِتُّ بلا خلاف، وفيها إعلان ما فُهِمَ مما قبلها من الأمر بإخلاص العبادة له عزَّ وجلَّ، ويكفي ذلك في المناسبة بينهما . وتُسَنُّ قراءتها عند النوم؛ فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه(٦) وغيرهم عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، علّمني ما أقول إذا أويت إلى فراشي. قال: ((اقرأ: (ثُلّ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) ثم نَمْ على خاتمتها فإنها براءة من الشرك))(٧). (١) الدر المنثور ٤٠٤/٦. (٢) ٢٠٢/١. (٣) كما في الدر المنثور ٤٠٤/٦. (٤) البحر ٨/ ٥٢١. (٥) مجمع البيان ٢٥٤/٣٠. (٦) أحمد (٢٣٨٠٧)، وأبو داود (٥٠٥٥)، والترمذي (٣٤٠٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٠٢)، والحاكم ٥٦٥/١ . (٧) من قوله: وتُسَنُّ .. إلى هنا ليس في (م)، وضُرب عليه في النعمانية (ب). ٣٧٥ سُوَدَّةُ الْكَافِرُونَ وقال رسول الله ﴿ لجبلةَ بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة - وقد قال له عليه الصلاة والسلام: علِّمني شيئاً أقوله عند منامي - نحوَ ذلك، كما في حديثٍ أخرجه الإمام أحمد والطبرانيُّ في ((الأوسط))(١). وأَمَرَ وَلِّ أنساً بأن يقرأها عند منامه أيضاً معلِّلاً لذلك بما ذُكر كما أخرجه البيهقيُّ في ((الشعب))(٢). وأمَرَ عليه الصلاة والسلام خبَّاباً بذلك أيضاً كما في حديثٍ أخرجه البزار وابن مردویه(٣). وأخرج أبو يعلى والطبراني(٤) عن ابن عباس مرفوعاً: ((ألا أَدلَّكم على كلمةٍ تُنجيكم من الإشراك بالله تعالى، تقرؤون: (قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) عند منامكم)). وروى الديلميّ عن عبد الله بن جراد قال: قال رسول الله وَالٍ: ((المنافقُ لا يُصلِّي الضحى، ولا يقرأ (قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ)(٥). ويُسَنُّ قراءتها أيضاً مع سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) في ركعتي سنَّة الفجر التي هي عند الأكثرين أفضلُ السنن الرواتب، وكذا في الركعتين بعد المغرب، فقد أخرج الإمام أحمد والترمذيُّ وحسَّنه، والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم(٦) عن ابن (١) أحمد (٥/٢٤٠٠٩)، والمعجم الأوسط (٨٨٨). (٢) برقم (٢٥٢٢)، وفيه أن المأمور بذلك هو معاذ الله، وقال البيهقي: هو بهذا الإسناد منكر. (٣) الدر المنثور ٤٠٥/٦-٤٠٦، وهو في كشف الأستار (٣١١٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢١/١٠: فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف. (٤) الدر المنثور ٤٠٥/٦، وهو في المعجم الكبير (١٢٩٩٣). قال الهيثمي في المجمع ١٢١/١٠: فيه جبارة بن المغلس، وهو ضعيف جداً. اهـ، وفيه أيضاً الحجاج بن تميم، قال عنه الذهبي في الميزان ١/ ٤٦١: ضعفه الأزدي وغيره، وأحاديثه تدل على أنه واه. ثم ذكر له أحاديث منها هذا الحديث. (٥) مسند الفردوس ٢٠٣/٤، ورمز له السيوطي بالضعف كما في فيض القدير ٢٧٦/٦، وقال المناوي: فيه يعلى بن الأشدق، قال البخاري: لا يكتب حديثه. (٦) أحمد (٥٦٩١)، والترمذي (٤١٧)، والنسائي في المجتبى ٢/ ١٧٠، وابن ماجه (١١٤٩)، وابن حبان (٢٤٥٩). ٣٧٦ سُوَرَّةُ الْكَافِرُونَ عمر ﴿هًا قال: رَمَقْتُ النبيَّ ◌َّهِ خمساً وعشرين مرَّةً - وفي لفظ: شهراً - فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بـ (قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ). وفي حديثٍ أخرجه ابن ماجه وابن حبان عن عائشة ﴿ّا أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول: ((نِعْمَ السورتان مما يقرأان في الركعتين قبل الفجر (قُلّ بَأَيُّهَا آلْكَفِرُونَ) و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ)(١). إلى غير ذلك من الأخبار(٢)، وهي حُجَّةٌ على مَنْ قال من الأئمة(٣): إنه لا يُسَنُّ في سنة الفجر ضَمُّ سورةٍ إلى الفاتحة. وجاء في حديثٍ أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط))(٤) عن ابن عمر مرفوعاً، وفي آخر أخرجه في ((الصغير)»(٥) عن سعد بن أبي وقاص كذلك أنها تَعدِلُ ربعَ القرآن(٦). وَوَجَّهَ ذلك الإمام(٧) بأنَّ القرآن مشتملٌ على الأمر بالمأمورات والنهي عن المحرَّمات، وكلٌّ منهما إما أن يتعلَّقَ بالقلب أو بالجوارح، فيكونُ أربعة أقسام، وهذه السورةُ مشتملةٌ على النهي عن المحرَّمات المتعلِّقة بالقلب، فتكونُ كربع القرآن. وتعقب بأنَّ العبادة أعمُّ من القلبية والقالبية، والأمرُ والنهيُ المتعلّقان بها لا يختصّان بالمأمورات والمنهيات القلبية والقالبية، وأنَّ مقاصدَ القرآن العظيم لا تنحصرُ في الأمر والنهي المذكورين، بل هو مشتملٌ على مقاصدَ أخرى، (١) ابن ماجه (١١٥٠)، وابن حبان (٢٤٦١)، وهو عند أحمد (٢٦٠٢٢). (٢) من قوله: فقد أخرج ... إلى هنا ليس في (م). (٣) في هامش الأصل: وأظنه الإمام مالكاً. (٤) برقم (١٨٦). (٥) برقم (١٦٥). (٦) وأخرجه الترمذي (٢٨٩٥) من حديث أنس به، وقال: حديث حسن. (٧) في تفسيره ١٣٦/٣٢. ٣٧٧ سُؤَدَّةُ الْكَافِرُونَ كأحوال المبدأ والمعاد، ومن هنا قيل: لعلَّ الأقربَ أن يقال: إنَّ مقاصدَ القرآن: التوحيدُ، والأحكام الشرعية، وأحوالُ المعاد، والتوحيدُ عبارةٌ عن تخصيص الله تعالى بالعبادة، وهو الذي دعا إليه الأنبياء عليهم السلام أولاً وبالذات(١)، والتخصيصُ إنما يحصلُ بنفي عبادة غيره تعالى، وعبادةِ الله عزَّ وجلَّ؛ إذ التخصيصُ له جزآن: النفيُ عن الغير، والإثباتُ للمخصَّص به، فصارت المقاصدُ بهذا الاعتبار أربعة، وهذه السورةُ تشتملُ على ترك عبادة غيره سبحانه والتبرِّي منها، فصارت بهذا الاعتبار ربعَ القرآن، ولكونها ليس فيها التصريحُ بالأمر بعبادة الله عزَّ وجلَّ، كما أنَّ فيها التصريحَ بترك عبادة غيره تعالى، لم تكن كنصف القرآن. وقيل: إنَّ مقاصدَ القرآن: صفاته تعالى، والنبوّات، والأحكام، والمواعظ. وهي مشتملةٌ على أساس الأول وهو التوحيد، ولذا عَدَلَتْ رُبْعَهُ. وذَكَرَ بعضُ أَجلَّة أحبابي المعاصرين أوجهاً في ذلك أحسنها فيما أرى أنَّ الدين الذي تضمَّنه القرآن أربعة أنواع: عباداتٌ ومعاملاتٌ وجناياتٌ ومناكحاتٌ، والسورةُ متضمِّنةٌ للنوع الأول، فكانت ربعاً . وتُعقِّبَ بأنه أراد: فكانت ربعاً من القرآن، فلا نُسلِّم صحةَ تفريعه على كون الدين الذي تضمَّنه القرآن أربعةَ أنواع، وإن أراد: فكانت ربعاً من الدين، فليس الكلامُ فيه، إنما الكلامُ في كونها تعدِلُ ربعاً من القرآن؛ إذ هو الذي تُشعِرُ به الأخبار على اختلاف ألفاظها، والتلازمُ بينهما غيرُ مُسَلَّم، على أنَّ المقابلةَ الحقيقيةَ بين ما ذُكِرَ من الأنواع غير تامة. وأجيب باحتمال أنه أراد أنَّ مقاصدَ القرآن هي تلك الأربعة التي هي الدين، ولا يبعدُ أن يكون ما تضمَّنَ واحداً منها عَدَلَ القرآنَ كلَّه مقاصده وغيرها، ولا يَرِدُ على الحصر أنَّ من مقاصده أحوال المبدأ والمعاد؛ لدخول(٢) ذلك في العبادات (١) في (م): بالذات. (٢) في (م): فبدخول. الآية : ١ ٣٧٨ سُورَةُ الْكَافِرُون بنوع عناية، وعدمُ التقابل الحقيقي لا يضرُّ؛ إذ يكفي في الغرض عدُّ أهل العرف تلك الأمورَ متقابلةً ولو بالاعتبار، فتأمل جميعَ ذلك، والله تعالى الهادي لأَقْوَم المسالك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال أَجِلَّةُ المفسِّرين: المرادُ بهم كَفَرَةٌ من قریش ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ® مخصوصون، قد عَلِمَ الله تعالى أنهم لا يتأتَّى منهم الإيمان أبداً، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في ((المصاحف)) عن سعيد بن مينا مولى أبي البَخْتَريّ قال: لقي الوليدُ بن المغيرة والعاصي بن وائل والأُسود بن المطلب وأمية بن خلف(١) رسولَ اللهِوَ﴿ فقالوا: يا محمد، هلمَّ فلتعبدْ ما نعبدُ، ونعبد ما تعبد، ونشتركُ نحنُ وأنت في أمرنا كلِّه، فإنْ كان الذي نحن عليه أصحَّ من الذي أنت عليه، كنتَ قد أخذتَ منه حظًّا، وإن كان الذي أنت عليه أصحَّ من الذي نحن عليه، كنّا قد أخذنا منه حظًّا. فأنزل الله تعالى: (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) حتى انقضت السورة(٢). وفي روايةٍ: أنَّ رهطاً من عُتاةٍ قريش قالوا له وَّهِ: هلمَّ فاتَّبع ديننا ونتَّبع دينك، تعبدُ آلهتنا سنةً ونعبدُ إلهك سنة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((معاذ الله تعالى أن أشرك بالله سبحانه غيره)) فقالوا: فاستلم بعضَ آلهتنا نُصدِّقك ونعبد إلهك. فنزلت، فعدا وَّة إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش، فقام عليه الصلاة والسلام على رؤوسهم فقرأها عليهم، فأيسوا. ولعلَّ نداءهم بـ ((يا أيها)) للمبالغة في طلب إقبالهم لئلّا يفوتهم شيءٌ مما يُلقَى إليهم، وبـ ((الكافرون)) دون ((الذين كفروا)) لأنَّ الكفر كان دينَهم القديم ولم يتجدَّد لهم، أو لأنَّ الخطابَ مع الذين يعلم استمرارهم على الكفر؛ فهو كاللازم لهم، أو للمسارعة إلى ذِكْر ما يقال لهم لشِدَّة الاعتناء به، وبه دون: المشركين - مع أنهم (١) في هامش الأصل: وزاد بعضهم أبا جهل وأبي بن خلف وابني الحجاج. منه. (٢) ابن جرير ٧٠٣/٢٤، وابن أبي حاتم ٣٤٧١/١٠. الآية : ٢ - ٥ ٣٧٩ ـرَةُ الْكَافِرُونَ عَبَدَةُ أصنامٍ، والأكثر التعبيرُ عنهم بذلك - لأنَّ ما ذُكِرَ أنكى لهم، فيكونُ أبلغَ في قَطْعِ رجائهم الفارغ. وقيل: هذا للإشارة إلى أنَّ الكفر كلَّه مِلَّةٌ واحدةٌ، ولا يبعد أن يكون في هذه الإشارة إنكاءٌ لهم أيضاً . وفي ندائه عليه الصلاة والسلام بذلك في ناديهم ومكان بَسْطة أيديهم دليلٌ على عدم اكتراثه عليه الصلاة والسلام بهم؛ إذ المعنى: قلْ يا محمد - والمراد حقيقةٌ الأمر خلافاً لصاحب ((التأويلات)) (١) - للكافرين: يا أيها الكافرون. وَلَآَ أَنَأْ عَالِدٌ مَّا عَبَدُم ٣ وَلَّ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٣ ﴿لَآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ٤ وَلَآَ أَنْتُمْ عَِدُونَ مَا أَعْبُدُ (®﴾ يتراءى أنَّ فيه تكراراً للتأكيد، فالجملةُ الثالثةُ المنفيةُ - على ما في ((البحر))(٢) - توكيدٌ للأولى على وجهٍ أبلغ؛ لاسمية المؤكِّدة، والرابعةُ توكيدٌ للثانية، وهو الذي اختاره الطيبي وذهب إليه الفرَّاء وقال: إنَّ القرآنَ نزل بلغة العرب، ومن عادتهم تكرارُ الكلام للتأكيد والإفهام، فيقول المجيب: بلى ® ثُمَّ كَّ سَوْفَ بلى، والممتنع: لا لا، وعليه قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣-٤] وأنشد قوله: كائنٌ وکم عندي لهم من صنيعةٍ أيادي سنوها عليَّ وأوجبوا(٣) وقوله : نعقَ الغرابُ ببينٍ ليلى غدوةً كم كم وكم بفراق ليلى ينعقُ (٤) وقوله : ـدةَ يومَ ولَّوا أين أينا(٥) هلّا سألتَ جموع كنـ (١) تأويلات أهل السنة للماتريدي ٥٢٩/٥ . (٢) ٨/ ٥٢١. (٣) لم نقف عليه . (٤) لم نقف عليه. (٥) البيت لعبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه ص١٤٢ . سُورَةُ الْكَافِرُونَ ٣٨٠ الآية : ٢ - ٥ وهو كثيرٌ نَظْماً ونثراً، وفائدةُ التأكيد هاهنا قطعُ أطماع الكفار، وتحقيقُ أنهم باقون على الكفر أبداً. واعترض بأنَّ تأكيدَ الجمل لا يكون مع العاطف إلا بـ ((ثم)). وكأنَّ القائل بذاك قاسَ الواو على ((ثم)). والظاهرُ أنَّ مَنْ قال بالتأكيد جَعَلَ الجملةَ الرابعةَ معطوفةً على الثالثة، وجَعَلَ المجموع معطوفاً على مجموع الجملتين الأوليين، فهناك مجموعان متعاطفان يؤكِّدُ ثانيهما أوَّلَهما، ولمغايرة الثاني للأول بما فيه من الاستمرار عُطِفَ عليه بالواو، فلا يَرِدُ ما ذُكِرَ، ويتضمَّنُ ذلك معنى تأكيد الجزء الأول من الثاني للجزء الأول من الأول، وتأكيدِ الجزء الثاني من الثاني للجزء الثاني من الأول، وإلا فظاهرُ ما في ((البحر)) مما لا يكاد يجوزُ كما لا يخفى. والذي عليه الجمهورُ أنه لا تكرارَ فيه، لكنهم اختلفوا، فقال الزمخشريُّ : ((لا أعبد)) أُريد به نفيُ العبادة فيما يُستقبل؛ لأنَّ ((لا)) لا تدخل إلا على مضارعٍ في معنى الاستقبال، كما أنَّ ((ما)) لا تدخلُ إلا على مضارعٍ في معنى الحال، والمعنى: لا أفعلُ في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أَطلب منكم من عبادة إلهي، وما كنتُ عابداً قَطُ فيما سَلَفَ ما عبدتم فيه، وما عبدتم في وقتٍ ما أنا على عبادته(١). والظاهر أنه اعتبر في الجملة الأخيرة استمرارَ النفي، وأنه حَمَلَ المضارعَ فيها على إفادة الاستمرار والتصوير، وفي الثانية استغراق (٢) النفي للأزمنة الماضية. وقال الطيبي: إنه جعل القرينتين الأوليين للاستقبال والأخريين للماضي. واعتُرض عليه بأنَّ الحصرين اللَّذَين ذكرهما في ((لا)) و ((ما)) غيرُ صحيحٍ، وإن کانا يُشعِرُ بهما ظاهر كلام سيبويه. وقال الخفاجي: ما ذُكِرَ أغلبيٍّ، أو مُقَيَّدٌ بعدم القرينة القائمة على ما يخالفه، أو هو كُلِّيٍّ ولا حَجْرَ في التجوُّزِ والحملِ على غيره لمقتضٍ كدفع التكرار هنا(٣). (١) الكشاف ٢٩٢/٤-٢٩٣. (٢) في (م): استغرق. (٣) حاشية الشهاب ٤٠٥/٨.