النص المفهرس
صفحات 321-340
الآية : ٨ - ٩ ٣٢١ ◌َةُ البشرة تأكلُ كلَّ شيءٍ منه حتى تنتهي إلى فؤاده، فإذا بلَغَت فؤادَه ابتدأ خَلْقُهُ (١). وجوِّز أنْ يراد الاطّلاعُ العلمي، والكلام على سبيل المجاز، وذلك أنَّه لَمَّا كان لكلٍّ من المعذَّبين عذابٌ من النار على قَدْرِ ذنبه المتولِّد من صفات قلبه قيل: إنَّها تُطالع الأفئدة التي هي معادن الذنوب، فَتَعلَم ما فيها، فتُجازي كلَّا بحَسَب ما فيه من الصفة المقتضية للعذاب. وأرباب الإشارة يقولون: إنَّ ما ذكر إشارةٌ إلى العذاب الروحاني الذي هو أشدُّ العذاب. ﴿إِنَّهَ عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴾﴾ أي: مطبقة، وتمام الكلام مرَّ في سورة البلد(٢). ﴿فِ عَمَرٍ﴾ جمع عمود، كما قال الراغب(٣) والفراء (٤)، وقال أبو عبيدة (٥): جمع عماد. وفي ((البحر))(٦): وهو اسم جمعٍ، الواحدُ عمود. وقرأ الأخوان وأبو بكر: ((عُمُد)) بضمَّتين(٧). وهارون عن أبي عمرو بضم العين وسكون الميم(٨). وهو في القراءتين جمع عمود بلا خلاف. وقوله تعالى: ﴿ُمَدَّدَةٍ﴾ صفةُ ((عمد)) في القراءات الثلاث، أي: طوال. والجارُّ والمجرور في موضع الحال من الضمير المجرور في ((عليهم)) أي: كائنين في عمد ممددة، أي: موثَّقين فيها مثلَ المقاطر، وهي خُشُبٌ أو جذوعٌ كبارٌ فيها خُروقٌ يُوضَع فيها أَرْجُلُ المحبوسين من اللصوص ونحوهم. أو خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: هم كائنون في عمد موثَّقون فيها . (١) الدر المنثور ٣٩٣/٦. (٢) آية رقم (٢٠). (٣) في مفرداته (عمد). (٤) في معاني القرآن ٣٩١/٣. (٥) في مجاز القرآن ٣١١/٢. (٦) ٨/ ٥١٠-٥١١. (٧) التيسير ص٢٢٥، والنشر ٤٠٣/٢، وهي قراءة خلف. (٨) القراءات الشاذة ص١٧٩، والبحر المحيط ٥١٠/٨. سُوَّةُ الْهُمْرَة ٣٢٢ الآية : ٩ وهي - والعياذ بالله تعالى - على ما روي عن ابن زيد: عمد من حديد. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنَّها من نار (١). واستظهر بعضُهم أنَّ العمد تُمدَّدُ على الأبواب بعد أنْ تُوصَد عليهم تأكيداً ليأسهم واستيثاقاً في استيثاق، وفي حديث طويل أخرجه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أنَّ الله تعالى بعد أنْ يُخرجَ من النار عصاةً المؤمنين، وأطولُهم مكثاً فيها مَن يمكُّث سبعةَ آلافِ سنةٍ، يبعثُ عز وجل إلى أهل النار ملائكةً بأطباق من نارٍ ومساميرَ من نار وعمدٍ من نار، فيطبَقُ عليهم بتلك الأطباق ويُشَدُّ بتلك المسامير وتمدَّد تلك العمد، ولا يبقَى فيها خَلَلٌ يدخل فيه رَوحٌ، ولا يخرج منه غمٌّ، وينساهم الجبار عز وجل على عَرْشه، ويتشاغَلُ أهلُ الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبداً، وينقطعُ الكلام فيكونُ كلامهم زفيراً وشهيقاً)) وفيه: ((فذلك قوله تعالى: (إِنَّهَا عَلَِّم ◌ُؤْصَدَةٌ ** فِى عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ))(٢). اللهم أجرنا من النار يا خيرَ مستجار. وعلى هذا يكون الجارُّ والمجرور متعلِّقاً بـ ((مؤصدة))، حالاً من الضمير فيها، كما قاله صاحب ((الکشف))، وحكاه الطيبي. وفي ((الإرشاد)) عن أبي البقاء أنَّه صفةٌ لـ ((مؤصدة))(٣). وقال بعضٌ: لا مانعَ عليه أنْ يكون صلةَ ((مؤصدة))، على معنى أنَّ الأبواب أُوصِدَت بالعُمُد وسُدَّت بها، وأُيِّدَ بما أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنَّه قال في الآية: أدخلَهم في عمد وتمدَّدَت عليهم في أعناقهم السلاسل، فسُدَّت بها الأبواب (٤). ثم إنَّ ما ذُكر - لإشعاره بالخلود وأَشدِّية العذاب - يُناسبُ كونَ المحدَّث عنهم كفاراً هَمَزُوا ولمزوا خيرَ البشر وَِّ، وما تقدَّم من حمل العمد على المقاطر قيل: (١) عزاه لابن جرير السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٣٩٣. (٢) نوادر الأصول ص١٣٩. (٣) تفسير أبي السعود ١٩٩/٩، وقول أبي البقاء في إملاء ما من به الرحمن ٤٨٣/٤. (٤) الطبري ٢٤/ ٦٢٥ . الآية : ٩ ٣٢٣ سُورَةُ المُشْرَةِ يُناسب العمومَ؛ لأنَّ المغتاب كأنَّه سارقٌ من أعراض الناس، فيناسب أنْ يعذَّب بالمقاطر كاللصوص، فلا يلزمُ الخلود. وقد يقال: من تأمّل في هذه السورة ظهر له العجَبُ العجاب من التناسب، فإنَّه لَمَّا بُولِغَ في الوصف في قوله تعالى: (هُمَزَقِ لُّمَزَةٍ) قيل: (الُْطَمَةِ) للتعادل، ولَمَّا أفاد ذلك كسر الأعراض قوبل بكسر الأضلاع المدلول عليه بـ ((الحطمة))، وجيء بالنبذ المنبئ عن الاستحقار في مقابلة ما ظنَّ الهامز اللَّمز بنفسه من الكرامة، ولَمَّا كان منشأُ جمع المال استيلاءَ حبِّه على القلب جيء في مقابله: (تَطَِّعُ عَلَى الْأَفْدَةِ)، ولَمَّا كان من شأن جامع المال المحبِّ له أنْ يأصد عليه، قيل في مقابله: (إِنََّا عَلَيِم ◌ُؤْصَدَةٌ) ولَمَّا تضمَّن ذلك طولَ الأمل قيل: (فِ عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) وقد صرَّح بذلك بعضُ الأجلة، فليتأمل والله تعالى أعلم. سُوْدَةُ الفِيْلِ مکیةٌ، وآيُها خمس بلا خلاف فيهما . وكأنَّه لَمَّا تضمَّن الهمز واللمز من الكفرة نوعَ كيدٍ له عليه الصلاة والسلام عقّب ذلك بقصة أصحاب الفيل للإشارة إلى أنَّ عقبَى كيدهم في الدنيا تدميرُهم، فإنَّ عنايةَ الله عز وجل برسوله ◌َّ﴿ أقوى وأتمُّ من عنايته سبحانه بالبيت، فالسورةُ مشيرةٌ إلى مآلهم في الدنيا إثْرَ بيان مآلهم في الأخرى. ويجوز أن تكونَ كالاستدلال على ما أُشيرَ إليه فيما قبلها من أنَّ المالَ لا يُغني من الله تعالى شيئاً، أو على قدرته عز وجل على إنفاذ ما توعّد به أولئك الكفرةَ في قوله سبحانه: (لَيُلْبَذَنَ فِى الْمُطَمَةِ) إلخ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلَـ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ ﴾﴾ الظاهرُ أنَّ الخطاب لرسول الله وَله والهمزة لتقرير رؤيته عليه الصلاة والسلام بإنكار عدمها، وهي بصرية تُجوِّز بها عن العلم على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل لأنَّها سببيَّة، ويجوز جعلُها علميةً من أول الأمر، إلا أنَّ ذاك أبلغُ، وعِلْمُهُ وَّهِ بذلك لِمَا أنَّه سمعَه متواتراً . و((كيف)) في محلِّ نصب على المصدرية بـ ((فَعَل))، والمعنى: أيَّ فِعْلٍ فَعَل. وقيل: على الحالية من الفاعل، والكيفية حقيقة للفعل، لا بـ ((ألم تَرَ)) لمكان الاستفهام، والجملةُ سادَّةٌ مسدَّ المفعولَين لـ (تَرَ)). الآية : ١ ٣٢٥ سُورَةُ الفِلَيْلِ وجوّز بعضُهم نصبَ ((كيف)) بـ ((تَرَ) لانسلاخ معنى الاستفهام عنه كما في (شرح المفتاح)) الشريفي، وصرَّح أبو حيان بامتناعه لأنَّه يراعَى صدارتُه إبقاءً لحكم أصله. وتعليقُ الرؤية بكيفيَّة فعله تعالى شأنه، لا بنفسه بأنْ يقال: ألم تَرَ ما فعل ربك .. إلخ لتهويل الحادثةِ، والإيذانِ بوقوعها على كيفيَّة هائلةٍ، وهيئة عجيبةٍ دالَّةٍ على عِظَم(١) قدرة الله تعالى، وكمالٍ علمه وحكمته، وعِزِّ بيته(٢)، وشرفٍ رسوله وَله، فإنَّ ذلك - كما قال غيرُ واحد - من الإرهاصات؛ لِمَا روي أنَّ القصة وقعَت في السنة التي ولد فيها النبيُّ وَلٍ(٣). قال إبراهيم بن المنذر شيخُ البخاري: لا يَشُكُّ في ذلك أحدٌ من العلماء، وعليه الإجماعُ، وكلُّ ما خالفه وهمٌ، أي: من أنَّها كانت قبلُ بعشر سنينَ، أو بخمسَ عشرةَ سنةً، أو بثلاثٍ وعشرينَ سنة، أو بثلاثين سنة، أو بأربعين سنة، أو بسبعين سنة، الأقوال المذكورة في كتب السِّير. وعلى الأول المرجّح الذي عليه الجمهور قيل: ولادتُه عليه الصلاة والسلام في اليوم الذي بَعَث الله تعالى فيه الطيرَ على أصحاب الفيل من ذلك العام، وهو المذكورُ في تاريخ ابن حبان(٤)، وهو ظاهرُ قولِ ابن عباس: ولد عليه الصلاة والسلام يومَ الفيل(٥). وذهب السهيلي أنَّهِ ﴿ وُلد بعدها بخمسين يوماً، وكانت(٦) في المحرَّم، والولادةُ في شهر ربيع الأول(٧). وقال الحافظ الدمياطي: بخمسةٍ وخمسين يوماً. وقيل: بأربعين. وقيل: بشهر. والمشهور ما ذهب إليه السهيلي. (١) في الأصل: عظيم. (٢) تصحف في (م) إلى: غُريبته. (٣) جاء في هامش الأصل: وذلك بعد مضي ستة آلاف سنة من هبوط آدم عليه السلام. اهـ منه. (٤) وهو كتاب الثقات له، والكلام فيه ١٤/١. (٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١/ ١٠١، وزاد: يعني عام الفيل. (٦) أي: حادثة الفيل. (٧) الروض الأنف ١٨٤/١ . الآية : ١ ٣٢٦ سُورَةُ الفِّيِّ وفي قوله تعالى: (رَبُّكَ) نوعُ رمزٍ إلى الإرهاص. وكونُ ذلك لشرفِ البيت ودعوةِ الخليل عليه السلام لا ينافي الإرهاصَ، وكذا لا ينافيه قولُه وَّل في الحديبية لَمَّا بركَت ناقتُه، وقال الناس: خلاَّت، أي: حَزَنَت: ((ما خلَأَت، ولكنْ حَبَسها حابسُ الفيل))(١)، إذ لم يُدَّعَ أنَّ ما كان للإرهاص لا غير، ومثلُ هذه العلل لا يضرُّ تعدُّدها، ويُؤيِّد الإرهاصَ قصةُ القرامطة وغيرهم. وتفصيل القصة: أنَّ أَبْرهةَ الأشرم بن الصَّبَّاح الحبشي، كما قال ابن إسحاق وغيرُهُ(٢)، وهو الذي يُكْنَى بأبي يَكسوم بالسين المهملة(٣)، ولا يأباه التسمية بأبرهة بناءً على أنَّ معناه بالحبشية الأبيضُ الوجهِ كما لا يخفى، وقيل: إنَّه الحِمْيري = خرجَ على أرياط ملك اليمن من قِبَلِ أصحمة النِّجاشي بكسر النون بعد سنتين من سلطانه، فتبارَزَا، وقد أَرصَدَ الأشرمُ خلفَه غلامَه عَثْوَدة(٤)، فحمل عليه أرياط بحربة فضَرَبِه يريدُ يافوخَه، فوقعت على جبهته فشَرَمَت حاجبَه وأنفَه وعينَه وشَفَتَه، ولذا سُمِّي الأشرم، فحمل عَتْوَدة من خلف أبرهة فقتَلَه وملك مكانه، فغَضِب النجاشيُّ، فاسترضاه فرضي فأثبتَه. ثم إنَّه بنَى بصنعاء كنيسةً لم يُرَ مثلُها في زمانها سمَّاها القُلَّيس بقافٍ مضمومٍ ولامٍ مفتوحةٍ مشدّدةٍ كما في ((ديوان الأدب))(٥) أو مخفَّفةً كما قيل، وبعدَها ياء مثناة سفلية ثم سين مهملة، وكان ينقل إليها الرُّخامَ المُجزَّع والحجارة المنقوشة (١) أخرجه أحمد (١٨٩٢٨)، والبخاري (٢٧٣١) و(٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم (٢) السير والمغازي ص٦١ وما بعد، والسيرة النبوية ٤١/١ وما بعد، وتنظر قصة الفيل في تفسير الطبري ٦٣٥/٢٤ وما بعد، وفي تاريخه ١٢٨/٢ وما بعد، والقرطبي ٤٧٨/٢٢ وما بعد، وتاريخ ابن كثير ١٣٧/٣ وما بعد. (٣) جاء في هامش الأصل: ويقال: إنه جد النجاشي الذي كان في زمانه عليه الصلاة والسلام. اهـ منه، ونسَب القولَ القرطبيُّ في تفسيره ٤٨٥/٢٢ للواقدي. (٤) في الأصل و(م): عتورة، والمثبت من المصادر، والعودة: الشدة. الروض الأنف ١/ ٦٢. (٥) كتاب في اللغة لإسحاق بن إبراهيم الفارابي المتوفى تقريباً سنة (٣٥٠هـ). وهو كتاب معتبر، قسمه على خمسة أقسام، عرّفه بقوله: هو ميزان اللغة ومعيار الكلام. كشف الظنون ٧٧٤/١-٧٧٥، والأعلام ٢٩٣/١. الآية : ١ ٣٢٧ سُورَةُ الْفِيْ بالذهب - على ما يقال - من قَصْر بلقيسَ زوج سليمان عليه السلام، وكتب إلى النجاشي: إِنَّني قد بنيت لك أيُّها الملك كنيسةً لم يُبنَ مثلُها قبلك، ولستُ بمنتهٍ حتى أصرفَ إليها حجَّ العرب. فلما تحدَّثَت العربُ بكتابه ذلك غضب رجلٌ من النَّسَأَة أحدُ بني فُقَيْم بن عدي من كنانةَ، فخرج حتى أتاها فقعَدَ فيها - أي: أحدَثَ ولطخ قبلَتها بحدثه - ثم خرج ولَحِقَ بأرضه، فأُخبِرَ أبرهةُ فقال: مَن صنع هذا؟ فقيل: رجلٌ من أهل هذا البيت الذي تحجُّ إليه العرب بمكةً، غَضِبَ لَمَّا سمع قولَك: أصرفُ إليها حجَّ العرب، ففعل ذلك. فاستشاط أبرهةُ غضباً، وحلَفَ لَيَسيرَنَّ إلى البيت حتى يهدِمَه. وقيل: أَجَّجَت رفقةٌ من العرب ناراً حولها، فحملتها الريحُ فأحرَقَتها(١). فغضِب لذلك فأمرَ الحبشةَ فتهيَّت وتجهّزَت، فخرجت في ستين ألفاً - على ما قيل - منهم، ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً، واثنا عشر فيلاً غيره. وقيل: ثمانيةً. وروي ذلك عن الضحاك. وقيل: ألف فيل، وقيل: معه محمود فقط. وهو قولُ الأكثرين الأوفقُ بظاهر الآية، فسمعَت العربُ بذلك فأعظموه وقلقوا به، ورأوا جهادَه حقًّا عليهم، فخرج إليه رجلٌ من أشراف اليمن وملوكهم يقال له: ذو نَفْر، بمن أطاعَه من قومه وسائر العرب، فقاتَله فهُزِمَ وأُخِذ أسيراً، فأراد قتلَه فقال: أيها الملك لا تقتلني فعسى أنْ يكونَ بقائي معك خيراً لك من قتلي، فتركه وحبسه عنده. حتى إذا كان بأرض خَثْعَم عرَضَ له نُفَيْل بن حبيب الخثْعَمي بمن معه من قومه وغيرهم، فقاتله فهُزِم وأُخِذ أسيراً، فهمَّ بقتله فقال نحوَ ما سبق فخلَّى سبيله، وخرَجَ به يدلُّه. حتى إذا مرَّ بالطائف خرج إليه مسعودُ بن مُعَثِّب(٢) بن مالك الثَّقَفي في رجال من ثَقيف فقال له: أيها الملكُ إنما نحن عبيدُك سمَّاعون لك مطيعون، ليس لك (١) عزاه القرطبي ٢٢/ ٤٨٤ للكلبي ومقاتل بن حيان بنحوه. (٢) في الأصل و(م): معيب، والمثبت من المصادر. ٠ سُورَةُ القِّيِِّ ٣٢٨ الآية : ١ عندنا خلاف، وليس بيتُنا هذا الذي تريد، يعنون بيت اللات، إنما تريدُ البيت الذي بمكة، ونحن نبعَثُ معك من يدلُّك عليه، فتجاوَزَ عنهم، فبعثُوا معه أبا رِغال(١)، فخرج ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمَّس كمعظم، موضعٌ بطريق الطائف معروف، فلمَّا نَزَلَه ماتَ أبو رِغال ودُفِنَ هناك، فرجَمَت قبرَه العربُ كما قال ابن إسحاق(٢). وقيل: القبرُ الذي هناك لأبي رِغال رجل من ثمود، وهو أبو ثقيف، كان بالحرم يَدفَعُ عنه، فلمَّا خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومَه بالمغمَّس فدُفِن فيه، واختارَه صاحب ((القاموس)) ذاكراً فيه حديثاً رواه أبو داود في ((سننه)) وغيرُه عن ابن عمر (٣) مرفوعاً، وقال فيما تقدَّم بعد نَقْلِه عن الجوهري(٤): ليس بجيد. وجمع بعضٌ بجواز أن يكون قبران لرجلَين كلٌّ منهما أبو رغال(٥). ثم إنَّ أبرهة بَعثَ وهو بالمغمَّس رجلاً من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود حتى انتهى إلى مكة، فساقَ أموالَ أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مثتَي بعير؛ وقيل: أربع مئة بعير، لعبد المطلب وكان يومئذ سيدَ قريش، فهمَّت قريش وكِنانة وهُذَيل ومَن كان بالحرم بحربه، فعرفوا أنْ لا طاقةً لهم به فكقُّوا. وبعث أبرهةُ حياطة(٦) الحميري إلى مكة وقال: قل لسيد أهلِ هذا البلدِ إنَّ الملك يقول: إنِّي لم آت لحربكم، إنَّما جئتُ لهدم هذا البيت، فإنْ لم تعرضُوا دونه بحرب فلا حاجةَ لي بدمائكم، فإنْ هو لم يُرد حربي فأتني به. فلمَّا دخل حياطةُ دُلَّ على عبد المطلب فقال له ما أُمِرَ به، فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربَه وما لنا (١) جاء في هامش الأصل: بالغين المعجمة بوزن كتاب. اهـ منه. (٢) السيرة النبوية ٤٨/١. (٣) كذا في الأصل و(م)، والقاموس (رغل). والذي في سنن أبي داود (٣٠٨٣)، ودلائل النبوة للبيهقي ٢٩٧/٦: ابن عمرو، وهو الصواب. ينظر تحفة الأشراف ٢٨١/٦. (٤) في الصحاح (رغل). (٥) تاريخ ابن كثير ١٤٣/٣ . (٦) كذا في الأصل و(م)، والذي في المصادر: حناطة. الآية : ١ ٣٢٩ سُوَّةُ القِيِ به طاقة، هذا بيتُ الله الحرام وبيتُ خليله إبراهيم عليه السلام، فإنْ يمنَعْهُ منه فهو بيتُه وحرمُه، وإنْ يُخلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا دفْعٌ عنه. ثم انطلَق معه عبد المطلب ومعه بعضُ بَنِيْه حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نَفْر، وكان صديقَه، فدخل عليه فقال له: هل عندك من غَنَاءٍ فيما نزل بنا؟ فقال: وما غَناءُ رجل أسيرٍ بيدَي ملك، ينتظر أنْ يقتلَه غُدُوًّا وعَشيًّا، ما عندي غَنَاءٌ في شيء مما نزل بك إلا أنَّ أُنيساً سائسَ الفيل سأُرسِل إليه فأُوصيه بك وأُعْظِمُ عليه حقَّك، وأسألُه أنْ يستأذنَ لك على الملك فتكلِّمه بما بدا لك، ويشفَعَ لك عنده بخيرٍ إِنْ قَدَر على ذلك. فقال: حسبي. فبعَثَ إليه فقال له: إنَّ عبد المطلب سيدُ قريش وصاحبُ عين (١) مكة، ويُطعمُ الناس بالسهل، والوحوشَ في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملكُ له مئتَي بعير، فاستأذِنْ له عليه وانفَعْه عنده بما استطعتَ. فقال: أفعلُ. فكلّم أبرهةَ وَوَصَف عبد المطلب بما وصفه به ذو نفر، فَأَذِنَ له. وكان عبد المطلب أوسمَ الناس وأجملَهم، فلما رآه أكرَمه عن أن يجلسَ تحته، وكره أنْ تراه الحبشةُ يُجلسُه معه على سرير ملكه، فنزل عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه علیه إلى جنبه. والقولُ بأنَّه أعظمَه لِمَا رأى من نور النبوّة الذي كان في وجهه(٢) ضعيفٌ، لِمَا فيه من الدلالة على كون القصة قبلَ ولادة عبد الله، وهو خلافُ ما علمتَ من القول المرجّح، اللهم إلا أنْ يقال إنَّه تجلَّى فيه ذلك النور، وإنْ كان قد انتقَلَ. ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتُك؟ فقال: حاجتي أن يردّ عليَّ الملك إيلي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتُك، ثم قد زهدتُ فيك حين كلمتَني في مئتَي بعير أصبتُها لك، وتَترُك بيتاً هو دينُك ودينُ آبائك قد جئتُ (١) كذا في الأصل و(م)، وتفسير القرطبي ٢٢/ ٤٨٠، وسبل الهدى والرشاد ٢٥٢/١، وفي تاريخ الطبري ١٣٣/٢، وتفسيره ٦٣٩/٢٤، والسيرة النبوية ٤٩/١، وتاريخ ابن كثير ١٤٤/٣ : غير. (٢) ينظر سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٢٥٣/١. سُورَةُ الْفِيِّ ٣٣٠ الآية : ١ لهدمه فلا تكلِّمني فيه. فقال عبد المطلب: إني ربُّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمنَع منِّي. قال: أنت وذاك. وفي رواية: أنَّه دخل عليه مع عبد المطلب [يعمر بن] نفاثة(١) بن عدي سيِّد بني بكر، وخويلد بن واثلة سيِّد هذيل، فعرضا عليه ثلثَ أموالِ أهل تهامة على أنْ پرجعَ ولا یهدم البيت فأبی. فردَ الإبل على عبد المطلب، فانصرف إلى قريش فأخبرهم الخبرَ، فتحرَّزوا في شَعَف الجبال تخوُّفاً من معرَّة الجيش(٢)، ثم قام فأخذ بحلْقة باب الكعبة ومعه نَفَرٌ من قريش يدعون الله عز وجل ويستنصرونه، فقال وهو آخذٌ بالحلقة : لاهُمَّ إنَّ المرءَ يمـ مع رَحْلَهُ فامنع حِلالك(٣) ـب وعابدِيه اليومَ آلَكْ(٤) وانصُر على آل الصليـ ومحالهم غَدواً (٥) مِحالكْ لا يَغْلِبَنَّ صَليبُهُم والفيلَ كي يَسْبُوا عِيالَك جَرُّوا جموعَ بلادهم جَهْلاً وما رَقَبُوا جلالَك عَمَدُوا حِمَاك بكيدهم بَتَنَا فأمْرٌ ما بدالك إنْ كنتَ تاركهم وكعـ وقال أيضاً : (١) في الأصل: ثغانة، وفي (م): ثفانة، والمثبت من السيرة النبوية ٥٠/١، وتفسير الطبري ٢٤ / ٦٤٠، وتاريخ ابن كثير ١٤٥/٣، وما بين حاصرتين من هذه المصادر. (٢) أي: شدته، وقوله: شَعَف الجبال، أي: رؤوسها. الإملاء المختصر لأبي ذر الخشني ٨٨/١. (٣) جاء في هامش الأصل: بكسر الحاء جمع حِلّة: المحل الذي ينزله، والقوم النازلون فيه، ويُروى: رحالك جمع رحل: المنزل، وجُمع تعظيماً للحرم، أو جعل كل موضع منهم رحلاً. اهـ منه. (٤) هذا البيت لم يرد في المصادر، وأشار إلى ذلك السهيلي في الروض الأنف ١/ ٧٠. (٥) جاء في هامش الأصل و(م): قوله: غدواً بالغين المعجمة بمعنى الغدو، أريد به تقريب الزمان، ويُروى: عدواً بالمهملة، أي: ظلماً. اهـ منه. الآية : ١ ٣٣١ ـرَّةُ الفصيل يا رب فامْنَعْ عنهمُ حماكا يا رب لا أرْجُو لهم سواكا امْنَعْهِمُ أنْ يُخرِبُوا فَنَاكا(١) إنَّ عدوَّ البيت مَن عاداكا ثم أرسل الحَلْقة وانطلَق هو ومَن معه إلى شَعَف الجبال ينتظرون ما أبرهةٌ فاعلٌ بمكة إذا دخلها . فلمَّا أصبح تهيَّ للدخول وعبَّى(٢) جيشَه وهيَّأ الفيل، فلمَّا وجَّهَوه إلى مكة أقبل نُفَيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه فأخذ بأُذُنِهِ فقال: ابرُك محمود وارجِع(٣) راشداً من حيث جئتَ، فإِنَّك في بلد الله الحرام. ثم أرسلَ أُذنَه فَبَرَك، أي: سقط، وخرج نُفَيل يشتَدُّ حتى أصعدَ في الجبل، وضربوا الفيلَ وأَوجَعُوه ليقوم فأبى، ووجَّهوه راجعاً إلى اليمن فقام يُهرول، وإلى الشام ففعل مثل ذلك، فوجَّهوه إلى مكة فبرك، فسقوه الخمرَ ليذهب تمييزُه فلم يَنْجَع ذلك. وقيل: إنَّ عبد المطلب هو الذي عَرَك أذنه وقال له ما ذُكر، وكان ذلك عند وادي مُحَسَّر، وأرسل الله تعالى طيراً من البحر قيل: سوداً، وقيل: خضراً، وقيل: بيضاً (٤)، مثل الخطاطيف، مع كلِّ طائر منها ثلاثةُ أحجارٍ يحملُها، حجرٌ في منقاره وحجران في رجليه، أمثال الحمَّص والعَدَس، لا تُصيب أحداً منهم إلا هلَك، ويُروَى أَنَّه يُلقيها على رأس أحدهم فتخرجُ من دُبُره، ويتساقط لحمه، فخرجوا هاربين يبتدرون الطريقَ الذي منه جاؤوا، يسألون عن نُفَيل ليدلَّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأى ما نزل بهم: أين المفرُّ والإله الطالبُ والأشرمُ المغلوبُ ليس الغالبُ وقال أيضاً: (١) جاء في هامش الأصل: وفي رواية: قراكا. اهـ منه. وهي رواية الطبري في تفسيره ٦٤١/٢٤، وفي تاريخه ١٣٤/٢. (٢) تعبية الجيش: تهيئته في مواضعه. القاموس (عبي). (٣) في السيرة لابن هشام ٥٣/١، والروض الأنف ٧١/١: أو ارجع. (٤) في الأصل: قيل سوداء، وقيل خضراء، وقيل بيضاء. سُورَةُ الفِّيْل ٣٣٢ الآية : ١ نَعِمْناكم عن الإصباح عَيْنا ألا حُبِّيتِ عنَّا يا رُدّيْنَا لدى جَنْب المُحصَّب ما رأينا رُدَيْنَةُ لو رأيتٍ ولا تُرَيْه ولا تأسَي على ما فاتَ بَيْنا إذاً لعذرتنِي وحَمدتِ أمري كأنَّ عليه للحُبْشان دَيْنا فكل القوم يسألُ عن نُفَيل وجعلوا يتساقطون بكلِّ طريقٍ، ويهلكون في كل مَنْهَل، وأُصيبَ أبرهةُ في جسده، وخرجُوا به معهم تسقُطُ [أنامله](١) أُنْمُلَةً أُنملةً، كلما سقطت أُنْملةٌ تَبِعَها منه مِدَّةٌ ثم دَمٌ وقيح(٢)، حتى قدموا به صنعاء وهو مثلُ فَرْخ الطائر، فما مات حتى انصدعَ صدرُه عن قلبه . وقد أشار إلى ذلك ابنُ الزِّبَعْرَى بقوله من أبيات يذكرُ فيها مكة: ولسوف يُنبي الجاهلينَ عليمُها سائِلْ أميرَ الحُبْشِ عنها (٣) ما ترى بل لم يَعِشْ بعد الإياب سقيمُها ستُّون ألفاً لم يَؤوبوا أرضَهم ولهم في ذلك شعرٌ كثير، ذكر ابنُ هشام جملةً منه في سِيَرِه (٤)، وفيها: أنَّ الطيرَ لم تُصب كلَّهم(٥). وذَكر بعضُهم أنَّه لم ينجُ منهم غيرُ واحدٍ (٦)، دخل على النجاشي فأخبَرَه الخبرَ والطيرُ على رأسه، فلمَّا فرَغَ ألقَى عليه الحجَرَ فخرَقَت البناء ونزلَت على رأسه فألحقَّتْه بهم. (١) ما بين حاصرتين من تاريخ الطبري ١٣٦/٢، وتفسيره ٦٤٢/٢٤، وتاريخ ابن كثير ١٤٨/٣. (٢) المِدَّة: القيح، القاموس المحيط (مدّ)، وجاءت العبارة في سيرة ابن هشام ٥٤/١: مِدَّة تمثُّ قيحاً ودماً. قال أبو ذر الخشني في الإملاء المختصر ١/ ٩٠: تمث: تسيل، وقيل: ترشح. (٣) في (م): عنا، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في الديوان ص ٥٠، والسيرة النبوية ١/ ٥٧. (٤) ١/ ٥٧ وما بعد. (٥) السيرة النبوية ٥٣/١. (٦) في هامش الأصل: ذكر في الكشاف أن هذا وزيره وكناه بأبي يكسوم، والله تعالى أعلم. اهـ. ينظر الكشاف ٢٨٥/٤. ٣٠ الآية : ١ ٣٣٣ سُؤَدَّةُ الفِِّ وقيل: إنَّ سائسَ الفيل وقائدَه تخلَّفا في مكة فسَلِمًا، فعَن عائشةَ أنَّها قالت: أدركتُ قائدَ الفيل وسائسَه بمكة أعمَيَين مُقعَدَين يَستطعِمان الناس(١). وعن عكرمة: أنَّ مَن أصابَه الحجَرُ جَدَرَتْه، وهو أوَّل جدَري ظهَرَ، أي: بأرض العرب. فعن يعقوب بن عتبة أنَّه حُدِّث أنَّ أول ما رُئيت الحصبةُ والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنَّه أول ما رُئي بها مرائرُ الشجر: الحرملُ والحنظلُ والعشر ذلك العام أيضاً(٢) . ويُرَوى أنَّ عبد المطلب لَمَّا ذهب إلى شَعَف الجبال بمن معه بقي ينتظر ما يَفعلُ القوم وما يُفعَل بهم، فلمَّا أصبح بعَثَ أحدَ أولاده على فَرَس له سريعٍ ينظرُ ما لقوا، فذهب فإذا القومُ مُشدَّخون(٣) جميعاً فرجع رافعاً رأسه كاشفاً عن فخذه، فلمَّا رأى ذلك أبوه قال: ألا إنَّ ابني أفرسُ العرب، وما كشف عن عورته إلا بشيراً أو نذيراً. فلمَّا دنا من ناديهم قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعاً. فخرج عبد المطلب وأصحابُه إليهم فأخذوا أموالهم وقال عبد المطلب: أنتَ منعتَ الحُبْشَ والأفيالا وقد رَعَوا بمكةَ الأجْبالا وقد خَشِينا منهم القتالا وكلَّ أمرٍ منهم مِعْضالا شكراً وحَمْداً لك ذا الجلالا(٤) هذا ومن أراد استيفاءَ القصة على أتمّ مما ذكر فعليه بمطوَّلات كُتب السِّير. (١) أخرجه ابن اسحاق في السير والمغازي ص ٦٥، والبزار (١٧٦ - كشف)، وهو في سيرة ابن هشام ١/ ٥٧. (٢) السيرة النبوية ١/ ٥٤ . (٣) في الأصل و(م): مشدخين، والمثبت من المصادر، على ما يأتي. (٤) قطعة من خبر طويل في قصة الفيل أخرجها أبو نعيم في دلائل النبوة (٨٦) عن عثمان بن المغيرة، وهي في النكت والعيون ٣٤٢/٦، والقرطبي ٤٨٩/٢٢، وجاء في الدلائل: الجيش، بدل: الحبش. سُورَّةُ القِيِ ٣٣٤ الآية : ٢ - ٣ وقرأ السلمي: ((ألم تَرْ) بسكون الراء (١) جدًّا في إظهار أثر الجازم؛ لأنَّ جَزْمه بحذف آخره، فإسكانُ ما قبل الآخر للاجتهاد في إظهار أثر الجازم، قيل: والسرُّ فيه هنا الإسراعُ إلى ذكر ما يهمُّ من الدلالة على أمر الألوهية والنبوَّة. أو الإشارة إلى الحثِّ في الإسراع بالرؤية إيماءً إلى أنَّ أمرَهم على كثرتهم كان كلَمْح البصر، مَن لم ◌ُسارع إلى رؤيته لم يُدركُه حقَّ إدراكه. وتُعقِّبَ هذا بأنَّ تقليل البُنْيَة يدلُّ على قلَّة المعنى - وهو الرؤية - لا على قلَّة زمانه. وقيل: لعلَّ السرَّ فيه الرمزُ من أول الأمر إلى كثرة الحذف في أولئك القوم. فتدبر. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِلٍ ﴾﴾ إلخ بيانٌ إجماليٌّ لِمَا فعل الله تعالى بهم، والهمزةُ للتقرير كما سبَقَ، ولذلك عطَفَ على الجملة الاستفهامية ما بعدها، كأنَّه قيل: قد جعل كيدَهم في تعطيل الكعبة وتخريبها وصَرْفٍ شَرَفٍ أهلها لهم في تضييع وإبطال بأنْ دمَّرهم أشنَعَ تدمير. وأصل التضليل مِن ضلَّ عنه: إذا ضاع، فاستُعير هنا للإبطال، ومنه قيل لامرئ القيس: الضِّلِّيل؛ لأنَّه ضلَّل مُلكَ أبيه وضيَّعه. ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ لَيْرًّا أَبَابِيلَ ﴾﴾ أي: جماعات. جمع إيَّالة بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحَّدة. وحكى الفراء: إِبَالة مخفَّفاً، وهي حِزْمةُ الحطب الكبيرة، شُبِّهت بها الجماعة من الطير في تضامِّها، وتستعمل أيضاً في غيرها، ومنه قوله: إذ سالتِ الأرض بالجُرْد الأبابيلِ(٢) كادَتْ تُهَدُّ من الأصوات راحلتي وقيل: واحدُه إيَّوْل مثل عبَجَّوْل. وقيل: إِبِّيل مثل سِكِين. وقيل: إيَّال. وقال أبو عبيدة والفراء: لا واحدَ له من لفظه(٣). كعَبَاديد: الفِرَق من الناس الذاهبون في كل وَجْه، والشَّماطِيْط: القطع المتفرِّقة. وجاءت هذه الطير على ما روي عن جمع من جهة البحر، ولم تكن نجديةً ولا تهاميةً ولا حجازيةً. وزعم (١) المحتسب ٣٧٣/٢، والبحر المحيط ٥١٢/٨. (٢) البيت لمعبد الخزاعي، وسلف ١٣٤/٥. (٣) مجاز القرآن ٣١٢/٢، ومعاني القرآن للفراء ٢٩٢/٣. الآية : ٤ ٣٣٥ سُوَدَّةُ الْفِيِْ بعضُ أنَّ حمام الحرم من نسلها، ولا يصحُّ ذلك، ومثله ما نقل عن ((حياة الحيوان)) من أنَّها تُعشِّشُ وتفرُِّ بين السماء والأرض(١). وقد تقدَّم الخلافُ في لونها. وعن عكرمة: كأنَّ وجوهها مثلُ وجوه السباعِ، لم تُرَ قبلَ ذلك ولا بعدهُ. ﴿َتَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ﴾ صفة أخرى لـ ((طير)). وعبَّر بالمضارع لحكاية الحالِ واستحضارِ تلك الصورة البديعة. وقرأ أبو حنيفة وابن(٢) يعمر وعيسى وطلحة في رواية: ((يَرْميهم)) بالياء التحتية(٣). والضميرُ المستتر للطير أيضاً، والتذكيرُ لأنَّه اسمُ جمع، وهو على ما حكى الخفاجي: لازمُ التذكير، فتأنيثُه لتأويله بالجماعة (٤). وقيل: يجوزُ الأمران، وهو ظاهرُ كلام أبي حيان(٥). وقيل: الضميرُ عائدٌ على ((ربك)). وليس بذاك. ونسبة القراءة المذكورة لأبي حنيفة ظ حكاها في ((البحر))، وعن صاحب (النشر)) أنَّه ◌َبه لا قراءةَ له، وأنَّ القراءات المنسوبة له موضوعة(٦). ـن سِجِيلٍ﴾ صفة ((حجارة)) أي: كائنةً من طينٍ متحجِّرٍ، معرَّب: سَنْك كِل. وقيل: هو عربي من السِّجل بالكسر (٧)، وهو الدلو الكبير(٨). ومعنى كونٍ الحجارة من الدلو أنَّها متتابعةٌ كثيرةٌ، كالماء الذي يُصَبُّ من الدلو، ففيه استعارةٌ مكنية وتخييلية. (١) حياة الحيوان ١/ ١٧ . (٢) في الأصل و(م): وأبو. والمثبت هو الصواب. (٣) القراءات الشاذة ص ١٨٠، والبحر المحيط ٥١٢/٨. (٤) حاشية الشهاب ٣٩٩/٨. (٥) البحر المحيط ٨/ ٥١٢. (٦) النشر ١٦/١، وحاشية الشهاب ٣٩٩/٨. (٧) وضبطها صاحب المصباح المنير (السجل) بوزن: فَلْس. وكذا ضبطت ضبط قلم في أكثر المعاجم. (٨) في (م): الكبيرة. سُورَةُ الفِّيْلِ ٣٣٦ الآية : ٤ وقيل: من الإسجال بمعنى الإرسال، والمعنى: مِن مثل شيءٍ مرسَل. و((مِن)) في جميع ذلك ابتدائية. وقيل: من السِّجِلّ وهو الكتاب، أُخِذَ من السجِّين، وجُعِل علماً للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار، والمعنى: من جملة العذاب المكتوب المدوَّن، فـ((مِن)) تبعيضية . واختلف في حجم تلك الطير، وكذا في حجم تلك الحجارة، فمرَّ(١) أنَّها مثل الخطاطيف، وأنَّ الحجارة أمثال الحِمَّص والعدس، وأخرج أبو نعيم عن نوفل بن معاوية الدُّئلي(٢) أنَّه قال: رأيتُ الحصَى التي رُمي بها أصحابُ الفيل، حصّى مثل الحمص وأكبر من العدس، حُمْرٌ مُخَتَّمةٌ(٣) كأنَّها جَزْع ◌َظَفار(٤). وأخرج أبو نعيم في ((الدلائل)) عن ابن عباس أنَّه قال: حجارةٌ مثل البندق. وفي رواية ابن مردويه عنه: مثل بَعْر الغنم(٥) . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير أنَّه قال في الآية: هي طيرٌ خرجَت من قبلة البحر، كأنَّها رجالُ السِّنْد، معها حجارةٌ أمثال الإبل البوارك وأصغرُها مثلُ رؤوس الرجال، لا تريد أحداً منهم إلا أصابَتْه، ولا أصابَته إلا قتلَته(٦). (١) في (م): فمن، وهو تصحيف. (٢) في الأصل و(م): نوفل بن أبي معاوية الديلمي. وفي الدر المنثور ٣٩٦/٦: نوفل بن معاوية الديلمي. والمثبت من الدلائل (٨٨)، والإصابة لابن حجر ١٩٥/١٠. والدُّئلي: بضم الدال وكسر الهمزة، وفيها لغات أخر. ينظر توضيح المشتبه ٤/ ٦٣ - ٦٦ . (٣) كتب فوقها في الأصل: بالضم: السواد. وجاء في (م): بحُتْمَة، وفي هامشها: قوله بحُتْمة بالضم: السواد. اهـ منه. (٤) دلائل النبوة (٨٨)، والدر المنثور ٣٩٦/٦ والكلام منه. والجَزْع: الخرز اليماني، وظَفَار: اسم مدينة لحمير باليمن. النهاية (جزع) و(ظفر). (٥) ذكر الأثرَين السيوطي في الدر المنثور ٣٩٥/٦-٣٩٦. (٦) عزاه محمد بن يوسف الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد ٢٥٦/١ للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. الآية : ٥ ٣٣٧ سُورَةُ الفِلَيْل والمعوَّل عليه أنَّ الطير في الحجم كالخطاطيف، وأنَّ الحجارة منها ما هو كالحِمصة ودوينَها وفويقَها. وروى ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي صالح: أنَّه مكتوبٌ على الحجر اسمُ مَن رُمي به واسمُ أبيه، وأنَّه رأى ذلك عند أمّ هانئ(١). كوَرَق زَرْعٍ وَقَع فيه الأُكَال(٢)، وهو أنْ يأكلَه ﴿وَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ الدودُ، أو أُكل حبُّه فبقي صِفراً منه. والكلامُ على هذا على حَذْف المضاف وإقامةٍ المضاف إليه مقامَه، أو على الإسناد المجازي، والتشبيهُ بذلك لذهاب أرواحهم وبقاء أجسادِهم، أو لأنَّ الحجَرَ بحرارته يحرقُ أجوافَهم. وذهب غيرُ واحدٍ إلى أنَّ المعنى: كتِيْنٍ أكَلَتْه الدوابُّ وراثَتْه، والمرادُ كَرَوْثٍ، إلا أنَّه لم يُذكَر بهذا اللفظ لهجنته، فجاء على الآداب القرآنية، فشُبِّه تقطّعُ أوصالهم بتفرُّق أجزاء الروث، ففيه إظهارُ تشويهِ حالهم. وقيل: المعنى: كِتِبْنٍ تأكلُه الدوابُّ وتروتُه، والمرادُ جعلُهم في حكم التِّبْن الذي لا يُمنع عنه الدوابُّ، أي: مبتذَلين ضائعين لا يلتفِتُ إليهم أحدٌ، ولا يجمَعُهم ولا يدفنُهم، كتبٍ في الصحراء تفعلُ به الدوابُّ ما شاءت لعدم حافظٍ له، إلا أنَّه وضع ((مأكول)) موضع: أكَلَته الدوابُّ، لحكاية الماضي في صورة الحال. وهو كما ترى. وكأنَّه لِمَا أنَّ مجيئَهم لهدم الكعبة ناسَبَ إهلاكهم بالحجارة، ولِمَا أنَّ الذي أثار غضبَهم عَذِرة الكِنانيّ شَبَّهَهُم فيما فعل سبحانه بهم على القول الأخير بالروث، أو لِمَا أنَّ الذي أثاره احتراقُها بما حملَته الريحُ من نار العرب - على ما سمعْتَ - شبَّهَهُم عز وجل فيما فعل جل شأنه بهم بعصفٍ أُكِلَ حبُّه على ما أشرنا إليه أخيراً. (١) الدر المنثور ٣٩٦/٦. (٢) بالضم والكسر كغُراب وكتاب، وهو التآكل. حاشية الشهاب ٣٩٩/٨. الآية : ٥ ٣٣٨ سُوَدَّةُ الفِلَيْكَ وقرأ أبو الدرداء فيما نقل ابن خالويه: ((مَأَكُول)) بفتح الهمزة إتباعاً لحركة الميم (١)، وهو شاذٌّ، وهذا كما أتبعوا في قولهم (٢): ((مَحَموم)) بفتح الحاء لحركة الميم. والله تعالى أعلم. (١) القراءات الشاذة ص ١٨٠، والبحر ٥١٢/٨. (٢) قوله: في قولهم، ليس في الأصل. سُورَةً قَراش ويقال: سورة لإيلاف قريش. وهي مكيةٌ في قول الجمهور، مدنيةٌ في قول الضحاك وابن السائب. وآيُها خمسٌ في الحجازي، وأربعٌ في غيره(١). ومناسبتها لِمَا قبلها أظهرُ من أنْ تخفَى، بل قالت طائفةٌ: إنَّهما سورةٌ واحدةٌ، واحتجُّوا عليه بأنَّ أَبيَّ بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة(٢)، وبما(٣) روي عن عمرو بن ميمون الأودي(٤) قال: صلَّيتُ المغربّ خلفَ عمرَ بن الخطاب ظه، فقرأ في الركعة الأولى ((والتين)) وفي الثانية (ألم تر)) و((لإيلاف قريش)) من غير أن يفصلَ بالبسملة(٥). وأُجيبَ بأنَّ جمعاً أثبتُوا الفصل في مصحف أُبيِّ، والمثبِت مقدَّم على النافي، وبأنَّ خبرَ ابن ميمون إنْ سلِّمَت صحتُه محتملٌ لعدم سماعه، ولعلَّه قرأها سرًّا. ويدلُّ على كونها سورةً مستقلةً ما أخرج البخاري في ((تاريخه)) والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ((الخلافيات)» عن أمِّ هانئ بنت أبي طالب أنَّ رسول الله وَله قال: ((فضَّل الله تعالى قُريشاً بسبع خصالٍ، لم يُعْطَها أحدٌ قبلَهم، ولا يُعطَاها أحدٌ بعدهم: أنِّي فيهم - وفي لفظ: النبوَّة فيهم - والخلافةُ فيهم، والحجابةُ فيهم، والسقايةُ فيهم، ونُصِروا على الفيل، وعَبَدوا الله تعالى سبْعَ (١) في هامش الأصل: اختلافها آية ﴿مِّن جُوعٍ﴾ حجازي. اهـ منه. (٢) الكشاف ٢٨٧/٤، وتفسير البغوي ٥٢٩/٤، وتفسير القرطبي ٤٩٥/٢٢ . (٣) في الأصل و(م): بما، والصواب ما أثبتناه، وينظر تفسير القرطبي ٤٩٥/٢٢. (٤) في الأصل و(م): الأزدي، والصواب ما أثبتناه، وقال عنه الحافظ في التقريب: مخضرم مشهور، ثقة عابد. (٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣٦٦/٦ لعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف. الآية : ١ ٣٤٠ سنينَ - وفي لفظ: عشرَ سنينَ - لم يعبُدْه سبحانه أحدٌ غيرهم، ونزلَت فيهم سورةٌ من القرآن لم يُذكر فيها أحدٌ غيرهم (ِإِلَفِ قُرَيْشٍ)»(١) وجاء نحو هذا الأخير في خبرَين آخرَين أحدهما عن الزبير بن العوام يرفعه(٢)، والثاني عن سعيد بن المسيب عنه وََّ (٣). ويُؤيِّد الاستقلالَ كونُ آيها ليسَت على نَمَط آيٍ ما قبلها. وأنت تعلم أنَّه بعد ثبوتٍ تواتر الفصل لا يحتاج إلى شيء مما ذكر. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الإيلاف على ما قال الخفاجي: مصدرُ أَلِفْتُ الشيءَ لِإِلَفِ قُرَيْشٍ وآَلَفْتُه من الإلف(٤). وهو كما قال الراغب: اجتماعٌ مع التئام(٥). وقال الهروي في ((الغريبَين)): الإيلافُ عهودٌ بينهم وبين الملوك، فكان هاشم يؤالفُ ملك الشام، والمطلب كسرى، وعبدُ شمس ونوفل يُؤالفان ملك مصر والحبشة، قال: ومعنى يؤالف يعاهِدُ ويصالح، وفعلُه: آلَفَ، على وزن فاعل، ومصدره: إلاف، بغير ياء بِزِنَة: قِتَال. أو: أَلَفَ الثلاثي كـ : كَتَبَ كتاباً. ويكون الفعلُ منه أيضاً [آلَفَ] على وزن أَفْعَلَ مثل آمَنَ، ومصدرُه إيلاف كإيمان(٦). وحملُ الإيلاف على العهود خلافُ ما عليه الجمهور، كما لا يخفى على المتتبّع. (١) التاريخ الكبير ٣٢١/١، والمعجم الكبير ٢٤/(٩٩٤)، والمستدرك ٥٣٦/٢، وعزاه لابن مردويه والبيهقي السيوطيُّ في الدر المنثور ٣٩٦/٦، ٣٩٧. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٤/١٠: وفيه من لم أعرفه. اهـ. وفي سند الحديث: إبراهيم بن محمد بن ثابت، قال الذهبي في تلخيص المستدرك: وإبراهيم صاحب مناكير هذا أَنْكَرُها. (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩١٧٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٥/٦٤، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٤/١٠: وفيه من ضُعِّف ووثقهم ابن حبان. (٣) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٩٥/٧ . (٤) حاشية الشهاب ٨/ ٤٠٠ .. (٥) مفردات الراغب (ألف). (٦) حاشية الشهاب ٤٠٠/٨، وما بين حاصرتين منه.