النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ١٤
١٨١
سُورَةُ الْخَلِقِّ
واعترض أيضاً جعلُ الجملة الشرطيّة في موضع المفعول الثاني لـ ((أرأيت)) بأنَّ
مفعولها الثاني لا يكونُ إلَّا جملة استفهاميَّة، كما نصَّ عليه أبو حيان(١) وجماعة،
أو قسميّة، كما في ((الإرشاد))(٢).
وقال الخفاجيّ: إنَّ جعل الشرطية في موقع المفعول، والجملة الاستفهامية في
موقع جواب الشرط، إمّا على ظاهره، أو على أنَّهما لدلالتهما على ذلك جُعِلا كأنَّهما
كذلك؛ لسدِّهما مسدّ المفعول والجواب، وبما ذُكر صَرَّح الرضيُّ والدمامينيُّ في
(شرح التسهيل)) في باب اسم الإشارة، فما قيل من أنَّ المفعول الثاني لـ ((أرأيت))
لا يكون إلَّا جملة استفهاميَّةً مخالفٌ لما صرَّحوا بأنَّه مختارُ سيبويه، فلا يُلتفت إليه(٣).
ولم يجعلوا فيما ذكر الخطاب للنبيِّ وَّ، ولا للكافر الناهي؛ لأنَّ السياقَ
مقتضٍ لخروج الناهي والمنهيِّ عن مورد الخطاب، واستظهَر في ((البحر))(٤) جَعْلَه
للنبيِّ وَّ، وجوَّز غيرُهُ جَعْلَه للكافر، والمراد تصويرُ الحال بعنوانٍ كلِّيٍّ. وهو
كما ترى.
وقيل: الضميران في ((إن كان)) و((أَمَر)) للعبد المصلِّي، والضمائر في ((كذَّب))
و (تولَّى)) و((يعلم)) للذي يَنهى، وحاصلُ المعنى على ما قال الفراء: أرأيتَ الذي
ينهَى عبداً يُصلِّي، والمنهيُّ على الهدى وآمرٌ بالتقوى، والناهي مكذِّبٌ متولٌّ،
فما أعجبُ من ذا؟(٥).
والظاهر أنَّ جواب الشرط عليه محذوفٌ، وهو: فما أعجب من ذا، بقرينة
(أرأيت)) فإنَّه يفيدُ التعجُّب، والرؤية فيه قيل: عِلْميَّةٌ، والمفعول الثاني محذوفٌ،
نحو هذا الجواب، وقيل: بصريَّة، و((ألم يعلم)) إلخ جملةٌ مستأنَفةٌ لتقرير ما قبلها
وتأكيده، و((أو)) تقسیمیّةٌ بمعنى الواو.
(١) البحر المحيط ٤٩٤/٨.
(٢) إرشاد العقل السليم ١٧٩/٩ .
(٣) حاشية الشهاب ٣٨٠/٨.
(٤) ٨/ ٤٩٣.
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٧٨/٣.

سُورَةُ الْعَلِق
١٨٢
الآية : ١٤
وقيل: الخطاب في ((أرأيت)) الثانية للكافر، وفي الثالثة(١) للنبيِّ وَّ، فهو عزَّ
وجلَّ كالحاكم الذي حضره الخصمان، يخاطبُ هذا مرَّةٌ والآخرَ أخرى، وكأنَّه
سبحانه قال: يا كافر، أخبرني إن كانت صلاتُه هدى ودعاؤه إلى الله تعالى أمراً
بالتقوى، أتنهاه؟ وأخبرني أيُّها الرسول إن كان الناهي مكذِّباً بالحقِّ، متولِّياً عن
الدين الصحيح، ألم يعلم أن الله تعالى يجازيه؟
وسكت هذا القائلُ عن الخطاب في ((أرأيت)) الأول، فقيل: لكلِّ من يصلح له،
وقيل: للإنسان، وقيل: للنبيِّ ◌َّر، كالخطاب في الثالث.
وقوله: أتنهاه، يحتملُ أنَّه جعله مفعولاً لـ ((رأيت)) ويحتملُ أنَّه جوابُ الشرط.
و((أو)) كما في سابقه.
ولعلَّ ذكر الأمر بالتقوى في الجملة الثانية؛ لأنَّ النهيَ - على ما قيل - كان عن
الصلاة والأمِر بها، وكان الظاهرُ عليه أن يذكر في الجملة الأولى أيضاً بأن يقال:
أرأيتَ الذي ينهى عبداً إذا صلى أو أمر بالتقوى، لكنَّه حذف اكتفاءً بذكره في
الثانية، واقتصر على ذكر الصلاة، ولم يعكس؛ لأنَّ الأمر بالتقوى دعوةٌ قوليَّةٌ،
والصلاة دعوةٌ فعليَّةٌ، والفعلُ أقوى من القول، وإنما كانت دعوةً وأمراً؛ لأنَّ
المقتدى به إذا فعل فعلاً كان في قوَّة قوله: افعلوا هذا.
وقيل: المذكور أوَّلاً ليس النهيّ عن الصلاة، بل النهي حين الصلاة، وهو
محتملٌ أن يكون لها أو لغيرها، وعامَّةُ أحوالِ الصلاة لِمَّا انحصرت في تكميل نفس
المصلِّ بالعبادة، وتكميلٍ غيره بالدعوة، فنهيُه في تلك الحالة يكونُ عن الصلاة
والدعوة معاً، فلذا ذُكرا في الجملة الثانية. انتهى فلا تغفل.
وجَوَّزَ الإمامُ كونَ الخطاب في الكلِّ له عليه الصلاة والسلام، وقال في بيان
معنى ((أرأيت إن كان)) إلخ: أرأيت إنْ صار على الهدى، واشتغلَ بأمر نفسه، أمَا
كان يليقُ به ذلك، إذ هو رجلٌ عاقلٌ ذو ثروة، فلو اختار الرأيَ الصائبَ والاهتداءَ
والأمرَ بالتقوى، أمَا كان ذلك خيراً له من الكفر بالله تعالى والنهي عن خدمته
(١) في (م): الثانية.

الآية : ١٤
١٨٣
سُوَّةُ الْخَلِقِّ
سبحانه وطاعته عزَّ وجلَّ؟! كأنَّه تعالى يقول: تلقَّفْ عليه، كيف فوَّتَ على نفسه
المراتب العليَّة، وقنع بالمراتب الرديَّةَ(١)؟!
واعتبر عصامُ الدين هذه الجملة توبيخاً على تفويت ما ينفعُ، وما بعدها توبيخاً
على كسب ما يضرُّ، فقال: إنَّ قوله تعالى: (أَيْتَ الَّذِى) إلخ استشهادٌ لطغيان الإنسان
إن رآه مستغنياً، والرؤيةُ بمعنى الإبصار، أي: أشاهدتَ الذي ينهى عبداً إذا صلَّى،
وعرفتَ طغيان الإنسان المستغني، وأنَّه لا يكتفي بكفرانه، ويتجاوزُ إلى تكليف
العبدِ الذي أرسل للمنع عن الكفران بالكفران؟ وقولُه سبحانه: (أَرَيْتَ إِن كَانَ) إلخ
توبيٌ له على فوتٍ ما لا يعلم كنهَه، بفوتِ الهدى والأمر بالتقوى، يعني: أعلمتَ
أنَّه على أيِّ فوزٍ إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى؟ وقوله عز وجل: (أَرَيْتَ إِن
كَذَّبَ) إلخ توبيخٌ له بما كسب من استحقاق العذاب، والبعد عن ربِّ الأرباب، أي:
أعلمت أنَّه على أيِّ عقوبةٍ ومؤاخذةٍ؟ وقوله تعالى: (أَلَ يَعَلَ) إلخ تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ،
بعد التوبيخ على كسبٍ حالِ الشقيِّ وفوت حال السعيد. انتهى، وهو كما ترى.
فتأمَّل جميعَ ما تقدَّم والله تعالى بمراده أعلم.
ثم إنَّ الآيةَ، وإن نزلت في أبي جهلٍ - عليه اللعنة - لكن كلُّ من نَهى عن
الصلاة ومنعَ منها فهو شريكه في الوعيد، ولا يلزمُ على ذلك المنعُ عن النهي عن
الصلاة في الدار المغصوبة، والأوقات المكروهة؛ لأنَّ المنهيَّ عنه في الحقيقة ليس
عن الصلاة نفسها، بل عن وَصْفِها المقارِن، ولشدَّة الاحتياط تحاشى بعضُهم عن
النهي مطلقاً، فروي عن أمير المؤمنين كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه رأى في المصلَّى
أقواماً يصلُّون قبلَ صلاة العيد، فقال: ما رأيتُ رسول الله وَلي يفعل ذلك. فقيل
له رظُه: ألا تنهاهم؟ فقال ◌َّه: أخشى أنْ أدخلَ تحت وعيد قوله تعالى: (أَّيْتَ
الَّذِى يَنْغَى * عَبْدًا إِذَا صَلََّ). وفي روايةٍ: لا أحبُّ أن أنهى عبداً إذا صلى، ولكن
أحدِّثُهم بما رأيتُ من رسول الله ◌ِ﴾(٢).
(١) تفسير الرازي ٢١/٣٢.
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٠٣/٢ وقال: رواه البزار، وقال: لا يروى عن عليّ
إلا بهذا الإسناد، قلت - القائل الهيثمي -: وفيه من لم أعرفه.

سُورَةُ الْخَلِقِ
١٨٤
الآية : ١٥
وقد سلك نحو هذا المسلك أبو حنيفة عليه الرحمة، فقد رُويَ أنَّ أبا يوسف
قال له: أيقول المصلِّي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهمَّ اغفر لي؟ فقال: يقول:
ربنا لك الحمد ويسجد. ولم يصرِّح بالنهي.
ويقاس على النهي عن الصلاة النهيُ عن غيرها من أنواع العبادة، ولا فرق بين
النهي القاليِّ والنهي الحاليِّ، ومنه أنْ يشغلَ المرءُ المرءَ عن ذلك، وقد ابتلي به
کثیرٌ من الناس.
ردعٌ للناهي اللعين وزجرٌ له، واللام في قوله تعالى: ﴿لَن لَّرْ بَةِ﴾ موطِّئَةٌ
للقسم، أي: والله لئن لم يَنْتَهِ عمَّا هو عليه ولم ينزجر ﴿لَتْفَمَّا بِالنَّاسِيَةِ﴾ أي: لنأخذنَّ
بناصيته ولنسحبتَّه بها إلى الثَّار يومَ القيامة، والسفعُ، قال المبرِّد: الجذبُ بشدّة،
وسفع بناصية فرسه: جذب، قال عمرو بن معد یکرب:
قومٌ إذ كَثُرَ الصياحُ(١) رأيتهم ما بينِ ملجمٍ مُهْرِهِ أو سَافِعٍ (٢)
وقال مؤرِّج: السفعُ: الأخذُ، بلغة قریش.
والناصيةُ: شعر الجبهة، وتُظْلَقُ على مكان الشّعر، و((أل)) فيها للعهد، واكتفي
بها عن الإضافة، وهو معنى كونها عوضاً عن المضاف إليه في مثله، والكلامُ كنايةٌ
عن سحبه إلى النار، وقول أبي حيان: إنَّه عبَّر بالناصية عن جميع الشخص(٣)،
لا یخفی ما فيه.
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: في الرواية المشهورة: إذا نقع الصريخ، أي: ارتفع
الصوت. اهـ منه.
(٢) الكشاف ٢٧٢/٤، والمحرر الوجيز ٥٠٣/٥، والبحر ٤٩١/٨.
ونسبه العيني في شرح الشواهد ١٤٦/٤، والسيوطي في شواهد المغني ١/ ٢٠٠-٢٠١
لحميد بن ثور، وهو في ديوانه ص١١١ (الزيادات). وورد دون نسبة في سيرة ابن هشام
٣١١/١، وتهذيب اللغة ١٠٨/٢، والصحاح، وأساس البلاغة (سفع)، وشرح الحماسة
للمرزوقي ٢٩/١.
وانظر شرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي ٥٣/٢-٥٤ .
(٣) ينظر البحر المحيط ٤٩٥/٨.

الآية : ١٥
١٨٥
سُورَةُ الجَلِقِ
وقيل: المراد: لنسحبنَّه على وجهه في الدنيا يوم بدر، وفيه بشارةٌ بأنَّه تعالى
يمكِّنُ المسلمين من ناصيته حتى يجرُّوه إن لم يَنْتَهِ، وقد فعلَ عزَّ وجلَّ، فقد رُويَ
أنَّه لما نزلت سورة الرحمن قال ◌َله: ((من يقرؤها على رؤساء قريش))، فقام ابن
مسعود وقال: أنا يا رسول الله، فلم يأذن له عليه الصلاة والسلام لضعفه وصغر
جثّته، حتى قالها ثلاثاً، وفي كلِّ مرَّةٍ كان ابن مسعود يقول: أنا يا رسول الله، فأذن
له وَ﴾، فأتاهم وهم مجتمعون حول الكعبة، فشرع في القراءة، فقام أبو جهل
فلطمَه، وشقَّ أذنَه، وأدماه، فرجع وعيناه تدمعان، فنزل جبريل عليه السلام
ضاحكاً، فقال له وَ سير في ذلك، فقال عليه السلام: ستعلم. فلمَّا كان يوم بدر، قال
عليه الصلاة والسلام: ((التمسوا أبا جهلٍ في القتلى)) فرآه ابن مسعودٍ مصروعاً
يخور، فارتقى على صدره، ففتح عينَه فعرفه، فقال: لقد ارتقيت مرتقّى صعباً
يا رُوَيْعيَّ الغنم. فقال ابن مسعود: الإسلامُ يعلو ولا يعلى عليه. فعالجَ قطعَ رأسه،
فقال اللعين: دونك فاقطعه بسيفي. فقطعه، ولم يقدر على حمله، فشقَّ أذنَه وجعل
فيها خيطاً، وجعل يجرُّه حتى جاء به إلى رسول الله بَّر، فجاء جبريل عليه السلام
يضحك، ويقول: يا رسول الله أذنٌ بأذن، والرأس زيادة (١).
وكأنَّ تخصيصَ الناصية بالذكر لأنَّ اللعينَ كان شديد الاهتمام بترجيلها
وتطييبها، أو لأنَّ السفعَ بها غايةُ الإذلال عند العرب، إذ لا يكون إلَّا مع مزيد
التمُّن والاستيلاء، ولأنَّ عادتهم ذلك في البهائم.
وقرأ محبوبٌ وهارون كلاهما عن أبي عمرو: ((لنسفعنَّ)) بالنون الشديدة(٢).
وقرأ ابنُ مسعود: ((لأسفعنَّ)) كذلك(٣)، مع إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم
وحده.
وكتبت النون الخفيفة في قراءة الجمهور ألفاً اعتباراً بحال الوقف، فإنَّه يوقفُ
(١) انظر تفسير الرازي ٢٤/٣٢.
(٢) القراءات الشاذة ص١٧٦، والبحر المحيط ٤٩٥/٨، وقراءة أبي عمرو المتواترة عنه كقراءة
الجمهور.
(٣) القراءات الشاذة ص١٧٦، والكشاف ٢٧٢/٤، والمحرر الوجيز ٥٠٣/٥.

سُورَةُ الْعَلِقِ
١٨٦
الآية : ١٦
عليها بالألف تشبيهاً لها بالتنوين، وقاعدةُ الكتابة مبنيَّةٌ على حال الوقف والابتداء،
ومن ذلك قوله :
ومهما تشأ منه فزارةٌ تمنعا(١)
وقوله :
يحسبهُ الجاهل ما لم يعلما (٢)
وقوله تعالى: ﴿نَصِيَةٍ﴾ بدلٌ من ((الناصية))، وجازَ إبدالُها عن المعرفة وهي
نكرة؛ لأنَّها وُصفت بقوله سبحانه: ﴿كَذِيَةٍ خَالِثَةٍ﴾ فاستقلَّت بالإفادة، وقد ذكر
البصريون أنَّه يشترطُ لإبدال النكرة من المعرفة الإفادةُ لا غير، ومذهب الكوفيين
أنَّها تبدلُ منها بشرطين: اتِّحاد اللفظ، ووصف النكرة. وابنُ أبي الربيع(٣) اشترط
الثاني دون الأوَّل؛ لئلا يكون المقصودُ أنقصَ من غيره.
وعن ابن الحاجب: سُئلت عن وجه الجمع بين ((الناصية)) و((ناصية))، وأجبت: أنَّ
الأولى ذُكرت للتنصيص على ناصية الناهي، والثانية ذكرت تنبيهاً على علَّة السفع(٤)،
وليشملَ بظاهره كلَّ ناصية هذه صفتها(٥)، وهذا مما يتأتَّى على سائر المذاهب.
(١) عجز بيت صدره: فمهما تشأ منه فزارة تعطكم، أورده سيبويه في الكتاب ٣/ ٥١٥ ونسبه
لابن الخرع. قال البغدادي في الخزانة ٣٨٩/١١: والبيت غير موجود في ديوان ابن
الخرع، وإنما هو من قصيدة للكميت بن ثعلبة، أوردها أبو محمد الأعرابي في ضالة
الأديب ... ، وسلف ٣٩٢/١٩.
(٢) الرجز في الكتاب ٥١٦/٣ دون نسبة، ونسب لابن جنابة اللص، ومساور العبسي،
والعجاج، وأبي حيان الفقعسي، وعبد بني عبس. انظر أمالي ابن الشجري ٢/ ١٦٥،
وخزانة الأدب ٤٠٩/١١، ٤١٨.
(٣) في الملخص في ضبط قوانين العربية ١/ ٥٦٤. وابن أبي الربيع هو أبو الحسين عبيد الله بن
أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن أبي الربيع القرشي الأموي العثماني الإشبيلي،
إمام أهل النحو في زمانه، وله: شرح كتاب سيبويه، وشرح الجمل، والإفصاح في شرح
الإيضاح، وغيرها، وكلها في النحو، توفي سنة (٦٨٨هـ). بغية الوعاة ١٢٥/٢.
(٤) من قوله: ابن أبي الربيع ... إلى هنا ساقط من (م)، وضرب عليه في النسخة النعمانية
(ب).
(٥) أمالي ابن الحاجب ص ٢٨٠.

الآية : ١٧
١٨٧
سُورَةُ الْعَلِقِّ
ووصفُ الناصية بما ذُكر - مع أنَّه صفةُ صاحبها - للمبالغة، حيثُ يدلُّ على
وصفه بالكذب والخطأ بطريق الأَوْلى، ويفيدُ أنَّه لشدَّة كذبه وخطئه كأنَّ كلَّ جزءٍ من
أجزائه يكذبُ ويخطئ، وهو كقولِه تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢]،
وقولِهم: وجهُها يصفُ الجمال، فالإسناد مجازيٌّ، من إسناد ما للكلِّ إلى الجزء.
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وزيدُ بن علي: ((ناصيةً كاذبةً خاطئةً)) بنصب الثلاثة
على الشتم، والكسائيُّ في رواية برفعها(١)، أي: هي ناصيةٌ .. إلخ.
﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ، (٣) النادي: المجلس الذي يَنتدي فيه القوم، أي: يجتمعون
للحديث، ويُجْمَع على أندية، والكلام على تقدير المضاف، أي: فليدعُ أهلَ ناديه،
والإسناد(٢) فيه مجازيٌّ، أو أطلق اسمُ المحلِّ على مَن حلَّ فيه، ومِثْلُه في هذا:
المجلسُ ونحوُه، كما قال جرير أو ذو الرمَّة:
لهم مجلسٌ صُهْبُ السبال(٣) أذلَّةٌ سواسيةٌ أحرارُها وعبيدها(٤)
وقال زهير :
وفيهم مقاماتٌ(٥) حسانٌ وجوههم
وأنديةٌ ينتابها القولُ(٦) والفعل(٧)
(١) القراءتان في القراءات الشاذة ص ١٧٦، والبحر المحيط ٤٩٥/٨.
(٢) في الأصل و(م): أو الإسناد، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٨٢/٨.
(٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: أريد به العدو. وقال الجوهري [في الصحاح (صهب)]:
أصله في الروم؛ لأن الصهوبة فيهم، وهم أعداء العرب. اهـ منه.
(٤) نسبه لجرير الزمخشريُّ في الكشاف ٢٧٢/٤ والقرطبي في تفسيره ٣٨٧/٢٢، وأبو حيان في
البحر المحيط ٤٩٥/٨، ونسبه لذي الرمة الزمخشريُّ أيضاً في أساس البلاغة (جلس)، وهو
في ديوان ذي الرمة ١٢٣٥/٢، قال الشارح: قوله: صهب السبال، أي: هم عجم ليسوا
بعرب، ولا يقال: سواسية، إلا في الهجاء، أما في الخير فيقال: سواء. اهـ. والسِّبال جمع
سَبَلة، وهي ما على الشارب من الشعر، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية. والصهب حمرة أو
شقرة في الشعر، والأعداء صهب السبال وإن لم يكونوا كذلك. القاموس (صهب) و(سبل).
(٥) جاء في هامش الأصل ما نصه: المقامة: المجلس. اهـ منه.
(٦) جاء في هامش الأصل ما نصه: انتاب فلانٌ القوم: أتاهم مرَّةً بعد أخرى، افتعل من
النوبة. اهـ منه.
(٧) ديوان زهير ص١١٣، والكشاف ٢٧٢/٤.

سُوَّةُ الْخَلِقِ
١٨٨
الآية : ١٨
وهذا إشارةٌ إلى ما صحَّ من أنَّ أبا جهلٍ مرَّ برسول الله وَليهِ وهو يصلِّي، فقال:
ألم أَنْهَكَ؟ فَأَغْلَظَ عليه الصلاة والسلام له، فقال: أتُهدِّدني وأنا أكثرُ(١) أهل الوادي
نادياً(٢).
والأمرُ على ما في (البحر)) (٣) للتعجيز والإشارة إلى أنَّه لا يقدرُ على شيءٍ.
﴿وَسَنَدْعُ الزََّنَّةَ ﴾﴾ أي: ملائكةَ العذاب ليجرُّوه إلى النار، وهو في الأصل:
الشُّرَط، أي: أعوان الولاة، واختلفَ فيه، فقيل: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه،
كعباديد، وقال أبو عبيدة: واحدُه: زِبْنِيَة بكسر فسكون، كعِفْرِيَة (٤).
وقال الكسائيُّ: واحدُه: زِبْنيّ بالكسر، كأنَّه نُسبَ إلى الزَّبْن بالفتح، وهو
الدفع، ثم غيِّر للنسب وكُسِر أوله، كإمسيّ(٥)، وأصل الجمع زبانيّ، فقيل: زبانية
بحذف إحدى ياءيه وتعويض التاء عنها .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحده زابن(٦)، والعربُ قد تطلق هذا الاسم
على من اشتدَّ بطئُه، وإن لم يكن من أعوان الولاة، ومنه قوله:
مطاعيم (٧) في القُصْوی مَطاعینُ في الوغى
زبانيةٌ غُلْبٌ عِظامٌ حُلُومُها(٨)
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: بالثاء المثلثة، وبعض يقول: أكبر، بالباء الموحدة. اهـ منه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٢١)، والترمذي في سننه (٣٣٤٩)، والنسائي في الكبرى (١١٦٢٠) من
حديث ابن عباس ◌ًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.
(٣) ٨/ ٤٩٥.
(٤) مجاز القرآن ٣٠٤/٢. ووقع فوقها في الأصل: ريش على قفا الديك. اهـ منه.
(٥) وقع في (م) ومطبوع البحر المحيط ٤٩١/٨: كإنسي. والمثبت من الأصل، والكشاف
٢٧٢/٤، والدر المصون ٦١/١١. وقوله: إمْسيّ: نسبة إلى الأمس على غير قياس.
اللسان (أمس).
(٦) البحر المحيط ٤٩١/٨، وقول الأخفش في معاني القرآن له ٧٤١/٢.
(٧) في الأصل و(م): مطاعم، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٨) هو لابن الزبعرى، كما في سيرة ابن هشام ٣١٢/١، وفيها: المَقْرَى. بدل: القصوى،
ودون نسبة برواية المصنف في النكت والعيون ٣٠٨/٦-٣٠٩، وتفسير القرطبي ٣٨٦/٢.
والغُلب: جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة، وهم يصفون السادة بغلظ الرقبة وطولها. اللسان
(غلب).
ة

الآية : ١٩
١٨٩
سُورَةُ الْعَلِقِ
وسَمَّى ملائكة العذاب بذلك؛ لدفعهم مَن يعذبونه إلى النار، وهذا الدعاء في
الدنيا بناءً على ما روي من أنَّه ((لو دعا ناديَه لأخذته الزبانية عياناً))(١).
والظاهر أنَّ ((سَنَدْع)) مرفوعٌ لتجرُّده عن الناصب والجازم، ورسم في المصاحف
بدون واو؛ لإتْباع الرسم للَّفظ، فإنَّها محذوفةٌ فيه عند الوصل لالتقاء الساكنين، أو
لمشاکلة «فليدع)).
وقيل: إنَّه مجزومٌ في جواب الأمر. وفيه نظرٌ.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((سيُدْعى الزبانيةُ)) بالبناء للمفعول ورفع الزبانية (٢).
ردعٌ لذلك اللعين بعد ردع، وزجرٌ له إثر زجر ﴿لَا نُطِعْهُ﴾ أي: دُمْ على
ما أنت عليه من مُعَاصاته ﴿وَأَسْجُدْ﴾ وواظب غير مكترثٍ به على سجودك، وهو
على ظاهره، أو مجازٌ عن الصلاة ﴿وَاقْتَب﴾ وتقرَّب بذلك إلى ربك.
وفي ((صحيح مسلم) وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((أقربُ ما يكونُ
العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاء))(٣).
وفي ((الصحيح)) وغيره أيضاً من حديث ثوبان مرفوعاً: ((عليك بكثرة السجود،
فإنَّه لا تسجدُ لله تعالى سجدةً إلَّا رفعكَ الله تعالى بها درجةً، وحَظّ عنك بها
خطيئةً)) (٤).
ولهذه الأخبار ونحوها ذهبَ غيرُ واحدٍ إلى أنَّ السجودَ أفضلُ أركان الصلاة،
ومن الغريب أنَّ العزَّ بن عبد السلام - من أجلَّةِ أئمّة الشافعيَّة - قال بوجوب الدعاء
فيه .
وفي ((البحر)): ثبتَ في الصحيحين أنَّه عليه الصلاة والسلام سجدَ في ((إذا
(١) أخرجه البخاري (٤٩٥٨) من حديث ابن عباس عن النبي وَ له.
(٢) الكشاف ٤/ ٢٧٢، والبحر المحيط ٤٩٥/٨.
(٣) صحيح مسلم (٤٨٢)، وسلف ١٨٦/٤ .
(٤) صحيح مسلم (٤٨٨).

سُورَةُ الْعَلِقِ
١٩٠
الآية : ١٩
السماء انشقت)) وفي هذه السورة(١)، وهي من العزائم عند عليٍّ كرَّم الله تعالى
وجهه، وكان مالكٌ يسجدُ فيها في خاصَّة نفسه(٢). والله تعالى الموفِّق.
(١) أخرجه مسلم (٥٧٨): (١٠٨)، (١٠٩). وهو في صحيح البخاري (٧٦٦)، (٧٦٨)،
(١٠٧٤)، (١٠٧٨) دون ذكر السجود في سورة العلق.
(٢) البحر المحيط ٤٩٥/٨.

سُورَةُ القَلْزِ
قال أبو حيَّان: مدنيّة في قول الأكثر، وحَكى الماورديُّ عكسَه، وذكر الواحديُّ
أنَّها أوَّل سورةٍ نزلت بالمدينة(١).
وقال الجلال في ((الإتقان)): فيها قولان، والأكثر على أنَّها مكِّيَّة، ويستدلُ
لكونها مدنيَّةً بما أخرجه الترمذيُّ والحاكم عن الحسن بن عليٍّ ﴿هَا، أنَّ النبيَّ وَه
أُريَ بني أميّة على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: ((إنَّا أعطيناك الكوثر)) ونزلت ((إِنَّا
أنزلناه في ليلة القدر)) الحديث(٢). وهو كما قال المزنيّ(٣): حديثٌ منكر. انتهى.
وقد أخرجَ الجلالُ هذا الحديث في ((الدر المنثور)) عن ابن جرير والطبرانيِّ
وابن مردويه والبيهقيٍّ في ((الدلائل)) أيضاً من رواية يوسف بن سعد، وذكر فيه أنَّ
الترمذيَّ أخرجَهُ وضعَّفه(٤).
(١) البحر المحيط ٤٩٦/٨، وقول الماوردي في النكت والعيون ٣١١/٦.
(٢) سنن الترمذي (٣٣٥٠)، ومستدرك الحاكم ١٧٠/٣-١٧١.
(٣) كذا في الأصل و(م). والصواب: المزي، كما في الإتقان ١/ ٤١، ونقل قول المزي أيضاً
ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤٢.
(٤) الدر المنثور ٣٧١/٦، وفيه بدل: يوسف بن سعد: يوسف بن مازن، ومثله في المعجم
الكبير (٢٧٥٤)، والدلائل ٥٠٩/٦، وهو عند الترمذي من طريق القاسم بن الفضل عن
يوسف بن سعد كما عند المصنف، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا
الوجه من حديث القاسم بن الفضل، وقد قيل: عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن،
والقاسم بن الفضل الحدَّاني هو ثقة، ويوسف بن سعد رجل مجهول، ولا نعرف هذا
الحديث على هذا اللفظ: إلا من هذا الوجه.
قال المزي في تهذيب الكمال ٤٢٧/٣٢ في ترجمة يوسف بن سعد الجمحي: قال الترمذي:
ويقال: يوسف بن مازن، وقال غيره: هما اثنان. اهـ. وانظر ميزان الاعتدال ١٩١/٥ (طبعة
مؤسسة الرسالة).
=

١٩٢
سُوَّةُ القَدْرِ
وأنَّ الخطيبَ أخرجَ عن ابن عباس نحوَهُ(١). وكذا عن ابن المسيب بلفظ: قال
نبِيُّ الله ◌ََّ: أُرِيْتُ بني أميّة يصعدُون منبري، فشقَّ ذلك عليَّ، فأنزلت: ((إنَّا أنزلناه
في ليلة القدر))(٢). ففي قول المزنيّ(٣): هو منكرٌ، تردّدٌ عندي(٤).
وأيَّاما كان فقد استُشْكِل وجهُ دلالته على كون السورة مدنيَّةً، وأجيبَ بأنَّه
يحتملُ أنْ يكون ذلك لقوله فيه: على منبره، والظاهر أنْ يكون المنبر موجوداً زمنَ
الرؤيا، وهو لم يُتَّخذ إلَّا في المدينة.
وآيها ستٌّ في المكّيّ والشاميّ(٥)، وخمسٌ فيما عداهما.
وجاء في حديث أخرجَه محمد بن نصر عن أنس مرفوعاً أنَّها تعدلُ ربع
القرآن (٦)
وذكر غيرُ واحدٍ من الشافعية أنَّه يسنُّ قراءتها بعد الوضوء، وقال بعض أئمَّتهم
ثلاثاً(٧) .
= وقال ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٤٢ بعد أن ذكر الاختلاف في اسم يوسف بن سعد: وهذا
يقتضي اضطراباً في هذا الحديث، والله أعلم، ثم هذا الحديث على كل تقدير مضطرب
جداً . اهـ.
(١) تاريخ بغداد ٢٠٦/٩ (طبعة دار الغرب الإسلامي). وأخرجه من طريق الخطيب البغداديِّ
ابنُ الجوزي في العلل المتناهية (٤٧٣)، وقال: هذا حديث لا يصح. وأعلَّه بأحمد بن
محمد بن سعيد، الملقب بابن عقدة، وبأن أكثر رجال إسناده مجاهيل.
(٢) تاريخ بغداد ٩/ ٤٤، وهو من طريق علي بن زيد عن ابن المسيب. وعلي بن زيد ضعيف،
وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٢٦٩/١٢: فيه ضعف وإرسال.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب: المزي، كما أشرنا إليه.
(٤) لعل كلام المصنف هذا لما رآه في الدر المنثور من طرق للحديث، وهي - كما رأيت في
التعليقات السالفة - طرقٌ لا يُفرحُ بها؛ لضعفها ونكارتها. وقال ابن القيم في المنار المنيف
ص١١٧ : كلُّ حديثٍ في ذمِّ بني أميّة فهو كذب. اهـ.
ثم إن المصنف سيذكر قريباً ترجيحَه ضعف الخبر.
(٥) جاء في هامش الأصل ما نصه: اختلافها ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ الثالث، مكي شامي. اهـ منه.
(٦) الدر المنثور ٣٧٧/٦.
(٧) انظر حاشية الجمل على شرح المنهاج ١٣٤/١. واستدلَّ على ذلك بحديث: ((من قرأ في
إثر وضوئه ((إنا أنزلناه في ليلة القدر)) مرَّة واحدة كان من الصديقين، ومن قرأها مرتين كتبٍ

الآية : ١
١٩٣
سُورَةُ القَدرِ
ووجهُ مناسبتها لما قبلها أنَّها كالتعليل للأمر بقراءة القرآن المتقدِّم فيه، كأنَّه
قيل: اقرأ القرآن لأنَّ قدرَه عظيمٌ وشأنه فخیمٌ.
وقال الخطابيُّ: المراد بالكناية(١) في قوله تعالى فيها: ((إنَّا أنزلناه)) الإشارة إلى
قوله تعالى: ((اقرأ))، ولذا وضعت بعدُ، وارتضاه القاضي أبو بكر بن العربي،
وقال: هذا بدیعٌ جدًّا.
والظاهرُ أنَّه أرادَ أنَّ الضميرَ المنصوب في ذاك لـ ((اقرأ)) إلخ، على ما ستسمعه
إن شاء الله تعالى، وكونُه أرادَ أنَّه للمقروء المفهوم من ((اقرأ)) فيكون في معنى
رجوعه للقرآن: خلافُ الظاهر، فلا تغفل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّ أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾ الضميرُ عند الجمهور للقرآن، وادَّعى الإمام فيه
إجماعَ المفسِّرين(٢)، وكأنَّه لم يعتدَّ بقول من قال منهم برجوعه لجبريل عليه السلام
أو غيره؛ لضعفه.
قالوا: وفي التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدُّم ذكره تعظيمٌ له، أي: تعظيمٌ
لما أنَّه يشعِرُ بأنَّه لعلوِّ شأنه كأنَّه حاضرٌ عند كلِّ أحد، فهو في قوَّة المذكور، وكذا
في إسناد إنزاله إلى نون العظمة مرتين، وتأكيدِ الجملة.
وأشار الزمخشريُّ(٣) إلى إفادة الجملة اختصاصَ الإنزالِ به سبحانه بناءً على
أنَّها من باب: أنا سعيتُ في حاجتك، مِمَّا قُدِّم فيه الفاعلُ المعنويُّ على الفعل.
= في ديوان الشهداء، ومن قرأها ثلاثاً حشره الله محشر الأنبياء)). قال الهيتمي في الفتاوى
الكبرى الفقهية ٥٦/١-٥٧: رواه الديلمي وفي سنده مجهول. وقال العجلوني في كشف
الخفاء ٣٥٥/٢: ولا أصل له.
(١) في (م): بالكتابة، وجاء في الإتقان ٩٨٩/٢، وتناسق الدرر ص٩٩ (وكلاهما للسيوطي)
نقلاً عن الخطابي: بهاء الكناية.
(٢) تفسير الرازي ٢٧/٣٢ .
(٣) في الكشاف ٤/ ٢٧٣.

ـرة القدر
بيـ
١٩٤
الآية : ٢ - ٣
وتُعقّب بأنَّ ما ذكروه في الضمير المنفصل دون المتَّصل، كما في اسم ((إنَّ»
هنا. نعم، الاختصاصُ يفهم من سياق الكلام. وفيه أنَّهم لم يُصرِّحُوا باشتراطِ
ما ذُكر.
وكذا في تفخيم(١) وقتِ إنزاله بقوله تعالى: ﴿وَمَّ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
٢
لما فيه من الدلالة على أنَّ علوَّها خارجٌ عن دائرة دراية الخلق، لا يَعْلَم ذلك
ولا يُعْلِم به إلَّا علَّام الغيوب، كما يشعر به قوله سبحانه: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ
فإنَّه بيانٌ إجماليٌّ لشأنها إثر تشويقه عليه الصلاة والسلام إلى
أَلْفٍ شَهْرٍ ®
درايتها، فإنَّ ذلك مُعْرِبٌ عن الوعد بإدرائها، وعن سفيان بن عيينة أنَّ كلَّ ما في
القرآن من قوله تعالى: ((ما أدراك)) أعلمَ الله تعالى به نبيَّهِ وَّر، وما فيه من قوله
سبحانه: ((وما يدريك)) لم يعلِمِه عز وجلَّ به، وقد مرَّ بيان كيفية إعراب
الجملتين.
وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التعظيم والتفخيم ما لا يخفى.
والمراد بإنزاله فيها إنزالُه كلِّه جملةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى السماء
الدنيا، فقد صحَّ عن ابن عباس أنَّه قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملةً واحدةً إلى
السماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله تعالى ينزله على رسوله وَّه بعضه في
إثر بعض(٢).
وفي روايةٍ بدل: وكان بمواقع .. إلخ: ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة(٣).
وفي روايةٍ أخرى عنه أيضاً: أنزل القرآن جملةً واحدة، حتى وُضِع في بيت
العزَّة في السماء الدنيا، ونزل به جبريلُ عليه السلام على محمدٍ وَّر بجواب كلام
العباد وأعمالهم(٤).
(١) يريد: وكذا التعظيم في تفخيم ...
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٦٢٥)، والطبري ٥٤٣/٢٤.
(٣) أخرجه الطبري ٣/ ١٩٠ و٥٤٢/٢٤-٥٤٣ بلفظ: وكان بين أوله وآخره عشرون سنة.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٣٨٢).

الآية : ٣
١٩٥
سُوَرَّةُ القَدْرُ
وفي أخرى: أنَّه أنزل في رمضان ليلة القدر جملةً واحدة، ثمَّ أنزلَ على مواقع
النجوم رَسَلاً في الشهور والأيام(١).
وكون النزول بعدُ في عشرين سنةً قولٌ لهم، وقال بعضهم - وهو الأشهر -: في
ثلاث وعشرين. وقال آخر: في خمس وعشرين. وهذا للخلافِ في مدة إقامته وَّ
بمگّة بعد البعث.
وقال الشعبيُّ(٢): المراد: ابتدأنا بإنزاله فيها. والمشهور أنَّ أوَّلَ ما نزل من
الآيات ((اقرأ))، وأنَّه كان نزولها بحراء نهاراً.
نعم، في ((البحر)): روي أنَّ نزول الملك في حراء كان في العشر الأواخر من
رمضان(٣).
فإنَّ صحَّ، وكان المراد: كان ليلاً، فذاك، وإلَّا فظاهرُ كلام الشعبيِّ غيرُ
مستقيم، اللهمَّ إلَّا أن يقال إنَّه أراد ابتداء إنزاله إلى السماء الدنيا فيها، ولا يلزم أن
يتحد ذلك وابتداء إنزاله عليه وَل﴿ في الزمان. ثمّ إنَّ في ((أنزلناه)) على ما ذُكِر تجوُّزاً
في الإسناد؛ لأنَّه أسندَ فيه ما للجزء إلى الكلِّ، أو مجازاً في الطرف، أو تضميناً.
وقيل: المراد إنزالُه من اللوح إلى السماء الدنيا مفرَّقاً في ليالي قَدْرٍ، على أنَّ
المراد بـ ((ليلة)) الجنس، فقد قيل: إنَّ القرآن أُنزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلةٍ
قَدْرٍ، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، وكان ينزلُ في كلِّ ليلةٍ ما يقدِّرُ اللهُ
تعالى إنزالَه في كلِّ السَّنة، ثم ينزله سبحانَه منجَّماً في جميع السنة.
وهذا القول ذكرهُ الإمام احتمالاً (٤)، ونقله القرطبيّ(٥) - كما قال ابنُ كثير(٦) - عن
(١) أخرجه الطبري ٣/ ١٩١ - ١٩٢.
(٢) جاء فوقها في الأصل: أي: وغيره، كما في البحر. اهـ منه. وهو كذلك في البحر
٠٤٩٦/٨
(٣) البحر المحيط ٤٩٦/٨.
(٤) تفسير الرازي ٥/ ٩٤.
(٥) في تفسيره ٣/ ١٦١ .
(٦) في تفسيره ١/ ٥٠٢.

سُورَةُ القَدْرِ
١٩٦
الآية : ٣
مقاتل، لكنَّه مِمَّا لا يعوَّل عليه، والصحيحُ المعتمدُ عليه كما قال ابنُ حجر في شرح
البخاريِّ أَنَّه أنزلَ جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزَّة في السماء
الدنيا (١)، بل حكى بعضُهم الإجماعَ عليه.
نعم، لا يَبْعُدُ القول بأنَّ السَّفرةَ هناك نجَّموه لجبريل عليه السلام في الليالي
المذكورة، وقد رُوي هذا عن الحبْرِ؛ أخرج ابن أبي حاتم من طريق الضخَّاك عنه
أنَّه قال: نزل القرآن جملةً واحدةً من عند الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السفرة
الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجَّمه السفرة على جبريل عليه السلام في عشرين
ليلة - أي: من ليالي القدر، كما يدلُّ عليه كلام الجلال(٢) - ونجَّمه جبريل عليه
السلام على النبيِّ وَلَ(٣).
هذا، واستُشكِل كونُ الضمير للقرآن كلِّه بأنَّ من جملته: ((إنا أنزلناه))، فيلزم
الإخبارُ عن الشيء بنفسه، لأنَّه قد أخبر بلفظ: ((إنا أنزلناه)) عن لفظ ((إنا أنزلناه))؛
لأنه من القرآن المخبر عنه (٤).
وأجاب السيد عيسى الصفويُّ بأنَّه لا محذورَ في ذلك بناءً على جواز مثل:
أتكلم، مخبراً به عن التكلُّم بقولك: أتكلم. وفي ذلك اختلافٌ بين الدوائيِّ وغيره
ذكره في رسالته التي ألَّفها في الجواب عن مسألة الجذر الأصمِّ.
أو يقال: يرجعُ الضمير للقرآن باعتبارٍ جملته وقطع النظر عن أجزائه، فيخبر
عن الجملة: بـ ((إنَّا أنزلناه))، وإنْ كانَ من جملته: ((إنَّا أُنزِلناه)» المندرجُ في جملته
من غير نظرٍ(٥) له بخصوصه.
(١) فتح الباري ٩/ ٤.
(٢) في الإتقان ١٣١/١- ١٣٢.
(٣) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الإتقان ١٣١/١، وقال ابن العربي في أحكام القرآن
٤/ ١٩٥٠: وهذا باطل، ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد
عليهما السلام واسطة.
(٤) من قوله: وقد روي هذا عن الحبر ... إلى هنا ساقط من (م). وهو في النسخة النعمانية
(ب) مضروباً عليه.
(٥) في (م): نظير، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٨٢/٨، وعنه نقل المصنف.

الآية : ٣
١٩٧
◌ُوَرَّةُ القَدُ
وقد ذكروا أنَّ الجزءَ من حيث هو مستقلٌّ مغايرٌ له من حيث هو في ضمن
الكلّ.
وفي ((الإتقان)) عن أبي شامة: فإن قلت: ((إنَّا أنزلناه)) إن لم يكن من جملة القرآن
الذي نَزَل جملةً، فما نزل جملةً، وإنْ كان من الجملة، فما وجه هذه العبارة؟
قلت: لها وجهان: أحدهما: أنْ يكون المعنى: إنَّا حكمنا بإنزاله في ليلة
القدر، وقضينا به وقدَّرناه في الأزل.
والثاني: أنَّ لفظ ((أنزلنا))(١) ماضٍ، ومعناه على الاستقبال، أي: ننزله جملةً
في ليلة القدر(٢). انتهى.
ولم يظهر لي في كلا وجهيه رحمه الله تعالى شامةُ حسنٍ، فأجِل في ذلك
نظراً، فلعلك ترى.
وقيل: المعنى: إنَّا أنزلناه في فضلٍ ليلة القدر، أو في شأنها وحقٌّها، فالكلام
على تقدير مضاف، أو الظرفيةُ مجازيةٌ، كما في قول عمر ظُله: خشيتُ أن ينزل
فيَّ قرآنٌ(٣)، وقول عائشة رْثُ: لَأَنَا أحقرُ في نفسي من أن ينزلَ فيَّ قرآن(٤).
وجعل بعضُهم ((في)) في ذلك للسببية. والضمير قيل: للقرآن، بالمعنى الدائر بين
الكلِّ والجزء، وقيل: بمعنى السورة، ولا يأباه كونُ ((إنَّا أنزلناه)) فيها لما مرَّ آنفاً،
فلا حاجةً إلى أن يقال: المرادُ بها ما عدا ((إنا أنزلناه في ليلة القدر)) وقيل: يجوز
أن يراد به المجموع؛ لاشتماله على ذلك.
وأيَّاما كان، فحملُ الآية على هذا المعنى غيرُ معوَّلٍ عليه، وإنَّما المعوَّلُ عليه
ما تقدَّم، والمراد بالإنزال إظهارُ القرآن من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، أو إثباتُه
لدى السفرة هناك، أو نحو ذلك مِمَّا لا يُشْكِلُ نسبتُه إلى القرآن.
(١) في (م): أنزلناه.
(٢) الإتقان ١٣٢/١-١٣٣. وكلام أبي شامة في المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
ص٢٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٤١٧٧).
(٤) قطعة من حديث عائشة الطويل في الإفك، أخرجه البخاري في صحيحه (٢٦٦١).

سُوَرَّةُ القَدْرِ
١٩٨
الآية : ٣
واختلفوا في تلك الليلة، فقيل: إنَّها رُفعت لخبرٍ في ذلك، وهو - كما قال
الكرمانيُّ - غلط؛ لأنَّ آخرَ الخبر يردُّه (١)، والمراد رفع تعيينها فيه.
وعن عكرمة أنَّها ليلةُ النصف من شعبان. وهو قولٌ شاذٍّ غريب، كما في ((تحفة
المحتاج))، وظاهر ما هنا مع ظاهر قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ
الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥] یردُّه.
وعن ابن مسعود أنَّها تنتقل(٢) في ليالي السنة، فتكون في كلِّ سنةٍ في ليلةٍ،
ونسبه النوويُّ(٣) إلى أبي حنيفة وصاحبيه.
والأكثرون على أنَّها في شهر رمضان، فعن أبي رزين(٤) أنَّها الليلة الأولى منه.
وعن الحسن البصريّ: السابعة عشر؛ لأنَّ وقعةً بدر كانت في صبيحتها،
وحكي عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضاً.
وعن أنسٍ مرفوعاً: التاسعة عشر(٥)، وحُكي موقوفاً على ابن مسعود أيضاً.
وعن محمد بن إسحاق: الحادية والعشرون؛ لما في الصحيحين وغيرهما من
حديث أبي سعيد الخدريِّ أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ((قد رأيت هذه
الليلة - يعني ليلة القدر - ثمَّ نُسِّيتُها، وقد رأيتني أسجدُ من صبيحتها في ماء
وطين)). قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة، فوكف المسجد،
(١) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٤٩) و(٢٠٢٣) من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله والهم
خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: ((إني خرجت لأخبركم بليلة
القدر، وإنه تلاحى فلانٌ وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، التمسوها في السبع
والتسع والخمس)).
(٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: وراعى بعضهم هذا فقال: لا يقع طلاقُ مَن علَّق الطلاق
بليلة القدر حتى تمضي سنة، والمشهور اعتبار رمضان في ذلك. اهـ منه.
(٣) في شرح مسلم ٨/ ٥٧ .
(٤) في الأصل و(م): ابن رزين، والصواب ما أثبتناه، وهو موافق لما في تفسير البغوي ٤/ ٥١٠،
والمحرر الوجيز ٥٠٥/٥، وتفسير القرطبي ٣٩٩/٢٢.
(٥) لم نقف عليه.

الآية : ٣
١٩٩
سُوَّةُ القَدْرُ
فأبصرَتْ عينايَ رسولَ الله وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى
وعشرين(١).
وفي مسلم: ((من صبيحة ثلاث وعشرين))(٢).
ومنه مع ما قبله مال الشافعيُّ عليه الرحمة إلى أنَّها الليلة الحادية أو الثالثة
والعشرون.
وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن أنيس أنَّه سُئِل عن ليلة القدر،
فقال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((التمسوها الليلةَ)) وتلك الليلةُ ليلة ثلاث
وعشرين(٣).
وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وغيرهم عن بلال قال: قال رسول الله وليتى:
(ليلةُ القدر ليلة أربع وعشرين))(٤).
وفي ((الإتقان)) وغيره أنَّها الليلةُ التي أنزلَ فيها القرآن(٥).
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذرِّ أنَّه سُئِل عن ليلة القدر، فقال: كان عمر
وحذيفة وناسٌ من أصحاب رسول الله وَلهٍ لا يَشُكُّون أَنَّها ليلة سبع وعشرين(٦).
(١) صحيح البخاري (٢٠١٨) و(٢٠٢٧)، وصحيح مسلم (١١٦٧).
(٢) صحيح مسلم (١١٦٨) وهو من حديث عبد الله بن أنيس، وأوله قريب من حديث
أبي سعيد
(٣) مسند أحمد (١٦٠٤٦)، وسلف في التعليق السابق تخريجه عند مسلم.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٢٣٨٩٠)، والبزار (١٣٧٦) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن
أبي حبيب عن أبي الخير الصنابحي عن بلال.
قال البزار: ولا نعلم روى الصنابحي عن بلال إلا هذا الحديث، ولا نعلم له طريقاً إلا هذا
الطريق. اهـ.
وقال ابن حجر في فتح الباري ٢٦٤/٤: وقد أخطأ ابن لهيعة في رفعه فقد رواه عمرو بن
الحارث عن يزيد بهذا الإسناد موقوفاً بغير لفظه. اهـ. ولم نقف عليه في سنن أبي داود
وتفسير الطبري، ولكن أخرج أبو داود الطيالسي في مسنده (٢٢٨١) من حديث
أبي سعيد څ نحوه.
(٥) الإتقان ١٣٣/١.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٥١٣/٢، ٧٤/٣.

سُوَّةُ القَدُ
٢٠٠
الآية : ٣
وأخرج ابن نصر وابن جرير في ((تهذيبه)) عن معاوية قال: قال رسول الله وَلته:
((التمسوا ليلةَ القدر في آخر ليلةٍ من رمضان))(١).
وفي رواية أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً: ((أنَّها آخر ليلة))(٢).
وقيل: هي في العشر الأوسط، تنتقل فيه، وقيل: في أوتاره، وقيل: في
أشفاعه .
وأخرج أحمدُ والبخاريُّ ومسلم والترمذيُّ عن عائشة قالت: قال رسول الله وَّه :
(تحرَّوا ليلةَ القدر في الوتر من العشر الأواخر من شهر رمضان))(٣).
وفي حديث أخرجه أحمد وجماعةٌ عن عبادة بن الصامت مرفوعاً (٤)، وحديثين
أخرجهما ابن جرير وغيره عن جابر بن سمرة(٥) وعن عبد الله بن جابر(٦) كذلك
ما يدلُّ على ما ذكر أيضاً، بل الأخبارُ الصحيحة الدالَّة عليه كثيرةٌ.
وبالجملة الأقوال فيها مختلفةٌ جدًّا، إلّا أنَّ الأكثرين على أنَّها في العشر
الأواخر لكثرة الأحاديث الصحيحة في ذلك، وأكثرهم على أنَّها في أوتارها لذلك
أيضاً، وكثيرٌ منهم ذهب إلى أنَّها الليلة السابعة من تلك الأوتار، وصحَّ من رواية
الإمام أحمد ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان وغيرهم أنَّ زرَّ بن
حُبيش سأل أبيّ بن كعب عنها، فحلف لا يستثني أنَّها ليلةُ سبع وعشرين، فقال له:
بِمَ تقول ذلك يا أبا المنذر، فقال: بالآية والعلامة التي قال رسول الله وَله: ((إنَّها
(١) الدر المنثور ٦/ ٣٧٥. وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه (٢١٨٩).
(٢) الدر المنثور ٣٧٢/٦، ولم نقف عليه في مسند أحمد، بل وقع فيه برقم (٧٩١٧) عن
أبي هريرة أن رسول الله وَ لفي قال: (( ... ويغفر لهم في آخر ليلة)) قيل: يا رسول الله، أهي
ليلة القدر؟ قال: ((لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله)).
(٣) مسند أحمد (٢٥٦٩٠)، وصحيح البخاري (٢٠١٧)، وصحيح مسلم (١١٦٩)، وسنن
الترمذي (٧٩٢).
(٤) مسند أحمد (٢٢٧١٣).
(٥) وأخرجه أحمد (٢٠٨٠٩)، ولفظه: ((التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر)).
(٦) لم نقف عليه عن عبد الله بن جابر، وأخرجه ابن جرير في تهذيبه، وابن مردويه عن جابر بن
عبد الله كما في الدر المنثور ٦/ ٣٧٢.