النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٨ ١٢١ سُوَّةُ الضَّعَى وكلُّ ذلك منزٌ صوفيٍّ، ورأى أبو حيَّان في منامه أنَّ الكلام على حذف مضاف، والمعنى: ووجد رهطك ضالَّا فهدى بك(١). وهو كما ترى في يقظتك. وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَبِلًا فَأَغْنَى ﴾﴾ على نمط سابقه، والعائلُ: المفتقر، من عَال يعيل عيلاً وعَيْلةً وعُيُولاً ومَعِيلاً: افتقر، أي: وجدكَ عديم المقتنيات فأغناك بما حصلَ لك من ربح التجارة، وذلك في سفره وَّ مع ميسرة إلى الشام، وبما وهبته لكَ خديجة ﴿ّا من المال، وكانت ذا مالٍ كثير، فلمَّا تزوَّجها عليه الصلاة والسلام وهبته جميعه له وَله؛ لئلا يقول قائلٌ ما يَثْقُل على سمعِه الشريف عليه الصلاة والسلام، وبمالِ أبي بكرٍ الصديق ◌ُبه، وكان أيضاً ذا مالٍ، فأتى به كلِّه رسولَ اللهِ وَلَّ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما تركتَ لعيالك؟))، فقال: تركتُ الله تعالى ورسوله اَلِيٍ(٢). وقيل: بما أفاء عليك من الغنائم. وفيه أنَّ السورةَ مكِيَّة، والغنائم إنَّما كانت بعد الهجرة. وقيل: المراد: قنَّعك وأغنى قلبك(٣)، فإنَّ غنى القلب هو الغنى، وقد قيل: مَن عَدِمَ القناعة لم يُفِدهُ المال غِنّى. وقيل: أغناك به عزَّ وجلَّ عمَّا سواه، وهذا الغنى بالافتقار إليه تعالى، وفي الحديث: ((اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك))(٤)، وبهذا ألمَّ · بعضُ الشعراء فقال: ويعجبني فقري إليك ولم يكن ليعجبني لولا محبَّتُك الفقرُ(٥) (١) البحر المحيط ٤٨٦/٨. (٢) أخرجه أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥) من حديث عمر بن الخطاب نضـ (٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: وهو مقتضى قول مقاتل: رضاك بما أعطاك. اهـ منه. (٤) كذا ذكره مرفوعاً الراغب في المفردات (فقر)، وذكره الجاحظ في البيان والتبيين ٢٧١/٣ على أنه من دعاء عمرو بن عبيد. (٥) البيت للبحتري، وهو في ديوانه ٢/ ٨٤٧. سُورَةُ الضّعَى ١٢٢ الآية : ٨ وشاع حديث: ((الفقر فخري))(١)، وحُمِل الفقرُ فيه على هذا المعنى، وهو - على ما قال ابن حجر - باطلٌ موضوعٌ، وأشدُّ منه وضعاً وبطلاناً ما يذكرهُ بعض المتصوِّفة: إذا تمَّ الفقرُ فهو الله. سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيراً، وقد خاضوا في بيان المرادِ به بما لا يدفعُ بشاعته، بل لا يقتضي استقامته. وقيل: ((عائلاً))، أي: ذا عيالٍ، من عال يعول عولاً وعيالةً: كثُر عياله. ويحتملُ المعنيين قولُ جرير : الله نزَّل في الكتاب فريضةً لابن السبيل وللفقير العائلِ (٢) ولعلَّ الثاني فيه أظهر، ورُجِّح الأول في الآية بقراءة ابن مسعود: ((عديماً))(٣)، وأنَّه عليه الصلاة والسلام لم يكن ذا عيالٍ في أوَّل أمره وَيرٍ . وقرأ اليمانيُّ: ((عَيِّلاً)) كسيِّد، بشدِّ الياء المكسورة(٤). هذا، وذكر عصام الدين في هذه الآيات أنَّه يحتملُ أن يُراد باليتيم فاقدُ المعلِّم، فإنَّ الآباءَ ثلاثةٌ؛ مَن علَّمك، ومَن زوَّجك، ومَن وَلَدَكَ، ويناسبه حملُ الضلال على الضلال عن العلم، وحملُ العيال - أي: على تفسير عائلاً بـ : ذا عيال - على عيال الأمَّة الطالبة منه معرفةً مصالح الدين، مع احتياجه إلى المعرفة، فأغناه الله تعالى بالوحي إليه عليه الصلاة والسلام. ولا يخفى ما فيه. وحذف المفعول في الأفعال الثلاثة لظهور المراد، مع رعاية الفواصل. وقيل: ليدلَّ على سعة الكرم، والمراد: آواك وآوى لك وبك، وهداك ولك وبك، وأغناك ولك وبك، وظاهرُ الفاء مع تلك الأفعال تأبى ذلك. (١) وهو باطل موضوع، وسلف ٣٨١/١٠. (٢) دیوان جرير ٢/ ٧٣٧. (٣) تفسير الرازي ٢١٨/٣١-٢١٩، وذكرها الزمخشري في الكشاف ٢١٥/٤ دون نسبة، وجاء في مطبوع القراءات الشاذة ص ١٧٥ عن ابن مسعود: غريماً. (٤) القراءات الشاذة ص ٣٤٧، والبحر المحيط ٤٨٦/٨. الآية : ٩ ١٢٣ سُوَةُ الصَّعَى وأطال الإمام الكلام في الآيات، وأتى فيه (١) بغثّ وسمين(٢)، ولولا خشيةُ المللِ لذكرنا ما فيه. ﴾﴾ فلا تستذلَّه، كما قال ابن سلام، وقريبٌ منه قولُ ﴿فَمَّا أَلْيَقِيَمَ فَلَا نَفْهَرْ مجاهد: لا تحتقره. وقال سفيان: لا تظلمه بتضييع ماله، وفي معناه ما قيل: لا تغلبه على ماله. ولعلَّ التقييد لمراعاة الغالب، والأولَى حملُ القهر على الغلبة والتذليل معاً، بأن يُراد به التسلُّطُ بما يؤذي، أو باستعمالِ المشترك في معنييه على القول بجوازه. وفي ((مفردات)) الراغب: القهر: الغلبةُ والتذليلُ معاً، ويستعملُ في كلِّ واحدٍ منهما(٣). وقرأ ابن مسعود والشعبيُّ وإبراهيم التيميُّ: ((فلا تكهر)) بالكاف بدل القاف (٤)، ومعناه على ما في ((البحر)): فلا تقهر، وفي ((تهذيب)) الأزهريّ: الكهر: القهر، والكهر: عبوس الوجه، والكهر: الشتم(٥)، واختارَ بعضُهم هنا أوسطها، فالمعنى: فلا تعبس في وجهه، وهو نھيٌّ عن الشتم والقهر على ما سمعت من معناه من باب الأَولی. وأيًّا ما كان، ففي الآية دلالةٌ على الاعتناء بشأن اليتيم، وعن ابن مسعود مرفوعاً: ((من مسح على رأسٍ يتيم كان له بكلِّ شعرةٍ تَمرُّ عليها يدُه نورٌ يوم القيامة))(٦). وعن عمر ◌ُله مرفوعاً أيضاً: ((إنَّ اليتيم إذا بكى اهتزَّ لبكائه عرشُ الرحمن، فيقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غُيِّبَ أبوه في (١) في (م): فيها . (٢) انظر تفسير الرازي ٢١٨/٣١ -٢٢٠. (٣) المفردات (قهر). (٤) القراءات الشاذة ص ١٧٥، والمحرر الوجيز ٤٩٥/٥، والبحر المحيط ٤٨٦/٨. (٥) تهذيب اللغة ٦/ ١٢. (٦) أخرجه الربعي في وصايا العلماء ص ٧١ من حديث ابن مسعود ظه، وفي إسناده الجارود بن يزيد، قال عنه يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقال أبو حاتم: كذاب. الميزان ٣٨٤/١. سُورَةُ الضّعَى ١٢٤ الآية : ١٠ التراب؟ فيقول الملائكة: أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي إنِّي أشهدكم أنَّ عليَّ لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة))(١)، فكان عمر عظته إذا رأى يتيماً مسح رأسه وأعطاه شيئاً . ولم يصحّ في كيفية مسحه شيء، والرواية عن ابن عباس في ذلك قد قيل فيها ما قيل(٢). وروي عنه ◌َّ أنَّه قال: ((أنا وكافلُ اليتيم كهاتين، إذا اتقى الله عزَّ وجلَّ)) وأشار بالسبابة والوسطى(٣). إلى غير ذلك من الأخبار. ﴿وَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ ﴾﴾ أي: فلا تزجره، ولكن تفضَّل عليه بشيءٍ، أو رُدَّه بقولٍ جميل، وأريد به عند جمع: السائلُ المستَجْدي الطالبُ لشيءٍ من الدنيا، وتدلُّ الآية على الاعتناء بشأنه أيضاً. وعن إبراهيم بن أدهم: نِعْمَ القومُ السُّؤَّال، يحملونَ زادنا إلى الآخرة. وعن إبراهيم النخعي: السائل يريدُ الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم، فيقول: أتبعثونَ إلى أهليكم بشيء. وشاع حديث: (للسائل حقٌّ وإن جاء على فرس)) (٤)، وقد قال فيه الإمام أحمد (١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٧٢١/٢-٧٢٢، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ٢٩٩/٢ من طريق سعيد بن المسيب عن عمر رظه، وهو عند ابن عدي مختصر، وقال ابن عدي: وهذا لا أعرفه إلا من هذا الطريق. اهـ. وهو مرسل فابن المسيب لم يسمع من عمر. انظر مراسيل ابن أبي حاتم ص٦٤، وفي إسناده الحسن بن أبي جعفر الجُفري، وهو ضعيف. (٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٧٣/٤، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٩١/٥، من طريق محمد بن سليمان عن أبيه عن جده الأكبر يعني ابن عباس أن النبي ◌َّ ر قال: ((امسح رأس اليتيم هكذا، إلى مقدم رأسه، ومن له أب هكذا إلى مؤخر رأسه)). وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال ٥٧٢/٣ في ترجمة محمد بن سليمان بن علي أمير البصرة. وقال: هذا موضوع. (٣) أخرجه أحمد (٨٨٨١) من حديث أبي هريرة ربه، وهو عند مسلم (٢٩٨٣) دون قوله: ((إذا اتقى الله))، وكذا أخرجه البخاري (٥٣٠٤) من حديث سهل بن سعد نصر الله، وسلف ٢٧٩/٢ . (٤) أخرجه أحمد (١٧٣٠) من حديث الحسين بن علي رضيًا، وإسناده ضعيف، وسلف ٣/ ١٠٠. الآية : ١٠ ١٢٥ سورة الضحى كما في ((تمييز الطيب من الخبيث)): لا أصل له. وأخرجه أبو داود عن الحسين بن علي ﴿ّ موقوفاً (١)، وسكت عنه، وقال العراقيُّ: سنده جيد. وتبعه غيره. وقال ابن عبد البر: إنَّه ليس بالقوي(٢). وعَوَّل كثيرٌ على ما قال الإمام أحمد، وفي معناه احتمالان، كلٌّ منهما يؤذنُ بالاهتمام بأمر السائل. وروي من طرقٍ عن عائشة وغيرها: «لو صَدَق السائل ما أفلح مَن ردَّه))(٣). وهو أيضاً - على ما قال ابن المديني - لا أصل له، وقال ابنُ عبد البر: جميعُ أسانيده ليست بالقوية. نعم أخرج الطبرانيُّ في ((الكبير)) عن أبي أمامة مرفوعاً ما يقرب منه، وهو: ((لولا أنَّ المساكين يكذبون ما أفلح من ردَّهم))(٤). ولم أقف على مَن تعقّبه. ثَّ النهيُ عن النَّهْر - على ما قالوا - إذا لم يلَّ في السؤال، فإن ألحّ ولم ينفع الردُّ اللَّيِّن فلا بأس بالزجر. وقال أبو الدرداء والحسن وسفيان وغيرهم: المرادُ بالسائل هنا السائلُ عن العلم والدين، لا سائل المال. ولعلَّ النهيَ عن زجره على القول الأول يُعلَم بالأولَى، ويشهدُ للأولوية أنَّه لا وعيدَ على ترك إعطاء المستجدي لمن يجدُ ما يستجدیه، بخلاف ترك جواب سائلٍ العلم لمن يعلم، ففي الحديث: ((من سُئل عن علمٍ فكتمه ألجمَ بلجامٍ من نار)»(٥). وسيأتي إن شاء الله تعالى ما قيل من أنَّ الظاهر الثاني من القولين. (١) كذا في الأصل و(م). والصواب: مرفوعاً. انظر سنن أبي داود (١٦٦٥)، ومسند أحمد (١٧٣٠)، وانظر أيضاً كشف الخفاء ١٩٣/٢. (٢) الاستذكار ٢٧ /٤٠٤ . (٣) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢/ ٢٧٥، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات ٣/ ١٥٧ وقال: هذا حديث لا يصح. ثم نقل عن العقيلي قوله: لا يصح في هذا الباب عن النبي ◌َّار شيء. (٤) المعجم الكبير (٧٩٦٧)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٨٦٦)، وفي إسناده جعفر بن الزبير، وهو متروك الحديث كما في الموضوعات، وأخرجه بإسناد آخر ابن عدي في الكامل ١٦٧٠/٥، وابن الجوزي في الموضوعات (٨٦٥) وفيه عمر بن موسى الوجيهي. وهو متروك الحديث. (٥) حديث صحيح، وسلف ٥٧/٣-٥٨ من حديث أبي هريرة سُورَةُ الضَّعَى ١٢٦ الآية : ١١ فإنَّ التحدُّث بها شكرٌ لها، كما قال عمر بن ﴿وَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ عبد العزيز والحسن وقتادة والفضيل بن عياض، وأخرج البخاريُّ في ((الأدب)) وأبو داود والترمذيُّ وحسَّنه وأبو يعلى وابنُ حبان والبيهقيُّ والضياء عن جابر بن عبد الله مرفوعاً: ((مَن أُعطيَ عطاءً فوجد فَلْيَجْزِ به، فإن لم يَجِدْ فَلْيُْنِ به، فمَن أَثْنَى به فقد شَكَرَه، ومَن كَتَمَه فقد كَفَرَه، ومَن تحلَّى بما لم يُعْطَ كان كلابس ثوبَي زور)»(١). ولذا استحبَّ بعض السلف التحدُّث بما عملَه من الخير إذا لم يُرِد به الرياءَ والافتخار، وعَلِمَ الاقتداءَ به، بل بعضُ أهل البيت ظ ◌ُه حمل الآية على ذلك، أخرج ابن أبي حاتم عن مقسم قال: لقيتُ الحسن بن علي بن أبي طالب ﴿ وأرضاهما، فقلت: أخبرني عن قول الله تعالى: ((وأمَّا بنعمة ربِّك فحدِّث)) فقال: الرجلُ المؤمنُ يعملُ عملاً صالحاً فيخبرُ به أهل بيته. وأخرج ابن أبي حاتم عنه رَّ به أنه قال فيها: إذا أصبتَ خيراً فحدِّث إخوانك(٢) . والظاهرُ أنَّ المراد بالنعمة ما أفاضَه الله تعالى على نبيِّه وَّر من فنون النعم التي من جملتها ما تقدَّم. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد تفسيرها بالنبوَّة (٣)، ورووا عنه أيضاً تفسيرها بالقرآن (٤). ووافقه في الأول محمدُ بن إسحاق، وفي الثاني الكلبيُّ، وعليهما المرادُ بالتحديث التبليغُ. ولا يخفى أنَّ كلا التفسيرين غيرُ مناسبٍ لما قَبْلُ. وهذه الجملُ الثلاث مرتَّبةٌ على ما قبلها، فقيل: على اللفّ والنشر (١) الأدب المفرد (٢١٥)، وسنن أبي داود (٤٨١٣)، وسنن الترمذي (٢٠٣٤)، ومسند أبي يعلى (٢١٣٧)، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/ ١٨٢، وشعب الإيمان (٩١٠٨). (٢) الدر المنثور ٣٦٢/٦. (٣) الدر المنثور ٣٦٢/٦، وأخرجه الطبري في تفسيره ٢٤/ ٤٩٠-٤٩١. (٤) أخرجه عن مجاهد عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣٦٢/٦. الآية : ١١ ١٢٧ سُورَةُ الصَّعَى المشوَّش، وحاصل المعنى: إنَّك كنت يتيماً وضالاً وعائلاً، فآواك وهداك وأغناك، فمهما يكن من شيءٍ فلا تنسَ نعمةَ الله تعالى عليك في هذه الثلاث، واقتدٍ بالله تعالى؛ فتعطّف على اليتيم، وترَّّم على السائل، فقد ذقتَ اليُثْمَ والفقر، وقوله تعالى: ((وأمَّا بنعمة)) إلخ في مقابلة قوله سبحانه: ((وجدك ضالًا فهدى))؛ لعمومه وشموله لهدايته عليه الصلاة والسلام من الضلال بتعليم الشرائع وغير ذلك من النعم. ولم يراع الترتيب؛ لتقديم حقوق العباد على حقِّه عزَّ وجلَّ فإنَّه سبحانه وتعالى غنيٌّ عن العالمين، وقيل: لتقديم التخلية على التحلية، أو للترقِّي، أو لمراعاة الفواصل. ونُظِرِ في كلِّ ذلك. وقال الطيبيُّ: الظاهرُ أنَّ المراد بالسائل طالبُ العلم، لا المستجدي. وعليه لا مانعَ من كون التفصيل على الترتيب، فيقال: إنَّه تعالى ذكرَ أحواله ◌َّ على وفق الترتيب الخارجيّ بأن يُراد بهدايته عليه الصلاة والسلام ما يعمُّ توفيقَه للنظر الصحيح في صباه، فقد كان وَّهُ موقَّقاً لذلك، ولذا لم يَعبد عليه الصلاة والسلام صنماً، أو يراد بإغنائه ما كان بعد البعثة، ثم فصَّل سبحانه على ذلك الترتيب، فجعلَ عدَ قهر اليتيم في مقابلة إيوائه تعالى له عليه الصلاة والسلام في يتمه، وعدمَ زجر السائل طالبٍ العلم والمتعلِّم منه في مقابلة هدايتِه له، والتحدَّثَ بالنعمة في مقابلة الغنى، وإن كانت النعمة شاملةً له ولغيره. وآثر سبحانه: ((فحدّث)) على: فخبِّر، قيل: ليكونَ ذكرُ النعمة منه عليه الصلاة والسلام حديثاً لا ينساه، ويوجدُه ساعةً غبَّ ساعة. والله تعالى أعلم. ونُدب التكبيرُ عند خاتمة هذه السورة الكريمة، وكذا ما بعدَها إلى آخر القرآن العظيم، فقد أخرج الحاكمُ وصحَّحه وابن مردويه والبيهقيُّ في ((الشعب)) من طريق أبي الحسن البزيِّ المقرئ قال: سمعت عكرمةً بن سليمان يقول: قرأتُ على إسماعيل بن قسطنطين، فلمَّا بلغتُ: ((والضحى)) قال: كبِّر عندَ خاتمةِ كلِّ سورةٍ حتى تختم، فإِنِّي قرأتُ على عبد الله بن كثير، فلما بلغت: ((والضحى)) قال: كبِّر سُورَةُ الضّعى ١٢٨ الآية: ١١. حتى تختم، وأخبره عبدُ الله بن كثير أنَّه قرأ على مجاهدٍ، فأمرَه بذلك، وأخبره أنَّ ابنَ عباسٍ ◌َّ أمرَه بذلك، وأخبره أنَّ أبيَّ بن كعب رَبه أمرَه بذلك، وأخبرهُ أنَّ النبيَّ وَلَّ أمرَه بذلك(١). وكأنَّ ذلك منه عليه الصلاة والسلام فرحاً بنزول الوحي بعد تأخّره وبطئِهِ، حتى قيل ما قيل، هذا وعلى ذلك عملُ الناس اليوم. والحمد لله رب العالمين. (١) الدر المنثور ٣٦٠/٦، وهو في المستدرك ٣٠٤/٣، والشعب (٢٠٧٨)، وتعقبَ الذهبيُّ تصحيح الحاكم بقوله: الزيُّ قد تكلم فيه. وأخرجه أيضاً الفاكهي في أخبار مكة (١٧٤٤)، والداني في التيسير ص٢٢٧ . قال ابن كثير في أول تفسير هذه السورة: فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي، من ولد القاسم بن أبي بزَّة، وكان إماماً في القراءات، فأما في الحديث فضعَّفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث. لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في ((شرح الشاطبية)) عن الشافعي أنه سمع رجلاً يكبِّر هذا التكبير في الصلاة، فقال له: أَحْسَنْتَ وأَصَبْتَ السنَّة. وهذا يقتضي صحة هذا الحديث. سورة ألم نشرح وتُسمَّى سورة الشرح، وهي كما روي عن ابن الزبير وعائشة مكِّيَّةٌ، وأخرج ذلك ابنُ الضريس والنَّّاس والبيهقيُّ وابن مردويه عن ابن عباس(١)، وفي روايةٍ عنه زيادة: نزلت بعد الضحى. وزعم البقاعيُّ أنَّها عنده مدنيّةٍ(٢). وفي حديثٍ طويل أخرجه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ما هو ظاهرٌ في أنَّ نزل بالمدينة، لكن في قوله تعالى فيها: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُسْرًا (﴾ إِنَّ مَعَ الْمُسْرِ بُتْرًا صحَّة الحديث توقُّفٌ. وآيها ثمان بالاتفاق، وهي شديدةُ الاتِّصال بسورة الضحى، حتى إنَّه روي عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان: هما سورةٌ واحدة، وكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة، وما كانا يفصلان بينهما بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وعلى ذلك الشيعة، كما حكاه الطبرسيُّ منهم(٣). قال الإمام: والذي دعا إلى ذلك هو أنَّ قوله تعالى: (أَلَمَّ نَشْرَعْ) كالعطف على قوله تعالى: ﴿أَمْ يَجِدْكَ بَتِيمًا﴾ [الضحى: ٦] وليس كذلك؛ لأنَّ الأوَّل كان عند اغتمام الرسول وَّه من إيذاء الكفرة، وكانت الحالةُ حال محنةٍ وضيقٍ صدر، والثاني يقتضي أن يكون حالَ النزول منشرحَ الصدر طيِّبَ القلب، فأنّى يجتمعان (٤)؟! (١) الدر المنثور ٣٦٣/٦، وهو في الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٣٢/٣، ودلائل النبوة للبيهقي ١٤٤/٧. (٢) نظم الدرر ١١٦/٢٢. (٣) مجمع البيان ١٧١/٣٠. (٤) مفاتيح الغيب ٢/٣٢. الآية : ١ ١٣٠ سُورَةُ الشّرع وفيه نظر، والحقُّ أنَّ مدارَ مِثْلِ ذلك الروايةُ لا الدرايةُ، والمتواتر كونهما سورتين، والفصلُ بينهما بالبسملة، نعم هما متصلتان معنّى جدًّا، ويدلُّ عليه ما في حديث الإسراء الذي أخرجه ابن أبي حاتم أنَّ الله تعالى قال له عليه الصلاة والسلام: يا محمد ألم أجدكَ يتيماً فآويت، وضالًّا فهديت، وعائلاً فأغنيت، وشرحت لك صدرَك، وحططتُ عنكَ وزركَ، ورفعتُ لك ذكرك، فلا أُذكرُ إلَّا ذكرتَ معي. الحديث(١). بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿أَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾﴾ الشرحُ في الأصل: الفسح والتوسعة، وشاع استعماله في الإيضاح، ومنه شَرَحَ الكتاب: إذا أوضحَه؛ لما أنَّ فسح الشيء وبسطّه مستلزمٌ لإظهار باطنه وما خفيَ منه، وكذا شاعَ في سرور النفس، حتى لو قيل: إنَّه حقيقةٌ عرفيَّةٌ فيه لم يبعد، وذلك إذا تعلَّق بالقلب، كأنْ قيل: شَرَحَ قلبه بكذا، أي: سرَّه به؛ لما أنَّ القلبَ كالمنزلِ للنفس، ويلزمُ عادةً مِن فَسْحِ المنزل وتوسعتِه سرورُ النازل فيه، وكذا إذا تعلَّق بالصدر الذي هو محلُّ القلب، وربما يؤذِن ذلك بسعَة القلب؛ لما أنَّ العادة كالمطّردة في أنَّ توسعةَ ما حوالي المنزل إنَّما تكون إذا كان المنزلُ واسعاً، فيوسَّع ما حواليه لتحصيل زيادة بهجةٍ ونحوها فيه، فينتقل منه إلى سرورٍ النفس بالواسطة، وقد يراد به إذا تعلَّق بالقلب أو الصدر أيضاً تكثيرُ ما فيه من المعلومات، فقيل: يتخيَّل أنَّها تحتاجُ إلى فضاءٍ تكون فيه، وأنَّ ذلك محلٌّ لها، فمتى كانت كثيرةً اقتضت أنْ يكون محلُّها واسعاً ليسعها، وقد يراد به تكثيرُ ما في النفس من ذلك، فقيل أيضاً بتخيل أنَّ تكثير معلوماتها يستدعي توسيعَها، وتوسيعُها يستدعي توسيعَ ذلك لتنزيله منزلة محلّها، وقد يراد به تأييد النفس بقوَّةٍ قدسيَّةٍ وأنوارٍ إلهيَّةٍ، بحيثُ تكون ميداناً لمواكب المعلومات، وسماءً لكواكب الملَكَات، وعرشاً الأنواع التجلِّيات، وفَرْشاً لسوائم الواردات، فلا يشغلُه شأنٌ عن شأن، ويستوي لدیه یکون وکائن وكان. (١) الدر المنثور ٦/ ٣٦٤. الآية : ١ ١٣١ سُورَةُ الشرح ووجه نسبته إلى الصدر على نحو ما مرّ، وإرادةُ القلب من الصدر والنفسٍ من القلب بعلاقة المحلّية ونحوِها(١)، مِمَّا لا تميلُ إليه النفس. وإرادةُ كلٍّ مِمَّا ذكر بقرينة المقام، والأنسبُ بمقام الامتنان هنا إرادةُ هذا المعنى الأخير، وجُوِّزَ غيرُه، فالمعنى: ألم نفسح صدرك حتى حوى عالمي الغيب والشهادة، وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة، فما صدَّك الملابسةُ بالعلائق الجسمانيَّة عن اقتباس أنوار الملَكَات الروحانيَّة، وما عاقكَ التعلُّق بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون الحقّ. وقيل: المعنى: ألم نُزِل همَّكَ وغمَّك بإطلاعك على حقائق الأمور وحقارة الدنيا، فهان عليك احتمالُ المكاره في الدعاء إلى الله تعالى. ونقل عن الجمهور أنَّ المعنى: ألم نفسحه بالحكمة، ونوسِّعه بتيسيرنا لك تلقّيَّ ما يُؤْخَی إلیك بعدما كان يشقُّ عليك. وعن ابن عباس وجماعة أنَّه إشارةٌ إلى شقِّ صدره الشريف في صباه عليه الصلاة والسلام، وقد وقع هذا الشقُّ - على ما في بعض الأخبار - وهو عند مرضعته حليمة، فقد روي عنها أنَّها قالت في شأنه عليه الصلاة والسلام: لم نزل نتعرَّفُ من الله تعالى الزيادةَ والخيرَ حتى مضت سنتاه، وفصلتُه، فكان يشِبُّ شباباً لا يشبُّه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً، فقدمنا به على أمّه ونحن أحرصُ شيءٍ على بقائه عندنا لِمَا نرى من بركته، فقلنا لأمِّه: لو ترکتیه عندنا حتى يَغْلُظَ، فإنَّا نخشى عليه وباءَ مَّة، فلم نزل بها حتى ردَّته معنا، فرجعنا به، فوالله إنَّه لبعد مقدمنا به بشهرٍ أو ثلاثة مع أخيه من الرضاعة لفي بَهْم لنا خلفَ بيوتنا، جاء أخوه يشتدُّ فقال: ذاك أخي القرشيُّ، قد جاءه رجلان عليهما ثيابٌ بيضٌ، فأضجعاه وشقًّا بطنَه. فخرجتُ أنا وأبوه نشتدُّ نحوه، فوجدناه قائماً منتقعاً لونه، فاعتنقه أبوه، وقال: أي بني، ما شأنُك؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثيابٌ بيضٌ، فأضجعاني فشقًّا بطني، ثم استخرَجا منه شيئاً فطرحاه، ثم ردًّا، كما كان. فرجعنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيتُ أن يكون ابني قد أصيبَ، فانطلقي فردِّيه (١) وقع فوقها في الأصل: عطف على المحلية. منه. سُورَةُ الشَّرع ١٣٢ الآية : ١ إلى أهله قبل أنْ يظهر به ما نتخوَّفه. قالت: فاحتملناه إلى أمِّه، فقالت: ما ردَّكُما به، فقد كنتما حريصين عليه؟ قلنا: نخشى الاختلاف والأحداث. فقالت: ما ذاك بكما، فاصدقاني شأنكما. فلم تَدَعَنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان، لا والله، ما للشيطان عليه سبيل، وإنَّه لكائنٌ لابْنِي هذا شأن، فدعاه عندكما . وفي حديث لأبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر ما يدلُّ على تكوُّر وقوع ذلك له عليه الصلاة والسلام وهو عند حليمة (١). وقد وقعَ له ◌َ ﴿ أيضاً بعدَ بلوغه وَّرَ، ففي ((الدر المنثور)): أخرج عبد الله بنُ أحمد في ((زوائد المسند))(٢) عن أبيّ بن كعب أنَّ أبا هريرة قال: يا رسول الله ما أوَّلُ ما رأيت من أمر النبوّة؟ فاستوى رسول الله وَّ جالساً وقال: ((لقد سألتَ أبا هريرة! إنِّي لفي صحراءَ ابن عشرين سنة (٣) وأشهر، إذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجلٌ يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوهٍ لم أرها بخَلْقٍ قظٌ، وأرواحٍ لم أجدها من خَلْقٍ قظُ، وثيابٍ لم أجدها على أحدٍ قُ، فأقبلا إليَّ يمشيان، حتى إذا دَنَّيًا أخذَ كلُّ واحدٍ منهما بعضُدي، لا أجدُ لأخذهما مَسَّا، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغِلَّ والحَسَد، فأخرج شيئاً كهيئة العَلَقَة، ثمَّ نبذها، (١) مسند أبي يعلى (٧١٦٣)، ودلائل النبوة ١٣٣/١-١٣٦، وتاريخ دمشق ٨٨/٣-٩٠. وهو عندهم من حديث حليمة السعدية، ولفظه قريب مما ذكره المصنف عن ابن عباس، وليس فيه ما يشير إلى تكرر وقوع ذلك وهو عند حليمة، وإن كان شق صدره عليه الصلاة والسلام قد تكرر كما سيرد لاحقاً، وينظر تفصيل ذلك في فتح الباري ٢٠٤/٧-٢٠٥ . (٢) برقم (٢١٢٦١)، ومن طريق عبد الله أخرجه الضياء في المختارة (١٢٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٦٣/٣ -٤٦٤، وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الدلائل (١٦٦)، ووقع في مطبوع الدر المنثور ٣٦٣/٦: زوائد الزهد. (٣) كذا في الدر المنثور، والذي في مسند أحمد: عشر سنين. ومثله في باقي المصادر. وجاء في شرح المواهب اللدنية للزرقاني ١٥٣/١: وروي شق صدره وهو ابن عشرين سنة فيما قيل، ولا تثبت، فلا تذكر إلا مقرونة ببيان عدم الثبوت. الآية : ١ ١٣٣ سُورَةُ الشرح فقال له: أدخل الرأفةَ والرحمةَ، فإذا مثلُ الذي أخرجَ شبهَ الفِضَّة، ثم هزّ(١) إبهامَ رجلي اليمنى، وقال: اغدُ واسْلَم، فرجعتُ أغدو بها رأفةً على الصغير ورحمةً على الكبير)). والذي رأيته في ((شرح الهمزية)) لابن حجر المكِّي روايةُ هذا الخبر بلفظٍ آخر، وفيه: ((إنِّي لفي صحراءَ واسعة، ابنُ عشر حجج، إذا أنا برجلين فوق رأسي، يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ إلى آخر ما فيه))(٢). فيكون الشقُّ عليه قبل البلوغ أيضاً، والله تعالى أعلم. ثم إنَّه على الروايتين ليس نصًّا على نفي وقوع شقِّ قبله؛ لجواز أن يكون الذي استشعرَ منه النبوَّةَ هو هذا لا ما قبله، ووقعَ له عليه الصلاةُ والسلام أيضاً عند مجيء جبريل عليه السلام بالوحي في غار حراء، ومِمَّن روى ذلك الطيالسيّ والحارث في ((مسنديهما)) وكذا أبو نعيم، ولفظه: أنَّ جبريل وميكائيل عليهما السلام شقًّا صدرَه وغسلاه، ثم قال: (آقْرَأْ بِأَسِْ رَبِكَ) الآيات(٣). ووقع أيضاً مَرَّةً أخرى تواترت بها الروايات - خلافاً لمن أنكرها - ليلة الإسراء بِهِ وَّ، روى البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، عن النبيِّ وَ الإ قال: ((بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، فأُتيت بطَسْتٍ من ذهبٍ فيها ماءُ زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا)»(٤). قال قتادة: قلت - يعني لأنس - ما تعني؟ قال: إلى أسفل بطني. قال: ((فاستُخرِجَ قلبي، فغسِل بماء زمزم، ثم أعيدَ مكانه، ثم حُشِيَ إيماناً وحكمةً(٥)، ثم أتى بدابَّةٍ (١) في (م): حز. (٢) شرح الهمزية لابن حجر الهيتمي ص١٤٨ . (٣) مسند أبي داود الطيالسي (١٦٤٣)، ومسند الحارث (٩٢٨ - بغية الباحث)، ودلائل النبوة لأبي نعيم (١٦٣). (٤) جاء في هامش الأصل ما نصه: وفي رواية في البخاري: ((فشق من النحر إلى مراقٌ البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم مُلئ حكمةً وإيماناً». وروي بغير ذلك. اهـ. (٥) إلى هنا بلفظ الترمذي. وهي نهاية الرواية عنده. سُورَة الشرح ١٣٤ الآية : ١ دونَ البغل وفوق الحمار، البراق، فانطلقتُ مع جبريل عليه السلام حتى أتينا السماء الدنيا)) الحديث(١). وطعن القاضي عبدُ الجبار في ذلك بما حاصله أنَّه يلزمُ على وقوعه في الصغر وقبل النبوّة تقدُّمُ المعجزة على النبوة، وهو لا يجوز، ووقوعُه بعد النبوّة - وإن لم يلزم عليه ما ذكر - إلَّا أنَّ ما ذُكر معه من حديث الغَسْل، وإدخال الرأفة والرحمة، وحشوِ الإيمان والحكمة، يرِدُ عليه أنَّ الغَسْلَ مِمَّا لا أثر له في التكميل الروحاني، وإنَّما هو لإزالة أمرٍ جسمانيٌّ، وأنَّه لا يصحُّ إدخالُ ما ذُكر وحشوُه، فإنَّما هو شيءٌ يخلقُه الله تعالى في القلب. وليس بشيءٍ؛ فإنَّ تقدُّم الخارق على النبوّة جائزٌ عندنا، ونسميه إرهاصاً، والأخبارُ كثيرةٌ في وقوعه له عليه الصلاة والسلام قبلَ النبوة، والغسلُ بالماء كان لإزالة أمرٍ جسمانيٌّ، ولا يبعدُ أنْ يكون إزالته وغَسْلُ المحلِّ بماءٍ مخصوصٍ - كماء زمزم، على ما صحَّ في بعض الروايات، ولذا قال البلقينيُّ (٢): إنَّه أفضلُ من ماءٍ الكوثر - موجباً لتبديل المزاج، وهو مِمَّا له دخلٌ في التكميل الروحانيّ، ولذا يأمرُ المشايخُ السالكين لديهم بالرياضة التي يحصلُ بها تبديل المزاج، ويرشدُ إلى ذلك تغيُّر أحوال النفس وأخلاقها صباً وكهولةً وشيخوخةً، والمراد من إدخال الرأفة وحشو الإيمان مثلاً إدخالُ ما به يحصلُ كمال ذلك، وكثيراً ما يسمَّى المسبَّب باسم السبب مجازاً، ويحتمل أن يكون على حقيقته، وتجُّم المعاني جائز. وقال العارف بن أبي جمرة(٣) - كما في ((المواهب اللدنية)) للقَسْطَلَّاني(٤) - ما حاصله: إنَّ ما دلَّ كلامُ النبيِّ بَّهِ على جوهريَّته وجسميّته من أعيان المخلوقات التي ليس للحواسِّ إلى إدراكها سبيلٌ هو كما دلَّ عليه كلامُه عليه الصلاة والسلام (١) صحيح البخاري (٣٢٠٧)، وصحيح مسلم (١٦٤)، وسنن الترمذي (٣٣٤٦)، والمجتبى للنسائي ٢١٧/١. (٢) كما في المواهب اللدنية للقسطلاني ٣١/٦. (٣) هو عبد الله بن أبي جمرة المحدث المقرئ العارف بالله، له مختصر البخاري، وشرحه بهجة النفوس. توفي سنة (٦٩٩هـ). شجرة النور الزكية ص١٩٩ . (٤) في الأصل و(م): للعسقلاني، والصواب ما أثبتناه. الآية : ١ ١٣٥ سُورَةُ الشّرع في نفس الأمر، وإنَّ الحكمَ من المتكلم أو نحوه عليها بالعَرَضيَّة إنَّما هو باعتبار ما ظهرَ له بعقله، وللعقل حدٍّ يقفُ عنده، والحقيقة في الحقيقة: ما دلَّ عليه خبر الشارع المؤيّدُ بالوحي الإلهيِّ والنور القدسيِّ، المحلّقُ بجناحيهما في جوِّ الحقائق إلى حيثُ لا يُسمع لنحلة العقل دندنةٌ ولا للرواة عنه عنعنة، فالإيمان والحكمة ونحوهما مِمَّا دلَّ(١) كلامُ النبيِّ ◌َِّ على جوهريتها جواهرُ محسوسةٌ لا معان، وإِنْ حَسِبَها مَن حَسِبها كذلك. انتھی. والأمر فيه اعتقاداً وإنكاراً إليك، ولا ألزمُك الاعتقاد، فما أريد أن أشقَّ عليك. وقال بعضُ الأجلَّة: لعلَّ ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيلُ المعاني قد وقع كثيراً، كما مُثِّل له عليه الصلاة والسلام الجنَّةُ والنار في عرض حائطٍ مسجده الشريف(٢)، وفائدتُه كشفُ المعنويِّ بالمحسوس. وهو ميلٌ إلى عدم الوقوع حقيقةً، وقد قال غير واحدٍ: جميعُ ما وردَ من الشقِّ وإخراج القلب وغيرهما يجبُ الإيمان به، وإن كان خارقاً للعادة، ولا يجوز تأويله(٣) لصلاحية القدرة له، ومن زَعم ذلك وقع في هوَّة المعتزلة في تأويلهم نصوصَ سؤال الملكين وعذاب القبر ووزن الأعمال والصراط وغير ذلك بالتشهِّي، وأمَّا حكمةُ ذلك مع إمكان إيجاد ما ترتّب عليه بدونه، فقد أطالوا الكلام في بيانها في موضعه. نعم، حملُ الشرح في الآية على ذلك الشقِّ ضعيفٌ عند المحققين. والتعبيرُ عن ثبوت الشرح بالاستفهام الإنكاريِّ عن انتفائه للإيذان بأنَّ ثبوتَه من الظهور بحیثُ لا يقدر أحدٌ أن يجيب عنه بغیر: بلى. (١) بعدها في (م): عليه. (٢) أخرجه البخاري (٥٤٠)، ومسلم (٢٣٥٩) من حديث أنس بن مالك (٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: وفي صحيح مسلم عن أنس أنه رأى أثر الشقِّ في صدره الشريفِ *. اهـ منه. وحديث أنس في صحيح مسلم برقم (١٦٢): (٢٦١) بلفظ: وقد كنت أرى أثر المِخْيَطِ في صدره. سُورَةُ الشّرع ١٣٦ الآية : ١ وإسنادُ الفعل إلى ضمير العظمة للإيذان بعظمته وجلالة قدره، وزيادةُ الجارِّ والمجرور مع توسيطه بين الفعل ومفعوله؛ للإيذان من أوَّل الأمر بأنَّ الشرحَ من منافعه عليه الصلاة والسلام ومصالحه؛ مسارعةً إلى إدخال المسرَّة في قلبه الشريف وَّ﴾، وتشويقاً له عليه الصلاة والسلام إلى ما يعقُبه؛ ليتمكَّن عنده وقتَ وروده فضل تمگُّن. وقرأ أبو جعفر المنصور: ((ألم نشرحَ)) بفتح الحاء (١)، وخرَّجَهُ ابن عطيّة(٢) وجماعةٌ على أنَّ الأصل: ألم نشرحَنْ بنون التأكيد الخفيفة، فأبدلَ من النون ألفاً، ثم حذفها تخفيفاً، كما في قوله: إِضْرِبَ عنك الهمومَ طارقَها ضربَك بالسَّيف قونسَ الفرسِ (٣) ولا يخفى أنَّ الحذف هنا أضعفُ مِمَّا في البيت؛ لأنَّ ذلك في الأمر، وهذا في النفي، ولهذا رَوى ابن جني في المنتفي عن ابن(٤) مجاهد أنَّه غيرُ جائز أصلاً، فنون التوكيد أشبه شيءٍ به الإسهاب والإطناب، لا الإيجاز والاختصار، والبيتُ يقال: إنه مصنوعٌ، والأولَى في التمثيل ما أنشده أبو زيد في «نوادره)»(٥). من أيِّ يوميَّ من الموت أفرّ أيومَ لم يقدَرَ أم يوم قُدِرُ(٦) وقال غيرُ واحد: لعلَّ أبا جعفر بيَّنَ الحاء وأشبعَها في مخرجها، فظنَّ السامع أنَّه فتحها . (١) المحتسب ٣٦٦/٢، والكشاف ٢٦٦/٤، والبحر المحيط ٤٨٧/٨. (٢) في المحرر الوجيز ٤٩٦/٥. (٣) البيت لطرفة، وسلف عند تفسير الآية (٢٤) من سورة ((ص)). (٤) في الأصل و(م): أبي. والمثبت من المحتسب ٣٦٦/٢. (٥) ص ١٣ . (٦) نوادر أبي زيد ص ١٣، والبيت ينسب لعلي بن أبي طالب ﴿ه كما في ديوانه ص٤٣، وحماسة البحتري ص٤٥، والعقد الفريد ١٠٥/١، وشرح شواهد العيني ٤/ ٤٤٧-٤٤٨، وهو دون نسبة في سر صناعة الإعراب ٧٥/١، والخصائص ٩٤/٣، والمحتسب ٣٦٦/٢، والخزانة ٤٥١/١١ . الآية : ٢ - ٣ ١٣٧ سُورَةُ الشَّرح وفي ((البحر)) أنَّ لهذه القراءة تخريجاً أحسن مِمَّا ذُكر، وهو أنَّ الفتحَ على لغة بعض العرب من النصب بـ ((لم))، فقد حكى اللحيانيُّ في ((نوادره)) أنَّ منهم من ينصبُ بها، ويجزم بـ (لن))، عكسَ المعروف عند الناس، وعلى ذلك قولُ عائشة بنت الأعجم تمدحُ المختار بن أبي عبيد: في كلِّ ما هَمَّ أَمْضَى رأيَه قُدُماً ولم يُشاورَ في الأمر الذي فعلا (١) وخرَّجها بعضُهم على أنَّ الفتحَ لمجاورة ما بعدها، كالكسر في قراءة: ((الحمد لله)) بالجرِّ(٢)، وهو لا يتأتَّى في بيت عائشة، ويتأتّى فيما عداه مِمَّا مَرَّ. · عطفٌ على ما أشير إليه من مدلول وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ® الجملة السابقة، كأنَّه قيل: قد شرحنا لك صدرَك ووضعنا .. إلخ. و((عنك)) متعلِّقٌ بـ ((وضعنا))، وتقديمه على المفعول الصريح؛ لما مرَّ من القَصْدِ إلى تعجيل المسرَّة والتشويقِ إلى المؤشّر، ولما أنَّ في وصفه(٣) نوعَ طولٍ، فتأخير الجارِّ والمجرور عنه مخلٌّ بتجاوب أطراف النظم الكريم. والوزر: الحملُ الثقيل، أي: وحططنا عنك حملك الثقيل ﴿الَِّ أَنْقَضَ ◌َهْرَكَ ﴾ أي: حَملَه على النقيض، وهو صوتُ الانتقاض والانفكاك، أعني: الصرير، ولا يختصُّ بصوت المَحَامل والرجال، بل يضافُ إلى المفاصل، فيقال: نقيض المفاصل، ويراد صوتها، فنقيض الظهر: ما يسمعُ من مفاصله من الصوت لثقل الحمل، وعليه قول عباس بن مرداس: وأنقضَ ظهري ما تطوّيتُ منهم وكنتُ عليهم مشفقاً متحنّناً (٤) (١) البحر المحيط ٤٨٨/٨، والشطر الثاني فيه، وفي الدر المصون ٤٤/١١، وفي اللباب ٣٩٧/٢٠ : ولم يشاور في إقدامه أحداً (٢) هي قراءة الحسن البصري ورؤية كما في القراءات الشاذة ص٧. (٣) في الأصل: وضعه، وهو خطأ. والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٩/ ١٧٢ . (٤) المحرر الوجيز ٤٩٧/٥، والبحر المحيط ٤٨٨/٨، والدر المصون ٤٥/١١، واللباب ٣٩٩/٢٠. سُورَةُ الشَّرْح ١٣٨ الآية : ٣ وإسنادُ الإنقاض للحمل إسنادٌ للسبب الحامل مجازاً، والمراد بالحمل المنقِضٍ هنا ما صدر منه رَله قبلَ البعثة مِمَّا يشقُّ عليه وَلّهِ تذكُّره؛ لكونه في نظره العالي دون ما هو عليه عليه الصلاة والسلام بعدُ، أو غفلتُه عن الشرائع ونحوها مِمَّا لا يُدْرَك إلَّا بالوحي، مع تطلُّبِه وَِّ له، أو حيرتُه عليه الصلاة والسلام في بعض الأمور، كأداءِ حقِّ الرسالة، أو الوحي وتلقِّيه، فقد كان يثقل عليه وَّ في ابتداء أمره جدًّا، أو ما كان يَرِى وَ ل﴿ من ضلال قومِه مع العجز عن إرشادهم؛ لعدم طاعتهم له وإذعانهم للحق، أو ما كان يرى من تعدِّيهم في إيذائه عليه الصلاة والسلام، أو همُّه عليه الصلاة والسلام من وفاة أبي طالب وخديجة بناءً على نزول السورة بعد وفاتهما . ويراد بوضعه على الأول: مغفرتُه، وعلى الثاني: إزالةُ غفلته عليه الصلاة والسلام عنه بتعليمه إيَّه بالوحي ونحوه، وعلى الثالث: إزالةُ ما يؤدِّي للحيرة، وعلى الرابع: تيسيرُه له وَّه بتدرُّبه واعتياده له، وعلى الخامس: توفيقُ بعضهم للإسلام كحمزة وعمر وغيرهما، وعلى السادس: تقويتُهُ وَّرِ على التحمُّل، وعلى السابع: إزالةُ ذلك برفعه إلى السماء حتى لقيَه كلُّ ملكٍ وحيَّاه، وفوزُه بمشاهدة محبوبه الأعظم ومولاه عزَّ وجلَّ. وأيًّا ما كان ففي الكلام استعارةٌ تمثيليّةٌ، والوضعُ ترشيح لها. وليس فيه دليلٌ لنا في العصمة، كما لا يخفى. واختار أبو حيَّن كونَ وضع الوزر كنايةً عن عصمته وَّ عن الذنوب، وتطهيره من الأدناس، عبّر عن ذلك بالوضع على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك، كما يقول القائل: رفعتُ عنك مشقَّة الزيارة، لمن لم يصدر منه زيارةٌ، على طريق المبالغة في انتفاء الزيارة منه له(١). والتمثيلُ عليه بحاله على ما قيل. وقيل: المراد: وزر أمتك، وإنَّما أُضيف إليه وسل* لاهتمامه بشأنه وتفكّره في أمره، والمراد بوضعه رفع غائلته في الدنيا من (١) البحر المحيط ٤٨٨/٨. الآية : ٤ ١٣٩ سُورَةُ الشرح العذاب العاجل ما دام ◌َّ فيهم، وما داموا يستغفرون، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ولا يخفى بعدُ هذا الوجه. وقرأ أنس: ((وخططنا))، ((وحللنا)) مكان: ((ووضعنا))(١). وقرأ ابن مسعود: ((وحللنا عنك وقرك))(٢). ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿4﴾ بالنبوَّة وغيرها، وأيُّ رفع مثل أنْ قرن اسمه عليه الصلاة والسلام باسمه عزَّ وجلَّ في كلمتي الشهادة، وجعلَ طاعتَه طاعته، وصلَّى عليه في ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة عليه، وخاطبه بالألقاب، كـ: (يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، (يَأَيُّهَا الْمُزَّقِلُ)، (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ)، (يَتَأَيُّهَا الرَّسُولُ)، وذكره سبحانه في كتب الأوَّلين، وأخذ على الأنبياء عليهم السلام وأممهم أن يؤمنوا به وَله . وروي عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب والضحاك والحسن وغيرهم أنَّهم قالوا في ذلك: لا أُذكَر إلا ذُكرتَ معي، وفيه حديثٌ مرفوع، أخرج أبو يعلى وابنُ جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في ((الدلائل)) عن أبي سعيد الخدريّ عن رسول الله وَ ل﴿ه قال: ((أتاني جبريلُ عليه السلام فقال: إنَّ ربَّك يقول: أتدري كيف رفعتُ ذكرَك؟ قلتُ: الله تعالى أعلم. قال: إذا ذكرتُ ذكرتَ معي))(٣). وكأنَّ ذلك من الاقتصار على ما هو أعظمُ قدراً من إفراد رفع الذکر، ویشیر إلی عظم قدره قول حسان: من الله مشهودٌ يلوح ويُشْهَدُ أغرُّ عليه للنبوَّة خاتمٌ إذا قال في الخمس المؤذِّنُ أشهدُ (٤) وضَّ الإله اسمَ النبيِّ إلى اسْمه (١) القراءات الشاذة ص ١٧٥، والكشاف ٢٦٦/٤، وتفسير القرطبي ٣٥٧/٢٢. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٧٥/٣، وتفسير الطبري ٤٩٢/٢٤، والكشاف ٢٦٦/٤، وتفسير القرطبي ٣٥٦/٢٢، والمحرر الوجيز ٤٩٧/٥ . (٣) مسند أبي يعلى (١٣٨٠)، وتفسير الطبري ٤٩٥/٢٤، وصحيح ابن حبان (٣٣٨٢)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٦/ ٣٦٤. (٤) ديوان حسان ص١٣٤ . سُورَةُ الشَّريح ١٤٠ الآية : ٥ - ٦ ولا يخفى لطفُ ذكر الرفع بعد الوضع، والكلامُ في العطف وزيادة («لك)) کالذي سلف. والفاء في قوله عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُْرِ يُتْرًا ﴾﴾ على ما في ((الكشاف)) فصيحةٌ، والكلام وعدٌ له وَ لَه مسوقٌ للتسلية والتنفيس، قال: كان المشركون يعيِّرون رسولَ الله ◌َّهِ والمؤمنين بالفقر والضيقة، حتى سبق إلى ذهنه الشريف عليه الصلاة والسلام أنَّهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، فذكَّره سبحانَه ما أنعم به عليه من جلائل النعم، ثم قال تعالى شأنه: ((إنَّ مع العسر يسراً)) كأنَّه قال سبحانه: خوَّلناك ما خوَّلناك، فلا تيأس من فضل الله تعالى، فإنَّ مع العسر الذي أنتم فيه يسراً (١). وهو ظاهرٌ في أنَّ (أل)) في ((العسر)) للعهد، وأمَّا التنوين في ((يسراً)) فللتفخيم، كأنَّه قيل: إنَّ مع العسر يسراً عظيماً، وأيّ يسر، والمراد به ما تيسّر لهم من الفتوح في أيَّام رسول الله وَّل، أو يسرُ الدنيا مطلقاً. ﴾﴾ يحتمل أن يكون تكریراً للجملة السابقة وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُمْرًا لتقرير معناها في النفوس وتمكينِها في القلوب، كما هو شأن التكرير، ويَحتملُ أنْ يكون وعداً مستأنفاً، و((أل)) والتنوين على ما سبق، بيد أنَّ المراد باليسر هنا ما تيسّر لهم في أيام الخلفاء، أو يسر الآخرة. واحتمال الاستئناف هو الراجحُ؛ لما عُلِم من فضل التأسيس على التأكيد، كيف وكلامُ الله تعالى محمولٌ على أبلغ الاحتمالين وأوفاهما، والمقام كما تقدَّمَ مقامُ التسلية والتنفيس، والاستئنافُ نحويٌّ، وتجرُّده عن الواو أكثرُ من أنْ يحصى، ولا يحتاج إلى بيان نكتة؛ لأنَّه الأصل. وقال عصام الدين: لا يبعد أنْ تكون نكتةُ الفصل كونَه في صورة التكرير، فاحفظه فإنَّه من البدائع. وتعقِّبَ بنحو ما ذكرنا. وكان الظاهر - على ما سمعت من المراد باليسر - تعريفَه، إلَّا أنَّه أوثر التنكير (١) الكشاف ٤/ ٢٦٧.