النص المفهرس

صفحات 101-120

الآية : ٣
١٠١
سُورَةُ الضّعى
وتكذيباً لهم في زعم قِلاه وجفائه، فكأنَّه قيل: وحقِّ قربكَ لَدَيْنَا، وزلفاك عندنا،
إنَّا اصطفيناك وما هجرناك وقليناك، فهو کقوله:
وثناياكِ إِنَّها إغريضُ(١)
وهو ممَّا تستطيبه أهلُ الأذواق.
ويمكن أنْ يكون الإقسام بالليل - على ما نقل عن قتادة - من باب: وثناياك،
أيضاً، وكذا الإقسامُ بهما على بعض الأوجه المارَّة كما لا يخفى.
وعلى كون المراد بالضحى الوقت المعروف من النهار، وبالليل جميعَه؛ قيل:
إِنَّ التفرقةَ للإشارة إلى أنَّ ساعةً من النهار توازي جميع الليل، كما أنَّ النبيَّ عليه
الصلاة والسلام يوازي جميعَ الأنبياء عليهم السلام، وللإشارة لكون النهار وقت
السرور، والليل وقت الوحشة والغمّ (٢)، إلى أنَّ هموم الدنيا وغمومها أدومُ من
سرورها، وقد رُوي أنَّ الله تعالى لَمَّا خلقَ العرشَ أظلَّت عن يساره غمامةٌ، فنادت:
ماذا أُمطر؟ فأمرت أن تمطرَ الغُموم والأحزان، فأمطرت مئة سنة، ثم انكشفت،
فأمرت مرةً أخرى بذلك، وهكذا إلى إتمام ثلاث مئة سنة، ثم أظلَّت عن يمين
العرش غمامةٌ بيضاء، فنادت: ماذا أمطر؟ فأُمرت أن تمطر السرورَ ساعةً. فلذا ترَى
الغُموم والأحزانَ أدومَ من المسارِّ في الدنيا(٣)، والله تعالى أعلمُ بصحّة الخبر،
وقيل غير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ إلخ جوابُ القسم، ووقَّع من التوديع، وهو في
الأصل من الدَّعَة، وهو أنْ تدعو للمسافر بأنْ يدفعَ الله تعالى عنه كآبةَ السفر، وأنْ
(١) هو لأبي تمام، وسلف عند تفسير الآية (٣) من سورة سبأ.
(٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: وما أشجى ما قيل:
لي الليلُ هزَّتني إليكِ المضاجعُ
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا
ويجمعُني بالليل والهمُّ جامعُ
أقضي نهاري بالحديث وبالمُنى
اهـ. منه.
والبيتان لمجنون ليلى وهما في ديوانه ص ١٨٥ برواية: ويجمعني والهمَّ بالليل ....
(٣) أورده الرازي في تفسيره ٢٠٩/٣١ -٢١٠.

سُورَة الضّعى
١٠٢
الآية : ٣
يبلِّغه الدَّعَةَ وخفضَ العيش، كما أنَّ التسليمَ دعاءٌ له بالسلامة، ثم صار متعارفاً في
تشييع المسافر وتركه، ثم استُعمل في الترك مطلقاً، وفسر به هنا، أي: ما تركّكَ
ربُّك.
وفي ((البحر)) و((الكشاف)): التوديعُ: مبالغةٌ في الودع، أي: الترك؛ لأنَّ مَنْ
وَدَعَكَ مفارقاً فقد بالغَ في تركك(١). قيل: وعليه يلزم أنْ يكونَ المنفيُّ التركَ
المبالَغَ فيه دونَ أصل الترك، مع أنَّ الظاهرَ نفيُ ذلك، فلا بدَّ من أن يقال: إنَّه إنَّما
نَفَى ذلك لأنَّه الواقعُ في كلام المشركين الذي نزلت له الآية، أو أنَّ المبالغةَ تعود
إلى(٢) النفي، فيكون المراد المبالغة في النفي لا نفي المبالغة، وقد ذكروا نظيرَ
هذين الوجهين في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] فتدبّر.
وقيل: إنَّ المعنى: ما قطعَك قطعَ المُوذَّع، على أنَّ التوديعَ مستعارٌ استعارةً
تبعيَّةً للترك، وفيه من اللطف والتعظيم ما لا يخفى، فإنَّ الوداعَ إنما يكون بين
الأحباب ومن تعزّ مفارقته، كما قال المتنبي :
حشاشةُ نفسٍ وَدَّعَتْ يومَ وَدَّعوا فلم أدرِ أيَّ الظاعِنَين أشيِّعُ(٣)
وحقيقةُ التوديع المتعارَف غيرُ متصوَّرةٍ هاهنا .
وتعقّبَ بأنَّه على هذا لا يكونُ ردًّا لما قاله المشركون؛ لأنَّهم لم يقولوا: وذَّعَه
ربُّه، على هذا المعنى، كيف وهم بمعزلٍ عن اعتقاد كونِه عليه الصلاة والسلام
بالمحلِّ الذي هو ◌ََّ فيه من ربِّه سبحانه؟
وقيل في الجواب: إنَّه يجوز أنْ يدلَّ: ودَّعه ربُّه، على ذلك، إلّا أنَّهم - قاتلهم الله
تعالى - قالوه على سبيل التهكُّم والسخرية، وحين ردًّ عليهم قصد ما يُشعرُ به اللفظُ
على التحقيق.
وقيل: إنَّ الترك مطلقٌ في كلامهم، والظاهر من حالهم أنَّهم لم يريدوا الماهيةَ
(١) البحر المحيط ٤٨٥/٨، والكشاف ٢٦٣/٤.
(٢) في (م): على.
(٣) ديوان المتنبي ٢/ ٣٤٤.

الآية : ٣
١٠٣
سُوَّةُ الضَّعَى
من حيث هيَ، ولا من حيث تحقُّقها في ضمن ما لا يخلُّ بشريفٍ مقامه عليه
الصلاة والسلام، بل الماهيةَ من حيث تحقّقُها في ضمن ما يخلُّ بذلك، ولَمَّا كان
المقصودُ إيناسَهِ وَ*، وإزالةً وحشته عليه الصلاة والسلام؛ جيءَ بما يتضمّن نفيَ
ما زعموه على أبلغ وجهٍ، كأنَّه قيل: إنَّ هذا النوعَ الغيرَ المخلِّ بمقامك من الترك
لم يكن، فضلاً عمَّا زعموه من الترك المخلِّ بعزيز مقامك.
وعندي أنَّ الظاهرَ أنّ ذلك القول بأيِّ معنّی کان صادرٌ على سبيل التھكُم، إذا
كان المرادُ بالربِّ هو الله عزَّ وجلَّ، وكان القائلُ من المشركين، كما لا يخفى على
المتأمِّل.
وقرأ عروةُ بن الزبير وابنه هشام وأبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة:
((ما وَدَعَك)) بالتخفيف(١)، وهي على ما قال ابن جنِّي قراءةُ النبيِّ ◌ََّ(٢)، وخُرِّجَت
على أنَّ ((وَدَع)) مخفَّفُ وَدَّعَ، ومعناه معناه، قال في ((القاموس)): وَدَعه - كوضَعه -
وودَّع بمعنى(٣).
وقيل: ليس بمخفَّفِه، بل هو فعلٌ برأسه بمعنى تَرَكَ، وإنَّه يعكِّر على قول
النحاة: أماتت العربُ ماضيَ يَدع ويَذر، ومصدرهما، واسم فاعلهما، واسم
مفعولهما، واستغنوا بما لـ ((ترك)) من ذلك، وفي ((المغرب))(٤): أنَّ النحاة زعموا أنَّ
العربَ أماتت ذلك، والنبيُّ ◌َّهِ أفصحُهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لينتهينَّ
أقوامٌ عن وَدْعِهم الجماعات)»(٥)، وقرأ(٦): ((ما وَدَعك)). وقال أبو الأسود:
غاله في الحبِّ حتى وَدَعَه(٧)
ليت شعري عن خليلي ما الذي
(١) البحر المحيط ٤٨٥/٨، وذكرها المطرّزي في المُغْرِب في ترتيب المُغْرِب مادة (ودع) عن
عروة ومجاهد.
(٢) المحتسب ٣٦٤/٢. وكذا نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٧٥ للنبيّ ◌َّد.
(٣) القاموس (ودع).
(٤) مادة (ودع) ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٧١/٨.
(٥) أخرجه مسلم (٨٦٥)، وأحمد (٢١٣٢) من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﴿ته.
(٦) يعني النبي ◌َّ كما في المحتسب ٣٦٤/٢، وزاد نسبتها لعروة بن الزبير.
(٧) الخصائص لابن جني ٩٩/١، والبحر ٤٨٥/٨، وحاشية الشهاب ٣٧١/٨، والخزانة ٥ /١٥٠.

٤
سُودَة الضّعى
١٠٤
الآية : ٣
ومثله قول آخر :
فرائسَ أطرافِ المثقَّفةِ السُّمرِ(١)
وثَمَّ وَدَعْنا آل عمرٍو وعامٍ
وهو دليلٌ أيضاً على استعمال وَدَع، وهو بمعنى ترك المتعلِّق بمفعولين،
فلا تغفل.
وفي الحديث: ((اتركوا التُّركَ ما تركوكم، ودَعوا الحبشة ما وَدَعوكم))(٢).
وفي ((المستوفى))(٣): أنَّ كلَّ ذلك قد ورد في كلام العرب، ولا عبرةً بكلام
النحاة، وإذا جاء نهرُ الله بطلَ نهرُ معقل. نعم ورودُه نادر، وقال الطيبيُّ بعد أنْ ذكرَ
ورودَه نظماً ونثراً: إنما حَسَّن هذه القراءةَ الموافقةُ بين الكلمتين، يعني هذه
وما بعدها، كما في حديث التُّرك والحبشة؛ لأنَّ رَدَّ العجُزِ على الصَّدْر وصنعة
الترصيع قد جبرا منه.
وقيل: إنَّ القائلين إنَّما قالوا: وَدَعَه ربُّه، بالتخفيف، فنزلت، فيكون المحسِّنَ
له قصدُ المشاكلة لما قالوه، وهم تكلَّموا بغير المعروف طِيَرَةً منهم، كأنَّ غيرَ
المعروف من اللفظ مِمَّا يتشاءم به من الفأل الرديء، أو أنَّهم لَمَّا قصدوا السخرية
حَسُنَ استعمالُ اللفظ، وقد قالوا: يحسنُ استعمالُ الألفاظ الغريبة ونحوها في
الهجاء، فلا يبعد أنْ يكونَ في السخرية كذلك.
والحقُّ أنَّه بعد ثبوت وروده لا يحتاجُ إلى تكلّفِ محسِّنٍ له.
والظاهرُ أنَّ المراد بالربِّ هو الله عزَّ وجلَّ، وفي التعبير عنه بعنوان الربوبيَّة
وإضافتِه إلى ضميره وَ ﴿ من اللطف ما لا يخفى، فكأنَّه قيل: ما تركك المتكفّلُ
بمصلحتك، والمبلِّغُ لك على سبيل التدريج كمالَك اللائقَ بك.
(١) أورده الزمخشري في الكشاف ٢٦٣/٤، والقرطبي في تفسيره ٣٣٩/٢٢، وأبو حيان في
البحر المحيط ٤٨٥/٨، وابن حجر في الفتح ٢٦٠/١٣.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٠٢)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٣-٤٤ من حديث رجل من أصحاب
النبي ◌َله .
(٣) المستوفى في النحو لأبي سعد كمال الدين علي بن مسعود الفرغاني. كشف الظنون ٢/ ١٦٧٥،
ونقل المصنف كلامه عن حاشية الشهاب ٣٧١/٨.

الآية : ٣
١٠٥
سُوَدَّةُ الضّعَى
﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضَك، وحذف المفعول لئلا يواجَه عليه الصلاة والسلام
بنسبة القلى، وإن كانت في كلام منفيٍّ لطفاً به ◌َّهَ، وشفقةً عليهِ عليه الصلاة
والسلام، أو لنفي صدوره عنه عزَّ وجلَّ بالنسبة إليه ◌َّةَ، ولأحدٍ من أصحابه ومن
أحبَّه عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة، أو للاستغناء عنه بذكرِه من قَبْل، مع أنَّ
فيه مراعاةً للفواصل.
واللغة المشهورة في مضارع قَلى: يقلي، كـ: يرمي، وطيِّيٌّ تقول: يَقْلَى بفتح
العين، كيرضى، وتفسير القِلَى بالبغض شائعٌ، وفي ((القاموس)): من الواوي:
قلا زيداً قِلاً وقَلَاءً: أبغضَه. ومن اليائي: قلاه كرماه ورضيه، قِلَّى وقِلَاءٌ ومَقْلِيةً:
أبغضَه وكرهه غايةَ الكراهة فتركه، أو قَلاه في الهجر، وقَلِيَهُ في البُغْض(١).
وفي ((مفردات)) الراغب: القِلَى شدَّةُ البغض، يقال: قَلَاه يقلُوه ويقلِيه. فمن
جعله من الواويّ فهو من القَلْو، أي: الرمي، من قولهم: قَلَتِ الناقةُ براكبها قَلْواً،
وقَلَوتُ بالقُلَّة، فكأنَّ المقلوَّ هو الذي يقذفُه القَلْبُ من بغضه فلا يقبله، ومن جعله
من اليائيّ، فمِن قَلَيْتُ الْبُسْر والسَّرِيق على المِقلاةُ(٢). انتهى.
وبينهما مخالفةٌ لا تخفى، وعلى اعتبار شِدَّة البغض، فالظاهر أنَّ ذلك في الآية
ليس إلَّا لأنَّه الواقعُ في كلامهم، قال المفسرون: أبطأ جبريلُ عليه السلام على
النبيِّ ◌َّة، فقال المشركون: قد قلاه ربُّه وودعه، فأنزل الله تعالى ذلك.
وأخرج الحاكمُ عن زيد بن أرقم قال: لما نزلت: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ) إلخ،
قيل لامرأة أبي لهب أمّ جميل: إنَّ محمداً وَّر قد هجاك، فأتته عليه الصلاة
والسلام وهو وَّرِ جالسٌ في الملأ، فقالت: يا محمد، علامَ تهجوني؟! قال: ((إِنِّي
والله ما هجوتُك، ما هجاك إلَّا الله تعالى)) فقالت: هل رأيتني أحملُ حطباً، أو في
جيدي حبلاً من مسد؟ ثم انطلقت، فمكثَ رسول الله وَ ل﴿ لا ينزل عليه، فأتته
فقالت: ما أرى صاحبك إلَّا قد ودعك وقلاك. فأنزل الله تعالى ذلك(٣).
(١) القاموس (قلا).
(٢) المفردات (قلى).
(٣) المستدرك ٥٢٦/٢.

سُورَة الضّعى
١٠٦
الآية : ٣
وأخرج الترمذيُّ وصحَّحه، وابن أبي حاتم - واللفظ له - عن جندب البجليّ
قال: رمي ◌َّهِ بحجرٍ في أصبعه فقال: ((ما أنت إلَّا إصبعٌ دميت، وفي سبيل الله
ما لقيتٍ)) فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم، فقالت له امرأةٌ: ما أرى شيطانَك إلّا قد
تركك(١).
وفي رواية للترمذيِّ أيضاً والإمام أحمد والبخاريِّ ومسلم والنسائيِّ وجماعةٍ
بلفظ: اشتكى النبيُّ وَّه فلم يَقم ليلتين أو ثلاثاً، فأنزلَ الله تعالى: (وَالضُّحَى * وَالَِّلِ
إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)(٢). وليس فيه حديث المرأة ولا الحجر والرَّجَز(٣)،
وذلك لا يطعنُ في صحته.
وقال جمعٌ من المفسرين: إنَّ اليهودَ سألوه عليه الصلاة والسلام عن أصحاب
الكهف، وعن الروح، وعن قصَّة ذي القرنين، فقال عليه الصلاة والسلام: سأخبركم
غداً، ولم يستثنٍ، فاحتبسَ عنه الوحيُّ، فقال المشركون ما قالوا، فنزلت (٤).
وقيل: إنَّ عثمان أهدى إليه وَّهِ عنقودَ عنب - وقيل: عِذْق تمر - فجاء سائلٌ
فأعطاه، ثم اشتراه عثمانُ بدرهم، فقدَّمه إليه عليه الصلاة والسلام ثانياً، ثم عاد
السائل فأعطيه، وهكذا ثلاث مرات، فقال عليه الصلاة والسلام ملاطفاً لا غضبان:
((أسائلٌ أنت يا فلان أم تاجر))، فتأخر الوحي أيَّاماً، فاستوحشَ فنزلت(٥)، ولعلَّهم
أيضاً قالوا ما قالوا.
وأخرج ابن أبي شيبة في ((مسنده)) والطبرانيُّ وابن مردويه من حديث
(١) الدر المنثور ٣٦٠/٦، وهو بنحوه في سنن الترمذي (٣٣٤٥)، وأخرج القسم الأول منه إلى
نهاية الرجز البخاري (٦١٤٦)، ومسلم (١٧٩٦)، والقسم الثاني منه أخرجه مسلم
(١٧٩٧): (١١٤).
(٢) مسند أحمد (١٨٨٠١)، والبخاري (٤٩٥٠)، ومسلم (١٧٩٧): (١١٥)، وسنن النسائي
الكبرى (١١٦١٧). ولم نقف على هذه الرواية في مطبوع سنن الترمذي.
(٣) بل وقع ذكر المرأة عندهم، ولكن لم يُذكر اسمها .
(٤) ينظر الوسيط للواحدي ٥٠٨/٤، وتفسير البغوي ٤٩٧/٤-٤٩٨، وتفسير القرطبي ٣٣٩/٢٢.
(٥) لم نقف عليه هكذا، وأخرج الطبراني في الكبير (١٣٠٦٧) قصةً شبيهةً بأول هذه القصة
جرت بين نافع وابن عمر

الآية : ٣
١٠٧
سُؤَةُ الصَّعَى
خولة - وكانت تخدمُ رسول الله وَّهِ - أنَّ جرواً دخل تحت سرير رسول الله وَّه،
فمات ولم نشعر به، فمكثَ رسول الله وَّهِ أربعةَ أيَّام لا ينزلُ عليه الوحي، فقال:
(يا خولة، ما حدث في بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ جبريل لا يأتيني))
فقلت: يا نبيَّ الله، ما أتى علينا يومٌ خيرٌ منَّا اليوم، فأخذ بُرْدَه فلبسه وخرج، فقلت
في نفسي: لو هيَّأْتُ البيت وكنستُه، فأهويتُ بالمكنسة تحت السرير، فإذا بشيءٍ
ثقيل، فلم أزل به حتى بدا لي الجروُ ميتاً، فأخذتُه بيدي فألقيته خلف الدار، فجاء
النبيُّ وَّه ترعدُ لحيته، وكان إذا نزل عليه الوحي أخَذَتْهُ الرِّعدة، فقال: ((يا خولة
دثِّريني)) فأنزل الله تعالى: (وَالضُّحَى * وَيْلِ) إلى قوله سبحانه: (فَتَرْضَ)(١).
وهذه الرواية تدلُّ على أنَّ الانقطاع كان أربعةً أيام، وعن ابن جريج أنَّه كان
اثني عشر يوماً، وعن الكلبيّ: خمسة عشر يوماً. وقيل: بضعة عشر يوماً، وعن ابن
عباس: خمسة وعشرين يوماً، وعن السديِّ ومقاتل: أربعين يوماً. وأنت تعلم أنَّ
مثل ذلك مِمَّا يتفاوت العلم بمبدئه، ولا يكادُ يعلم على التحقيق إلَّا منه عليه الصلاة
والسلام. والله تعالى أعلم.
وفي بعض الروايات ما يدلُّ على أنَّ قائل ذلك هو النبيُّ عليه الصلاة والسلام،
فعن الحسن أنَّه قال: أبطأ الوحيُّ على رسول الله وَّل، فقال لخديجة: ((إنَّ ربي
وَدعني وقلاني)) يشكو إليها، فقالت: كلَّ والذي بعثَك بالحقِّ، ما ابتدأكَ الله تعالى
بهذه الكرامة إلَّا وهو سبحانه يريدُ أن يتمَّها لك. فنزلت(٢).
(١) الدر المنثور ٣٦١/٦، وأخرجه الطبراني في الكبير ٢٤/ (٦٣٦)، وأخرجه أيضاً الواحدي
في أسباب النزول ص ٤٩٠، وليس في الأخيرين عدَّة الأيام التي انقطع فيها الوحي.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧١٠/٨: وجدت في الطبراني بإسنادٍ فيه مَن لا يُعْرف أنَّ
سببّ نزولها وجودُ جرو كلب تحت سريره لم يشعر به النبيُّ ◌َّ، وقصة إبطاء جبريل بسبب
كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، بل شاذٌّ مردودٌ
بما في الصحيح. اهـ. وقصة إبطاء جبريل بسبب وجود الكلب تحت سرير النبي وت* أخرجها
أحمد (٢٥١٠٠)، ومسلم (٢١٠٤)، من حديث عائشة ﴿ًا، وأخرجها البخاري (٥٩٦٠)
مختصرة من حديث ابن عمر ◌ًا.
(٢) أورده الرازي في تفسيره ٢١٠/٣١.

سُورَةُ الضّعَى
١٠٨
الآية : ٣
واستشكل هذا بأنَّه لا يليقُ بالرسول وَهِ أنْ يَظُنَّ أنَّ الله تعالى شأنُه وَدعه
وقلاه، وهل [هذا] إلَّا نحوٌ من العزل؟! وعزلُ النبيِّ عن النبوة غير جائزٍ في حكمته
عزَّ وجلَّ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام أعلمُ بذلك، ويعلمُ وَّرَ أيضاً أنَّ إبطاءَ
الوحي وعكسه لا يخلو كلٌّ منهما عن مصلحةٍ وحكمة.
وأجيب بأنَّ مرادَه عليه الصلاة والسلام - إن صح - أن يُجَرِّبَها ليعرف قَدْرَ
علمها، أو ليعرفَ الناسُ ذلك، فقال ما قال ◌َله بضرب من التأويل، كأن يكون قد
قصد: إنَّ ربي ودعني وقلاني بزعم المشركين، أو: إن معاملته سبحانه إيَّاي بإبطاء
الوحي تشبهُ صورة معاملة المودِّع والقالي.
وأنت تعلمُ أنَّ هذه الرواية شاذَّةٌ لا يعوَّلُ عليها، ولا يلتفتُ إليها، فلا ينبغي
إتعابُ الذهن بتأويلها. ونحوُها ما دلَّ على أنَّ قائلَ ذاك خديجة ◌َّا، أخرج ابنُ
جرير وابن المنذر عن عروة قال: أبطأ جبريلُ عليه السلام على(١) النبيِّ ◌َّرَ، فجزع
جزءاً شديداً، فقالت خديجة: أرى ربَّك قد قلاك مِمَّا أرى من جَزعك، فنزلت:
(وَالضُّحَى ** وَأَلَيْلِ) إلى آخرها(٢).
والقول بأنَّها ﴿ّا أرادت أنَّ هذا الجزع لا ينبغي أنْ يكون إلَّا من قِلى ربِّك
إِيَّاك، وحاشا أن يقلاك، فما هذا الجزع = بعيدٌ غايةَ البعد، والمعوَّل ما عليه
الجمهور وصحَّت به الأخبار أنَّ القائل هم المشركون، وأنَّه عليه الصلاة والسلام
إنَّما أحزنه بمقتضى الطبيعة البشرية تعبيرهم، وعدم رؤية جبريل عليه السلام، مع
مزيد حبِّ إِيَّاه، وفي بعض الآثار أنَّه بَّه قال لجبريل عليه السلام: ((ما جئتني حتى
اشتقتُ إليك)) فقال جبريل عليه السلام: كنت أنا إليك أشوق، ولكني عبدٌ مأمور،
وتلا: ﴿وَمَا تَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَيٌِّ﴾(٣) [مريم: ٦٤]، وفي رواية: أَنَّه عاتبه عليهما الصلاة
والسلام، فقال: أما علمتَ أنَّا لا ندخلُ بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة. وراوي هذا
(١) في (م): عن.
(٢) تفسير الطبري ٢٤/ ٤٨٧. وأخرجه أيضاً الواحدي في أسباب النزول ص٤٨٩-٤٩٠.
(٣) سلف ١٣٠/١٦.

الآية : ٤
١٠٩
سُورَةُ الضّعَى
يروي أنَّ السببَ في إبطاء الوحي وجودُ جروٍ في بيته عليه الصلاة والسلام(١).
والروايات في ذلك مختلفة.
وجَوَّزَ بعضُهم أن يكون الإبطاء لتجمُّع الأسباب.
ثَّ إِنَّه قد زعم بعضٌ - بناءً على بعض الروايات السابقة - جوازَ أن يكون المرادُ
بـ ((ربِّك)) في ((ما ودَّعك ربُّك)) دون ما بعدُ: صاحبَك، والمراد به جبريل عليه
السلام. وهو كما ترى.
وحيث تضمَّن ما سبق من نفي التوديع والقِلى أنَّه عزَّ وجلَّ لا يزالُ يواصله عليه
الصلاة والسلام بالوحي والكرامة في الدنيا، بُشِّر بَّه بأنَّ ما سيؤتاه في الآخرة
أجلُّ وأعظم من ذلك، فقيل: ﴿وَلَّخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى ﴾﴾ لما أنَّها باقيةٌ صافيةٌ
عن الشوائب على الإطلاق، وهذه فانيةٌ مشوبةٌ بالمضارّ، وما أوتي عليه الصلاة
والسلام من شرف النبوّة، وإن كان مِمَّا لا يعادله شرفٌ، ولا يدانيه فضلٌ، لكنَّه
لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض القادحة في تمشية الأحكام، مع أنَّه عند
ما أُعدَّ له عليه الصلاة والسلام في الآخرة من السبقِ والتقدُّم على كافَّة الأنبياء
والرسل عليهم الصلاة والسلام يوم الجَمْع، يومَ يقومُ الناس لربِّ العالمين، وكونٍ
أَمَّتِه ◌َّهِ شهداءَ على سائر الأمم، ورفعِ درجات المؤمنين، وإعلاءِ مراتبهم
بشفاعته وَّة، وغير ذلك من الكرامات السَّنيَّة التي لا تحيطُ بها العباراتُ وتقصُرُ
دونها الإشارات = بمنزلة بعض المبادي بالنسبة إلى المطالب، كذا في
((الإرشاد))(٢).
والاختصاص الذي تقتضيه اللام، قيل: إضافيٍّ على معنى اختصاصه عليه
الصلاة والسلام بخيريَّة الآخرة دون مَن آذاه وشمتَ بتأخير الوحي عنه بَّر، ولا مانع
من عمومه لجميع الفائزين، كيف وقد عُلِم بالضرورة أنَّ الخيرَ المعدَّ له عليه الصلاة
(١) أخرجه البخاري (٥٩٦٠) من حديث ابن عمر ◌ًا، وأخرجه مسلم مطولاً (٢١٠٤) من
حدیث السيدة عائشة پتا.
(٢) إرشاد العقل السليم ٩/ ١٦٩ - ١٧٠.

سُورَةُ الضّعى
١١٠
الآية : ٤
والسلام خيرٌ من المعدِّ لغيره على الإطلاق، ويكفي في ذلك اختصاصُ المقام
المحمود به بَّه، على أنَّ اختصاصَ اللام ليس قصريًّا، كما قُرِّر في موضعه.
وحملُ الآخرة على الدار الآخرة المقابلة للدنيا، والأُولى على الدار الأولى،
وهي الدنيا = هو الظاهرُ المرويُّ عن أبي إسحاق(١) وغيره.
وقال ابن عطية وجماعة: يحتمل أن يراد بهما نهاية أمره وَّه وبدايته(٢)، فاللام
فيهما للعهد، أو عوضٌ عن المضاف إليه، أي: لَنهاية أمرك خيرٌ من بدايته، لا تزال
تتزايدُ قوَّةً وتتصاعدُ رفعةً.
وفي بعض الأخبار المرفوعة ما هو أظهرُ في الأوَّل، أخرج الطبرانيُّ في
((الأوسط)) والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن ابن عباس رضيها قال: قال رسول الله وَلين :
((عرض عليَّ ما هو مفتوحٌ لأمَّتي بعدي، فسرَّني، فأنزل الله تعالى: (وَلَلَآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ
مِنَ الْأُولَى))(٣).
ثمّ إنَّ ربط الآية بما قبلها على الوجه الذي سمعت هو ما اختاره غيرُ واحد من
الأجلَّة.
وجُوِّز أنْ يقال فيه: إنَّه لَمَّا نزل: ((ما ودَّعك ربُّك وما قلى)) حصلَ له عليه
الصلاة والسلام به تشريفٌ عظيمٌ، فكأنَّه وَله استعظمَ ذلك، فقيل له: ((وللآخرة خيرٌ
لك من الأولى)» على معنى أنَّ هذا التشريف وإنْ كان عظيماً، إلّا أنَّ ما لَكَ عند الله
تعالى في الآخرة خيرٌ وأعظم.
(١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: ابن إسحاق، كما في سيرة ابن هشام ٢٤١/١، وتفسير
القرطبي ٣٤٠/٢٢، والبحر ٤٨٥/٨.
(٢) نص عبارة ابن عطية كما في المحرر الوجيز ٥/ ٤٩٣-٤٩٤: يحتمل أن يريد حالَيْهِ في الدنيا
قبل نزول السورة وبعدها، فوعده الله تعالى على هذا التأويل بالنصر والظهور.
(٣) المعجم الأوسط للطبراني (٥٧٢)، ودلائل النبوة للبيهقي ٦١/٧. وأخرجه أيضاً الطبري
٤٨٨/٢٤ عن ابن عباس قال: عُرض على رسول اللهِ و 08 ما هو مفتوح على
أمته ... إلخ، قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: إسناده صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا
لا يقال إلا عن توقيف.

الآية : ٥
١١١
سُؤَدَّة الضّعى
وجُوِّزَ أيضاً أنْ يكون المعنى أنَّ انقطاعَ الوحي لا يجوز أن يكون لما يتوهمون؛
لأنَّه عزلٌ عن النبوة، وهو مستحيلٌ في الحكمة، بل أقصى ما في الباب أنْ يكون
ذلك لأنَّه حصل الاستغناءُ عن الرسالة، وذلك أمارةُ الموت، فكأنَّه تعالى قال:
انقطاعُ الوحي متى حصل دلَّ على الموت، لكنَّ الموت خيرٌ لك، فإنَّ ما لَكَ عند الله
تعالى في الآخرة أفضلُ مِمَّا لك في الدنيا. وهذا كما ترى دون ما قبله بكثير.
والمتبادِرُ مِمَّا قرَّروه أنَّ الجملة مستأنفةٌ، واللام فيها ابتدائيَّة، وقد صرَّح جمعٌ
وقالوا : فائدتها
بأنها كذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ
تأكيدُ مضمون الجملة، وبعدَها مبتدأ محذوف، أي: ولأنتَ سوف يعطيك .. إلخ.
وأورِد عليه أنَّ التأكيدَ يقتضي الاعتناء، والحذفُ ينافيه، ولذا قال ابنُ
الحاجب: إنَّ المبتدأ المؤَّد باللام لا يحذف، وإنَّ اللام مع المبتدأ كـ ((قد)» مع
الفعل و((إنَّ) مع الاسم، فكما لا يحذف الفعل والاسم ويبقيان بعد حذفهما،
كذلك لا يحذف المبتدأ وتبقى اللام.
وأنَّه يلزم التقدير، والأصل عدمه.
وأنَّ اللامَ لتخلِّص المضارع الذي في حيِّزها للحال، كتأكيد مضمون الجملة،
وهو هنا مقرونٌ بحرف التنفيس والتأخير، فيلزم التنافي(١).
ورُدَّ بأنَّ المؤَّد الجملةُ لا المبتدأ وحده حتى ينافي تأكيده حذفَه، وكلام ابن
الحاجب ليس حجَّةً على الفارسيِّ وأمثاله، و((إنَّ» يحذف معها الاسم كثيراً،
كما ذكره النحاة، وكذا ((قد)» يحذفُ بعدها الفعل، كقوله:
أزِفَ الترخُل غيرَ أنَّ ركابَنا لَمَّا تَزُلْ برحالنا وكَأَنْ قَدٍ (٢)
مع أنَّه لو سُلِّم فقد يُفَرَّق - كما قال الطيبيُّ - بين ((إِنَّ) و((قد)) وهذه اللام بأنَّهما
يؤثّران في المدخول عليه مع التأكيد، بخلاف هذه اللام فإنَّ مقتضاها أنْ تؤكّد
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: إلى غير ذلك مما هو مع ما فيه في المغني. اهـ منه. وينظر
المغني ص ٣٠٢.
(٢) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٣٨، وفيه: أفد. بدل: أزف.

سُودَة الضّعى
١١٢
الآية : ٥
مضمونَ الجملة لا غير، وهو باقٍ وإن حُذِف المبتدأ، فالقياس قياسٌ مع الفارق،
والنحويون يقدِّرون كثيراً في الكلام، كما قدروا المبتدأ في نحو: قمت وأصُ
عَيْنَه، وهو لأجل الصناعة دون المعنى، كما فيما نحن فيه.
واللام المؤكِّدة لا نسلِّم أنَّها لتخليص المضارع للحال أيضاً، بل هي لمطلق
التأكيد فقط، ويفهم معها الحالُ بالقرينة؛ لأنَّه أنسبُ بالتأكيد، وعلى تسليم أنَّها
لتخليصه للحال أيضاً يجوزُ أنْ يقال: إنَّها تجرَّدت للتأكيد هنا، بقرينة ذكر ((سوف))
بعدها، والمرادُ تأكيد المؤشّرِ - أعني الإعطاء - لا تأكيد التأخير، فالمعنى: إنَّ
الإعطاء كائنٌ لا محالة وإنْ تأخّرَ لحكمة، وعلى تسليم أنَّها للأمرين ولا تجرد
يجوزُ أن يقال: نزِّل المستقبل - أعني: الإعطاء الذي يعقُبه الرضى - لتحقُّق وقوعه
منزلةَ الواقع الحالي، نظيرَ ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَئِنَهُمْ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤].
وقيل: يحسنُ هذا جدًّا فيما نحن فيه، على القول بأنَّ الإعطاء قد شُرع فيه عند
نزول الآية؛ بناءً على أحد أوجهها الآتية بعدُ إن شاء الله تعالى.
وذهب بعضُهم بأنَّ اللامَ الأولى للقسم، وكذا هذه اللام. وبقسَمَيتها جَزَمَ غيرُ
واحد، فالواو عليه للعطف، فكِلَا الوعدين داخلٌ في المقسَم عليه، ويكون الله
تعالى قد أقسم على أربعة أشياء: اثنان منفيان، واثنان مثبتان. وهو حسنٌ في
نظري.
واعترض بأنَّ لام القسم لا تدخل على المضارع إلَّا مع النون المؤكِّدة، فلو
كانت للقسم لقيل: لسوف يعطينَّك ربُّك.
ولا يخفى أنَّ هذا أحدُ مذهبين للنجاة، والآخر أنَّه يستثنى ما قُرِن بحرف
تنفيس، كما هنا، ففي ((المغني)) أنَّه تجبُ اللام وتمتنع النون فيه (١)، كقوله:
أسلفَ المرءُ سيئاً أو جميلًا (٢)
فوريِّي لسوف يُجزى الذي
(١) مغني اللبيب ص٣٠٣.
(٢) أورده الخفاجي في حاشيته ٣٧٢/٨.

الآية : ٥
١١٣
سُوَدَّةُ الضّعى
وكذا مع فصل معمول الفعل بين اللام والفعل، نحو: ﴿وَلَيْن مُّتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى
اللَّهِ مُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، ومع كون الفعل للحال، نحو ((لأقسم))(١)، وقد
يمتنعان، وذلك مع الفعل المنفي، نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَؤُا﴾ [يوسف: ٨٥] وقد يَجِبان،
وذلك فيما بقي، نحو: ﴿وَقَلَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧].
وعليه لا يتَّجهُ الاعتراضُ، مع أنَّ الممنوع بدون النون في جواب القسم، لا في
المعطوف عليه كما هنا، فإنَّه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وإنَّما ذكرت
اللام تأكيداً للقسم وتذكيراً به، وبالجملة هذا الوجهُ أقلُّ دغدغةً من الوجه السابق،
ولا يحتاجُ فيه إلى توجيه جمع اللام مع ((سوف))، إذ لم يقل أحدٌ من علماء العربية
بأنَّ اللام القسمية مخلِّصةٌ المضارعَ للحال، كما لا يخفى على مَن تتبّع كتبهم،
وظاهر كلام الفاضل الكلنبوي أنَّ كلَّا من اللامين موضوعٌ للدلالة على الحال،
ووجهُ الجمع على تقدير كونها في الآية قسميَّةً بأنّها محمولةٌ على معناها الحقيقيِّ،
و(سوف)) محمولةٌ على تأكيد الحكم، ولذا قامت مقام إحدى النونين عند أبي عليٍّ
الفارسيّ. وقد أطال رحمه الله تعالى الكلامَ فيما يتعلَّق بهذا المقام، وأتى - على
غزارة فضله - بما يُستبعَدُ صدورُه من مثله.
وقال عصام الدين: الأظهرُ أنَّ جملةَ ((ما ودَّعك)) حاليَّةٌ، أي: ما ودَّعك ربُّك
وما قلاك، والحال أنَّ الآخرةَ خيرٌ لك من الأولى، وأنت تختارُها عليها، ومَن
حالُه كذلك لا يتركُه ربُّه، ففيه إرشادٌ للمؤمنين إلى ما هو ملاكُ قرب العبد إلى
الربِّ عزَّ وجلَّ، وتوبيخٌ للمشركين بما هم فيه من التزام أمر الدنيا والإعراض عن
الآخرة، وحينئذٍ معنى قوله سبحانه: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ) أنَّه سوف يعطيك الآخرة،
ولا يخفى حينئذٍ كمالُ اشتباك الجمل. انتهى.
وفيه أنَّ دخول اللام عليها مع دخوله على الجملة بعدها وسبقهما بالقسم
يبعدُ الحاليَّةَ جداً، وأيضاً المعنى [الذي](٢) ذكره على تقديرها غيرُ ظاهرٍ من
(١) الآية الأولى من سورة القيامة، وهي قراءة قنبل عن ابن كثير، وكذا في رواية عن البزي.
انظر التيسير ص٢١٦، والنشر ٢٨٢/٢. وسلف الكلام فيها في أول تفسير سورة القيامة.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.

سُورَةُ الضّعى
١١٤
الآية : ٥
الآية، وكان الظاهر عليه: عندك، بدل: لك، كما لا يخفى عليك.
واختلف في قوله تعالى: ((ولسوف)) إلخ، فقيل: هو عِدَةٌ كريمةٌ شاملةٌ
لما أعطاه الله عزَّ وجلَّ في الدنيا، من كمال النفس، وعلوم الأوَّلين والآخرين،
وظهور الأمر، وإعلاء الدين بالفتوح الواقعة في عصره وَّر، وفي أيَّام خلفائه عليه
الصلاة والسلام، وغيرهم من الملوك الإسلاميَّة، وفشوِّ الدعوة والإسلام في
مشارق الأرض ومغاربها، ولِما اذَّخرَ جلَّ وعلا له عليه الصلاة والسلام في الآخرة
من الكرامات التي لا يعلمها إلَّا هو جلَّ جلاله وعمَّ نواله.
وقيل: عِدَةٌ بما أعطاه سبحانه وتعالى في الدنيا من فتح مكّة وغيره.
والجمهور على أنَّه عِدَةٌ أخرويَّةٌ، فأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنَّه قال:
هي الشفاعة(١). ورُوي نحوه عن بعضٍ أهل البيت ﴿ُه؛ أخرج ابنُ المنذر وابن
مردويه وأبو نعيم في ((الحلية)) من طريق حرب بن شريح قال: قلت لأبي جعفر
محمد بن عليٍّ بن الحسين - على جدِّهم وعليهم الصلاةُ والسلام -: أرأيتَ هذه
الشفاعة التي يتحدَّثُ بها أهلُ العراق، أحقٌّ هي؟ قال: إي والله، حدثني محمد بن
الحنفية عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((أَشْفَعُ لأمَّتي حتى
ينادي ربِّي: أرضيتَ يا محمد، فأقول: نعم يا ربِّ رضيت)). ثم أقبل عليَّ فقال:
إنَّكم تقولون يا معشر أهل العراق: إنَّ أرجَى آيةٍ في كتاب الله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعًا﴾ [الزمر: ٥٣]
قلت: إنَّا لنقول ذلك. قال: فكلُّنا أهل البيت نقول: إنَّ أرجى آيةٍ في كتاب الله
تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَّ)، وقال: هي الشفاعة (٢).
وقيل: هي أعمُّ من الشفاعة وغيرها ويرشدُ إليه ما أخرجه العسكريُّ في
(١) الدر المنثور ٣٦١/٦.
(٢) الدر المنثور ٣٦١/٦، وهو في الحلية ١٧٩/٣، وأخرجه أيضاً البزار (٦٣٨ - البحر
الزخار)، والطبراني في الأوسط (٢٠٦٢).
ووقع عند البزار والطبراني: حرب بن سريج. وهو الصواب. انظر تهذيب الكمال ٥٢٢/٥ .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٧٧/١٠: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه
محمد بن أحمد بن زيد المداري، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثّقوا على ضعف في بعضهم.

الآية : ٥
١١٥
سُورَةُ الصَّعَى
((المواعظ)) وابن مردويه وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال: دخلَ رسول الله وَله
على فاطمة وهي تطحنُ بالرحاء، وعليها كساءٌ من جلد الإبل، فلمَّا نظر إليها قال:
يا فاطمة، تعجَّي مرارةَ الدنيا بنعيم الآخرة غداً)» فأنزل الله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ
رَبُّكَ فَتَرْضَ)(١).
وقال أبو حيان: الأولَى العموم لما في الدنيا والآخرة على اختلاف أنواعه (٢).
والخبر المذكور لو سُلِّم صحته لا يأبى ذلك، نعم عطايا الآخرة أعظمُ من
عطايا الدنيا بكثير، فقد رَوى الحاكم وصحَّحه وجماعةٌ عن ابن عباس أنَّه قال:
أعطاهُ الله تعالى في الجنَّة ألفَ قصر من لؤلؤ، ترابه المسك، في كلِّ قصرٍ ما ينبغي
له من الأزواج والخَدَم(٣) .
وأخرج ابن جرير عنه أنَّه قال في الآية: من رِضَى محمدٍ وَّو أن لا يدخل أحدٌ
من أهل بيته النار(٤).
وأخرج البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عنه أنَّه قال: رضاه وَِّ أنْ يدخلَ أمَّته كلّهم
الجنة(٥).
وفي رواية الخطيب في ((تلخيص المتشابه)) من وجهٍ آخر عنه: لا يَرضى
محمدٌ وَلّ وأحدٌ من أمَّته في النار(٦).
(١) الدر المنثور ٣٦١/٦، وأخرجه أيضاً ابن لال في مكارم الأخلاق، وإسناده ضعيف كما قال
العراقي في تخريج أحاديث الإحياء على هامش الإحياء ٢٣٣/٤.
(٢) البحر المحيط ٤٨٦/٨.
(٣) المستدرك ٥٢٦/٢، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١٠٤/١٣، والطبري ٤٨٨/٢٤،
والواحدي في أسباب النزول ص ٤٩٠-٤٩١، والبيهقي في الدلائل ٧/ ٦١، والطبراني في
الكبير (١٠٦٥٠)، والأوسط (٥٧٢).
(٤) تفسير الطبري ٤٨٨/٢٤ .
(٥) شعب الإيمان (١٤٤٥).
(٦) تلخيص المتشابه ١/ ١٧٣. وجاء في هامش الأصل ما نصّه:
ألم يرضكَ الرحمنُ في سورة الضحى فحاشاك أن ترضَى وفينا معذبُ
اهـ منه .

سُودَةُ الضّعى
١١٦
الآية : ٦
وهذا ما تقتضيه شفقته العظيمة عليه الصلاة والسلام على أمَّتِه، فقد كان وَه
حريصاً عليهم، رَؤوفاً بهم، مهتمًّا بأمرهم. وقد أخرج مسلم - كما في ((الدر
المنثور)) - عن ابن عمرو أنَّه وَ ه تلا قولَ الله تعالى في إبراهيم عليه السلام: ﴿فَمَنْ
تَبِّعَنِى فَإِنَّهُ مِنِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقوله تعالى في عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ﴾
الآية [المائدة: ١١٨] فرفعَ عليه الصلاة والسلام يديه، وقال: ((اللهمَّ أُمَّتي أمَّتي))
وبكى، فقال الله تعالى: يا جبريل، اذهب إلى محمدٍ فقل له: إنَّا سنرضيك في
أمَّتِك ولا نسوءك(١).
وفي إعادة اسم الربِّ مع إضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى
أيضاً من اللُّطف بِهِ وَ لِّ.
تعديدٌ(٢) لما أفاض عليه وَ ﴾ من
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى (@)
أوَّل أمره إلى وقت النزول من فنون النَّعماءِ العظام؛ ليستشهد بالخاصِّ الموجود
على المترقّبِ الموعود، فيزدادَ قلبُه الشريفُ وصدرُه الرحيب طمأنينةً وسروراً
وانشراحاً وحبوراً، ولذا فُصِلت الجملة. والهمزةُ لإنكار النفي وتقرير المنفيّ(٣)
على أبلغ وجه، كأنَّه قيل: قد وجدَك .. إلخ.
ووجدتُه ـ على ما قال الرضيّ - بمعنى: أصبته على صفةٍ، ويرادُ بالوجود فيه
العلمُ مجازاً بعلاقة اللزوم، وفي («مفردات)» الراغب: الوجود أَضْرُب: وجودٌ
بالحواسِّ الظاهرة، ووجودٌ بالقوى الباطنة، ووجودٌ بالعقل، وما نُسِب إلى الله
تعالى من الوجود فبمعنى العلم المجرد، إذْ كان الله تعالى منزَّهاً عن الوصف
بالجوارح والآلات(٤).
وقد فسَّره بعضهم هنا بالعلم، وجعلَ مفعولَه الأول الضمير، ومفعولَه الثاني
(يتيماً))، وبعضُهم بالمصادفة، وجعلَه متعدِّياً لواحد، و((يتيماً)) حالاً، وأنت تعلم أنَّ
(١) الدر المنثور ٣٦١/٦، وهو في صحيح مسلم (٢٠٢).
(٢) في (م): تعديل. وهو تصحيف.
(٣) في (م): النفي.
(٤) المفردات (وجد).

الآية : ٦
١١٧
سُورَةُ الضّعى
المصادفة لا تصحُّ في حقِّه تعالى؛ لأنَّها ملاقاةُ ما لم يكن في علمه سبحانه وتقديرِه
جلَّ شأنه، فلا بدَّ من التجوُّز بها عن تعلُّق علمه عزَّ وجلَّ بذلك.
واليتمُ: انقطاعُ الصبيِّ عن أبيه قبلَ بلوغه، والإيواءُ: ضمُّ الشيء إلى آخر،
يقال: آوى إليه فلاناً، أي: ضمَّه إلى نفسه، أي: ألم يَعلمكَ طفلاً لا أبا لك،
فضمَّك إلى من قام بأمرك.
روي أنَّ عبدَ المطلب بعثَ ابنَه عبد الله أبا رسول الله وَّةِ يمتارُ تمراً من يثرب،
فتوفي ورسولُ اللهِ وَّه جنينٌ قد أتت عليه ستَّةُ أشهر، فلمَّا وضَعَتْهُ كان في حجرٍ
جدِّه مع أمِّه، فماتت وهو عليه الصلاة والسلام ابنُ ستٍّ سنين، ولَمَّا بلغَ عليه
الصلاة والسلام ثماني سنين ماتَ جدُّه، فكفلَه عمُّه الشفيق الشقيق أبو طالب بوصيّةٍ
من أبيه عبد المطلب، وأحسنَ تربيتَه وَله .
وفي ((الكشاف)): ماتت أمُّه عليه الصلاة والسلام وهو ابن ثماني سنين، فكفله
عمُّهُ(١)، وكان شديدَ الاعتناء بأمره إلى أنْ بعثَهُ الله تعالى، وكان يَرى منه ◌َّ في
صغره ما لم يرَ من صغير؛ روي أنَّه قال يوماً لأخيه العباس: ألا أخبركَ عن محمدٍ
بما رأيتُ منه، فقال: بلى، قال: إنِّي ضممتُه إليَّ، فكنتُ لا أفارقُه ساعةً من ليلٍ
ولا نهار، ولم أئتمن عليه أحداً، حتى إنِّي كنتُ أنوِّمه في فراشي، فأمرتُه ليلةً أنْ
يخلع ثيابَه وينامَ معي، فرأيتُ الكراهية في وجهه، وكرهَ أنْ يخالفني، فقال: يا عمَّاه
اصرفْ وجهَك عني حتى أخلع ثيابي، إنِّي لا أحبُّ أن تنظُر إلى جسدي، فتعجَّبتُ
من قوله، وصرفتُ بصري حتى دخل الفراشَ، فلمَّا دخلتُ معه الفراش، إذا بيني
وبينه ثوبٌّ، والله ما أدخلتُه في فراشي، فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنَّه
غُمِس في المسك، فجهدتُ لأنظر إلى جسده، فما كنتُ أرى شيئاً، وكثيراً ما كنت
أفقدُه من فراشي، فإذا قمتُ لأطلبَه ناداني: ها أنا يا عمّ فارجع، وكنت كثيراً
ما أسمعُ منه كلاماً يعجبني، وذلك عندما مضى بعض الليل، وكثّا لا نسمِّي على
الطعام والشراب ولا نحمدُ، وكان يقول في أول الطعام: بسم الله الأحد، فإذا فرغ
(١) الكشاف ٤/ ٢٦٤.

سُوَدَّةُ الضَّعَى
١١٨
الآية : ٦
من طعامه قال: الحمدُ لله، فكنت أعجبُ منه، ولم أَرَ منه كِذْبَةً، ولا ضحكاً،
ولا جاهليةً، ولا وقفَ مع الصبيان وهم يلعبون(١). وهذا لعمري غيض من فيض:
في المهد يُعرِبُ عن سعادة جدِّه أثرُ النجابةِ ساطعَ البرهان(٢)
وقيل: المعنى: ألم يجدك يتيماً أبَتْكَ المراضعُ فآواك من مرضعةٍ تحنو عليك،
بأنْ رزقَها بصحبتك الخيرَ والبركةً، حتى أحبَّتك وتكفَّلتك.
والأوّل هو الظاهر، وقيل غير ذلك مِمَّا ستعلمُه بعدُ إن شاء الله تعالى.
ومن بدع التفاسير ـ على ما قال الزمخشريُّ - أنَّ ((يتيماً)) من قولهم: دُرَّةٌ يتيمةٌ،
والمعنى: ألم يجدكَ واحداً في قريشٍ، عديمَ النظير فآواك(٣). والأولَى عليه أنْ
يقال: ألم يجدك واحداً عديمَ النظير في الخليقة، لم يحوِ مثلَك صدفُ الإمكان،
فآواك إليه، وجعلَك في حُقِّ(٤) اصطفائه.
وقرأ أبو الأشعث: ((فأوى)) ثلاثيًّا(٥)، فجوز أن يكون من أوَاه بمعنى آواه، وأن
يكون من أوى له، أي: رحمه، ومصدره: أيًّا وإيَّةً ومأوِيَّة(٦) ومأواة(٧)،
وتحقيقُه ـ على ما قال الراغب - أي: رجع إليه بقلبه، ومنه قوله:
أراني(٨) ولا كفران لله أيَّةً(٩)
(١) أورده الرازي في تفسيره ٣١/ ١٩٤.
(٢) لا يعرف قائله، وسلف ١١٨/٢٠.
(٣) الكشاف ٤/ ٢٦٤.
(٤) الحقُّ: وعاءٌ صغيرٌ ذو غطاء، يتخذ من عاج أو زجاج أو غيرهما. المعجم الوسيط (حقق).
(٥) كذا في الأصل و(م)، ووقع في مطبوع البحر ٤٨٦/٨: أبو الأشهب العقيلي، والصواب:
الأشهب العقيلي، كما في المحرر الوجيز ٤٩٤/٥، وتفسير الثعلبي ٢٢٦/١٠.
(٦) ضبطت في الأصل بتشديد الياء، والصواب التخفيف، كما في الصحاح والتاج (أوى).
(٧) في الأصل و(م): ومأوية، والمثبت من كتب اللغة. ينظر العين ٤٣٨/٨، وتهذيب اللغة
١٥/ ٤٦٧، ومفردات الراغب والصحاح، واللسان والقاموس (أوى). وذُكر من مصادره
أيضاً: أَوْيَة. ينظر تهذيب اللغة ٤٦٧/١٥، والصحاح واللسان والقاموس (أوى)، وجاء في
المفردات بدلاً منها : أويًا .
(٨) في الأصل و(م)، أو أني، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٩) الخصائص ٣٣٧/١، ومغني اللبيب ص٥١٥، واللسان (أوى)، وعجزه: لنفسي قد طالبتُ

الآية : ٧
١١٩
سُوَّةُ الضّعى
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَّآلّا فَهَدَى ﴾﴾ عطفٌ على ما يقتضيه الإنكار السابق
كما أشير إليه، أو على المضارع المنفيِّ بـ ((لم)) داخلٌ في حكمه، كأنَّه قيل:
أما وجدك يتيماً فآوى، ووجدك غافلاً عن الشرائع التي لا تَهتدي إليها العقول،
كما في قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِنَبُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله سبحانه:
﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ اُلْغَفِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] فهداك إلى مناهجها في
تضاعيف ما أوحَى إليك من الكتاب المبين، وعلَّمك ما لم تكن تعلم، وعلى
هذا - كما قال الواحديُّ(١) - أكثرُ المفسّرين، وهو اختيار الزّجَّاج (٢).
ورَوى سعيد بن المسيب أنَّه وَ له سافر مع عمِّه أبي طالب إلى الشام، فبينما هو
راكبٌ ناقةً ذات ليلةٍ ظلماء وهو نائم، جاءه إبليس، فأخذ بزمام الناقة، فعدلَ به عن
الطريق، فجاءه جبريلُ عليه الصلاة والسلام، فنفخ إبليس نفخةً وقع منها
بالحبشة(٣)، وردَّه إلى القافلة. فما في الآية إشارةٌ إلى ذلك على ما قيل.
وقيل: إشارة إلى ما رُوي عن ابن عباس من أنَّهِوَ﴿ ضلَّ وهو صغيرٌ عن جدِّه
في شعاب مكّة، فرآه أبو جهلٍ منصرفاً من أغنامه، فردّه لجدِّه وهو متعلِّقٌ بأستار
الكعبة يتضرَّعُ إلى الله تعالى في أن يردّ إليه محمَّداً، وذكر له أنَّه لَمَّا رآه أناخ الناقة
وأركبه من خلفه، فأبت أن تقوم، فأركبه أمامَه فقامت، فكانت الناقةُ تقول: يا أحمق
هو الإمام فكيف يقوم خلف المقتدي؟
وفي إرجاعه عليه الصلاة والسلام إلى أهله على يد أبي جهل، وقد علم
سبحانه منه أنَّه فرعونه، [ما] يشبه إرجاع موسى عليه السلام إلى أمِّه على يد
فرعون.
= غيرَ مُنيلٍ. وفيه اعتراض بجملتين، إحداهما: ولا كفران لله، والأخرى: أيَّة، أي: أويت
لنفسي أيّة، أي: رحمتها. وأيَّة أصله: أوْيةً، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما
بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء. شرح أبيات المغني للبغدادي ٢٢٥/٦-٢٢٦.
(١) في الوسيط ٤/ ٥١١.
(٢) في معاني القرآن له ٣٣٩/٥-٣٤٠.
(٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: وقيل إلى أرض الهند. اهـ منه.
٠

سورة الضحى
١٢٠
الآية : ٧
وقيل: ضلَّ عليه الصلاة والسلام مرَّةً أخرى وطلبوه فلم يجدوه، فطاف
عبدُ المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرَّع إلى الله تعالى، فسمعوا منادياً ينادي من
السماء: يا معشر الناس لا تضجُّوا؛ فإنَّ لمحمدٍ ربًّا لا يخذله ولا يضيِّعه، وإنَّ
محمداً بوادي تهامة عند شجرة السَّمُر. فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا
النبيُّ ◌َّهِ قائمٌ تحت شجرةٍ يلعب بالأغصان والأوراق.
وقيل: أضلَّته مرضعتُه حليمة عند باب مكّة حين فطمته، وجاءت به لتردّه على
عبد المطلب(١) .
فـ (ضالّا)) على هذه الروايات مِن ضلَّ في طريقه: إذا سلكَ طريقاً غير موصلةٍ
لمقصده. وضُعِّفَ حملُ الآية على ذلك بأنَّ مثلَه بالنسبة إلى ما تقدَّم لا يعدُّ من
نِعَمِ الله تعالى على مثل نبيِّه وَّ التي يمتنُّ سبحانه بها عليه.
وقيل: الضالُّ: الشجرةُ المنفردة في البيداء ليس حولها شجر، والمراد:
أما وجدَك وحدك ليس معك أحدٌ فهدى الناس إليك ولم يتركك منفرداً .
وقال الجنيد قُدِّس سره: أي: وجدك متحيِّراً في بيان الكتاب المنزل عليك،
فهداك لبيانه. وفيه قربٌ ما من الأول.
وقال بعضهم: وجدك غافلاً عن قَدْرِ نفسك، فأطلعك على عظيم محلِّك.
وقيل: وجدك ضالًّا عن معنى محض المودّة، فسقاك كأساً من شراب القربة
والمودة، فهداك به إلى معرفته عزَّ وجلَّ.
وقال جعفر الصادق نظره: كنتَ ضالَّ عن محبتي لك في الأزل، فمننتُ عليك
بمعرفتي. وهو قريبٌ من سابقه.
وقال الجريري: أي: وجدك متردِّداً في غوامض معاني المحبة، فهداك لها .
وهو أيضاً كذلك.
(١) تنظر هذه الأخبار في تفسير الثعلبي ٢٢٦/١٠، وتاريخ ابن عساكر ٣/ ٤٧٤-٤٧٨، وتفسير
البغوي ٤٩٩/٤، وتفسير القرطبي ٣٤٤/٢٢-٣٤٥، وتفسير أبي السعود ١٧١/٩ .