النص المفهرس
صفحات 441-460
سُورَةُ الظَارِقِ مكيةٌ بلا خلافٍ، وهي سَبْعَ عَشْرةَ آيَةً على المشهور، وفي ((التيسير)): ستَّ عشرة . ولَمَّا ذكر سبحانه فيما قبلها تكذيبٌ الكفار للقرآن نبَّه تعالى شأنه هنا على حقارة الإنسان، ثم استطرد جلَّ وعلا منه إلى وصف القرآن، ثم أمر سبحانه نبيّه وَل بإمهال أولئك المكذِّبین، فقال عز قائلاً : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَلََّ﴾ هي المعروفةُ على ما عليه الجمهور. وقيل: المطر هنا، وهو أحد استعمالاتها ومنه قوله: إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا(١) ولا يَخْفَی حاله. ٢) وهو في الأصل اسمُ فاعلٍ من الطَّرْقِ بمعنى الضَّرْبِ بوَقْعِ وشدةٍ ﴿وَالطَارِقِ يُسمع لها صوتٌ، ومنه المِظْرَقَةُ، والطريق لأنَّ السابلة تَظْرُقُها، ثم صار في عرف اللغة اسماً لسالك الطريق؛ لتصَوُّرِ أنه يطرقها بقدمه، واشتهر فيه حتى صار حقيقةً، ثم اختصَّ بالآتي ليلاً؛ لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقةً فيطرقها، ثم اتَّسع في كلِّ ما يظهر بالليل كائناً ما كان حتى الصور الخيالية البادية فيه، والعربُ تصفها بالُروق كما في قوله: (١) سلف عند تفسير الآية (٥٢) من سورة هود. سُورَةُ الطَّارِقِ ٤٤٢ الآية : ٢ - ٣ سَدِكاً بأَرْحُلنا ولم يتعرَّج(١) طَرَقَ الخيالُ ولا کلیلةِ مُذلجٍ والمراد به هاهنا عند الجمهور: الكوكبُ البادي بالليل، إمَّا على أنه اسمُ جنسٍ، أو كوكبٌ معهود كما ستَعْلَمه إن شاء الله تعالى. تنويهٌ بشأنه إثر تفخيمه بالإقسام، وتنبيهٌ وقوله تعالى: ﴿وَمَّ أَذْرَئِكَ مَا الَّارِقُ على أن رِفْعةَ قَدْرِه بحيث لا ينالُها إدراك الخلق، فلا بدَّ من تلقِّيها من الخلّاق العليم، فـ ((ما)) الأولى مبتدأ و((أدراك)) خبرُه، و((ما)) الثانية خبر، و((الطارق)) مبتدأ على ما اختاره بعضُ المحقّقين، أي: أيُّ شيءٍ أعلمك ما الطارق؟ خبر مبتدأ محذوفٍ والجملةُ استئنافٌ وقع وقوله سبحانه: ﴿النَّجْمُ الثَِّبُ جواباً عن استفهام نشأ عما قبلُ، كأنه قيل: ما هو؟ فقيل: هو النجم .. إلخ. و((الثاقب)) في الأصل: الخارق، ثم صار بمعنى المضيء لتصوُّرِ أنه يثقبُ الظلامَ، وقد يُخصُّ بالنجوم والشهب لذلك وتَصَوُّرِ أنها ينفذ ضوؤُها في الأفلاك ونحوها . وقال الفرَّاء: ((الثاقب)): المرتفع، يقال: تَقَبَ الطائر، أي: ارتفع وعلا(٢). والمراد بالنجم الثاقب الجنسُ عند الحسن؛ فإنَّ لكلِّ كوكبٍ ضوءاً ثاقباً لا محالة، وكذا كلُّ كوكبٍ مرتفعٍ، ولا يضرُّ التفاوتُ في ذلك. وذهب غير واحدٍ إلى أنَّ المراد به معهودٌ، فعن ابن عباس أنه الجدي. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه الثريًّا (٣)، وهو الذي تطلِقُ العرب عليه اسم النجم. وروي عنه أيضاً أنه زُحَلُ، وهو أبعد السيارات وأرفعُها، وما يثقبه ضوؤه من الأفلاك أكثرُ فيما يزعم المنجِّمون المتقدِّمون، وإنما قلنا: أبعد السيارات، لأنَّ الجدي والثريا عندهم أبعدُ منه بكثيرٍ، وكذا عند المحدثين. (١) البيت الحارث بن حِلِّزة اليَشْكري كما في المفضليات ص ٢٥٥، وأمالي القالي ٢٠٥/١، واللآلي ٤٩٠/١، وفيه: المدلج: الذي أسرى الليل كلَّه. ولم يتعرَّج: لم يأخذ يمنة ولا يسرة. اهـ. وجاء في حاشية (م): سدكاً بفتح فكسر، أي: مولعاً. اهـ منه. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٥٤/٣. (٣) تفسير الطبري ٢٩٠/٢٤. الآية : ٣ ٤٤٣ سُورَةُ الْطَارِق وعن الفرَّاء أنه القمر؛ لأنه آيةُ الليل وأشدُّ الكواكب ضوءاً فيه، وهو زمانُ سلطانه. وأنت تعلم أنَّ إطلاق النجم عليه ولو موصوفاً غيرُ شائع. وقيل: هو النجم الذي يقال له: كوكب الصبح. وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: أنه نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيرُه، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، فهو طارقٌ حين ينزل وطارقٌ حين يصعد(١). ولا يخفى أنَّ المعروف أنَّ الذي يسكن السماء السابعة - أعني الفلكَ السابعَ وحده - هو زُحَلُ، فيكون ذلك قولاً بأنَّ ((النجم الثاقب)) هو، لكنْ لا يُعرف له نزولٌ ولا صعودٌ بالمعنى المتبادر، وأيضاً لا يُعقل له نزولٌ إلى حيث تكون النجوم - أعني الثوابت - لأنَّ المعروف عندهم أنها في الفلك الثامن، ويجوز عقلاً أن يكون بعضها في أفلاكٍ فوق ذلك، بل نصَّ المحدَثون لِما قام عندهم على تفاؤُتها في الارتفاع، ولم يشكُّوا في أنَّ كثيراً منها أبعدُ من زحل بعداً عظيماً، وإذا اعتبرت الظواهر وقلنا بأنها في السماء الدنيا وإن تفاوتت في الارتفاع، فذلك أيضاً مِمَّا يأباه أنَّ النجوم قد تأخذ أمكنتها من السماء وليس معها زحل، وبالجملة ما يعكِّر على هذا الخبر کثیرٌ، وكونُه كرم الله تعالى وجهه أراد كوكباً آخر هذا شأنُه لا يخفى حالُه، والذي يقتضيه الإنصافُ وتَرْكُ التعصُّبِ أنَّ الخبر مكذوبٌ على الأمير رُه وکرم وجهه. وجوِّز على إرادة الجنس أن يراد به جنسُ الشهب التي يُرْجَم بها، وليس بذاك، وما روي أنَّ أبا طالب كان عند رسول الله وَّ فانحظّ نجمٌ فامتلأ ما ثَمَّ نوراً، ففزع أبو طالب فقال: أيُّ شيء هذا، فقال عليه الصلاة والسلام: ((هذا نجمٌ رُمي به، وهو آيةٌ من آيات الله تعالى)» فعجب أبو طالبٍ، فنزلت(٢) = لا يقتضي ذلك على ما لا يَخْفَى. (١) ذكره عن علي رضيُه القرطبي ٢٠١/٢٢، وأبو حيان ٤٥٤/٨، وعنه نقل المصنف. وذكره الثعلبي في تفسيره ١٧٨/١٠، وابن الجوزي في زاد المسير ٩/ ٨١، والقرطبي ٢٠١/٢٢ عن ابن عباس . (٢) ذكره البغوي ٤/ ٤٧٢ عن الكلبي، وهو دون نسبة في تفسير الثعلبي ١٠/ ١٧٧، وأسباب النزول للواحدي ص٤٨٤، والكشاف ٢٤١/٤ . سُورَةُ الْطَارِقِ ٤٤٤ الآية : ٤ وزعم ابنُ عطيَّةً أنَّ المراد بالطارق جميعُ ما يطرقُ من الأمور والمخلوقات(١)، فيعمُّ النجمَ الثاقب وغيره، ويكون معنى ((وما أدراك)) إلخ: وما أدراك (٢) ما الطارق حقَّ الطارق، بأن تكون ((أل)) في ((ما الطارق)) مثلَها في: أنت الرجل. وما أدري ما الطارقُ على هذا الرجل حتى ركب هذا الطريقَ الوَعْرَ في التفسير. وفي إيراد ذلك عند الإقسام به بوصفٍ مشترك بينه وبين غيره، ثم الإشارة إلى أنَّ ذلك الوصفَ غيرُ كاشفٍ عن كُنْهِ أمره، وأنَّ ذلك مِمَّا لا يبلغه أفكار الخلائق، ثم تفسيره بالنجم الثاقب = من تفخيم شأنه وإجلال محلِّه ما لا يَخْفَى على ذي نظرٍ ثاقبٍ، ولإرادةِ ذلك لم يقل ابتداءً: والنجم الثاقب، مع أنه أَخْصَرُ وأظهرُ؛ ولله عز وجل أن يفخِّم شأنَ ما شاء مِن خَلْقِهِ لِما شاء. ولا دلالةَ فيه هاهنا على شيءٍ مما يزعمه المنجمون في أمر النجوم زُحَلَ وغيره من التأثير في سعادةٍ أو شقاوةٍ أو نحوِهما. وجواب القسم قولُه تعالى: ﴿إِن كُلُّ ◌َفْسِ لَّاً عَلَهَا حَافِظٌ ﴾﴾ وما بينهما اعتراضٌ جيء به لِما ذُكر من تأكيدِ فخامة المقسَم به المستتبع لتأكيدِ مضمون الجملة المقسَم عليها . وقيل: جوابه قولُه سبحانه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرٌ﴾ [الآية: ٨] وما في البين اعتراضٌ. وهو كما ترى. و((إنْ) نافية، و((لَمَّا)) بمعنى إلا، ومجيئها كذلك لغةٌ مشهورةٌ - كما نقل أبو حيان عن الأخفش ـ في هذيل وغيرهم؛ يقولون: أقسمتُ عليك أو سألتُك لَمَّا فعلْتَ كذا، يريدون: إلا فعلتَ(٣). وبهذا ردٌّ على الجوهريِّ المنكِرِ لذلك(٤). وقال الرضيُّ: لا تجيءُ إلا بعد نفيٍ ظاهرٍ أو مقدَّرٍ، ولا تكون إلا في المفرَّغ، أي: بخلافٍ (إلا)). (١) المحرر الوجيز ٥/ ٤٦٤ . (٢) قوله: إلخ وما أدراك، ساقط من (م). (٣) البحر ٨/ ٤٥٤ . (٤) ذكره عن الجوهري الشهاب في الحاشية ٣٤٦/٨. الآية : ٤ ٤٤٥ سُورَةُ الطَارِقِ و ((كل)) لتأكيد العموم؛ لتحقُّق أصله من وقوع النكرة في سياق النفي، وهو مبتدأ، والخبرُ على المشهور ((حافظ))، و((عليها)) متعلِّقٌ به، وعلى ما سمعتَ عن الرضي محذوفٌ، أي: ما كلُّ نفسٍ كائنةٌ في حالٍ من الأحوال إلا في حالٍ أنْ يكون عليها حافظ، أي: مهيمنٌ ورقيب، وهو الله عز وجل كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ رَّقِبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]: إذا ما خلوتَ الدهرَ يوماً فلا تقلْ خلوتُ ولكنْ قل عليَّ رقيبُ وقيل: هو مَن يحفظ عملها من الملائكة عليهم السلام، ويحصي عليها ما تكسبُ من خيرٍ أو شرٍّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ (® كِرَامًا كَئِينَ﴾ الآية [الانفطار: ١٠-١١] وروي ذلك عن ابن سيرين وقتادةً وغيرهما، وخصّصوا النفس بالمكلَّفة. وقيل: هو مَن وُكِّلَ على حفظها والذبِّ عنها من الملائكة، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ، مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] وعن أبي أمامة عن النبيِّ نَّه قال: ((وكِّلَ بالمؤمن مئةٌ وستُّونَ مَلَكاً يذبُّون عنه كما يُذَبُّ عن قصعة العسل الذبابُ، ولو وُكِلَ العبد إلى نفسه طرفةَ عينٍ لاختطفته الشياطين))(١). وقيل: هو العقلُ يُرْشِدُ المرءَ إلى مصالحه، ويكفُّه عن مَضارِه. وقرأ الأكثر: ((لَمَا)) بالتخفيف(٢)، فعند الكوفيين ((إنْ)) نافيةٌ كما سبق، واللام بمعنى ((إلا))، و((ما)) زائدة، وصرَّحوا هنا بأنَّ ((كل)) و((حافظ)) مبتدأ وخبر، فلا تغفل. وعند البصريين ((إنْ)) مخفَّفة من الثقيلة، و((كل)) مبتدأ، و((ما)) زائدة، واللامُ هي الداخلة للفرق بين ((إنْ)) النافية و((إن)) المخفَّفة، و(«حافظ)) خبر المبتدأ، و((عليها)) (١) أخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (٧٧٠٤)، وفي إسناده عفير بن معدان، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٣ . (٢) التيسير ص٢٢١، والنشر ٢٩١/٢، وقرأ بالتشديد ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر. الآية : ٥ ٤٤٦ سُورَةُ الْطَارِقِ متعلِّقٌ به. وقدِّر لـ ((إنْ)) ضميرُ الشأن، وتعقِّب بأنه لا حاجة إليه؛ لأنه في غير المفتوحة ضعيفٌ لعدم العمل، مع أنه مخلٌّ بإدخال اللام الفارقة؛ لأنه إذا كان الخبر جملةً فالأولى إدخالُ اللام على الجزء الأول كما صرَّح به في ((التسهيل))(١)، وإدخالُها على الجزء الثاني كما صرح به بعض الأفاضل في حواشيه عليه. ولعل مَن قال: أي: إن الشأن كلُّ نفسٍ لعليها حافظ، لم يُرِدْ تقديرَ الضمير، وإنما أراد بيانَ حاصل المعنى. وحكى هارون أنه قرئ: ((إنَّ)) بالتشديد، و((كلَّ)) بالنصب، و((لمَا)) بالتخفيف، فاللامُ هي الداخلة في خبر ((إنَّ) و ((ما)) زائدة(٢). وعلى جميع القراءات أمرُ الجوابية ظاهرٌ لوجود ما يتلقَّى به القسم، وتلقِّيه بالمشدّدة مشهورٌ، وبالمخفَّفة ﴿ثَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُدِينٍ﴾ [الصافات: ٥٦] وبالنافية ﴿وَلَيْن زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ [فاطر: ٤١]. ، متفرِّعُ على ما قبله وليست الفاء وقوله تعالى: ﴿فَلْتُظْرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ◌ّ بفصيحةٍ - خلافاً للطيبي - إذ لا يُحتاج إلى حذفٍ في استقامة الكلام: أما على تقديرٍ أن يكون الحافظ هو الله عز وجل أو المَلَكُ الذي وَّله تعالى شأنُه للحفظ على الوجه الذي سمعتَ، فلأنَّه لَمَّا أثبت سبحانه أنَّ عليه رقيباً منه تعالى حثَّه على النظر المعرِّف لذلك مع أوصافه، كأنه قيل: فليَعْرِفِ المهيمنَ عليه بنصبه الرقيبَ أو بنفسه، ولْيَعلمْ رجوعَه إليه تعالى، ولْيَفعَلْ ما يُسَرُّ به حال الرجوع، وعبَّر عن الأول بقوله تعالى: (فَلْتُظُرٍ) ليبيِّن طريق المعرفة، فهو بسطٌ فيه إيجازٌ وأُدمج فيه الأخيران. وأمَّا على تقدير أن يكون المراد به العقلَ، فلأنه لَمَّا أثبت سبحانه أنَّ له عقلاً يرشد إلى المصالح، ويكفُّ عن المضارِّ، حثَّه على استعماله فيما ينفعه، وعدم تعطيله وإلغائه، كأنه قيل: فلينظر بعقله وليتفكّر به في مبدأ خَلْقِه حتى يتَّضح له قدرةٌ (١) ص ٦٣ . (٢) البحر ٨/ ٤٥٤ . الآية : ٦ ٤٤٧ سُوَرَّةُ الطَارِقِ واهبه، وأنه إذا قدر على إنشائه من موادَّ لم تَشُمَّ رائحةَ الحياة قظُ، فهو سبحانه على إعادته أَقْدَرُ وأقدرُ، فيعمل بما يُسَرُّ به حين الإعادة. وقد يقرَّرُ التفريعُ على جميع الأوجُه بنحوٍ واحدٍ، فتأمل. و ((ممَّ خُلِقِ)) استفهامٌ، و((من)) متعلِّقةٌ بـ ((خُلق))، والجملةُ في موضع نصب بـ ((ينظر))، وهي معلّقةٌ بالاستفهام. استئنافٌ وقع جواباً عن استفهامٍ مقدَّرٍ، وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن ◌َّآوِ دَافِقٍ كأنه قيل: مَّ خُلِقِ؟ فقيل ((خُلق من ماء)) إلخ، وظاهرُ كلام بعض الأجلة أنه جوابُ الاستفهام المذكور مع تعلُّقِ الجارِّ بـ ((ينظر))، وفيه مسامحةٌ، وكأن المراد أنه على صورة الجواب، وجَعْلُه جواباً له حقيقة على أنه مقطوعٌ عن ((ينظر)) ليس بشيء عند من له نظر. والدَّفْقُ: صبٌّ فيه دفعٌ وسَيَلانٌ بسرعة، وأريد بـ ((الماء الدافق)): المنيُّ. و((دافق)) قيل: بمعنى مدفوق على تأويل اسم الفاعل بالمفعول، وقد قرأ بذلك ٢ (١ زيد بن عليٍّ وقال الخليل وسيبويه(٢): هو على النسب كلابِنٍ وتامرٍ، أي: ذي دَفْقٍ، وهو صادقٌ على الفاعل والمفعول. وقيل: هو اسم فاعلٍ، وإسناده إلى الماء مجازٌ، وأسند إليه ما لصاحبه مبالغةً، أو هو استعارةٌ مَكنيةٌ وتخييليةٌ كما ذهب إليه السكاكي(٣)، أو مصرِّحةٌ بجَعْلِه دافقاً؛ لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق، أي: يدفع بعضُه بعضاً. وقد فسَّر ابن عطية الدفق بالدفع فقال: الدفقُ دفعُ الماء بعضه ببعض، يقال: تدفّق الوادي والسيل: إذا جاء يركب بعضُه بعضاً، ويصحُّ أن يكون الماء دافقاً؛ لأن بعضه يدفع بعضاً، فمنه دافق ومنه مدفوق (٤). (١) البحر ٨/ ٤٥٥. (٢) كما في البحر ٤٥٥/٨، وينظر الكتاب ٣٨١/٣. (٣) كما في حاشية الشهاب ٣٤٧/٨. (٤) المحرر الوجيز ٤٦٥/٥ . سُورَةُ الْطَارِقِ ٤٤٨ الآية : ٧ وتعقَبه أبو حيان بأنَّ الدَّفْقَ بمعنى الدفع غيرُ محفوظ في اللغة؛ بل المحفوظُ أنه الصبُّ(١). ونُقِلَ عن الليث أنَّ دَفَقَ بمعنى انْصَبَّ بمرَّةٍ، فـ ((دافق)) بمعنى منصبٍّ، فلا حاجة إلى التأويل. وتعقّب بأنه مِمَّا تفرَّد به الليث كما في ((القاموس))(٢) وغيره. وقيل: ((من ماء)) - مع أنَّ الإنسان لا يُخْلَقُ إلَّا من ماءين: ماءِ الرجل وماءِ المرأة، ولذا كان خَلْقُ عيسى عليه السلام خارقاً للعادة - لأنَّ المراد به الممتزجُ من الماءين في الرحم، وبالامتزاج صارا ماءً واحداً. ووَصْفُه بالدفق؛ قيل: باعتبار أحد جزئيه وهو منيُّ الرجل. وقيل: باعتبار كليهما، ومنيُّ المرأة دافقٌ أيضاً إلى الرَّحم. ويشير إلى إرادةِ الممتزج - على ما قيل - قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ السُّلْبِ﴾ أي: من بين أجزاء صُلْبٍ كلِّ رجلٍ، أي: ظهرِهِ ﴿وَالتَّآِ ﴾﴾ أي: ومن بين ترائب كلِّ امرأةٍ، أي: عظام صدرها، جمع تَرِيْبَة. وفسِّرت أيضاً بموضع القلادة من الصدر، وروي عن ابن عباس، وهو لكلِّ امرأةٍ واحدٌ إلا أنه يجمعُ كما في قول امرئ القيس : مُهَفْهَفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفاضَةٍ ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ باعتبارٍ ما حوله على ما في ((البحر))(٣). وجاء في المفرد تَرِيْبٌ كما في قول المثقَّب العبدي: كلَوْنِ العاجِ ليس بذي غُضونٍ (٤) ومن ذهبٍ يَبِيْنُ على تَرِيْبٍ (١) البحر ٨/ ٤٥٥. (٢) مادة (دفق). (٣) ٤٥٣/٨، والبيت في ديوان امرئ القيس ص١٥. المهفهفة: الحسَنَة الخَلْق، ولا تكون مهفهفةً حتى تكون مع حُسْن خَلْقِها ضامرة الخاصرة. والمفاضة: المسترخية البطن. والسجنجل: المرآة، وقيل: الفضة. شرح المعلقات للنحاس ٢٣/١. (٤) المفضليات ص٢٨٩، وتهذيب اللغة ٢٧٥/١٤، ومنتهى الطلب من أشعار العرب ١٦/٤، والبحر ٤٥٣/٨، وجاء في المصادر عدا البحر: يلوح، بدل: يبين. الآية : ٧ ٤٤٩ سُوَّةُ الْطَارِقِ وحملُ الآية على ما ذكر مرويٌّ عن سفيان وقتادةَ، إلا أنهما قالا: أي: يخرج من بين صُلْبِ الرجل وترائبِ المرأة. وظاهرُه كالآية أنَّ أحد الطرفين للبينية الصُّلبُ، والآخَر الترائبُ، وهو غيرُ ما قلناه، وعليه قيل: هو كقولك: يخرج من بين زيد وعمرو خيرٌ كثيرٌ، على معنى أنهما سببان فيه. وقيل: إنَّ ذلك باعتبارِ أنَّ الرجل والمرأة يصيران كالشيء الواحد، فكأنَّ الصلب والترائب لشخصٍ واحدٍ، فلا تَغْفَلْ. ثم إنَّ ما تقدَّم مبنيٌّ إما على أنَّ الترائب مخصوصةٌ بالمرأة كما هو ظاهرُ كلام غيرٍ واحدٍ، وإما على حَمْلِ تعريفها على العهد. وقال الحسن - وروي عن قتادة أيضاً -: إنَّ المعنى: يخرج من بين صلب كلِّ واحدٍ من الرجل والمرأة، وترائبٍ كلِّ منهما. ولم يفسِّر الترائب؛ فقيل: عظام الصدر. وقيل: ما بين الثديين. وقيل: ما بين المنكبين والصدر. وقيل: التراقي. وقيل: أربع أضلاعٍ من يَمْنةِ الصدر، وأربعٌ من يَسْرَتِهِ. وعن ابن جبير: الأضلاع التي هي أسفلُ الصَّلب. وحَكَى مكِّي عن ابن عباس(١) أنها أطرافُ المرء: رجلاه ويداه وعيناه. والأشهر أنها عظامُ الصدر وموضعُ القِلَادةِ منه. وطَعَنَ في ذلك - على ما قال الإمام(٢) - بعضُ الملاحدة خَذَلهم الله تعالى بأنَّ المنيَّ إنما يتولَّد من فضلة الهضم الرابع(٣)، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كلِّ عضوٍ طبيعةً وخاصِّيةً مستعدًّا(٤) لأنْ يتولَّدَ منه مثلُ تلك الأعضاء، وإن كان (١) كما في البحر ٤٥٥/٨، وأخرجه الطبري ٢٩٥/٢٤. (٢) في تفسيره ١٣٠/٣١-١٣١. (٣) إشارة إلى ما كان سائداً أن الغذاء ينهضم أولاً في الفم بالمضغ، وثانياً في المعدة بطبخها له بالحرارة الطبيعية الموقدة في مطبخها، ثم تجذب صفوته بعروق متصلة بها إلى الكبد فتهضمه هضماً ثالثاً، ثم إلى الأعضاء جميعها فينهضم فيها هضماً رابعاً بعده لتنمية الأعضاء وبقائها، وما زاد على ذلك ينفصل عن جميع الأعضاء إلى مقر المني بعد أن أَوْدَع فيه خلَاق القُوى القُدَر ما يستعد به للتوليد والتخلّق. ينظر حاشية الشهاب ٣٤٧/٨. (٤) العبارة في تفسير الرازي: فيأخذ من كلِّ عضو طبيعته وخاصيته فيصير مستعدًّا، وهي أنسب بالسياق. سُوَرَّةُ الْطَارِق ٤٥٠ الآية : ٧ المراد أنَّ معظم أجزاء المنيِّ تتولَّد في ذينك الموضعين فهو ضعيفٌ؛ لأنَّ معظمه إنما يتولَّد في الدماغ، ألا ترى أنه في صورته يشبه الدماغ، والمكثِرُ منه يَظْهَرُ الضعفُ أوَّلاً في دماغه وعينيه، وإن كان المراد أنَّ مستقره هناك فهو ضعيفٌ أيضاً؛ لأنَّ مستقرَّه عروقٌ يلتفُّ بعضُها بالبعض عند البيضتين وتسمَّى أوعيةَ المنيِّ، وإن كان المراد أنَّ مخرجه هناك فهو أيضاً كذلك؛ لأنَّ الحسَّ يدلُّ على خلافه. وأجاب رحمه الله تعالى بأنه لا شكَّ أنَّ أعظم الأعضاء معونةً في توليد المنيِّ الدماغُ، وخليفتُهُ النخاع (١) في الصلب، وشُعَبٌ نازلةٌ إلى مقدَّم البدن وهي التريبة، فلذا خُصَّا بالذكر، على أنَّ كلامهم في أمر المنيّ وتولَّدِهِ محضُ الوهم والظنِّ الضعيفِ، وكلامُ الله تعالى المجيد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو المقبول والمعوَّلُ علیه. اهـ. وفي ((الكشف)): أقول: النخاع بين الصُّلب والترائب، ولا يحتاج إلى تخصيص التريبة بالنساء، فقد يمنع الشُّعَبُ النازلة، على أنَّ تلك الشُّعَبَ إن كانت فهي أعصابٌ(٢) لا ذاتُ تجاويفَ. والوجه والله تعالى أعلمُ أنَّ النخاع والقُوى الدماغيةَ والقلبيةَ والكبديةَ كلها تتعاون في إبراز ذلك الفضل على ما هو عليه قابلاً لأنْ يصيرَ مبدأ الشخص على ما بيِّن في موضعه، وقولُه سبحانه: (مِنُ بَيْنِ القُّلْبِ وَالتَّيِ) عبارةٌ مختصرةٌ جامعةٌ لتأثير الأعضاء الثلاثة، فالترائب يشملُ القلبَ والكبد، وشمولُها للقلب أظهرُ، والصُّلبُ النخاعُ، ويتوسَّطُه الدماغ، ولعله لا يحتاج إلى التنبيه على مكان الكبد لظهور ذلك؛ لأنه دمٌ نضيجٌ، وإنما احتيج إلى ما خَفِيَ وهو أمرُ الدماغ والقلب(٣) في تكوُّن ذلك الماء، فنبّه على مكانهما. وقيل: ابتداءُ الخروج منه كما أنَّ انتهاءه بالإحلیل. انتهى. (١) أي: قائم مقامه في كل ما يكون، قال الشهاب في الحاشية ٣٤٧/٨: والنخاع مثلث النون: خيطً أبيضُ في جوف عظم الرقبة ممتدٌّ إلى الصلب، ويتشعب منه شعب كثيرة إلى الأضلاع وينزل إلى الترائب. (٢) في هامش الأصل و(م): فيه أنه لا يضر كونها أعصاباً كما لا يخفى. اهـ منه. (٣) كذا في الأصل و(م)، وفي حاشية الشهاب ٣٤٨/٨: الدماغ والصلب. الآية : ٧ ٤٥١ ـرَةُ الطَّارِقِ وقيل: لو جُعِلَ ما بين الصُّلْبِ والترائب كنايةً عن البدن كلِّه لم يَبْعُدْ، وكان تخصيصُهما بالذكر لِما أنهما كالوعاء للقلب الذي هو المضغةُ العظمى فيه، وأمرٌ هذه الكناية على ما حَكَى مِّي عن ابن عباس في الترائب أظهرُ. وزعم بعضُهم جواز كون ((الصلب والترائب)» للرجل، أي: يخرج من بين صلبٍ كلِّ رجلٍ وترائبه، فالمراد بالماء الدافق: ماءُ الرجل فقط، وجَعَلَ الكلام إمَّا على التغليب أو على أنه لا ماءَ للمرأة أصلاً فضلاً عن الماء الدافق كما قيل به. ولا يخفى ما فيه، والقولُ بأنَّ المرأة لا ماء لها تكذِّبُه الشريعة وغيرُها. وقرأ ابن أبي عبلة وابن مقسم: ((يُخْرَجُ)) مبنيًّا للمفعول، وهما وأهلُ مكة وعيسى: ((الصُّلُب)) بضم الصاد واللام، واليمانيُّ بفتحهما(١)، وروي على اللغتين قولُ العجَّاج: ريَّا العظام فخمةُ المخدَّم في صَلَبٍ مثلِ العنان المؤدَمِ(٢) وفيه لغةٌ رابعةٌ وهي صالب، كما في قول العباس: تُنْقَلُ من صالبٍ إلى رَحِم (٣) وهي قليلة الاستعمال. واستشهد بعض الأجلَّة بقوله تعالى: (خُلِقَ مِن ◌َّلَوِ دَافِقٍ) على أن الإنسان هو الهيكل المخصوصُ كما ذهب إليه جمهورُ المتكلِّمين النافين للنفس الناطقة (١) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص١٧١، والمحرر الوجيز ٤٦٥/٥، والكشاف ٢٤١/٤، والبحر ٤٥٥/٨ . (٢) ديوان العجاج ص٢٨١، والثاني في الكشاف ٢٤١/٤، والبحر ٨/ ٤٥٥. ورواية الديوان: فَعْمة المخدَّم، قال شارح الديوان الفَعْم: الممتلئ، والمخدَّم: موضع الخِدام، وهو الخلخال. وقال السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق ص ١٢٣ : ريًّا: ليست بمهزولةٍ تَبِينُ عظامها، وصلبها مثل العنان نعمةً واستواء. والعنان المؤدم: الذي لم تُقْشَر أَدَمتُه، فهو ألين له. وقوله: في صَلَبٍ، أي: مع صلب. وقال الزمخشري في الأساس (عنن): امرأة معنَّنة، أي: مَجْدولةٌ جَدْلَ العنان. (٣) وعجزه: إذا مَضَى عالَمٌ بدا طَبَقُ، وسلف ص٤٠٨ من هذا الجزء. سُودَةُ الْطَارِق ٤٥٢ الآية : ٨ الإنسانية المجرّدة التي ليست داخلَ البدن ولا خارجَه، وقال: إنه شاهدٌ قويٌّ على ذلك، وتأويلُه بأنه على حذف المضاف - أي: خُلق بدن الإنسان - لا يُسمعُ ما لم يقم برهانٌ على امتناع ظاهره. انتهى، وأنت تعلم أن القائلين بالنفس الناطقة المجرّدة قد أقاموا فيما عندهم براهينَ على إثباتها، نعم إنَّ فيها أبحاثاً للنافين، وتحقيق ذلك بما لا مزيد عليه في كتاب ((الروح)) للعلامة ابن القيم عليه الرحمة (١). ﴿إِنَّهُ عَلَى رَحْيِهِ لَقَاِرٌ ﴾﴾ الضميرُ الأول للخالق تعالى شأنُه، وكما فخِّم أولاً خُلِقَ) إذ لا يُذهب إلى خالقٍ سواه عز بترك الفاعل في قوله تعالى: (ِمَّ خُلِقَ (® وجل، فخِّم بالإضمار ثانياً، والضمير الثاني للإنسان، أي: إنَّ ذلك الذي خلقه ابتداءً مما ذكر على إعادته بعد موته لبيِّنُ القدرة، وهذا كما في قوله: لئن كان يُهْدَي بَرْدُ أنيابها العُلَى لِإِفْقَرَ منِّي إِنَّني لفقيرُ(٢) فإنه أراد: لَبِيِّن الفقر، وإلّا لم يصحَّ إيراده في مقابلةِ: لأفقر منِّي، والتأكيدُ البالغ لفظاً لِما قام عليه البرهان الواضح معنًى، ولذا فسِّر ((قادر)) هنا بـ: بَيِّن القدرة كما في ((الكشاف))، واعتَبَر فيه أيضاً الاختصاص فقال: أي: على إعادته خصوصاً(٣). وكأنَّ ذلك لأنَّ الغرض المسوقَ له الكلامُ ذلك، فكأنَّ ما سواه مطَرَحٌ بالنسبة إليه، وحينئذٍ يراد ما ذكر جعل الجارّ من صلة ((القادر)) أو مدلولاً على موصوله به، على المذهبين، وفَصْلُ الجملة عمَّا سبق لكونه جوابَ الاستفهام دونها . وقال مجاهد وعكرمة: الضمير الثاني للماء، أي: إنه تعالى على ردِّ الماء في الإحليل أو في الصُّلْب لقادرٌ. وليس بشيء. ومثلُه كونُ المعنى على تقدير كونه (١) ينظر المسألة الخامسة من كتاب الروح ص ٤٩ وما بعدها. (٢) البيت لقيس بن الملوح كما في ديوانه ص ١٤٠، والأغاني ٢/ ٤٧، وورد أيضاً في ديوان ابن الدمينة ص ٤٩، ونسب لمزاحم بن أبي الأزهر كما في الأغاني ١٠٤/١٩، وهو في ديوان المعاني ٢٠٦/١، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٣٠٥/٣، والتذكرة السعدية ص٣٠٢ غير منسوب. قال المرزوقي: قوله: أنيابها العلى، يراد به: الشريفة العالية الشأن، ويجوز أن يراد بالعُلى العالي من الأسنان لأنها موضع القُبَل، ويعني بيرد الأسنان عذوبة الرضاب عند المذاق. اهـ. (٣) الكشاف ٤/ ٢٤١. الآية : ٩ ٤٥٣ سُورَةُ الطَارِقِ للإنسان: إنه عز وجل على ردِّه من الكبر إلى الشباب لقادر، كما روي عن الضحاك، وما ذكرناه أولاً مرويٌّ عن ابن عباس. ﴾ أي: يُتَعرَّفُ ويُتَصَفَّحُ ما أُسِرَّ في القلوب من العقائد ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآِرُ والنيات وغيرها، وما أُخفي من الأعمال، ويميَّز بين ما طاب منها وما خَبُثَ. وأصل الابتلاء: الاختبار، وإطلاقه على ما ذكر إطلاقٌ على اللازم. وحَمْلُ السرائر على العموم هو الظاهر، وأخرج ابن المنذر عن عطاء ويحيى بن أبي كثير أنها الصومُ والصلاةُ والغُسْلُ من الجنابة(١). وأخرج البيهقي في ((الشعب)) عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَله: ((ضمَّنَ الله تعالى خَلْقَه أربعاً: الصلاةَ والزكاةَ وصومَ رمضان والغُسْلَ من الجنابة، وهنَّ السرائر التي قال الله تعالى: (يَوْمَ ثَ السَّيُ)(٢). وفي ((البحر))(٣) ضم التوحيد إليها. ولعل المراد بيانُ عظيمها على سبيل المبالغة لا حقيقةُ الحصر. وسَمِعَ الحسن مَن ينشد قولَ الأحوص: سريرةُ ودٌّ يوم تُبْلَى السرائرُ سيَبْقَى لها في مضمَرِ القلب والحشا فقال: ما أَغْفَلَه عمَّا في ((السماء والطارق))(٤). وكأنه حمل البقاء فيه على عدم التعرُّف أصلاً، فليفهم. و(يوم)) عند جمع من الحذَّاق ظرفٌ لمحذوفٍ يدلُّ عليه ((رَجْعِه)) أي: يَرْجِعُه يوم .. إلخ، وقال الزمخشريُّ وجماعةٌ: ظرفٌ لـ ((رَجْعِه))(٥). واعتُرِضَ بأنَّ فيه فصلاً بين المصدر ومعموله بأجنبيٍّ. وأُجيب تارةً بأنه جائزٌ لتوسُّعهم في الظروف، وأخرى بأنَّ الفاصل هنا غيرُ أجنبيٍّ؛ لأنه إما تفسيرٌ أو عاملٌ، على المذهبين. وقال عصام الدِّين: إنَّ الفصل بهذا الأجنبيِّ كَلَا فَضْلٍ؛ لأنَّ المعمول في نية التقديم عليه، وإنما أُخِّر لرعاية الفاصلة. وفيه ما لا يخفى. (١) الدر المنثور ٣٣٦/٦. (٢) شعب الإيمان (٢٧٥١)، وأخرجه أيضاً الواحدي في الوسيط ٤٦٦/٤. (٣) ٤٥٦/٨. (٤) الكشاف ٢٤١/٤، والبحر ٢٥٦/٨، والبيت في ديوان الأحوص ص٨٤، والخزانة ١٨/٢. (٥) الكشاف ٢٤١/٢. سُورَةُ الطَارِقِ ٤٥٤ الآية : ١٠ - ١١ وقيل: ظرفٌ لـ ((ناصر)) بعدُ. وتعقّبه أبو حيان بأنه فاسدٌ؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، وكذلك ((ما)) النافية على المشهور المنصور(١). وقيل: معمول لا ذكُرْ محذوفاً. وهو كما ترى، ويتعيَّن هو أو ما قبله على رأي مجاهد وعكرمةَ ورأي الضحاك السابقين آنفاً . وجوَّز الطبرسيُّ تعلُّقه بـ ((قادر))(٢)، ولم يعلِّقه جمهور المُعْرِبين به لأنه يوهمُ اختصاصَ قدرته عز وجل بيومٍ دون يومٍ كما قال غيرُ واحدٍ. وقال ابن عطية: فرُّوا من أن يكون العامل ((لقادر)) للزوم تخصيص القدرة في ذلك اليوم وحده، وإذا تؤمِّل المعنى وما يقتضيه فصيحُ كلام العرب، جاز أن يكون العاملَ، وذلك أنه تعالى قال: (عَ رَجْيِهِ، لَقَائٌِّ) على الإطلاق أولاً وآخِراً وفي كلِّ وقتٍ، ثم ذكر سبحانه من الأوقات الوقتَ الأعظم على الكفار؛ لأنه وقتُ الجزاء والوصولِ إلى العذاب، ليجتمع الناس على حذره والخوف منه(٣). انتهى، وهو على ما فيه لا يدفعُ الإيهام. ﴿فَاَ لَهُ﴾ أي: الإنسان ﴿مِن قُوَّةِ﴾ في نفسِه يمتنعُ بها ﴿وَلَا نَاصِرٍ ﴾﴾ ينتصر به. ﴿وَمِّ﴾ وهي المُظِلَّة في قول الجمهور ﴿ذَاتِ الرَّجْ ﴾﴾ أي: المطر في قولهم أيضاً، كما في قول الخنساء: يومَ الوداع ترى دموعاً جاريةٌ كالرَّجْع في المُدْجِئَةِ الساريةُ(٤) وأصلُه مصدر رَجَع المتعدِّي، واللازم أيضاً في قول، ومصدرُه الخاصُّ به الرجوع، سمَّوا به المطر كما سمّوه بالأَوْبِ مَصدر آبَ، ومنه قولُه: (١) البحر ٨/ ٤٥٥. (٢) مجمع البيان ٩٩/٣٠. (٣) المحرر الوجيز ٤٦٦/٥ . (٤) ديوان الخنساء ص١٤٧، وعجزه في الكشاف ٢٤٢/٤. وصدره في الديوان: عطَّافُه أبيض ذو رونق. والمدجنة: سحابة لها ظلام؛ لكثافتها وقُرْبها من الأرض، يقال: هذا يوم دَجْنٍ، أي: يوم إلباس غيم، والدُّجُنَّة: الظلمة. والسارية: التي تسري ليلاً. ينظر شرح الحماسة المرزوقي ٣٤٢/١. الآية : ١٢ ٤٥٥ سُورَةُ الْطَارِق ربَّاءُ شماءَ لا يأوي لقُلَّتها إِلَّا السحابُ وإِلَّ الأَوْبُ والسَّبَلُ(١) أو المراد به فيه النَّحْلُ(٢). لأنَّ الله تعالى يَرْجِعُهُ(٣) حيناً فحيناً. وقال الحسن: لأنه يرجع بالرزق كلَّ عام. أو أرادوا بذلك التفاؤل ليرجع، أو لأنَّ السحاب يحمله من بحار الأرض ثم يَرْجِعه إلى الأرض، وبَنَّى هذا غيرُ واحدٍ على الزَّعْمِ(٤)، وفيه بحثٌ. وعن ابن عباس ومجاهدٍ تفسيرُ ((السماء)» بالسحاب و((الرَّجْع)) بالمطر. وقال ابن زيد: ((السماء)) هي المعروفة، و((الرَّجْع)) رجوعُ الشمس والقمر والكواكب من حالٍ إلى حالٍ، ومن منزلة إلى منزلةٍ فيها. وقيل: رجوعُها نفسُها(٥)؛ فإنها ترجع في كلِّ دورةٍ إلى الموضع الذي تتحرَّك منه. وهذا مبنيٌّ على أنَّ السماء والفلكَ واحدٌ، فهي تتحرَّكُ ويصير أَوْجُهَا حضيضاً وحضيضُها أَوْجاً. وقد سمعتَ فيما تقدَّم أنَّ ظاهر كلام السلف أنَّ السماء غيرُ الفلك، وأنها لا تدورُ ولا تتحرَّك، والذي ذُكر رأيُ الفلاسفة ومَن تابعهم. وقيل: ((الرَّجع)) الملائكة عليهم السلام سُمُّوا بذلك لرجوعهم بأعمال العباد. » هو ما تتصدَّع عنه الأرض من النبات، وأصله الشقُّ، ﴿وَلْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١) الكشاف ٢٤١/٤، والبيت للمتنخل الهذلي من قصيدة في رثاء ابنه، وهو في ديوان الهذليين ٣٧/٢. قوله: ربَّاء، هو صيغة مبالغة من ربأت الجبل: إذا صعدته، فيكون ربَّاء شمَّاءَ كقولهم: طلَّاعُ أَنْجُدٍ، وهو مضاف إلى شماء، والمعنى: ربَّاءُ هضبةٍ شمَّاءَ. وقوله: لا يدنو لقُلَّتها، أي: لرأسها، أي: لا يعلو هذه الهضبة من طولها إلا السحاب. والسَّبَل: المطر النازل. ينظر الخزانة ٣/٥-٦. (٢) قوله: أو المراد به فيه النحل، الضمير في ((به)) عائد على الأوب، والضمير في ((فيه)) عائد على البيت، والمعنى: أو المراد بالأوب في البيت النحل. (٣) قوله: لأن الله تعالى يرجعه، متعلق بقوله: سمَّوا به المطر، أي: سموا المطر بالرجع لأن الله يرجعه ... إلخ. (٤) يشير إلى قول الزمخشري في الكشاف ٢٤٢/٤، وأبي السعود في تفسيره ١٤٢/٩: وذلك أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ... إلخ. (٥) أي: السماء، كما في تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٤٨/٨. سُورَةُ الطَارِقِ ٤٥٦ الآية : ١٣ - ١٤ سُمِّي به النبات مجازاً، أو هو مصدرٌ من المبنيِّ للمفعول، فالمراد تشقُّقها بالنبات، ورُوي ذلك عن عطية وابن زيد. وقيل: تشقُّقُها بالعيون. وتُعقّب بأنَّ وصفَ السماء والأرض عند الإقسام بهما على حقِّية القرآن الناطق بالبعث بما ذكر من الوصفين للإيماء إلى أنَّهما في أنفسهما من شواهده، وهو السُّ في التعبير عن المطر بالرجْع، وذلك في تشقُّق الأرض بالنبات المحاكي للنشور حسبما ذُكر في مواضع من التنزيل، لا في تشقُّقها بالعيون. ويُعلم منه ما في تفسير الرجع بغير المطر، وكذا ما في قول مجاهد: الصدعُ: ما في الأرض من شقاقٍ وأوديةٍ وخنادقَ وتشقُّقٍ بحرثٍ وغيره. وما رُوي عنه أيضاً: الصدعُ: الطرقُ تَصدَعها المُشاةُ. وقيل: ذاتٍ الأموات؛ لانصداعها عنهم للنشور. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن الذي من جملته هذه الآياتُ الناطقة بمبدأ حال الإنسان ومعاده، وهو أولى من جَعْل الضمير راجعاً لِما تقدَّم، أي: ما أخبرتُكم به من قدرتي على إحيائكم. لأنَّ القرآن يتناول ذلك تناؤُلاً أوليًّا، وقولُه تعالى: ﴿لَقَوْلٌ فَضْلٌ (®﴾ أنسبُ به، والمراد: لقولٌ فاصلٌ بين الحقِّ والباطل قد بلغ الغايةَ في ذلك حتى كأنه نفسُ الفصل. وقيل: مقابلةُ الفصل بالهزل بعدُ يستدعي أن يفسّر بالقطع، أي: قولٌ مقطوعٌ به. والأول أحسن. ﴿وَمَا هُوَ بَِزَّلِ ﴾﴾ أي: ليس في شيء منه شائبةُ هزلٍ، بل كلُّه جدٌّ محضٍّ، فمِن حقِّه أن يهتدي به الغواةُ وتخضع له رقابُ العُناة، وفي حديثٍ أخرجه الترمذيُّ والدارميُّ وابن الأنباري عن الحارث الأعور عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: سمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((إنها ستكون فتنةٌ)) قلت: فما المخرجُ منها يا رسول الله؟ قال: ((كتابُ الله، فيه نبأُ مَن قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحُكمُ ما بينكم، هو الفصلُ ليس بالهزل، مَن تركه مِن جَبَّارٍ قَصَمه الله، ومَن ابتغى الهُدَى في غيره أضلَّه الله، وهو حبلُ الله المتين، وهو الذكرُ الحكيم، وهو الصراط الآية : ١٥ - ١٧ ٤٥٧ سُورَةُ الْطَارِقِ المستقيم، هو الذي لا تَزيغ فيه الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلَق عن الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجنُّ لَمَّا سمعَتْه عن أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُوَنَا عَبً ﴿﴿ يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١-٢] من قال به صدق، ومَن حكم به عَدَل، ومَن عمل به أُجِر، ومَن هَدَى به هَدَى إلى صراط مستقيم))(١). وفي هذا من الردِّ على الذين نبذوه وراءَ ظهورهم ما فيه. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: كفارُ مكة ﴿يَكِيدُونَ﴾ يعملون المكايد في إيطال أمره وإطفاء نوره، أو في إبطال أمر الله تعالى وإطفاء نور الحقِّ. والأول أتُّ انتظاماً، وهذا - قيل - أملأُ فائدةٌ . أي: عظيماً حسبما تفي به قدرتُهم. والجملةُ تحتمل أن تكون ١٥ ﴿كيدا استئنافاً بيانيًّا، كأنه قيل: إذا كان حال القرآن ما ذُكر فما حالُ هؤلاء الذين يقولون فيه ما يقولون؟ فقيل: إنهم یکیدون كيداً. ﴿وَأَكِدُ كَيْدًا (٣)﴾ أي: أقابلهم بكيدٍ متينٍ لا يمكن ردُّه حيث أستَدرِجُهم من حيث لا يعلمون. أو: أقابلهم بكيدي في إعلاء أمره وإكثار نوره من حيث لا يحتسبون. والفصل لهذا، وقيل: لئلا يُتوَّهَمَ عطفُها على جواب القسم مع أنها غيرُ مقسَمٍ عليها . ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ﴾ فلا تشتَغِل بالانتقام منهم ولا تَدعُ عليهم بالهلاك، أو تأنَّ وانتظرِ الانتقامَ منهم ولا تستعجل، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنَّ الإخبارَ بتَوَلِّيه تعالى لكَيدهم بالذات، وعدم إهمالهم، مما يُوجِبُ إمهالهم وتَرْكَ التصدِّي لمكايدتهم قَطْعاً، وَوَضْعُ الظاهر موضِعَ الضميرِ لِذَمِّهم بأبي الخبائث وأمها. وقيل: للإشعار بعِلَّة ما تضمَّنه الكلامُ من الوعيد. (١) سنن الترمذي (٢٩٠٦)، وسنن الدارمي ٢/ ٧١٠. وعزاه لابن الأنباري وغيره السيوطيُّ في الدر ٣٣٧/٦. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال. اهـ. سُورَةُ الْقَطَارِقِ ٤٥٨ الآية : ١٧ وقوله تعالى: ﴿أَمِهِلَهُمْ﴾ بدلٌ من ((مَهِّل)) على ما صَرَّح به في ((الإرشاد))(١). وقوله سبحانه: ﴿رُوًَّا ﴾﴾ إما مصدرٌ مؤكّدٌ لمعنى العامل، أو نعتٌ لمصدره المحذوف، أي: أمهلهم إمهالاً رويداً، أي: قريباً كما أخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس(٢). أو قليلاً كما روي عن قتادة. وأخرج ابن المنذر عن السدي أنه قال: أي: أمهلهم حتى آمرَ بالقتال(٣). ولعلَّهُ المراد بالإمهال القريب أو القليل. واختار بعضُهم أن يكونَ المرادُ: إلى يوم القيامة؛ لأنَّ ما وقع بعد الأمر بالقتال - کالذي وقع يومَ بدرٍ وفي سائر الغزوات - لم يَعُمَّ الكلَّ، وما يكونُ يومَ القيامة يَعُمُّهم، والتقريبُ باعتبار أنَّ كلَّ آتٍ قريب، وعلى هذا النحو التقليل، على أنَّ مَنْ مات فقد قامتْ قيامتُهُ. والظاهر ما قال السُّدِّيُّ، وقد عَرَاهم بعد الأمر بالقتال ما عَرَاهم، وعدمُ العموم الحقيقيّ لا يضرُّ. وهو في الأصل على ما قال أبو عبيدة تصغيرُ ((رُوْد)) بالضَّمِّ، وأنشد: كأنها ثَمِلٌ يمشي على رُوْدِ(٤) أي: على مهلٍ. وقال أبو حيان وجماعةٌ: تصغير إرواد مصدر أَرْوَدَ يُرْوِدُ بالترخيم(٥). وهو تصغيرُ تحقیرٍ وتقليلٍ. (١) إرشاد العقل السليم ٩/ ١٤٢. (٢) تفسير الطبري ٣٠٧/٢٤، والدر المنثور ٣٣٧/٦. (٣) الدر المنثور ٣٣٧/٦. (٤) عجز بيت للجَموح الظفري، وصدره: تكاد لا تثلم البطحاء وطأتها، وهو في الصحاح (رود)، واللسان (رود)، وذكره ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص٢٢٣ برواية: كأنها مثل مَن يمشي على رُود (٥) البحر المحيط ٤٥٣/٨، وتصحف ((أرود)) في (م) إلى: رواد. الآية : ١٧ ٤٥٩ سُوَّةُ الْطَارِقِ وله في الاستعمال وجهان آخران: كونه اسم فعل نحو: رويداً زيداً (١)، أي: أمهله، وكونه حالاً نحو: سار القومُ رويداً، أي: متمهِّلين غير مستعجلين. ولم يذكرْ أحدٌ احتمالَ کونه اسمَ فعلٍ هنا، وصرح ابن الشیخ بعدم جریانه، وعلَّل ذلك بأنَّ الأوامرَ كلَّها بمعنى، فكأنه قيل: أَمهلِ الكافرين أمهلهم أمهلهم، وفائدةُ التأكيد تحصلُ بالثاني، فيلغو الثالث. وفي التعليل نظرٌ، فقد يُسلكُ في التأكيد بألفاظ متَّحدةٍ لفظاً ومعنّى نحوُ ذلك، ففي الحديث: ((أيما امرأةٍ أنكحت نفسها بدون وليٍّ، فنكاحها باطلٌ باطلٌ باطلٌ))(٢) ولا فرقَ بين الجمل والمفردات، نعم هو خلافُ الظاهر جدًّا. وجوَّزَ رحمه الله كونه حالاً، أي: أمهلهم غيرَ مستعجلٍ، والظاهرُ أنه حالٌ مؤكِّدٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] فلا تغفل، وهو أيضاً بعيدٌ. وظاهر كلام أبي حيان وغيره أنَّ الأمرَ الثاني توكيدٌ للأول، قالوا: والمخالفة بين اللفظين في البنية لزيادة تسكينه وَله وتصبيره عليه الصلاة والسلام(٣)، وإنما دلَّت على (٤) الزيادة من حيث الإشعارُ بالتغاير، كأنَّ كلَّا كلامٌ مستقلٌّ بالأمر بالتأني، فهو أَوكدُ من مجرد التكرار. وقرأ ابن عباس: (مَهِّلْهُمْ)) بفتح الميم وشَدِّ الهاء(٥) موافقةً للفظ الأمر الأول. (١) في (م): زید. (٢) أخرجه أحمد (٢٤٢٠٥) والترمذي (١١٠٢) - وحسّنه ـ من حديث عائشة (٣) ينظر البحر ٤٥٦/٨، والكشاف ٢٤٢/٤، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٤٨/٨. (٤) قوله: على، ساقط من (م). (٥) البحر المحيط ٤٥٦/٨. سُوَّةُ الأَعَلى جل وعلا وتُسمَّى سورةَ ((سبّح))، والجمهور على أنها مكيةٌ، وحكى ابن الفرس عن بعضهم أنها مدنيةٌ، لِذِكْر صلاة العيد وزكاة الفطر فيها. ورَدَّهُ الجلالُ السيوطيُّ (١) بما أخرج البخاريُّ وابن سعد وابن أبي شيبة (٢) عن البراء بن عازب قال: أول مَنْ . قَدِمَ علينا من أصحاب النبيِّ وَّ مصعب بن عمير وابن أمِّ مكتوم، فجعلا يُقرئانا القرآن، ثم جاء عمارٌ وبلالٌ وسعدٌ، ثم جاء عمر بن الخطاب ◌َُّه في عشرينَ، ثم جاء النبيُّ وَّرِ، فما رأيتُ أهلَ المدينة فرحوا بشيءٍ فَرَحَهم به عليه الصلاة والسلام، حتى رأيتُ الولائدَ والصبيانَ يقولون: هذا رسولُ اللهِوَ ﴿ قد جاء، فما جاء عليه الصلاة والسلام حتى قرأتُ ﴿سَيِّعٍ اسْمَ رَيَّكَ الْأَعْلَى﴾ في سُوَرٍ مثلها. ثم إنَّ ذِكْرَ صلاة العيد وزكاة الفطر فيها غيرُ مُسَلَّم، ولو سُلِّمَ فلا دلالة فيه على ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيلُهُ. وهي تِسْعَ عشرةَ آيَةً بلا خلاف، وَوَجْهُ مناسبتها لما قَبلها أنه ذُكِرَ في سورة الطارق خَلْقُ الإنسان، وأُشير إلى خلق النبات بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّذْعِ ﴾﴾ وذُكرا هاهنا في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى ﴾﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِىّ أَخْرَجَ المَرْعَى ﴾ فَجَعَلَمُ ◌ُتَ أَحْوَى ﴾﴾ وقصةُ النبات هنا أوضحُ وأبسطُ، كما أنَّ قصةَ خَلْقِ الإنسان هناك كذلك، نعم إنَّ ما في هذه السورة أعمُّ من جهة شموله للإنسان وسائر المخلوقات. (١) في الإتقان ١/ ٤٠. (٢) صحيح البخاري (٣٩٢٤) و(٤٩٤١) و(٤٩٩٥)، وطبقات ابن سعد ٢٣٤/١. وهو عند أحمد (١٨٥١٢) وعزاه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر المنثور ٣٣٧/٦.