النص المفهرس
صفحات 421-440
الآية : ٣ ٤٢١ سُورَةُ الُهُ وقيل: الليالي والأيام وبنو آدم؛ فعن الحسن: ما من يومٍ إلا ينادي: إنِّي يومٌ جديدٌ، وإنِّي على ما يُعْمَلُ فيَّ شهيدٌ، فاغتنمني فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة . وقيل: أمَّ النبيِّ وَّر وسائر الأمم. وجوِّز أن يراد بهما المقرَّبون والعلِّيون؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَبُ تَرْقُومٌ اْقُرَُّونَ﴾ [المطففين: ٢٠-٢١]. يَشْهَدُهُ ٢٠ وأن يراد بالشاهد الطفل الذي قال: ((يا أماه اصبري فإنك على الحقِّ)) كما سيجيء إن شاء الله تعالى، والمشهودُ له أمه والمؤمنون؛ لأنه إذا كانت أمُّه على الحق فسائر المؤمنين كذلك. وقيل وقيل، وجميعُ الأقوال في ذلك على ما وقفتُ عليه نحوٌ من ثلاثين قولاً، والوصفُ على بعضها من الشهادة بمعنى الحضور ضدّ المغيب، وعلى بعضها الآخر من الشهادة على الخصم أوْ له، وشهادةُ الجوارح بأنْ يُنْطِقها الله تعالى الذي أنطق كلَّ شيءٍ، وكذا الحجرُ الأسود، ولا بُعْدَ في حضوره يوم القيامة للشهادة للحجيج. وأما شهادةُ اليوم فيمكن أن تكون بعد ظهوره في صورةٍ، كظهور القرآن على صورة الرجل الشاحب إذ يتلقَّى صاحبه عند قيامه من قبره(١)، وظهورٍ الموت في صورة كبشٍ يوم القيامة حتى يُذبح بين الجنة والنار(٢)، إلى غير ذلك. وقال الشهاب: الله تعالى قادرٌ على أن يُحْضِرَ اليومَ ليشهد(٣). ولم يبيِّنْ كيفيةً ذلك، فإن كانت كما ذكرنا فذاك، وإن كانت شيئاً آخر بأن يُحضِرَ نفسَ اليوم في ذلك اليوم، فالظاهرُ أنه يلزم أن يكون للزمان زمانٌ، وهو وإنْ جوَّزه مَن جوَّزه من المتكلِّمين لكنْ في الشهادة بلسان القال عليه خفاءٌ، ومثلُها نداءُ اليوم الذي سمعتَه (١) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٦)، وابن ماجه (٣٧٨١)، وسلف ١٠٤/٥ . (٢) أخرجه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩)، وسلف ١٠٤/٥. (٣) حاشية الشهاب ٣٤٢/٨. سُورَةُ الُرُون ٤٢٢ الآية : ٤ آنفاً عن الحسن إن كان بلسان القال أيضاً دون لسان الحال كما هو الأرجحُ عندي. واختار أبو حيان من الأقوال على تقدير أن يراد بالشهادة الشهادةُ بالمعنى الثاني القولَ بأنَّ الشاهد مَن يشهد في ذلك اليوم، أعني اليوم الموعود يوم القيامة، وأنَّ المشهود مَن يُشْهَدُ عليه فيه. وعلى تقديرٍ أنْ يراد بها الشهادةُ بالمعنى الأول القولَ بأنَّ الشاهد الخلائقُ الحاضرون للحساب، وأنَّ المشهود اليوم(١). ولعل تكرير القسم به وإن اختلف العنوان لزيادة تعظيمه، فتأمَّل. وجوابُ القسم قيل: هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُوا﴾ [الآية: ١٠]. وقال المبرِّد: هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَيِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [الآية: ١٢] وصرَّح به ابن جُريج، وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن مسعود ما يدلُّ عليه(٢). ، على حذف اللام وقال غير واحد: هو قوله تعالى: ﴿قُِّلَ أَغْحَبُ آلْأُنْدُودِ منه للطول، والأصل: لقُتِلَ كما في قوله: حلفتُ لها بالله حلفةَ فاجٍ لناموا فما إنْ من حديثٍ ولا صالي(٣) وقيل: على حذف اللام و((قد))، والأصل: لقد قُتِلَ، وهو مبنيٌّ على ما اشتهر من أنَّ الماضي المثبتَ المتصرِّفَ الذي لم يتقدَّم معموله تلزمُه اللام و((قد)»، ولا يجوز الاقتصارُ على أحدهما إلا عند طول الكلام، كما في قوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنَهَا﴾ [الشمس: ٩] بعد قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَشُحَهَا ﴾﴾ إلخ، والبيتٍ المذكور، ولا يجوز تقدير اللام بدون «قد» لأنها لا تدخل على الماضي المجرَّد منها، وتمامُ الكلام في محلِّه كشروح ((التسهيل)) وغيرها. وأيَّاما كان فالجملة خبرية. وقال بعض المحققين: إنَّ الأظهر أنها دعائيةٌ دالةٌ على الجواب، كأنه قيل: أُقسم بهذه الأشياء إنَّ كفار قريش لملعونون أحقّاءُ بأن (١) البحر ٤٤٩/٨ -٤٥٠. (٢) الدر المنثور ٣٣١/٦-٣٣٢، وهو في المستدرك ٥١٩/٢، وذكر ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٩٧٣/٢ هذا القول دون نسبة، ثم تعقبه بقوله: وهذا قبيح لأن الكلام قد طال بينهما . (٣) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٣٢. الآية : ٤ ٤٢٣ سُورَةُ الُون يقال فيهم: قُتلوا، كما هو شأن أصحاب الأخدود؛ لِما أنَّ السورة وردت لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان، وتصبيرهم على أذية الكفرة، وتذكيرهم بما جرى ممن تقدَّمهم من التعذيب لأهل الإيمان وصَبْرِهم على ذلك، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يَلْقَون من قومهم، ويعلموا أنهم مثل أولئك عند الله عز وجل في كونهم ملعونين مطرودين(١). فالقتلُ هنا عبارةٌ عن أشدِّ اللعن والطرد؛ لاستحالة الدعاء منه سبحانه حقيقةً، فأريدَ لازِمُه من السخط والطرد عن رحمته جل وعلا . وقال بعضهم: الأظهر أن يقدَّر: إنهم لمقتولون كما قُتل أصحابُ الأخدود، فيكون وعداً له وَله بقتل الكفرة المتمرِّدين لإعلاء دينه، ويكون معجزةً بقتل رؤوسهم في غزوة بدرٍ. انتهى، وظاهرُه إبقاءُ القتل على حقيقته واعتبارُ الجملة خبریةً، وهو كما ترى. وحكى في ((البحر)) أن الجواب محذوفٌ، وتقديره: لتبعثُنَّ ونحوه(٢)، وليس بشيءٍ كما لا يخفى. والأخدود: الخَدُّ، وهو الشقُّ في الأرض، ونحوُهما بناءً ومعنَى: الخَقُّ والأُخْقُوق، ومنه ما جاء في خبر سراقة حين تبع رسول الله ◌َّ فساخت قوائمه - أي: قوائمُ فرسه - في أخاقيقِ جرذان(٣) . أخرج مسلم والترمذيُّ والنسائيُّ(٤) وغيرُهم من حديث صهيب يرفعه: ((كان (١) صاحب هذا القول هو الزمخشري في الكشاف ٤/ ٢٣٧. (٢) لم نقف عليه في البحر، وهو في النهر الماد من البحر لأبي حيان أيضاً ٤٤٨/٨ (على هامش البحر). (٣) كذا ذكر المصنف، والصواب أنه ورد في قصة الرجل الذي وقصت به دابته وهو محرم، فقال رسول الله آخر: ((اغسلوه وكفنوه ولا تخمروا رأسه ... )) كما ذكر أبو عبيد في غريب الحديث ٩٥/١، والزمخشري في الفائق ٧٤/٤، وصاحب النهاية (خقق)، وابن الجوزي في غريب الحديث ٢٩٢/١، ولفظه عندهم: فوقصت به ناقته في أخاقيق جرذانٍ. وأصله دون هذه العبارة في صحيح مسلم (٩٤) ص ٨٦٥ من حديث ابن عباس ـ (٤) صحيح مسلم (٣٠٠٥)، وسنن الترمذي (٣٣٤٠)، وسنن النسائي الكبرى (١١٥٩٧)، = الآية : ٤ ٤٢٤ سُوَّةُ الْبُرُون ملكٌ من الملوك، وكان لذلك الملك كاهنٌ يكهن له، فقال له ذلك الكاهن: انظروا لي غلاماً فهماً فأعلِّمَه عِلْمي هذا، فإِنِّي أخاف أن أموت فينقطعَ منكم هذا العلمُ ولا يكون فيكم مَن يَعْلَمه. فنظروا له غلاماً على ما وَصَفَ، فأمروه أن يَحْضُرَ ذلك الكاهنَ، وأنْ يَخْتلِفَ إليه، فجعل الغلام يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهبٌ في صومعةٍ، فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلَّما مرَّ به، فلم يَزَلْ به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله تعالى. فجعل الغلام يمكثُ عند الراهب ويُبْطِئُ على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يَحْضُرني. فَأَخبر الغلامُ الراهبَ بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك الكاهن أين كنت؟ فقل: عند أهلي. وإذا قال لك أهلك: أين كنت؟ فأخبرهم أنك كنت عند الكاهن. فبينما الغلام على ذلك إذ مرَّ بجماعةٍ من الناس كثيرةٍ قد حَبَسَتْهم دابةٌ يقال: كانت أسداً. فأخذ الغلام حجراً فقال: اللهمَّ إن كان ما يقول الراهبُ حقًّا فأسألك أن أقتل هذه الدابةَ، وإن كان ما يقوله الكاهن حقًّا فأسألك أن لا أقتلها . ثم رَمَى فقتل الدابةَ، فقال الناس: مَن قتلها؟ فقالوا: الغلام. ففزع الناس وقالوا: قد عَلِم هذا الغلامُ عِلْماً لم يَعْلَمْه أحدٌ! فسمع أعمى فجاءه فقال له: إن أنت رَدَدْتَ بصري فلك كذا وكذا. فقال الغلام: لا أريد منك هذا، ولكن أرأيتَ إن رَجَعَ عليك بصرُك، أتؤمنُ بالذي ردّه عليك؟ قال: نعم. فردّ عليه بصره، فآمن الأعمى. فبلغ الملكَ أمرُهم، فبعث إليهم فأُتي بهم، فقال: لأقتلنَّ كلَّ واحدٍ منكم قِتْلَةً لا أقتلُ بها صاحبَه. فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشارُ على مَفْرِقٍ أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلةٍ أخرى. ثم أمر بالغلام فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه. فانطلقوا به إلى ذلك الجبل فلمَّا انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يُلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتركَّوْنَ، حتى لم يبق منهم إلا الغلامُ. = وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٩٧٥١)، وأحمد (٢٣٩٣١) ونقله المصنف عن الدر المنثور ٣٣٣/٦، وهو موافق للفظ الترمذي وعبد الرزاق. الآية : ٤ ٤٢٥ سُوَرَّةُ الْبُرُون ثم رجع الغلام، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيُلقوه فيه، فانطُلِقَ به إلى البحر ففرَّقَ الله تعالى الذين كانوا معه وأنجاه الله تعالى، فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني حتى تَصْلُبَني وترميني وتقول: بسم الله ربِّ الغلام. فأمر به فصُلب، ثم رماه وقال: بسم الله ربِّ الغلام. فوضع الغلامُ يده على صدغه حين رُمي ثم مات، فقال الناس: لقد عَلِمَ هذا الغلامُ علماً ما عَلِمَه أحدٌ، فإنَّا نؤمنُ بربِّ هذا الغلام. فقيل للملك: أَجَزِعْتَ أنْ خالفَكَ ثلاثةٌ؟ فهذا العالَم كلُّهم قد خالفوك. فخذَّ أخدوداً، ثم أَلْقَى فيها الحطبَ والنار، ثم جمع الناس فقال: مَن رَجَعَ عن دينه تركناه، ومَن لم يَرْجِعْ ألقيناه في هذه النار. فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، فقال: يقول الله تعالى: ﴿قُلَ أَضْطَبُ الْأُنْدُودِ﴾ حتى بلغ ﴿اَلْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وفيه: فأمَّا الغلام فإنه دُفن ثم أُخرج، فيُذكر أنه خرج في زمن عمر بن الخطاب رضيُه(١) وأصبعُه على صدغه كما وضعها حين قُتل. وفي بعض رواياته(٢): فجاءت امرأةٌ بابنٍ لها صغيرٍ، فكأنها تقاعَسَتْ أن تقع في النار، فقال الصبي: يا أُمَّة اصبري فإنك على الحق)). وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن نُجَيٍّ قال: شهدتُ عليًّا كرم الله تعالى وجهه وقد أتاه أسقفُ نجران، فسأله عن أصحاب الأخدود فقصَّ عليه القصة، فقال عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: أنا أعلم بهم منك؛ بُعِثَ نبيٍّ من الحبش إلى قومه - ثم قرأْ رَ ◌ُله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيَّكَ﴾ [غافر: ٧٨] - فدعاهم فتابعه الناس، فقاتلهم فقُتل أصحابُه وأُخِذَ فأُؤْثِقَ، فانفلت فأنس إليه رجال [يقول: اجتمع إليه رجال] فقاتلهم وقتلوا وأخذ فأوثق، فخدَّدوا أخدوداً وجعلوا فيها النيران، وجعلوا يعرضون الناس، فمن تبع النبيَّ رُمي به فيها، ومَن تابعهم تُرك، وجاءت امرأة في آخر مَن جاء ومعها صبيٌّ لها فجزعت، فقال الصبيُّ: يا أمَّه اصبري ولا تُماري. فوقعت(٣). (١) كذا وقعت العبارة في الدر المنثور، وجاء في سنن الترمذي ومصنف عبد الرزاق: فأما الغلام فإنه دفن، فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب ... إلخ، ولم ترد هذه الزيادة في باقي المصادر. (٢) وهي رواية مسلم وأحمد والنسائي. (٣) الدر المنثور ٣٣٣/٦، وما بين حاصرتين منه. سُورَةُ الُون ٤٢٦ الآية : ٤ وأخرج عبد بن حميد عنه كرم الله تعالى وجهه أنه قال: كان المجوس أهلَ كتابٍ، وكانوا متمسِّكين بكتابهم، وكانت الخمرةُ قد أُحِلَّتْ لهم، فتناول منها ملكٌ من ملوكهم فغلبته على عقله، فتناول أخته أو ابنته فوقع عليها، فلمَّا ذهب عنه السُّكْر ندم وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيتُ؟ وما المخرجُ منه؟ قالت: المخرج منه أن تخطب الناس فتقول: أيها الناس إن الله تعالى أحلَّ نكاح الأخوات أو البنات. فقال الناس جماعتُهم: معاذ الله تعالى أن نؤمن بهذا أو نقرَّ به، أو جاء به نبيٌّ، أو نزل علينا في كتاب. فرجع إلى صاحبته، وقال: ويحك! إنَّ الناس قد أبوا عليَّ ذلك. قالت: إن أبوا عليك فابسُطْ فيهم السوطَ. فبسط فيهم السوط، فأبوا أن يُقِرُّوا، قالت: فجرِّد فيهم السيف. فأبوا أن يُقرُّوا، قالت: فخُدَّ لهم الأخدود ثم أوقد فيها النيران، فمن تابعك خلِّ عنه. فخذَّ لهم أخدوداً وأوقد فيها النيران، وعرض أهلَ مملكته على ذلك، فمن أبى قذفه في النار، ومَن لم يأبَ خلَّى عنه (١). وقيل: وقع إلى نجران رجلٌ ممن كان على دين عيسى عليه السلام، فأجابوه، فسار إليهم ذو نواس اليهوديُّ بجنودٍ من حِمْيَر، فخيَّرهم بين النار واليهودية، فأبوا فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد. وقيل: سبعين ألفاً. وذُكر أنَّ طول الأخدود أربعون ذراعاً، وعرضه اثنا(٢) عشر ذراعاً. ولاختلاف الأخبار في القصة اختلفوا في موضع الأخدود؛ فقيل: بنجران؛ لهذا الخبر الأخير. وقيل: بأرض الحبشة لخبر ابن نُجَيِّ السابق. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه كان بمذارع اليمن(٣)، أي: قراه، وهذا لا ينافي كونه بنجران؛ لأنه بلدٌ باليمن. (١) أخرجه الطبري ٢٤/ ٢٧٠ -٢٧١ . (٢) في الأصل و(م): اثني، والمثبت من الكشاف ٢٣٨/٤، وتفسير الرازي ١١٨/٣١، وتفسير القرطبي ١٨٨/٢٢، وتفسير أبي السعود ١٣٦/٩. (٣) الدر المنثور ٣٣٢/٦، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٧١/٢٤- ٢٧٢، ووقع في الأصل و(م): بمذراع، والصواب ما أثبتناه. والمذارع: هي القرى القريبة من الأمصار، وقيل: هي قرّى بين الريف والبر. النهاية (ذرع). الآية : ٥ ٤٢٧ سُؤَدَّةُ الْتُرُون وكذا اختلفوا في أصحاب الأخدود لذلك، فحكي فيه ما يزيد على عشرة أقوالٍ؛ منها أنهم حبشةٌ، ومنها أنهم من النَّبط، وروي عن عكرمة، ومنها أنهم من بني إسرائيل، وروي عن ابن عباس. وأصحُّ الروايات عندي في القصة ما قدَّمناه عن صهيبٍ رَرُّ، والجمعُ ممكنٌ، فقد قال عصام الدين: لعل جميع ما روي واقعٌ، والقرآن شاملٌ له، فلا تغفل. وقرأ الحسن وابن مقسم: ((قُثِّل)) بالتشديد (١)، وهو مبالغةٌ في لعنهم لعظم ما أتوا به. وقد كان ◌َ﴿ ـ على ما أخرج ابن أبي شيبة عن عوفٍ، وعبد بن حميد عن الحسن - إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوَّذ من جهد البلاء(٢). ﴿النَّارِ﴾ بدلُ اشتمالٍ من ((الأخدود)» والرابطُ مقدَّرٌ، أي: فيه، أو أقيم ((أل)) مقام الضمير، أو لأنه معلومٌ اتصالُه به فلا يحتاج لرابطٍ، وكذا كلُّ ما يظهر ارتباطه فيما قبلُ، وجوَّز أبو حيان كونَه بدلَ كلٍّ من كلٍّ على تقدير محذوفٍ، أي: أخدود النار(٣)، وليس بذاك. وقرأ قوم: ((النارُ)) بالرفع(٤)؛ فقيل: على معنى: قتلَتْهم النارُ، كما في قوله تعالى: ﴿يُسَبَّحِ لَهُ فِهَا بِلْغُدُقِّ وَالَْصَالِ ® رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] على قراءة (يسبَّح)) بالبناء للمفعول(٥)، وقوله: ليُبْكَ يزيدُ ضارِعٌ لخصومةٍ (٦) ويكون أصحاب الأخدود إذ ذاك المؤمنين، وليس المراد بالقتل اللعنَ، وجوِّز أن يراد بهم الكفرة والقتلُ على حقيقته بناءً على ما قال الربيع بن أنس والكلبيُّ (١) القراءات الشاذة ص ١٧١، والبحر ٨/ ٤٥٠ . (٢) الدر المنثور ٣٣٣/٦، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٢٢٧/١٣ من طريق عوف عن الحسن. والحديث مرسل. (٣) البحر ٨/ ٤٥٠ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٩٢/٥، والمحرر الوجيز ٤٦٢/٥، والبحر ٤٥٠/٨. (٥) وهي قراءة ابن عامر وشعبة كما في التيسير ص ١٦٢ . (٦) سلف ٤/ ٢٣١ و٤٧/٧ . سُورَةُ الُون ٤٢٨ الآية : ٦ وأبو العالية وابن إسحاق(١) من أنَّ الله تعالى بعث على المؤمنين ريحاً فقبضت أرواحهم، وخرجت النارُ فأحرقت الكافرين الذين كانوا على حافتي الأخدود، وأنت تعلم أنَّ قول هؤلاء مخالفٌ لقول الجمهور، ولِمَا دلَّت عليه القصص التي ذكروها، فلا ينبغي أن يعوَّل عليه، وأنَّ حملَ القتل على حقيقته غيرُ ملائم للمقام. ولعل الأَوْلى في توجيه هذه القراءة أنَّ النار خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي - أو: هو - النارُ، ويكون الضمير راجعاً على الأخدود، وكونُه النارَ خارجٌ مخرجَ المبالغة کأنه نفسُ النار. · وصفٌ لها بغاية العظمة وارتفاعِ اللهب وكثرةِ ما يوجبُه، ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ ﴾﴾ ووجهُ إفادته ذلك أنه لم يقل: موقدة، بل جُعلت ذاتَ وقودٍ، أي: مالِكَتَه، وهو كنايةٌ عن زيادته زيادةً مفرطةً لكثرة ما يرتفع به لهبُها، وهو الحطبُ الموقَدُ به؛ لأن تعريفه استغراقيٌّ، وهي إذا مَلَكتْ كلَّ موقودٍ به عَظُم حريقُها ولهبها، وليس ذلك لأنه لا يقال ذو كذا إلا لمن كثر عنده كذا؛ لأنه غيرُ مسلَّم، وذو النون يأباه، وكذا ذو العرش. وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة وعيسى: ((الوُقود)) بضم الواو(٢)، وهو مصدرٌ، بخلاف مفتوحِه فإنه ما يُوقَدُ به. وقد حكى سيبويه أنه مصدرٌ كمضمومه(٣). وقوله تعالى: ﴿إِذْ هِّرْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴾﴾ ظرفٌ لـ ((قتل))، أي: لُعنوا حين أَحْدَقوا بالنار قاعدين حولها في مكانٍ قريبٍ منها، مشرفينَ عليها من حافات الأخدود، كما في قول الأعشى: تُشَبُّ لمقرورَیْنِ یَضْطَلیانِها وبات على النار النَّدَى والمحلَّقُ(٤) (١) في الأصل و(م): وأبو إسحاق، والمثبت من المحرر الوجيز ٤٦٢/٥، والبحر ٤٥٠/٨، وعنه نقل المصنف. (٢) القراءات الشاذة ص١٧١، والبحر ٤٥٠/٨ . (٣) الكتاب ٤/ ٤٢. (٤) ديوان الأعشى ص٢٧٥، والبيت من قصيدة في مدح المحلّق بن حنتم بن شدادٍ. قال شارح الديوان: أي: بات عليها اثنان يستدفئان من البرد ويسمران، وهما الكرم والمحلَّق. الآية : ٧ - ٨ ٤٢٩ سُؤَدَّةُ الُرون وقيل: الكلام بتقدير مضافٍ، أي: على حافاتها، أو نحوه، والجمهور على أنَّ المراد ذلك من غير تقدير. ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾﴾ أي: يَشْهِدُ بعضهم لبعض عند الملك بأنَّ أحداً لم يقصّر فيما أُمر به، أو يشهدون عنده على حُسْنِ ما يفعلون واشتمالِه على الصلاح على ما قيل، أو يشهد بعضُهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة، أو يشهدون على أنفسهم بذلك يوم تشهد عليهم جوارحُهم بأعمالهم. وقيل: ((على)) بمعنى ((مع))، والمعنى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضورٌ، لا يَرِقُون لهم لغايةِ قسوة قلوبهم. ومَن زعم أنَّ الله تعالى نجَّى المؤمنين وإنما أحرق سبحانه الكافرين، يقول هنا : المراد: وهم على ما يريدون فِعْلَه بالمؤمنين شهودٌ. وأيَّما كان ففي ((المؤمنين)) تغليبٌ، والمراد: بالمؤمنين والمؤمنات. ومن الغريب الذي لا يُلتفت إليه ما قيل: إنَّ أصحاب الأخدود عمرو بن هند - المشهور بمحرِّقٍ - ومَن معه، حرَّق مئةً من بني تميم، وضمير ((هم على ما يفعلون)) لكفار قريش الذين كانوا يفتنون المؤمنين والمؤمنات. ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ﴾ أي: ما أنكروا منهم وما عابوا، وفي ((مفردات)) الراغب: يقال: نَقَمْتُ الشيء، إذا أنكرته بلسانك أو بعقوبة(١). وقرأ زيد بن عليٍّ وأبو حيوةَ وابنُ أبي عبلةَ ((وما نَقِموا)) بكسر القاف(٢). والجملة عطفٌ على الجملة الاسمية، وحسَّن ذلك ــ على ما قيل - كونُ تلك الاسمية لوقوعها في حيز ((إذ)) ماضويةً، فكان العطفُ عطفَ فعليةٍ على فعليةٍ. وقيل: إن هذه الفعلية بتقدير: وهم ما نقموا منهم. ﴾ استثناءٌ مفصِحٌ عن براءتهم عمَّا يعاب ﴿إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ وينكَرُ بالكلِّية، على منهاج قوله: (١) مفردات الراغب (نقم). (٢) القراءات الشاذة ص ١٧١، والبحر ٨/ ٤٥١. سُورَةُ الْبُون ٤٣٠ الآية : ٩ بهنَّ فلولٌ من قِرَاعِ الكتائبِ(١) ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم وكونُ الكفرة يرون الإيمان أمراً منكراً والشاعرُ لا يرى الفلولَ كذلك لا يضرُّ على ما أرى في كون ذلك منه عز وجل جارياً على ذلك المنهاج من تأكيد المدح بما يُشْبِهُ الذَمَّ، ثم إنَّ القوم إن كانوا مشركين فالمنكَرُ عندهم ليس هو الإيمانَ بالله تعالى، بل نفيَ ما سواه من معبوداتهم الباطلةِ، وإن كانوا معطّلةً فالمنكَرُ عندهم ليس إلا إثباتَ معبودٍ غيرِ معهودٍ لهم لكن لَمَّا كان مآلُ الأمرين إنكارَ المعبود بحقِّ، الموصوفِ بصفات الجلال والإكرام، عبّر بما ذكر مفصحاً عما سمعتَ، فتأمل. ولبعض الأعلام كلامٌ في هذا المقام قد ردَّه الشهاب(٢)، فإنْ أرَدْتَه فارْجِعْ إليه. وفي ((المنتخب))(٣): إنما قال سبحانه: (إِلَّ أَن يُؤْمِنُوا) لأن التعذيب إنما كان واقعاً على الإيمان في المستقبل، ولو كفروا فيه لم يعذّبوا على ما مضى، فكأنه قال عز وجل: إلا أن يَدُوموا على إيمانهم. انتهى، وكأنه حمل النقم على الإنكار بالعقوبة. ووَصْفُه عز وجل بكونه عزيزاً غالباً يُخْشَى عقابُه وحميداً مُنْعِماً يُرْجَى ثوابُه، وتأكيدُ ذلك بقوله سبحانه: ﴿الَّذِى لَهُ، مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ للإشعار بمناطٍ إيمانهم . وقولُه تعالى: ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِدُّ جَ﴾ وعدٌ لهم ووعيدٌ لمعذِّبيهم، فإنَّ علم الله جلَّ شأنه الجامع لصفات الجلال والجمال بجميع الأشياء التي من جملتها (١) البيت للنابغة، وهو في ديوانه ص١١، والكشاف ٢٣٨/٤، والفلول: الثُّلَم. القاموس (فلل). (٢) في الحاشية ٣٤٤/٨. (٣) كما في البحر ٨/ ٤٥١، وعنه نقل المصنف، والمنتخب كما ذكر أبو حيان في البحر ١٦١/١ لأبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي، وهو شرف الدين محمد بي عبد الله بن محمد بن أبي الفضل، الأديب النحوي المفسِّر المحدِّث الفقيه، له التفسير الكبير، واسمه ((ري الظمآن)) قصد فيه ارتباط الآي بعضها ببعض، والتفسير الأوسط، والتفسير الصغير، والكافي في النحو، ومختصر صحيح مسلم، توفي سنة (٦٥٥هـ). معجم الأدباء ٢٠٩/١٨، والأعلام ٢٣٣/٦. الآية : ١٠ ٤٣١ سُورَةُ الُون أعمالُ الفريقين يستدعي توفيرَ جزاء كلٍّ منهما، ولكونه تذييلاً لذلك واللائقُ به الاستقلالُ جيء فيه بالاسم الجليل دون الضمير. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: مَحَنوهم في دينهم ليرجعوا عنه، والمراد بـ ((الذين فَتنوا)) وبـ ((المؤمنين والمؤمنات)) المفتونين؛ إما أصحابُ الأخدود والمطرَحون فيه خاصةً، وإما الأعمُّ ويدخل المذكورون دخولاً أوَّليًّا، وهو الأظهر. وقيل: المراد بالموصول كفارُ قريش الذين عذَّبوا المؤمنين والمؤمنات من هذه الأمة بأنواعٍ من العذاب. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمَ بَتُوبُوا﴾ قال ابن عطية: يقوِّي أنَّ الآية في قريش؛ لأنَّ هذا اللفظَ فيهم أحكمُ منه في أولئك الذين قد عُلم أنهم ماتوا على كفرهم، وأما قريشٌ فكان فيهم وقتَ نزولها مَن تاب وآمن(١). وأنت تعلم أنَّ هذا على ما فيه لا يعكِّر على أظهرية العموم. والظاهر أنَّ المراد: ثم لم يتوبوا من فَتْنِهِم ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ أي: بسبب ﴾ وهو نارٌ أخرى زائدةُ الإحراق كما تُنْبئ عنه فَتْنِهِم ذلك ﴿وَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ صيغةٌ فَعيل، لعدم توبتهم ومبالاتهم بما صدر منهم. وقال بعض الأجلَّة: أي: فلهم عذاب جهنم بسبب كفرهم فإنَّ فعلهم ذلك لا يتصوَّر من غير الكافر، ولهم عذاب الحريق بسبب فتنهم المؤمنين والمؤمنات، وفي جَعْلٍ ذلك جزاءَ الفتن من الحسن ما لا يخفى. وتعقّب بأنَّ عنوان الكفر لم يصرَّح به في جانب الصلة، وإنما المصرَّحُ به الفتن وعَدَمُ التوبة، فالأظهرُ اعتبارهما سببين في جانب الخبر على الترتيب. وقيل: أي: فلهم جهنمُ في الآخرة، ولهم عذابُ الحريق في الدنيا، بناءً على ما روي عن الربيع ومَن سمعتَ أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، وقد علمتَ حاله . (١) المحرر الوجيز ٤٦٢/٥ . سُورَةُ الُچ ٤٣٢ الآية : ١٠ وتعقَّبه أبو حيان بأنَّ(ثم لم يتوبوا)) يأبى عنه؛ لأنَّ أولئك المحرِقين لم يُنْقَل لنا أنَّ أحداً منهم تاب، بل الظاهرُ أنهم لم يُلعنوا إلَّ وهم قد ماتوا على الكفر(١). وفيه نظر. وعليه(٢) إنما أخّر ((ولهم عذاب الحريق)) رعايةً للفواصل، أو للتتميم(٣) والترديف، كأنه قيل: ذلك - وهو العقوبةُ العظمى - كائنٌ لا محالةَ، وهذا أيضاً لا یتجاوزونه. وفي ((الكشف)): الوجه أنَّ عذاب جهنم وعذابَ الحريق واحدٌ، وُصِفَ بما يدلُّ على أنه للمبعودين جدًّا عن رحمته عز وجل، وعلى أنه عذابٌ هو محضُ الحريق، وهو الحَرْقُ البالغُ وكفى به عذاباً . والظاهر أنه اعتبر ((الحريق)) مصدراً والإضافةَ بيانيةً، ولا بأس بذلك، إلا أنَّ الوحدة التي ادَّعاها خلافُ ظاهر العطف. وقال بعضهم: لو جُعِلَ من عطف الخاصِّ على العامِّ للمبالغة فيه؛ لأن عذاب جهنم بالزمهرير والإحراق وغيرهما، كان أقرب. ولعل ما ذكرناه أبعدُ عن القال والقیل. وجملة ((فلهم عذاب)) إلخ وقعت خبراً لـ ((إنَّ)، أو الخبر الجارُّ والمجرور و((عذاب)) مرتفعٌ به على الفاعلية، وهو الأحسن. والفاء لِما في المبتدأ من معنى الشرط، ولا يضرُّ نسخُه بـ ((إنَّ) وإنْ زَعَمَه الأخفش. واستدلَّ بالآية على بعض أوجُهها على أن عذاب الكفار يضاعَفُ بما قارنه من المعاصي. (١) البحر ٨/ ٤٥١، وقد تعقب أبو حيان بكلامه هذا القول بأن المراد بـ ((الذين فتنوا)) أصحابُ الأخدود خاصة، وبـ ((المؤمنين والمؤمنات)) المطروحون في الأخدود، وكلام الربيع المذكور قبله يقتضي ذلك، فإن ما ذكره من أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم يقتضي تخصيص ((الذين فتنوا)) بأصحاب الأخدود، وينظر الكشاف ٢٣٩/٤، وقد استظهر أبو حيان أن ((الذين فتنوا)) عامّ في كل من ابتلَى المؤمنين والمؤمنات بتعذيب أو أذّى. (٢) أي: على القول بأن لهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا. (٣) التتميم: هو أن يؤتى في كلام لا يوهم غيرَ المراد بفَضْلٍ تفيدُ نكتةً. الإتقان ٨٧١/٢. الآية : ١١ - ١٣ ٤٣٣ سُورَةُ الُونُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ على الإطلاق من المفتونين وغيرهم ﴿لَّمْ﴾ بسبب ما ذكر من الإيمان والعمل الصالح ﴿جَنَّتٌ تَّجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُّ﴾ إِنْ أُرِيدَ بالجنات الأشجارُ فجريان الأنهار من تحتها ظاهرٌ، وإنْ أريد بها الأرض المشتملةُ عليها فالتحتيةُ باعتبار جزئها الظاهر، فإنَّ أشجارها ساترةٌ لساحتها كما يُعرب عنه اسمُ الجنة. وفصلُ الجملة؛ قيل: لأنها كالتأكيد لِما أَشْعَرتْ به الآيةُ قبلُ من اختصاص العذاب بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا . ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى كون ما ذكر لهم وحيازتهم إياه، وقيل: للجنات الموصوفة، والتذكيرُ لتأويلها بـ : ما ذُكر، وما فيه من معنى البُعْدِ للإيذان بعلوِّ الدرجة وبُعْدِ المنزلة في الفضل والشرف. ، الذي يصغُرُ عنده الفوزُ ومحلُّه الرفع على الابتداء، خبرُه ﴿اٌلْفَوْزُ الْكَبِيُ بالدنيا وما فيها من الرغائب. والفوزُ: النجاة من الشرِّ والظفرُ بالخير، فعلى الوجه الثاني في الإشارة هو مصدرٌ أطلق على المفعول مبالغةً، وعلى الأول مصدرٌ على حاله. استئنافٌ خوطب به النبيُّ ◌َّهِ إيذاناً بأنَّ لكفار قومه ١٣ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِكَ لَشَدِيدُ نصيباً موفوراً من مضمونه كما ينبئُّ عنه التعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام. والبطشُ: الأخذ بصولةٍ وعنفٍ، وحيث وُصِفَ بالشدة فقد تضاعَفَ وتفاقَمَ، وهو بطشُه عز وجل بالجبابرة والظّلَمة، وأَخْذُه سبحانه إياهم بالعذاب والانتقام. ﴿إِنَُّ هُوَ يُبْدِئُ وَبُعِدُ ﴾ أي: إنه عز وجل هو يُبْدِىُّ الخلق بالإنشاء، وهو سبحانه يعيدُه بالحشر يوم القيامة كما قال ابن زيد والضحاك. أو: يبدِئُ كلَّ ما يُبْدَأُ ويعيد كلَّ ما يعاد كما قال ابن عباس، من غير دَخْلٍ لأحدٍ في شيءٍ منهما، ومَن كان كذلك كان بطشُه في غاية الشدة. أو: يُدِئُ البطش بالكفرة في الدنيا ثم يعيده في الآخرة. سُورَةُ البُرُون ٤٣٤ الآية : ١٤ وعلى الوجهين الجملةُ في موضع التعليل لِما سبق، ووجهُه على الثاني ظاهرٌ، وعلى الأول قد أشرنا إليه، وقيل: وجهُه عليه أنَّ الإعادة للمجازاة فهي متضمِّنةٌ للبطش. وليس بذاك. وعن ابن عباس: يبدئُ العذاب بالكفار ويُعيده عليهم فتأكلهم النار حتى يصيروا فحماً، ثم يعيدهم عز وجل خَلْقاً جديداً. وفيه خفاءٌ وإن كان أمرُ الجملة عليه في غاية الظهور. واستعمالُ ((يبدئ)) مع ((يعيد)) حَسَنٌ، وإن لم يُسمع ((أَبْدأَ)) كما بيِّن في محلّه، وحكى أبو زيد أنه قرئ: ((يَبدأ)) من بَدَأ ثلاثيًّا، وهو المسموعُ لكنَّ القراءة بذلك شاذةٌ(١) . ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لمن يشاء من المؤمنين. وقيل: لمن تاب وآمن، والتخصيصُ عند مَن يَرَى رأيَ أهل السنَّة إما لمناسبةِ مقام الإنذار، أو لِمَا في صيغة ((الغفور)) من المبالغة، فأصلُ المغفرة لا يتوقَّفُ على التوبة، وزيادتُها بما لا يعلمه إلا الله تعالى للتائبين. المحبُّ كثيراً لمن أطاع، ففَعُولٌ صيغةُ مبالغةٍ في الوادِّ اسم اٌلْوَدُودُ وَّ فاعل، ومحبةُ الله تعالى ومودَّتُه عند الخَلَفِ بإنعامه سبحانه وإكرامه جلَّ شأنه، ومن هنا فسِّر الودود بكثير الإحسان. وعن ابن عباس: أي: المتودِّد إلى عباده تعالى شأنُه بالمغفرة. وقيل: هو فعولٌ بمعنى مفعول، كرَكُوبٍ وحَلُوبٍ، أي: يودُّه ويحبُّه سبحانه عبادُه الصالحون. وهو خلافُ الظاهر. وحكى المبرِّد عن القاضي إسماعيل بن إسحاق أنَّ الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد قوله: وأركبُ في الرَّوْعِ عُرْيانةً ذلولَ الجماحِ لقاحاً ودودا (١) القراءات الشاذة ص ١٧١، والبحر ٤٥١/٨. الآية : ١٥ ٤٣٥ سُورَة البُّون أي: لا ولد لها تحنُّ إليه(١). وحَمْلُه مع ((الغفور)) على هذا المعنى غيرُ مناسبٍ كما لا يخفى. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ أي: صاحبه، والمراد: مالكه أو خالقه، وهو أعظم المخلوقات، وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: لو جُمعتْ مياه الدنيا ومُسِحَ بها سطحُ العرش الذي يلينا لَما استُوعِبَ منه إلا قليلٌ. وجاء في الأخبار من عظمه ما يبهر العقول. وقال القفَّال: ((ذو العرش)): ذو المُلْكِ والسلطان. كأنه جَعَلَ العرش بمعنى المُلْكِ بطريق الكناية والتجوُّزِ، وجوِّز أن يبقى العرش على حقيقته ويرادَ بذي العرش المَلِكُ؛ لأنَّ ذا العرش لا يكون إلا مَلِكاً. وقرأ ابن عامر في روايةٍ: ((ذي العرش)) بالياء(٢) على أنه صفةٌ لـ ((ربك))، وحينئذٍ يكون قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ) إلخ جملةً معترضةً لا يضرُّ الفَصْلُ بها بين الصفة والموصوف، وكذا لا يضرُّ الفصل بينهما بخبر المبتدأ لأنه ليس بأجنبيٍّ؛ فإنَّ الموصوف هنا من تتمة المبتدأ، وقد قال ابن مالك في ((التسهيل)): يجوزُ الفَصْلُ بين التابع والمتبوع بما لا يتمخَّضُ مباينتُه(٣). نعم قال ابن الحاجب: الفصلُ بين الصفة والموصوف بخبر المبتدأ شاذٍّ كما في قوله: وكلُّ أخٍ مُفارِقُه أخوه لعمرُ أبيك إلا الفرقدان (٤) ﴾ العظيم في ذاته عز وجل وصفاتِه سبحانه، فإنه تعالى شأنه ١٥ ﴿اَلْجِيدُ واجبُ الوجود، تامُّ القدرة، كاملُ الحكمة. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن وثاب والأعمش والمفضَّل عن عاصم (١) النكت والعيون ٢٤٣/٦، وتفسير القرطبي ١٩٦/٢٢، والبحر ٤٥١/٨-٤٥٢. والبيت في تفسير الرازي ١٢٤/٣١، واللسان والتاج (ودد) برواية: وأعددْتُ للحرب خَيْفانةً جَمُومَ الجِرَاءِ وَقَاحاً وَدُودا (٢) القراءات الشاذة ص١٧١، والبحر ٤٥٢/٨ . (٣) التسهيل ص١٦٣ . (٤) سلف ١٩٢/١١. قوله: إلّا الفرقدان، ((إلّا))، بمعنى غير، أي: غير الفرقدين. وهو صفة كُلّ، فَفُصل بينهما بالخبر، وهو: مُفارِقُه أخوه. ينظر مشكل إعراب القرآن ٥٤٩/٢ . سُورَةُ الُون ٤٣٦ الآية : ١٦ - ١٧ والأخوان: ((المجيدِ)) بالجرِّ(١) صفةً للعرش، ومجدُه علوُّه وعظمتُه وحُسْنُ صورته وتركيبِهِ؛ فإنه قيل: العرش أحسن الأجسام صورةً وتركيباً، وليس من مجده كونُ الحوادث الكونية بتوسُّط أوضاعه كما يزعمه المنجِّمون، فإنَّ ذلك باطلٌ شرعاً وعقلاً على ما تقتضيه أصولُهم. وجاز على قراءة ((ذي العرش)) بالياء أن يكون صفةً ل («ذي)). وجوِّز كونُه صفةً لـ ((ربك)»، وليس بذاك لأنَّ الأصل عدمُ الفصل بين التابع والمتبوع، فلا يقال به ما لم يتعيَّن. ﴾ بحيث لا يتخلَّف عن إرادته تعالى [مرادٌ] (٢) من أفعاله ﴿فَقَالُ لِمَا يُرِيدُ بَّـ سبحانه وأفعالٍ غيره عز وجل، فـ ((ما)) للعموم، وفي التنكير من التفخيم ما لا يخفى، وفيه ردٌّ ظاهرٌ على المعتزلة في قولهم: إنه سبحانه وتعالى يريد إيمان الكافر وطاعةً العاصي ویتخلَّفان عن إرادته سبحانه. والمرفوعاتُ كلُّها على ما استحسنه أبو حيان(٣) أخبارٌ لـ ((هو)) في قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ) وجوِّز أن يكون ((الودود)) و((ذو العرش)) و((المجيد)) صفاتٍ لـ ((الغفور))، ومَن لم يجوِّز تعدُّد الخبر لمبتدأ واحدٍ يقول بذلك، أو بتقدير مبتدآت للمذكورات. وأطلق الزمخشريُّ القولَ بأنَّ ((فعَّالٌ)) خبرٌ لمبتدأ محذوف(٤)، أي: هو فعالٌ. فقال صاحب ((الكشف)): إنما لم يحمله على أنه خبر السابق - أعني ((هو)) في قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ) - لأن قوله سبحانه: (فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ) تحقيقٌ للصفتين: البطشِ بالأعداء والغفرٍ والودِّ للأولياء، ولو حُمِلَ عليه لفاتت هذه النكتة. اهـ وهو تدقيقٌ لطيفٌ. استئنافٌ فيه تقريرٌ لكونه تعالى فعَّالاً وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَنْكَ حَدِيثُ الْجُودِ (َ﴾ لِما يريد، وكذا لشدَّةِ بطشه سبحانه بالظّلمة العصاة والكَفَرةِ العتاةِ، وتسليةٌ له وَه (١) التيسير ص٢٢١، والنشر ٣٩٩/٢ عن حمزة والكسائي وخلف، والكلام من البحر ٤٥٢/٨. (٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٣٨/٩. (٣) في البحر ٤٥٢/٨ . (٤) الكشاف ٢٣٩/٤. الآية : ١٨ - ١٩ ٤٣٧ سُوَرَّةُ الُرون بالإشعار بأنه سيصيب كَفَرةَ قومه ما أصاب الجنود، وهو جمعُ جُنْدٍ يقال للعسكر اعتباراً بالغلظة، من الجَنَد أي: الأرض الغليظة، وكذا للأعوان، ويقال لصنفٍ من الخلق على حِدَةٍ، وكذا لكلِّ مجتمع. والمراد بالجنود هاهنا الجماعات الذين تجنّدوا على أنبياء الله تعالى عليهم السلام واجتمعوا على أذيتهم. بدلٌ من ((الجنود)) بدلَ كلٍّ من كلٍّ على حذف مضافٍ، أي: ١٨ ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ جنودٍ فرعون، أو على أن يراد بـ ((فرعون)) هو وقومه، واكتفى بذكره عنهم لأنهم أتباعُه. وقيل: البدلُ هو المجموعُ لا كلٌّ من المتعاطفين. وهو خلافُ الظاهر. وقال السمين: يجوز كونُه منصوباً بأعني؛ لأنه لَمَّا لم يطابق ما قبله وجب قطعُه(١) . وتعقِّبَ بأنه تفسيرٌ للجنود حينئذٍ، فيعود الإشكال. وأجيبَ بأنَّ المفسَّر حينئذ المجموعُ، وليس اعتبارُه مع أعني كاعتباره مع الإبدال. والمراد بحديثهم ما صدر عنهم من التمادي في الكفر والضلال، وما حلَّ بهم من العذاب والنَّكال، والمعنى: قد أتاك حديثُهم وعرفتَ ما فعلوا وما فُعل بهم، فذكِّر قومك بأيام الله تعالى وشؤونه سبحانه، وأنذِرْهم أنْ يصيبهم مثلُ ما أصاب أمثالهم . ﴾ إضراب ١٩ وقوله تعالى: ﴿بَلِ الّذينَ گفرُوا﴾ أي: من قومك ﴿فی تَكْذِیٍ انتقاليٌّ عن مماثلتهم لهم، وبيانٌ لكونهم أشدَّ منهم في الكفر والطغيان كما ينبئُّ عنه العدول عن: يكذبون، إلى: ((في تكذيب)» المفيدِ لإحاطة التكذيب بهم إحاطةً الظرف بمظروفه، أو البحرِ بالغريق فيه، مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه (١) الدر المصون ٧٤٩/١٠. سُؤَدَّةُ الْبُون ٤٣٨ الآية : ٢٠ - ٢١ وتهويله، فكأنه قيل: ليسوا مثلَهم بل هم أشدُّ منهم، فإنهم غَرْقَى مغمورون في تكذيبٍ عظيمٍ للقرآن الكريم، فهم أوْلَى منهم في استحقاق العذاب. أو كأنه قيل: ليست جنايتُهم مجرَّدَ عدم التذكُّر والاتِّعاظ بما سمعوا من حديثهم، بل هم مع ذلك في تكذيبٍ عظيم للقرآن الناطق بذلك، وكونه قرآناً من عند الله تعالى مع وضوح أمره وظهورٍ حاله بالبينات الباهرة. جوِّز أن يكون اعتراضاً تذييليًّا، وأنْ وقولُه تعالى: ﴿وَلَّهُ مِن وَرَآِهِم تُحِيطٌ يكون حالاً من الضمير في الجارِّ والمجرور السابق، والكلامُ تمثيلٌ لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فَوْتِ المحاطِ المحيطَ كما قال غيرُ واحد، وكأنَّ المعنى: إنه عز وجل عالمٌ بهم وقادرٌ عليهم، وهم لا يُعْجِزونَه ولا يفُوتونه سبحانه وتعالى. وذكر عصام الدين أنَّ في ذلك تعريضاً وتوبيخاً للكفار بأنهم نبذوا الله سبحانه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الهوى والشهوات بكلِّيتهم، ولعل ذلك من العدول عن: بهم، إلى ((من ورائهم)). وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قَُّانٌ تَجِيدٌ ﴾﴾ ردٌّ لكفرهم، وإبطالٌ لتكذيبهم، وتحقيقٌ للحق، أي: بل هو كتابٌ شريفٌ عالي الطبقة فيما بين الكتب الإلهية في النظم والمعنی، لا يحقُّ تكذيبه والكفرُ به. وقيل: إضرابٌ وانتقالٌ عن الإخبار بشدة تكذيبهم وعدم ارْعِوائهم عنه إلى وصف القرآن؛ للإشارة إلى أنه لا ريب فيه، ولا يضرُّه تكذيبُ هؤلاء. والأولُ أَوْلَی. وزَعَم بعضهم أن الإضراب الأول عن قصة فرعون وثمود إلى جميع الكفار، والمعنى عليه: إنَّ جميع الكفار في تكذيب، ولم يكن نبيٌّ فارغاً عن تكذيبهم، والله تعالى لا يهمل(١) أمرهم، وفيه من تسليته وَلّ ما فيه. ويُبْعِدُه إردافُ ذلك بهذا الإضراب. (١) في الأصل: يمهل. الآية : ٢٢ ٤٣٩ سُورَةُ الْبُّون وقرأ ابن السميفع: ((قرآنُ مجيدٍ)) بالإضافة؛ قال ابن خالويه: سمعت ابن الأنباري يقول: معناه: بل هو قرآنُ ربِّ مجيدٍ، كما قال الشاعر: ولكنَّ الغِنَى ربُّ غفورٌ(١) أي: غِنَى ربِّ غفورٍ. وقال ابن عطية: قرأ اليمانيُّ بالإضافة على أن يكون ((المجيد)) هو الله تعالى(٢). وهو محتملٌ للتقدير وعَدَمِه. وجوِّز أن يكون من إضافة الموصوف لصفته؛ قال أبو حيان: وهذا أولى لتوافُق القراءتين(٣). أي: ذلك اللوح من وصول فِي لَوْ﴾ أي: كائنٌ في لوح ﴿قَّحْفُوظِ الشياطين إليه، وهذا هو اللوحُ المحفوظُ المشهورُ، وهو على ما روي عن ابن عباس والعُهْدة على الراوي: لوحٌ من درَّةٍ بيضاءَ طولُه ما بين السماء والأرض، وعرضُه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدرُّ والياقوت، ودقّتاه ياقوتةٌ حمراء، وقلمُه نورٌ، وهو معقودٌ بالعرش وأصلُه في حجر ملك يقال له ساطریون، عز وجل فيه في كلِّ يومٍ ثلاث مئةٍ وستُّون لحظةً يُحيي ويميتُ ويُعزُّ ويُذلُّ ويفعل ما يشاء(٤). وأنه كُتب في صدره: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، دينُه الإسلام، ومحمدٌ عبدُه ورسوله، فمن آمن بالله عز وجل وصدَّق بوعده واتَّع رسله أدخله الجنة(٥). (١) القراءات الشاذة ص١٧١، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٤٥٨/٨. ووقع البيت في القراءات الشاذة: ولكن الغِنَى غِنَى غفور. والبيت لعروة بن الورد كما في عيون الأخبار ٢٤٢/١، والعقد الفريد ٢٩/٣٠، والبيان والتبيين ٢٣٤/١، والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ٦١/١، وصدره: قليلٌ ذنبُه والذنبُ جمٌّ، وعجزه في عيون الأخبار والعقد: ولكنْ للغني ربُّ غفور، وهو في باقي المصادر موافق لما في البحر. (٢) المحرر الوجيز ٤٦٣/٥. (٣) البحر ٤٥٢/٨. (٤) أخرجه الحاكم ٤٧٤/٢، والواحدي في الوسيط ٤٦٣/٤ من طريق أبي حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بقوله: اسم أبي حمزة ثابت، وهو واهٍ بمرَّة. (٥) أخرجه الواحدي في الوسيط ٤٦٣/٤ من طريق إسحاق بن بشر، عن مقاتل وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس. وإسحاق بن بشر هو أبو حذيفة البخاري صاحب كتاب سُوَّةُ الُوزن ٤٤٠ الآية : ٢٢ وقال مقاتل: إنَّ اللوح المحفوظ عن يمين العرش. وجاء فيه أخبارٌ غيرُ ذلك، ونحن نؤمنُ به ولا يلزمنا البحثُ عن ماهيته وكيفيةٍ كتابته ونحو ذلك. نعم نقول: إنَّ ما يزعمه بعض الناس من أنه جوهرٌ مجرَّدٌ ليس في حيِّزٍ، وأنه كالمرآة للصور العلمية، مخالفٌ لظواهر الشريعة، وليس له مستندٌ من كتابٍ ولا سنَّةٍ أصلاً. وقرأ ابن يعمر وابن السميفع: ((لُوحٍ)) بضمِّ اللام(١)، وأصله في اللغة الهواء، والمراد به هنا مجازاً: ما فوق السماء السابعة. وقرأ الأعرج وزيد بن عليٍّ وابن مُحَيْصٍ ونافعٌ بخلافٍ عنه: ((محفوظٌ)) بالرفع(٢) على أنه صفةٌ لـ ((قرآن))، و((في لوح)) قيل: متعلقٌ به. وقيل: صفةٌ أخرى لـ ((قرآن)). وتعقّب بأنَّ فيه تقديمَ الصفة المركّبة على المفردة، وهو خلافُ الأصل. والمعنى عليه، قيل: محفوظ بعد التنزيل من التغيير والتبديل والزيادة والنقص، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وقيل: محفوظٌ في ذلك اللوحِ عن وصول الشياطين إليه. والله تعالى أعلم. المبتدأ، قال الذهبي في الميزان ١٨٤/١ : تركوه، وكذبه علي بن المديني، وقال الدارقطني: كذاب متروك. (١) القراءات الشاذة ص١٧١، والكشاف ٤/ ٢٤٠، والبحر ٤٥٢/٨. (٢) التيسير ص٢٢١، والنشر ٣٩٩/٢ عن نافع، والكلام من البحر ٤٥٣/٨.