النص المفهرس
صفحات 401-420
الآية : ٦ ٤٠١ سُورَةُ الْأَنْقَقلِ وقيل: هو محذوفٌ للتهويل، أي: كان ما كان مما يضيقُ عنه نطاقُ البيان. وقدَّره بعضهم نحوَ ما صرِّح به في سورتي التكوير والانفطار. وقيل: هو ما دلَّ عليه ((يا أيها الإنسان)) إلخ، وتقديره: لاقَى الإنسانُ کَدْحَه. وقيل: هو نفسُه على حذف الفاء، والأصل: فيا أيها الإنسان، أو بتقدير: يقال. وقال الأخفش والمبرد: هو قولُه تعالى: (فَعُلَقِيهِ) بتقديرٍ: فأنت ملاقيه(١)؛ ليكون مع المقدَّر جملةً، وعلى هذا جملةٌ ((يا أيها الإنسان)) إلخ معترضة(٢). وقال ابن الأنباري والبلخيُّ: هو ((وأذنت)) على زيادة الواو، كما قيل في قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧٣](٣) . وعن الأخفش أن ((إذا)» هنا لا جوابَ لها؛ لأنها ليست بشرطيةٍ بل هي في ((إذا السماء)» متجرِّدةٌ عنها مبتدأ، وفي ((وإذا الأرض)) خبرٌ، والواو زائدة، أي: وقتُ انشقاق السماء وقتُ مدِّ الأرض. وقيل: لا جواب لها لأنها ليست بذلك، بل متجرِّدةٌ عن الشرطية واقعةٌ مفعولاً لاذْكُرْ محذوفاً . ولا يخفى ما في بعض هذه الأقوال من الضعف، ولعل الأولى منها الأوَّلان. والحساب اليسير: السهل الذي لا مناقشةً فيه كما قيل. وفسَّره عليه الصلاة والسلام بالعرض وبالنظر في الكتاب مع التجاوز؛ فقد أخرج الشيخان والترمذيُّ (١) البحر ٤٤٦/٨، وقول الأخفش في معاني القرآن له ٧٣٦/٢، وينظر التعليق الذي بعده. (٢) الذي ذكره الأخفش في معاني القرآن، والمبرد كما في زاد المسير ٩/ ٦٣، وتفسير القرطبي ١٦٠/٢٢ أن الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت. (٣) ذكر ابن الأنباري هذا القول في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٩٧١ عن بعض المفسرين، ثم تعقَّبه بقوله: وهذا غلط؛ لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع ((حتى إذا)) كقوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] ومع ((لَمّا)) كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّ أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِّينِ وَنَدَيْنَهُ﴾ [الصافات: ١٠٣-١٠٤] معناه: («ناديناه)). سُورَةُ الأَنْتَقِ ٤٠٢ الآية : ٧ - ١٠ وأبو داود عن عائشة أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((ليس أحدٌ يحاسب إلا هلك)) قلت : . يا رسول الله جعلني الله تعالى فداك، أليس الله تعالى يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِتَبَهُ. بِمِينِ، ﴿﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرً﴾؟ قال: ((ذلك العرضُ؛ يُعْرَضون ومَن نُوقِشَ الحساب هلك))(١). وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه والحاكم وصححه عن عائشة قالت: سمعتُ رسول الله وَّ يقول في بعض صلاته: ((اللهمَّ حاسبني حساباً يسيراً)) فلما انصرف عليه الصلاة والسلام قلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ قال: ((أن ينظر في كتابه فيتجاوزَ له عنه))(٢). ﴿وَقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، مَسْرُورًا ﴾﴾ أي: عشيرته المؤمنين مبتهجاً بحاله، قائلاً: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَبِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]. وقيل: أي: فريق المؤمنين مطلقاً وإن لم يكونوا عشيرته؛ إذ كلُّ المؤمنين أهلٌ للمؤمن من جهة الاشتراك في الإيمان. وقيل: أي: إلى خاصَّته ومَن أعدَّه الله تعالى له في الجنة من الحور والغلمان، وأخرج هذا ابنُ المنذر عن مجاهد(٣). وقرأ زيد بن علي: ((ويُقْلَبُ)) مضارع ((قَلَبَ)) مبنيًّا للمفعول (٤). ®﴾ أي: يؤتاه بشماله من وراء ظهره؛ قيل: تُغَلُّ ﴿وَمَّا مَنْ أُوْنِيَ كِنَهُ, وَرَآءَ ظَهْرِهِ، يمناه إلى عنقه وتُجْعَلُ شماله وراء ظهره، فيؤتَى كتابَه بشماله. ورُوي أن شماله تدخُل في صدره حتى تخرج من وراء ظهره فيأخذ كتابه بها. فلا تَدَافُعَ بين ما هنا وما في سورة الحاقة حيث لم يذكر فيه الظّهْر. (١) صحيح البخاري (٤٩٣٩)، وصحيح مسلم (٢٨٧٦)، وسنن الترمذي (٢٤٢٦) و(٣٣٣٧)، وسنن أبي داود (٣٠٩٣). (٢) مسند أحمد (٢٤٢١٥)، والمستدرك ٥٧/١ و٢٥٥، وعزاه لعبد بن حميد وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٣٢٩/٦. (٣) الدر المنثور ٣٢٩/٦. (٤) البحر ٨/ ٤٤٦ . الآية : ١١ - ١٣ ٤٠٣ سُورَةُ الْأَنْقَقلِ ثم هذا إنْ كان في الكَفَرة وما قبله في المؤمنين المتَّقين فلا تعرُّضَ هنا للعصاة كما استظهره في ((البحر))(١). وقيل: لا بُعْدَ في إدخال العصاة في أهل اليمين، إما لأنهم يُعْطَوْنَ كتبهم باليمين بعد الخروج من النار كما اختاره ابن عطية(٢)، أو لأنهم يُعْطَوْنها بها قبلُ لكنْ مع حسابٍ فوقَ حسابٍ المتقين ودون حسابِ الكافرين، ويكون قوله تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرً) من وَصْفِ الكلِّ بوَصْفِ البعض. وقيل: إنهم يُعْطَوْنها بالشمال، وتَميَّزَ(٣) الكفرة بكون الإعطاء من وراء ظهورهم، ولعل ذلك لأن مُؤْتي الكتبٍ لا يتحمَّلون مشاهدةً وجوههم لكمال بشاعتها، أو لغاية بغضهم إياهم، أو لأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. ﴿فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُرًا ﴾﴾ يطلبه ويناديه، ويقول: يا ثبوراه تعالي فهذا أَوَانُكِ، والثبورُ الهلاك وهو جامعٌ لأنواع المكارِهِ. ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (٣﴾ يقاسي حرَّها، أو يدخلها. وقرأ أكثر السبعة وعمر بن عبد العزيز وأبو الشعثاء والحسن والأعرج: ((يُصَلَّى)) بضمِّ الياء وفتح الصاد واللام مشدّدة من التصلية(٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَصْلَةُ ◌َجِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤]. وقرأ أبو الأشهب وخارجةُ عن نافعٍ وأبانٌ عن عاصم والعتكي وجماعةٌ عن أبي عمرو: ((يُصْلَى)) بضم الياء ساكنَ الصاد مخفَّفَ اللام مبنيًّا للمفعول من الإصلاء(٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمْ﴾ [النساء: ١١٥]. ﴿إِنَّهُ, كَانَ فِىّ أَهْلِهِ﴾ في الدنيا ﴿مَسْرُورًا (٣)﴾ فَرِحاً بَطِراً مُتْرَفاً لا يخطر بباله أمور الآخرة، ولا يتفكّر في العواقب، ولم يكن حزيناً متفكِّراً في حاله ومالِهِ كسنَّة الصلحاء والمتقين. والجملةُ استئنافٌ لبيان علَّةِ ما قبلَها . (١) ٤٤٦/٨-٤٤٧. (٢) في المحرر الوجيز ٥/ ٤٥٧ . (٣) في (م): وتمييز، وينظر حاشية الشهاب ٨/ ٣٤٠. (٤) التيسير ص ٢٢١، والنشر ٣٩٩/٢ عن نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي، والكلام من البحر ٨/ ٤٤٧ . (٥) القراءات الشاذة ص ١٧٠، والبحر ٤٤٧/٨ . سُورَةُ الْأَنْقَقِ ٤٠٤ الآية : ١٤ - ١٦ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّنْ يَحُورَ تعليلٌ لسروره في الدنيا، أي: ظنَّ أنْ ١٤ لن يَرْجِعَ إلى الله تعالى تكذيباً للمَعاد. وقيل: ظنَّ أن لن يرجع إلى العدم، أي: ظنَّ أنه لا يموت، وكان غافلاً عن الموت غيرَ مستعدٍّ له. وليس بشيءٍ. والحَوْرُ: الرجوعُ مطلقاً، ومنه قول الشاعر: وما المرءُ إلا كالشهاب وضوئه يحورُ رماداً بعد إذ هو ساطعُ(١) والتقييدُ هنا بقرينة المقام، و((أنْ)) مخفّفةٌ من الثقيلة سادَّةٌ مع ما في حيِّزها مسًّ مفعولي الظنِّ على المشهور. تحقیقٌ ١٥ إيجابٌ لِمَا بعدَ ((لن))، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَُّ، كَانَ بِهِ، بَصِيرًا وتعليلٌ له، أي: بلى يحورُ البتةَ؛ إنَّ ربَّه عز وجل الذي خَلَقه كان به وبأعماله الموجبةِ للجزاء بصيراً بحيث لا تَخْفَى عليه سبحانه منها خافيةٌ، فلا بدَّ من رَجْعِهِ وحسابه ومُجازاته. هي الحمرةُ التي تُشاهد في أفق المغرب بعد الغروب، ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ( وأصله من رقَّةِ الشيء؛ يقال: شيء شفقٌ، أي: لا يتماسَكُ لرقَّته، ومنه أشفق عليه: رقَّ قلبُه، والشَّفَقَةُ من الإشفاق، وكذلك الشَّفَقُ؛ قال الشاعر: تَهْوَى حياتي وأَهْوَى موتَها شَفَقاً والموتُ أكرمُ نزَّالٍ على الحُرَمِ (٢) وقيل: البياض الذي يلي تلك الحمرةَ ويُرى بعد سقوطها، وفي تسمية ذلك شَفَقاً خلافٌ؛ فالجمهورُ على أنه لا يسمَّى به، وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز (١) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص١٦٩ . (٢) نسب لإسحاق بن خلف، كما في زهر الآداب للقيرواني ٤٨٥/١، والحماسة البصرية ٢٧٥/١، وفوات الوفيات ١٦٤/١، واللسان (شفق). ونسبه ابن المعتز في طبقات الشعراء ص٢٨١ - ٢٨٢ لمحمد بن يسير الرياشي. وقال صاحب اللسان (شفق): وقيل: هو لابن المعلى. وهو دون نسبة في عيون الأخبار لابن قتيبة ٩٤/٣، والصحاح (شفق). الآية : ١٧ ٤٠٥ سُورَةُ الْأَنْشِقَقِ وأبو حنيفة ته على أنه يسمَّى(١)، ورَوَى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة أنه رَجَعَ عن ذلك إلى ما عليه الجمهور (٢)، وتمامُ الكلام عليه في شروح ((الهداية)) . وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمةً أنه هنا النهارُ كلُّه(٣). وروي ذلك عن الضحاك وابن أبي نجيح، وكأنه شجّعهم على ذلك عَطْفُ الليل عليه. وعن عكرمةَ أيضاً: أنه ما بقي من النهار. والفاء في جواب شرطٍ مقدَّرٍ، أي: إذا عَرَفْتَ هذا، أو تحقَّقْتَ الحَوْرَ بالبعث، فلا أقسم بالشفق. وما ضَمَّ وجَمَعَ؛ يقال: وَسَقَه فاتَّسَقَ واسْتَوْسَقَ، أي: ﴿وَأَلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ جَمَعَه فاجْتَمَع. ويقال: طعامٌ موسوقٌ، أي: مجموعٌ، و: إبلٌ مستوسقة، أي: مجتمعة؛ قال الشاعر : إنَّ لنا قَلَائصاً حَقَائقا مستوسقاتٍ لم يَجِدْنَ سائقا(٤) ومنه الوَسْقُ: الأصواع المجتمعة، وهي ستُّون صاعاً، أو حملُ بعيرٍ لاجتماعه على ظهره. (١) تنظر أقوالهم في الأوسط لابن المنذر ٣٣٩/٢-٣٤١، والتمهيد ٩١/٨-٩٢، وأحكام القرآن لابن العربي ١٨٩٨/٤، وزاد المسير ٦٥/٩-٦٦. (٢) الكشاف ٢٣٥/٤. وأسد بن عمرو هو أبو المنذر - وقيل: أبو عمرو - القاضي القشيري البجلي الكوفي، سمع أبا حنيفة وتفقَّه عليه، توفي سنة (١٨٨هـ). الجواهر المضية ٣٧٦/١. (٣) لم نقف عليه عن عبد بن حميد، وأخرجه عن مجاهد الطبري ٢٤٤/٢٤. (٤) الرجز للعجاج كما في اللسان (وسق)، وليس في ديوانه، وهو بلا نسبة في الكامل ١١٤٥/٣ ، والفاضل ص١٠، والثاني في مجاز القرآن ص٢٩١، وتفسير الطبري ٢٤٥/٢٤. القلائص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة. والحقائق: جمع حِقّة، وهي من الإبل ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها، سمِّي بذلك لأنه استحق الركوب والتحميل. النهاية (قلص) و(حقق). قال الشهاب في الحاشية ٣٤١/٨: الشاهد فيه ورود مستوسقات بمعنى متَّسِقاتٍ، أي: مجتمعات. سُورَةُ الْأَنْقَقِ ٤٠٦ الآية : ١٨ - ١٩ و((ما)) تحتملُ المصدريةَ والموصولةَ؛ والجمهورُ على الثاني، والعائد محذوفٌ، أي: والذي وَسَقَه، والمراد به ما يجتمع بالليل ويأوي إلى مكانه من الدوابِّ وغيرها . وعن مجاهد: ما يكون فيه من خير أو شر. وقيل: ما سَتَره وغّى عليه بظُلْمته. وقيل: ما جمعه من الظُلمة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جبير أنه قال: ((وما وسق)): وما عُمِلَ فيه(١). ومنه قوله: فيوماً تَرانا صالحينٍ وتارةً تقومُ بنا كالواسِقِ المتلبِّبِ(٢) وقيل: ((وسق)) بمعنى طَرَد، أي: وما طَرَدَه إلى أماكنه من الدوابِّ وغيرها، أو: ما طَرَدَه من ضوء النهار، ومنه الوسيقة؛ قال في ((القاموس)): وهي من الإبل كالرُّفْقةِ من الناس، فإذا سُرِقَتْ طُرِدَتْ معاً (٣). ﴿وَأَلْقَمَرِ إِذَا أَنََّقَ ، أي: اجتمع نورُه وصار بدراً. ١٨ ١٩ خطابٌ لجنس الإنسان المنادَى أولاً باعتبارٍ شموله ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ لأفراده، والمراد بالركوب الملاقاةُ، والطبق في الأصل ما طابق غيره مطلقاً، وخصَّ في العرف بالحال المطابقة لغيرها، ومنه قول الأقرع بن حابس: إنِّي امرؤٌ قد حلبتُ الدهرَ أَشْطُرَه وساقني طَبَقٌ منه إلى طَبَقِ(٤) و((عن)) للمجاوزة، وقال غير واحد: هي بمعنى ((بعدَ)) كما في قولهم: سادُوك کابراً عن كابر، وقوله: (١) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٦/ ٣٣٠، ولم نقف عليه عن ابن المنذر. (٢) النكت والعيون ٢٣٧/٦، والبحر ٨/ ٤٤٧، واللسان (وسق). (٣) القاموس (وسق). (٤) زاد المسير ٩/ ٦٧، وتفسير القرطبي ١٧٤/٢٢. ويقال: حَلَبَ فلانٌ الدهرَ أشْطُرَه، أي: خبر ضروبَه، أي: مرَّ به خير وشرٌّ. تهذيب اللغة ١١/ ٣٠٧. الآية : ١٩ ٤٠٧ سُورَةُ الأَنْشِقَقِ حتى أَنَخْتُ ببابٍ عبد الواحد(١) ما زلتُ أقطع منهلاً عن منهلٍ والمجاوَزَةُ والبَعْدِيةُ متقاربان. والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((طبقاً)) أو حالاً من فاعل ((تركبن))، والظاهر أنَّ نَصْبَ ((طبقاً)) على أنه مفعولٌ به، أي: لتلاقُنَّ حالاً مجاوزةً لحالٍ أو كائنةً بعد حالٍ، أو مجاوزين لحالٍ أو كائنين بعد حالٍ، كلُّ واحدةٍ مطابقةٌ لأختها في الشدة والهول. وجوِّز كون الركوب على حقيقته، وتُجعل الحالُ مركوبةً مجازاً. وقيل: نصب ((طبقاً)) على التشبيه بالظرف أو الحالية. وقال جمع: الطبقُ جمعُ طبقةٍ، كتُخَم وتُخَمةٍ، وهي المرتبةُ - ويقال: إنه اسم جنسٍ جمعيٌّ واحدُه ذلك - والمعنى: لتركبنَّ أحوالاً بعد أحوالٍ هي طبقاتٌ في الشدة بعضُها أرفعُ من بعضٍ، وهي الموتُ وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها. ورجَّحه الطيبيُّ فقال: هذا الذي يقتضيه النظمُ وترتُّبُ الفاء في ((فلا أقسم)) على قوله ١٥ تعالى: ﴿وَ إِنَّ رَبَّهُ، كَانَ بِهِ، بَصِيرًا وفسَّر بعضهم الأحوال بما يكون في الدنيا من كونهم نطفةً إلى الموت، وما يكون في الآخرة من البعث إلى حين المستقرِّ في إحدى الدارين. وقيل: يمكن أن يراد بـ ((طبقاً عن طبق)) الموتُ المطابقُ للعدم الأصلي، والإحياءُ المطابق للإحياء السابق، فيكون الكلام قَسَماً على البعث بعد الموت، ويجري فيه ما ذكره الطيبي. وأخرج نعيم بن حماد وأبو نعيم عن مكحول أنه قال في الآية: تكونون في كلِّ عشرين سنةً على حالٍ لم تكونوا على مثلها (٢). وفي رواية ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه: في كلِّ عشرين عاماً تُحدِثون أمراً لم تكونوا عليه(٣). فالطبقُ بمعنى عشرين (١) ذكره الفخر الرازي في تفسيره ١١١/٣١ . (٢) الفتن لنعيم بن حماد (٤٢)، والحلية ١٨٤/٥. (٣) الدر المنثور ٣٣١/٦. سُورَةُ الأَنْقَقِ ٤٠٨ الآية : ١٩ عاماً، وقد عدَّ ذلك في ((القاموس)) من جملة معانيه(١)، وما ذكر بيانٌ للمعنى المراد. وقيل: الطبقُ هنا القرنُ من الناس، مثلُه في قول العباس بن عبد المطلب يمدح رسول الله الآن: ضُ وضاءتْ بنورك الأفقُ وأنتَ لَمَّا وُلدْتَ أشرقتِ الأر إذا مضى عالَمٌ بدا طَبَقُ(٢) تُنْقَلُ من صالِبٍ إلى رَحِمٍ وأنَّ المعنى: لتركبنَّ سَنَنَ من مضى قَبْلَكم قرناً بعد قرنٍ. وكِلَا القولين خلافُ الظاهر. وقرأ عمر وابن مسعود وابن عباس ومجاهدٌ والأسود وابن جبير ومسروقٌ والشعبيُّ وأبو العالية وابن وثَّابٍ وطلحةُ وعيسى والأخوان وابنُ كثيرٍ: (لتَرْكَبَنَ)) بتاء الخطاب وفتح الباء(٣). وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما أيضاً كسرا تاءً المضارعة، وهي لغة بني تميم(٤)، على أنه خطابٌ للإنسان أيضاً، لكن باعتبار اللفظ لا باعتبار الشمول. وأخرج البخاريُّ عن ابن عباس أنَّ الخطاب للنبيِّ وََّ(٥)، ورُوي ذلك عن جماعةٍ، وكأنَّ مَن ذهب إلى أنه عليه الصلاة والسلام هو المرادُ بالإنسان فيما تقدَّم يذهبُ إليه، وعليه يراد: لتَرْكَبَنَّ أحوالاً شريفةً بعد أخرى من مراتب القُرْب. أو: (١) القاموس (طبق). (٢) المعاني الكبير لابن قتيبة ٥٥٧/١، والمحرر الوجيز ٤٥٩/٥، والبحر ٤٤٨/٨، ووردا ضمن خبر أخرجه الطبراني في الكبير (٤١٦٧)، والحاكم ٣٢٨/٣، والبيهقي في الدلائل ٢٦٨/٥. وقال الحاكم: هذا حديث تفرَّد به رواته الأعراب عن آبائهم، وأمثالهم من الرواة لا يضعون. وقال صاحب اللسان: أراد بالصالب الصُّلْب، وهو قليل الاستعمال. وقال ابن قتيبة: العالم: القرن من الناس، وكذلك الطبق من الناس. (٣) التيسير ص٢٢١، والنشر ٣٩٩/٢ عن ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف، والكلام من البحر ٨/ ٤٤٧. (٤) البحر ٨/ ٤٤٨. (٥) صحيح البخاري (٤٩٤٠). الآية : ١٩ ٤٠٩ سُورَةُ الْأَنْقَقِ مراتبَ من الشدة في الدنيا؛ باعتبارٍ ما يقاسيه ◌َّ من الكفرة ويعانيه في تبليغ الرسالة. أو الكلامُ عِدَةٌ بالنصر، أي: لتُلاقِنَّ فتحاً بعد فتح، ونصراً بعد نصر. أو تبشيرٌ بالمعراج، أي: لتَرْكَبَنَّ سماءً بعد سماءٍ، كما أخرجه عبد بن حميد عن ابن عباس وابن مسعود(١)، وأيِّد بالتوكيد بالجملة القسمية والتعقيبٍ بالإنكارية. وأخرج ابن المنذر وجماعةٌ عن ابن مسعود أنه قال في ذلك: يعني السماء تنفطرُ ثم تنشقُّ ثم تحمُّ(٢). وفي رواية: السماءُ تكون كالمهل، وتكون وردةً كالدهان، وتكونُ واهيةً، وتشقَّقُ، فتكون حالاً بعد حالٍ (٣). فالتاء للتأنيث والضمير الفاعل عائدٌ على السماء. وقرأ عمر وابنُ عباس أيضاً: ((ليَرْكَبَنَّ)) بالياء آخِرِ الحروف وفتح الباء على الالتفات من خطاب الإنسان إلى الغيبة، وعن ابن عباس: يعني نبيّكم عليه الصلاة والسلام(٤). فجَعَل الضميرَ له ◌َّ، والمعنى على نحوٍ ما تقدَّم. وقيل: الضمير الغائب يعود على القمر؛ لأنه يتغيَّر أحوالاً من سرارٍ واستهلالٍ وإبدارٍ. وقرأ عمر أيضاً: ((ليَرْكَبُن) بياء الغيبة وضمِّ الباء(٥)، على أن ضمير الجمع للإنسان باعتبارِ الشمول. وقرئ بالتاء الفوقية وكَسْرِ الباء(٦) على تأنيث الإنسان المخاطب باعتبارِ النفس. (١) الدر المنثور ٣٣٠/٦، وأخرجه عن ابن مسعود أيضاً الطبري ٢٥٤/٢٤، والطبراني في الكبير (١٠٠٦٨)، والحاكم ٥١٨/٢. (٢) الدر المنثور ٣٣٠/٦، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٥٥/٢٤ بلفظ: تَشَفَّقُ ثم تحمرُّ ثم تنفطر. (٣) عزاه بهذه الرواية السيوطي في الدر ٦/ ٣٣٠ لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث. (٤) البحر ٨/ ٤٤٧، وذكر القراءة عن عمر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٧٠. (٥) البحر ٤٤٨/٨. (٦) القراءات الشاذة ص ١٧٠، والبحر ٤٤٨/٨، والدر المصون ٧٣٨/٩، وقيدها السمين بفتح حرف المضارعة، وقال ابن خالويه: بالكسر فيهما. سُورَةُ الْأَنْشِقَقِ ٤١٠ الآية : ٢٠ - ٢١ وأمرُ تقدير الحالية المشارِ إليها فيما مرَّ على هذه القراءات لا يخفى. جوِّز أن تكون لترتيب ما بعدها والفاء في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ من الإنكار والتعجُّب على ما قبلها من أحوال يوم القيامة وأهوالها، المشارِ إليها بقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ) إلخ على بعض الأوجُه الموجبةِ للإيمان والسجود، أي: إذا كان حالهم يوم القيامة كما أشيرَ إليه فأيُّ شيءٍ لهم حالَ كونهم غيرَ مؤمنين؟ أي: أيُّ شيءٍ يمنعهم من الإيمان بالله تعالى ورسوله وََّ، وسائرٍ ما يجب الإيمان به، مع تعاضُدِ مُؤْجِباته من الأهوال التي تكون لتاركه يومئذٍ؟ وجوِّز أن يكون لترتيب ذلك على ما قبلُ من عظيم شأنه عليه الصلاة والسلام، المشار إليه بقوله سبحانه: (لَتَرْكَبُنَّ) إلخ على بعضٍ آخَرَ من الأوْجُهِ السابقة فيه، أي: إذا كان حاله وشأنه وَلّر ما أشير إليه، فأيُّ شيءٍ يمنعهم من الإيمان به عليه الصلاة والسلام؟ وجوِّز أن يكون لترتيب ذلك على ما تضمَّنه قوله سبحانه: (فَلاَ أُقْسِمُ) إلخ مِمَّا يدلُّ على صحة البعث من التغييرات العلوية والسُّفليةِ الدالّة على كمال القدرة، وإليه ذهب الإمام(١)، أي: إذا كان شأنُه - تعالى شأنُه - كما أشيرَ إليه من كونه سبحانه وتعالى عظيمَ القدرة واسعَ العلم، فأيُّ شيء يمنعهم عن الإيمان بالبعث الذي هو من جملة الممكنات التي تَشْمَلُها قدرتُه عز وجل، ويحيط بها علمُه جلَّ جلاله؟ عطفٌ على الجملة الحالية، فهي حاليةٌ ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ مثلُها، أي: فأيُّ مانعٍ لهم حالَ عدم سجودهم عند قراءة القرآن، والسجودُ مجازٌ عن الخضوع اللازم له على ما روي عن قتادة، أو المراد به الصلاةُ، وفي قَرْنِ ذلك بالإيمان دلالةٌ على عظم قَدْرِها كما لا يخفى. أو هو على ظاهره، فالمرادُ بما قبله: قرئ القرآنُ المخصوص، أو: وفيه آيةٌ سَجْدةٍ، وقد صحَّ عنه وَّرَ أنه سجد عند قراءة هذه الآية؛ أخرج مسلم وأبو داود (١) في تفسيره ١١١/٣١. الآية : ٢٢ ٤١١ سُورَةُ الأَنْتَقِلِ والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه وغيرهم عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله وَل في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ و﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيَّكَ﴾(١). وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائيُّ عن أبي رافع قال: صلَّيتُ مع أبي هريرة العتمةَ، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت له، فقال: سجدتُ خلف أبي القاسم وَ ◌ّ، فلا أزال أسجدُ فيها حتى ألقاه عليه الصلاة والسلام(٢). وفي ذلك ردٌّ على ابن عباس ﴿يَا، حيث قال: ليس في المفصَّل - وهو من سورة محمد ، وقيل: من ((الفتح))، وقيل وهو قول الأكثر: من ((الحجرات)) - سجدةٌ(٣). وهي سنَّةٌ عند الشافعيِّ وواجبةٌ عند أبي حنيفةَ، قال الإمام: روي أنه نَّ قرأ ذات يوم: ﴿وَأُسْبُدْ وَاقْتِبٍ﴾ [العلق: ١٩] فسجد هو ومَن معه من المؤمنين، وقريشٌ تصفِّقُ فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت هذه الآية. واحتجَّ أبو حنيفة على وجوب السجدة بهذا من وجهين: الأول: أنَّ فِعْلَه عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوبَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. الثاني: أنه تعالى ذَّ مَن يسمعُه ولا يسجد، وحصول الذمِّ عند الترك يدلُّ على الوجوب(٤). انتھی. وفيه بحثٌ، مع أنَّ الحديث - كما قال ابن حجر - لم يثبت(٥). ٢٢ ﴾ أي: بالقرآن، وهو انتقالٌ عن كونهم لا يسجدون ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (١) صحيح مسلم (٥٧٨) (١٠٨)، وسنن أبي داود (١٤٠٧)، وسنن الترمذي (٥٧٣)، وسنن النسائي ١٦١/٢، وسنن ابن ماجه (١٠٥٨). (٢) صحيح البخاري (٧٦٦)، وصحيح مسلم (٥٧٨) (١١٠)، وسنن أبي داود (١٤٠٨)، وسنن النسائي ١٦٢/٢ - ١٦٣. (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٩٠٠)، وصحح إسناده ابن حجر في الدراية ١/ ٢١١. (٤) تفسير الرازي ١١٢/٣١. (٥) قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص١٨٣: لم أجده. سُورَةُ الْأَنْقَقلِ ٤١٢ الآية : ٢٣ عند قراءته إلى كونهم يكذِّبون به صريحاً، ووُضِعَ الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالكفر، والإشعارِ بعلَّة الحكم. وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة: (يَكْذِبون)) مخفَّفاً وبفتح الياء(١). ﴿وَلَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُؤْعُونَ . أي: بالذي يُضْمِرونه في صدورهم من الكفر ٣٣ والحسد والبغضاء والبغي فـ ((ما)) موصولة والعائدُ محذوفٌ. وأصل الإيعاء: جَعْلُ الشيء في وعاء. وفي ((مفردات)) الراغب: الإيعاء حِفْظُ الأمتعة في وعاءٍ، ومنه قوله: والشرُّ أَخبثُ ما أَوْعَيْتَ من زاد(٢) وأريدَ به هنا الإضمارُ مجازاً، وهو المرويُّ عن ابن عباس، ولا يلزمُ عليه كونُ الآية في حقِّ المنافقين مع كون السورة مكيةً كما لا يخفَى. وفسَّره بعضهم بالجمع، وحُكي عن ابن زيد، وجوّز أن يكون المعنى: والله تعالى أعلم بما يجمعونه في صحفهم من أعمال السوء. وأيًّا ما كان فعِلْمُ الله تعالى بذلك كنايةٌ عن مُجازاته سبحانه عليه. وقيل: المرادُ الإشارةُ إلى أنَّ لهم وراء التكذيب قبائحَ عظيمةً كثيرةً يضيقُ عن شرحها نطاقُ العبارة. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المعنى: والله تعالى أعلم بما يضمرون في أنفسهم من أدلة كونه - أي: القرآن - حقًّا. فيكون المراد المبالغةً في عنادهم وتكذيبهم على خلاف عِلْمِهم، والظاهر أنَّ الجملة على هذا حالٌ من ضمير (يكذِّبون))، وكونُها كذلك على ما قيل من الإشارة خلافُ الظاهر. (١) القراءات الشاذة ص ١٧٠، والبحر ٤٤٨/٨. (٢) مفردات الراغب (وعى)، وصدر البيت: الخير يبقى وإن طال الزمان به، وقائله عبيد بن الأبرص كما في الأغاني ٩٣/٢٢، والمستقصى ٣٢٦/١، وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال للبكري ص ٢٤١، والخزانة ٢٥٧/١١. وقال البكري: الشعر لعبيد بإجماع من الرواة. الآية : ٢٤ - ٢٥ ٤١٣ سُوَرَّةُ الأَنْقَقلِ وقرأ أبو رجاء: ((بما يَعُون)) من وَعَى يَعي(١). ، مرتَّبٌ على الإخبار بعلمه تعالى بما يُوعون مراداً به ﴿فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَكٍِ ®﴾ مجازاتُهم به. وقيل: على تكذيبهم. وقيل: الفاء فصيحةٌ، أي: إذا كان حالهم ما ذكر فبشِّرهم .. إلخ. والتبشير في المشهور: الإخبار بسارٍّ، والتعبيرُ به هاهنا من باب: تحيةُ بينهم ضربٌ وجيع (٢) وجوِّز أن يكون ذلك على تنزيلهم - الانهماكهم في المعاصي الموجبة للعذاب، وعدم استرجاعهم عنها - منزلةَ الراغبين في العذاب، حتى كان الإخبارُ به تبشيراً وإخباراً بسارِّ. والفرقُ بين الوجهين يظهر بأدنى تأمُّلٍ . وأبْعَدَ جدًّا من قال: إنَّ ذلك تعريضٌ بمحبة نبي الرحمة وَّهِ البشارةَ، فيستعار لأمره عليه الصلاة والسلام بالإنذار لفظُ البشارة تطبيباً لقلبه وَله. ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ استثناءٌ منقطعٌ من الضمير المنصوب في ((فبشرهم». وجوِّز أن يكون متصلاً على أنْ يراد بالمستثنى مِن آمَنَ وعَمِلَ الصالحات: مَن آمن وعَمِلَ بعدُ منهم، أي: من أولئك الكفرة، والمضيُّ في الفعلين باعتبارِ عِلْمِ الله تعالى، أو هما بمعنى المضارع. ولا يخفَى ما فيه من التكلُّف، مع أنَّ الأول أنسبُ منه بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْر لأنَّ الأجر المذكور لا يخصُّ المؤمنين منهم، بل المؤمنين كافةً، ٢٥ غْرُ مَمْنُونٍ وكونُ الاختصاص إضافيًّا بالنسبة إلى الباقين على الكفر منهم خلافُ الظاهر، على أنَّ إيهام الاختصاص بالمؤمنين منهم يكفي في الغرض كما لا يخفى. والتنوينُ في ((أجر)) للتعظيم، ومعنى ((غير ممنون)): غيرُ مقطوع، مِن مَنَّ: إذا (١) البحر ٤٤٨/٨. (٢) سلف ٥/ ٦٤ . الآية : ٢٥ ٤١٤ سُورَةُ الإِنْقَقلِ قطع. أو: غيرُ معتدٍّ به ومحسوبٍ عليهم، مِن منَّ عليه: إذا اعتدَّ بالصنيعة وحَسَبَها . وجعل بعضُهم المنَّ بهذا المعنى من مَنَّ بمعنى قَطَعَ أيضاً؛ لِمَا أنه يقطع النعمة ويقتضي قطعَ شكرها . والجملة - على ما قيل - استئنافٌ مقرِّرٌ لما أفاده الاستثناء من انتفاء العذاب عن المذكورين، ومبيِّنٌ لكيفيته ومقارنتِه للثواب العظيم الكثير. سُورَةُ الُوج لا خلافَ في مكّيتها، ولا في كونها اثنتين وعشرين آيةً. ووجهُ مناسبتها لِمَا قبلها اشتمالُها (١) كالتي قبلُ على وعد المؤمنين ووعيدٍ الكافرين، مع التنويه بشأن القرآن وفخامة قَدْرِه. وفي ((البحر)): أنه سبحانه لَمَّا ذكر أنه جل وعلا أعلم بما يجمعون لرسول الله وَّه والمؤمنين من المكر والخداع وإيذاء مَن أسلم بأنواعٍ من الأذى، كالضرب والقتل والصلب، والحرقِ بالشمس، وإحماءِ الصخر ووضعِ أجسادٍ مَن يريدون أن يَفْتِنوه عليه، ذكر سبحانه أن هذه الشِّنْشِنةَ كانت فيمَن تقدَّمَ من الأُمم، فكانوا يعذِّبون بالنار، وأن المعذّبين كان لهم من الثبات في الإيمان ما منعهم أن يرجعوا عن دينهم، وأنَّ الذين عذَّبوهم ملعونون، فكذلك الذين عذَّبوا المؤمنين من كفار قريش، فهذه السورة عظةٌ لقريش، وتثبيتٌ لمن يعذِّبونه من المؤمنين(٢). انتھی، وهو وجهٌ وجیهٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّماءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾﴾ أي: القصور، كما قال ابن عباس وغيرُه. والمراد بها عند جمعِ البروجُ الاثنا عشر المعروفة. وأصلُ البُرْج: الأمر الظاهر، ثم صار حقيقةً للقصر العالي؛ لأنه ظاهرٌ للناظرين. ويقال لِمَا ارتفع من سور المدينة بُرْجٌ أيضاً. وبروجُ السماء بالمعنى (١) في (م): باشتمالها، وهو تصحيف. (٢) البحر ٨/ ٤٤٩. سُورَةُ الُون ٤١٦ الآية : ١ المعروف وإن التحقتْ بالحقيقة، فهي في الأصل استعارةٌ، فإنها شبِّهت بالقصور العلوِّها، ولأنَّ النجوم نازلةٌ فيها كسكّانها، فهناك استعارةٌ مصرِّحةٌ تتبعها مكنيةٌ. وقيل: شبّهت السماء بسور المدينة فأُثبت لها البروج. وقيل: هي منازلُ القمر. وهذا راجعٌ إلى القول الأول؛ لأن البروج منقسمةٌ إلى ثمانيةٍ وعشرين منزلاً، وقد تقدَّم الكلامُ فيها(١). وقال مجاهدٌ والحسن وعكرمةُ وقتادةُ: هي النجوم. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله(٢) رَُّه فيه حديثاً مرفوعاً بلفظ ((الكواكب)) بدل النجوم، والله تعالى أعلم بصحّته. وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن أبي صالح أنه قال: هي النجومُ العِظامُ(٣). وعليه إنما سمِّيت بروجاً لظهورها، وكذا على ما قبله وإن اختلف الظهور ولم يَظْهَرْ شمولُه جميعَ النجوم. وقيل: هي أبوابُ السماء، وسمِّيت بذلك لأن النوازل تخرج مع (٤) الملائكة عليهم السلام منها، فجعِلَتْ مشبَّهةً بقصور العظماء النازلةِ أوامِرُهم منها، أو لأنها لكونها مبدأً للظهور وُصفت به مجازاً في الطَّرف. وقيل: في النسبة. والبروجُ الاثنا عشر في الحقيقة على ما ذكره محقِّقو أهل الهيئة معتبرةٌ في الفلك الأعلى المسمَّى بفلك الأفلاك، والفلك الأطلس، وزعموا أنه العرشُ بلسان الشرع، لكنها لَمَّا لم تكن ظاهرةً حسًّا دُّوا عليها بما سامَتَها وقتَ تقسيم الفلك الأعلى من الصور المعروفة، كالحمل والثور وغيرهما، التي هي في الفلك الثامن المسمَّى عندهم بفلك الثوابت، وبالكرسيٍّ في لسان الشرع على ما زعموا، فبرج الحمل مثلاً ليس إلا جزءاً من اثني عشر جزءاً من الفلك الأعلى سامتَتْه صورة (١) عند تفسير الآية (٥) من سورة يونس، والآية (٣٩) من سورة ﴿يس﴾. (٢) كما في الدر المنثور ٣٣١/٦. (٣) الدر المنثور ٣٣١/٦. (٤) في (م): من، وهو خطأ. الآية : ١ ٤١٧ سُورَة البُرُون الحمل من الثوابت وقتَ التقسيم، وبرجُ الثور ليس إلا جزءاً من ذلك سامتَتْه صورة الثور منها ذلك الوقت أيضاً، وهكذا. وإنما قيل: وقت التقسيم؛ لأن كلَّ صورة قد خرجت لحركتها وإن كانت بطيئةً عما كانت مُسامِتَةً له من تلك البروج، حتى كاد يسامتُ الحمل اليوم برج الثور، والثور برج الجوزاء، وهكذا. فعلى هذا، وكونُ المراد بالبروج البروجَ الاثني عشر أو المنازلَ، قيل: المراد بالسماء الفلك الأعلى، وقيل: الفلك الثامن لظهور الصور الدالة على البروج فيه، ولذا يسمَّى فلك البروج. وقيل: السماء الدنيا؛ لأنها تُرى فيها بظاهر الحسِّ نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ﴾ [فصلت: ١٢] وقيل: الجنس الشامل لكلِّ سماءٍ؛ لأن السماوات شفّافةٌ فيشارك العليا فيما فيها السفلى؛ لأنه يرى فيها ظاهراً . وإذا أريد بالبروج النجومُ، فقيل: المراد بالسماء الفلك الثامن؛ لأنها فيه حقيقة. وقيل: السماء الدنيا. وقيل: الجنس، على نحو ما مرَّ، ولا يراد - على ما قيل - الفلكُ الأطلس، أعني الفلك الأعلى، لأنه كاسْمِه غيرُ مکوکبٍ. وإذا أُريد بها الأبواب، فقيل: المراد بالسماء ما عدا فلك الأفلاك المسمَّى بلسان الشرع بالعرش، فإنه لم يَرِدْ أنَّ له أبواباً. هذا وأنت تعلم أنَّ أكثر ما ذُكر مبنيٌّ على كلام أهل الهيئة المتقدِّمين، وهو لا يصحُّ له مستندٌ شرعاً، ولا تكاد تسمع فيه إطلاقَ السماء على العرش أو الكرسي، لكن لَمَّا سمع بعض الإسلاميين من الفلاسفة أفلاكاً تسعةً، وأراد تطبيق ذلك على ما ورد (١) في الشرع، زعم أنَّ سبعةً منها هي السماواتُ السبع، والاثنين الباقيين هما الكرسيُّ والعرش، ولم يَدْرِ أنَّ في الأخبار ما يأبى ذلك، وكونُ الدليل العقليِّ يقتضيه محلُّ بحثٍ كما لا يَخْفَى، ومَن رجع إلى كلام أهل الهيئة المحدّثين، ونظر في أدلتهم على ما قالوه في أمر الأجرام العلوية وكيفيةٍ ترتيبها، قَوِيَ عنده وَهْنُ ما ذهب إليه المتقدِّمون في ذلك. (١) في (م): روي. سُوَّةُ الْبُرُون ٤١٨ الآية : ٢ - ٣ فالذي ينبغي أن يقال: البروجُ هي المنازل للكواكب مطلقاً، التي يشاهدها الخواصُّ والعوامُّ، وما علينا في أيِّ سماء كانت، أو الكواكب أنفسُها أينما كانت، أو أبوابُ السماء الواردة في لسان الشرع والأحاديثِ الصحيحة، وهي لكلِّ سماءٍ، ولم يثبت للعرش ولا للكرسيِّ منها شيءٌ، ويراد بالسماء جنسُها أو السماءُ الدنيا في غير القول الأخير على ما سمعتَ فيما تقدَّم، فلا تغفل. ﴿وَالْيَوْمِ الْوْعُودِ ﴾﴾ أي: الموعودِ به، وهو يوم القيامة باتِّفاق المفسرين. وقيل: لعله اليومُ الذي يخرج الناسُ فيه من قبورهم، فقد قال سبحانه: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ آلْأَبْدَاثِ سِرَا كَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٣) خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ تَرْهَفُهُمْ ذِلَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَنُواْ يُعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٣-٤٤] أو يوم طيِّ السماء كطيِّ السجلِّ للكتب. وقيل: يمكن أن يراد به يومُ شفاعةِ النبيِّ وَّرَ، على ما أشار إليه قولُه تعالى: ﴿عَسَقٌ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ولا يَخْفَى أنَّ جميع ذلك داخلٌ في يوم القيامة. ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُورِ ﴾﴾ أي: ومَن يشهدُ ذلك(١) اليوم ويحضُره من الخلائق المبعوثين فيه، وما يَحْضُر فيه من الأهوال والعجائب، فيكون الله عزَّ وجلَّ قد أقسم سبحانه بيوم القيامة وما فيه تعظيماً لذلك اليوم، وإرهاباً لمنكريه. وتنكيرُ الوصفين للتعظيم، أي: وشاهدٍ ومشهودٍ لا يُكْتَنَه وَصْفُهما، أو للتكثير كما قيل في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]. وأخرج الترمذيُّ وجماعةٌ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الشاهد يومُ الجمعة، والمشهودُ يومُ عرفة))(٢) وروي ذلك عن أبي مالك الأشعري وجبير بن مطعم (١) في (م): بذلك. (٢) سنن الترمذي (٣٣٣٩). قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعَّف في الحديث. اهـ. ووقع في مطبوع الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ولم ترد هذه العبارة في تحفة الأشراف ١٣٣/١٠، ولا في تحفة الأحوذي ٢٥٨/٩. وقد أخرجه موقوفاً على أبي هريرة أحمد (٧٩٧٣)، وقال ابن كثير: وهو أشبه. الآية : ٣ ٤١٩ سُورَةُ الُون مرفوعاً أيضاً (١). وأخرجه جماعةٌ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وغيرِه من الصحابة (٢) والتابعين(٢). وأخرج الحاكم وصحَّحه عنه مرفوعاً أيضاً: ((الشاهدُ يومُ عرفةَ ويومُ الجمعة، والمشهودُ يومُ القيامة))(٣). وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: الشاهدُ يومُ الجمعة والمشهودُ يومُ النحر (٤). وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما وكرم وجههما أنَّ رجلاً سأله عن ذلك، فقال: هل سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، سألتُ ابن عمر وابن الزبير فقالا: يوم الذبح ويوم الجمعة. قال: لا، ولكنَّ الشاهدَ محمدٌ - وفي روايةٍ: جدِّي رسولُ اللهِ وَّهِ - ثم قرأ: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَ هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] والمشهودُ يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ (١) حديث أبي مالك أخرجه الطبري ٢٦٦/٢٤، والطبراني في الكبير (٣٤٥٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٧٣-١٧٤: فيه محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه، قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئاً. اهـ. قلنا: ويرويه عن أبي مالك شريح بن عبيد؛ قال أبو حاتم في المراسيل: شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري مرسل. وحديث جبير بن مطعم أخرجه ابن عدي ١٧٢٨/٥، وتمَّام كما في الروض البسام (١٣٦٩) من طريق عمار بن مطر، عن مالك، عن عمارة بن عبد الله، عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن النبي ◌ُّلچر. قال ابن عدي: هذا عن مالك بهذا الإسناد باطل، ليس هو بمحفوظ عنه. اهـ. وعمار بن مطر كذبه أبو حاتم، وقال ابن حبان: كان يسرق الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي: أحاديثه بواطيل. الميزان ٣/ ١٧٠ . (٢) تفسير عبد الرزاق ٣٦١/٢، وتفسير الطبري ٢٦٤/٢٤-٢٦٥. (٣) كذا ذكر المصنف، والذي في المستدرك ٥١٩/٢ من طريق شعبة قال: سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة، أما علي فرفعه إلى النبي ◌َّ، وأما يونس فلم يَعْد أبا هريرة، ثم ذكر الحديث كما أورده المصنف. فلعل الوهم في نسبة الحديث إلى علي ظُه وقع من قول الحاكم: أما علي فرفعه ... ، والصواب أنه علي بن زيد بن جدعان الذي روى عنه شعبة هذا الحديث. وعلي بن زيد ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب. (٤) الدر المنثور ٣٣٢/٦، ووقع في (م) بدل النحر: النجم، وهو تصحيف. سُورَةُ الْبُّون ٤٢٠ الآية : ٣ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] (١) وروى النسائيُّ وجماعةٌ من طرقٍ عن ابن عباس نحوه(٢). وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه: الشاهدُ الله عز وجل، والمشهودُ يومُ القيامة(٣). وعن مجاهد وعكرمة وعطاء بن يسار: الشاهد آدم عليه السلام وذرِّيتُه، والمشهودُ يومُ القيامة. وعن ابن المسيب: الشاهدُ يومُ التروية، والمشهودُ يومُ عرفة. وعن الترمذي(٤): الشاهد الحفظة، والمشهود - أي: عليه - الناس. وعن عبد العزيز بن يحيى: هما رسولُ اللهِ وَّه وأمَّتُه عليه الصلاة والسلام. وعنه أيضاً: هما الأنبياء عليهم السلام وأممهم. وعن ابن جبير ومقاتل: هما الجوارحُ وأصحابها . وقيل: هما يومُ الاثنين ويوم الجمعة. وقيل: هما الملائكة المتعاقبون عليهم السلام، وقرآنُ الفجر. وقيل: هما النجم، والليل والنهار. وقيل: الشاهد الله تعالى والملائكةُ وأولو العلم، والمشهود به الوحدانية و﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقيل: الشاهد مخلوقاتُه تعالى، والمشهود به الوحدانيةُ. وقيل: هما الحجرُ الأسود والحجيج. (١) الدر المنثور ٣٣٢/٦، وهو في تفسير الطبري ٢٦٦/٢٤-٢٦٧. ورواية: جدي رسولُ الله ◌َّله، أخرجها الطبراني في الصغير (١١٣٧)، وفيه: الحسين، بدل: الحسن. وفيه أيضاً الآية (٤٥) من سورة الأحزاب بدل الآية (٤١) من سورة النساء. (٢) سنن النسائي الكبرى (١١٥٩٩)، وتفسير الطبري ٢٦٦/٢٤. (٣) وأخرجه الطبري ٢٦٩/٢٤ . (٤) هو الحكيم كما في البحر ٤٥٠/٨، والكلام منه.