النص المفهرس

صفحات 381-400

الآية : ١٤
٣٨١
سُؤَّةُ الْمُطْفِفِينَ
مُجاراةُ الأحمق؛ فإنْ جاريته كنتَ مثله وإنْ سكتَ عنه سلمتَ منه، وكثرةُ الذنوب
مفسدةٌ للقلوب، وقد قال الله تعالى: ﴿بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، والخلوةُ
بالنساء والاستماعُ منهنَّ(١) والعملُ برأيهنَّ، ومجالسةُ الموتَى)) قيل: يا رسول الله،
مَن هم؟ قال: ((كلُّ غنيٌّ قد أبطره غناه))(٢).
وقرئ بإدغام اللام في الراء(٣)، وقال أبو جعفر بن الباذش: أجمعوا - يعني
القراءَ - على إدغام اللام في الراء، إلا ما كان من وَقْفِ حفصٍ على ((بل)) وقفاً
خفيفاً يسيراً لتبيين الإظهار. وليس كما قال من الإجماع ففي ((اللوامح)) عن قالون
من جميع طرقه إظهارُ اللام عند الراء، نحو قوله تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
[النساء: ١٥٨] ﴿بَل رَّبِّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٦] وفي كتاب ابن عطية: وقرأ نافع: ((بل ران))
غير مدغمٍ، وفيه أيضاً: وقرأ نافع أيضاً بالإدغام والإمالة(٤).
وقال سيبويه في اللام مع الراء نحو ((اشْغَل رحمه))(٥): البيانُ والإدغام حسنان.
وقال أيضاً: فإذا كانت - يعني اللام - غيرَ لام التعريف نحو لام ((هل)) و((بل)) فإنَّ
الإدغام أحسن، فإن لم تدغم فهي لغةٌ لأهل الحجاز وهي عربية جائزة(٦).
وفي ((الكشاف)): قرئ بإدغام اللام في الراء وبالإظهارِ، والإدغامُ أجود
وأُميلت الألف وفُخِّمَتْ(٧). فليحفظ.
(١) في الأصل و(م): والاستمتاع بهن، وفي الدر المنثور ٣٢٦/٦ (والكلام منه): والاستمتاع
منهن، والمثبت من باقي المصادر على ما يأتي.
(٢) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ٣٢٦/٦، وأخرجه أيضاً أبو موسى المديني في
التتمة كما في توضيح المشتبه ٨/ ٤٧، ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة ٦/ ٢٧٥. وجاء في
توضيح المشتبه: ((مجازاة الأحمق، إن جازيته ... )) كلاهما بالزاي. وأبو المجبَّر، بتشديد الباء
المفتوحة كما ذكر صاحب التوضيح، وقال: له صحبة، واختلف فيه هل هو بجيم أم بمهملة.
(٣) وهي قراءة الجماعة سوى حفص. التيسير ص ١٤٢ .
(٤) المحرر الوجيز ٤٥٢/٥، والكلام من البحر ٤٤١/٨ .
(٥) كذا في الأصل و(م) والبحر، وفي الكتاب ٤٥٢/٤: رحبة. والرَّحَبة: الأرض الواسعة
المِنْبات المِحْلال. القاموس (رحب).
(٦) الكتاب ٤٥٧/٤، والبحر ٤٤١/٨، والكلام منه.
(٧) الكشاف ٤/ ٢٣٢، والبحر ٤٤١/٨ .

سُورَةُ المطففين
٣٨٢
الآية : ١٥
﴾ ردٌ وزجرٌ عن الكسب الرائن، أو بمعنى حقًّا ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: هؤلاء
، لا يرونه سبحانه وهو عز وجل حاضرٌ ناظرٌ
١٥
المكذِّبين ﴿عَنْ زَيْهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوُونَ
لهم، بخلاف المؤمنين، فالحجابُ مجازٌ عن عدم الرؤية؛ لأنَّ المحجوب لا يرى
ما حُجِبَ. أو الحَجْبُ: المنعُ، والكلام على حذف مضافٍ، أي: عن رؤية ربِّهم
لممنوعون فلا يرونه سبحانه.
واحتجَّ بالآية مالكٌ على رؤية المؤمنين له تعالى من جهة دليل الخطاب،
وإلا فلو حُجِبَ الكلُّ لَمَا أَغْنَى هذا التخصيصُ. وقال الشافعي: لمَّا حَجَبَ سبحانه
قوماً بالسخط دلَّ على أن قوماً يرونه بالرضا. وقال أنس بن مالك(١): لمَّا حجب
عز وجل أعداءه سبحانه فلم يروه، تجلَّی جلَّ شأنه لأوليائه حتى رأوه عز وجل.
ومَن أنكر رؤيته تعالى كالمعتزلة قال: إنَّ الكلام تمثيلٌ للاستخفاف بهم
وإهانتهم؛ لأنه لا يؤذَنُ على الملوك إلا للوجهاء المكرَّمين لديهم، ولا يُحجب
عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم، كما قال:
إذا اعْتَرَوا بابَ ذي عُبِّيَّةٍ رُجِبوا والناسُ من بين مَرْجوبٍ ومَحْجوبٍ(٢)
أو هو بتقدير مضافٍ، أي: عن رحمة ربهم - مثلاً - لمحجوبون، وعن ابن
عباس وقتادة ومجاهد تقديرُ ذلك، وعن ابن كسيان تقدير الكرامة. لكنهم أرادوا
عمومَ المقدَّر للرؤية وغيرِها من ألطافه تعالى.
والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ ((محجوبون))، وهو العامل في ((يومئذ))، والتنوينُ فيه
تنوينُ عوضٍ، والمعوَّضُ عنه هنا ((يقوم الناس)) السابقُ، كأنه قيل: إنهم لمحجوبون
عن ربِّهم يومَ إذ يقوم الناس لربِّ العالمين.
(١) كذا في الأصل و(م) والبحر، والصواب: مالك بن أنس، كما ذكر الثعلبي والواحدي
والبغوي وابن الجوزي والقرطبي والنسفي في تفاسيرهم عند تفسير هذه الآية.
(٢) البيت في الكشاف ٤/ ٢٣٢ والبحر ٤٤١/٨ دون نسبة. وجاء في هامش الأصل و(م):
قوله: إذا اعتروا ... إلخ، عراه واعتراه: إذا غَشِيه، وذي عُبِّية بضم العين وتشديد الباء
الموحدة، أي: مَلِكٍ ذي كبر، ورُچِبوا بالتخفيف، أي: عُطّموا. اهـ منه. وفي الفائق
(عبب): العُبِّيَّة: الكبر، من فُعِّيلَة أو فُقُولَة، من باب عُباب الماء، وهو ارتفاعه.

الآية : ١٦ - ٢٠
٣٨٣
سُوَرَّةُ الْمُطْفِفِينَ
وُمَّ الَِهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِ ﴿٣)﴾ مُقَاسُو حرِّها على ما قال الخليل. وقيل: داخلون
فيها .
و(ثم)) قيل: لتراخي الرتبة، لكنْ بناءً على ما عندهم، فإنَّ صُلِيَّ الجحيم عندهم
أشدُّ من حجابهم عن ربِّهم عز وجل، وأما عند المؤمنين - لاسيما الوالهين به
سبحانه منهم - فإنَّ الحجاب عذابٌ لا يدانيه عذاب.
﴿ثُمَّ بُقَالُ﴾ لهم تقريعاً وتوبيخاً من جهة الخَزَنةِ أو أهلِ الجنة ﴿هَذَا الَّذِى كُمْ يِهِ
فذوقوا عذابه .
تُكَذِّبُونَ
، تكريرٌ للردع السابق في قوله تعالى: (كلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ) إلخ ليُعقب
بوعد الأبرار كما عقِّب ذاك بوعيد الفجَّار، إشعاراً بأنَّ التطفيف فجورٌ والإيفاءَ برٌّ.
وقيل: ردٌ عن التكذيب، فلا تكرار.
﴿إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلْيَنَ
كِتَبٌ فَرَقُومٌ ﴾﴾ الكلامُ
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُونَ
نحوُ ما مرَّ في نظيره، بيد أنهم اختلفوا في ((عليين)) على وجهٍ آخر غيرِ اختلافهم في
(سجِّين))، فقال غير واحد: هو علمٌ لديوان الخير الذي دوِّن فيه كلُّ ما عملته
الملائكة وصُلَحاء الثقلين، منقولٌ من جَمْع عِلِّيٍّ فِعِّيل من العلو كسجِّين من
السَّجْنِ، سمِّي بذلك إمَّا لأنه سببُ الارتفاع إلى أعالي درجات الجنان، أو لأنه
مرفوعٌ في السماء السابعة أو عند قائمةِ العرش اليمنى مع الملائكة المقرَّبين عليهم
السلام تعظيماً له.
وقيل: هو المواضع العَلِيَّة، واحدُه عِلِّيٌّ، وكان سبيله أن يقال: عِلِّية، كما قالوا
للغرفة: عِلِّية، فلمَّا حذفوا التاء عوَّضوا عنها الجمعَ بالواو والنون، وحكي ذلك عن
أبي الفتح بن جنِّي(١) .
وقيل: هو وصفٌ للملائكة ولذلك جمع بالواو والنون.
وقال الفرَّاء: هو اسمٌ موضوع على صيغة الجمع، ولا واحدَ له من لَفْظِه
(١) حكاه عنه أبو حيان في البحر ٤٤٢/٨، وعنه نقل المصنف، وكلام ابن جني في كتابه سرّ
صناعة الإعراب ٢/ ٦٢٥ .

سُورَةُ المُطفِفِين
٣٨٤
الآية : ٢١
كعشرين وثلاثين، والعربُ إذا جمعت جمعاً ولم يكن له بناءُ واحدٍ ولا تثنيةٌ أطلقوه
في المذكَّر والمؤنَّث بالواو والنون(١).
· صفةٌ أخرى لـ ((كتاب))، أي: يَحْضُرونه، على أنَّ ((يشهد)»
﴿يَشْهَدُهُ الْقُرَُّنَ
من الشهود بمعنى الحضور، وحضورُه كنايةٌ عن حفظه في الخارج. أو: يشهدون
بما فيه يوم القيامة، على أنه من الشهادة. وعلى الوجهين المراد بـ ((المقرَّبين)) جمعٌ
من الملائكة عليهم السلام، كذا قالوا.
وأخرج عبد بن حميد(٢) من طريق خالد بن عَرْعَرة وأبي عجيل أنَّ ابن عباس
سأل كعباً عن هذه الآية، فقال: إنَّ المؤمن يَحْضُره الموت، ويَحْضُره رسلُ ربِّه عز
وجل، فلا هم يستطيعون أن يؤخّروه ساعةً ولا يعجِّلوه، حتى تجيءَ ساعتُه، فإذا
جاءت ساعتُه قبضوا نَفْسَه فدفعوه إلى ملائكة الرحمة فأَرَوْه ما شاء الله تعالى أن
يُرُوه من الخير، ثم عَرَجوا بروحه إلى السماء، فيشيِّعه من كلِّ سماءٍ مقرَّبوها، حتى
ينتهوا به إلى السماء السابعة، فيضعونه بين أيديهم ولا ينتظرون به صلاتكم عليه،
فيقولون: اللهم هذا عبدُك فلانٌ قبضنا نَفْسَه - ويَدْعون له بما شاء الله تعالى أن
يَدْعوا له - فنحن نحبُّ أن تُشْهِدَنا اليوم كتابَه. فيُنْشَر كتابُه من تحت العرش فيثبتون
) يَشْهَدُهُ الْمُرَُّنَ ®﴾ وسأله
اسمَه فيه وهم شهودٌ، فذلك قوله تعالى: ﴿كِتَبُ نَرَقُومٌ
عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَبَ الْفُبَّارِ﴾ الآيةَ فقال: إنَّ العبد الكافر يحضره الموتُ
ويحضُره رسلُ ربِّه سبحانه، فإذا جاءت ساعتُه قبضوا نفسه فدفعوه إلى ملائكة
العذاب فأَرَوْه ما شاء الله تعالى أنْ يُرُوه من الشّرِّ، ثم هبطوا به إلى الأرض السفلى
وهي(٣) سجِّين، وهي آخِرُ سلطان إبليس فأثبتوا كتابه فيها، الحديثَ.
وفي بعض الأخبار ما ظاهرُهُ أنَّ نفس العمل يكون في سجِّينٍ ويكون في
علِّين؛ فقد أخرج ابن المبارك عن ضَمْرةً(٤) بن حبيبٍ قال: قال رسول الله وَالآتي:
(١) معاني القرآن للفراء ٢٤٧/٣، والبحر ٤٤٢/٨.
(٢) كما في الدر المنثور ٣٢٧/٦.
(٣) في (م): وهو.
(٤) في الأصل: صخرة، وفي (م): صخرت، والصواب ما أثبتناه.

الآية : ٢٢ - ٢٣
٣٨٥
سُورَةُ المطفِفِين
((إنَّ الملائكة يرفعون أعمال العبد من عباد الله تعالی یَسْتگثرونه ویزگونه، حتى
يبلغوا به إلى حيث شاء الله تعالى من سلطانه، فيوحي الله تعالى إليهم: إنَّكم حفظةٌ
على عمل عبدي وأنا رقيبٌ على ما في نفسه، إنَّ عبدي هذا لم يُخْلِصْ لي عملَه
فاجعلوه في سجِّين. ويصعدون بعمل العبد يستقلُّونه ويستحقرونه حتى يبلغوا به إلى
حيث شاء الله تعالى من سلطانه، فيوحي الله تعالى إليهم: إنكم حفظةٌ على عمل
عبدي وأنا رقيبٌ على ما في نفسه، إنَّ عبدي هذا أَخْلَصَ لي عملَه فاجعلوه في
علِّيين))(١). وبأدنى تأويلٍ يَرْجِعُ إلى ما تضمَّنته الآية، فلا تغفل.
شروعٌ في بيان محاسن أحوالهم إثر
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ
بيانِ حالِ كتابهم، والجملة مستأنفةٌ استئنافاً بيانيًّا، كأنه قيل: هذا حالُ كتابهم،
فما حالُهم؟ فأجيبَ بما ذُكر، أي: إنهم لفي نعيم عظيم.
﴿عَلَى الْأَرَّبِ﴾ أي: على الأسرَّة في الحِجَال(٢)، وقد تقدم تمامُ الكلام فيها.
﴾ أي: إلى ما شاؤوا من رغائب مناظر الجنة، وما تَحْجُبُ
﴿يَظُرُونَ
الحِجَالُ أبصارَهم.
وقال ابن عباس وعكرمةُ ومجاهد: إلى ما أعدَّ الله تعالى لهم من الكرامات.
وقال مقاتل: إلى أهل النار أعدائهم. ولم يَرْتَضِه بعضٌ ليكون ما في آخر
السورة تأسيساً .
وقيل: ینظر بعضهم إلى بعض فلا يُحجّبُ حبیبٌ عن حبيبه.
وقيل: النظر كنايةٌ عن سَلْبِ النوم، فكأنه قيل: لا ينامون، وكأنه لدَفْعِ توهُّم
النوم من ذكر الأرائك المعدَّة للنوم غالباً، وفيه إشارةٌ إلى أنه لا نومَ في الجنة
(١) الزهد لابن المبارك (٤٥٢)، وأخرجه أيضاً أبو الشيخ في العظمة (٥٢٢)، كلاهما من طريق
أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة به. وابن أبي مريم ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب،
كما أن الخبر مرسل.
(٢) جمع حَجَلة، وهو مثل القبة يتخذ للعروس، يزيَّن بالثياب والستور، ويرخى على السرير،
قال الشهاب: يُسمَّى بديارنا ناموسية. حاشية الشهاب ٣٣٨/٨، ومعجم متن اللغة (حجل).

سُورَةُ المطففين
٣٨٦
الآية : ٢٤ - ٢٦
كما وردت به الأخبار(١)؛ لِمَا فيه من زوال الشعور وغفلةِ الحواس، إلى غير ذلك
مما لا يناسبُ ذلك المقامَ. وعليه يكون قوله سبحانه: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ
اٌلَّعِيمِ (®﴾ - أي: بهجةَ النعيم ورونَقَه - لنفي ما يُؤْهِمه سلبُ النوم من الضعف
وتغيُّرِ بهجة الوجه كما في الدنيا، وهو وجهٌ لا يَعْرِفُ فيه الناظر نضرةَ التحقيق.
والخطابُ في ((تَعْرِفُ)) لكلِّ مَن له حظّ من الخطاب؛ للإيذان بأنَّ ما لهم من
آثار النعمة وأحكام البهجة بحيث لا يختصُّ براءٍ دون راءٍ. وقرأ أبو جعفر وابن
أبي إسحاق وطلحةُ وشيبةُ ويعقوبُ: ((تُعْرَفُ)) مبنيًّا للمفعول ((نضرةُ)) رفعاً على النيابة
عن الفاعل(٢).
وجوَّز بعضهم أن يكون نائبُ فاعلِ («تُعرف)) ضميرَ ((الأبرار))، و((في وجوههم
نضرة)) مبتدأ وخبر، كأنه قيل: تُعرف الأبرارُ بأنَّ في وجوههم نضرة النعيم، وليس
بشيءٍ كما لا يخفى.
وقرأ زيد بن عليٍّ كذلك إلَّا أنه قرأ: ((يُعْرَفُ)) بالياءِ(٣)؛ إذ تأنيثُ ((نضرة))
مجازيٌّ.
﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ﴾ قال الخليل: هو أجودُ الخمر. وقال الأخفش والزجَّاج:
الشراب الذي لا غشَّ فيه (٤)؛ قال حسان:
يَسْقُونَ مَن وَرَدَ البريصَ عليهمُ بَرَدَى يصفَّقُ بالرحيقِ السَّلْسَل(٥)
وفِّر هاهنا بالشراب الخالص مما يكدِّرُ حتى الغَوْل(٦).
٢٥
خِتَلُهُ، مِسْكٌ﴾ أي: مختومٌ أوانيه وأكوابُه بالمسك مكانَ الطين
﴿مَخْتُومٍ
كما روي عن مجاهدٍ، وذُكر أنَّ طين الجنة مسكٌ معجونٌ. والظاهرُ أنَّ الختام
(١) ينظر حديث جابر عاته عند البزار (٣٥١٧ - كشف)، وسلف ١٣٧/٢٥.
(٢) النشر ٣٩٧/٢ عن أبي جعفر ويعقوب، والكلام من البحر ٤٣٨/٨.
(٣) البحر ٤٤٢/٨ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٥/ ٣٠٠، والكلام من البحر ٤٣٨/٨.
(٥) ديوان حسان ص ١٨٠، والبحر ٤٣٨/٨، وسلف عند تفسير الآية (٥٦) من سورة الأعراف.
(٦) الغَوْل: السُّكْر. القاموس (غول).

الآية : ٢٦
٣٨٧
سُورَةُ المطففين
ما يُخْتَمُ به، وأنَّ الختم على حقيقته، وكذا إسناده، وقولنا: مختومٌ أوانيه .. إلخ،
ليس لأنَّ الإسناد مجازيٌّ، بل لأن الختم على الشيء - أعني الاستيثاقَ منه
بالختم - طريقُه ذلك.
وخُتم اعتناءً به وإظهاراً لكرامة شاربه، وكان ذلك بما هو على هيئة الطين
لیکون على النهج المألوف، ويجوز أن يكون ذلك تمثيلاً لكمال نفاسته، وإلا فليس
ثمةً غبارٌ أو ذبابٌ أو خيانةٌ ليصانَ عن ذلك بالختم.
وقال ابن عباس وابن جبير والحسن: المعنى: خاتمتُه ونهايتُه رائحةُ مسكٍ إذا
شُرب، أي: يجدُ شاربُه ذلك عند انتهاء شربه. وكأن ذلك لأنَّ اشتغال الذائقة
بكمال لذته تمنع عن إدراك الرائحة، فإذا انقطع الشربُ أُدْرِكَتْ، وإلا فالرائحةُ
لا تختصُّ بالانتهاء.
وقيل: المعنى: ذو نهايةٍ، نهايتُه وما يبقى بعد شربه ويَرْسُبُ (١) في أوانيه
مسكٌ، وليس كشراب الدنيا نهايتُه وما يَرْسبُ في إنائه طينٌ أو نحوه. وهو
كما ترى.
وقيل: إنَّ الرحيق يُمزج بالكافور ويُختم مزاجُه بالمسك، فالمعنى: ذو ختامِ،
ختامٌ مزاجُه مسكٌ. وهو - مع كونه خلافَ الظاهر، وفيما بعدُ ما يُبْعِدُه فَي
الجملة - يحتاج إلى نقلٍ يعوَّلُ عليه.
وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والنخعيُّ والضحاك وزيد بن عليٍّ وأبو حيوة
وابنُ أبي عبلة والكسائيُّ: ((خاتَمه)) بألفٍ بعد الخاء وفَتْح التاء (٢)، والمراد ما يُختم
به أيضاً، فإنَّ فاعلاً بالفتح يكون أيضاً اسمَ آلةٍ كالقالَب والطابَع، لكنه سماعيٌّ.
وعن الضحاك وعيسى، وأحمد بن جبير الأنطاكيِّ عن الكسائي كَسْرُ التاء(٣)،
أي: آخِرُه رائحةُ مسكٍ.
(١) في (م): ويشرب، هو تصحيف.
(٢) التيسير ص٢٢١، والنشر ٣٩٩/٢ عن الكسائي، والكلام من البحر ٤٤٢/٨.
(٣) البحر ٤٤٢/٨، وهي خلاف المشهور عن الكسائي، وقال صاحب النشر ٣٩٩/٢:
ولا خلاف عنهم في فتح التاء.

سُورَةُ الْمُطْفِفِينَ
٣٨٨
الآية : ٢٦
والجمَلُ السابقة، أعني ((على الأرائك ينظرون)) و((تعرف في وجوههم)) إلخ
و((يسقون)) إلخ، قيل: أحوالٌ مترادفةٌ. وقيل: مستأنفاتٌ كجملةٍ ((إنَّ الأبرار)) إلخ،
وقعت أجوبةً للسؤال عن حالهم، والفصلُ للتنبيه على استقلالِ كلٍّ في بيان
کرامتهم.
﴿وَفِ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الرحيق، وهو الأنسبُ بما بعدُ، أو إلى ما ذكر من
أحوالهم. وما فيه من معنى البُعْدِ للإشعار بعلوِّ مرتبته وبُعْدٍ منزلته، وجوِّز أن يكون
لكونه في الجنة.
والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ﴾، وقدِّم للاهتمام أو للحصر،
أي: فليتنافس ولْيَرغَبْ فيه لا في خمورِ الدنيا، أو لا في غيره من ملاذِّها ونعيمها
﴿ الْمُنَنَّفِسُونَ ﴾﴾ أي: الراغبون في المبادرة(١) إلى طاعة الله تعالى.
وقيل: أي: فلْيَعْمَلْ لأَجْلِه - أي: لأَجْلِ تحصيله خاصةً والفوزِ به - العاملون،
كقوله تعالى: ﴿لِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] أي: فلْيَسْتَبِقْ في تحصيل
ذلك المتسابقون.
وأصل التنافُس: التغالُبُ في الشيء النفيس، وأصله من النَّفْسِ لعزَّتها، قال
الواحدي: نَفِسْتُ الشيءَ أَنْفَسُه نفاسةً، والتنافُسُ تفاعُلٌ منه، كأنَّ كلَّ واحدٍ من
الشخصين يريد أن يستأثر به(٢).
وقال البغوي(٣): أصلُه من الشيء النفيس الذي تحرصُ عليه نفوسُ الناس،
ويريده كلُّ أحدٍ لنفسه، ويقال: نَفِسْتُ عليه بالشيء أَنْفَسُ نفاسةً: إذا بخلت به
عليه .
(١) في الأصل: بالمبادرة.
(٢) ذكره عن الواحدي الرازي في تفسيره ١٠٠/٣١، وأبو السعود ١٢٨/٩، وعنه نقل
المصنف. وفي تفسير الرازي: نفستُ عليه الشيء أنفسُه نفاسة: إذا ضننت به ولم تحبّ أن
يصير إليه، والتنافس تفاعل ... إلخ.
(٣) في تفسيره ٤ / ٤٦١.

الآية : ٢٧
٣٨٩
سُوَرَّةُ الْمُطْفِقِين
وفي ((مفردات)) الراغب: المنافسةُ مجاهدةُ النفس للتشبُّه بالأفاضل والُّحوقِ
بهم من غير إدخالٍ ضررٍ على غيره(١). وهي بهذا المعنى مِن شَرَفِ النفس وعلوِّ
الهمة، والفرقُ بينها وبين الحسد أظهرُ من أنْ يَخْفَى.
واستشكل ذلك التعلُّق بأنه يلزم عليه دخولُ العاطف على العاطف؛ إذ التقدير:
وفليتنافس في ذلك.
وأجيبَ بأنه بتقدير القول، أي: ويقولون لشدة التلذُّذ من غير اختيارٍ: في ذلك
فليتنافس المتنافسون، أي: في الدنيا، على معنى أنه كان اللائقُ بهم أن يتنافسوا
في ذلك.
وقيل: الكلام على تقدير حرف الشرط والفاءُ واقعةٌ في جوابه، أي: وإنْ أريدَ
تنافسٌ فليتنافس في ذلك المتنافسون، وتقديمُ الظرف ليكون عِوَضاً عن الشرط في
شغل حيِّزه، وهو أنفَسُ ممَّا تقدَّم.
عطفٌ على ((ختامُه مسكٌ))، صفةٌ أخرى
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَالجُ مِن تَسْنِمٍ ◌َ
لـ ((رحيق)) مثلُه، وما بينهما اعتراضٌ مقرِّرٌ لنفاسته، و((تسنيم)) عَلَمٌ لعينٍ بعينها في
الجنة كما روي عن ابن مسعود. وعن حذيفة [بن] اليمان أنه قال: عينٌ من
عَدْنٍ(٢). سمِّيتْ بالتسنيم الذي هو مصدرُ سَنَمَه: إذا رفعه، إمَّا لأن شرابها أرفعُ
شرابٍ في الجنة على ما روي عن ابن عباس، أو لأنها تأتيهم من فوقٍ على ما روي
عن الكلبي. ورُوي أنها تجري في الهواء متسنِّمةً فتنصبُّ في أوانيهم. وقيل:
سميت بذلك لرِفْعةٍ مَن یشرب بها.
ولا يلزمُ من كونه عَلَمَاً لِمَا ذُكر مَنْعُ صرفه للعَلَمية والتأنيث لأنَّ العين مؤنَّةٌ؛ إذ
هي قد تذكَّر بتأويل الماء أو نحوه.
و (من)) بيانيةٌ أو تبعيضيةٌ، أي: ما يمزج به ذلك الرحيقُ هو تسنيمٌ، أي: ماءُ
تلك العين، أو بعضُ ذلك، وجوِّز أن تكون ابتدائيةً.
(١) مفردات الراغب (نفس).
(٢) أخرجه ابن المنذر كما في الدر المنثور ٣٢٨/٦، وما بين حاصرتين منه.

سُؤَدَّةُ الْمُطْفِفِينَ
٣٩٠
الآية : ٢٨ - ٢٩
﴿عَيْنَا﴾ نصبُ على المدح. وقال الزّجَّاج: على الحال من ((تسنيم))(١). قيل:
وصحَّ(٢) كونُه حالاً مع جموده لوَصْفِه بقوله تعالى ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (®﴾، أو
لتأويله بمشتقٌّ كجارية. وأنت تعلم أنَّ الاشتقاق غيرُ لازمٍ.
والباء إما زائدةٌ، أي: يشربها. أو بمعنى ((مِن))، أي: يشرب منها. أو على
تضمين ((يشرب)) معنى يروي، أي: يشرب راوين بها - أو: يُرْوَى بها
شاربين - المقرَّبون. أو صلة الالتذاذ، أي: يشرب ملتذًا بها. أو الامتزاج، أي:
يشرب الرحيقَ ممتزجاً بها. أو الاكتفاء، أي: يشرب مكتفين بها. أوجُهُ ذكروها .
وفي كونها صلةَ الامتزاج مقالٌ، فقد قال ابن مسعود وابن عباس والحسن
وأبو صالح: يشربُ بها المقرَّبون صرفاً، وتُمزجُ للأبرار.
ومذهبُ الجمهور أنَّ ((الأبرار)) هم أصحاب اليمين، وأنَّ ((المقربين)) هم
السابقون، وكأنهم إنما كان شرابهم صرفَ التسنيم لاشتغالهم عن الرحيق المختوم
بمحبة الحيِّ القيوم، فهي الرحيقُ التي لا يقاس بها رحيقٌ، والمدامةُ التي تَوَاصَى
على شُربها ذوو الأذواق والتحقيق:
على نفسه فليَبْكِ مَن ضاع عمرُه . وليس له منها نصيبٌ ولا سهم (٣)
وقال قوم: الأبرار والمقرَّبون في هذه السورة بمعنّى واحدٍ يشمل كلَّ مَن نعِّم
في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ إلخ حكايةٌ لبعض قبائح مشركي قريش:
أبي جهلٍ، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأشياعهم، جيء بها تمهيداً
لذكر بعض أحوال الأبرار في الجنة.
﴿كَانُواْ﴾ أي: في الدنيا كما قال قتادة ﴿مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ
يستهزؤون بفقرائهم كعمَّارٍ وصهيبٍ وخبَّابٍ وبلالٍ وغيرِهم من الفقراء.
كانوا
٢٩
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٠١/٥.
(٢) في الأصل: وقيل صح.
(٣) سلف في مقدمة المصنف.

الآية : ٣٠ - ٣١
٣٩١
سُورَةُ المُطْفِفِينَ
وفي ((البحر)): روي أنَّ عليًّا كرم الله تعالى وجهه وجمعاً من المؤمنين معه مرُّوا
بجَمْع من كفَّار مكة، فضحكوا منهم واستخفُّوا بهم، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ إلخ
قبل أَن يَصِلَ عليّ كرم الله تعالى وجهه إلى رسول الله وَل﴾(١).
وفي ((الكشاف)) حكايةُ ذلك عن المنافقين، وأنهم قالوا: ربنا اليوم الأصلع (٢).
أي: سيدنا، يعنون عليًّا كرم الله تعالى وجهه، وإنما قالوه استهزاءً، ولعل الأول
اصُ.
وتقديم الجارِّ والمجرور إمّا للقصر إشعاراً بغايةٍ شناعةٍ ما فعلوا، أي: كانوا
من الذين آمنوا يضحكون مع ظهور عدم استحقاقهم لذلك، على منهاج قوله تعالى:
﴿أَفِ اَللَّهِ شَكٌ﴾ [إبراهيم: ١٠] أو (٣) لمراعاة الفواصل.
﴾ أي: بالذين أجرموا وهم في أنديتهم
﴿وَإِذَا مَرُواْ﴾ أي: المؤمنون ﴿٢
﴿وَغَامَزُونَ ﴿٣)﴾ أي: يغمز بعضهم بعضاً، ويُشيرون بأعينهم استهزاءً بالمؤمنين.
وإرجاعُ ضمير ((مرُّوا)) للمؤمنين وضمير ((بهم)) للمجرمين هو الأظهر الأوفق
بحكاية سبب النزول، واستظهر أبو حيان العكسَ معلِّلاً له بتناسُق الضمائر(٤).
﴿وَإِذَا أَنْقَلَبُواْ﴾ أي: المجرمون ورجعوا من مجالسهم ﴿إِلَّ أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ
فَكِهِينَ ﴾﴾ ملتذِّين باستخفافهم بالمؤمنين، وكأنَّ المراد بذلك الإشارةُ إلى أنهم
يَعدُّون صنيعهم ذلك من أحسن ما اكتسبوه في غيبتهم عن أهلهم، أو إلى أنَّ له وقعاً
في قلوبهم، ولم يفعلوه مراعاةً لأحد، وإنما فعلوه لحظٌ أنفسهم.
وقيل: فيه إشارةٌ إلى أنهم كانوا لا يفعلون ذلك بمَرْأَى من المارِّين بهم،
ویکتفون حينئذٍ بالتغامز.
وقرأ الجمهور: ((فاكهين)) بالألف(٥)، فقيل: هما بمعنَى. وقيل: ((فكهين)):
(١) البحر ٤٤٣/٨ .
(٢) الکشاف ٢٣٣/٤، وفيه: رأينا، بدل: ربنا .
(٣) قوله: أو، ساقط من (م).
(٤) البحر ٤٤٣/٨ .
(٥) التيسير ص٢٢١، والنشر ٢٥٤/٢-٢٥٥ و٣٩٩. وقرأ ((فَكِهين)) بغير ألف حفص وأبو جعفر.

سُوَّةُ المطففين
٣٩٢
الآية : ٣٢ - ٣٥
أَشِرِينَ، وقيل: فَرِحين. و((فاكهين)) قيل: متفكِّهين، وقيل: ناعمين، وقيل:
مازحين(١).
®﴾ يعنون
﴿وَإِذَا رَأَوَهُمْ﴾ وإذا رأوا المؤمنين أينما كانوا ﴿قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَآَلُونَ
جنسَ المؤمنين مطلقاً لا خصوصَ المرئيين منهم، والتأكيد لمزيد الاعتناء بسبِّهم.
جملةٌ حاليةٌ من ضمير ((قالوا))، أي: قالوا ذلك
﴿وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ
٣٣
والحالُ أنهم ما أُرسلوا من جهة الله تعالى على المؤمنين موكَّلين بهم يحفظون
عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم. وهذا
تهكُّمٌ واستهزاءٌ بهم، وإشعارٌ بأنَّ ما اجترؤوا عليه من القول من وظائف مَن أُرسل
من جهته تعالی.
وجوِّز أن يكون من جملة قول المجرمين، والأصل: وما أرسلوا علينا
حافظين، إلا أنه قيل: ((عليهم)) نقلاً بالمعنى، على نحو: قال زيد ليفعلنَّ كذا،
وغرضُهم بذلك إنكارُ صدِّ المؤمنين إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإيمان.
﴿وَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: المعهودون من الفقراء ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أي: من
المعهودين، وجوِّز التعميمُ من الجانبين ﴿يَضْسَكُونَ
حين يرونهم أذلَّاء مغلولين
٣٤٦
قد غَشِيتْهم فنونُ الهوان والصَّغَارِ بعد العزِّ والكبر، ورَهَقَهم ألوانُ العذاب بعد
التنعُم والترُّه.
والظرف والجارُّ والمجرور متعلِّقان بـ ((يضحكون))، وتقديم الجارِّ والمجرور
قيل: للقَصْرِ تحقيقاً للمقابلة، أي: واليوم هم من الكفار يضحكون لا الكفارُ منهم
کما كانوا يفعلون في الدنيا .
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَايِكِ يَنْظُرُونَ
يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من سوء الحال.
حالٌ من فاعل ((يضحكون))، أي:
٣٥
(١) في الأصل: مارحين، وفي (م): مادحين، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٢٩/٩ وهو
الصواب؛ قال القشيري كما في تفسير القرطبي ١١٨/١٩: فاكهين: لاهين مازحين، يقال:
إنه لفاكه، أي: مزَّاح، وفيه فكاهة، أي: مزح.

الآية : ٣٦
٣٩٣
سِوَرَةُ المُطفِفِينَ
وقيل: يُفتح للكفار بابٌ إلى الجنة فيقال لهم: هلمَّ هلمّ. فإذا وصلوا إليها
أغلق دونهم، يُفْعل ذلك مراراً حتى إنَّ أحدهم يقال له: هلم هلم. فما يأتي من
إياسه، ويضحك المؤمنون منهم(١).
وتعقِّب بأنَّ قوله تعالى: ﴿هَلْ تُبَ الْكُغَارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣)﴾ یاباه؛ فإنه صريحٌ
في أنَّ ضحك المؤمنين منهم جزاءٌ لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بدَّ من المجانسة
والمشاكلة حتماً. والحقُّ أنه لا إباءَ كما لا يخفى.
والتثويبُ والإثابة: المجازاة، ويقال: ثوَّبه وأثابه: إذا جازاه، ومنه قول
الشاعر:
وحَسْبُكِ أن يُثْنَى عليكِ وتُحْمَدي(٢)
سأَجْزِيكِ أو يَجْزیكِ عنِّي مثوِّبٌ
وظاهر كلامهم إطلاقُ ذلك على المجازاة بالخير والشر، واشتهر بالمجازاة
بالخير، وجوِّز حملُه عليه هنا على أنَّ المراد التهكُّم، كما قيل به في قوله
تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤] و﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾
[الدخان: ٤٩] كأنه تعالى يقول للمؤمنين: هل أثبنا هؤلاء على ما كانوا يفعلون
كما أثبناكم على ما كنتم تعملون، فيكون هذا القول زائداً في سرورهم لِمَا فيه
من تعظيمهم والاستخفافِ بأعدائهم. والجملة الاستفهامية حينئذٍ معمولةٌ لقولٍ
محذوفٍ وقع حالاً من ضمير ((يضحكون)) أو من ضمير ((ينظرون))، أي:
يضحكون أو ينظرون مقولاً لهم: هل ثوِّب .. إلخ، ولم يتعرَّض لذلك
الجمهور.
وفي ((البحر)): الاستفهام لتقرير المؤمنين، والمعنى: قد جُوزيَ الكفار
ما كانوا .. إلخ. وقيل: ((هل ثوِّب)) متعلِّقٌ بـ ((ينظرون)) والجملةُ في موضع نصبٍ به
بعد إسقاط حرف الجرِّ الذي هو ((إلى))(٣). انتهى.
(١) أخرج نحوه ابن المنذر كما في الدر المنثور ٣١/١ من طريق الكلبي عن أبي صالح.
(٢) البيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص٢٧، والكشاف ٢٣٣/٤، والبحر ٤٤٣/٨.
(٣) البحر ٤٤٣/٨ .

الآية : ٣٦
٣٩٤
سُورَةُ الْمُطْفِقِين
و((ما)» مصدريةٌ، أو موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ، أي: يفعلونه، والكلامُ بتقدیرِ
مضافٍ، أي: ثوابَ أو جزاءً ما كانوا .. إلخ. وقيل: هو بتقدير باء السببية، أي:
هل ثوِّب الكفار بما كانوا .
وقرأ النحويان وحمزة وابن محيصن بإدغام اللام في الثاء (١)، والله تعالى
أعلم.
(١) البحر ٤٤٣/٨، وهي في التيسير ص٢٢١ عن الكسائي وحمزة وهشام.

سُوَرَةُ الْأَنْقَقلِ
ويقال: سورة ((انشقَّت)). وهي مكيةٌ بلا خلافٍ، وآيُها ثلاثٌ وعشرون آيةً في
البصري والشامي، وخمسٌ وعشرون في غيرهما.
ووجهُ مناسبتها لِمَا قبلها يُعلم مما نقلناه عن الجلال السيوطيّ فيما قبلُ(١). وأَوْجَزَ
بعضهم في بيان وجهِ ترتيب هذه السور الثلاث فقال: إنَّ في ((انفطرت)) التعريفُ
بالحفظة الكاتبين، وفي ((المطففين)) مقرُّ كَتْبِهم، وفي هذه عَرْضُها في القيامة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ ﴾ أي: بالغمام كما روي عن ابن عباس، وذهب إليه
الفرَّاء والزجَّاج كما في ((البحر))(٢)، ويشهد له قولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ
بِالْغَمَِ﴾ [الفرقان: ٢٥] فالقرآن يفسِّرُ بعضُه بعضاً.
وقيل: تنشقُّ لهول يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمَذٍ وَاحِيَةٌ﴾
[الحاقة: ١٦]. وبُحِثَ فيه بأنه لا ينافي أن يكون الانشقاقُ بالغمام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنها تنشقُّ من المجرة(٣).
وفي الآثار أنها بابُ السماء(٤).
(١) سلف عند بداية تفسير سورة المطففين.
(٢) ٨/ ٤٤٥، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢٤٩/٣، وكلام الزجاج في معاني القرآن له ٣٠٣/٥.
(٣) الدر المنثور ٣٢٩/٦.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٥٩١)، وأبو الشيخ في العظمة (٧٩٦) عن ابن عباس بلفظ:
المجرّة: باب السماء الذي تنشقُّ منه.

الآية : ١
٣٩٦
سُورَةُ الْأَنْتَقِ
وأهلُ الهيئة يقولون: إنها نجومٌ صغارٌ متقاربةٌ جدًّا غيرُ متميزةٍ في الحسِّ،
ويظهر ذلك ظهوراً بيِّناً لمن نظر إليها بالأرصاد ولا منافاةً على ما قيل من أنَّ المراد
بكونها بابَ السماء أنَّ مَهْبِطَ الملائكة عليهم السلام ومَصْعَدَهم من جهتها، وذلك
يجامِعُ(١) كونَها نجوماً صغاراً متقاربةً غيرَ متميِّزةٍ في الحسِّ.
وخبرُ أنَّ النبيَّ ◌َليه أرسل معاذاً إلى أهل اليمن فقال له: ((يا معاذ، إنهم سائلوك
عن المجرة، فقل: هي لعابُ حيةٍ تحت العرش))(٢) ومنه قيل: إنها في البحر
المكفوف تحت السماء = لا يكاد يصحُّ، والقولُ المذكورُ لا ينبغي أن يُحْكَى إلَّا
لینبَّه على حاله.
وقرأ عبيد بن عقيل عن أبي عمرو ((انشقت)) وكذا ما بعدُ من نظائره بإشمام التاء
كسراً في الوقف، وحَكَى عنه أيضاً الكسرَ أبو عبيد الله بن خالويه(٣)، وذلك لغةٌ
طيِّئ على ما قيل. وعن أبي حاتم: سمعتُ أعرابيًّا فصيحاً في بلاد قيس يكسر هذه
التاء، أي: تاء التأنيث اللاحقة للفعل، وهي لغةٌ. ولعل ذلك لأنَّ الفواصل قد
تُجْرَى مجرى القوافي، فكما أنَّ هذه التاء تُكسر في القوافي - كما في قول كثيِّر عزَّةَ
من قصيدة :
وما أنا بالداعي لعزةَ بالرَّدَى ولا شامت إنْ قيل عزةُ ذَلَّتِ (٤)
إلى غير ذلك من أبيات تلك القصيدة - تُكسر في الفواصل، وإجراءُ الفواصل
في الوقف مُجْرَى القوافي مهيعٌ معروفٌ، كقوله تعالى: ﴿الظُّنُونَ﴾ و﴿ الرَّسُولَا﴾ في
سورة الأحزاب، وحَمْلُ الوصل على حالة الوقف موجودٌ أيضاً في الفواصل.
(١) في (م): بجامع.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧٥٤)، والعقيلي في الضعفاء ٤٤٩/٣، وابن الجوزي في
الموضوعات (٦٤) من حديث جابر ظه. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح.
وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٦٣) من حديث معاذ ظه، وقال الذهبي في
الميزان ٢/ ٥٣٠ ترجمة عبد الأعلى بن حكيم: هذا إسناد مظلم، ومتن ليس بصحيح.
(٣) في القراءات الشاذة ص ١٧٠، والكلام من البحر ٤٤٥/٨.
(٤) ديوان كثير عزة ص ٨٠، والبحر ٤٤٥/٨، والكلام منه. ورواية الديوان: إنْ نعلُ عزّة زلَّت،
أي: لم أكن لأشمت إذا زلَّت بها النعل فوقعت.

الآية : ٢
٣٩٧
سُورَةُ الأَنْقَقِ
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا﴾ أي: استمعت له تعالى، يقال: أذن إذا سمع؛ قال الشاعر:
صمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكِرْتُ به وإن ذُكِرْتُ بشرِّ عندهم أَذِنوا(١)
وقال قعنب:
إن يَأْذَنُوا ريبةً طاروا بها فرحاً وما هُمُ أَذِنُوا من صالحِ دَفَنوا (٢)
والاستماع هنا مجازٌ عن الانقياد والطاعة، أي: انقادت لتأثير قدرته عز وجل
حين تعلَّقتْ إرادتُه سبحانه بانشقاقها انقيادَ المأمور المِطْوَاعِ إذا وَرَدَ عليه أمرُ الآمِرِ
المُطَاعِ. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إليها للإشعار بعلة الحكم.
وهذه الجملةُ ونظيرتُها بعدُ قيل: بمنزلة قوله تعالى: ﴿أَنْنَا طَآَبِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]
في الإنباء عن كون ما نسب إلى السماء والأرض من الانشقاق والمدِّ وغيرهما جارياً
على مقتضى الحكمة على ما قرَّروه.
﴿وَحُقَّتْ جَ﴾ أي: جُعِلَتْ حقيقةً(٣) بالاستماع والانقياد، لكنْ لا بَعْدَ أنْ لم
تكن كذلك، بل في نفسِها وحدِّ ذاتها، من قولهم: هو محقوقٌ بكذا وحقيقٌ به،
وحاصل المعنى: انقادتْ لربِّها وهي حقيقةٌ وجديرةٌ بالانقياد؛ لِمَا أنَّ القدرة الربانية
لا يتعاصاها أمرٌ من الأمور، لا لأمرٍ اختصَّتْ به من بين الممكنات.
وذكر بعضُهم أنَّ أصل الكلام: حَقَّ الله تعالى عليها بذلك، أي: حَكَم عليها
بتحتُّم الانقياد، على معنى: أراده سبحانه منها إرادةً لا نَقْضَ لها .
(١) البيت لقعنب بن أم صاحب كما في عيون الأخبار ٣/ ٨٤، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي
١٢/٤، وبهجة المجالس لابن عبد البر ٧٢٤/١، ومختارات ابن الشجري ص٧، واللسان
(أذن) و(شور). ودون نسبة في تفسير الطبري ٢٣٠/٢٤، ومعاني القرآن للزجاج ٣٠٣/٥،
وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٣/ ١٤٥٠، وتفسير القرطبي ١٥٨/٢٢، والبحر ٤٤٥/٨.
(٢) تفسير القرطبي ١٥٨/٢٢، والبحر ٤٤٥/٨. وهذا البيت ورد في عيون الأخبار ٨٤/٣،
وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ١٢/٤، وللمرزوقي ٣/ ١٤٥٠، وبهجة المجالس ٧٢٥/١،
ومختارات ابن الشجري ص٧، واللسان (أذن) و(شور) مقروناً مع البيت الذي سبقه في
قصيدة واحدة لكن برواية:
مني وما سمعوا من صالح دفنوا
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً
(٣) أي: جديرة وخليقة. حاشية الشهاب ٣٣٩/٨.

سُورَةُ الْأَنْقَقلِ
٣٩٨
الآية : ٣ - ٤
وقيل: المعنى: وحُقَّ لها أن تنشقَّ لشدة الهول.
والجملةُ على ما اختاره بعض الأجلَّة اعتراضٌ مقرِّرٌ لِمَا قبلها. وقيل: معطوفةٌ
علیه، وليس بذاك.
قال الضحاك: بُسطت بانْدِكاك جبالها وآكامها
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
وتسويتها، فصارت قاعاً صفصفاً لا تَرى فيها عِوَجاً ولا أَمْتاً.
وقال بعضهم: زيدتْ سعةً وبَسْطةً، من مَدَّه بمعنَى أَمَدَّه، أي: زاده. ونحوُه
ما قيل: جُرَّتْ فزاد انبساطها وعَظُمَتْ سعتُها، وأخرج الحاكم بسندٍ جید عن جابر
عن النبيِّ وَلِّ أنه قال: ((تمدُّ الأرض يوم القيامة مدَّ الأديم، ثم لا يكون لابن آدم
منها إلا موضعُ قدميه))(١) .
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ أي: رمَتْ ما في جوفها من الموتى والكنوز، كما أخرج ذلك
عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة(٢)، وإليه ذهب الزجَّاجُ(٣)، واقْتَصَر بعضهم
كابن جبيرٍ وجماعةٍ على الموتى بناءً على أنَّ إلقاء الكنوز إذا خرج الدجّال، وكأنَّ
من ذهب إلى الأول لا يسلِّم إلقاء الكنوز يومئذٍ، ولو سلَّم يقول: يجوز أن لا يكون
عامًّا لجميع الكنوز، وإنما يكون كذلك يومَ القيامة.
والقولُ بأنَّ يوم القيامة متسِعٌ يجوز أن يدخل فيه وقتُ خروج الدجّال، ينبغي
أن يُلْقَى ولا يُلْتَفَتَ إليه.
﴾ أي: وخَلَتْ عما فيها غايةَ الخلوِّ، حتى لم يبق فيها شيءٌ من
﴿وَلَّتْ ®
ذلك، كأنها تكلَّفت في ذلك أقصى جهدِها، فصيغة التفقُّل للتكلّف، والمقصود منه
المبالغةُ كما في قولك: تَحلَّمَ الحليمُ، و: تكرَّمَ الکریمُ.
وقيل: تخلَّتْ ممن على ظهرها من الأحياء. وقيل: مما على ظهرها من جبالها
(١) المستدرك ٤/ ٥٧٠، والدر المنثور ٣٢٩/٦، وعنه نقل المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٣٥٩/٢، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٣٢٩/٦.
(٣) في معاني القرآن ٣٠٣/٥.

الآية : ٥ - ٦
٣٩٩
سُوَرَّةُ الأَنْسِقَقلِ
وبحارها. وكِلَا القولين كما ترى. وقد أخرج أبو القاسم الخُتُّلي(١) في ((الديباج))
عن ابن عمر ◌ًّا عن النبيِّ وَّر أنه قال: («أنا أولُ من تنشقُّ عنه الأرض، فأجلس
جالساً في قبري وإنَّ الأرض تحرَّكُ بي، فقلت لها: ما لَكِ؟ فقالت: إنَّ ربِّي أمرني
أن ألقي ما في جوفي، وأنْ أتخلَّى فأكونَ كما كنتُ إذ لا شيءٍ فيَّ، وذلك قولُه
تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾))(٢).
الكلام فيه نظيرُ ما تقدَّم، وفيه
﴿وَذِنَتْ لِهَا﴾ في الإلقاء وما بعده ﴿وَحُقَّتْ
إشارةٌ إلى أنَّ ما ذكر وإنْ أسند إلى الأرض فهو بفعل الله تعالى وقدرتِه عز وجل
وتكريرُ كلمة ((إذا)) لاستقلال كلٍّ من الجملتين بنوعٍ من القدرة.
﴿وَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَارِعُ﴾ أي: جاهِدٌ ومُجدٌّ جدًّا في عملك من خيرٍ وشرِّ ﴿إِلَى
رَبِّكَ كَدْءًا﴾ أي: طول حياتك إلى لقاء ربِّك، أي: إلى الموت وما بعده من
الأحوال الممثّلة باللقاء.
والكدحُ: جهدُ النفس في العمل حتى يؤثّر فيها، من كَدَحَ جِلْدَه: إذا خَدَشَه،
قال ابن مُقْبِلٍ :
أموتُ وأخرى أبتغي العيش أكدحُ(٣)
وما الدهرُ إلَّا تارتان فمنـ
وقال آخر:
وبقيتُ أكدحُ للحياة وأَنصَبُ (٤)
ومضت بشاشةُ كلِّ عيشٍ صالح
﴾ أي: فملاقٍ له عقيبَ ذلك لا محالةَ من غير صارفٍ يَلْوِيْكَ عنه،
فَعُلَقِيهِ (
٦
(١) في الأصل و(م): الجيلي، وهو تصحيف، وأبو القاسم الخُتُّلي هو إسحاق بن إبراهيم بن
محمد نزيل بغداد، قال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال الذهبي: في كتابه الديباج أشياء
منكرة، توفي سنة (٢٨٣هـ). السير ٣٤٢/١٣.
(٢) ذكره بإسناده عن الختلّي القرطبي في التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص ١٨١، ونقله
المصنف عن الدر المنثور ٣٢٩/٦. وفي إسناده سلام بن سلم الطويل، قال عنه أحمد:
منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك. الميزان ٢/ ١٧٥ .
(٣) ديوان ابن مقبل ص٢٤.
(٤) النكت والعيون ٢٣٥/٦.

الآية : ٦
٤٠٠
سُورَةُ الْأَسْتَقْلِ
والضميرُ له عزَّ وجل، أي: فملاقي جزائه تعالى. وقيل: هو للكدح، أي: فملاقي
جزاء الكدح، وبولغ فيه على نحو: (إنما هي أعمالكم تردُّ إليكم))(١). والظاهر أن
((ملاقيه)) معطوفٌ على ((كادح)) على القولين.
وقال ابن عطية بعد ذكره الثاني: فالفاء على هذا عاطفةٌ جملةَ الكلام على
الجملة التي قبلها، والتقدير: فأنت ملاقيه(٢). ولا يظهر وجه التخصيص.
والمراد بالإنسان الجنس كما يؤذِنُ به التقسيم بعدُ، وقال مقاتل: المراد به
الأسود بن [عبد الأسد بن](٣) هلال المخزومي؛ جادَلَ أخاه أبا سلمةً في أمر
البعث، فقال أبو سلمة: إي والذي خلقك لتركبنَّ الطبقة، ولتوافينَّ العقبة. فقال
الأسود: فأين الأرضُ والسماء؟ وما حالُ الناس؟ وكأنه أراد أنها نزلت فيه وهي
تعمُّ الجنس.
وقيل: المراد أبيّ بنُ خلف، كان يكدح في طلب الدنيا وإيذاءِ الرسولِ وَّل
والإصرار على الكفر، ولعل القائل أراد ذلك أيضاً.
وأَبْعَدَ غايةَ الإبعاد مَن ذهب إلى أنه الرسول عليه الصلاة والسلام، على أن
المعنى: إنك تكدح في إبلاغ رسالات الله عز وجل وإرشاد عباده سبحانه واحتمال
الضرر من الكفار، فأبشِرْ فإنك تَلْقَى الله تعالى بهذا العمل، وهو غيرُ ضائعٍ عنده
جلَّ شأنه.
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ
V
وجواب (إذا)) قيل: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ بِمِينِ،
حِسَابًا يَسِيرًا ﴾﴾ إلخ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنْكُمْ مِنِّى هُدَى فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا
خَوْفٌّ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] وقولُه تعالى: (يَأَيُّهَا الْإِنسَرُ) إلخ اعتراضٌ.
(١) أخرجه بهذا اللفظ أبو نعيم في الحلية ١٢٥/٥-١٢٦، والمزي في تهذيب الكمال ٣٧٨/١٦
عن أبي ذر رُه. وأخرجه مسلم (٢٥٧٧) بلفظ: ((إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم
أوفیکم إياها)».
(٢) المحرر الوجيز ٤٥٧/٥. قال أبو حيان في البحر ٤٤٦/٨: ولا يتعيَّن ما قاله، بل يصح أن
يكون معطوفاً على ((كادح)) عطف المفردات.
(٣) ما بين حاصرتين من البحر ٤٤٦/٨، والكلام منه.