النص المفهرس

صفحات 361-380

الآية : ١٣ - ١٦
٣٦١
سُورَةُ الأَنْفِطَلِ
فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند
إحدى ثلاث حاجات: الغائط والجنابة والغُسْل))(١) ولا يمنع ذلك من
گتپھما ما يَصْدُر عنه.
ويجعل الله تعالى لهما أمارةً على الاعتقاد القلبيِّ ونحوه. ويَلْزَمان العبد إلى
مماته، فيقومان على قبره يسبِّحان ويهلِّلان ويكبِّران، ويُكتب ثوابه للميت إلى يوم
القيامة إن كان مؤمناً، ويلعنانه إلى يوم القيامة إن كان كافراً.
واستظهر بعضهم أنهما اثنان بالشخص، وقيل: بالنوع، وقيل: كاتب الحسنات
يتغيَّر دون كاتب السيئات. ونصُّوا على أنَّ المجنون لا حَفَظةَ عليه. وورد في بعض
الآثار ما يدلُّ على أنَّ بعض الحسنات ما يكتبها غير هذين الملكين.
والظواهر تدلُّ على أنَّ الكَتْبَ حقيقيٌّ، وعِلْمُ الآلةِ وما يُكتب فيه مفوَّضٌ إلى الله
عز وجل.
وَإِنَّ الْفُجَّرَ لَفِى ◌َحِيمٍ
١٣
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَحِيمٍ
استئنافٌ
١٤
مسوقٌ لبيانٍ نتيجة الحفظ والكَتْبِ من الثواب والعقاب، وفي تنكير النعيم والجحيم
ما لا يخفى من التفخيم والتهويل.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَوْنَهَا﴾ إمّا صفةٌ للجحيم، أوحالٌ من ضمير ((الفجَّار)) في
الخبر، أو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من تهويلها، كأنه قيل: ما حالُهم فيها؟
فقيل: يقاسُون حرَّها .
وقرأ ابن مقسم: (يُصَلَّونها)) مشدّداً مبنيًّا للمفعول(٢).
· يومَ الجزاء الذي كانوا يكذِّبون به استقلالاً أو في ضِمْن
١٥
﴿يَوْمَ الِدِينِ
تكذيبهم بالإسلام.
طرفةَ عينٍ، فإنَّ المراد استمرارُ النفي لا نفيُّ
وَمَا هُ عَنْهَا بِغَِّينَ
(١) كشف الأستار (٣١٧).
(٢) البحر ٨/ ٤٣٧.

سُورَةُ الأَنْفِطَتِْ
٣٦٢
الآية : ١٧ - ١٨
الاستمرار، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَرِمِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] في الدلالة
على سرمدية العذاب، وأنهم لا يزالون محسِّين بالنار.
وقيل: معناه: وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلِّية، بل كانوا يجدون
سمومَها في قبورهم حَسْبَما قال النبيُّ ◌َلِّ: ((القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ
من حفر النار)) (١) على أنَّ ((غائبين)) من حكاية الحال الماضية.
والجملةُ، قيل: على الوجهين في موضع الحال، لكنها على الأول حالٌ
مقدَّرةٌ، وعلى الثاني من باب ﴿جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠].
وقيل: إنها على الأول حاليةٌ دون الثاني؛ لانفصال ما بين صُلِيٍّ النار وعذابٍ
القبر بالبعث وما في موقف الحساب، بل هي عليه معطوفةٌ على ما قبلها، ويُحتَمَلُ
اسمُ الفاعل فيها - أعني ((غائبين)) - على الحال، أي: وما هم عنها بغائبين الآن،
ليغايِرَ المعطوفَ عليه الذي أريد به الاستقبال، والكلام على ما عُرِفَ في إخباره
تعالى من التعبير عن المستقبل بغيره لتحقُّقه، فلا يَرِدُ أنَّ بعض الفجَّار في زمرة
الأحياء بعدُ، وبعضَهم لم يُخلق كذلك، وعذابُ القبر بعد الموت، فكيف يُحْمَل
((غائبين)) على الحال؟
﴾﴾ تفخيمٌ
وقوله تعالى: ﴿وَمَّا أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ اَلِّيِنِ ﴿٣ ثُمَّ مَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
لشأن يوم الدين الذي يكذّبون به إثر تفخيم، وتعجيبٌ منه بعد تعجيب، والخطابُ
فيه عامّ، والمراد أن كنهَ أمره بحيث [لا] تدركه درايةُ دارٍ (٢) .
وقيل: الخطابُ السيد المخاطبين بَّر. وقيل: للكافر.
والإظهارُ في موضع الإضمار تأكيدٌ لهول يوم الدين وفخامته. وقد تقدَّم الكلام
في تحقيق كون الاستفهام في مثل ذلك مبتدأً أو خبراً مقدَّماً (٣)، فلا تغفل.
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٢٤٦٠) عن أبي سعيد الخدري ربه، وقال: حسن غريب.
وأخرجه الطبراني في الأوسط (٨٦٠٨) من طريق آخر عن أبي هريرة. وضعَّف
سندهما العجلوني في كشف الخفاء ١١٨/٢ .
(٢) في الأصل و(م): داري، والمثبت من الكشاف ٢٢٩/٤، وتفسير البيضاوي مع حاشية
الشهاب ٣٣١/٨، وما بين حاصرتين منهما .
(٣) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (١٢) من سورة المرسلات.

الآية : ١٩
٣٦٣
سُؤَدَّةُ الأَنْفِطَتِْ
·بيانٌ
وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَّفْسِ شَيْئًّاً وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ
إجماليٌّ لشأن يوم الدين إثر إبهامه وإفادةٍ خروجه عن دائرة الدراية، قيل: بطريق
إنجاز الوعد؛ فإنَّ نفي الإدراء مشعرٌ بالوعد الكريم بالإدراء، على ما روي عن ابن
عباس من أنه قال: كلُّ ما في القرآن من قوله تعالى: ((ما أدراك)) فقد أدراه، وكلُّ
ما فيه من قوله عز وجل: ((ما يدريك)) فقد طوي عنه(١).
و((يوم)) منصوبٌ بإضمارٍ ((اذكر))، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وتَشْوِيقِه ◌ِله
إلى معرفته: اذكر يومَ لا تملك نفسٌ من النفوس لنفسٍ من النفوس مطلقاً - لا للكافرة
فقط كما روي عن مقاتل - شيئاً من الأشياء .. إلخ، فإنه يُدْريك ما هو.
أو مبنيٌّ على الفتح محلُّه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ على رأي مَن يرى
جواز بناء الظرف إذا أضيف إلى غير متمكّنٍ وهم الكوفيون، أي: هو يومَ
لا تملك .. إلخ.
وقيل: هو نصبٌ على الظرفية بإضمار ((يدانون))، أو ((يشتدُّ الهول))، أو نحوِه
مما يدلُّ عليه السياق. أو هو مبنيٌّ على الفتح محلَّه الرفع على أنه بدلٌ من ((يوم
الدين)). وكلاهما ليسا بذاك لخلوِّهما عن إفادة ما أفاده ما قبلُ.
وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى وابن جندب وابن كثير وأبو عمرو: ((يومُ)) بالرفع
بلا تنوينٍ (٢) على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو يومُ، لا بدلٌ؛ لما سمعتَ
آنفاً .
وقرأ محبوبٌ عن أبي عمرو: ((يومٌ)) بالرفع والتنوين(٣)، فجملةُ ((لا تملك)) إلخ
في موضع الصفة له والعائدُ محذوفٌ، أي: فيه.
(١) تفسير القرطبي ١٢٧/٢٢، وتفسير أبي السعود ١٢٣/٩، وهو مروي عن سفيان بن عيينة
كما في صحيح البخاري قبل الحديث رقم (٢٠١٤) تعليقاً، وعن يحيى بن سلّام كما في
النكت والعيون ٧٦/٦.
(٢) التيسير ص ٢٢٠، والنشر ٣٩٩/٢ عن ابن كثير وأبي عمرو، وهي قراءة يعقوب من العشرة،
والكلام من البحر ٤٣٧/٨ .
(٣) البحر ٨/ ٤٣٧، وهو أيضاً مرفوع على تقدير: هو يومٌ كما ذكر أبو حيان.

الآية : ١٩
٣٦٤
سُورَةُ الأَنْفِطَ تْ
و((الأمر)) كما قال في ((الكشف)): واحدُ الأوامر؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ
اَلْيَوْمٌ﴾ [غافر: ١٦] فإن الأمر من شأن الملك المطاع، واللام للاختصاص، أي:
الأمر له تعالى لا لغيره سبحانه، لا شركةً ولا استقلالاً، أي: إنَّ التصرُّف جميعَه
في قبضة قدرته عز وجل لا غير، وفيه(١) تحقيقُ قوله تعالى: (لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسِ
شَيّاً) لدلالته على أنَّ الكلَّ مَسُوسُون مطيعون مشتغلون بحال أنفسهم، مقهورون
بعبوديتهم لسطوات الربوبية.
وقيل: واحد الأمور، أعني الشأن. وليس بذاك، وقول قتادة فيما أخرجه عنه
عبد بن حميد وابن المنذر: أي: ليس ثَمَّ أحدٌ يقضي شيئاً ولا يصنع شيئاً غير ربِّ
العالمين(٢)، تفسيرٌ لحاصل المعنى، لا إيثارٌ لذلك، هذا وقولُه وحده ليس بحجةٍ
يترك له الظاهر، والمنازعةُ في الظهور مكابرةٌ.
وأيَّاما كان فلا دلالةَ في الآية على نفي الشفاعة يومَ القيامة كما لا يخفى، والله
تعالى أعلم.
(١) في (م): وفي، وهو تصحيف.
(٢) الدر المنثور ٣٢٣/٦.

سورة التطفيف
ويقال لها: سورة ((المطففين)). واختلف في كونها مكيةً أو مدنيةً؛ فعن ابن
مسعود والضحاك أنها مكيةٌ. وعن الحسن وعكرمة أنها مدنية. وعليه السدِّيُّ؛ قال:
كان بالمدينة رجلٌ يُكْنَى أبا جهينةَ، له مكيالان يأخذ بالأَوْفَى ويُعطي بالأنقص،
فنزلت.
وعن ابن عباس رواياتٌ، فأخرج ابن الضريس عنه أنه قال: آخرُ ما نزل بمكة
سورة المطفِّفين(١).
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عنه أنه قال: أول ما نزل بالمدينة ((ويل
للمطففين))(٢). ويؤيِّد هذه الرواية ما أخرجه النسائيُّ وابن ماجه والبيهقيُّ في
(شعب الإيمان)) بسندٍ صحيح وغيرِهم عنه قال: لمَّا قدم النبيُّ بَّهُ المدينةَ كانوا
من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَأَخْسَنوا الكيل بعد
ذلك(٣).
وفي روايةٍ عنه أيضاً وعن قتادة: أنها مكيةٌ إلا ثمان آياتٍ من آخرها: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ أَخْرَمُوا﴾ إلخ(٤).
وقيل: إنها مدنيةٌ إلا ستَّ آياتٍ من أوَّلها .
وبعضُ مَن يُثبت الواسطة بين المكيِّ والمدنيِّ يقول: إنها ليست أحدهما، بل
(١) فضائل القرآن لابن الضريس (١٧)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٣٢٣/٦.
(٢) الدر المنثور ٣٢٣/٦، وينظر دلائل النبوة للبيهقي ١٤٣/٧- ١٤٤.
(٣) السنن الكبرى للنسائي (١١٥٩٠)، وسنن ابن ماجه (٢٢٢٣)، وشعب الإيمان (٥٢٨٦).
(٤) ذكره عنهما الماوردي في النكت والعيون ٢٢٥/٦.

٣٦٦
سُوَّةُ الْمُطْفِفِينَ
نزلت بين مكة والمدينة ليُصلح الله تعالى أمر أهل المدينة قبل ورود رسول الله وَله
علیهم.
وآيُها ستُّ وثلاثون بلا خلافٍ.
والمناسبةُ بينها وبين ما قبلها أنه سبحانه لمَّا ذكر فيما قبلُ السعداءَ والأشقياءَ
ويومَ الجزاء وعظمَ شأنِه، ذكر عز وجل هنا ما أعدَّ جلَّ وعلا لبعض العصاة،
وذَكَره سبحانه بأخسِّ ما يقع من المعصية، وهو التطفيفُ الذي لا يكاد يُجدي شيئاً
في تثمير المال وتنميته، مع اشتمال هذه السورة من شرح حال المكذُّبين المذكورين
هناك على زيادةٍ تفصيلٍ كما لا يخفى.
وقال الجلال السيوطيُّ (١): الفصلُ بهذه السورة بين ((الانفطار))
و ((الانشقاق)) - التي هي نظيرتُها من أوجهٍ ـ لنكتةٍ لطيفةٍ ألهمنيها الله تعالى، وذلك
أنَّ السور الأربع: هذه والسورتان قبلها و((الانشقاق))، لمَّا كانت في صفةِ حالٍ يوم
القيامة ذُكرت على ترتيبٍ ما يقع فيه، فغالبُ ما وقع في ((التكوير) وجميعُ ما وقع
في ((الانفطار)) يقع في صدر يوم القيامة، ثم بعد ذلك يكون الموقف الطويل
ومقاساةُ الأهوال، فذكره في هذه السورة بقوله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ) ثم
بعد ذلك تحصُلُ الشفاعة العظمى فتُنْشَرُ الصحف، فآخِذٌ باليمين، وآخِذٌ بالشمال،
وآخِذٌ من وراء ظهره، ثم بعد ذلك يقع الحساب كما ورد بذلك الآثارُ، فناسَبَ
تأخّرَ سورة الانشقاق التي فيها إيتاءُ الكتب والحساب عن السورة التي فيها ذكر
الموقف، والسورة التي فيها ذِكْرُه عن السورة التي فيها ذكر مبادي أحوال(٢) اليوم.
ووجهٌ آخَرُ: وهو أنه جلَّ جلالُه لمَّا قال في ((الانفطار)): ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
كِرَامًا كَنِينَ ﴾﴾ وذلك في الدنيا، ذكر سبحانه في هذه حالَ ما يكتبه
١٠
الحافظون، وهو مرقومٌ يُجْعَلُ في عِلِّيِينَ أو سِجِّينٍ، وذلك أيضاً في الدنيا كما تدلُّ
عليه الآثار، فهذه حالةٌ ثانيةٌ للكتاب ذُكرت في السورة الثانية. وله حالةٌ ثالثةٌ متأخِّرةٌ
(١) في الدرر في تناسق الآيات والسور ص٩٣.
(٢) في الدرر: أهوال.

الآية : ١
٣٦٧
سُؤَدَّةُ الْمُطْفِقِينَ
عنهما، وهي إيتاؤه صاحبَه باليمين أو غيرها، وذلك يومَ القيامة، فناسَبَ تأخيرَ
السورة التي فيها ذلك عن السورة التي فيها الحالة الثانية. انتهى، وهو - وإنْ لم
يَخْلُ عن لطافةٍ - للبحثِ فيه مجالٌ، فتذكر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴾ قيل: الويل شدةُ الشرِّ. وقيل: الحزن والهلاك. وقيل:
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ®
العذاب الأليم. وقيل: جبلٌ في جهنم، وأَخرج ذلك عن عثمان مرفوعاً ابنُ جرير
بسندٍ فيه نظر (١).
وذهب كثيرٌ إلا أنه وادٍ في جهنم؛ فقد أخرج الإمام أحمد والترمذيُّ عن
أبي سعيد قال: قال رسول الله وَّ: ((ويلٌ وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين
خريفاً قبل أن يبلُغَ قَعْرَه))(٢). وفي صحيحي ابن حبان والحاكم بلفظ: ((وادٍ بين
جبلین یهوي فيه الكافر» إلخ(٣).
ورَوَى ابن أبي حاتم عن عبد الله: أنه وادٍ في جهنم من قيحٍ(٤).
(١) تفسير الطبري ١٦٤/٢، وذكره ابن كثير عند تفسير الآية (٧٩) من سورة البقرة وقال: غريب
جدًّا. وقال ابن رجب في التخويف من النار ص٨٤: في إسناده نظر.
(٢) مسند أحمد (١١٧١٢)، وسنن الترمذي (٢٥٧٦) و(٣١٦٤) وهو من طريق درَّاج عن
أبي الهيثم عن أبي سعيد ◌َُّه به. وإسناده ضعيف لضَعْفِ درَّاج - وهو ابن سمعان - في
روايته عن أبي الهيثم، وهو سليمان بن عمرو العتواري.
(٣) ذكره بهذا اللفظ المنذري في الترغيب والترهيب ٣٦٤/٤، وابن رجب في التخويف من النار
ص٨٤ ونسباه للترمذي، ولم نقف عليه فيه، ثم قال المنذري: ورواه ابن حبان في
صحيحه بنحو رواية الترمذي، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ولم نقف عليه بهذا اللفظ
أيضاً عند ابن حبان والحاكم، وهو في صحيح ابن حبان (٧٤٦٧)، والمستدرك ٢/ ٥٠٧،
و٥٩٦/٤ باللفظ الأول.
(٤) ذكره عن ابن أبي حاتم بإسناده ابن رجب في أهوال القبور ص٨٤، وأخرجه أيضاً الطبراني
في الكبير (٩١١٤)، وفي إسناده يحيى الحمامي، وهو ضعيف كما ذكر الهيثمي في مجمع
الزوائد ٧/ ١٣٥ .

الآية : ٢
٣٦٨
سُورَةُ الْمُطفِفِينَ
وفي كتاب ((المفردات)) للراغب(١): قال الأصمعي: ويل: قُبُوح(٢)، وقد
يُستعمل للتحسُّر، ومَن قال: ويلٌ وادٍ في جهنم، لم يُرِدْ أَنَّ ويلاً في اللغة موضوعٌ
لهذا، وإنما أراد: مَن قال الله تعالى فيه ذلك فقد استحقَّ مقرًّا من النار، وثَبت ذلك
له. انتهى، والظاهرُ أنَّ إطلاقه على ذلك كإطلاق جهنم على ما هو المعروف فيها،
فليُنْظَر من أيِّ نوعٍ ذلك الإطلاق.
وأيَّاما كان فهو مبتدأ وإن كان نكرةً؛ لوقوعه في موقع الدعاء، و((للمطففين)) خبرُه.
والتطفيفُ: البخس في الكيل والوزن؛ لِمَا أنَّ ما يُبْخَسُ في كيلٍ أو وزنٍ واحدٍ شيءٌ
طفيفٌ، أي: نزرٌ حقير، والتفعيل فيه للتعدية أو للتكثير، ولا ينافي كونَه من الطفيف
بالمعنى المذكور؛ لأن كثرة الفعل بكثرة وقوعه، وهو بتكراره لا بكثرة متعلّقه.
وعن الزجَّاجِ أنَّ مِن طَفِّ الشيءِ [وهو] جانبه(٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
إلخ صفةٌ مخصِّصةٌ
٢
للمطففين الذين نزلت فيهم الآية، أو صفةٌ كاشفةٌ لحالهم شارحةٌ لكيفية تطفيفهم
الذي استحقُّوا به الويل. أي: إذا أخذوا من الناس ما أخذوا بحُكُمِ الشراء ونحوه
كيلاً يأخذونه وافياً وافراً. وتبديل كلمة ((على)) هنا بمِن قيل: لتضمين الاكتيال معنى
الاستيلاء، أو للإشارة إلى أنه اكتيالٌ مُضِرٌّ للناس لا على اعتبارِ الضرر من حيث
الشرط(٤) الذي يتضمَّنه ((إذا))؛ لإخلاله بالمعنى، بل في نفس الأمر بموجب
الجواب، بناءً على أنَّ المراد بالاستيفاء ليس أخذَ الحقِّ وافياً من غير نقصٍ، بل
مجرَّدَ الأخذِ الوافي الوافر حَسْبَما أرادوا بأيِّ وجهٍ يتيسَّر من وجوه الحيل، وكانوا
يفعلونه بكَبْسٍ المكيل ودَعْدَعةِ المكيال إلى غير ذلك.
(١) مادة (ويل).
(٢) في المفردات: قبح، وذكره عن الأصمعي بلفظ المصنف ابن الجوزي في غريب الحديث
٤٨٦/٢، وصاحب اللسان (ويل)، والحافظ في الفتح ٥٥٣/١٠. والقُبْح والقُبُوح بمعنى،
وهما من مصادر قَبُح كما في القاموس (قبح).
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٩٧/٥، وما بين حاصرتين منه.
(٤) في تفسير أبي السعود ١٢٤/٩ (والكلام منه): لا على اعتبار الضرر في حيز الشرط، ولعله
أنسب بالسياق.

الآية : ٢
٣٦٩
سُؤَدَّةُ الْمُطِفِفِين
وقيل: إن ذلك لاعتبارٍ أنَّ اكتيالهم لِمَا لهم من الحقِّ على الناس، فعن الفرَّاء
أنَّ ((مِن)) و((على)) يعتقبان في هذا الموضع، فيقال: اكتلتُ عليه، أي: أخذتُ
ما عليه كيلاً، و: اكتلت منه، أي: استوفيتُ منه كيلاً(١).
وتعقِّب(٢) بأنه مع اقتضائه لعدم شمول الحكم لاكتيالهم قبل أن يكون لهم على
الناس شيءٌ بطريق الشراء ونحوِه - مع أنه الشائع فيما بينهم - يقتضي أن يكون معنى
الاستيفاء أَخْذَ ما لَهُم على الناس وافياً من غير نقصٍ؛ إذ هو المتبادر منه عند
الإطلاق في معرض الحقِّ، فلا يكون مداراً لذمِّهم والدعاءِ عليهم. وحَمْلُ ما لَهم
عليهم على معنى: ما سيكون لهم عليهم، مع كونه بعيداً جدًّا، مما لا يُجْدي نفعاً؛
فإنَّ اعتبار كون المكيل لهم حالاً كان أو مآلاً يستدعي كونَ الاستيفاء بالمعنى
المذكور حتماً. انتهى.
وأقول: إنْ قُطِعَ النظر عن كون الآية نازلةً في مطففين صفتُهم أَخْذُ مكيلِ الناس
إذا اكتالوا وافراً حسبما يريدون، فلا بأس بحملها على ما يدلُّ على أنَّ المأخوذ
حقٌّ حالاً أو مالاً، وكونُ المتبادر حينئذٍ من الاستيفاء أخذَ ما لَهُم وافياً من غير
نقصٍ مسلَّمٌ، لكنه لا يضرُّ. قوله: فلا يكون مداراً لذمِّهم والدعاءِ عليهم. قلنا:
مدارُ الذِّ ما تضمَّنه مجموعُ المتعاطفين، والكلامُ كقولك: فلانٌ يأخذ حقَّه من
الناس تامًّا ويعطيهم حقَّهم ناقصاً، وهي عبارةٌ شائعةٌ في الذمِّ، بل الذُّ بها أشدُّ من
الذمّ بنحو: يأخذ ناقصاً ويعطي ناقصاً، وكونُه دون الذمِّ بنحوٍ قولك: يأخذ زائداً
ويعطي ناقصاً، لا يضرُّ كما لا يخفى.
ثم قد يقال: إن الأغلب في اكتيال الشخص من شخصٍ كونُ المكيل حقًّا له
بوجهٍ من الوجوه، ولعل مبنَى كلام الفرَّاء على ذلك، فتأمل.
وجوِّز(٣) أن تكون ((على)) متعلّقةً بـ ((يستوفون))، ويكون تقديمها على الفعل
(١) معاني القرآن للفراء ٢٤٦/٣، والكشاف ٢٣٠/٤، والبحر ٤٣٩/٨، وتفسير أبي السعود
١٢٥/٩.
(٢) المتعقب هو أبو السعود في تفسيره ٩/ ١٢٤.
(٣) بعدها في (م): على، وهو خطأ.

سُورَةُ الْمُطْفِفِينَ
٣٧٠
الآية : ٣
لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصةً فأمَّا أنفسهم فيستوفون لها .
وتعقّب(١) بأنَّ القَصْرَ بتقديم الجارِّ والمجرور إنما يكون فيما يمكن تعلُّق الفعل
بغير المجرور أيضاً حَسْب تعلُّقِه به، فيقصَدُ بالتقديم قَصْرُه عليه بطريق القلب أو
الإفراد أو التعيين حَسْبَما يقتضيه المقامُ، ولا ريبَ في أنَّ الاستيفاء الذي هو عبارةٌ عن
الأخذ الوافي مما لا يتصوَّرُ أن يكون على أنفسهم حتى يُقْصَدَ بتقديم الجارِّ والمجرور
قَصْرُه على الناس، على أنَّ الحديث واقعٌ في الفعل لا فيما وقع عليه. انتهى.
وأجيب بأنَّ المراد بالاستيفاء المعدَّى بـ ((على)) على ذلك الإضرارُ، فكأنه قيل:
إذا اكتالوا يضرُّون الناس خاصةً ولا يضرُّون أنفسهم بل ينفعونها، والقَصْرُ بطريق
القلب، والإضرارُ مما يمكن أن يكون لأنفسهم كما يمكن أن يكون للناس، وإن
كان ما به الإضرارُ مختلفاً، حيث إنَّ إضرارهم أنفسَهم بأخذ الناقص وإضرارَهم
الناسَ بأخذ الزائد، ثم إن خصوصية ما وقع عليه الفعل هو مدارُ الذمِّ والدعاءِ
بالويل، وبه يجاب عمَّا في حيِّز العلاوة. انتهى، ولا يخفى ما فيه فتدبر.
ـ للناس،
والضمير المنفصل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ
وما تقدَّم في الأخذ من الناس وهذا في الإعطاء، فالمعنى: وإذا كالوا لهم أو وزنوا
لهم للبيع ينقصون. وكال تُستعمل مع المكيل باللام وبدونه، فقد جاء في اللغة على
ما قیل: کال له، وکاله بمعنی: کال له.
وجَعَلَ غيرُ واحدٍ ((كالَه)) من باب الحذف والإيصال، على أنَّ الأصل: كال له،
فحذف الجارُّ وأُوْصِل الفعل، كما في قوله:
ولقد جَنَيْتُكَ أَكْمُؤَّا وعَسَاقِلاً ولقد نهيتُكَ عن بناتِ الأَوْبَرِ(٢)
(١) المتعقب هو أبو السعود في تفسيره ١٢٥/٩ .
(٢) المقتضب ٤٨/٤، ومجالس ثعلب ص٥٥٦، وإعراب القرآن للنحاس ١٧٤/٥، وسر صناعة
الإعراب ٣٦٦/١، والإنصاف في مسائل الخلاف ٣١٩/١، والكشاف ٢٣٠/٤، وتفسير
البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٣٥/٨. قال الشهاب: الأكمؤ جمع كمأة، والعاقل ضرب
منها، وصَرْفُه للضرورة هنا، وعطفه على الأكمؤ هنا من قبيل عطف جبريل على الملائكة،
وبنات أوبر ضرب من الكمأة أيضاً، وهو أردؤها .

الآية : ٣
٣٧١
سُورَةُ الْمُطْفِفِينَ
وقولِهم في المثل: الحريصُ يصيدك لا الجواد. أي: جنيتُ لك، ويصيد لك.
وجوِّز أن يكون الكلام على حذف المضاف - وهو: مكيل وموزون - وإقامةٍ
المضاف [إليه](١) مقامه، والأصل: وإذا كالوا مكيلَهم أو وزنوهم (٢).
وعن عيسى بن عمر وحمزة أن المكيل له والموزونَ له محذوفٌ، و((هم)) ضميرٌ
مرفوعٌ تأكيدٌ للضمير المرفوع وهو الواو، وكانا يقفان على الواوين وقيفةً يبيِّنان بها
ما أرادوا(٣).
وقال الزمخشري: لا يصحُّ كونُ الضمير مرفوعاً للمطففين؛ لأنه يكون المعنى
عليه: إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا تولَّوا الكيلَ أو الوزنَ هم على الخصوص
أَخْسَروا، وهو كلامٌ متنافرٌ؛ لأنَّ الحديث واقعٌ في الفعل لا في المباشِر (٤).
وذلك على ما في ((الكشف)) لأنَّ التأكيد اللفظيَّ يدفعُه المقام، فليس المرادُ أن
يحقّق أنَّ الكيل صَدَرَ منهم لا من عبيدهم مثلاً، والتقوِّي وحده يدفعه تركُ الفاء في
جواب ((إذا))؛ لأنَّ الفصيح إذ ذاك: فهم يخسرون، فيتعيَّن الحملُ على التخصيص،
ويظهرُ العذرُ في ترك الفاء إذ المعنى: لا يُخْسِرُ إلا هم، ويلزمُ التنافُرُ وفواتُ
المقابلة(٥)، هذا و((هم)) أوّلاً في ((كالوهم)) مانعٌ من هذا التقدير أشدَّ المنع،
والحملُ على حذف الخبر من أحدهما - وهو شَطْرُ الجزاء - لا نظير له.
وقيل: إنه يُبْعِدُ كونَ الضمير مرفوعاً عدمُ إثبات الألف بعد الواو وقد تقرَّر في
علم الخطّ إثباتُها بعدها في مثل ذلك، وجرى عليه رسمُ المصحف العثماني في
نظائره، وكونُه هنا بالخصوص مخالفاً لِمَا تقرَّر ولِمَا سُلك في النظائر بعيدٌ
كما لا يخفى.
(١) ما بين حاصرتين من الكشاف ٢٣٠/٤، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٣٥/٨.
(٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب: أو وزنوا موزونهم.
(٣) الكشاف ٢٣١/٤، والمحرر الوجيز ٤٥٠/٥، والبحر ٤٣٩/٨، والمشهور عن حمزة كقراءة
الجماعة.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٣٠.
(٥) أي: مقابلة الاكتيال بالكيل، و((على الناس)) بـ ((للناس))، و((يستوفون)) بـ ((يُخْسِرون)). حاشية
الشهاب ٣٣٥/٨.

الآية : ٣
٣٧٢
سُورَةُ المطففين
ولعل الاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء، وذِكْرَ الكيل والوزن في
صورة الإخسار؛ [لما](١) أنَّ المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن
إلا بالمكاييل دون الموازين؛ لتمكّنِهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة، وإذا أَعْطَوا
كالوا ووزنوا لتمكُّنهم من البخس في النوعين جميعاً .
والحاصل أنه إنما جاء النظم الجليل هكذا ليطابق مَن نزل فيهم، فالصفةُ تَنْعَى
عليهم(٢) ما كانوا عليه من زيادة البخس والظلم، وهذا صحيح، جُعِلَتْ الصفة
مخصّصةً لهؤلاء المطفِّفين كما هو الأظهر أو كاشفةً لحالهم، فقد أريد بالأول
معهودٌ ذهنيٌّ.
وقال شيخ مشايخنا العلامة السيد صبغةُ الله الحيدريُّ في ذلك: إنَّ التطفيف في
الكيل يكون بشيءٍ قليلٍ لا يُعْبأ به في الأغلب، دون التطفيف في الوزن، فإنَّ أدنى
حيلةٍ فيه يفضي إلى شيءٍ کثیرٍ .
وأيضاً الغالبُ فيما يوزن ما هو أكثر قيمةً مما يكال، فإذا أخبرتِ الآيةُ بأنهم
لا يُبقون على الناس ما هو قليلٌ مَهينٌ من حقوقهم، عُلم أنهم لا يُبقون عليهم
الكثير الذي لا يتسامح به أكثرُ الناس - بل أهلُ المروءات أيضاً - إلا نادراً بالطريق
الأولى، بخلافٍ ما إذا ذكر أنهم يُخْسِرون الناسَ بالأشياء الجزئية كما يُفهم من ذكر
الإخسار في الكيل، فإنه لا يُعْلم منه أنهم يُخْسِرونهم بالشيء الكثير أيضاً، بل
ربما يتوهّم من تخصيص الجزئيات(٣) بالذكر أنهم لا يتجرؤون على إخسارهم
بكلِّيات الأموال، فلا بدَّ في الشقِّ الثاني من ذكر الإخسار في الوزن أيضاً، فتكون
الآيةُ مناديةً على ذميم أفعالهم ناعيةً عليهم بشنيع أحوالهم. انتهى.
وتعقِّب بأنه لا يحسم السؤال؛ لجواز أن يقال: لمَ لمْ يقُل: إذا اكتالوا على
الناس يستوفون وإذا وزنوهم يُخْسِرون، ليعلم من القرينتين أنهم يستوفون الكثير
ويُخْسِرون بالنزر الحقير بالطريق الأَوْلى، ويكون في الكلام ما هو من قبيل الاحتباك.
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٩/ ١٢٥، والكلام فيه بنحوه.
(٢) أي: تُظْهِر، في القاموس: وهو يَنْعَى على زيد ذنوبه: يُظهرها ويَشْهَرُها.
(٣) في (م): الجزئية.

الآية : ٤
٣٧٣
سُوَرَّةُ المُطِفِفِينَ
وقال الزّجَّاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استَوْفَوْا عليهم الكيل، وكذلك
إذا اتّزنوا استَوْفَوا الوزن، ولم يذكر ((إذا اتَّزنوا)) لأن الكيل والوزن بهما الشراءُ
والبيعُ فيما يكالُ ويوزن(١).
ومراده على ما نصَّ عليه الطيبيُّ: أنه استغني بذكر إحدى القرينتين عن الأخرى
لدلالة القرينة الآتية عليها، وهو كما ترى.
وقيل: إنَّ المطفِّفين باعةٌ، وهم في الغالب يشترون الشيء الكثير دفعةً ثم
يبيعونه متفرِّقاً في دفعاتٍ، وكم قَدْ رأينا منهم مَن يشتري من الزراعين مقداراً كثيراً
من الحبوب مثلاً في يوم واحد، فيذَّخرُه ثم يبيعه شيئاً فشيئاً في أيامٍ عديدة،
ولما كانت العادةُ الغالبةُ أَخْذَ الكثير بالكيل ذُكر الاكتيال فقط في صورة الاستيفاء،
ولَمَّا كان ما يبيعونه مختلفاً كثرةً وقلةً ذكر الكيلُ والوزن في صورة الإعطاء، أو لمَّا
كان اختيارُ ما به تعيينُ المقدار مفوَّضاً إلى رأي مَن يشتري منهم ذُكرا معاً في تلك
الصورة؛ إذ منهم مَن يختار الكيل ومنهم مَن يختار الوزن.
وأنت تعلم أنَّ كونَ العادة الغالبةِ أَخْذَ الكثير في الكيل غيرُ مسلَّمٍ على
الإطلاق، ولعله في بعض المواضع دون بعضٍ، وأهل بلدنا مدينةِ السلام اليومَ
لا يكتالون ولا يكيلون أصلاً، وإنما عادتُهم الوزن والاتِّزانُ مطلقاً .
وعدمُ التعرُّضِ للمكيل والموزون في الصورتين - على ما قال غير واحدٍ - لأنَّ
مساقَ الكلام لبيان سوء معاملة المطففين في الأخذ والإعطاء، لا في خصوصيةٍ
المأخوذ والمعطَى.
، استئنافٌ واردٌ لتهويل ما ارتكبوه من
﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَكَ أَنَّهُمْ تَبْعُونُونَ
التطفيف، والهمزةُ للإنكار والتعجيبِ، و((لا)) نافيةٌ، فليست ((ألا)) هذه الاستفتاحيةَ
أو التنبيهيةَ، بل المركّبة(٢) من همزة الاستفهام و((لا)) النافية، والظنُّ على معناه
المعروفِ، و((أولئك)) إشارةٌ إلى ((المطففين))، ووضعُه موضعَ ضميرهم للإشعار
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٩٧/٥.
(٢) في (م): مركبة.

سُورَةُ المُطْفِفِين
٣٧٤
الآية : ٥ - ٦
بمناط الحكم الذي هو وصفُهم، فإنَّ الإشارة إلى الشيء متعرِّضةٌ له من حيث
اتِّصافُه بوَصْفِه، وأمَّا الضميرُ فلا يتعرَّضُ للوصف، وللإيذان بأنهم ممتازون بذلك
الوصفِ القبيح عن سائر الناس أكملَ امتيازٍ، نازلون منزلةَ الأمور المشارِ إليها
إشارةً حسيةً، وما فيه من معنى البعدِ للإشعار بُعْدِ درجتهم في الشرارة والفساد،
أي: ألا يظنُّ أولئك الموصوفون بذلك الوصفِ الشنيع الهائل أنهم مبعوثون ﴿لِيَوم
عَظِيمِ ﴾﴾ لا يقادَرُ قَدْرُ عظمه، فإنَّ مَن يظنُّ ذلك وإن كان ظًّا ضعيفاً لا يكاد
يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن يتيقَّنه؟ ووصفُ اليوم بالعِظَم لعظم
ما فيه، كما أنَّ جَعْلَه علةً للبعث باعتبارٍ ما فيه. وقدَّر بعضهم مضافاً، أي: لحسابٍ
يومٍ.
وقيل: الظنُّ هنا بمعنى اليقين. والأول أَوْلَى وأبلغ.
وعن الزمخشريِّ أنه سبحانه جعلهم أسوأ حالاً من الكفار؛ لأنه أثبتَ جلَّ شأنُه
للكفار ظنًّا، حيث حكى سبحانه عنهم: ﴿إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا﴾ [الجاثية: ٣٢] ولم يثبته
عز وجل لهم(١)، والمراد أنه تعالى نزلهم منزلةً مَن لا يظنُّ ليصحَّ الإنكار.
وقوله تعالى: ﴿یَوْمَ يَقُمُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ - أي: لِحُكْمِه تعالی وقضائه عز
وجل - منصوبٌ بإضمارٍ ((أعني))، وجوِّز أن يكون معمولاً لـ ((مبعوثون))، أو مرفوع
المحلِّ خبراً لمبتدأ مضمَرٍ، أي: هو - أو ذلك - يوم، أو مجرورٌ كما قال الفرَّاء
بدلاً من ((يوم عظيم)(٢). وهو على الوجهين مبنيٌّ على الفتح لإضافته إلى الفعل وإن
كان مضارعاً كما هو رأي الكوفيين، وقد مرَّ غيرَ مرَّةٍ، ويؤيِّد الوجهين قراءةُ زيد بن
علي: (يومُ)) بالرفع (٣)، وقراءةُ بعضهم كما حَكَى أبو معاذ: ((يومٍ)) بالجر(٤).
(١) ينظر الكشاف ٢٣١/٤، وعبارة الزمخشري: ((ألا يظن)) إنكار وتعجيب من عظيم حالهم في
الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يُخْطِرون ببالهم ولا يخمِّنون تخميناً أنهم مبعوثون
ومحاسبون على مقدار الذرة والخردلة.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٤٦/٣، والبحر ٤٣٩/٨-٤٤٠.
(٣) البحر ٨/ ٤٤٠.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٧٠، والبحر ٤٤٠/٨ .

الآية : ٦
٣٧٥
سُوَرَّةُ الْمُطْفِفِينَ
وفي هذا الإنكار والتعجيب، وإيرادِ الظنِّ، والإتيان باسم الإشارة، ووصفٍ
يومٍ قيامهم بالعظمة، وإبدالِ ((يوم يقوم)) إلخ منه على القول به، ووَصْفِه تعالى
بربوبية العالمين، من البيان البليغ لعظم الذنب وتفاقُم الإثم في التطفيف ما لا يخفى،
وليس ذلك نظراً إلى التطفيف من حيث هو تطفيفٌ، بل من حيث إنَّ الميزان قانونُ
العدل الذي قامت به السماواتُ والأرض، فيعمُّ الحكمُ التطفيفَ على الوجه الواقع
من أولئك المطفّفين وغيره.
وصحَّ من رواية الحاكم والطبرانيّ وغيرهما عن ابن عباس وغيره مرفوعاً:
(خمسٌ بخمسٍ)) قيل: يا رسول الله، وما خمسٌ بخمسٍ؟ قال: ((ما نقض قومٌ العهدَ
إلا سلَّط الله تعالى عليهم عدوَّهم، وما حَكَموا بغير ما أنزل الله تعالى إلَّا فَشا فيهم
الفقرُ، وما ظهرتْ فيهم الفاحشةُ إلا فَشَا فيهم الموتُ، ولا طفَّفوا الكيلَ إلَّا مُنعوا
النباتَ وأُخِذوا بالسنين، ولا مَنَعوا الزكاة إلَّا حُبِسَ عنهم القَطْرُ))(١).
وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول: اتَّقِ الله تعالى وأَوْفِ الكيل فإِنَّ
المطفِّفين يوقَفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إنَّ العرق ليُلْجِمُهم(٢).
وعن عكرمة: أَشْهَدُ أنَّ كلَّ كَّالٍ ووزَّانٍ في النار. فقيل له: إنَّ ابنك كيَّالٌ
ووزَّان؟ فقال: أشهد أنه في النار. وكأنه أراد المبالغة لما علم أنَّ الغالب فيهم
التطفيف.
ومن هذا القبيل ما روي عن أبيٍّ رَضُه: لا تلتمس الحوائجَ ممن رزقُه في
رؤوس المكاييل وأَلْسُنِ الموازين. والله تعالى أعلم.
واستُدلَّ بقوله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ) إلخ على منع القيام للناس لاختصاصه بالله
تعالی.
(١) المعجم الكبير (١٠٩٩٢) واللفظ له، وهو في مسند البزار (١٦٧٦ - كشف)، والمستدرك
٥٤٠/٤ من حديث ابن عمر ◌ًا، وفيه بدل ((إلا فشا فيهم الفقر)): ((إلا ألقى الله بأسهم
بينهم)). وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٦٠ بنحوه من حديث ابن عباس ﴿ها موقوفاً.
(٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤٥٨/٤، والزمخشري في الكشاف ٢٣٠/٤، وعنه نقل المصنف
هذا الخبر وكذا ما بعده من أخبار.

سُورَةُ الْمُطْفِفِينَ
٣٧٦
الآية : ٧ - ٩
وأجاب عنه الجلال السيوطيُّ بأنه خاصٌّ بالقيام للمرء بين يديه، أمَّا القيامُ له
إذا قدم ثم الجلوس فلا (١). وأنت تعلم أنَّ الآية بمعزل عن أنْ يستدلَّ بها على
ما ذُكِر ليُحتاجَ إلى هذا الجواب، وأرى الاستدلال بها على ذلك من العَجَبِ
العُجاب.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّ﴾ رَدْعُ عمَّا كانوا عليه من التطفيف والغَفْلةِ عن البعث
والحساب ﴿إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِينِ ﴾﴾ إلخ تعليلٌ للردع أو وجوبِ الارتداع
بطريق التحقيق.
و(كتاب)) قيل: بمعنى مكتوب، أي: ما يُكتب من أعمال الفجَّار لفي .. إلخ،
وقيل: مصدرٌ بمعنى الكتابة وفي الكلام مضافٌ مقدَّر، أي: كتابةُ عملِ الفجَّار
لفي .. إلخ.
والمراد بالفجَّار هنا على ما قال أبو حيان: الكفار(٢). وعلى ما قال غيرُ
واحدٍ: ما يعمُّهم والفسقةَ، فيدخل فيهم المطفِّفون.
و(سجِّين)) قيل: صفةٌ كسِكِّير. واختار غيرُ واحدٍ أنه عَلَمٌ لكتابٍ جامعٍ وهو
ديوان الشرِّ دُوِّن فيه أعمالُ الفَجَرة من الثَّقلين كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَذَرَكَ مَا ◌ِينٌ
، فإنَّ الظاهر أنَّ ((كتاب)) بدلٌ من ((سجِّين))، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ هو
كِتَبُ مَرقوم
ضميرٌ راجعٌ إليه، أي: هو كتابٌ، وأصله وصفٌ من السَّجْن بفتح السين لقِّب به
الكتابُ لأنه سببُ الحبس، فهو في الأصل فِعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ، أو لأنه مُلْقَّى كما قيل
تحت الأرضين في مكانٍ وَحْشٍ (٣) كأنه مسجونٌ، فهو بمعنى مفعول، ولا يلزمُ على
جَعْلِهِ عَلَماً لِمَا ذُكر كونُ ((الكتاب)) ظرفاً لـ ((الكتاب))؛ لِمَا سمعتَ من تفسير ((كتاب
الفجار)»(٤)، وعليه يكون الكتاب المذكور ظرفاً للعمل المكتوب فيه، أو ظرفاً
للكتابة.
(١) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص٢٨٤ .
(٢) البحر ٨/ ٤٤٠.
(٣) أي: قَفْرٍ. القاموس (وحش)، وحاشية الشهاب ٣٣٦/٨.
(٤) يعني كون ((الكتاب)) فيه بمعنى مكتوب، أو مصدراً بمعنى الكتابة.

الآية : ٩
٣٧٧
سُورَةُ المُطِفْفِين
وقيل: الكتاب على ظاهره، والكلامُ نظير أنْ تقول: إنَّ كتاب حساب القرية
الفلانية في الدستور الفلانيٌّ، لمَا يشتملُ على حسابها وحسابٍ أمثالها، في أنَّ
الظرفية فيه من ظرفية الكلِّ للجزء.
وعن الإمام: لا اسْتِيْعادَ في أن يوضع أحدُهما في الآخر حقيقةً، أو ينقل ما في
أحدهما للآخر(١).
وعن أبي عليٍّ أنَّ قوله تعالى: (كِتَبُ تَرْتُ) أي: موضعُ كتابٍ، فـ((كتاب)) على
ظاهره، و((سجين)) موضعٌ عنده، ويؤيِّده ما أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة مرفوعاً
أنَّ («الفلق جبٌّ في جهنم مغطّى، وسجّين جبُّ فيها مفتوح))(٢) وعليه يكون ((سجين))
لشرِ موضع في جهنم.
وجاء في عدَّة آثارٍ أنه موضعٌ تحت الأرض السابعة(٣)، ولا منافاةً بين ذلك
وبين الخبر المذكور بناءً على القول بأن جهنم تحت الأرض.
وفي ((الكشف)): لا يبعُدُ أن يكون ((سجين)) عَلَمَ الكتاب وعَلَمَ الموضع أيضاً؛
جمعاً بين ظاهر الآية وظواهر الأخبار.
وبعضُ من ذهب إلى أنه في الآية عَلَمُ الموضع قال: وما ((أدراك ما سجين))
على حذف مضافٍ، أي: وما أدراك ما كتابُ سجين؛ وقال ابن عطية: مَن قال
بذلك فـ ((كتاب)) عنده مرفوعٌ على أنه خبر ((إنَّ)، والظرف الذي هو ((لفي سجِّين))
ملغَی (٤).
وتعقِّب بأنَّ إلغاءه لا يتسنَّى إلا إذا كان معمولاً للخبر أعني ((كتاب))، أو لصفته
أعني ((مرقوم))، وذلك لا يجوز؛ لأنَّ ((كتاب)) موصوف فلا يعمل، ولأن ((مرقوم))
(١) تفسير الرازي ٩٣/٣١.
(٢) تفسير الطبري ١٩٦/٢٤، وذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية أن هذا الحديث غريب منكر
لا يصح.
(٣) ينظر ما ورد في ذلك من آثار في تفسير الطبري ١٩٣/٢٤-١٩٧.
(٤) المحرر الوجيز ٥/ ٤٥١.
٠٠٠٤.

سُوَّةُ المُطفِفِين
٣٧٨
الآية : ٩
الذي هو صفته لا يجوز أن تدخل اللام في معموله، ولا يجوز أن يتقدَّم معمولُه
على الموصوف. وفيه نظر.
وقيل: ((كتاب)) خبرٌ ثانٍ لـ ((إنَّ). وقيل: خبر مبتدأ محذوفٍ هو ضميرٌ راجعٌ إلى
(كتاب الفجار))، ومناطُ الفائدة الوصفُ، والجملة في البَيْنِ اعتراضيةٌ. وِلا
القولين خلافُ الظاهر.
وعن عكرمة أن ((سجِّين)) عبارةٌ عن الخسارِ والهوان، كما تقول: بلغ فلانٌ
الحضيضَ: إذا صار في غاية الخمول، والكلام في ((وما أدراك)) إلخ عليه يُعْلَم
مما ذكرنا، وهذا خلافُ المشهور.
وزعم بعض اللغويين أنَّ نونه بدلٌ من لام، وأصلُه: سجِّيل(١)، فهو كجِبْرين في
جبريل، فليس مشتقًّا من السَّجْن أصلاً.
و ((مرقوم)) من رَقَمَ الكتابَ: إذا أعجمه وبيَّنه لئلا يلغو، أي: كتابٌ بيِّنُ الكتابة،
أو من رَقَمَ الكتابَ: إذا جَعَلَ له رقماً أي: علامةً، أي: كتابٌ معلَّمٌ يَعْلَم مَن رآه
أنه لا خیر فیه .
وقال ابن عباس والضحاك: ((مرقوم)): مختوم بلغة حمير. وذكر بعضُهم أنه
يقال: رَقَمَ الكتاب بمعنى خَتَمَه، ولم يخصَّه بلغةٍ دون لغةٍ.
وفي ((البحر)): ((مرقوم))، أي: مثبتٌ كالرقم لا يَبْلى ولا يُمْحَى(٢). وهو
كما ترى.
وشاع الرَّقْمُ في الكتابة، قال أبو حيان: وهو أصلُ معناه، ومنه قولُ الشاعر:
سأَرْقُمُ في الماء القَرَاحِ إليكُمُ على بُعْدِكُم إن كان للماء راقمُ(٣)
(١) مشتقًّا من السِّجِلّ، وهو الكتاب. الدر المصون ٧١٩/٩.
(٢) البحر ٨/ ٤٤٠.
(٣) البحر ٨/ ٤٤٠، والبيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص١١٦، واللسان (رقم)، وفيه:
وقولهم: هو يرقم في الماء، أي: بلغ من حذقه بالأمور أن يرقم حيث لا يثبت الرقم. اهـ.
والقراح: الخالص. القاموس (قرح).

الآية : ١٠ - ١٣
٣٧٩
سُورَةُ الْمُطِفْفِينَ
وأما الرَّقَم المعروفُ عند أهل الحساب فالظاهرُ أنه بمعنى العلامة، وخُصَّ
بعلامة العدد فيما بينهم.
· متصلٌ بقوله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ
١٠
وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
اٌلْعَلَمِينَ) وما بينهما اعتراضٌ، والمراد: للمكذبين بذلك اليوم، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يَكَذِبُونَ بِيَوْمِ الذِينِ ﴾﴾ إما مجرورٌ على أنه صفةٌ ذامَّةٌ لـ ((المكذِّبين))، أو بدلٌ منه، أو
مرفوعٌ أو منصوب على الذمِّ. وجوِّز أن يكون صفةً كاشفةً موضِّحةً.
وقيل: هو صفةٌ مخصّصةٌ فارقةٌ، على أنَّ المراد: المكذِّبين بالحقِّ. والأول
أظهر؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهَ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ إلخ يدلُّ على أنَّ القصد إلى
المذمَّة، أي: وما يكذِّبُ بيوم الدين إلَّا كلُّ متجاوزٍ حدودَ النظر والاعتبار، غالٍ في
التقليد، حتى جعل قدرةَ الله تعالى قاصرةً عن الإعادة، وعِلْمَه سبحانه قاصراً عن
معرفة الأجزاء المتفرِّقةِ التي لا بدَّ في الإعادة منها، فعَدَّ الإعادة مُحالةً عليه عزَّ وجل.
أَثِيرٍ ﴾﴾ أي: كثير الآثام منهمكٍ في الشهوات المخدجة (١) الفانية، بحيث
شغلته عمَّا وراءها من اللذَّات التامة الباقية، وحملته على إنكارها .
﴿إِذَا تُنْلَى عَلَيْهِ مَنْنَا﴾ الناطقةُ بذلك ﴿قَالَ﴾ من فَرْطِ جهله وإعراضه عن الحقِّ
الذي لا محيدَ عنه ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ أي: هي حكاياتُ الأوَّلين، يعني هي
أباطيلُ جاء بها الأوَّلون وطال أمدُ الإخبار بها ولم يظهر صدقُها. أو: أباطيلُ
ألقيت على آبائنا الأوَّلين وكذَّبوها، ولسنا أولَ مكذِّب بها حتى يكون التكذيبُ منَّا
عجلةً وخروجاً عن طريق الحزم والاحتياط. والأول أظهرُ.
والآية قيل: نزلت في النضر بن الحارث. وعن الكلبي: أنها نزلت في الوليد بن
المغيرة. وأيَّما كان فالكلامُ على العموم.
وقرأ أبو حيوة وابن مقسم: ((إذا يتلى)) بتذكير الفعل. وقرئ: ((أإذا تتلى)) على
(٢)
٠
الاستفهام الإنكاري
(١) أي: الناقصة.
(٢) القراءتان في القراءات الشاذة ص ١٧٠، والبحر ٤٤١/٨.

سُورَةُ الْمُطْفِفِينَ
٣٨٠
الآية : ١٤
ردعٌ للمعتدي الأثيم عن ذلك القولِ الباطل، وتكذيبٌ له فيه.
﴾ بيانٌ لِمَا أدَّى بهم إلى
وقوله عز وجل: ﴿بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (®
التفوُّه بتلك العظيمة، أي: ليس في آياتنا ما يصحِّح أن يقال في شأنها مثلُ تلك
المقالةِ الباطلة، بل رَكِبَ قلوبَهم وغَلَبَ عليها ما استمرُّوا على اكتسابه من الكفر
والمعاصي حتى صار كالصدأ في المرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحقِّ،
فلذلك قالوا ما قالوا.
والرين في الأصل: الصدأ؛ يقال: ران عليه الذنبُ وغان عليه رَيْناً وغيناً،
ويقال: ران فيه النومُ، أي: رسخ فيه. وفي ((البحر)): أصل الرين الغلبةُ، يقال:
رانت الخمر على عقل شارِبها، أي: غلبت، وران الغَشْيُّ على عقل المريض،
أي: غلب. وقال أبو زيد: يقال: رِيْنَ بالرجل يُران به ريناً: إذا وقع فيما لا يستطيع
منه الخروج(١).
وأريدَ به حبُّ المعاصي الراسخُ، بجامع أنه كالصدأ المسوِّد للمرآة والفضةِ
مثلاً، المغيِّرِ عن الحالة الأصلية. وأخرج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ والحاكم
وصحّحاه والنسائيُّ وابن ماجه وابنُ حبَّان وغيرُهم عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّلـ
قال: ((إنَّ العبد إذا أَذْنَب ذنباً نُكتتْ في قلبه نكتةٌ سوداءُ، فإنْ تابَ ونَزَعَ واستغفر
صُقِلَ قلبه، وإن عاد زادتْ حتى تعلوَ قلبَه، فذلك الرَّانُ الذي ذكر الله تعالى في
القرآن ﴿كَّا بَلِّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾))(٢).
وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه قال: كانوا يرون أنَّ الرين هو
الطبعُ(٣) .
وذكروا له أسباباً، وفي حديث أخرجه عبد بن حميد من طريق خليد بن الحكم
عن أبي المجبَّر أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((أربعُ خصالٍ مُفْسِدةٌ للقلوب:
(١) البحر ٤٣٨/٨.
(٢) مسند أحمد (٧٩٥٢)، وسنن الترمذي (٣٣٣٤)، وسنن النسائي الكبرى (١١٥٩٤)، وسنن
ابن ماجه (٤٢٤٤)، وصحيح ابن حبان (٢٧٨٧)، والمستدرك ٥١٧/٢.
(٣) الدر المنثور ٣٢٦/٦.