النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ١٦ ٣٤١ سِوَةٌ عَسِ في كتاب ((النجوم)) وابن مردويه عن ابن عباس أنها المرادة هنا(١)، ووصفُها بالخنَّس بمعنى الرواجع، قيل: من باب التغليب؛ إذ لا رجعةً للشمس ولا للقمر، وبالكنَّس(٢) لاختفائها في مغيبها . وقيل: الوصفان باعتبار أنها تغيب عن العيون وتطلعُ في أماكنها على نحو ما تقدَّم، على تقدير أنْ يكون المراد بها الكواكبَ جميعَها . وكونُ السيارات هي هذه السبع هو المعروفُ عند المتقدِّمين من المنجِّمين، وأمَّا اليوم فقد ضمُّوا إليها كواكبَ أُخَرَ يقال لها: وستا، وزونو، وبالاس، وسرس، وأورنوس ويسمَّى هرشل، وهو اسمُ المنجِّم الذي ظفر به بالرصد. وبيَّنوا مقدار أقطارها وأبعادَها وحركاتها ولولا مخافةُ التطويل لذكرتُ ذلك، وعدُّوا من جملة السيارات الأرضَ، بناءً على زَعْمِهم أنَّ لها حركةً حول الشمس، واشتهر أنهم لم يعدُّوا القمر منها لكونه من توابع الأرض بزَعْمِهم. وأخرج الحاكم وصححه وجماعةٌ من طرقٍ عن ابن مسعود أنها بقرُ الوحش(٣). وأخرج نحوه ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس(٤)، وعبد بنُ حميد عن مجاهد وأبي ميسرة والحسن(٥)، وحكاه في ((البحر)) عن النخعي وجابر بن زيد وجماعةٍ(٦). وأخرج ابن جرير عن الحبر أنها الظباء. ورَوَى ذلك أيضاً عن ابن جبير والضحاك(٧) (١) يعني السيارات السبع، والخبر في الدر المنثور ٦/ ٣٢٠، وهو من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. (٢) في (م): وبالخنس، وهو تصحيف. (٣) المستدرك ٥١٦/٢، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ٣٥١/٢، والطبري ١٥٤/٢٤-١٥٥. (٤) الدر المنثور ٦/ ٣٢٠، وأخرجه أيضاً أبو داود الطيالسي كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية. (٥) الدر المنثور ٣٢٠/٦. (٦) البحر ٤٣٤/٧، وأخرجه الطبري ٢٤/ ١٥٥-١٥٧ عن جابر بن زيد والنخعي ومجاهد. (٧) تفسير الطبري ٢٤/ ١٥٧. ◌ُوَرَةٌ عَبَسَ ٣٤٢ الآية : ١٧ - ١٨ قالوا: والخَنَسُ تأخّر الأنف عن الشفة مع ارتفاع قليل من الأرنبة، وتوصفُ به بقر الوحش والظباء، ومنه قول بعض المولَّدين: كلَّا ولا البدرُ الذي يوصَفُ ما سَلِمَ الَّبْيُ على حُسْنِه والبدرُ فيه كَلَفٌ يُعْرَفُ(١) فالظَّبْيُ فيه خنسٌ بِيِّنٌ ﴾ أي: أدبر ظلامُه، أو أقبل، وكلاهما مأثوران عن ابن ﴿وَأَلَيْلِ إِذَا عَسْمَسَ عباس وغيره، وهو من الأضداد عند المبرِّد. وقال الراغب: العسعسة والعِسَاس: رقَّةُ الظلام، وذلك في طرفي الليل(٢). فهو من المشترك المعنويِّ عنده وليس من الأضداد. وفسَّر ((عسعس)) هنا بأقبل وأدبر معاً، وقال: ذلك في مبدأ الليل ومنتهاه(٣). وقال الفرَّاء: أجمع المفسِّرون على أنَّ معنى ((عسعس)): أدبر(٤)، وعليه العجَّاجُ يصف الخمر أو المفازة: حتى إذا الصبحُ لها تنفَّسا وانجابَ عنها ليلُها وعَسْعَسا(٥) وقيل: هي لغة قريشٍ خاصةً. وقيل: كونُه بمعنى أقبل ظلامُه أوفقُ بقوله تعالى: ﴿وَلْضُّيْحِ إِذَا نَنَفَسَ فإنه أولُ النهار فیناسبُ أُولَ اللیل. وقيل: كونه بمعنى أدبر أنسبُ بهذا؛ لِمَا بين إدبار الليل وتنفّس الصبح من الملاصقة، فيكون بينهما مناسبةُ الجِوارِ. (١) أنشدتهما جارية للرشيد حين رفض أن يشتريها بسبب كَلَفٍ في وجهها وخنسٍ في أنفها، فأعجبته بلاغتها فاشتراها، وكانت أحظى جواريه عنده. الأذكياء لابن الجوزي ص٢٥٤. (٢) مفردات الراغب (عسعس). (٣) المصدر السابق. (٤) معاني القرآن للفراء ٢٤٢/٣. (٥) الكشاف ٢٢٤/٤، والأول منهما في ديوان العجاج ص١٦٢، ونُسب الرجز أيضاً لعلقمة بن قرط، كما في مجاز القرآن ٢٨٨/٢، وتفسير الطبري ١٦٢/٢٤، والأضداد لابن الأنباري ص٣٣، والأزمنة والأمكنة ٣٢٥/١. الآية : ١٨ ٣٤٣ سُؤَةٌ عَسَ والمراد من تنفُّس الصبح - على ما ذَكر غير واحد - إضاءتُه وتبلُّجُه، وفي ((الكشاف)) أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله رَوْجٌ ونسيمٌ، فجُعل ذلك نفساً له على المجاز وقيل: تنفَّس الصبحُ(١). وعنى بالمجاز الاستعارةَ؛ لأنه لمَّا كان النَّفَس ريحاً خاصًّا يفرج عن القلب انبساطاً وانقباضاً شبِّه ذلك النسيمُ بالنَّفَس، وأُطلق عليه الاسمُ استعارةً، وجُعل الصبح متنفِّساً لمقارنته له، ففي الكلام استعارةٌ مصرِّحةٌ وتجوُّزٌ في الإسناد، وظاهرُ كلام بعضهم أنه بعد الاستعارة يكون ذلك كنايةً عن الإضاءة. وجوِّز أن يكون هناك مكنية وتخييليةٌ بأنْ يشبَّه الصبح بماشٍ وآتٍ من مسافةٍ بعيدة، ويُثْبَتَ له التنفّسُ المرادُ به هبوبُ نسيمه مجازاً على طريق التخييل، كما في: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧]. وقال الإمام: النهار بغشيان الليل المظلم كالمكروب، وكما أنه يجد راحةً بالتنفُّس، كذلك تخلُّص الصبح من الظلام وطلوعُه كأنه تخلّص من كربٍ إلى راحةٍ (٢). وهذا أدقُّ مما في ((الكشاف)) كما لا يخفى. وجوِّز أن يقال: إنَّ الليل لمَّا غشيَ النهار ودفع به إلى تحت الأرض فكأنه أماته ودفنه، فجعل ظهورُ ضوئه كالتنفس الدالِّ على الحياة، وهو نحوٌ مما نُقل عن الإمام. وقيل: ((تنفس)) أي: توسَّع وامتدًّ حتى صار نهاراً. والظاهرُ أنَّ التنفس في الآية إشارةٌ إلى الفجر الثاني الصادق، وهو المنتشرُ ضوءُه معترِضاً بالأفق، بخلافِ الأول الكاذب وهو ما يبدو مستطيلاً وأعلاه أضوأُ من باقيه، ثم يُعْدَمُ وتَعقبُه ظلمةٌ، أو يتناقصُ حتى ينغمر في الثاني على زعم بعض أهل الهيئة، أو يختلف حاله في ذلك تارةً وتارةً بحَسَب الأزمنة والعُروض على ما قيل. (١) الكشاف ٤/ ٢٢٤. (٢) تفسير الرازي ٧٢/٣١، وعبارته: شبّه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي جلس بحيث لا يتحرك، واجتمع الحزن في قلبه، فإذا تنفَّس وجد راحةً، فهاهنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن، فعبّر عنه بالتنفُّس. سُورَةُ عَسِ ٣٤٤ الآية : ١٨ وسمِّي هذا الكاذبُ عارضاً؛ ففي خبر مسلم: ((لا يغرَّنَّكم أذانُ بلالٍ، ولا هذا العارضُ (العمود الصبح) حتى يستطير))(١) أي: ينتشر ذلك العمود(٢) في نواحي الأفق. وكلام بعض الأجلة يُشْعِرُ بأنه فيها إشارةٌ إلى الكاذب، حيث قال: يؤخذ من تسمية الفجر الأول عارضاً للثاني أنه يَعْرِضُ للشعاع الناشئ عنه الفجرُ الثاني انحباسٌ قُرْبَ ظهوره، كما يُشْعِرُ به التنفّس في قوله تعالى: (وَلْضُبْحِ إِذَا نَتَفَّسَ) فعند ذلك الانحباسِ يتنفَّس منه شيءٌ من شبه كوَّةٍ، والمشاهد في المنحبس إذا خرج بعضه دفعةً أن يكون أوَّلُه أكثر من آخره، ويعلم من ذلك سببُ طول العمود وإضاءة أعلاه. إلى آخر ما قال، وفيه بحثٌ. ثم الظاهر أنَّ تنفّس الصبح وضياءه بواسطة قرب الشمس إلى الأفق الشرقي بمقدارٍ معيَّنٍ، وهو في المشهور ثمانيةَ عَشَرَ جزءاً، وقولُ الإمام: إنه يلزم على ذلك بناءً على كرية الأرض واستضاءةٍ أكثر من نصفها من الشمس دائماً ظهورُ الضياء وتنفّس الصبح إذا فارقت الشمس سَمْتَ القدم من دائرة نصف النهار، وذلك بُعَيْدَ نصف الليل، والواقعُ خلافُه = تشكيكٌ فيما يَقْرُبُ أن يكون بديهيًّا، وفيه غفلةٌ عن أحوال ظلِّ الأرض وانعكاسِ الأشعة من أبصار سَكّنةٍ أقطارها، فتأمَّل ولا تغفل. والواو في قوله تعالى: (وَلْقُّبْحِ) (وَلَيْلِ) على ما نُقل عن ابن جنِّي للعطف، و((إذا)) ليس معمولاً لفعل القسم؛ لفسادِ المعنى، إذ التقييدُ بالزمان غيرُ مرادٍ حالاً كان أو استقبالاً، وإنما هو على ما اختاره غيرُ واحدٍ معمولُ مضافٍ مقدَّرٍ من نحوِ العظمة؛ لأن الإقسام بالشيء إعظامٌ له، كأنه قيل: ولا أقسم بعظمة الليل زمانَ (١) صحيح مسلم (١٠٩٤) من حديث سمرة بن جندب ظه، وفيه: البياض، بدل: العارض، وذكره بلفظ المصنف النووي في المجموع ٣٤٢/٦. ولم يَرِد في شروح مسلم إشارةٌ لهذا اللفظ. ينظر إكمال المعلم ٣١/٤، والمفهم ١٥٤/٣، وشرح النووي لصحيح مسلم ٧/ ٢٠٥، والديباج للسيوطي ١٩٥/٣ . (٢) في الأصل و(م): العموم، والمثبت هو الصواب، وينظر ما سلف ٣١٨/٨ وما بعدها. الآية : ١٩ - ٢٠ ٣٤٥ سُورَةٌ عَلَسَ عسعس، وبعظمة النهار زمانَ تنفَّسَ، على نحو قولهم: عجباً من الليث إذا سطا، فإنه ليس المعنى على تقييد التعجُّب من هَوْلِه وعظمته في ذلك الزمان. وقال عصام الدين: ينبغي أن يُجعل تقييداً للمقْسَم به، أي: أقسم بالليل كائناً إذا عسعس، والحالُ مقدَّرةٌ، أي: مقدَّراً كونه في ذلك الوقت. وصرَّح العلّامة التفتازاني في ((التلويح)) في مثله أنَّ ((إذا)) بدلٌ من الليل؛ إذ ليس المراد تعليقَ القسم وتقييده بذلك الوقت، ولهذا منع المحققون كونه حالاً من الليل؛ لأنه أيضاً يفيدُ تقييد القسم بذلك الوقت، وسيأتي إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الشمس ما يتعلَّق بهذا المقام أيضاً. ﴿إنّهُ﴾ أي: القرآن الجليل الناطق بما ذكر من الدواهي الهائلة، وجَعْلُ الضمير للإخبار عن الحشر والنشر تعشُّفٌ. ﴿لَقَوَّلُ رَسُولٍ﴾ هو كما قال ابن عباس وقتادة والجمهور: جبريل عليه السلام، ونسبتُه إليه عليه السلام لأنه واسطةٌ فيه، وناقلٌ له عن مُرْسلِه وهو الله عز وجل. ﴾ أي: عزيزٍ على الله سبحانه وتعالى. وقيل: متعطّفٍ على ١٩ المؤمنين . ◌ِى قُوَّةٍ﴾ أي: شديد كما قال سبحانه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] وجاء في قوته أنه عليه السلام بُعث إلى مدائن لوط وهي أربعُ مدائن وفي كلِّ مدينةٍ أربعُ مئة ألف مقاتلٍ سوى الذراري، فحملها بمن فيها من الأرض السفلى حتى سمع أهلُ السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هوی بها فأهلكها. وقيل: المراد القوةُ في أداء طاعة الله تعالى وتركِ الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف. وقيل: لا يبعد أن يكون المراد قوةً الحفظ والبعد عن النسيان والخلط. ﴿عِنْدَ ذِى الْعَشْ مَكِينٍ ﴾﴾ أي: ذي مكانةٍ رفيعةٍ وشرفٍ عند الله العظيم جلَّ جلاله، عِنْديَّةَ إكرامٍ وتشريفٍ لا عِنْديةَ مكانٍ، فالظرفُ متعلِّقٌ بـ (مكين)) وهو فعيلٌ سُورَةُ عَبَسِ ٣٤٦ الآية : ٢١ من المكانة، وقد كثر استعمالُها كما في ((الصحاح)) حتى ◌ُنَّ أن الميم من أصل الكلمة واشتُقَّ منه: تمكَّن، كما اشتقَّ من المسكنة: تَمسْكَنَ(١). وجوِّز أن يكون مصدراً ميميًّا من الكون، وأصله مَكُون بكسر الواو، فصار بالنقل والقلب مكيناً، وأريد بالكون الوجود، كأنه من كمال الوجود صار عينَ الوجود. والأول هو الظاهر. وقيل: إنَّ الظرف متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً أخری لـ «رسول))، أي: كائن عند ذي العرش الكينونةَ اللائقة. وهو كما ترى. ﴿قُطَاعٍ﴾ فيما بين الملائكة المقرَّبين عليهم السلام؛ يَصْدُرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه. ظرفُ مكانٍ للبعيد، وهو يحتمِلُ أن يكون ظرفاً لِمَا قبله، وجُعل إشارةً إلى ((عند ذي العرش))، والمراد بكونه مطاعاً هناك كونُه مطاعاً في ملائكته تعالى المقرَّبين كما سمعت، ويحتمل أن يكون ظرفاً لما بعده، أعني قوله سبحانه: ﴿أَمِينٍ ﴾﴾ والإشارة بحالها، وأمانته على الوحي. وفي رواية عنه عليه السلام أنه قال: أمانتي أنِّي لم أومر بشيء فعَدَوْتُه إلى غيره(٢). ولأمانته أنه عليه السلام يدخل الحجُب كما في بعض الآثار بغير إذنٍ. وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وأبو البرهسم وابن مقسم: (ثُم)) بضم الثاء(٣) حرف عطف؛ تعظيماً للأمانة، وبياناً لأنها أفضلُ صفاته المعدودة. وقال صاحب (اللوامح) (٤): هي بمعنى الواو؛ لأنَّ جبريل عليه السلام كان بالصفتين معاً في حالٍ (١) الصحاح (كون). (٢) قطعة من حديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٣٢٥/٥٠-٣٢٦ من طريق المسيب بن شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن معاوية بن قرة، عن النبي وَّهو. وهو مرسل، كما أن يزيد بن أبي زياد ضعيف كما في التقريب، والمسيب بن شريك قال عنه يحيى: ليس بشيء. وقال أحمد: ترك الناس حديثه. الميزان ٤/ ١١٤. (٣) القراءات الشاذة ص ١٦٩، والبحر ٤٣٤/٨. (٤) كما في البحر ٨/ ٤٣٤. الآية : ٢٢ ٣٤٧ سُؤَةٌ عَبَسَ واحدةٍ، ولو ذهب ذاهبٌ إلى الترتيب والمهلة في هذا العطف بمعنى: مطاعٍ في الملأ الأعلى ثُم أمينٍ عند انفصاله عنهم حالَ وحيه إلى الأنبياء عليهم السلام، لجاز إن ورد به أثرٌ. انتهى، والمعوَّلُ عليه ما سمعتَ، والمقامُ يقتضي تعظيمَ الأمانة لأنَّ دفع كون القرآن افتراءً منوط بأمانة الرسول. كما تبهتُه الكفرة قاتلهم الله ٢٢ ﴿وَمَا صَاحِبُكُ﴾ هو رسولُ الله ◌َێ ﴿ِمَجْنُونٍ تعالى. وفي التعرُّض لعنوان الصحبة مضافةً إلى ضميرهم على ما هو الحقُّ تكذيبٌ لهم بألطف وجهٍ؛ إذ هو إيماء إلى أنه عليه الصلاة والسلام نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن، فأنتم أعرفُ به وبأنه وَِّ أتمُّ الخلق عقلاً وأرجحُهم قِيلاً وأكملُهم وصفاً وأصفاهم ذهناً، فلا يُسْنِدُ إليه الجنونَ إلا مَن هو مركّبٌ من الحمق والجنون. واستدلَّ الزمخشريُّ بالمبالغة في ذكر جبريل عليه السلام وتَرْكِها في شأن النبيِّ وَّر على أفضليته عليه السلام على النبيِّ ◌َليَ(١). وأجابوا بما بُحث فيه. والوجه في الجواب - على ما في ((الكشف)) - أنَّ الكلام مسوقٌ لحقِّية المنزَلِ دلالةٌ على صدق ما ذُكر فيه من أهوال القيامة، وقد علمتَ أنَّ من شأن البليغ أن يجرِّد الكلام لِمَا ساق له لئلا تُعدَّ الزيادة لكنةً وفضولاً، ولا خفاءَ أنَّ وصف الآتي بالقول يشدُّ من عضد ذلك أبلغَ شدٍّ، وأما وصفُ مَن أنزل عليه فلا مدخل له في البين إلا إذا كان الغرضُ الحثَّ على اتِّباعه، فلهذا لم تدلَّ المبالغة في شأن جبريل عليه السلام وعدُّ صفاته الكواملِ وتركُ ذلك في شأن نبينا عليه أفضل الصلوات والتسليمات على تفضيله بوجهٍ. وقال بعضهم: إنَّ المبالغة في وصف جبريل عليه السلام مدحٌ بليغٌ في حقِّ النبيِّ وَِّ؛ لأنَّ المَلَكَ إذا أرسل لأحدٍ مَن هو معزَّزٌ معظَمٌ مقرَّبٌ لديه دلَّ على أنَّ المرسَلَ إليه بمكانةٍ عنده ليس فوقها مكانةٌ. وقد علمتَ أنَّ المقام ليس للمبالغة في مدح المنزَل عليه . (١) الكشاف ٤/ ٢٢٥. سُؤْدَةٌ عَلَسِ ٣٤٨ الآية : ٢٣ - ٢٤ وقيل: المراد بالرسول هو نبينا 19َ كالمراد بالصاحب. وهو خلافُ الظاهر الذي عليه الجمهور. ﴿وَقَدْ رَءَاهُ﴾ أي: وبالله تعالى لقد رأى صاحبُكم رسولُ اللهِ وَّهِ الرسولَ الكريم جبريل عليه السلام على كرسيٍّ بين السماء والأرض بالصورة التي خلقه الله تعالى عليها له ستُّ مئة جناح. ◌ِلْأُنُقِ آلْمِينِ وهو الأفقُ الأعلى من ناحية المشرق كما روي عن الحسن ٢٣ وقتادة ومجاهد وسفيان. وفي روايةٍ عن مجاهد أنه ◌َ لي رآه عليه السلام نحو جياد، وهو مشرقُ مكة. وقيل: إنَّ المراد به مطلعُ رأس السرطان، فإنه أعلى المطالع لأهل مكة. وهذه الرؤية كانت فيها بعد أمر غار حراء. وحكى ابن شجرة(١) أنه أفقُ السماء الغربي، وليس بشيءٍ. وأخرج الطبرانيُّ وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في الآية: رآه في صورته عند سدرة المنتهى(٢). والأفق على هذا قيل: بمعنى الناحية. وقيل: سمِّي ذلك أفقاً مجازاً. ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: رسولُ اللهِ وَّةٍ ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾ على ما يخبر به من الوحي إليه وغيرِهِ من الغيوب ﴿يِضَنِينٍ ﴾﴾ من الضّنِّ بكسر الضاد وفتحها بمعنى البخل، أي: ببخيل، لا يبخلُ بالوحي، ولا يقصِّر في التبليغ والتعليم ومَنْحِ كلِّ ما هو مستعدٌّ له من العلوم، على خلاف الكهنة فإنهم لا يُطْلِعون على ما يزعمون معرفته إلا بإعطاءِ حلوانٍ. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وعائشة وعمر بن عبد العزيز وابن جبير وعروةُ وهشام بن جندب ومجاهدٌ وغيرهم، ومن السبعة النحويَّان وابنُ كثير: ((بظنين)) بالظاء، أي: بمثَّهم(٣)، من الظّنة بالكسر بمعنى التُّهمة، وهو نظير الوصف السابق بـ ((أمين)). (١) كما في النكت والعيون ٢١٨/٦، والبحر ٨/ ٤٣٥ . (٢) المعجم الكبير (١٢٥٦٥)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٢١/٦. (٣) البحر ٤٣٥/٨، وقراءة النحويين (وهما أبو عمرو والكسائي) وابن كثير في التيسير ص٢٢٠، والنشر ٣٩٨/٢ -٣٩٩. الآية : ٢٤ ٣٤٩ سُورَةٌ عَبَسِ وقيل: معناه: بضعيفِ القوة على تبليغ الوحي، من قولهم: بئرٌ ظَنُونٌ، إذا كانت قليلةً الماء. والأول أشهر، ورجِّحت هذه القراءة عليه بأنها أنسبُ بالمقام؛ لاتِّهام الكفرة له وَّة، ونفيُ التهمة أولى من نفي البخل، وبأنَّ التهمة تتعدّى بعلى، دون البخل فإنه لا يتعدَّى بها إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص ونحوه، لكن قال الطبري: بالضاد خطوطُ المصاحف كلِّها(١). ولعله أراد المصاحفَ المتداوَلَة؛ فإنهم قالوا: بالظاء خطّ مصحف ابن مسعود. ثم إنَّ هذا لا ينافي قول أبي عبيدة: إنَّ الظاء والضاد في الخطّ القديم لا يختلفان إلا بزيادة رأس إحداهما على الأخرى زيادةً يسيرةً قد تَشْتَبِهِ، كما لا يخفى. والفرقُ بين الضاد والظاء مخرجاً أنَّ الضاد مخرجُها من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يسارِهِ، ومنهم مَن يتمكَّن من إخراجها منهما، والظاء مخرجُها من طرف اللسان وأصولِ الثنايا العليا . واختلفوا في إبدال إحداهما بالأخرى: هل يمتنع وتَفْسُدُ به الصلاة أم لا؟ فقيل: تفسد قياساً، ونقله في ((المحيط البرهاني) (٢) عن عامة المشايخ، ونقله في ((الخلاصة)) عن أبي حنيفة ومحمد. وقيل: لا، استحساناً، ونقله فيها عن عامة المشايخ كأبي مطيع البلخيِّ ومحمد بن سلمة . وقال جمع: إنه إذا أمكن الفرق بينهما فتعمَّد ذلك وكان مما لم يُقرأ به كما هنا وغيَّر المعنى فسدتْ صلاتُه، وإلَّا فلا؛ لعُسْرِ التمييز بينهما خصوصاً على العجم، وقد أسلم كثيرٌ منهم في الصدر الأول ولم يُنقل حثُّهم على الفَرْق وتعليمِه من الصحابة، ولو كان لازماً لفعلوه ونُقل، وهذا هو الذي ينبغي أن يعوَّل عليه ويفتَى به. (١) تفسير الطبري ٢٤/ ١٧٠. (٢) المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لبرهان الدين محمود بن تاج الدين أحمد البخاري الحنفي المتوفى سنة (٦١٦هـ). كشف الظنون ١٦١٩/٢ . سُورَةٌ عَلَسِ ٣٥٠ الآية : ٢٥ - ٢٩ وقد جمع بعضُهم الألفاظ التي لا يختلف معناها ضاداً وظاءً في رسالةٍ صغيرة، ولقد أَحْسنَ بذلك، فليُراجَعْ فإنه مهمٌّ. ، أي: بقول بعض المسترِقَةِ للسمع ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: القرآن ﴿يَقُولِ شَيْطَنِ نَّحِيمٍ ٢٥ لأنها هي التي تُرْجَم، وهو نفيٌ لقولهم: إنه كهانة. ﴿فَنَ تَذْهَبُونَ استغلالٌ لهم فيما يسلكونه في أمر القرآن العظيم، كقولك ٢٦ لتارك الجادة الذاهب في بنيات الطريق: أين تذهب؟ والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ظهورٍ أنه وحيٌّ. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما هو ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ وضمير ((هو)) للقرآن أيضاً . ، موعظةٌ وتذكيرٌ عظيمٌ لمن يعلم، ٢٧ وجوِّز كونُ الضميرين للرسول عليه الصلاة والسلام، أي: وما هو ملتبسٌ بقول شيطانٍ رجيم كما هو شأنُ الكهنة، إنْ هو إلا مذكِّرٌ للعالَمين، وقوله تعالى : (فَّنَ) إلخ استضلالٌ لهم فيما يسلكونه في أمره وَّر. وهو كما ترى. وقوله سبحانه ﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ﴾ بدلٌ من ((العالمين)) بدلَ بعضٍ من كلٍّ، والبدلُ هو المجرورُ، وأُعيد معه العاملُ على المشهور، وقيل: هو الجارُّ والمجرور. وجوِّز أن يكون بدلَ كلٍّ من كلٌّ؛ لإلحاق مَن لم يشأ بالبهائم مفعول ((شاء)» أي: لمن ٢٨ ادِّعاءً، وهو تكلُّفٌ. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ شاء منكم الاستقامة بتحرِّي الحقِّ وملازمةِ الصواب. وإبدالُه من ((العالمين)) لأنهم المنتفعون بالتذكير. ﴿وَمَا تَشَآءُونَ﴾ أي: الاستقامةَ بسببٍ من الأسباب ﴿إِلَّ أَن يَشَآءَ اللّهُ﴾ أي: إلَّا بأنْ يشاء الله تعالى مشيئتكم، فمشيئتُكم بسببٍ مشيئة الله تعالى. ﴿رَبُّ الْعَلَمِينَ ٢٩ أي: ملك الخَلْقِ ومربِّيهم أجمعين. أو: ما تشاؤون الاستقامة مشيئةً نافعةً مستتبعةً لها إلا بأنْ يشاءها الله تعالى، فله سبحانه الفضلُ والحقُّ عليكم باستقامتكم إن استقمتُم. روي عن سليمان بن موسى والقاسم بن مخيمرة أنه لمَّا نزلت ﴿لِمَنْ شَآءَ الآية : ٢٩ ٣٥١ سُوْاَلاَ عَلَسِ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: جُعِلَ الأمرُ إلينا إن شئنا استَقَّمْنا وإن شئنا لم نَسْتَقِمْ. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ﴾ الآية(١). و((أن)) وما معها هنا على ما ذكرنا في موضع خفضٍ بإضمار باء السببية، وجوِّز أن تكون للمصاحبة. وذهب غير واحدٍ إلى أنَّ الاستثناء مفرٌَّ من أعمِّ الأوقات، أي: وما تشاؤون الاستقامةَ في وقتٍ من الأوقات إلا وقتَ أنْ يشاء الله تعالى شأنُه استقامتكم، وهو مبنيٌّ على ما نقل عن الكوفيين من جواز نيابة المصدر المؤوَّل من ((أن)) والفعل عن الظرف. وفي الباب الثامن من ((المغني)) أنَّ ((أنْ)) وصِلَتَها لا يعطيان حُكْمَ المصدر في النيابة عن ظرف الزمان؛ تقول: جئتك صلاة العصر، ولا يجوز: جئتك أنْ تصلِّيَ العصر(٢). فالأَوْلَى ما ذكرنا أولاً، وإليه ذهب مكِّي(٣). وذهب القاضي إلى الثاني(٤)، وقد اعتُرِضَ عليه أيضاً بأنَّ (ما)) لنفي الحال، و((أنْ)) خاصةٌ للاستقبال، فيلزم أن يكون وقتُ مشيئته تعالى المستقبلُ ظرفاً لمشيئة العبد الحالية. وأجيبَ بأنَّا لا نسلِّم أنَّ ((ما)) مختصَّةٌ بنفي الحال، ومَن ادَّعى اختصاصَها بذلك اشْتَرَطَ انتفاءَ القرينة على خلافه، ولم تَنْتَفِ هاهنا لمكان ((أن)» في حيِّزها، أو بأنَّ كون ((أنْ)) للاستقبال مشروط بانتفاء قرينةٍ خلافه، وهاهنا قد وُجدت؛ لمكانٍ ما قبلها، فهي لمجرَّد المصدرية. وقيل: يندفع الاعتراضُ بجعل الاستثناء منقطعاً، فليُجْعَلْ كذلك وإنْ كان الأصل فيه الاتصالَ. وليس بشيءٍ. (١) أخرجه عن سليمان بن موسى الطبري ٢٤/ ١٧٢-١٧٣، وعن القاسم بن مخيمرة عبد الرزاق ٣٥٣/٢. (٢) مغني اللبيب ص ٨٩٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٣١/٨. (٣) في مشكل إعراب القرآن ٨٠٣/٢، والكلام من حاشية الشهاب. (٤) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢٣١/٨. . سُوَلاَ عَلَسِ ٣٥٢ التفسير الإشاري وقد أُوْرِدَ على وجه السببية الذي ذكرناه نحوُ ذلك، وهو أنه يلزم من كون ((ما)) لنفي الحال و((أن)) للاستقبال سببيةُ المتأخِّر للمتقدِّم، ومما ذكر يعلم الجوابُ كما لا يخفى، فتأمَّل جميع ذلك والله تعالى الهادي لأوضح المسالك. وقال بعض أهل التأويل: الشمسُ شمسُ الروح، والنجومُ نجومُ الحواسِّ، والجبالُ جبالُ القوالب، وهي تسير كلَّ وقتٍ إلا أنه يظهر ذلك للمحجوب إذا گُشف له الغطاء. والعشارُ عشارُ القوى القالبية، والوحوشُ وحوشُ الأخلاق الذميمة النفسانية، والبحارُ بحارُ العناصر الطبيعية، والنفوسُ القوى النفسانية، وتزويجُها قَرْنُ كلِّ قوةٍ بعملها، والموءودةُ الخواطر الإلهامية التي تَرِدُ على السالك فيئدُها في قبر القالب ويظلمها، والصحفُ على ظاهرها، والسماء سماءُ الصدر، والجحيم جحيمُ النَّفْس، وتسعيرُها بنيران الهوى، والجنةُ جنة القلب. والخَّس الأنوار المودَّعةُ في القوى القلبية، والليلُ الأنوار الجلالية، والصبحُ الأنوار الجمالية. إلى آخر ما قال، ويستدلُّ بحال البعض على البعض. وقد حَكَى أبو حيان شيئاً من نحو ذلك، وعقَّبه بتشنيعِ فظيعٍ (١)، وهو لا يتم إلا إذا أُنكِرَ إرادةُ الظاهر، وأمَّا إذا لم تُنْكَر وجُعل ما ذكر ونحوُه من باب الإشارة فلا يتمُّ أمرُ التشنيع كما حقّق ذلك في موضعه. (١) البحر ٨/ ٤٣٢. سُوَدَّةُ الإِنْفِطِّ وتسمَّى سورةَ ((انفطرت))، وسورة ((المنفطرة))، ولا خلاف في أنها مكيةٌ، ولا في أنها تسعَ عَشْرَةَ آيَةً. ومناسبتُها لِمَا قبلها معلومٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ ﴾﴾ أي: انشقَّتْ لنزولِ الملائكة، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَِ وَنُزْلَ الْمَكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] والكلامُ في ارتفاع السماء كما مرَّ في ارتفاع الشمس. ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَتَرَتْ ﴾﴾ أي: تساقطتْ متفرِّقةً، وهو استعارةٌ لإزالتها، حيث شبّهتْ بجواهرَ قُطِعَ سِلْكُها، وهي مصرِّحةٌ أو مكنيةٌ. ﴿وَإِذَا آلْبِحَارُ فُجِرَتْ ﴾ فُتحت وشقِّقتْ جوانبُها، فزال ما بينها من البرزخ، واختلط العَذْبُ بالأُجَاجِ، وصارت بحراً واحداً. وروي أنَّ الأرض تَنْشِفُ الماء (١) بعد امتلاء البحار فتصير مستويةً، أي: في أنْ لا ماءَ، وأريدَ أنَّ البحار تصير واحدةً أوَّلاً، ثم تَنْشَفُ الأرضُ جميعاً فتصير بلا ماء. ويحتمل أن يراد بالاستواء بعد النضوب عدمُ بقاء مغايضٍ الماء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُرَى فِيهَا عِوَمًا وَلَّ أَمْتَّا﴾ [طه: ١٠٧]. وقرأ مجاهدٌ والربيعُ بنُ خثيم والزعفرانيُّ والثوري: ((فُجِرتْ)) بالتخفيف مبنيًّا (١) أي: تشربه، وأرض نّشِفَة، أي: تَنْشف الماء. ونَشِف الثوب العرق - كسْمِعٌ ونّصَرَ -: شربه. القاموس (نشف). سُورَةُ الأَنْفِطَتْلِ ٣٥٤ الآية : ٤ للمفعول(١). وعن مجاهد أيضاً: ((فَجَرَتْ)) به (٢) مبنيًّا للفاعل، بمعنى: بَغَتْ(٣) لزوالِ البرزخ، من الفجور، نظر إلى قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] لأنَّ البغي والفجور أخوان. قُلِبَ ترابها الذي حُنيَ على موتاها، وأُزيلَ وأُخرج مَن ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ دُفِنَ فيها، على ما فسَّر به غيرُ واحدٍ. وأصل البعثرة على ما قيل: تبديدُ التراب ونحوه، وهو إنما يكون لإخراج شيءٍ تحته، فقد يُذكر ويراد معناه ولازمُه معاً، وعليه ما سمعتَ، وقد يُتَجوَّزُ به عن البعث والإخراج كما في ((العاديات)) حيث أسند فيها لما في القبور دونها كما هنا. وزعم بعضٌ أنه مشتركٌ بين النبش والإخراج. وذهب بعضُ الأئمة كالزمخشريِّ والسهيليِّ إلى أنه مركّبٌ من كلمتين اختصاراً، ويُسمَّى ذلك نحتاً، وأصلُ بُعْثِرَ: بُعِثَ وأُثِيرَ(٤)، ونظيره: بَسْمَلَ وحَمْدَلَ وحَوْقَلَ ودَمْعزَ، أي: قال بسم الله، والحمد تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، وأدام تعالى عزَّه، إلى غير ذلك من النظائر، وهي كثيرةٌ في لغة العرب، وعليه يكون معناه النبشُ والإخراج معاً . واعترضه أبو حيان بأنَّ الراء ليست من أحرف الزيادة(٥)، وهو توهُّمٌ منه فإنه فرِّق بين التركيب والنحتِ من كلمتين، والزيادةِ على بعض الحروف الأصول من كلمةٍ واحدة، كما فضِّل في ((المُزْهِر))(٦) نقلاً عن أئمة اللغة، نعم الأصلُ عدمُ التركيب. (١) القراءات الشاذة ص ١٧٠، والبحر ٤٣٦/٨. (٢) أي: بالتخفيف، وهي في القراءات الشاذة ص ١٧٠، والبحر ٤٣٦/٨. (٣) في الأصل و(م): نبعت، وهو تصحيف، والمثبت من الكشاف ٢٢٧/٤، والبحر ٤٣٦/٨، وتفسير أبي السعود ٩/ ١٢٠. (٤) ينظر الكشاف ٢٢٧/٤، والكلام من حاشية الشهاب ٣٣٢/٨. (٥) البحر ٤٣٦/٨ . (٦) في الأصل و(م) الزهر، وهو تصحيف، والمثبت من حاشية الشهاب ٣٣٢/٨، وينظر المزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي ٤٨٢/١ و٦/٢ وما بعدها. الآية : ٥ - ٦ ٣٥٥ سُؤَدَّةُ الْأَنْفِطَتِْ جوابُ ((إذا)) لكنْ لا على أنها تعلمه عند ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ البعث بل عند نَشْرِ الصحف، لِمَا عرفْتَ أنَّ المراد بها زمانٌ واحدٌ مبدؤه قبيل النفخة الأولى، أو هي، ومنتهاه الفصل بين الخلائق، لا أزمنةٌ متعدِّدةٌ بحسب كلمة ((إذا))، وإنما كرِّرتْ لتهويل ما في حيِّزها من الدواهي، والكلامُ فيه كالذي مرَّ في نظيره . ومعنى ما قدَّم وأخَّر: ما أَسْلَفَ من عملٍ خيرٍ أو شرِّ، وأخّر من سنَّةٍ حسنةٍ أو سيئةٍ يُعمل بها بعده؛ قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضاً: ما قدَّم من معصيةٍ وأخّر من طاعةٍ. وهو قولُ قتادةَ. وقيل: ما عمل ما كلِّف به وما لم يعملْ منه. وقيل: ما قدَّم من أمواله لنفسه، وما أخَّر لورثته. وقيل: أول عمله وآخره. ومعنى عِلْمِها بهما عِلْمُها التفصيليُّ حَسْبَما ذكر فيما قدِّم. ﴿وَأَيُّهَا الْإِنْسَنُ مَا غَّكَ بِّكَ الْكَرِيمِ ﴾﴾ أي: أيُّ شيءٍ خَدَعك وجرَّأك على عصيانه تعالى وارتكابٍ ما لا يليقُ بشأنه عزَّ شأنُه وقد علمتَ ما بين يديك وما سيظهرُ من أعمالك عليك؟ والتعرُّضُ لعنوان كرمه تعالى دون قَهْرِه سبحانه من صفات الجلال المانعةِ ملاحظتُها عن الاغترار؛ للإيذان بأنه ليس مما يَصْلُحُ أن يكون مداراً لاغتراره حَسْبَما يُغويه الشيطانُ ويقول له: افعل ما شئتَ فإنَّ ربَّك كريمٌ قد تفضَّل عليك في الدنيا وسيفعل مثلَه في الآخرة، أو يقول له نحوَ ذلك ممَّا مبناه الكرمُ، كقول بعض شياطين الإنس : سَتَلْقَى في غدٍ ربَّا غفوراً تَكَثَّرْ ما استَطَعْتَ من الخطایا تركتَ مخافةَ الذنبِ السرورا(١) تَعَضُّ ندامةٌ كفَّيْكَ ممَّا (١) البيتان لأبي نواس، وهما في ديوانه ص ٣٠٧ باختلاف يسير. الآية : ٦ ٣٥٦ سُورَةُ الْأَنْفِطَِّ فإنه قياسٌ عقيمٌ وتمنيةٌ باطلةٌ، بل هو مما يوجب المبالغةً في الإقبال على الإيمان والطاعة والاجتناب عن الكفر والعصيان دون العكس، ولذا قال بعض العارفين: لو لم أَخَفِ الله تعالى لم أَعْصِهِ(١). فكأنه قيل: ما حملك على عصيان ربِّك الموصوفِ بما يَزْجُر عنه ويَدْعُو إلى خلافه. وقيل: إنَّ هذا تلقينٌ للحجَّة، وهو من الكرم أيضاً، فإنه إذا قيل له: ما غرَّك .. إلخ، يتفطَّنُ للجواب الذي لقِّنه ويقول: كرمُه، كما قيل: يُعرف حُسْنُ الخُلق والإحسان بقلَّة الآداب في الغلمان. ولم يرتَضِ ذلك الزمخشريُّ(٢)، وكأن الاغترار بذلك في النظر الجليل، وإلا فهو في النظر الدقيق كما سمعتَ. وعن الفضيل أنه قال: غرَّه سترُه تعالى المَرْخِيُّ. وقال محمد بن السماك: واللهُ في الخلوة رائيكا يا كاتمَ الذَّنْبِ أَمَا تستحي وسَترُه طولَ مَساوِيْكا(٣) غرَّك من ربِّك إمهالُه وقال بعضهم : ممَّا أرى من سوء أفعالك يقولُ مولاي أمَا تستحي جرَّأني كثرةُ أفضالك(٤) فقلتُ يا مولاي رفقاً فقد وقال قتادة: غرَّه عدوُّه المسلَّطُ عليه. وروي أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قرأ الآية فقال: الجهل(٥). وقاله عمر ◌َظ ◌ُه، وقرأ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] والفرقُ بين هذا وبين ما ذكروا لا يَخْفَى على ذي علم. (١) أراد أنه إنما يطيع الله حبًّا له لا خوف عقابه، فلو لم يكن عقاب يخافه ما عصى الله، ففي الكلام محذوف، والتقدير: لو لم أخف الله لم أعصه فكيف وقد خفته. وينظر ما سلف ١/ ٤٩٢. (٢) في الكشاف ٢٢٨/٤. (٣) الوسيط ٤٣٥/٤، وتفسير القرطبي ١٢٢/٢٢-١٢٣، وفيهما: ثانيكا، بدل: رائيكا. (٤) البيتان لعبد الكريم القشيري، وهما في تفسيره لطائف الإشارات ٣/ ٦٩٧. (٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص٧١، والواحدي في الوسيط ٤٣٥/٤ من طريق صالح بن مسمار عن النبي ◌َّر مرسلاً . الآية : ٧ - ٨ ٣٥٧ سُوَّةُ الْأَنْفِطَتْلِ واختلف في الإنسان المنادَى، فقيل: الكافر، بل عن عكرمة أنه أبيّ بنُ خلف . وقيل: الأعمُّ الشامل للعصاة. وهو الوجهُ؛ لعموم اللفظ، ولوقوعه بين المجمل ومفصّلِه، أعني («علمتْ نفسٌ)) و((إنَّ الأبرار)) و((إنَّ الفجَّار)» وأمّا قوله تعالى: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِلَّيْنِ ﴾﴾ ففي ((الكشف)): إما أن يكون ترشيحاً لقوّة اغترارهم بإيهامٍ أنهم أسوأُ حالاً من المكذِّبين تغليظاً، وإما لصحة خطاب الكلِّ بما وُجد فیما بینهم. وقرأ ابن جبير والأعمش: ((ما أغرَّك)) بهمزةٍ (١)، فاحتَمَلَ أن يكون تعجّباً، وأن تكون ((ما)) استفهاميةً كما في قراءة الجمهور، و((أغرك)) بمعنى: أدخلك في الغِرَّة. صفةٌ ثانيةٌ مقرِّرةٌ للربوبية مبيِّنةٌ وقوله سبحانه: ﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ ® للكرم، مُوميةٌ إلى صحة ما كذِّب من البعث والجزاء، موِّئَةٌ لِمَا بعدُ حيث نبّهت على أنَّ مَن قدرَ على ذلك بدءاً أَقْدَرُ عليه إعادةً. والتسوية: جَعْلُ الأعضاء سَويَّةً سليمةً معدّة لمنافعها، وهي في الأصل جَعْلُ الأشياء على سواءٍ، فتكون على وَفْقِ الحكمة ومقتضاها بإعطائها ما تتمُّ به. وعَدْلُها : عَدْلُ بعضها ببعضٍ بحيث اعتدلتْ، من عَدَلَ فلاناً بفلان: إذا ساوى بينهما. أو: صَرْفُها عن خلقةٍ غيرِ ملائمة لها، مِن عَدَلَ بمعنى صَرَفَ. وذهب إلى الأول الفارسيُّ وإلى الثاني الفرَّاء(٢). وقرأ غير واحد مِن السبعة: ((عدَّلك)) بالتشديد(٣)، أي: صيَّرك معتدلاً متناسبَ الخَلْقِ من غير تفاوتٍ فيه. ونقل القفَّال عن بعضهم أن عَدَل وعذَّل بمعنَى واحدٍ. ﴿فِيَّ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّبَكَ ﴾﴾ أي: رَّبك ووضعك في أيِّ صورة اقتضتها مشيئتُه تعالى وحكمتُه جل وعلا من الصور المختلفة في الطول والقصر ومراتب (١) الكشاف ٢٢٨/٤، والبحر ٤٣٦/٨. (٢) الحجة للفارسي ٣٨٢/٦، ومعاني القرآن للفراء ٢٤٤/٣. (٣) التيسير ص٢٢٠، والنشر ٣٩٩/٢، وقرأ الكوفيون بالتخفيف. الآية : ٨ ٣٥٨ سُورَةُ الأَنْفِطَتْلِ الحسن ونحوها، فالجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((رَّبك)) و((أيّ)) للصفة، مثلُها في قوله: أرأيتَ أيَّ سوالفٍ وخُدود بَرَزَتْ لنا بين اللِّوَى وزَرُودٍ (١) ولمَّا أريدَ التعميمُ لم يُذكَرْ موصوفُها (٢)، وجملة ((شاء)) صفةٌ لها، والعائد محذوفٌ، و((ما)) مزيدةٌ. وإنما لم تُعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيانٌ لـ «عدلك)) (٣). وجوِّز أن يكون الجارُّ والمجرورُ في موضع الحال، أي: رگَّبك كائناً في أيِّ صورةٍ شاءها . وقيل: ((أيّ)) موصولة، صلتُها جملة ((شاءها))، كأنه قيل: ركَّبك في الصورة التي شاءها. وفيه أنه صرَّح أبو عليٍّ في ((التذكرة)) بأنَّ ((أياً)) الموصولةَ لا تضاف إلى نكرة، وقال ابن مالك في ((الألفية)): واخصُصَنْ بالمعرفة موصولةً أيًّا، وفي ((شرحها)) للسيوطي: مع اشتراطِ ما سبق - يعني كونَ المعرفة غيرَ مفردةٍ - فلا تُضِفْها إلى نكرةٍ خلافاً لابن عصفور. ويجوز أن تُجعل ((أيّ) شرطيةً والماضي في جوابها في معنى المستقبل إذا نظر إلى تعلُّق المشيئة وترتُّب التركيب عليه، فجيء بصورة (٤) الماضي نظراً إلى المشيئة، وأداة الشرط نظراً إلى التعلُّق(٥) والترتُّب. ويجوز أن يكون الجارُّ متعلِّقاً بـ ((عدلك))، وحينئذ يتعيَّن في ((أيّ)) الصفة، كأنه قيل: فعدلك في صورةٍ أيٍّ صورةٍ، أي: في صورةٍ عجيبةٍ، ثم حذف الموصوف زيادةً للتفخيم والتعجيب، و((أيّ) هذه منقولةٌ من الاستفهامية، لكنها لانسلاخ معناها عنها بالكلِّية عَمِلَ فيها ما قبلها، ويكون ((ما شاء رَّبك)) كلاماً مستأنفاً، (١) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ١/ ٣٨٤ برواية: عنَّت لنا بين اللوى فزرود. واللوى وزرود موضعین . (٢) وأصله: في صورةٍ أيِّ صورةٍ، كما تقول: مررت برجلٍ أيِّ رجل. حاشية الشهاب ٣٣٣/٨. . (٣) والتقدير: فَعَدَلَك: رَكَّبك في صورةٍ أيِّ صورةٍ من الصور العجيبة الحسنة التي شاءها. الدر المصون ٩/ ٧١١. (٤) بعدها في (م): إلى، وهو خطأ. (٥) في (م): المتعلق، وهو تصحيف. الآية : ٩ ٣٥٩ سُورَةُ الأَنْفِطَتْ و((ما)) إما موصولةٌ أو موصوفةٌ مبتدأ أو مفعولاً مطلقاً لـ ((رَّبك))، أي: ما شاء من التر کیب رگبك فیه، أو: تركيباً شاء رگَبك. وجوِّز أن تكون شرطيةً، و((شاء)) فعلُ الشرط، و((رَّبك)) جزاؤه، أي: إنْ شاء تركيبك في أيِّ صورةٍ غيرِ هذه الصورة رَّبك فيها، والجملةُ الشرطية في موضع الصفة لـ ((صورة)) والعائد محذوفٌ، ولم يجوِّزوا على هذا الوجه تعلُّقَ الظرف بـ ((رَّبك)) لأنَّ معمول ما في حيِّز الشرط لا يجوز تقديمه عليه. ﴿كَلَّ﴾ُ رَدْعٌ عن الاغترار بكرم الله تعالى وجَعْلِه ذريعةً إلى الكفر والمعاصي، مع كونه موجباً للشكر والطاعة. وقولُه تعالى: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِلِينِ ﴾﴾ إضرابٌ عن جملةٍ مقدَّرةٍ ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الرَّدع بطريقِ الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجترؤون على أعظمَ منه، حيث تكذِّبون بالجزاء والبعث رأساً أو بدين الإسلام اللَّذَيْنِ هما من جملة أحكامه، فلا تصدِّقون سؤالاً ولا جواباً ولا ثواباً ولا عقاباً، وفيه ترقٌّ من الأهون إلى الأغلظ. وعن الراغب(١): (بل)) هنا لتصحيح الثاني وإبطالِ الأول، كأنه قيل: ليس هنا مقتضٍ لغرورهم ولكنَّ تكذيبهم حَمَلَهم على ما ارتكبوه. وقيل: تقدير الكلام: إنكم لا تستقيمون على ما تُؤْجِبُه نِعَمي عليكم وإرشادي لكم، بل تكذِّبون .. إلخ. وقيل: إن (كلَّا)) ردعُ عمَّا دلَّ عليه هذه الجملة من نفيهم البعث، و((بل)) إضرابٌ عن مقدَّرٍ، كأنه قيل: ليس الأمر كما تزعمون من نفي البعث والنشور، ثم قيل: لا تتبيَّنون بهذا البيان بل تكذِّبون .. إلخ. وأدغم خارجة عن نافع ((رَكَّبك كلَّ)) كأبي عمرو في إدغامه الكبير(٢). وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبةُ وأبو بشر: ((يكذِّبون)) بياء الغيبة(٣). (١) في مفرداته (بل)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٣٣/٨. (٢) البحر ٤٣٧/٨، وينظر مذهب أبي عمرو في الإدغام الكبير في التيسير ص ٢٠. (٣) النشر ٣٩٩/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٤٣٧/٨. ـرَةُ الإِنْفِطْبِ سُ ٣٦٠ الآية : ١٠ - ١٢ حالٌ من فاعل ((تكذِّبون)) مفيدةٌ لبطلان ١٠ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ تكذيبهم وتحقيقِ ما يكذّبون به من الجزاء على الوجهين في ((الدِّين)) أي: تكذِّبون بالجزاء والحالُ إنَّ عليكم مِن قِبَلِنا لحافظين لأعمالكم ﴿كِرَامًا﴾ لدينا ﴿كَنِينَ · من الأفعال قليلاً كان أو كثيراً، ويضبطونه نقيراً أو لها ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ( قطميراً، وليس ذلك [إلا](١) للجزاء وإقامة الحجة، وإلا لكان عبثاً ينزَّه عنه الحكيم العليم. وقيل: جيء بهذه الحال استبعاداً للتكذيب معها. وليس بذاك. وفي تعظيم الكاتبين بالثناء عليهم تفخيمٌ لأمر الجزاء، وأنه عند الله عزَّ وجلَّ من جلائل الأمور، حيث استَعْمَلَ سبحانه فيه هؤلاء الكرامَ لديه تعالى. ثم إنَّ هؤلاء الحافظين غيرُ المعقِّبات في قوله تعالى: ﴿لَهُ، مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُوَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] فمع الإنسان عدَّةُ ملائكةٍ؛ روي عن عثمان أنه سأل النبيَّ ◌َّر: كم من ملك على الإنسان؟ فذكر عليه الصلاة والسلام عشرين مَلَكاً(٢). قاله المهدويُّ في ((الفيصل))(٣). وقيل: إنَّ كلَّ آدميٍّ يُوكل به من حين وقوعه نطفةً في الرَّحِم إلى موته أربعُ مئة ملكِ، ومَن يكتب الأعمال ملكان: كاتبُ الحسنات وهو في المشهور على العاتق الأيمن، وكاتبُ ما سواها وهو على العاتق الأيسر، والأول أمينٌ على الثاني فلا يمكِّنُه من كتابة السيئة إلا بعد مضيٍّ ستِّ ساعاتٍ من غير مكفِّرٍ لها. ويكتبان كلَّ شيءٍ حتى الاعتقادَ والعزمَ والتقريرَ، وحتى الأنين في المرض، وكذا يكتبان حسنات الصبيٍّ على الصحيح. ويفارقان المكلّف عند الجماع، ولا يدخلان مع العبد الخلاء، وأخرج البزَّار عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله تعالى ينهاكم عن التعرِّي، (١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٣٣٣/٨. (٢) لم نقف عليه. (٣) كذا في الأصل و(م)، ولعله التفصيل، وهو تفسير المهدوي المسمى: التفصيل الجامع لعلوم التنزيل، وينظر ما سلف عند تفسير الآية (١٨) من سورة ﴿قّ﴾.