النص المفهرس

صفحات 301-320

الآية : ١٢
٣٠١
سُورَةٌ عَبَسَ
وإما الجنسُ باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده، ورجّح هذا بأن الآية نزلت - على
ما أخرج ابن المنذر عن عكرمة - في عتبة بن أبي لهب؛ غاضَبَ أباه فأسلم، ثم .
استصلحه أبوه وأعطاه مالاً وجهَّزه إلى الشام، فبعث إلى رسول الله وَ ﴿ أنه كافرٌ
بربِّ النَّجْم إذا هوى، فقال ◌ََّ: ((اللَّهم ابعث عليه كَلْبَك حتى يفترسَه)). فلمَّا كان
في أثناء الطريق ذكر الدعاء، فجعل لمن معه ألفَ دينارٍ إن أَصبح حيًّا، فجعلوه
وسط الرفقة، والمتاعُ حولَه، فأقبل أَسَدٌ إلى الرحال ووثب، فإذا هو فوقه فمزَّقه،
فكان أبوه يندبه ويبكي عليه، ويقول: ما قال محمد وَ لّ شيئاً قطّ إلا كان(١).
وسيأتي إن شاء الله تعالى خبرٌ في هذه القصّة أطولُ من هذا الخبر فلا تغفل.
ثم إنَّ هذا كلامٌ في غاية الإيجاز، وقد قال جار الله: لا نرى أسلوباً أغلظَ منه،
ولا أدلَّ على سخطٍ ولا أبعدَ شوطاً في المذمَّة مع تقارُب طرفيه، ولا أجمعَ لِلَّائِمَة
على قِصَر مَتْنِهِ(٢). حيث اشتمل على ما سمعتَ من الدعاء مراداً به - إذ لا يُتصوَّر
منه تعالى - لازمُه، وعلى التعجّب المراد به - لاستحالته عليه سبحانه - التعجيبُ
لكلِّ سامع.
وقال الإمام: إنَّ الجملة الأولى تدلُّ على استحقاقهم أعظمَ أنواع العقاب
عرفاً، والثانيةُ تنبيهٌ على أنَّهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعاً(٣).
ولم يُسمَع ذلك قبل نزول القرآن، وما نسب إلى امرئ القيس من قوله:
فإذا جاء الشتا أنْكَرَةْ
يتمنَّى المرءُ في الصيفِ الشتا
قُتِل الإنسانُ ما أكْفَرَةُ (٤)
فهو لا يرضى بحالٍ واحدٍ
(١) عزاه لابن المنذر السيوطيُّ في الدر المنثور ٣١٥/٦ مختصراً، وأخرجه بنحوه عن عكرمة
صاحب الأغاني ١٧٦/١٦، وروى فيه عكرمة قصة خروجه إلى الشام عن ابن عباس.
وأخرجه بنحوه أيضاً الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٣٩ عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه،
وفيه أن اسمه: لهب بن أبي لهب، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وينظر: المحرر
الوجيز ٤٣٨/٥، والبحر ٤٢٨/٨.
(٢) الكشاف ٢١٩/٤.
(٣) التفسير الكبير ٥٩/٣١.
(٤) حاشية الشهاب ٣٢٣/٨، وورد صدر البيت الثاني في هامش الأصل برواية: لا بذا رَضِي
=

سُؤَادَةُ عَلَسِ
٣٠٢
الآية : ١٨ - ٢٠
لا أصل له، ومَن له أدنى معرفة بكلام العرب لا يجهل أن قائل ذلك مُولَّد أراد
الاقتباس، لا جاهليٍّ.
وجوَّز بعضهم أن يكون قولُه تعالى: (قُئِلَ أَلْإِنسَانُ) خبراً عن أنه سيقتل الكفارُ
بإنزال آية القتال، وعُبِّر بالماضي مبالغةً في أنه سيتحقَّق ذلك. وليس بشيء، ونحوه
ما قيل: إنَّ ((ما)) استفهاميةٌ، أي: أيُّ شيء أكفره؟ أي: جعله كافراً، بمعنى:
لا شيء يُسوِّغ له أن يكفر.
شروعٌ في بيان إفراطه في الكُفرَان بتفصيلٍ
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ. (®َـ
ما أفاض عز وجل عليه من مبدأ فطرته إلى منتهى عمره من فنون النعَم الموجبة لأنْ
تُقابل بالشكر والطاعة من إخلاله بذلك.
والاستفهامُ - قيل - للتحقير، وذِكْرُ الجواب أعني قولَه تعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾
لا يقتضي أنه حقيقيٌّ؛ لأنه ليس بجوابٍ في الحقيقة بل على صورته، وهو بدلٌ من
قوله سبحانه: (مِنْ أَِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ). وجوِّز أن يكون للتقرير، والتحقيرُ مستفادٌ من
((شيءٍ» المنكَّر، وقيل: التحقير يُفهم أيضاً من قوله سبحانه: (َمِن تُطْفَةٍ) إلخ، أي:
من أيِّ شيءٍ حقيرٍ مَهينٍ خَلَقه، من نطفة مَذِرةٍ خَلَقَه .
﴿فَقَدَّرَهُ.
فهيَّأه لِمَا يصلُح له ويليق به من الأعضاء والأشكال، فالتقدير
بمعنى التهيئة لِمَا يصلح - ولذا ساغ عطفُه بالفاء - دون التسوية؛ لأنَّ الخَلْق بمعنى
التقدير بهذا المعنى أو يتضمَّنه فلا تصلح الفاءُ. وجوِّز أن يكون هذا تفصيلاً لِمَا
أجمل أولاً في قوله تعالى: (مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ) أي: فقدَّره أطواراً إلى أن أتمَّ
خلقه .
﴿ثُمَّ السَِّلَ يَتَرَهُ ﴾﴾ أي: ثم سهَّل مخرجَه من البطن - كما جاء في روايةٍ عن
ابن عباس - بأنْ فَتْحَ فم الرحم ومدَّد الأعصاب في طريقه ونكس رأسه لأسفلَ بعد
أن كان في جهة العلوّ(١).
= ولا رَضِيَ بِذَا. وهذان البيتان نسبهما الذهبي في تاريخ الإسلام ٩٣٧/١٣ لجمال الدين
النحوي.
(١) تفسير الطبري ٢٤/ ١١١ مختصراً.

الآية : ٢٠
٣٠٣
سُوَالأَ عَبَسَ
وعن ابن عباس أيضاً وقتادة وأبي صالح والسدِّي: المرادُ بـ ((السبيل)) سبيلُ
النظر القويم المؤذِّي إلى الإيمان، وتيسيرُه له هو هبةُ العقل وتمكينُه من النظر (١).
وقال مجاهد والحسن وعطاء - وهو رواية عن الحبر أيضاً -: هو سبيلُ الهدى
والضلال(٢)، أي: سهّل له الطريقَ الذي يريد سلوكه من طريق الخير والهدى،
وطريقِ الشرِّ والضلال، بأن أقْدَره عز وجل على كلٍّ ومكَّنه منه، والإقدار على
المراد نعمةٌ ظاهرةٌ بقطع النظر عن خيريَّته وشَرِّيَّته، فلا يَرِد عليه أنه كيف يُعدُّ تسهيلُ
طريق الشرِّ والضلال من النعم؟
وقيل: إنه عُدَّ منها لأنه لو لم يكن مسهَّلاً كسبيل الخير لم يستحقَّ المدحَ
والثواب بالإعراض عنه وتركِه. وهو مبنيٌّ على القول بأنَّ ترك المحرَّم كالزنى مع
عدم القدرة عليه لعِنَّةٍ مثلاً لا يثاب عليه. وقيل: يثاب ويُمدح عليه إذا قدَّر التارك
في نفسه أنَّه لو تمكَّن لم يفعل. وقال بعضهم: العجزُ عن الشرِّ نعمة، وأنشد:
جكونّه شُكْرٍ إين نعمت كِزَارَمْ كِه زورِ مَرْدُم آزاري نَدَارَمْ(٣)
ونصبُ ((السبيل)) بمضمَرٍ يفسِّره الظاهر، وفيه مبالغةٌ في التيسير وتمكينٌ في
النفس بسبب التكرير، قيل: وفي تعريفه باللام دون الإضافة إشعارٌ بعُمومه، فإنَّه لو
قيل: سَبِيلَه، أَوْهَم أنَّه على التوزيع وأنَّ لكلِّ إنسانٍ سبيلاً يخصُّه. وخَصَّ بعضُهم
هذه النكتةَ بالمعنى الأخير لـ ((السبيل)) فتدبّر، وعلى هذا المعنى قيل: إنَّ فيه إيماءً
إلى أنَّ الدنيا طريقٌ، والمقصد غيرها؛ لِمَا أشعرت به الآية من أنَّ الميسَّر سبيلٌ
المكلَّفين الذي يترتَّب عليه الثواب والعقاب. وفيه خفاءٌ.
وأيَّاما كان فالضميرُ المنصوب في ((يسَّره)) لـ ((السبيل))، وليس في التفكيك لَبْسٌ
حتى يكون نقصاً في البيان.
(١) البحر ٤٢٨/٨ . -
(٢) تفسير الطبري ١١٢/٢٤-١١٣، والنكت والعيون ٢٠٦/٦.
(٣) قوله: جكّونه، بالجيم والكاف الفارسيتين، معناه: كيف. إين، أي: هذا، أو هذه. زارم:
فعل ماضٍ، بمعنى عجزتُ أو ضَعُفت. زور: قوة، مَقْدِرة. مردُم: إنسان، رجل. ندارم:
لا أعرف. آزار: إيذاء. ومعنى البيت: كيف أؤدي شكرَ نعمةٍ ضَعفي وعجزي عن إيذاء الناس.

سُورَةٌ عَلَسَ
٣٠٤
الآية : ٢١ - ٢٣
٢١
﴾ أي: جعله ذا قبرٍ تُوارى فيه جِيفتُه تَكرمةً له، ولم يجعله
أَمَانَهُ، فَأَقْرَهُ.
مطروحاً على الأرض يستقذره مَن يراه وتَقتسمه السباع والطيرُ إذا ظفرت به كسائر
الحيوان، والمراد من جعله ذا قبرٍ أمرُه عز وجل بدفنه، يقال: قَبَر الميتَ: إذا دفنه
بيده، ومنه قول الأعشى :
لو أسنَدَت مَيْتاً إلى نَحْرِها عاش ولم يُنقَل إلى قَابِرٍ (١)
وأقْبره: إذا أمر بدفنه أو مَكَّن منه، ففي الآية إشارةٌ إلى مشروعية دفن الإنسان،
وهي مما لا خلافَ فيه، وأمَّا دَفْنُ غيره من الحيوانات فقيل: هو مباحٌ لا مكروه،
وقد يُطلب لأمرٍ مشروع يقتضيه، کدفع أذی جیفتِه مثلاً.
وعدُّ الإماتةِ من النعم لأنها وصلةٌ في الجملة إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم.
وخُصَّت هذه النعم بالذكر لِمَا فيها من ذكر أحوال الإنسان من ابتدائه إلى انتهائه،
وما تتضمَّن من النعم التي هي محضُ فضلٍ من الله تعالى، فإذا تأمَّل ذلك العاقل علم
قُبحَ الكفر وكفرانِ نعم الربِّ سبحانه وتعالى، فشَكَرِه جلَّ وعلا بالإيمان والطاعة.
ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴾﴾ أي: إذا شاء إنشارَه أنشره، على القاعدة المعروفة في
حذف مفعول المشيئة، وفي تعليق الإنشار بمشيئته تعالى إيذانٌ بأنَّ وقتَه غيرُ معيَّنٍ
أصلاً، بل هو تابعٌ لها، وهذا بخلاف الإماتة فإنَّ وقتها معيَّنٌ إجمالاً على ما هو
المعهود في الأعمار الطبيعيَّة، وكذا الحال في وقت الإقبار بل هو أظهر في ذلك.
وقرأ شعيب بن الحَبْحاب(٢) كما في ((كتاب اللوامح)) وابن أبي حمزة كما في
تفسير ابن عطية: ((نَشَرَه)) بدون همزة(٣)، وهما لغتان في الإحياء.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّ﴾ ردٌ للإنسان عمَّا هو عليه من كفران النعم البالغ نهایتَه،
وقوله سبحانه: ﴿لَنَّا يَقْضِ مَّا أَمْرَهُ(®﴾ بيانٌ لسبب الردع، و((لمَّا)) نافيةٌ جازمةٌ،
(١) ديوان الأعشى ص١٨٩، ومجاز القرآن ٢٨٦/٢، وتفسير الطبري ١١٣/٢٤.
(٢) تحرفت في (م) إلى: الحجاب. والمثبت من الأصل والبحر ٤٢٩/٨.
(٣) المحرر الوجيز ٤٣٩/٦، والبحر ٤٢٩/٨. وابن أبي حمزة هو شعيب بن دينار أبو بشر
الحمصي الكاتب. توفي سنة (١٦٣هـ). السير ١٨٩/٧.

الآية : ٢٣
٣٠٥
سُورَةٌ عَسَ
ونفيها غيرُ منقطع، و((ما)) موصولةٌ، وضميرُ ((أمره)» إما للإنسان كالمستتر في
(يَقْضِ))، والعائدُ إلى الموصول محذوفٌ، أي: به، أو للموصول على الحذف
والإيصال، والعائدُ إلى الإنسان محذوفٌ، أي: إياه، قيل: والثاني أحسن؛ لأنَّ
حذف المفعول أهون من حذف العائد إلى الموصول، والمراد بـ ((ما أمره)» جمیعُ
ما أمره، والمعنى على ما قال غير واحد: لم يَقْضِ من أول زمانٍ تكليفه إلى زمان
إماتته وإقباره. أو: من لدن آدم عليه السلام إلى هذه الغاية مع طول المدى وامتداده
جميعَ ما أمره، فلم يَخرُج من جميع أوامره تعالى، إذ لا يخلو أحدٌ عن تقصيرٍ ما،
ونُقل هذا عن مجاهد وقتادة، وفيه حملُ عدم القضاء على نفي العموم.
وتعقِّب بأنه لا ريبَ في أنَّ مساق الآيات الكريمة لبيان غاية عظم جناية الإنسان
وتحقيقٍ كفرانه المفرط المستوجب للسخط العظيم، وظاهرٌ أنَّ ذلك لا يتحقَّق بهذا
القدر من نوع تقصيرٍ لا يخلو عنه أحدٌ من أفراده. واختير أن يُحمل عدم القضاء
على عموم النفي، إمَّا على أنَّ المحكوم عليه هو الإنسان المستغني أو هو الجنس
لكن لا على الإطلاق، بل على أنَّ مصداقَ الحكم بعدم القضاء بعضُ أفراده وقد
أُسنِدٍ إلى الكلِّ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وإما على أنَّ مصداقه الكلُّ من حيث هو كلٌّ بطريق رفع الإيجاب الكلِّيِّ دون
السلب الكلِّي، فالمعنى: لمَّا يقضِ جميعُ أفراده ما أمره، بل أخلَّ به بعضُها(١)
بالكفر والعصيان مع أنَّ مقتضى ما فصِّل من فنون النعماء الشاملة للكلِّ أن لا يتخلَّف
عنه أحدٌ.
وعن الحسن أنَّ ((كلَّا)) بمعنى: حَقًّا، فيتعلَّق بما بعده، أي: حَقًّا لم يعمل
بما أمره به.
وقال ابن فورك: الضمير في ((يَقْضٍ)) تعالى، أي: لم يَقضِ اللهُ تعالى لهذا
الكافر ما أمره به من الإيمان، بل أمره إقامةً للحجَّة عليه بما لم يقضٍ له. ولا يَخفى
بعدُه، والظاهر عليه أنَّ ((كلَّا)) بمعنى: حَقًّا، أيضاً.
(١) أي: بعض الأفراد، كما أشير إلى ذلك في الأصل.

سُورَةٌ عَبَسِ
٣٠٦
الآية : ٢٤ - ٢٥
على معنى: إذا كان هذا حال
٢٤
وقوله سبحانه: ﴿فَلْتُظُرِ أَلْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ.
الإنسان وهو أنه إلى الآن لم يقض ما أمره مع أنَّ مقتضى النعم السابقة القضاءُ،
فلينظر إلى طعامه .. إلخ لعلّه يقضي.
وفي ((الحواشي العصامية)): لا يخفى ما في قوله تعالى: (لَمَا يَقْضِ مَا أَمَهُ) من
كمال تَهْييج الإنسان وتحريضه على امتثالٍ ما يعقبه من الأمر بالنظر، وتفريعُ الأمر
عليه مبنيٌّ على أنَّ الائتمارَ كما ينبغي إنما (١) يتيسَّر بعد الارتداع عمَّا هو عليه.
والظاهر أنَّ المرادَ بالإنسان هنا نحو ما أريد به في قوله تعالى: (قُئِلَ الْإِسَنُ).
ولَمَّا جوَّز صاحبُ الحواشي المذكورة حملَ عدم القضاء على السلب الكليِّ،
وجَعَل الكلامَ في الإنسان المبالِغ في الكفر، قال: فالمراد بضمير ((يَقْضٍ)» غيرُ
الإنسان الذي أُمر بالنظر، فإنه عامٌّ فلذا أُظهِر.
وتضمَّن ما مرَّ ذكرَ النعم الذاتيّة، أي: ما يتعلَّق بذات الإنسان من الذات نفسها
ولوازمها، وهذا ذكرَ النعم الخارجية المقابلة لذلك، وقيل: الأولى نِعَمُ خاصَّة،
والثانية نِعَمٌ عامَّةٌ .
وقيل: تلك نِعَمٌ متعلِّقةٌ بالحدوث، وهذه نِعَمٌ متعلِّقة بالبقاء. وفيه نظر.
والظاهر أنَّ المرادَ بالطعام: المطعومُ بأنواعه، واقتصر عليه ولم يُذكّر
المشروب؛ لأنَّ آثار القدرة فيه أكثر من آثارها في المشروب، واعتبار التغليب
لا يخفى ما فيه، وقوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَّنَا أَلْمَةَ﴾ بدلٌ منه بدلَ اشتمال، فإنه - لكونه
من أسباب تكوُّنِه - كالمشتمل عليه، والعائد محذوف، أي: صَبَبْنا له.
وجوِّز كونه بدلَ كلٍّ من كلٍّ، على معنى: فلينظر الإنسان إلى إنعامنا في
طعامه، أنا صَبَيْنا .. إلخ. وهو كما ترى.
وأيَّاما كان، فالمقصود بالنظر هو البدل، وبذلك يضعف ما رُوي عن أبيٍّ وابن
عباس ومجاهد والحسن وغيرهم أنَّ المعنى: فلينظر إلى طعامه إذا صار رجيعاً،
(١) في (م): أن، وهو تصحيف.

الآية : ٢٦
٣٠٧
سُؤَةٌ عَلَسَ
ليتأمَّل عاقبةَ الدنيا وما تَهالك عليه أهلُها (١). ولعمري إنَّ هذا بعيدُ الإرادة عن
السياق، ولا أظن أنه وقع على صحّة روايته عن هؤلاء الأجلَّة الاتفاقُ.
وظاهر الصَّبِّ يقتضي تخصيصَ الماء بالغيث، وهو المرويُّ عن ابن عباس،
وجوَّز بعضهم إرادةَ الأعمِّ، وقال: إنَّ في كلِّ ماء صبًّا من الله تعالى بخَلْق أسبابه
على أصول النباتات. وأنت تعلم أنَّ إيصال الماء إلى أصول النباتات يَبعد تسميتُه
صبًّا.
وتأكيد الجملة للاعتناء بمضمونها مع كونها مظنَّةً لإنكار القاصر لعدم
الإحساس بفعلٍ من الله تعالى، وإنما يُعْرَفُ الاستنادُ إليه عز وجل بالنظر الصحيح.
وقرأ الأكثر: ((إنَّا)) بالكسر على الاستئناف البيانيّ(٢)، كأنَّه لمَّا أمر سبحانه
بالنظر إلى ما رزقه جل وعلا من أنواع المأكولات، قيل: كيف أُحدِثَ ذلك وأُوجدَ
بعد أن لم يكن. فقيل: إنّا صيبنا .. إلخ.
وقرأ الإمام الحسين بن أمير المؤمنين عليٍّ كرم الله تعالى وجههما ورضي
سبحانه عنهما: ((أنَّى صَبَيْنَا)) بفتح الهمزة والإمالة(٣)، على معنى: فلينظر الإنسان
كيف صببنا الماء.
﴿صَبًّا
عجيباً ﴿ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ﴾ أي: بالنبات، كما قال ابن عباس
٢٥
بديعاً لائقاً بما يشقُّها من النبات صغراً وكبراً وشكلاً وهيئة. وقيل:
﴿ثَنَّ ﴾﴾
شَقّها بالكِراب(٤)، وإسناده إلى ضميره تعالى مجازٌ من باب الإسناد إلى السبب،
وإن كان الله تعالى عز وجل هو الموجِد حقيقةً، فقد تبيَّن في موضعه أنَّ إسناد
الفعل حقيقةً لمن قام به، لا مَن صدر عنه إيجاداً (٥)، ولهذا يشتقُّ اسم الفاعل له.
(١) البحر ٤٢٩/٨.
(٢) التيسير ص ٢٢٠، والنشر ٣٩٨/٢، وقرأ بفتح الهمزة عاصم وحمزة والكسائي وخلف.
(٣) الكشاف ٢١٩/٤، والبحر ٤٢٩/٨.
(٤) بكسر الكاف، مصدر كربتُ الأرض: إذا قَلبْتَها للحرث. حاشية الشهاب ٣٢٤/٨.
(٥) قوله: لا من صدر عنه إيجاداً، أي: لا لمن أوجده. حاشية الشهاب ٣٢٤/٨.

سُؤُلَةُ عَلَسِ
ـبيـ
٣٠٨
الآية : ٢٧ - ٢٨
وتعقِّب بأنه يأباه كلمةُ (ثم)) والفاء في قوله تعالى: ﴿فَبْنَا فِيهَا حَبَّاً (®﴾، فإنَّ
الشقَّ بالمعنى المذكور لا ترتُّب بينه وبين الإمطار أصلاً، ولا بينه وبين إنبات الحبِّ
بلا مهلة، فإنَّ المراد بالنبات ما نبت من الأرض إلى أن يتكامَل النموُّ وينعقد
الحَبُّ، فإنَّ انشقاق الأرض بالنبات لا يزال يتزايد ويتسع إلى تلك المرتبة، على أنَّ
مساق النظم الكريم لبيان النعم الفائضة من جنابه تعالى على وجهٍ بديعٍ خارج عن
العادات المعهودة، كما ينبئ عنه إردافُ الفعلَين بالمصدرَين، فتوسيطُ فعل المنعَم
عليه في حصول تلك النعم مُخلٌّ بالمرام، وللبحث فيه مجالٌ.
وقيل عليه أيضاً: إنَّ الشق بالكراب لا يظهر في العنب والزيتون والنخل.
وأجيب بأنه ليس من لوازم العطف تقييد المعطوف بجميع ما قُيِّد به المعطوف
عليه، ويحتمل أن يكون ذكرُ الكِراب في القيل على سبيل التمثيل، أو أريد به
ما يشمل الحفرَ.
وجوِّز أن يكون المراد شقَّها بالعيون، على أنَّ المراد بصبِّ الماء إمطارُ المطر،
وبهذا إجراءُ الأنهار. وتعقِّب بأنَّه يأباه ترتُّبُ الشقِّ على صبِّ الماء بكلمة التراخي،
وأيضاً ترتّب الإنبات على مجموع الصبِّ والشقِّ بالمعنى المذكور لا يلائم قولَه
تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَءٍ تَجََّا ® لِيُخْرِجَ بِهِ، حَا﴾ الآية [النبأ: ١٤ - ١٥]
الإشعاره باستقلال الصبِّ وإنزالِ الغيث في ذلك. ودفعا بأنَّ ماء العيون من المطر
لا من الأبخرة المحتبسة في الأرض. ولا يخفى على ذي عين أنَّ هذا الوجه بعيدٌ
متكلّف.
والمراد بالحبِّ جنسُ الحبوب التي يُتقوَّت بها وتُدَّخَر كالحنطة والشعير والذرة
وغيرها .
٢٨
﴾ أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن
﴿وَعِنَبًا﴾ معروفٌ ﴿وَقَضَبًا (
ابن عباس أنه قال: هو الفِصْفِصَة(١). وقَّدها الخليلُ بالرطبة، وقال: إذا يَبست
(١) الدر المنثور ٣١٦/٦، وتفسير الطبري ١١٦/٢٤. وورد في هامش الأصل: الفِضْفَصَةُ،
وتقال بالسين، وتسمَّى بالتركية: بونجه، وبالفارسية: إسْبسْت. اهـ. وقال الشهابي في معجم

الآية : ٢٩ - ٣٠
٣٠٩
سُورَةٌ عَبَسَ
فهي القتُّ(١). وسمِّيت بمصدرٍ قَضَبَه، أي: قطعه، مبالغةً، كأنها لتكوُّر قطعها
وتكثُّره نفسُ القطع. وضَعَّف هذا مَن فسَّر الأبَّ بما يشمل ذلك.
وقيل: هو كلُّ ما يُقضَب ليأكله ابن آدم غضًّا من النبات كالبقول والهَلْيَون(٢).
وفي ((البحر)) عن الحِبْر أنه الرطب، وهو يُقضَب من النخل، واستأنس له بذكره
مع العنب(٣). ولا يخفى ما فيه.
﴿وَزَيْتُوْنَا وَنَخْلَا (جَ﴾ هما معروفان ﴿وَحَدَآَبِقَ﴾ رياضاً ﴿قُلْبً (®﴾ أي: عظاماً،
وأصله جمعُ: أغْلَب وغَلباء صفةُ العنق، وقد يوصف به الرجل لكن الأول هو
الأغلب، ومنه قول الأعشى :
يَمشي بها غُلْبُ الرِّقاب كأنَّهم
بُزلٌ كُسِين من الكُحَيلِ جِلالَا(٤)
ووصْفُ الحدائق بذلك على سبيل الاستعارة، شُبِّه تكاثُفُ أوراق الأشجار
وعروقها بغِلَظ الأوداج، وانتفاخ الأعصاب مع اندماج بعضها في بعضٍ في غِلَظ (٥)
الرقبة، ولا يَرِد أنَّ الغلظ في الأشجار أقوى؛ لأنَّ الأمر بالعكس نظراً إلى الاندماج
وتقوِّي البعض بالبعض حتى صارت شيئاً واحداً.
= الألفاظ الزراعية ص٤٠١: الفصفصة جنس نبات كلئيّة عُشبيَّةٍ من القرنيات، فيه أنواع تزرع،
وأنواع تنبت، والفصفصة الزراعية هي الفصَّة في الشام، والبرسيم الحجازي في مصر.
(١) العين ٥٢/٥، و١٩/٥.
(٢) قال الشهابي في معجمه ص ٦٠: هليون: جنس نبات من الفصيلة الزنبقية والقبيلة الهليونية،
فيه نوع زراعي مشهور، وأنواع للتزيين، وأنواع برية يتبقّلونها ويستعملونها .
(٣) البحر ٤٢٩/٨.
(٤) كذا نسبه للأعشى، وهو في الكشاف ٤/ ٢٢٠، وتفسير القرطبي ٨٥/٢٢، والبحر ٤٢٥/٨،
والدر المصون ٦٩٤/١٠ عن عمرو بن معد يكرب. وورد في البحر والدر: يسعى، بدل:
يمشي، وفي البحر: الشعور، بدل: الكحيل. وبُزُلٌ: جمع بَزول، وهو جمل أو ناقة في
تاسع سنه. القاموس (بزل). والكُحيل: ورد في هامش الأصل و(م): مصَغَّر، وهو النفط
يطلى به الجرب. اهـ منه. والجِلال: جمع جلِّ (بضم الجيم وفتحها) ما تُلبسه الدابة لتصان
به. القاموس (جلل).
(٥) كذا في الأصل و(م): في غلظ، ولعل الصواب: بغلظ، كما في حاشية الشهاب ٣٢٥/٨.

سُوَةٌ عَلَسِ
٣١٠
الآية : ٣١
وجوِّز أن يكون هناك مجازٌ مرسل كما في المَرْسِن، بأن يراد بالأغلَب الغليظُ
مطلقاً، وتجوِّز في الإسناد أيضاً؛ لأنَّ الحدائق نفسَها ليست غليظةً بل الغليظُ
أشجارُها. وقال بعض: المراد بالحدائق نفس الأشجار لمكان العطف على ما في
حيِّز ((أنبتنا)) فلا تغفل.
﴿وَفَكِهَةٌّ﴾ قيل: هي الثمار كلّها. وقيل: بل هي الثمار ما عدا العِنَب والرمان.
وأيًّاما كان فذكرُ ما يدخل فيها أولاً للاعتناء بشأنه.
وَأَبَّا (
﴾ عن ابن عباس وجماعة أنَّه الكلأ والمرعى (١)، من: أَّه: إذا أمَّه
وقصده؛ لأنه يُؤَمُّ ويقصد. أو من: أبَّ لكذا: إذا تهيأ له؛ لأنَّه متهيِّئٌ للرعي،
ويطلق على نفس مكان الكلأ، ومنه قوله :
جِذْمُنا قيسٌ ونجد دارنا ولنا الأبُّ بها والمَكْرَعُ(٢)
وذكر بعضهم أنَّ ما يأكله الآدميُّون من النبات يسمَّى الحصيدةَ والحصيد،
وما يأكله غيرهم يسمَّى الأبَّ، وعليه قول بعض الصحابة يمدح النبيَّ يَّ:
بها يُنبِت الله الحصيدةَ والأبًّا(٣)
له دعوةٌ ميمونةٌ ريحُها الصبا
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه التِّبْن خاصَّة (٤).
وقيل: هو يابسُ الفاكهة؛ لأنها تُؤَبُّ وتُهيّأ للشتاء للتفُّه بها .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد عن إبراهيم التيميِّ قال: سُئل
(١) تفسير الطبري ١٢١/٢٤-١٢٢، وهو قول الحسن ومجاهد أيضاً.
(٢) جمهرة اللغة ١٣/١، وتهذيب اللغة ٥٩٩/١٥، والكشاف ٢٢٠/٤، والبحر ٤٢٥/٨،
والكلام منه. وورد في هامش الأصل و(م): جِذْمُنا: بكسر الجيم، أي: أصلنا. اهـ منه.
وكذا هو في القاموس (جذم). والمَكرَع: مفعل من الكَرَع وهو ماء السماء يُكرَع فيه.
اللسان (كرع).
(٣) البيت في النكت والعيون ٢٠٨/٦، وتفسير القرطبي ٨٦/٢٢، والبحر ٤٢٥/٨ دون نسبة،
وهو في الوافي بالوفيات ٣٣٢/١١ لحرب بن رَيطة، قدم على النبي ◌َّ مع جماعة من
أهله، ولقوه بين الجحفة والمدينة. ذكره الحافظ في ابن حجر في الإصابة ٢٢٦/٢.
(٤) الدر المنثور ٣١٧/٦.

الآية : ٣١
٣١١
سُؤَُّ عَلَسِ
أبو بكر الصديق رضيُبه عن الأبِّ ما هو؟ فقال: أيُّ سماءٍ تُظلُّني وأيُّ أرضٍ تُقُلُّني إذا
قلتُ في كتاب الله تعالى ما لا أعلم(١).
وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر
والحاكم وصححه وغيرهم عن أنس أنَّ عمر رَظُه قرأ على المنبر: ﴿فَبَا فِيهَا حَّاً
٢٧
فقال: کلُّ هذا قد عرفناه، فما الأبُّ؟ ثم رفض
وَعِنْبًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَبَّاً
عصا كانت في يده، فقال: هذا لعَمْر الله هو التكلُّف، فما عليك يا ابن أمّ عمر أن
لا تدري ما الأبُّ، ابتغوا ما بيِّن لكم من هذا الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه
فَكِلُوه إلى ربِّه(٢).
وفي ((صحيح البخاري)) من رواية أنس أيضاً: أنه قرأ ذلك وقال: فما الأبُّ؟
ثم قال: ما كُلِّفنا، أو: ما أُمرنا بهذا(٣).
ويتراءى من ذلك النهيُ عن تتبُّع معاني القرآن والبحثِ عن مشكلاته، وفي
((الكشاف)): لم يَذهب إلى ذلك، ولكن القوم كانت أكبرُ همَّتهم عاكفةً على العمل،
وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلُّفاً [عندهم]، فأراد ◌َبه أنَّ الآية
مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد عُلم من فحواها أنَّ
الأبَّ بعضُ ما أنبت سبحانه للإنسان متاعاً له أو لأنعامه، فعليك بما هو أهمُّ من
النهوض بالشكر له عز وجل على ما تبيَّن لك ولم يُشْكِل مما عدِّد من نعمه تعالى،
(١) الدر المنثور ٣١٧/٦، وفضائل القرآن ص٢٢٧، وفيه انقطاع بين إبراهيم التيمي
وأبي بكر ◌ُه.
(٢) الدر المنثور ٣١٧/٦، وطبقات ابن سعد ٣٢٧/٣، وفضائل القرآن ص٢٢٧، وسنن سعيد بن
منصور (٤٣ - تفسير)، وتفسير الطبري ١٢٠/٢٤، والمستدرك ٥٥٩/٢، وهو في شعب
الإيمان (٢٢٨١)، وتاريخ بغداد ١١/ ٤٦٨ -٤٦٩.
(٣) وهم المصنف في إحالة هذا اللفظ على البخاري، إذ إن البخاري رواه برقم (٧٢٩٣) عن
أنس بلفظ: كنا عند عمر، فقال: نُهينا عن التكلُّف. مختصراً. وما أورده المصنف هو لفظ
الحميدي الذي أورده في الجمع بين الصحيحين (٦١) بعد ذكر رواية البخاري، قال: وفي
رواية عن ثابت عن أنس أنَّ عمر قرأ: ﴿وَفَكِهَةٌ وَأَبَّ﴾ ... إلخ. اهـ. وهذه الرواية أخرجها
الإسماعيلي في المستخرج من طريق هشام عن ثابت، كما قال الحافظ في الفتح ٢٧١/١٣ .

سُورَةٌ عَلَسِ
٣١٢
الآية : ٣٢
ولا تتشاغلْ عنه بطلب معنى الأبِّ ومعرفة النبات الخاصِّ الذي هو اسمٌ له،
واكتَفٍ بالمعرفة الجمليّة إلى أن يتبيَّن لك في غير هذا الوقت، ثم وصَّى الناسَ بأن
يَجْرُوا على هذا السَّنَنِ فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن(١). انتهى.
وهو قُصارى ما يقال في توجيه ذلك، لكن في بعض الآثار عن الفاروق كما في
(الدر المنثور))(٢) ما يبعدُ فيه - إن صحَّ - هذا التوجيه.
بقي شيء وهو أنه ينبغي أن يعلم(٣) أنَّ خفاء تعيين المراد من الأبُّ على
الشيخين # ونحوها من الصحابة، وكذا الاختلاف فيه، لا يستدعي كونَه غريباً
مُخلَّا بالفصاحة وأنَّه غيرُ مستعمل عند العرب العرباء، وقد فسَّره ابن عباس لابن
الأزرق بما تعتلف منه الدوابُّ، واستشهد له بقول الشاعر:
ترى به الأبَّ واليقطينَ مُختلِطا(٤)
ووقع في شعر بعض الصحابة كما سمعتَ، ومَن تتَّع وجد غير ذلك.
﴿َتَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْغَیِكُنْ
قيل: إما مفعولٌ له، أي: فَعَل ذلك تمتيعاً لكم
٣٢
ولمواشيكم. فإنَّ بعضَ النعم المعدودة طعامٌ لهم وبعضها علفٌ لدوابِّهم، ويوزَّع
وينزَّل كلٌّ على مقتضاه، والالتفات لتكميل الامتنان. وإما مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعله
المضمَر بحذف الزوائد، أي: مثَّعكم بذلك متاعاً، أو لفعلٍ مرتَبٍ عليه، أي:
فتمتَّعتُم بذلك متاعاً، أي: تمتُّعاً. أو مصدرٌ من غير لفظه، فإنَّ ما ذُكر من الأفعال
الثلاثة في معنى التمتيع، وقد مرَّ الكلام في نظيره. فتذكَّر(٥).
(١) الكشاف ٢٢٠/٤، وما سلف بين حاصرتين منه .
(٢) ينظر ٣١٦/٦.
(٣) قوله: أن يعلم، ليس في (م).
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٣١٦/٦ للطستي في مسائله، وهو في الإتقان ٤١١/١- ٤١٢،
وتمام البيت:
على الشريعة يجري تحتها الغَرْبُ
والشريعة: مورد الشاربة. وهم قوم يسكنون على ضفة النهر. والغرب: الدلو العظيمة.
القاموس (شرع) و(غرب).
(٥) ينظر تفسير الآية (٣٣) من سورة النازعات.

الآية : ٣٣ - ٣٦
٣١٣
سُورَةٌ عَلَسِ
شروعٌ في بيانِ أحوال معادهم بعد بيان ما يتعلَّق بخَلْقِهم
﴿فَإِذَا جَآَتِ الصَّلَنَّةُ
ومعاشهم، والفاء للدلالة على ترتّب ما بعدها على ما يُشعر به لفظ المتاع من سرعة
زوال هاتيك النعم وقربٍ اضمحلالها، و((الصائّة)) هي الداهيةُ العظيمة، من صَخَّ
بمعنى أصاخ، أي: استَمَع، والمراد بها النفخة الثانية، ووُصِفت بها لأنَّ الناسَ
يَصِخُّون لها فجُعلت مُستَمِعةٌ مجازاً في الطرف أو الإسنادِ.
وقال الراغب: الصاَّةُ: شدَّةُ صوت ذي النطق، يقال: صخَّ يَصِخُّ فهو
صاٌ(١). فعليه هي بمعنى الصائحة مجازاً أيضاً.
وقيل: مأخوذٌ من صخَّه بالحجر، أي: صگّه.
وقال الخليل: هي صيحةٌ تصخُّ الآذانَ صحًّا، أي: تُصِمُّها لشدَّة وقعتها(٢).
ومنه أخذ الحافظ أبو بكر بن العربي قوله: الصائَّة هي التي تُورِث الصمَمَ، وإنَّها
لمُسمِعة، وهو من بديع الفصاحة كقوله:
أصمَّ بك الدَّاعي وإن كان أسْمَعًا (٣)
ثم قال: ولعمْرُ الله تعالى إنَّ صيحةَ القيامة مُسمِعة تُصِمُّ عن الدنيا وتُسمِع أمورَ
الآخرة (٤).
والكلام في جواب ((إذا)) وفي ((يوم)) من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِيهِ
٣٤
وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ ﴿ وَصَحِبَتِهٍ﴾ أي: زوجته ﴿وَبَنِهِ () على نحو ما تقدَّم في ((النازعات))،
فتذكَّرَه فما في العهد من قدم(٥). أي: يومَ يُعرِض عنهم ولا يصاحبهم ولا يَسأل
(١) المفردات (صخخ).
(٢) العين ١٣٥/٤.
(٣) صدر بيت لأبي تمام، وهو في ديوانه بشرح التبريزي ٩٩/٤، ولفظ البيت فيه وفي الأغاني
٣٨٧/١٦، والوافي بالوفيات ٤٢٩/١٢، ومعجم الأدباء ٨٨/٨، والحماسة البصرية ٢٣٥/١،
وتفسير القرطبي ٨٩/٢٢، والبحر المحيط ٤٢٩/٨: الناعي. بدل: الداعي. وعجزه:
وأصبح مَغْنى الجُودِ بعدَك بَلْقَعا
(٤) تفسير القرطبي ٨٩/٢٢، والبحر ٤٢٩/٨، وعنه نقل المصنف.
(٥) ينظر: ٣٥/٣٠.

سُورَةُ عَلَسَ
٣١٤
الآية : ٣٧
عن حالهم كما في الدنيا؛ لاشتغاله بحال نفسه كما يُؤْذِن به قولُه تعالى: ﴿لِكُلِّ أَمْرِيٍ
فإنَّه استئنافٌ واردٌ لبيان سبب الفرار، وجَعْلُه جوابَ ((إذا)»
٣٧
مِنْهُمْ بَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغِهِ
والاعتذارُ عن عدم التصدير بالفاء بتقدير الماضي بغير ((قد)) أو المضارعِ المثبتِ،
أو بإلغاء(١) إبدالِ ((يومَ يَفِرُّ المرء)» عنه إياه؛ لأنَّ البدل لا يطلب جزاءً = لا يخفى
حاله على مَن شرط الإنصافَ على نفسه.
أي: لكلِّ واحد من المذكورين شغلٌ شاغل وخَطْبٌ هائل يكفيه في الاهتمام
به؛ وأخرج الطبرانيُّ وابن مردويه والبيهقيُّ والحاكم وصحَّحه عن أمِّ المؤمنين
سودة بنت زمعة قالت: قال النبيُّ ◌َّ: ((يُحشر الناس يوم القيامة حُفَاةً عُراة غُرْلاً،
قد ألجمهم العرقُ وبلغ شحومَ الآذان)). قلت: يا رسول الله، واسوأتاه ينظر بعضُهم
إلى بعض! قال: ((شُغِل الناس عن ذلك)). وتلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُ﴾ الآية(٢).
وجاء في رواية الطبرانيّ عن سهل بن سعد أنَّه قيل له عليه الصلاة والسلام:
ما شَغَلهم؟ فقال ◌َّرُ: ((نَشْرُ الصحائف، فيها مثاقيلُ الذرِّ ومثاقيلُ الخردَل)»(٣).
وقيل: يفرُّ منهم لعلمه أنهم لا يُغنُون عنه شيئاً. وكلام ((الكشاف)) يُشعِر
بذلك(٤)، ويأباه ما سمعتَ، وكذا ما قيل: يفرُّ منهم حذراً من مطالبتهم بالتَّبِعات،
(١) تحرفت في (م) إلى: بالفاء.
(٢) الدر المنثور ٣١٧/٦، والمعجم الكبير ٣٤/٢٤، والمستدرك ٥١٤/٢-٥١٥، وأورده
البيهقي في شعب الإيمان ٣٢٠/١ بعد حديث (٣٥٩)، وهو عند البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم
(٢٨٥٩) بنحوه.
(٣) لم نقف عليه عن سهل بن سعد، بل أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٣٧)، وفي الكبير
(كما في مجمع الزوائد ٣٣٣/١٠) عن أم سلمة رؤيُنا مرفوعاً. قال الهيثمي: رواه الطبراني
في الأوسط والكبير، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن أبي موسى بن عياش، وهو
ثقة. اهـ. وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٩٦) والكبير (٥٨٧٦)
بلفظ: قال النبي ◌ُّ: ((يحشر الناس يوم القيامة مُشاة عراة غُرْلاً)). وزاد في الأوسط:
فقيل: يا رسول الله، ينظر الرجال إلى النساء؟ فقال: ((لكل امرئٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه)).
قال الهيثمي في المجمع ٣٣٣/١٠: وفيها إبراهيم بن حماد بن أبي حازم ضعفه الدارقطني.
وبقية رجال الكبير رجال الصحيح.
(٤) الكشاف ٢٢٠/٤، حيث قال فيه: يفرّ منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم
لا يغنون عنه شيئاً .

الآية : ٣٧
٣١٥
سُورَةُ عَبَسَنَ
يقول الأخ: لَمْ تُواسِني بمالك. والأبوان: قصَّرتَ في بِرِّنا. والصاحبة: أطعمتَني
الحرام، وفعلتَ وصنعتَ. والبنون: لم تُعلِّمنا ولم تُرشِدنا. ويُشعر بذلك ما أخرج
أبو عبيد وابن المنذر عن قتادة قال: ليس شيءٌ أشدَّ على الإنسان يومَ القيامة من أن
يرى مَن يعرفه مخافةَ أن يكون يطلبه بمظلمةٍ، ثم قرأ: ﴿يَوَمَ يَقُ﴾ الآية(١).
وذكر المرء بناءً على أنه الرجل لا الإنسان؛ ليعلم منه حالُ المرأة من باب
أولى. وقيل: هو من باب التغليب. وفيه نظر.
وجَعَل القاضي ذكرَ المتعاطفات على هذا النمط من باب الترقِّي على اعتبار
عطف الأب على الأمِّ سابقاً على عطفهما على الأخ، فيكون المجموع معطوفاً
عليه، وكذا في صاحبته وبَنِيْه، فقال: تأخير الأحبِّ فالأحبِّ للمبالغة، كأنه قيل:
يفرُّ من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبَيْه(٢). ولا يخفى تكلّفُه، مع اختلاف
الناس والطباع في أمر الحبِّ، ولعلَّ عدم مراعاة تَرَقُّ أو تَدَلِّ لهذا الاختلاف مع
الرمز إلى أنَّ الأمر يومئذٍ أبعدُ من أن يخطر بالبال فيه ذلك.
ورُوي عن ابن عباس أنه يفرُّ قابيلُ من أخيه هابيلَ، ويفرُّ النبيُّ وَّ من أمِّه،
ويفرُّ إبراهيمُ عليه السلام من أبيه، ويفرُّ نوح عليه السلام من ابنه، ويفرُّ لوظٌ عليه
السلام من امرأته(٣). وفي خبرٍ رواه ابن عساكر عن الحسن نحو ذلك، وفيه:
فيرون أنَّ هذه الآية - أعني: ﴿يَوْمَ يَفِرُ﴾ إلخ - نزلت فيهم(٤). وكِلَا الخبرين لا يعوَّلُ
عليهما، ولا ينبغي أن يُلتفتَ إليهما كما لا يخفى.
والذي أَدِينُ اللهَ تعالى به نجاةٌ أبويه ◌َِّ، وقد ألَّفتُ رسائلَ في ذلك رغماً
لأنف عليٍّ القاري ومَن وافقه، وأعتقد أن جميع آبائه عليه الصلاة والسلام
لاسيما مَن وَلَداه بلا واسطةٍ أوفرُ الناس حظًا مما أوتي هناك من السعادة والشرف
وسموِّ القَدْر:
(١) الدر المنثور ٣١٧/٦.
(٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٢٥/٨.
(٣) تفسير القرطبي ٢٢/ ٩٠، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٤١/٢ عن قتادة.
(٤) الدر المنثور ٣١٧/٦، وتاريخ مدينة دمشق ٨/٦٤.

سُورَةٌ عَبَسِ
٣١٦
الآية : ٣٨ - ٤١
كم من أبٍ قد سما بابٍ ذُرَى شرفٍ كما سما برسول الله عدنانُ(١)
وقرأ ابنُ محيصنٍ وابنُ أبي عبلةَ وحميدٌ وابنُ السَّمَيْفَعِ: ((يَعْنيه)) بفتح الياء
وبالعين المهملة (٢)، أي: يَهمُّه، من عَنَاه الأمرُ: إذا أَهمَّه، أي: أوقعه في الهمِّ،
ومنه قوله ◌َّ: ((مِن حُسْنِ إسلام المرء تركُه ما لا يَعْنِيه))(٣)، لا من عَنَاه إذا قصده،
كما زعمه أبو حيان(٤).
وقوله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوَمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ (®﴾ بيانٌ لمآل أمر المذكورين وانقسامِهم إلى
السعداء والأشقياء بعد ذكر وقوعهم في داهيةٍ دهياءَ، فـ ((وجوه)) مبتدأ، وسوَّغ
الابتداء به كونُه في حيِّز التنويع كما مرَّ، و(«مسفرة)» خبره، و((يومئذ)) متعلّقٌ به. أي:
مضيئةٌ متهلِّلة، من أَسْفَر الصبح: إذا أضاء. وعن ابن عباس أنَّ ذلك من قيام
الليل. وعن الضحاك: من آثار الوضوء؛ فيختصُّ ذلك بهذه الأمة، أي: لأنَّ
الوضوء من خواصِّهم قيل: أي: بالنسبة إلى الأمم السابقة فقط، لا مع أنبيائهم
عليهم السلام.
وقيل: من طول ما اغبرَّتْ في سبيل الله تعالى.
٣٩
﴾ أي: مسرورةٌ بما تشاهد من النعيم المقيم والبهجة
﴿مَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةً
الدائمة .
﴿وُجُوهُ یومیذٍ عَلَيْهَا غبرةٌ ﴾﴾ أي: غبارٌ وكدورٌ ﴿ترمتُهَا﴾ أي: تعلوها وتغشاها
﴿قَةُ ﴾﴾ أي: سوادٌ وظلمة، ولا ترى أَوْحَشَ من اجتماع الغَبرَة والسواد في
الوجه .
وسوَّى الفيروزآباديُّ والجوهريُّ بين الغبرة والقترة(٥)، فقيل: المراد بالقَتَرة
(١) البيت لابن الرومي، وهو في ديوانه ٦/ ٢٤٢٥، والشطر الأول فيه:
وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذُرَى شرفٍ
(٢) البحر ٤٣٠/٨.
(٣) سلف عند تفسير الآية (١١٣) من سورة التوبة.
(٤) البحر ٤٣٠/٨.
(٥) الصحاح والقاموس (قتر).

الآية : ٤٢
٣١٧
سُورَةٌ عَلَسَ
الغبارُ حقيقةً، وبالغبرة ما يغشاهم من العبوس من الهمِّ. وقيل: هما على
حقيقتهما، والمعنى أنَّ عليها غباراً وكدورةً فوق غبارٍ وكدورةٍ.
وقال زيد بن أسلم: الغبرةُ ما انحطّت إلى الأرض، والفترة ما ارتفع إلى
السماء(١). والمراد وصولُ الغبار إلى وجوههم من فوقٍ ومن تحتٍ. والمعوَّلُ عليه
ما تقدَّم.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((قَتْرة)) بسكون التاء(٢).
﴿أُوْلَكَ﴾ إشارة إلى أصحاب تلك الوجوه، وما فيه من معنى البعد للإيذان بُبُعْدِ
درجتهم في سوء الحال، أي: أولئك الموصوفون بما ذُكر ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
٤٢
أي: الجامعون بين الكفر والفجور، فلذلك جمع الله تعالى لهم بين الغبرة والفترة،
وكأنَّ الغبرة للفجور والقترة للكفور، نعوذ بالله عز وجل من ذلك.
٠٠
(١) البحر ٤٣٠/٨، وأخرجه الطبري ١٢٧/٢٤ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٢) البحر ٤٣٠/٨.

سُورَةُ التّكِوَيْرِ
ويقال: سورة ((كورت))، وسورة ((إذا الشمس كورت))، وهي مكيةٌ بلا خلاف،
وأيُّها تسعٌ وعشرون آيَةً، وفي ((التيسير)»: ثمانٍ وعشرون. وفيها من شرح حال يوم
القيامة الذي تضمَّنه آخر السورة قبلُ ما فيها، وقد أخرج الإمام أحمد والترمذيُّ
وحسَّنه والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَن سرَّه أن ينظر
إلى يومِ القيامة كأنه رأيُ عينٍ فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا
السماءَ انشقَّت))(١). أي: السورَ الثلاث، وكفى بذلك مناسبةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴾﴾ أي: لُقَّتْ، من كوَّرتُ العمامة: إذا لَفَفْتها، وهو مجازٌ
عن رفعها(٢) وإزالتها من مكانها بعلاقة اللزوم، فإنَّ الثوب إذا أريد رفعُه يُلفُّ لفًّا
ويُطوَى ثم يُرفع، ونحوُه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
ويجوز أن يراد لفُّ ضوئها المنبسط في الآفاق، المنتشرِ في الأقطار، إمَّا على
أنَّ الشمس مجازٌ عن الضوء فإنه شائعٌ في العرف، أو على تقدير المضاف، أو على
التجوُّز في الإسناد، ويرادُ من لفِّه إذهابُه مجازاً بعلاقة اللزوم كما سمعتَ آنفاً، أو
رفعُه وستره استعارةً كما قيل، وقد اعتُبر تشبيه الضوء بالجواهر والأمورِ النفيسة التي
إذا رُفعت لُقَّتْ في ثوبٍ، ثم تعتبر الاستعارة ويُجعل التكوير بمعنى اللفِّ قرينةً
ليكون هناك استعارةٌ مكنيةٌ تخييليةٌ.
(١) مسند أحمد (٤٨٠٦)، وسنن الترمذي (٣٣٣٣)، والمستدرك ٥١٥/٢.
(٢) في هامش الأصل و(م): ولعل القرينة النسبة فتأمل. اهـ منه.

الآية : ١
٣١٩
سُوَلاَ عَبَسَ
وكون المراد إذهابَ ضوئها مرويٌّ عن الحسن وقتادة ومجاهد، وهو ظاهرُ
ما رواه جماعةٌ عن ابن عباس من تفسيره ((كوِّرت)) بـ : أظلمتْ.
والظاهرُ أنَّ ذاك مع بقاء جرمها كالقمر في خسوفه، وفي الآثار ما يؤيِّد ذلك.
وقيل: إنَّ ذاك عبارةٌ عن إزالة نفس الشمس والذهابِ بها، للّزومِ العاديِّ، واستلزامٍ
زوال اللازم لزوال الملزوم.
ويجوز أن يكون المراد بـ ((كوِّرت)): أُلقيت عن فلكها وطُرحت، من طَعَنَه
فحوَّره وكوَّره، أي: ألقاه مجتمعاً على الأرض. وإلقاؤها في جهنم مع عَبَدتها
كما يدلُّ عليه بعضُ الأخبار المرفوعة(١)، ويذهب إذ ذاك نورُها كما صرَّح به
القرطبي(٢)، أو في البحر كما يدلُّ عليه خبر ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم
وأبي الشيخ عن ابن عباس، وفيه أنَّ الله تعالى يبعث ريحاً دَبوراً فتنفخه - أي:
البحر - حتى يرجع ناراً (٣).
وعِظَمُ جرم الشمس اليومَ لا يقتضي استحالةَ إلقائها في البحر ذلك اليوم؛
لجوازٍ اختلاف الحال في الوقتين، والله عز وجل على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لكن جاء في
الأخبار الصحيحة أنَّ الشمس تدنو يوم القيامة من الرؤوس في المحشر حتى تكون
قَدْرَ ميلٍ، ويلجِمُ الناسَ العرقُ يومئذٍ (٤)، ولا بحرَ حينئذٍ لتُلقَى فيه بعدُ، فلا تغفل.
وعن أبي صالح: ((كوِّرت)): نكِّسَتْ. وفي روايةٍ عن ابن عباس: تكويرها
إدخالها في العرش. وعن مجاهد أيضاً: اضمحلَّتْ. ومدار التركيب على الإدارة
والجمع.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣١٨/٦، عن أبي مريم أن النبيَّ وَّ قال في قوله
تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ قال: ((كوِّرت في جهنم)) ﴿وَإِذَا الْنُّجُومُ أَنكَدَرَتْ﴾ قال: ((انكدرت في
جهنم، وكلُّ مَن ◌ُبد من دون الله فهو في جهنم ... )).
(٢) في تفسيره ٢٢/ ٩٤.
(٣) الدر المنثور ٣١٨/٦، وهو في العظمة لأبي الشيخ (٦٤٥)، وأخرجه أيضاً هناد في الزهد
(٣٣٤)، والطبري ١٣٨/٢٤، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية. ووقع في الأصل و(م)
بدل ابن عباس: ابن عتيك، والمثبت من المصادر.
(٤) أخرجه مسلم (٢٨٦٤) من حديث المقداد بن الأسود ة

سُورَةُ عَبَسَ
٣٢٠
الآية : ٢
هذا ولم نقف لأحدٍ من السلف على إرادة لفِّها حقيقةً، وللمتأخّرين في جواز
إرادته خلافٌ؛ فقيل: لا تجوز إرادته لأن الشمس كريَّةٌ مصمتةٌ، وغايةُ اللفّ هي
الإدارة، وهي حاصلةٌ فيها.
وقيل: تجوز؛ لأنَّ كون الشمس كذلك مما لا يثبته أهلُ الشرع، وعلى تسليمه
يجوزُ أن يحدث فيها قابلية اللفِّ بأنْ يصيِّرها سبحانه منبسطةً ثم يلفّها، وله عز
وجل في ذلك ما له من الچِگم.
ويُبْعِدُ إرادةَ الحقيقة فيما أرى كونُها كيفما كانت من الأجرام التي لا تلفُّ
كالثياب، نعم القدرة في كلِّ وقت لا يتعاصاها شيءٌ.
وارتفاعُ الشمس بفعلٍ مضمر يفسِّره المذكور عند جمهور البصريين؛ لاختصاص
((إذا)) الشرطيةِ عندهم بالفعل، وعلى الابتداء عند الأخفش والكوفيين؛ لعدم
الاختصاص عندهم، وكونِ التقدير خلافَ الأصل.
أي: انقضَّتْ وسقطت،
٢
وكذا يقال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ
كما أخرجه عبد بن حميد عن مجاهدٍ وقتادة (١)، ومنه انكدر البازي: إذا نزل بسرعةٍ
على ما يأخذه؛ قال العجَّاج يمدحُ عمر بنَ معمرٍ التيميّ:
إذا الكرامُ ابتدروا الباعَ بَدَرْ
تَقَضِّيَ البازي إذا البازي كَسَرْ
دانَى جناحيه من الطود فمرّ
أبصر خِرْبان فضاءٍ فانكَدَرْ(٢)
وهذا إحدى روايتين عن ابن عباس.
(١) الدر المنثور ٣١٨/٦، وخبر مجاهد بلفظ: تناثرت، وخبر قتادة بلفظ: تساقطت وتهافتت.
(٢) ديوان العجاج ص٨٣، وحاشية الشهاب ٣٢٦/٨، وفيه: يصفه بالكرم، وأنه لحرصه على
السبق للمكارم يسرع إليها إسراع بازٍ رأى صيداً فانقض عليه، وابتدروا بمعنى بادروا، والباع:
الذراع وقَدْرُ مدِّ اليدين، وهو مجاز هنا عن الإحسان. وكسر بمعنى: ضم جناحيه للنزول.
والطود: الجبل. وخِرْبان بكسر الخاء وسكون الراء جمع خَرَب بفتحتين، وهو ذكر الحبارى.