النص المفهرس
صفحات 281-300
الآية : ٣٦ - ٣٧ ٢٨١ سُوَّةُ النَّازِعَاتِ و((ما)) موصولةٌ و((سعى)) بمعنى: عَمِل، والعائدُ مقدَّر، أي: له، والمراد: يومَ يتذكّر كلُّ أحدٍ ما عمله من خيرٍ أو شرِّ بأن يشاهِدَه مدوَّناً في صحيفته، وقد كان نسيه من فرط الغفلة أو طول الأمد أو شدَّة ما لقي، أو كثرته التي تُعجز الحافظَ عن الضبط، لقوله تعالى: ﴿أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. ويمكن أن يكون تذكّره بوجهٍ آخر. وجوز أن تكون «ما» مصدرية، أي: یتذگّر فيه سعيه. ﴿وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ﴾ عطفٌ على ((جاءت))، وقيل: على ((يتذكَّر)). وقيل: حالٌ من ((الإنسان)) بتقدير ((قد)) أو بدونه، والموصولُ بعدُ مُغنٍ عن العائد. وكلا القولين على ما في ((الإرشاد)) على تقدير الجواب: يتذكر الإنسانُ. ونحوه (١). وسيأتي إن شاء الله تعالى فلا تغفل. كائناً ومعنى ((بُرِّزت)): أُظهِرَتْ إظهاراً بيِّناً لا يخفى على أحدٍ ﴿لِمَن يَرَ مَن كان. يُروى أنه يُكشَف عنها فتتلظَّى، فيراها كلُّ ذي بصرٍ. وخَصَّ بعضٌ ((مَنْ)) بالكافر. وليس بشيء. وقرأت عائشة وزيد بن عليٍّ وعكرمة ومالك بن دينار: ((وبَرَزَتْ)) مبنيًّا للفاعل مخفَّفاً ((لمن تَرى)) بالتاء الفوقية(٢)، على أنَّ فيه ضميرَ جهنم كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢]، وإسناد الرؤية لها مجازٌ، أو هو حقيقةٌ على أن يخلق الله تعالى ذلك فيها. ويجوز أن يكون خطاباً لسيِّد المخاطَبين ◌َليهِ. أو لكلِّ راءٍ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] أي: لمن تراه من الكفار. وقرأ أبو نهيك وأبو السمال وهارون عن أبي عمرو: ((وبُرِزَت)) مبنيًّا للمفعول مخفَّفاً(٣). ٤﴾﴾ إلخ جوابُ ((إذا)) على أنها شرطيَّةٌ لا ظرفيَّة، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (١) تفسير أبي السعود ٩/ ١٠٤-١٠٥. (٢) القراءات الشاذة ص ١٦٨، والبحر ٤٢٣/٨، وفي المحتسب ٣٥١/٢ قراءة عكرمة: (بُرِّزت)) مثل الجمهور، ((لمن تَرَى)) بالتاء. (٣) القراءات الشاذة ص١٦٨، والبحر ٤٢٣/٨. سُورَةُ النَّازِعَاتِ ٢٨٢ الآية : ٣٨ - ٤٠ كما جُوِّز على طريقة قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِى هُدَى﴾ الآية [البقرة: ٣٨]، وقولِك: إذا جاءك بنو تميم فأما العاصي فأهِنْه، وأما الطائع فأكرِمْه. واختاره أبو حيان(١) . وقيل: جوابها محذوفٌ، كأنه قيل: فإذا جاءت وقع ما لا يدخُل تحتَ الوصف. وقولُه سبحانه: ((فأما)) إلخ تفصيلٌ لذلك المحذوف، وفي جعله جواباً غموضٌ. وهو وجه وجيه بَيْدَ أنه لا غموضَ في ذاك بعد تحقَّقِ استقامةٍ أن يقال: فإذا جاءت فإنَّ الطاغيَ الجحيمُ مأواه، وغيرَه في الجنة مثواه. وزيادة ((أما)) لم تُفِد إلا زيادةَ المبالغة وتحقيقَ الترتُّب والثبوتِ على كلِّ تقدير. وقيل: هو محذوفٌ لدلالةِ ما قبلُ، والتقدير: ظهرت الأعمالُ ونُشِرت الصحفُ، أو: يتذكَّر الإنسانُ ما سعى. أو لدلالة ما بعدُ، والتقدير: انقسم الراؤُون قسمين. وليس بذاك. أي: فأمَّا مَن عتا وتمرَّد عن الطاعة وجاوَزَ الحدَّ في العصيان حتى كفر ﴿َثَرَ﴾ أي: اختار ﴿الْمَيَّةَ الذُّنَا ﴾﴾ الفانيةَ التي هي على جناح الفوات، فانهَمَك فيما مُتِّع به فيها ولم يستعدّ للحياة الآخرة الأبدية بالإيمان والطاعة ﴿فَإِنَّ ﴾ أي: مأواه، على ما رآه الكوفيون من أنَّ ٣٩ الْجَحِمَ﴾ التي ذُكر شأنها ﴿هِىَ الْمَأْوَى ((أل) في مثله عوضٌ عن المضاف إليه الضمير، وبها يحصل الربطُ. أو: المأوى له، على رأي البصريين من عدم كونها عوضاً ورابطاً. وهذا الحذف هنا للعلم بأنَّ الطاغي هو صاحبُ المأوى، وحسَّنه وقوعُ ((المأوى)) فاصلةً، وهو الذي اختاره الزمخشريُّ(٢). و((هي)) إما ضميرُ فصلٍ لا محلَّ له من الإعراب، أو ضميرُ ((جهنم)) مبتدأٌ، والكلامُ دالٌّ على الحصر، أي: كأنه قيل: فإنَّ الجحيمَ هي مأواه أو المأوى له، لا مأوی له سواها . ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ أي: مقامه بين يدي مالك أمره يومَ الطامَّة الكبرى (١) في البحر ٤٢٣/٨ . (٢) في الكشاف ٢١٨/٤. الآية : ٤٠ ٢٨٣ سُوَّةُ النَّازِعَاتِ يوم يتذكَّر الإنسان ما سعى، على أنَّ الإضافةَ مِثْلُها في: رقود حلب(١). أو: وأمَّا مَن خاف ربَّه سبحانه، على أنَّ لفظَ ((مقام)) مُقَحَم، والكلام معه كنايةٌ عن ذلك وإثباتٌ للخوف من الربِّ عز وجل بطريقٍ برهانيٍّ بليغٍ، نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿أَكْرِى مَثْوَنُ﴾ [يوسف: ٢١] وتمامُ الكلام في ذلك قد تقدَّم في سورة الرحمن(٢). أي: زَجَرها وكفّها عن الهوى المُرْدي وهو المیل ﴿وَنَّهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ ®﴾ إلى الشهوات، وضَبَطَها بالصبر والتوطين على إيثار الخيرات، ولم يعتدَّ بمتاع الدنيا وزهرتها ولم يغترَّ بزخارفها وزينتها علماً بوَخامة عاقبتها . وعن ابن عباس ومقاتل: أنه الرجل يَهمُّ بالمعصية فيذكر مقامَه للحساب بين يدي ربِّه سبحانه فيخاف فيتركها(٣). وأصل الهوى مطلقُ الميل، وشاع في الميل إلى الشهوة، وسمِّي بذلك على ما قال الراغب(٤) لأنَّه يَهوي بصاحبه في الدنيا إلى كلِّ واهية، وفي الآخرة إلى الهاوية، ولذلك مُدِح مخالِفُه. قال بعض الحكماء: إذا أردتَ الصوابَ فانظر هواك فخالِفْهِ. وقال الفضيل: أفضلُ الأعمال مخالفةُ الهوى. وقال أبو عمران المِيرَتُلِي: هَوَى نَفسِه تَنْزِعْ بِه شَرَّ مِنْزعِ فَخالِفْ هواها واعْصِها، إنَّ مَن يُطِع وتَرْمٍ بِه في مَصرَعٍ أَيِّ مَضْرَعٍ(٥) ومَن يُطِعِ النَّفْسَ اللَّجُوجَةَ تُرْدِهِ إلى غير ذلك، وقد قارب أن يكون قبحُ موافقة الهوى وحسنُ مخالفته (١) سلف عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الرحمن. (٢) ينظر تفسير الآية (٤٦) منها . (٣) قول ابن عباس في المحرر الوجيز ٤٣٥/٥، والبحر ٤٢٣/٨، وقول مقاتل في تفسير البغوي ٤/ ٤٤٥. (٤) في المفردات (هوي). (٥) البيتان في البحر ٤٢٤/٨ وأبو عمران الميرَتُلِّي هو: موسى بن حسين القيسي، الإمام العارف زاهد الأندلس، كان له الحظ الوافر من الأدب والنظم في الزهد والتخويف، وكان ملازماً لمسجده بإشبيلية، يُقرئ ويُعلِّم وما تزوَّج، توفي سنة (٦٠٤هـ). سير أعلام النبلاء ٢١ /٤٧٨. ١ سُورَةُ النَّازِعَاتِ ٢٨٤ الآية : ٤١ ضروريًّينِ، إلَّا أنَّ السالم من الموافقة قليلٌ، قال سهل: لا يسْلَم من الهوى إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعضُ الصِّدِّيقين، فطوبى لمن سلم منه. ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الَْأْوَى ﴾﴾ له لا غيرها . والظاهرُ أنَّ هذا التفصيل عامٌّ في أهل النار وأهل الجنة، وعن ابن عباس أنَّ الآيتين نزلتا في أبي عَزيز(١) بن عُمير وأخيه مصعب بن عمير رَظُه(٢). كان الأول طاغياً مُؤثِر الحياة الدنيا، وكان مصعب خائفاً مقامَ ربِّه ناهياً النفس عن الهوى، وقد وقى رسولَ اللهِ وَّ بنفسه يومَ أحدٍ حين تفرَّق الناسُ عنه حتى نفذت المشاقِصُ - أي: السهامُ - في جوفه، فلمَّا رآه عليه الصلاة والسلام متشخِّطاً في دمه قال: ((عندَ الله تعالى أَحْتَسِبُك)) وقال لأصحابه: ((لقد رأيتُه وعليه بُردان ما تُعرف قيمتُهما، وإنَّ شراكَ نعله من ذهبٍ))(٣). ولَمَّا أُسِر أخوه أبو عزيز ولم يُشَدَّ وثاقُه إكراماً له وأُخبر بذلك، قال: ما هو لي بأخٍ، شُدُّوا أسيرَكم فإنَّ أمَّه أكثرُ أهل البطحاء حُلِيًّا ومالاً (٤). وفي الكشاف أنه قتل أخاه أبا عزيز يوم أحد (٥). (١) في هامش الأصل: بزايين، واسمه قيل: عامر. اهـ. (٢) الكشاف ٢١٩/٤، والبحر ٤٢٤/٨، وتفسير أبي السعود ٩/ ١٠٤. وأبو عزيز اسمه: زرارة بن عمير بن هاشم بن عبد مناف العبدري. وكان صاحب راية قريش يوم بدر، وأُسرَ ثم أسلم وله صحبة ورواية. سيرة ابن هشام ١/ ٦٤٦، والاستيعاب ٥٤/١٢، والإصابة ٢٥٤/١١. (٣) الخبر ورد في الكشاف ٤١٩/٤ والبحر ٤٢٤/٨ مختصراً، وفي تفسير القرطبي ٢٢/ ٦٤، واللباب ١٤٩/٢٠ عن الضحاك عن ابن عباس مطولاً. وقال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ١٨١: لم أجده. (٤) سيرة ابن هشام ١/ ٦٤٥ . (٥) الكشاف ٢١٩/٤، وقال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ١٨١: لم أجده. اهـ. والقول بأنه قُتل يوم أحد كافراً ذكره ابن حجر في الإصابة ٢٥٥/١١ عن الزبير بن بكار وابن الكلبي وأبي عبيد والبلاذُري والدارقطني، وردّه أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ٥٥/١٢ (بهامش الإصابة)، والسهيلي في الروض الأنف ٦٦/٣، وغلَّطا الزبير بن بكّار في ذلك. وقال السهيلي: لم يصح هذا عند أحد من أهل الأخبار، وقد روى عنه نُبَيْه بن وهب وغيره، ولعلَّ المقتول بأحد كافراً أخٌ لهم غيره. اهـ. الآية : ٤٢ - ٤٤ ٢٨٥ سُورَةُ النَّازِعَاتِ وعن ابن عباس أيضاً أنهما نزلتا في أبي جهل وفي مصعب. وقيل: نزلت الأولى في النضر وابنه الحارث المشهورين باللغو في الكفر والطغيان. ﴿يَسْشَلُونَكَ عَنِ الشَّاعَةِ أَيََّنَ مُسَهَا ﴾﴾ أي: متى إرساؤها، أي: إقامتها، یریدون: متى يُقيمها الله تعالى ويُكوِّنها ويُثبتها. فالمُرْسَى مصدرٌ ميمي من: رسى(١) بمعنى ثبت، ومنه: الجبالُ الرواسي. وحاصلُ الجملة الاستفهاميةِ السؤالُ عن زمان ثبوتها ووجودها . وجوِّز أن يكون المرسَى بمعنى المنتهى، أي: متى منتهاها ومستقَرُّها، كما أنَّ مُرسى السفينة حيث تنتهي إليه وتستقِرُّ فيه، كذا قيل. وتقديرُ الاستفهام بمتى يقتضي أنَّ المُرسى اسمُ زمانٍ، وقولُه: كما أن .. إلخ، ظاهرٌ في أنه اسم مكان، ولذا قيل: الكلام على الاستعارة بجعل اليوم المتباعَد فيه كشخصٍ سائرٍ لا يُدرك ويوصَل إليه ما لم يستقرَّ في مكانٍ، فُجعِل وقتُ إدراكه مستقَرًّا له، فتدبّر. إنكارٌ وردٌّ لسؤال المشركين عنها، أي: وقوله تعالى: ﴿فِيَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَاَ ﴾﴾ في أيِّ شيء أنتَ من أن تذكر لهم وقتَها وتُعلمهم به حتى يسألوك بيانَها؟ كقوله تعالى: ﴿يَسَْلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] فالاستفهام للإنكار، و((فيم)) خبرٌ مقدَّمٌ، و((أنت)) مبتدأ مؤشّر، و((من ذكراها)) على تقديرِ مضافٍ، أي: ذكرى وقتها، متعلّقٌ بما تعلَّق به الخبرُ. وقيل: ((فيم)) إنكارٌ لسؤالهم، وما بعده استئنافُ تعليلٍ للإنكار وبيان لبطلانِ السؤال، أي: فيم هذا السؤالُ؟ ثم ابتُدِئ فقيل: أنتَ من ذكراها، أي: إرسالُك وأنتَ خاتم الأنبياء المبعوثُ في نَسَم (٢) الساعة علامة من علامتها ودليلٌ يدلُّهم على العلم بوقوعها عن قريبٍ، فحَسْبُهم هذه المرتبةُ من العلم. فمعنى قوله تعالى: على هذا الوجه: إليه تعالى يرجع منتهى عِلْمِها، أي: علمها ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَا ® (١) تحرف في (م) إلى: سار. (٢) نَسَم الريح: أوَّلها، بفتحتين، كما في الصحاح (نسم)، وضبط في الأصل بكسر الأول. سُؤَدَّةُ النَّازِعَاتِ ٢٨٦ الآية : ٤٥ بكُنهها وتفاصيلِ أمرها ووقتٍ وقوعها، لا إلى أحدٍ غيرِه سبحانه، وإنما وظيفتهم أن يعلموا باقترابها ومُشارفتها وقد حصل لهم ذلك بمبعثك، فما معنى سؤالهم عنها بعد ذلك! وأما على الوجه الأول فمعناه: إليه عز وجل انتهاءُ علمها ليس لأحدٍ منه شيء كائناً ما كان، فلأيِّ شيء يسألونك عنها؟ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَهَا ، عليه، تقريرٌ لِمَا قبلُ من قوله سبحانه: (فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا) وتحقيقٌ لِمَا هو المراد منه، وبيانٌ لوظيفته عليه الصلاة والسلام في ذلك الشأن، فإنَّ إنكار كونه ◌ّية في شيء من ذكراها مما يُوهم بظاهره أن ليس له عليه الصلاة والسلام أن يذكرها بوجه من الوجوه، فأزيح ذلك ببيان أنَّ المنفيَّ عنه وَّر ذكراها لهم بتعيين وقتها حسبما كانوا يسألونه عنها، فالمعنى: إنما أنت مُنذِر مَن يخشاها ويخاف أهوالها، وظيفتُك الامتثالُ بما أُمرتَ به من بيان اقترابها وتفصيلٍ ما فيها من فنون الأهوال كما تحيط به، لا مُعْلِم بتعيين وقتها الذي لم يفوَّض إليك، فما لهم يسألونك عمَّا لم تبعث له ولم يفوَّض إليك أمره. وعلى الوجه الثاني هو تقريرٌ لقوله تعالى: (أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا) ببيانِ أنَّ إرساله عليه الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء عليهم السلام منذرٌ بمجيء الساعة كما ينطق به قوله وَله: ((بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين، إن كادت لتسبقني))(١). والظاهر على الأول أنَّ القصر من قصر الموصوف على الصفة، والمعنى: ما أنت إلا منذرٌ لا مُعلِمٌ بالوقت مبيِّنٌ له. وإنما ذكر صلة المنذر إظهاراً لكونها ذات مدخل في القصر؛ لكون الكلام في القصر على منذرٍ خاصٍّ، ونفي إعلام خاصِ یقابله. وكونُه من قصر الصفة على الموصوف بناءً على ما يتبادر إلى الفهم من كلام السكاكي(٢) أنَّ المعنى: إنما أنت منذر الخاشي دونَ مَن لا يخشى، أي: ما أنت (١) سلف ٨/١٤. (٢) مفتاح العلوم ص٢٩٤ . الآية : ٤٦ ٢٨٧ سُوَّةُ النَّازِعَتِ منذر إلا مَن يخشى دون غيره = غيرَ مناسب للمقام، على أنه قيل عليه: إنَّ ((من يخشى)) من صلة ((منْذِر)) ليس من متعلّق ((إنما)) في شيء، ليجعل الجزء الأخير المقصور عليه الإنذار. وهذا إن صحَّ استلزم عدم صحَّة ما قَرَّر، لكن في صحّته مقال إذ يستلزم أيضاً أن لا يصحَّ: إنما هو غلام زيد لا عمرو، و: إنما هو ضاربٌ عَمْراً لا زيداً. مع شهرة استعمال ذلك من غير نكير، فتأمل. والظاهر على الثاني أنَّ ((إنما)) لمجرَّد التأكيد زيادةً في الاعتناء بشأن الخبر، وليست للحصر إذ لا يتعلَّق به غرضٌ عليه بحسب الظاهر على ما قيل. وقوله تعالى: ﴿كَنَّهُمْ يَوْمَ يَّوْنَهَا لَمْ يَلْنُواْ إِلَّا عَنِيَّةً أَوْ مُحَا ﴾﴾ إما تقريرٌ وتأكيدٌ لِمَا ينبئ عنه الإنذار من سرعة مجيء المنذَر به، لاسيما على الوجه الثاني، والمعنى: كأنَّهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الإنذار إلا قليلاً. وإما ردٌّ لما أدمجوه في سؤالهم؛ فإنهم كانوا يسألون عنها بطريق الاستبطاء مستعجلين بها، وإن كان على نهج الاستهزاء بها، ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، والمعنى: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الوعيد بها إلا عشيَّة .. إلخ. وهذا الكلام على ما نقل عن الزمخشري (١) له أصلٌ، وهو: لم يلبثوا إلا ساعة من نهارٍ عشيتَه أو ضحاه، فوضع هذا المختصر موضعه، وإنما أفادت الإضافةُ ذلك كما في ((الكشف)) من حيث إنك إذا قلتَ: لم يلبثوا إلا عشيةً أو ضحّى، احتمل أن تكون العشيَّة من يوم والضحى من آخر، فيتوهّم الاستمرار من ذلك الزمان إلى مثله من اليوم الآخر، أما إذا قلت: عشيته أو ضحاه، لم يحتمل ذلك ألبتة، وفي قولك: ضحى تلك العشيّة، ما يغني عن قولك: عشية ذلك النهار أو ضحاه. وقال الطيبي: إنه من المحتمل أن يراد بالعشيَّة أو الضحى كلُّ اليوم مجازاً، فلمَّا أضيف أفاد التأكيدَ، ونفى ذلك الاحتمال. وجَعَله من باب: رأيته بعينيَّ. وهو حسنٌ، ولكن السابق أبعد من التكلُّف، ولا منع من الجمع. (١) كلامه في الكشاف ٢١٧/٤، ونقله عنه في البحر ٤٢٤/٨. ٠ سُورَةُ النَّازِعَانْتِ ٢٨٨ الآية : ٤٦ وزاد الإضافةَ حسناً كونُ الكلمةِ فاصلةً، واعتبر جمعٌ كونَ اللبث في الدنيا، وبعضُهم كونَه في القبور. وجُوِّز فيهما، واختار في ((الإرشاد)) ما قدَّمنا، وقال: إنَّ الذي يقتضيه المقامُ اعتبارُ كونه بعد الإنذار، أو بعد الوعيد تحقيقاً للإنذار وردًّا لاستبطائهم(١). والجملة على الوجه الأول حال من الموصول، كأنه قيل: تُنذِرهم مُشبَّهين يوم يرونها في الاعتقاد بمن لم يلبث بعد الإنذار بها إلا تلك المدة اليسيرة. وعلى الثاني مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. هذا، ولا يخفى عليك أنَّ الوجه الثاني وإن كان حسناً في نفسه لكنه مما لا يتبادر إلى الفهم، وعليه يحسن الوقف على ((فيم)) ثم يستأنف ((أنت من ذكراها)» لئلا يلبس. وقيل: إنَّ قوله تعالى: ((فيم)) إلخ متصلٌ بسؤالهم على أنه بدلٌ من جملة ((يسألونك)) إلخ، أو هو بتقدير القول، أي: يسألونك عن زمانٍ قيام الساعة ويقولون لك: في أيِّ مرتبة أنت من ذكراها، أي: عِلْمها، أي: ما مَبْلَغُ عِلْمك فيها. أو: يسألونك عن ذلك قائلين لك: في أيِّ مرتبة أنت .. إلخ، والجوابُ عليه قوله تعالى: ((إلى ربك منتهاها)) ولا يخفى ضعفُ ذلك. وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصحَّحه عن عائشة قالت: ما زال رسول الله ﴿ يسأل عن الساعة حتى أنزل الله تعالى عليه: ﴿فِيمَ أَنْتَ ٤٤ فانتهى عليه الصلاة والسلام، فلم يسأل مِن ذِكْرَهَا (٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَنُهَا بعدها(٢). وأخرج النسائيُّ وغيرُه عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله وَ له يُكثر ذكرَ ٤٤ فكفَّ عنها(٣). ﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَا. الساعة حتى نزلت: ﴿فِيَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا (١) تفسير أبي السعود ١٠٦/٩. (٢) الدر المنثور ٣١٤/٦، ومسند البزار (٢٢٧٩ - كشف)، وتفسير الطبري ٩٩/٢٤، والمستدرك ٥١٣/٢. (٣) السنن الكبرى (١١٥٨١)، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٢٤/ ١٠٠. الآية : ٤٦ ٢٨٩ سُؤَدَّةُ النَّازِعَانِتِ وعلى هذا فهو تعجيبٌ من كثرة ذِكْره وَّر لها، كأنه قيل: في أيِّ شغل واهتمامٍ أنت من ذِكْرها والسؤال عنها، والمعنى: إنهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تَذْكرها وتسأل عنها . ونَظَر فيه ابن المنيِّر بأنَّ قوله عز وجل: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنّاً﴾ [الأعراف: ١٨٧] يردّه، إذ المراد: إنَّك لا تحتفي بالسؤال عنها ولا تهتمُّ بذلك، وهم يسألونك كما يُسأل الحفيُّ عن الشيء، أي: الكثيرُ السؤالِ عنه (١). وأجيب بأنه يحتمل أنه لم يكن منه وَل# أوَّلاً احتفاءٌ، ثم كان، وأن سؤالهم هذا ونزولَ الآية بعدَ وقوع الاحتفاء. وأنت تعلم ما في ذلك من البعد. وقرأ أبو جعفر وشيبة وخالد الحذاء وابن هرمز وعيسى وطلحة وابن محيصن وابن مقسم وأبو عمرو في رواية: ((منذرٌ)) بالتنوين والإعمال(٢)، وهو الأصل في مثله بعد اعتبار المشابهة، والإضافةُ للتخفيف فلا ينافي أنَّ الأصل في الأسماء عدم الإعمال والإعمالُ عارضٌ للشبه، والوصفُ عند إعماله وإضافته للتخفيف صالحٌ للحال والاستقبال، وإذا أريد الماضي فليس إلا الإضافة، كقولك: هو منذرُ زيدٍ أمس. وهو هنا - على ما قيل - للحال لمقارنة ((يخشى))، ولا ينافي أنه وَّ منذرٌ في الماضي والمستقبل حتى يقال: المناسبُ لحال الرسالة الاستمرارُ، ومثله يجوز فيه الإعمالُ وعدمه. ثم المراد بالحال حال الحكم لا حالُ التكلم، وفي ذلك كلامٌ في كتب الأصول فلا تغفل، والله تعالى أعلم. (١) الانتصاف ٢١٩/٤. (٢) القراءات الشاذة ص١٦٨، والمحرر الوجيز ٤٣٥/٤، والبحر ٤٢٤/٨، والنشر ٣٩٨/٢. سُورَة عَلَسْنَ وتسمَّى سورة الصَّائّة، وسورة السَّفَرَة، وسمِّيت في غير كتاب(١) سورة الأعمى. وهي مكية بلا خلاف. وآيها اثنتان وأربعون في الحجازيِّ والكوفيِّ، وإحدى وأربعون في البصريِّ، وأربعون في الشاميِّ والمدني الأول(٢). ولما ذكر سبحانه فيما قبلها ﴿إِنََّا أَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَنَهَا﴾ [النازعات: ٤٥] ذكر عز وجل في هذه مَن ينفعه الإنذار ومَن لم ينفعه، فقال عز من قائل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وَتَوَّ ◌َ أَن ◌ََّهُ الْأَعْمَىِ ﴾﴾ إلخ. رُوي أنَّ ابن أمِّ مكتوم وهو ابنُ خال خديجة - واسمه: عمرو بن قيس بن زائدة بن جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤي القرشي، وقيل: عبد الله بن عمرو. وقيل: عبد الله بن شريح بن مالك بن أبي ربيعة الفهري. والأول أكثر وأشهر كما في ((جامع الأصول))(٣)، وأُّ مكتوم كنيةُ أمِّه، واسمها: عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وغَلِط الزمخشريُّ في جعلها في ((الكشاف))(٤) جدته. وكان أعمى، وعَمِي بعد نُور، وقيل: وُلد أعمى، ولذا قيل لأمِّه: أمّ مكتوم - أتى رسول الله وَّه وعنده صناديدُ (١) في القراءات الشاذة ص١٦٨: سورة الأعمى والعتاب. (٢) في هامش الأصل: اختلافها ثلاث: ﴿وَلِأَنْعَمِكُمْ﴾، ﴿إِلَى طَعَامِهِ﴾، ﴿اَلْضَّلَنَّةُ﴾. (٣) لم نقف على نسبه فيه، وهو في الإصابة ٧/ ٨٣، والاستيعاب ٣٥١/٨ (بهامش الإصابة). (٤) ٤ / ٢١٧. الآية : ٣ ٢٩١ سُؤَلاَ عَلَيسَ قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل، والعباس بن عبد المطلب، وأميَّة بن خلف، والوليد بن المغيرة، يناجيهم ويدعوهم إلى الإسلام رجاءً أن يُسلم بإسلامهم غيرُهم، فقال: يا رسول الله، أقرئني وعلِّمني مما علَّمك الله تعالى. وكرَّر ذلك ولم يعلَم تشاغُلَه بالقوم، فكره رسولُ الله وَل﴿ قطعَه لكلامه وعبس وأعرض عنه، فنزلت. فكان رسول الله عليه الصلاة والسلام يُكرمه ويقول إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربِّي. ويقول: هل لك من حاجة(١). واستخلفه وي ليه على المدينة فكان يصلِّي بالناس ثلاث عشرة مرَّة كما رواه ابن عبد البر في ((الاستيعاب))(٢) عن أهل العلم بالسِّيَر، ثم استخلف بعده أبا لُبابة. وهو من المهاجرين الأولين، هاجر على الصحيح قبلَ النبيِّ وَّر، ووهم القرطبي(٣) في زعمه أنه مدنيٌّ، وأنه لم يجتمع بالصناديد المذكورين من أهل مكة. وموته - قيل - بالقادسية شهيداً يوم فتح المدائن أيام عمر ﴿به، ورآه أنس يومئذٍ وعليه درٌ، وله راية سوداء. وقيل: رجع منها إلى المدينة فمات بها رظ ◌ُه. وضميرُ ((عَبَسَ)) وما بعده للنبيِّ بَّرَ، وفي التعبير عنه عليه الصلاة والسلام بضمير الغيبة إجلالٌ له وَلّر؛ لإيهام أنَّ من صدر عنه ذلك غيره لأنه لا يصدر عنه وَهل مثلُه، كما أنَّ في التعبير عنه وَّ بضمير الخطاب في قوله سبحانه: ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ. ذلك؛ لِمَا فيه من الإيناس بعد الإيحاش، والإقبال بعد الإعراض. یزگی والتعبيرُ عن ابن أمِّ مكتوم بـ ((الأعمى)) للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول وَ﴿ وتشاغلِه بالقوم. وقيل: إنَّ الغيبة أولاً والخطاب ثانياً لزيادة الإنكار، وذلك كمن يشكو إلى الناس جانياً جنى عليه ثم يُقبل على الجاني إذا حمي على الشكاية مواجهاً بالتوبيخ وإلزام الحجَّة، وفي ذكر الأعمى نحوٌ من ذلك لأنه وصفٌ يناسب الإقبال عليه (١) أسباب النزول للواحدي ص٤٧٩، وينظر: سنن الترمذي (٣٣٣١)، وتفسير الطبري ٢٤/ ١٠٢-١٠٤، والمستدرك ٥١٤/٢، والنكت والعيون ٦/ ٢٠٢، والكشاف ٢١٧/٤. (٢) ٣٥١/٨. (٣) في تفسيره ٢٢/ ٧١، نقلاً عن ابن العربي. سُورَةُ عَبَسَن ٢٩٢ الآية : ٤ والتعظُّفَ، وفيه أيضاً دفع إيهام الاختصاص بالأعمى المعيّن، وإيماءٌ إلى أنَّ كلَّ ضعيفٍ يستحقُّ الإقبال من مثله، على أسلوب: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)»(١). و((أنْ)) بتقدير حرف الجرِّ، أعني: لام التعليل، وهو معمولٌ لأول الفعلين على مختار الكوفيين، وثانيهما على مختار البصريين، وكليهما معاً على مذهب الفراء. نعم هو بحسب المعنى علَّةٌ لهما بلا خلافٍ، أي: عَبَسَ لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك. وقرأ زيد بن عليٍّ: ((عَبَّسَ)) بتشديد الباء(٢)، للمبالغة لا للتعدية. وهو والحسن وأبو عمران الجوني وعيسى: ((آآنْ)) بهمزة ومدَّة بعدها(٣). وبعض القرّاء بهمزتين محقَّقتين(٤). والهمزة في القراءتين للاستفهام الإنكاريِّ. ويوقف على ((تَوَلَّى))، والمعنى: ألاِنْ(٥) جاء الأعمى فَعَلَ ذلك؟ !. وضمير ((لعلَّه)) للأعمى، والظاهر أنَّ الجملة متعلّقةٌ بفعل الدراية على وجه سدَّ مسدَّ مفعوله، أي: أيُّ شيء يجعلك دارياً بحالٍ هذا الأعمى، لعلَّه يتطهّر بما يتلقَّن من الشرائع من بعضٍ أوضار الإثم ﴿أَوْ يَذْكَّرُ﴾ أي: يتَّعظ ﴿فَفَعَهُ الذِّكْرَةَ ﴾﴾ أي: ذكراك وموعظتك، والمعنى: إنَّك لا تدري ما هو مترقَّب منه من تزٌ أو تذكُّرٍ، ولو دريتَ لَمَا كان الذي كان. والغرضُ نَفْي درايةِ أنه يَزََّّى أو يذَّكَّر. والترجِّي راجعٌ إلى الأعمى أو إلى النبيِّ وَّل ـ على ما قيل - دلالةً على أنَّ رجاءَ تزكِّيه أو كونه ممن يُرجَى منه ذلك كافٍ في الامتناع من العُبوس والإعراض، کیف وقد كان استزكاؤُه (١) أخرجه بهذا اللفظ ابن حبان (٥٠٦٣) من حديث أبي بكرة ﴿ه. وهو عند البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) بنحوه. (٢) البحر ٤٢٧/٨. وهو في القراءات الشاذة ص١٦٨ دون نسبة. (٣) القراءات الشاذة ص ١٦٨، والبحر ٤٢٧/٨. (٤) معاني القرآن للفراء ٢٣٦/٣، والبحر ٤٢٧/٨. (٥) تحرف في (م) إلى: ألا أن. والمثبت من الأصل وتفسير البيضاوي مع الحاشية ٣٢٠/٨. والكلام منه. الآية : ٤ ٢٩٣ سُؤْدَلاً عَبَسَ محقَّقاً. ولَمَّا هضم من حقِّه في تعلُّق الرجاء به لا التحقُّقِ اعتبر متعلَّق التزكِّي بعضَ الأوضار ترشيحاً لذلك، وفيه إظهارُ ما يقتضي مقام العظمة هاهنا من إطلاق التزّي وحمله على ما ينطلق عليه الاسمُ لا الكامل. وقال بعضهم(١): متعلَّق الدراية محذوفٌ، أي: ما يُدريك أمرَه وعاقبةَ حاله ويُطلعك على ذلك، وقوله سبحانه: ((لعله)) إلخ استئنافٌ واردٌ لبيانٍ ما يلوِّح به ما قبله، فإنه - مع إشعاره بأنَّ له شأناً منافياً للإعراض عنه، خارجاً عن دراية الغير وإدرائه - مُؤذِنٌ بأنه تعالى يُدريه ذلك، واعتَبَر في التزِّي الكمالَ فقال: أي: لعلَّه يتطهّر بما يقتبس منك من أوضار الإثم بالكلية، أو يتذكَّر فتنفعه موعظتك إن لم تبلغ درجةَ التزِّي التامِّ. ولعلَّ الأوَّل أبعدُ مغزّى. وقدِّم التزكِّي على التذكُّر لتقدُّم التخلية على التحلية، وخَصَّ بعضهم الثاني بما إذا كان ما يتعلَّمه من النوافل، والأولَ بما إذا كان سوى ذلك، وهو كما ترى. وفي الآية تعريضٌ وإشعار بأنَّ مَن تصدَّى ◌َّ لتزكيتهم وتذكيرهم من الكَفَرة لا يُرجى منهم التزّي والتذكُّر أصلاً، فهي كقولك لمن يقرِّر مسألةً لمن لا يفهمها وعنده آخَر قابلٌ لفهمها: لعلَّ هذا يفهم ما تُقرِّر، فإنه يُشعر بأنه قصد تفهيم غيره، وليس بأهل لِمَا قصده. وقيل: جاء التعريض من جهةٍ أنَّ المحدَّث عنه كان متزكّياً من الآثام مثَّعظاً . وقيل: ضمير ((لعلَّه)) للكافر، والترجِّي راجعٌ إلى الرسول وَّو، أي: إنك طعمتَ في تزكِّيه بالإسلام وتذكُّرِه بالموعظة، ولذلك أعرضتَ عن غيره، فما يُدريك أنَّ ما طمِعتَ فيه كائنٌ. وضعِّف بعدم تقدُّم ذكر الكافر، وبإفراد الضمير، والظاهرُ جمعه، أي: بناءً على المشهور في أنَّ مَن تشاغل عليه الصلاة والسلام به كان جمعاً، وجاء في بعض الروايات أنه كان واحداً. وقرأ الأعرج وعاصم في رواية: ((أو يَذْكُر)) بسكون الذال وضمِّ الكاف(٢). (١) هو أبو السعود في تفسيره ١٠٧/٩-١٠٨. (٢) البحر ٨/ ٤٢٧. سُورَةُ عَلَسَ ٢٩٤ الآية : ٥ - ٦ وقرأ الأكثر: ((فتنْفَعُه)) بالرفع(١) عطفاً على ((يذََّر))، وبالنصب قرأ عاصمٌ في المشهور والأعرج وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزعفرانيُّ (٢)، وهو عند البصريين بإضمارِ ((أن)) بعد الفاء، وعند الكوفيين في جواب الترجِّي، وهو كالتمنِّي عندهم ینصب في جوابه. وفي ((الكشف)) أنَّ النصب يؤيِّد رجوعَ ضميرٍ (لعلَّه)) على الكافر؛ لإشمام الترجِّي معنى التمنِّي لبعد المرجوِّ من الحصول، أي: بالنظر إلى المجموع؛ إذ قد حصل من العباس. وعلى السابق وجهُه ترشيحُ معنی الهضم، فتذكَّر. ﴿أَمَّا مَنِ أُسْتَغْنَى ﴾﴾ أي: عن الإيمان وعمّا عندك من العلوم والمعارف التي ينطوي عليها القرآن، وفي معناه ما قيل: استغنى بكفره عمَّا يَهديه . وقيل: أي: وأمَّا مَن كان ذا ثروةٍ وغنّى. وتعقِّب بأنه لو كان كذلك لذكر الفقر في مقابله. وأجيب بما ستعلمُه إن شاء الله تعالى. ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴾﴾ أي: تتصدَّى وتتعرَّض بالإقبال عليه والاهتمام بإرشاده واستصلاحه، وفيه مزيدُ تنفيرٍ له بَّر عن مصاحبتهم، فإن الإقبال على المدبر مخلٍّ بالمروءة، ومن هنا قيل: ولا أَلِينُ لِمَن لا يبتغي لِيني لا أبتغي وصلَ مَن لا يبتغي صِلَتي يوماً لقلتُ لها عن صُحبتي بِيْنِي (٣) واللهِ لو كرهَتْ كفِّي مصاحَبتي (١) التيسير ص ٢٢٠، والنشر ٣٩٨/٢. (٢) المصدران السابقان، والبحر ٤٢٧/٨ . (٣) البيتان في مجمع الأمثال ٢/ ١٩٥ غير منسوبين. والشطر الأخير فيه: لقلت للكف بيني إذ كرهتيني وهما في تاريخ مدينة دمشق ٣٥١/٢٣، والوافي بالوفيات ٢٦٠/١٦-٢٦١، وفوات الوفيات ١١١/٢-١١٢ لصالح بن عبد القدوس الشامي، وهو الذي قتله المهدي في الزندقة، والرواية عندهم: لقلت إذ كرهَتْ كفي لها: بِيني يا صاح لو كرهت كفي منادمتي ولا أبالي حبيباً لا يباليني لا أبتغي وصلَ مَن لا يبتغي صلتي الآية : ٧ - ٩ ٢٩٥ سُورَةٌ عَلَسَ وقرأ الحِرْميَّان: ((تَصَّدَّى)) بتشديد الصاد(١)، على أنَّ الأصلَ: تَتَصدَّى، فقُلبت التاء صاداً وأدغمت. وقرأ أبو جعفر: ((تُصَدَّى) بضمِّ التاء وتخفيف الصاد مبنيًّا للمفعول(٢)، أي: تُعرَّض، ومعناه: يدعوك إلى التصدِّي والتعرُّضٍ له داعٍ من الحرص ومزيد الرغبة في إسلامه. وأصلُ ((تصدَّى)) على ما في ((البحر))(٣): تصدَّد، من الصدد: وهو ما استقبلك وصار قُبالتك، يقال: داري صدَدَ داره، أي: قُبالتها. وقيل: من الصَّدَى: وهو العطش. وقيل: من الصَّدَى: وهو الصوت المعروف. ﴿وَمَا عَّكَ أَّا يَزََّى ﴾﴾ وليس عليك بأسٌ في أن لا يتزَّى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمَّن أسلم. فـ ((ما)) نافيةٌ والجملة حالٌ من ضمير ((تصدّى))، والممنوع عنه في الحقيقة الإعراضُ عمَّن أسلم، لا الإقبالُ على غيره والاهتمامُ بأمره حرصاً على إسلامه. ويجوز أن تكون ((ما)) استفهامية للإنكار، أي: أيُّ شيء عليك في أن لا يتزَّى. ومآلَه النفي أيضاً. أي: حالَ كونه مُسرعاً طالباً لِمَا عندك من أحكام ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى الرشد وخصال الخير ﴿وَهُوَ يَخْثَى ﴾﴾ أي: يخاف الله تعالى. وقيل: أذيَّةَ الكفّار في الإتيان. وقيل: العثارَ والكبوةَ؛ إذ لم يكن معه قائدٌ، والجملة حالٌ مِن فاعلٍ (يَسْعَى))، كما أنَّ جملةَ ((يَسْعَى)) حالٌ من فاعل ((جاءك)). واستظهر بعضُ الأفاضل أنَّ النظم الجليلَ من الاحتباك؛ ذَكَر الغنى أوَّلاً للدلالة على الفقر ثانياً، والمجيءَ والخشيةَ ثانياً للدلالة على ضدِّهما أوَّلاً. وكأنه حَمل ((استغنى)) على ما نُقل أخيراً، واستشْعَر ما قيل عليه فاحتاج لدفعه إلى هذا التكلُّف، وعدمُ الاحتياج إليه على ما نقلناه في غاية الظهور. (١) التيسير ص٢٢٠، والنشر ٣٩٨/٢، وهي أيضاً قراءة أبي جعفر من العشرة. (٢) القراءات الشاذة ص١٦٩، والمحتسب ٣٥٢/٢، والكلام من البحر ٤٢٧/٨. ونسبها في مجمع البيان ٣٤/٣٠ لأبي جعفر الباقر. (٣) ٤٢٥/٨. سُوٌَّلاَ عَبَسِ ٢٩٦ الآية : ١٠ - ١١ تتشاغل، يقال: لَهِيَ عنه - كرَضِيَ ورَمَى - والْتَهى وتلهَّى. ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ فَلَفَّى وفي تقديم ضميره عليه الصلاة والسلام على الفعلين تنبيهٌ على أنَّ مناطَ الإنكار خصوصيتُه عليه الصلاة والسلام. وتقديم ((له)) و((عنه)) - قيل - للتعريض بالاهتمام بمضمونهما. وقيل: للعناية؛ لأنهما منشأُ العتاب. وقيل: للفاصلة. وقيل: للحصر. وذكر التصدِّي في المستغني دون الاشتغال به - وهو المقابل للتلهِّ عن المُسرِع الخاشي - والتلهِّي عنه دون عدم التصدي له - وهو المقابل للتصدِّي لذلك - قيل: للإشعار بأنَّ العتاب للاهتمام بالأول لا للاشتغال به، إذ الاشتغال بالكفار غيرُ ممنوع، وعلى الاشتغال عن الثاني لا لأنه لا اهتمامَ له ◌َّ في أمره، إذ الاهتمامُ غيرُ واجب لأنه عليه الصلاة والسلام ليس إلا مُنذِراً. وقرأ البزي عن ابن كثير: ((عَنْهُ تَلَّى)) بإدغام تاء المضارعة في تاء تفعّل(١). وأبو جعفر: ((تُلَهَّى)) بضمِّ التاء مبنيًّا للمفعول(٢)، أي: يَشغلك الحرص على دعاء الكافر للإسلام. وطلحة: (تَتَلهى)) بتاءين، وعنه: بتاء واحدة وسكون اللام(٣). مبالغة في إرشاده وي لو إلى عدم معاودةٍ ما عوتب عليه وَّر، وقد نزل ذلك كما في خبرٍ رواه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس بعد أن قَضى عليه الصلاة والسلام نجواه وذهب إلى أهله(٤). وجوّز كونه إرشاداً بليغاً إلى ترك المعاتَب عليه عليه الصلاة والسلام؛ بناءً على أنَّ النزول في أثناء ذلك وقبل انقضائه، وفي بعض الآثار أنه وَِّ بعدُ ما عَبَس في وجه فقيرٍ ولا تصدَّى لغنيٌّ، وتأدَّب الناس بذلك أدباً حسناً، فقد رُوي عن سفيان الثوريِّ أنَّ الفقراء كانوا في مجلسه أمراء. (١) التيسير ص ٨٢، والنشر ٢٣٢/٢-٢٣٣. (٢) المحتسب ٣٥٢/٢، والبحر ٤٢٨/٨. (٣) القراءات الشاذة ص١٦٩، والبحر ٤٢٨/٨. (٤) الدر المنثور ٣١٥/٦، وتفسير الطبري ١٠٣/٢٤. الآية : ١٢ ٢٩٧ سُورَةٌ عَبَسِ والضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّا﴾ للقرآن العظيم، والتأنيثُ لتأنيث الخبر، أعني قولَه سبحانه: ﴿نَذْكِرَةٌ ﴾﴾ أي: موعظةٌ يجب أن يُتَّعظ بها ويُعمَل بموجبها، وكذا ١٢ الضميرُ في قوله عز وجل: ﴿فَ شَاءَ ذَكَرُ والجملةُ المؤَّدة تعليلٌ لِمَا أفادته ((كلَّا)) ببيانٍ علوٍّ رتبة القرآن العظيم الذي استغنى عنه مَن تصدَّى عليه الصلاة والسلام له، والجملة الثانية اعتراضٌ جيء به للترغيب في القرآن والحثِّ على حفظه أو الاتعاظ به، واقتران الجملة المعترَض بها بالفاء قد صرَّح به ابن مالك في ((التسهيل)) (١) من غير نقل اختلافٍ فيه، وكلام الزمخشريِّ في ((الكشاف)» (٢) عند الكلام على قوله تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] نصٌّ في ذلك، نعم قيل: إنه قيل له: ((فمن شاء ذكره)) اعتراضٌ. فقال: لا؛ لأنَّ الاعتراضَ شرطه أن يكون بالواو أو بدونه، فأما بالفاء فلا، أي: وهو استطراد. لكن تعقّب بأنَّ النقلَ لمنافاته ذلك ليس بثبت، ويمكن أن يكون في القوم مَن يُنكر ذلك، فوافقه تارةً وخالفه أخرى، وما ألطف قولَ السعد في ((التلويح)): الاعتراض یکون بالواو والفاء: واعْلَم فَعِلم المرء ينفَعُه(٣) هذا، وقيل: الضميرُ الأول للسورة أو الآيات السابقة، والثاني للتذكرة، والتذكيرُ لأنها بمعنى الذكر والوعظ، أو المرجع الأول، والتذكيرُ باعتبارٍ كون ذلك قرآناً. ورُجح بعدم ارتكاب التأويل قبل الاحتیاج إليه. وتعقِّب بأنه ليس بذاك، فإن السورةَ أو الآيات وإن كانت متَّصفةً بما سيأتي إن شاء الله تعالى من الصفات الشريفة، لكنها ليست مما أُلقي على مَن استغنى عنه واستحقَّ بسبب ذلك ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الدعاء عليه والتعجُّب من كفره المفرِط؛ لنزولها بعد الحادثة. (١) ص١١٣. (٢) ٢/ ٤١١. (٣) سلف ١/ ٤٢٨ . سُورَةُ عَبَسِ ٢٩٨ الآية : ١٣ - ١٥ وجوِّز كون الضميرين للمعاتبة الواقعة، وتذكيرُ الثاني لكونها عتاباً. وفيه أنه يأباه الوصفُ بالصفات الآتية، وإن كان باعتبارِ أنَّ العتاب وقع بالآيات المذكورة قبلُ وهي متَّصفة بما ذُكر جاء ما سمعتَ آنفاً . وقيل: لك أن تجعلهما للدعوة إلى الإسلام، وتذكيرُ الثاني لكونها دعاء. وهذا على ما فيه مما يأباه المقام. وقوله تعالى: ﴿فِ مُحُفٍ﴾ متعلِّقٌ بمضمَر هو صفةٌ لـ ((تذكرة)) أو خبرٌ ثانٍ لـ ((إنَّ)، أي: كائنةٌ أو مثبتَةٌ في صحفٍ، والمراد بها الصحف المنتَسَخة من اللوح المحفوظ. وعن ابن عباس: هي اللوح نفسه. وهو غيرُ ظاهر. وقيل: الصحفُ المنزَّلة على الأنبياء عليهم السلام كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُيُرِ اُلْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]. وقيل: صحفُ المسلمين، على أنه إخبارٌ بالغيب، فإنَّ القرآن بمكة لم يكن في الصحف، وإنما كان متفرِّقاً في الدفاف والجريد ونحوهما، وأولُ ما جُمع في صحيفةٍ في عهد أبي بكر الصديق رضياته. وهو كما ترى. ﴿ُكَرَّةٍ ﴾ عند الله عز وجل ﴿مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: في السماء السابعة كما قال يحيى بن سلام(١)، أو مرفوعةِ القَدْرِ كما قيل. ﴿ُطَهَّرَ ®﴾ منزَّهة عن مساس أيدي الشياطين، أو عن كلِّ دنسٍ، على ما رُوي عن الحسن. وقيل: عن الشبه والتناقُض، والأول - قيل - مأخوذٌ من مقابلته بقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِى سَفَرَةِ ﴾﴾ أي: كَتَبَةٍ من الملائكة عليهم السلام كما قال مجاهد وجماعة، فإنهم ينسَخون الكتب من اللوح، وهو جمع: سافرٍ، أي: كاتبٍ، والمصدر: السَّفْرُ، كالضرب. وعن ابن عباس: هم الملائكة المتوسِّطون بين الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام، على أنه جمعُ سافرٍ أيضاً بمعنى سفيرٍ، أي: رسولٍ وواسطةٍ، والمشهورُ (١) النكت والعيون ٢٠٣/٦، والبحر ٤٢٨/٨. الآية : ١٢ ٢٩٩ سُؤَلةُ عَبَسَ في مصدره بهذا المعنى السِّفارةُ بكسر السين وفتحها، وجاء فيه السَّفْر أيضاً كما في ((القاموس))(١) . وقيل: هم الأنبياء عليهم السلام لأنهم سُفَراءُ بين الله تعالى والأمة، أو لأنهم يكتبون الوحي. ولا يخفى بعدُه، فإنَّ الأنبياء عليهم السلام وظيفتُهم التلقِّي من الوحي لا الكَتْب لِمَا يُوحَى، على أنَّ خاتمهم وَّه لم يكن يكتب القرآنَ، بل لم يكتب أصلاً على ما هو الشائع، وقد مرَّ تحقيقُه، وكذا وظيفتُهم إرشادُ الأمة بالأمر والنهي، وتعليمُ الشرائع والأحكام، لا مجرَّد السفارة إليهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن مُنَبِّه أنهم أصحابُ محمد ◌َ﴾(٢). قيل: لأنهم سفراء ووسائط بينه عليه الصلاة والسلام وبين سائر الأمة، وقيل: لأنَّ بعضَهم يَسْفِر إلى بعضٍ في الخير والتعليم والتعلُّم. وفي روايةٍ عن قتادة أنَّهم القُرَّاءُ. وكلا القولين ليس بالمعوَّل عليه. وقد قالوا: هذه اللفظة مختصَّة بالملائكة عليهم السلام لا تكاد تطلق على غيرهم، وإن جاز الإطلاق بحسب اللغة، ومادَّتُها موضوعةٌ بجميع تراكيبها لِمَا يتضمَّن الكشفَ، كسَفَرَت المرأةُ: إذا كشفَت القناعَ عن وجهها . والباء - قيل - متعلِّقةٌ بـ ((مُطَهَّرَة)). وقيل: بمضمَرٍ هو صفةٌ أخرى لـ ((صُحُف)). ﴾ أي: أعزَّاء على الله تعالى معّمين عنده عز وجل، فهو من الكرامة بمعنى التوقير. أو متعطّفين على المؤمنين يستغفرون لهم ويُرشِدونهم إلى ما فيه الخير بالإلهام، وينزلون بما فيه تكميلُهم من الشرائع، فهو من الكَرَم ضدِّ اللؤم. أي: أتقياء، وقيل: مطيعين تعالى، من قولهم: فلانٌ يَبَرُّ خالقَه، ١٦ ﴿بَدَقَّ أي: يُطِيعُه، وقيل: صادقين، من: بَرَّ في يمينه. وهو جمعُ: بَرِّ، لا غير، وأما أبرار فيكون جمعَ: بَرِّ، كرَبٌّ وأرباب، وجمع: بارِّ، كصاحب وأصحاب، وإن منعه بعض النحاة لعدم اطّراده. واختَصَّ - على (١) مادة (سفر). (٢) الدر المنثور ٣١٥/٦. سُوَلاَ عَبَسِ ٣٠٠ الآية : ١٢ ما قيل - الجمعُ الأولُ بالملائكة والثاني بالآدميين في القرآن ولسان الشارع ◌َِّ، وكأن ذلك لأنَّ الأبرارَ من صِيّغ القلَّة دون البَرَّرَة، ومثَّقو الملائكة أكثر من مُتَّقي الآدميين، فناسَبَ استعمال صيغة القلّة وإن لم ترد حقيقتها في الآدميين دونهم. وقال الراغب: خصَّ البررةُ بهم من حيث إنَّه أبلغ من أبرار، فإنه جمعُ: بَرِّ، وأبرار جمع: بارِّ، وبرِّ أبلغ من بارِّ، كما أنَّ عدلاً أبلغُ من عادل(١). وكأنه عَنى أنَّ الوصف بـ ((بَرِّ)) أبلغ - لكونه من قبيل الوصف بالمصدر - من الوصف بـ ((بار))، لكن قد سمعتَ أنَّ أبراراً يكون جمعَ بَرِّ كما يكون جمعَ بارِّ، وأيضاً في كون الملائكة أحقّ بالوصف بالأبلغ بالنسبة إلى الآدميين مطلقاً بحثٌ. وقيل: إن الأبرارَ أبلغُ من البررة، إذ هو جمعُ: بارِّ، والبَرَرَةُ جمع: بَرٍّ، وبارِّ أبلغُ منه لزيادة بنيته، ولمَّا كانت صفاتُ الكمال في بني آدم تكون كاملةً وناقصةً وُصِفُوا بالأبرار إشارةً إلى مدحهم بأكمل الأوصاف، وأما الملائكة فصفات الكمال فيهم لا تكون ناقصةً فوُصِفوا بالبررة لأنه يدلُّ على أصل الوصف بقطع النظر عن المبالغة فيه لعدم احتياجهم لذلك، وإشارة لفضيلة البشر لِمَا في كونهم أبراراً من المجاهدة وعصيانِ داعي الجِبِلَّة. وفيه ما لا يخفى. ومن استعمال البَرَرَة في الملائكة ما أخرجه أحمد والبخاريُّ ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله وَله: ((الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرة، والذي يقرأه وهو عليه شاقٌّ له أجران)»(٢). تعجیبٌ من ﴿قُئِلَ الْإِنسَانُ﴾ دعاءٌ عليه بأشْنع الدعوات وأفظعها ﴿مَا أَكْفَرَُّ إفراطه في الكفران وبيانٌ لاستحقاقه الدعاءَ عليه، والمرادُ به إمَّا مَن استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نعوتُه الجليلة الموجبةُ للإقبال عليه والإيمانِ به، (١) المفردات (برر). (٢) مسند أحمد (٢٤٢١١)، وصحيح البخاري (٤٩٣٧)، وصحيح مسلم (٧٩٨) (٢٤٤)، وسنن أبي داود (١٤٥٤)، وسنن الترمذي (٢٩٠٤)، وسنن النسائي الكبرى (٧٩٩٢)، وسنن ابن ماجه (٣٧٧٩).