النص المفهرس

صفحات 121-140

الآية : ٣٤ - ٣٥
١٢١
سُورَةُ القِيَامَة
٣٤
من الوَلْي بمعنى القُرْب، فهو للتفضيل في الأصل غُلِّب في
﴿أَوْلَ لَكَ فَأَوْلَى
قُرْب الهلاك ودعاءِ السوء، كأنَّهَ قيل: هلاكاً أَولى لكَ، بمعنى: أهلكك اللهُ تعالى
هلاكاً أقرب لكَ مِن كلِّ شرٌّ وهلاكٍ، وهذا كما غُلِّب بُعْداً وسُحْقاً في الهلاك، وفي
((الصحاح)) عن الأصمعي: قَارَبَه ما يُهْلِكُه، أي: نَزَلَ به، وأنشد:
وأَوْلَى أنْ يَزِيدَ على الثَّلاثِ
فَعَادَى بين هادِيَتَيْنِ منها
أي: قارَبَ، ثم قال: قال ثعلب: ولم يَقُلْ أحدٌ في أولى أحسنَ ممَّا قاله
الأصمعيُّ(١). وعلى هذا (أولى)) فعلٌ مستترٌ فيه ضمير الهلاك بقرينة السياق، واللام
مزيدةٌ على ما قيل، وقيل: هو فعلٌ ماضٍ دعائيٍّ مِن الوَلْي أيضاً، إلا أنَّ الفاعلَ
ضميره تعالى، واللام مزيدةٌ، أي: أولاك الله تعالى ما تكرهه، أو غير مزيدة، أي:
أدنى الله تعالى الهلاكَ لَكَ، وهو قريب ممَّ ذكر عن الأصمعيِّ.
وعن أبي عليٍّ: أنَّ ((أَولى لَكَ)) عَلَم للويل مبنيٌّ على زِنَةِ أفْعَل مِن لفظ الويل
على القلب، وأصله: أَوْيَل، وهو غيرُ منصرف؛ للعلميَّة والوزن، فهو مبتدأ،
و(لك)) خبره. وفيه أنَّ الويلَ غيرُ مُتَصَرَّفٍ فيه، ومثل: يوم أَيْوَم - مع أنَّه غيرُ
منقاسٍ - لا يُفْرَد عن الموصوف ألبتة، وأنَّ القلبَ على خلاف الأصل لا يرتكب
إلا بدليل، وأنَّ عَلَم الجنس شيءٌ خارج عن القياس مُشْكِلُ التعقُّل، خاصّة
فیما نحن فيه.
وقيل: اسمُ فعل مبنيٌّ، ومعناه: وَلِيَكَ شرٌّ بعد شَرِّ. واختار جمع أَّه أفعل
تفضيل بمعنى الأحسن والأحرى، خبرٌ لمبتدأ محذوف يُقدَّر كما يليق بمقامه،
فالتقدير هنا: النارُ أَولى لَكَ - أي: أنتَ أحقُّ بها وأهلٌ لها - فأولى.
تكريرٌ للتأكيد، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك، فتذَّر.
٣٥
أَوْلَى لَكَ فَوْلَ (
والظاهر أنَّ الجملةَ تذييلٌ للدعاء لا محلَّ لها من الإعراب، وجوّز أن تكون في
موضع الحال بتقدير القول، كأنَّه قيل: ثم ذهب إلى أهله يتمطَّى، مقولاً له: ((أَولى
لَكَ)) إلخ، ويؤيِّده ما أخرج النسائيُّ والحاكم - وصحَّحه - وعبد بن حميد وابنُ جرير
(١) الصحاح (ولي)، والبيت سلف عند تفسير الآية (٢٠) من سورة محمد اصطله.

سُورَةُ القِيَامَيّ
١٢٢
الآية : ٣٦ - ٣٧
وابنُ المنذر وغيرهم عن سعيد بن جبير قال: سألتُ ابنَ عباس عن قولِ الله تعالى:
ه: أَشَيءٌ قاله رسولُ اللهِ وَّهُ مِن نفسه، أم أَمَرَه اللهُ تعالى به؟
٣٤
﴿أَوْلَ لَكَ فَأَوْلَى
قال: بل قاله مِن قِبَلٍ نفسه، ثم أنزله اللهُ تعالى(١).
واستدلَّ بقوله سبحانه: ﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَ صَلَّى ﴾﴾ إلخ على أنَّ الكفَّار مخاطبونَ
بالفروع، فلا تغفل.
﴿أَيَحْسَبُ آلْإَِنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى (﴾﴾ أي: مُهمَلاً، فلا يُكلَّف ولا يُجزَى، وقيل:
أن يُتْرَكَ في قبره، فلا يبعثَ. ويقال: إبلٌ سدّى، أي: مُهمَلٌ، ترعى حيث شاءت
بلا راعٍ، وأَسديتُ الشيءَ، أي: أهملته، وأسديت حاجتي: ضيَّعتها ولم أعتنِ بها،
قال الشاعر :
فأُقْسِمُ باللهِ جهدَ اليَمِيْ نِ ما خَلَق اللهُ شيئاً سُدَى(٢)
ونصب ((سُدَى)) على الحال مِن ضمير ((يُترَك))، و((أن يُتْرَك)) في موضع
المفعولين لـ ((يحسب))، والاستفهام إنكاريٌّ، وكأنَّ تكريرَه بعد قولِه تعالى: ﴿أَخْسَبُ
الإِسَنُ أَلَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ لتكرير إنكار الحَشْر، قيل: مع تضمُّن الكلام الدلالة على
وقوعه حيث إنَّ الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهيَ عن القبائح والرذائل،
والتكليفُ لا يتحقَّق إلا بمجازاة، وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة،
وجعل بعضُهم هذا استدلالاً عقليًّا على وقوع الحشر، وفيه بحث لا يَخفى.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةُ مِنْ شَِّيِّ يُعْنَى (﴾﴾ إلخ، استئنافٌ وارد لإبطال
الحسبان المذكور، فإنَّ مدارَه لمَّا كان استبعادَهم للإعادة دفع ذلك ببدء الخَلْق.
وقرأ الحسن: ((ألم تَكُ)) بتاء الخطاب(٣) على سبيل الالتفات، وقرأ الأكثر:
(ثُمَنَى)) بالتاء الفوقيَّة، فالضمير للنطفة، أي: يُمْنِيها الرجلُ ويصبُّها في الرَّحِم،
(١) الدر المنثور ٢٩٦/٦، والنسائي في الكبرى (١١٥٧٤)، ومستدرك الحاكم ٥١٠/٢، وتفسير
الطبري ٥٢٥/٢٣، ولم يذكر: ابن عباس في إسناد الطبري، بل أخرجه عن سعيد بن جبير
مرسلاً.
(٢) أورده الماوردي في النكت والعيون ٦/ ١٦٠، والقرطبي في التفسير ٤٤١/٢١، ولم ينسباه.
(٣) البحر المحيط ٣٩١/٨.

الآية : ٣٨ - ٤٠
١٢٣
سُورَةُ القِيَامَيْ
وعلى قراءة الياء - وهي قراءة حفص وأبي عمرٍو بخلاف عنه ويعقوب وسلَّام
والجحدريِّ وابنِ محيصن - للمَنِيُّ(١).
ثُمَّ كَنَ عَلَقَهُ﴾ أي: بقُدرة اللهِ تعالى كما قال الله تعالى: ﴿فُرَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ﴾
[المؤمنون: ١٤] ﴿فَغَلَقَ﴾ أي: فقدَّر اللهُ عزَّ وجلَّ بأن جعلها سبحانه مخلَّقة ﴿فَسَوَّى
٣٨
فعدَّل وكمَّل ﴿فَعَلَ مِنْهُ﴾ أي: مِن الإنسان، وقيل: مِن المَنِيِّ ﴿الَّوْبَيْنِ﴾ أي: الصنفين
﴿الذِّكَرَ وَاُلْأُنَْ (٣)﴾ بدل مِن ((الزوجين))، والخنثى لا يَعدُوهما.
وقرأ زيد بن عليٍّ: ((الزوجان)) بالألف(٢) على لغة بني الحارث بنِ كعب ومَن
وافقهم مِن العرب، مِن كون المثنى بالألف في جميع حالاته.
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ العظيم الشأنِ الذي أنشأ هذا الإنشاء البديع ﴿يَقَدِرٍ﴾ أي: قادراً. وقرأ
زيد: ((يَقْدِرُ)) مضارعاً(٣) ﴿عَلَى أَنْ يُحِىَ المؤََّى ﴾﴾ وهو أهونُ مِن البدء في قياس العقل.
وقرأ طلحة بنُ سليمان والفياض بنُ غزوان: ((على أن يُحْيِيْ)) بسكون الياء(٤)،
وأنتَ تَعلم أنَّ حركتها حركةُ إعراب لا تَنحذفُ إلا في الوقف، وقد جاء في الشعر
حذفُها بدونه، وعن بعضهم: ((يُحِيَّ)) بنقل حركة الياء إلى الحاء وإدغام الياء في
الياء، قال ابن خالويه: لا يُجيز أهلُ البصرة سيبويه وأصحابُه إدغامَ (يُحْيي))،
قالوا: لسكون الياء الثانية، ولا يعتدُّون بالفتحة فيها؛ لأنَّها حركةُ إعراب غير
لازمة، والفرَّاء أجاز ذلك واحتج بقوله :
تمشي بسُدَّة فَتْعِيُّ
يريد: فَتُعْيا(٥). وبالجملة القراءةُ شاذّة.
(١) التيسير ص ٢١٧، والنشر ٣٩٤/٢ عن حفص ويعقوب، والكلام من البحر ٣٩١/٨.
(٢) البحر المحيط ٣٩١/٨.
(٣) البحر المحيط ٣٩١/٨.
(٤) المحتسب ٣٤٢/٢، والبحر ٣٩١/٨.
(٥) البحر المحيط ٣٩١/٨، وكلام ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦٦، وكلام سيبويه في
الكتاب ٤٠٣/٤، وكلام الفراء في معاني القرآن ٢١٣/٣، والبيت للحطيئة كما في تاج
العروس (عيي)، وتمامه:
=

سُورَةُ القِيَامَيَّ
١٢٤
الآية : ٢٨
وجاء في عدَّة أخبار أنَّ النبيَّ وَّهِ كان إذا قرأ هذه الآية، قال: ((سبحانَكَ اللَّهمَّ
وبَلَى))(١). وفي بعضها: ((سبحانَكَ فَلَى)(٢).
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذيُّ وابن المنذر وابنُ مردويه والبيهقيُّ
والحاكم - وصحَّحه - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَن قَرَأَ منكم
فليقل: بلى،
﴿وَلِِّ وَالزَُّونِ ﴾﴾ فانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعَكَمِ الْحَكِمِينَ
فانتھی إلى:
وأنا على ذلكم مِن الشاهدين، ومن قَرَأَ: ﴿لَا أُقِْمُ بِيَوْمِ الْقِيَّمَةِ
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِىَ المؤَّنَى (إِ
فليقل: بلى، ومن قَرَأَ: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ فبلغ:
فليقل: آمنا بالله))(٣).
٥٠
﴿فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
وكأنها بين النساء سبيكة تمشي بسدَّة بيتها فَتُعِيُّ
=
وذكره أيضاً الأزهري في تهذيب اللغة ٢٥٨/٣، وابن جني في المحتسب ٢٦٩/٢، قال
أبو إسحاق النحوي كما في تهذيب اللغة: هذا غير جائز عند حذَّاق النحويين. وذكر أن
"البيت الذي استشهد به الفرَّاء ليس بمعروف. وعقّب عليه الأزهري بقوله: والقياس ما قال
أبو إسحاق وكلام العرب عليه.
(١) الدر المنثور ٢٩٦/٦، ونسبه لابن مردويه من حديث أبي هريرة .
(٢) أخرجه أبو داود (٨٨٤)، والبيهقي في سننه ٢/ ٣١٠، عن موسى بن أبي عائشة قال: كان
﴾ قال: سبحانك،
رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُخِْىَ المؤَنَّى
فبلى. فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله وم ظاهر. وموسى هذا لم يروٍ عن الصحابة،
وإنما روايته عن التابعين.
(٣) الدر المنثور ٢٩٦/٦، وأحمد (٧٣٩١)، وأبو داود (٨٨٧)، والترمذي (٣٣٤٧)، والبيهقي
٣١٠/٢-٣١١، والحاكم ٥١٠/٢.

سُؤَدَّةُ الإِنْسِّنَاءِ
وتسمَّى سورة الدهر، والأبرار، والأمشاج، و((هل أتى)).
وهي مكِّيَّة عند الجمهور على ما في ((البحر)) (١)، وقال مجاهد وقتادة: مدنيّة
كلَّها. وقال الحسن وعكرمة والكلبيُّ: مدنيّة إلا آيَةً واحدةً فمكِّيَّة وهي: ﴿وَلَا تُطِعْ
مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الآية: ٢٤]. وقيل: مدنيّة إلا مِن قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ لِمُكْرِ رَبِّكَ﴾
[الآية: ٢٤] إلى آخرها، فإنَّه مكِّيٍّ، وعن ابنٍ عادل حكاية مدنيَّتها على الإطلاق عن
الجمهور(٢)، وعليه الشيعة.
وآيها إحدى وثلاثون آيةً بلا خلاف، والمناسبة بينها وبين ما قبلها في غاية
الوضوح.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾﴾ أصله على ما قيل:
أَهَلْ، على أنَّ الاستفهامَ للتقرير، أي: الحمل على الإقرار بما دخلت عليه،
والمقرَّر به مَن ينكر البعث، وقد عُلمَ أنَّهم يقولون: نعم قد مضى على الإنسان حين
لم يكن كذلك، فيقال: فالذي أوجده بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إحياؤه بعد
موته؟! و((هل)) بمعنى ((قد))، وهي للتقريب، أي: تقريب الماضي مِن الحال،
فلما سدَّتِ ((هل)) مسدّ الهمزة دلَّت على معناها ومعنى الهمزة معاً، ثم صارت
(١) ٣٩٣/٨.
(٢) اللباب ٣/٢٠.

سُورَةُ الإِنِِّْ
١٢٦
الآية : ١
حقيقة في ذلك، فهي للتقرير والتقريب، واستدلَّ على ذلك الأصل بقول زید.,
الخیل :
سائل فوارسَ يَرْبُوعِ بشدَّتنا أَهَلْ رَأَونا بسَفْح القاعِ ذي الأَكَمِ (١)
وقيل: هي للاستفهام ولا تقريبَ، وجمعها مع الهمزة في البيت للتأكيد كما في
قوله :
ولا لِلِما بهم أبداً دواء (٢)
بل التأكيد هنا أقربُ؛ لعدم الاتحاد لفظاً، على أنَّ السيرافيَّ قال: الرواية
الصحيحة: أم هل رَأَونا، على أنَّ ((أم)) منقطعة بمعنى ((بل)). وقال السيوطيُّ في
(شرح شواهد المغني)): الذي رأيته في نسخة قديمة مِن ديوان زيد: فهل رَأَونا،
بالفاء(٣).
٠
وعن ابنِ عباس وقتادة: هي هنا بمعنى ((قد))، وفسَّرها بها جماعة مِن النحاة
كالكسائيّ وسيبويه(٤) والمبرِّد(٥) والفرَّاء(٦)، وحُملت على معنى التقريب، ومن
الناس مَن حَمَلها على معنى التحقيق، وقال أبو عبيدة: مجازها: قد أتى على
الإنسان، وليس باستفهام(٧). وكأنَّه أراد ليس باستفهام حقيقةً، وإنَّما هي للاستفهام
التقريري، ويرجع بالآخرة إلى ((قد أتى))، ولعلَّ مرادَ مَن فسَّرها بذلك كابن عباس
وغيره ما ذُكرَ، لا أنَّها بمعنى ((قد) حقيقةً، وفي ((المغني)) (٨) ما تفيدك مراجعتُه
بصيرةً، فراجعه.
(١) سلف عند تفسير الآية (٢٢١) من سورة الشعراء.
(٢) عجز بيت لمسلم بن معبد الوالبي، وسلف ٦/٢، وصدره:
فلا والله لا يُلفى لما بي
(٣) شرح شواهد المغني ٢/ ٧٧٣.
(٤) الكتاب ١/ ١٠٠.
(٥) المقتضب ٤٣/١-٤٤ ٢٨٩/٣.
(٦) معاني القرآن ٢١٣/٣.
(٧) مجاز القرآن ٢٧٩/٢.
(٨) ص ٤٦٠ وما بعدها.

الآية : ١
١٢٧
سُوَرَّةُ الإِنْشِِّ
والمراد بـ ((الإنسان)) الجنس على ما أخرجه ابنُ المنذر عن ابنِ عباس (١)،
والحين: طائفةٌ محدودة مِن الزمان شاملةٌ للكثير والقليل، والدهر: الزمان الممتدُّ
الغيرُ المحدود، ويقع على مدَّة العالَمِ جميعِها، وعلى كلِّ زمانٍ طويل غيرٍ معيَّن،
والزمان عامٌّ للكلِّ. والدهر وعاءُ الزمان، كلام فلسفيٌّ.
وتوقّف الإمام أبو حنيفة في معنى الدهر منكَّراً - أي: في المراد به عرفاً - في
الأيمان، حتى يقال: بماذا يَحنثُ إذا قال: واللهِ لا أُكلِّمه دهراً، والمعرَّفُ عنده مدَّةُ
حياةٍ الحالف عند عدم النّيَّة، وكذا عند صاحبيه، والمنكَّر عندهما كالحين، وهو معرَّفاً
ومنكَّراً كالزمان سنَّةُ أشهر إن لم تكن نيَّة أيضاً، وبها ما نوى على الصحيح، وما اشتهر
مِن حكاية اختلاف فتاوى الخلفاء الأربعة في ذلك على عهدِه عليه الصلاة والسلام
مستدلا كلٌّ بدليل، وقوله ◌َّه بعد الرَّفْع إليه: ((أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتُم
اهتديتُم))(٢) إلّا أنَّه اختار فتوى الأمير كرَّم الله تعالى وجهه بأنَّ الحينَ يومٌ وليلةٌ، لما فيه
مِن التيسير، لا يصحُّ، كما لا يخفى على الناقد البصير، ولو صحَّ لم يعدل عن فتوى
الأمير معدنِ البسالة والفتوَّة بعد أن اختارها مدينةُ العلم ومفخرُ الرسالة والنبوّة.
والمعنى هنا: قد أتى - أو: هل أتى - على جنس الإنسان قَبْلَ زمانٍ قريب طائفةٌ
محدودةٌ مقدَّرة كائنة مِن الزمان الممتدِّ لم يكن شيئاً مذكوراً، بل كان شيئاً غيرَ
مذكور بالإنسانيَّة أصلاً، أي: غيرَ معروف بها، على أنَّ النفيَ راجع إلى القيد،
والمراد أنَّه معدومٌ لم يُوجَد بنفسِه، بل كان الموجودُ أصلَه ممَّا لا يُسمَّى إنساناً،
ولا يُعرَف بعنوان الإنسانيَّة وهو مادته البعيدة - أعني العناصر - أو المتوسِّطة وهي
الأغذية، أو القريبة وهي النُّطفة المتولِّدة من الأغذية المخلوقة مِن العناصر. وجملة
((لم يكن)) إلخ حال مِن ((الإنسان)) أي: غير مذكور، وجوّز أن تكون صفة لـ ((حين))
بحذف العائدِ عليه، أي: لم يكن فيه شيئاً مذكوراً، كما في قوله تعالى ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا
لَا تَجْزِى نَفْسَّ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣] وإطلاق الإنسان على مادته مجازٌ بجَعْل
ما هو بالقوّة منزَّلاً منزلةً ما هو بالفعل، أو هو مِن مجاز الأوْل.
(١) الدر المنثور ٦/ ٢٩٧.
(٢) سلف عند تفير الآية (٢٢) من سورة الشورى.

سُورَةُ الإنْسِّنْاِ
١٢٨
الآية : ٢
وقيل: المراد بالإنسان آدمُ عليه السلام. وأيِّد الأوَّل بقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا
اَلْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ﴾ فإنَّ الإنسان فيه معرفة معادَة، فلا يفترقان، كيف وفي إقامة
الظاهر مقامَ المُضمر فَضْل التقرير والتمكين في النفس، فإذا اختلفا عموماً
وخصوصاً فاتت الملاءمة، ولا شَكَّ أنَّ الحَمْلَ على آدمَ عليه السلام في هذا لا وَجْهَ
له ولا نقض به على إرادة الجنس بناء على أنَّه لا عمومَ فيه ولا خصوصَ، نعم دلَّ
قولُه سبحانه: ((من نطفة)) على أنَّ المراد غيرُه، أو هو تغليب، وقيل: يُجعَل
ما للأكثر للكلِّ مجازاً في الإسناد، أو الطرف، ورُويت إرادته عن قتادة والثوريِّ
وعكرمة والشعبيٍّ وابنِ عباس أيضاً. وقال في رواية أبي صالح عنه: مرَّت به
أربعون سنةً قَبْلَ أن ينفخَ فيه الروح وهو ملقّى بين مَّة والطائف.
وفي رواية الضحاك عنه: أنَّه خُلقَ مِن طين فأقام أربعين سنة، ثم مِن حَمَأ
مسنونٍ فأقام أربعين سنة، ثم مِن صلصال فأقام أربعين سنة، فتمَّ خَلْقُه بعد مئة
وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح.
وحكى الماورديُّ عنه أنَّ الحينَ المذكور هاهنا هو الزمنُ الطويل الممتدُّ الذي
لا يُعرَف مقدارُه(١). وروي نحوه عن عكرمة، فقد أخرج عبد بنُ حميد وابنُ المنذر
عنه أنَّه قال: إنَّ مِن الحين حيناً لا يُدرَك. وتلا الآيةَ، فقال: واللهِ ما يُدرَى كم أتى
عليه حتى خَلَقه الله تعالى(٢) .
ورأيتُ لبعض المتصوّفة أنَّ ((هل)) للاستفهام الإنكاري، فهو في معنى النفي،
أي: ما أَتى على الإنسان حينٌ مِن الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، وظاهره القولُ بقِدَم
الإنسان في الزمان على معنى أنَّه لم يكن زمان إلا وفيه إنسان وهو القِدَم النوعيُّ،
كما قال به مَن قال مِن الفلاسفة، وهو كُفْرٌ بالإجماع، ووجّه بأنَّهم عَنَوا شيئيَّة الثبوت
لقِدَم الإنسان عندهم بذلك الاعتبار، دون شيئيَّة الوجود ضرورةً أنَّه بالنسبة إليها
حادثٌ زماناً، ويرشد إلى هذا قول الشيخ محيي الدين في الباب الثامن والخمسين
وثلاث مئة من ((الفتوحات المكِّيَّة)): لو لم يكن في العالَم مَن هو على صورة الحقِّ
(١) النكت والعيون ٦/ ١٦٢.
(٢) الدر المنثور ٢٩٧/٦ ولم ينسبه لابن المنذر.

الآية : ٢
١٢٩
سُورَةُ الإِنْشَّاِ
ما حصل المقصود مِن العلم بالحقِّ، أعني: العِلْم الحادثَ في قوله سبحانه: ((كنتُ
كنزاً لم أُعرَف، فأحببتُ أن أُعرَف فخلقتُ الخَلْقَ وتعرَّفت إليهم فعرفوني)) فجعل
نفسه كنزاً، والكنز لا يكون إلا مُكتَنَزاً في شيءٍ، فلم يكن كنز الحقِّ نفسه إلا في
صورة الإنسان الكامل في شيئيَّة ثبوتِه هناك، كان الحقُّ مكنوزاً فلما ألبسَ الحقُّ
الإنسانَ ثوبَ شيئيَّة الوجود، ظهر الكنز بظهوره، فعرفه الإنسان الكامل بوجوده،
وعَلِمَ أنَّه کان مکنوزاً فیه في شيئيّة ثبوته، وهو لا يشعر به(١). انتهى.
ولا يخفى أنَّ الأشياء كلَّها في شيئيَّة الثبوت قديمةٌ لا الإنسان وحده، ولعلَّهم
يقولون: الإنسان هو كلُّ شيءٍ؛ لأنَّه الإمام المبين، وقد قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ
أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَارٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢].
والكلام في هذا المقام طويل، ولا يَسَعنا أن نطيل، بَيْدَ أنَّا نقول: كون ((هل))
هنا للإنكار مُنكَر، وأنَّ دعوى صحَّة ذلك لإحدى الكُبَر، والذي فهمه أجلَّةٌ من
من الآية الإخبارَ الإيجابيَّ، أخرج عبد بن حميد وغيره عن عمر بن
الصحابة
الخطاب به أنَّه سمع رجلاً يقرأ: ((هل أتى على الإنسان شيء مِن الدهر لم يكن
شيئاً مذكوراً)) فقال: ليتها تمَّت(٢).
وعن ابن مسعود ربه أنَّه سمع رجلاً يتلو ذلك، فقال: يا ليتها تمَّت. فعُوتبَ
في قوله هذا، فأخذ عموداً مِن الأرض، فقال: يا ليتني كنتُ مثلَ هذا(٣).
﴿أَنْشَاجٍ﴾ جمع: مَشَج، بفتحتين، كسبب وأسباب، أو: مَشِج، بفتح فكسر
ككتِفٍ وأكتاف، أو مَشِيْج(٤) كشهيد وأشهاد، ونصير وأنصار. أي: أخلاط، جمع:
(١) الفتوحات المكية ٢٦٧/٣ والحديث المذكور سلف الكلام عليه ١٩٩/١ و٥١/٢٦.
(٢) الدر المنثور ٦/ ٢٩٧ وعزاه أيضاً لابن المبارك في الزهد ص٧٩، وأبي عبيد في فضائل
القرآن (١٦)، وابن المنذر، وورد في المصادر كلها: حين، بدل: شيء. في الآية.
(٣) الدر المنثور ٢٩٧/٦ وعزاه لابن أبي شيبة في المصنف ٢٩٨/١٣، وعبد بن حميد وابن
المنذر، وورد فيهما: حين، بدل: شيء.
(٤) جاء في هامش الأصل: وفعيل يجمع على أفعال، وإن قال في ((التسهيل)): إنه غير مقيس.
انتهى منه.

سُورَةُ الإِنَّناِ
١٣٠
الآية : ٢
خِلْط، بمعنى مختلط ممتزج، يقال: مشجتُ الشيءَ: إذا خلطته ومزجته، فهو مشيج
وممشوج، وهو صفة لـ ((نطفة))، ووُصفَ بالجمع وهي مفرَدة؛ لأنَّ المرادَ بها مجموعُ
ماء الرجل والمرأة، والجمع قد يقال على ما فوق الواحد، أو باعتبار الأجزاء
المختلفة فيهما رقّة وغِلَظاً، وصُفْرة وبياضاً، وطبيعة وقوَّة وضعفاً، حتى اختصَّ بعضُها
ببعض الأعضاء على ما أراده اللهُ تعالى بحكمته، فخلقه بقدرته، وفي بعض الآثار: أنَّ
ما كان مِن عَصَب وعَظْم وقوَّة فمِن ماء الرجل، وما كان مِن لحم ودم فمِن ماء المرأة.
والحاصل أنَّه نُزِّل الموصوفُ منزلةً الجمع، ووصف بصفة أجزائه.
وقيل: هو مفرَد جاء على أَفْعَال كأعشار وأكياش في قولهم: بُرْمَة أعشار، أي:
متكسِّرة، وبُرْد أكياش، أي: مغزولٌ غَزْله مرَّتين. واختاره الزمخشريُّ(١)،
والمشهور عن نصِّ سيبويه وجمهور النحاة أنَّ أفعالاً لا يكون [إلَّا] جمعاً(٢)،
وحكي عنه أنَّه ذهب إلى ذلك في أنعام (٣).
ومعنى نطفة مختلطة عند الأكثرين: نطفةٌ اختلط وامتزج فيها الماءان، وقيل:
اختلط فيها الدمُ والبَلْغم والصفراء والسوداء، وقيل: الأمشاج نفسُ الأخلاط التي
هي عبارة عن هذه الأربعة، فكأنَّه قيل: ((مِن نطفة)) هي عبارة عن أخلاط أربعة.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنَّه قال: ((أمشاج)) أي: ألوان، أي: ذات
ألوان، فإنَّ ماءَ الرجل أبيضُ وماءَ المرأة أصفرُ، فإذا اختلطا ومَكَثا في قَعْر الرَّحِم
اخْضَرًّا كما يخضرُّ الماءُ بالمكثِ (٤). وروي عن الكلبي.
وأخرج عن زيد بن أسلم أنَّه قال: الأمشاج: العروق التي في النطفة. وروي
ذلك عن ابن مسعود، أي: ذات عروق.
(١) الكشاف ٤/ ١٩٤.
(٢) ما بين معقوفين لم يرد في الأصل و(م)، وهي زيادة يقتضيها السياق، ولأن سيبويه صرَّح في
الكتاب ٤٩٦/٣ بأن أفعالاً لا يكون إلا جمعاً، وكذا ذكر في البحر المحيط ٣٩٤/٨ بأن أفعالاً
لا يكون مفرداً، وينظر الدر المصون ٥٩١/١٠-٥٩٣، وينظر كذلك ما سلف ١٤/ ١٨٢.
(٣) الكتاب ٢٢٠/٣.
(٤) الدر المنثور ٦/ ٢٩٨ بنحوه، وعزاه أيضاً لعبد بن حميد.

الآية : ٣
١٣١
سُورَةُ الإِنْشِِّ
وروي عن عكرمة، وكذا ابن عباس أنَّه قال: ((أمشاج)): أطوار، أي: ذات
أطوار، فإنَّ النطفةَ تصير علقةً ثم مضغةً، وهكذا إلى تمام الخِلْقة ونَفْخِ الروح.
وقوله تعالى: ﴿نَبْتَلِهِ﴾ حالٌ مِن فاعل ((خلقنا))، والمراد: مريدينَ ابتلاءَه
واختبارَه بالتكليف فيما بَعْدُ، على أنَّ الحالَ مقدَّرة، أو ناقلين له مِن حالٍ إلى حال
ومِن طورٍ إلى طور، على طريقة الاستعارة؛ لأنَّ المنقولَ يَظهرُ في كلِّ طورٍ ظهوراً
آخرَ كظهور نتيجة الابتلاءِ والامتحان بَعْدَه، وروي نحوه عن ابنِ عباس. وعلى
الوجهين ينحلُّ ما قيل: إنَّ الابتلاءَ بالتكليف، وهو يكون بعد جَعْله سميعاً بصيراً
لا قَبْلُ، فكيف يترتَب عليه قوله سبحانه: ﴿فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾. (١ وقيل:
الكلام على التقديم والتأخير١)، والجملة استئناف تعليليٍّ، أي: فجعلناه سميعاً
بصيراً لنبتليه، وحكي ذلك عن الفرَّاء(٢)، وعُسِّفَ، لأنَّ التقديمَ لا يقع في حاقٌ
موقعه لا لفظاً لأجل الفاء، ولا معنىً؛ لأنَّه لا يتَّجه السؤال قبل الجعل، والأَوْجه
الأَوَّل، وهذا الجعل كالمسبَّب عن الابتلاء؛ لأنَّ المقصود مِن جعله كذلك أن يَنظُر
الآياتِ الآفاقيَّة والأنفسيَّة ويَسمعَ الأدلّة السمعيَّة، فلذلك عطف على الخَلْقِ المقيَّد
به بالفاء، ورتّب عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ لأنَّه جملة مستأنفةٌ تعليليَّة
في معنى: لأنَّا هديناه، أي: دَلَلناه على ما يُوصِله من الدلائل السمعيَّة كالآيات
التنزيليَّة، والعقليَّةِ كالآيات الآفاقيَّة والأنفسيَّة، وهو إنَّما يكون بعد التكليف
والابتلاء.
حالان مِن مفعول ((هدينا))، و((إمَّا)) للتفصيل باعتبار
﴿إِنَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
تعدُّد الأحوال مع اتِّحاد الذات، أي: هديناه ودَلَلناه على ما يُوصِل إلى البُغْية في
حالتَيْه جميعاً مِن الشكر والكفر، أو للتقسيم للمُهْدى باختلاف الذوات والصفات،
أي: هديناه السبيل مقسوماً إليها، بعضهم شاكر بالاهتداء للحقِّ وطريقِه بالأخذ
فيه، وبعضهم كفور بالإعراض عنه، وحاصله: دَلَلناه على الهداية والإسلام، فمنهم
مهتدٍ مسلم، ومنهم ضالٌّ كافر.
(١-١) ليست في الأصل.
(٢) معاني القرآن ٢١٤/٣.

سُورَةُ الإِنْتَّنَاِ
١٣٢
الآية : ٣
وقيل: حالان مِن ((السبيل))، أي: عرَّفناه السبيلَ إمَّا سبيلاً شاكراً، وإمّا سبيلاً
کفوراً، على وصف السبیل بوصف سَالِكِه مجازاً، والمراد به لا يخفى.
وعن السُّدِّيِّ: أنَّ السبيلَ هنا سبيلُ الخروج مِن الرحم. وليس بشيءٍ أصلاً.
وقرأ أبو السَّمَّال وأبو العاج(١): ((أَمَّا)) بفتح الهمزة في الموضعين(٢)، وهي لغة
حكاها أبو زيد عن العرب، وهي التي عدَّها بعض الناس - على ما قال
أبو حيَّان(٣) - في حروف العطف، وأنشدوا:
تُلَفِّحها أمّا شمالٌ عَرِيَّةٌ وأمَّا صَبَا جِنْحَ العَشِيِّ هَبوبُ (٤)
وجعلها الزمخشريُّ ((أمّا)) التفصيليَّة المتضمِّنة معنى الشرط، على معنى: أمَّا
شاكراً فبتوفيقنا، وأمَّا كفوراً فبسُوءِ اختيارِه(٥). وهذا التقدير إبراز منه للمَذْهب،
قيل: ولا عليه أن يجعله مِن باب: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيراً﴾
[البقرة: ٢٦] كأنَّه قيل: أمَّا شاكراً فبهدايتنا، أي: دعائنا أو أقدارنا، على ما فسّر
به الهداية، وأمَّا كفوراً فبها أيضاً، لاختلاف وجه الدعاء، لأنَّ الهدايةَ هاهنا
ليست في مقابلة الضلال، وهذا جارٍ على المذهبين وسالم عن حذف ما لا دليلَ
عليه .
وجوَّز في ((الانتصاف)) أن يكون التقديرُ: أمَّا شاكراً فمثاب، وأمَّا كفوراً
فمعاقب.
(١) جاء في هامش الأصل و(م): قوله: وأبو العاج، وهو: كثير بن عبد الله السلمي، شامي،
وَلَيَ البصرة لهشام بن عبد الملك. انتهى منه. وهو منقول من البحر ٣٩٤/٨.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦٦، والبحر المحيط ٣٩٤/٨.
(٣) البحر المحيط ٣٩٤/٨.
(٤) البيت في المقرّب لابن عصفور ٢٣١/١، ورصف المباني للمالقي ص١٠١، والدر المصون
٥٩٥/١٠، وخزانة الأدب ٨٧/١١، ونسبه لأبي القمقام - ولم ينسب عند غيره - والدرر
اللوامع ١٢٠/٦، وورد في بعض المصادر: تنفحها، وفي بعضها الآخر: يلفحها، بدل:
تلقحها. وورد في بعضها: الظلام، بدل: العشي. ونقل البغدادي في خزانة الأدب رواية
الفرَّاء بالياء وفتح الهمزة: أيما، بدل: أمَّا .
(٥) الكشاف ٥/ ١٩٤ .

الآية : ٤
١٣٣
سُورَةُ الإِنْشَِّ
وإيراد الكفور بصيغة المبالغة؛ لمراعاة الفواصل، والإشعارِ بأنَّ الإنسان
قَلَّما يخلو مِن كُفرانٍ ما، وإنَّما المؤاخَذ عليه الكفرُ المفرط.
﴿إِنَّا أَغْتَدْنَا﴾ هيَّأْنا ﴿لِلْكَفِرِينَ﴾ مِن أفراد الإنسان الذي هديناه السبيل
﴿سَلَسِلَا﴾ بها يُقادونَ ﴿وَأَغْلَلًا﴾ بها يُقيَّدون ﴿وَسَعِيرًا ﴾﴾ بها يُحرَقون، وتقدیمُ
وعيدهم مع تأخّرهم؛ للجمع بينهما في الذِّكْر، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ
وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَّةً فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٦] ولأنَّ الإنذارَ
أنسبُ بالمقام وحقيقٌ بالاهتمام، ولأنَّ تصديرَ الكلام وخَتْمَه بذِكْر المؤمنين أحسن،
على أنَّ وصفَهم تفصيلاً ربَّما يخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظم الكريم.
وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر والأعمش: ((سلاسلا)) بالتنوين وصلاً، وبالألف
المبدلة منه وقفاً(١)، وقال الزمخشريُّ: وفيه وجهان، أحدهما: أن تكون هذه النونُ
بدلاً عن حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرَى الوقف. والثاني: أن يكون صاحبُ
القراءة ممن ضَرِيَ برواية الشعر(٢) ومَرَنَ لسانُه على صرفٍ غيرِ المنصرف(٣). وفي
الأوَّل أنَّ الإبدال من حروف الإطلاق في غيرِ الشعر قليلٌ، كيف وضمَّ إليه إجراء
الوصل مجرى الوقف، وفي الثاني تجويزُ القراءة بالتشهِّي دون سداد وجهها في
العربيَّة. والوجهُ أنَّه لقصد الازدواج والمشاكلة، فقد جوّزوا لذلك صَرْفَ
ما لا ينصرف، لا سيَّما الجمع فإنَّه سببٌ ضعيف لشَبَهه بالمفرَد في جمعه كـ :
صواحبات يوسف، ونواكسي الأبصار (٤)، ولهذا جوّز بعضهم صَرْفَه مطلقاً،
كما قيل :
(١) التيسير ص٢١٧، والنشر ٣٩٤/٢، والبحر ٣٩٤/٨.
(٢) ضَرِيَ بكذا وعلى كذا: لهجَ به. أساس البلاغة (ضري).
(٣) الكشاف ٤/ ١٩٥ .
(٤) ومنه قول الفرزدق:
وإذا الرجال رَأَوْا يزيدَ رأيتَهم خُضُعَ الرقاب نواكِسي الأبصار
قال السمين في الدر المصون ٥٩٨/١٠: بكسر السين من نواكس، وبعدها ياء تظهر خطًّا
لا لفظاً، لذهابها لالتقاء الساكنين، والأصل: نواكسين، فحذفت النونُ للإضافة، والياءُ
لالتقاء الساكنين.

سُورَةُ الإِنْشِِّ
١٣٤
الآية : ٥
حتَّى ادَّعى قومٌ به التخييرا(١)
والصَّرْفُ في الجمع أتى كَثِيرا
وحكى الأخفش عن قوم مِن العرب أنَّ لغتهم صَرْفُ كلِّ ما لا ينصرف إلا :
أَفعل مِن. وصَرْفُ ((سلاسلا)) ثابت في مصاحف المدينة ومكّة والكوفة والبصرة،
وفي مصحف أَبَيِّ وعبد الله بن مسعود، وروى هشام عن ابن عامر: ((سلاسل)) في
الوصل، و((سلاسلا)) بألف دون تنوين في الوقف (٢).
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ شروع في بيان حُسْنِ حالِ الشاكرين إثر بيان سوء حالٍ
الكافرين، وإيرادهم بعنوان البرِّ للإشعار بما استحقُّوا به ما نالوه مِن الكرامة السَّنِيَّة
مع تجدید صفة مَدْح لهم.
والأبرار جمع: بَرِّ، كرَبِّ وأرباب، أو: بَارِّ كشاهد وأشهاد، بناء على أنَّ
فاعلاً يُجمَع على أفعال، والبَرُّ: المطيعُ المتوسِّع في فعل الخير، وقيل: مَن يؤدِّي
حقَّ الله تعالى ويوفي بالنذر. وعن الحسن: هو الذي لا يؤذي الذَّرَّ ولا يرضى
الشَّرَّ.
﴿يَشْرَبُونَ﴾ في الآخرة ﴿مِن كَأَسٍ﴾ هي كما قال الزّجَّاج: الإناء إذا كان فيه
الشراب، فإذا لم يكن لم يسمَّ كأساً (٣). وقال الراغب: الكأس: الإناءُ بما فيه من
الشَّراب، ويُسمَّى كلُّ واحد منهما بانفراده كأساً (٤). والمشهور أنَّها تُطلَق حقيقةً
على الزجاجة إذا كانت فيها خمر، ومجازاً على الخمر بعلاقة المجاورة.
والمراد بها هاهنا قيل: الخمر، فـ ((من)) تبعيضيّة أو بيانيّة. وقيل: الزجاجة التي
فيها الخمر، فـ ((من)) ابتدائيَّة.
، أظهر ملاءَمةً للأوَّل. والظاهر أنَّ هذا
وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا
على منوال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧] والمجيء بالفعل للتحقيق
(١) سلف ١٧/ ٣٢٧.
(٢) السبعة ص٦٦٣، والنشر ٣٩٤/٢-٣٩٥، والبحر ٣٩٤/٨ والكلام منه.
(٣) معاني القرآن ٢٥٨/٥.
(٤) المفردات (كأس).

الآية : ٦
١٣٥
سُورَةُ الإِنسِّناِ
والدوام. وقيل: ((كان)) تامَّة مِن قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. والمزاج:
ما يُمزَج به، كالحِزام لما يُحزَم به، فهو اسم آلة.
و((كافور)) على ما قال الكلبيُّ: عَلَمُ عينٍ في الجنَّة ماؤها في بياض الكافور
وعَرْفِهِ وبَرْدِهِ. وصُرفَ لتَوَافُقِ الآي، والكلام على حذف مضاف، أي: ماء كافور،
والجملة صفة ((كأس))، وهذا القول خلافُ الظاهر، ولعلَّه - إن لم يصحَّ فيه
خبرٌ - لا يُقبَل.
وقرأ عبد الله: ((قافوراً)) بالقاف بدل الكاف(١)، وهما كثيراً ما يتعاقبان في
الكلمة، كقولهم: عربيٍّ قُچِّ، وكُمِّ.
وقوله تعالى: ﴿عَینًا﴾ بدل مِن کافور.
وقال قتادة: يُمزَج لهم بالكافور ويُختَم لهم بالمِسْك، وذلك لبرودة الكافور
وبياضِه وطِيْبٍ رائحته. فالكافور بمعناه المعروف. وقيل: إنَّ خمرَ الجنَّة قد
أودعها الله تعالى - إذ خَلَقها - أوصافَ الكافور الممدوحة، فكونه مزاجاً مجازٌ في
الاتِّصاف بذلك. فـ ((عيناً)) على هذين القولين بدلٌ مِن محلِّ ((كأس)) على تقدير
مضاف، أي: يشربون خمراً خمر عينٍ، أو نصب على الاختصاص بإضمار:
أعني، أو: أخصُّ، كما قال المبرِّد. وقيل: على الحال مِن ضمير ((مزاجها)).
وقيل: مِن ((كأس)) وساغ لوصفه، وأُريدَ بذلك وصفها بالكثرة والصفاء.
وقيل: منصوب بفعل يفسِّره ما بَعْدُ، أعني قولَه تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الَّهِ﴾
على تقدير مضاف أيضاً، أي: يشربون ماءَ عينٍ يشرب بها .. إلخ. وتعقّب بأنَّ
الجملةَ صفةُ ((عيناً)) فلا يَعمل فعلها بها، وما لا يَعمل لا يفسّر عاملاً، وأُجيب بمنع
كونها صفة على هذا الوجه، والتركيب عليه نحوُ: رجلاً ضربته. نعم هي صفة
((عين)) على غير هذا الوجه.
والباء للإلصاق وليست للتعدية، وهي متعلِّقة معنىّ بمحذوف، أي: يَشربُ
الخمرَ ممزوجةً بها - أي: بالعين - عبادُ الله، وهو كما تقول: شربتُ الماءَ بالعسل،
(١) البحر المحيط ٣٩٥/٨.

سُورَةُ الإِنْتَّناِ
١٣٦
الآية : ٧
هذا إذا جُعلَ ((كافور)) عَلَم عينٍ في الجنَّة، وأمَّا على القولين الآخَرين، فقيل: وجه
الباء أنْ يُجعَل الكلامُ مِن باب:
يَجْرَحُ في عَرَاقيبها نَصْلِي(١)
لإفادة المبالغة. وقيل: الباء للتعدية، وضمّن ((يشرب)) معنى يَرْوَى، فعدِّي بها.
وقيل: هي بمعنى ((من)). وقيل: هي زائدة، والمعنى: يشربها، كما في قول
الهذلي :
متى لُجَجِ خُضْرٍ لهنَّ نَئِيْجُ(٢)
شَرِبْنَ بماءِ البحرِ ثم تَرَفَّعَتْ
ويعضد هذا قراءةُ ابنِ أبي عَبْلَة: ((يَشربها)(٣).
وقيل: ضمير (بها)) لـ ((الكأس))، والمعنى: يشربون العينَ بتلك الكأسِ، وعليه
يجوز أن يكون ((عيناً)) مفعولاً لـ ((يشرب)) مقدَّماً عليه. و((عباد الله)) المؤمنون أهل
الجنَّة.
﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْسِيرًا ﴾﴾ صفة أخرى لـ ((عيناً))، أي: يُجرونها حيث شاؤوا مِن
منازلهم إجراءً سهلاً لا يَمتنعُ عليهم، على أنَّ التنكيرَ للتنويع، أخرج عبد الله بنُ
أحمد في ((زوائد الزهد)) عن ابن شوذب أنَّه قال: معهم قضبان ذهب يُفجِّرون بها،
فيتبع الماءُ قضبانَهم(٤). وفي بعض الآثار أنَّ هذه العين في دارٍ رسول الله بَّ تفجّر
إلى دور الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين(٥).
﴿يُقُونَ بِالَّذْرِ﴾ استئنافٌ مسوق لبيانِ ما لأجله يرزقونَ هذا النعيمَ، مشتملٌ على
نوعٍ تفصيلٍ لِمَا يُنبئُ عنه اسمُ الأبرار إجمالاً، كأنَّه قيل: ماذا يفعلونَ حتى ينالوا
تلك المرتبةَ العاليةَ؟ فقيل: ((يوفون)) إلخ، وأُفيد أنَّه استئنافٌ للبيان، ومع ذلك عدل
عن أَوْفَوا إلى المضارع؛ للاستحضار والدلالة على الاستمرار.
(١) سلف عند تفير الآية (٥٧) من سورة الأنفال.
(٢) سلف ٥٩/٧ .
(٣) البحر المحيط ٣٩٥/٨، والدر المصون ٦٠٠/١٠.
(٤) الدر المنثور ٢٩٨/٦.
(٥) المحرر الوجيز ٥/ ٤١٠ وعزاه للثعلبي.

الآية : ٨
١٣٧
سُورَةُ الإِنسِناءِ
والوفاء بالنذر كنايةٌ عن أداء الواجبات كلِّها لعلم ما عداه بالطريق الأولى
وإشارةِ النَّصِّ، فإنَّ مَن أوفى بما أوجبه على نفسه كان إيفاءُ ما أوجبه اللهُ تعالى عليه
أهمّ له وأَحرى، وجَعْلُ ذلك كنايةً هو الذي يقتضيه ما روي عن قتادة. وعن عكرمة
ومجاهد إبقاءه على الظاهر، قالا: أي: إذا نذروا طاعةً فَعَلوها.
فاشياً منتشراً في الأقطار غايةً
﴿وَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ﴾ عذابُه ﴿مُسْتَطِيرًا ﴾﴾
الانتشار، مِن استَطَار الحريقُ والفَجْرُ، وهو أبلغ مِن طار؛ لأنَّ زيادةَ المبنى
تدلُّ على زيادة المعنى، وللطلب أيضاً دلالة على ذلك؛ لأنَّ ما يُطلَب مِن شأنه
أن يُبالغ فيه، وفي وَصْفهم بذلك إشعارٌ بحُسْنِ عقيدتهم واجتنابهم عن
المعاصي.
﴿وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى خُيٍِّ﴾ أي: كائنين على حبِّ الطعام، أي: مع اشتهائه
والحاجة إليه، فهو مِن باب التتميم، ويجاوبه مِن القرآن قوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبَرَّ
حَتََّ تُنفِقُوا مِمَا تُبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وروي عن ابنِ عباس ومجاهد.
أو: على حبّ الإطعام، بأن يكون ذلك بطِيْب نَفْسٍ وعدم تكلَّف، وإليه ذهب
الحسين بنُ الفضل، وهو حسن.
أو: كائنين على حبِّ الله تعالى. أو: إطعاماً كائناً على حبِّه تعالى ولوجهه
سبحانه وابتغاءِ مرضاته عزَّ وجلَّ، وإليه ذهب الفضيل بن عياض وأبو سليمان
الدارانيُّ، فـ ((على حبِّ )) مِن باب التكميل، وزيَّفه بعضُهم، وقال: الأول هو الوجه،
ويجاوبه القرآن، على أنَّ في قوله تعالى: ((لوجه الله)) بَعْدُ غنية عن قوله سبحانه:
(لوجه الله))(١)، وفيه نَظَر، بل لعلَّه الأنسب لذاك.
وذِكْر الطعام مع أنَّ الإطعام يُغني عنه، لتعيين مرجع الضمير على الأوَّل، ولأنَّ
الطعامَ كالعلم فيما فيه قوامُ البَدَن واستقامةُ البُنْية وبقاءُ النفس، ففي التصريح به
تأكيدٌ لفخامة فِعْلهم على الأخيرين، ويجوز أن يُعتبر على الأوَّل أيضاً.
ثم الظاهر أنَّ المرادَ بإطعام الطعام حقيقته، وقيل: هو كناية عن الإحسان إلى
(١) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: ((على حبه))، بدل: ((لوجه الله)).

سُوَرَةُ الإِنْتَّخلِ
١٣٨
الآية : ٨
المحتاجين والمواساة معهم بأيٍّ وجه كان، وإن لم يكن ذلك بالطعام بعَيْنه، فكأنَّه
ينفعونَ بوجوه المنافع.
قيل: أيَّ أسير كان، فعن الحسن أنَّه وَِّ كان يُؤْتَی
﴿مِسْكِينًا وَيَنِعًا وَأَسِيرًا
بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين، فيقول: ((أَحْسِنْ إليه)) فيكون عنده اليومين
والثلاثة فيُؤْثره على نفسه. وقال قتادة: كان أسيرُهم يومئذٍ المشرك، وأخوك المسلم
أحقُّ أن تُطعِمه(١). وأخرج ابن عساكر(٢) عن مجاهد أنه قال: لما صدر النبيُّ لَّه
بالأَسارى مِن بدر أنفق سبعةٌ من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعليٌّ والزبير
وعبد الرحمن وسعد وأبو عبيدة بن الجراح على أسارى مشركي بدر، فقالت
الأنصار: قتلناهم في الله وفي رسوله وَّر وتعينونهم بالنفقة؟! فأنزل الله تعالى فيهم
تسع عشرة آية: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَيْنَا فِيهَا ◌َُمَّى سَلْسَيْلًا
١٨)
ففيه دليل على أنَّ إطعام الأسارى وإن كانوا من أهل الشرك حَسَنٌ ويُرجَى ثوابه.
والخبر الأوَّل قال ابن حجر: لم يذكره مَن يُعتمد عليه من أهل الحديث. وقال
ابن العراقي: لم أقف عليه. والخبر الثاني لم أَرَهُ لفردٍ غير ابن عساكر، ولا وثوقَ
لي بصخَّته، وهو يقتضي مدنيّة هذه الآيات، وقد عَلِمْتَ الخلاف في ذلك، نعم عند
عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تُصرَف إليهم
الواجبات.
وقال ابن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القِبْلة. قال الطيبيُّ: هذا إنما يستقيم
إذا اتفق الإطعام في دار الحرب من المسلم لأسير في أيديهم.
وقيل: هو الأسير المسلم تُركَ في بلاد الكفار رهينة، وخرج لطلب الفداء.
وروى محيي السُّنَّة (٣) عن مجاهد وابنٍ جبير وعطاء أنَّهم قالوا: هو المسجون
من أهل القِبْلة. وفيه دليل على أنَّ إطعام أهل الحبوس المسلمين حَسَنٌ، وقد يقال:
(١) حاشية الشهاب ٢٨٨/٨، وقد أورده ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٨٠ ولم
يذكر فيه شيئاً .
(٢) في تاريخ مدينة دمشق ٢٨٦/٣٥.
(٣) تفسير البغوي ٤٢٨/٤ .
۔۔ ۔۔،

الآية : ٩ - ١٠
١٣٩
سُؤَدَّةُ الإِنْسَّنَلِ
لا يحسن إطعام المحبوس لوفاءِ دَيْنٍ يَقدِر على وفائه، إنما امتنع عنه تعثُّتاً ولغرض
من الأغراض النفسانية.
وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون. وتسمية المسجون أسيراً
مجازٌ؛ لمنعه عن الخروج، وأما تسمية المملوك فمجاز أيضاً لكن قيل: باعتبار
ما كان، وقيل: باعتبار شَبَهه به في تقيُّده بإسار الأمر وعدم تمكّنه مِن فِعْل ما يهوى،
وعُدَّ الغريمُ أسيراً؛ لقوله بَّر: ((غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك))(١)، وهو على
التشبيه البليغ إلا أنَّه قيل في هذا الخبر ما قيل في الخبر الأوَّل.
وقال أبو حمزة الثمالي(٢): هي الزوجة، وضعفه ها هنا ظاهر.
﴿إِنَّ نُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ على إرادة قول هو في موضع الحالِ من فاعل
(يطعمون))، أي: قائلين ذلك بلسان الحال؛ لِمَا يظهر عليهم من أمارات
الإخلاص. وعن مجاهد: أما إنَّهم ما تكلَّموا به ولكن علمه الله تعالى منهم، فأثنى
سبحانه به عليهم ليرغب فيه راغب. أو بلسان المقال إزاحةً لتوهُّم المَنِّ المُبطِل
للصدقة وتوقّع المكافأة المُنقِصة للأجر. وعن الصِّدِّيقة ﴿ّا أنَّها كانت تبعث
بالصدقة إلى أهل بيت، ثم تسأل الرسولَ: ما قالوا؟ فإذا ذَكَر دعاءً دَعَتْ لهم بمثله
ليبقى لها ثوابُ الصدقة خالصاً عند الله عزَّ وجلَّ. وجوِّز أن يكون قولهم هذا لهم؛
لطفاً وتفقيهاً وتنبيهاً على ما ينبغي أن يكون عليه مَن أخلص تعالى، وليس بذاك.
وقوله سبحانه: ﴿لَا تُبِدُ مِنْكُرْ جَرَّهُ﴾ بالأفعال ﴿وَلَا شُكُورًا ﴾﴾ ولا شكراً وثناءً
بالأقوال، تقرير وتأكيد لما قَبْلَه.
﴿إِنَّا غَفُ مِن ◌َّيِّنَا يُؤْمًا﴾ أي: عذابَ يومٍ، فهو على تقدير مضاف، أو أنَّ خوفه
کنایةٌ عن خوف ما فيه.
﴿عَبُوسًا﴾ تعبس فيه الوجوه، على أنه مِن الإسناد المجازي كما في: نهاره
(١) الكشاف ١٩٦/٤، وتفسير الرازي ٢١٦/٣، وتفسير البيضاوي ٢٨٩/٨، والبحر المحيط
٣٩٥/٨.
(٢) في الأصل و(م): اليماني. والمثبت من المحرر الوجيز ٤١١/٥.
:

سُورَةُ الإِنْشِِّ
١٤٠
الآية : ١٠
صائم، فقد روي عن ابن عباس: أنَّ الكافر يعبس يومئذٍ حتى يسيلَ من بين عينيه
عَرَقٌ مثل القَطِران. أو يشبه الأَسَدَ العبوس، على أنَّه من الاستعارة المكنيّة
التخييلية، لكن لا يخفى أنَّ العبوسَ ليس من لوازم الأسد، وإنَّما اشتهر وصفه به،
ففي التخييلية ضعفٌ ما، وقيل: إنَّه مِن التشبيه البليغ.
شديد العبوس، ويقال: شديداً صعباً، كأنَّه التَفَّ شرُّه بعضه
﴿قَطَرِرًا
ببعض. وقيل: طويلاً، وهو رواية عن ابن عباس، وجاء: قُماطر، وأنشدوا
لأسد بن ناعصة(١):
باسلِ الشَّرِّ قَمْطَرِيرِ الصَّباحِ
واصطليتُ الحروبَ في كلِّ يومٍ
وقول آخر:
بني عمِّنا هل تذكرونَ بلاءَنا عليكم إذا ما كان يومٌ قُماطِرُ(٢)
وإلى الأوَّل ذهب الزجَّاج، فقال: القمطرير: الذي يَعْبسُ حتى يجتمعَ ما بين
عينيه، ويقال: اقمَطَرَّت الناقةُ: إذا رفعت ذَنَبها وزمَّت بأنفها، وجمعت قطريها(٣)،
أي: جانبيها، كأنَّها تفعل ذلك إذا لقحت(٤) كبراً، وقيل: لتضع حَمْلها، فاشتقاقه
عنده - على ما قيل - مِن قطر بالاشتقاق الكبير، والميم زائدة، وهذا لا يلزم الزجَّاج
فيجوز أن يكون مشتقًّا كذلك من القَمْطِ، ويقال: قَمَطه: إذا شدَّه وجَمَعَ أطرافه.
وفي ((البحر)): يقال: اقمطرَّ فهو مُقَمْطر وقَمْطَرِير وقُماطر إذا صَعُبَ واشتً،
واختلف في هذا الوزن وأكثر النحاة لا يثبتون افمعلَّ في أوزان الأفعال(٥).
(١) في الأصل و(م): ناغصة. والمثبت من ترجمته في المؤتلف والمختلف للآمدي ص٢٩٩،
وهو أسد بن ناعصة بن عمرو شاعر جاهلي قديم، له في أشعاره ألفاظ غريبة وحشية.
والبيت ذكره الزمخشري في الكشاف ١٩٧/٤، والقرطبي في التفسير ٤٦٨/٢١ .
(٢) البيت ذكره الفراء في معاني القرآن ٢١٦/٣، والطبري في التفسير ٥٤٧/٢٣، والجوهري
في الصحاح (قمطر)، والقرطبي في التفسير ٤٦٧/٢١ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٥٩/٥، والكشاف ١٩٧/٤.
(٤) في (م): لحقت.
(٥) البحر المحيط ٣٩٢/٨.