النص المفهرس
صفحات 81-100
الآية : ٤١ - ٤٢ ٨١ سُورَةُ المُدرِ وجوّز أن يكون الظرفُ في موضع الحال مِن أصحاب اليمين، أو مِن ضميرهم قدِّم للاعتناء مع رعاية الفاصلة، وقيل: ظرف ٤٠ في قوله تعالى: ﴿يَتَُّلُونَ للتساؤل، وليس المراد بتساؤلهم أن يَسأَلَ بعضُهم بعضاً على أن يكون كلُّ واحد منهم سائلاً ومسؤولاً معاً، بل وقوع السؤال منهم مجرَّداً عن وقوعه عليهم، فإنَّ صيغةَ التفاعل وإن وضعت في الأصل للدلالة على صدور الفعل عن المتعدِّد(١) ووقوعه عليه معاً بحيث يصير كلُّ واحد من ذلك فاعلاً ومفعولاً معاً، كما في قولك: تشاتمَ القومُ، أي: شتم كلُّ واحد منهم الآخَر. لكنها قد تجرَّد عن المعنى الثاني ويُقصد بها الدلالة على الأوَّل فقط ويكون الواقع عليه شيئاً آخَر، كما في قولك: تَرَاءوا الهلالَ. قال جار الله(٢): إذا كان المتكلِّم مفرَداً يقول: دعوته. وإذا كان جماعةً يقول: تداعيناه. ونظيره: رميته وتراميناه، ورأيتُ الهلال وتَرَاءيناهُ، ولا يكون هذا التفاعل مِن الجانبين، وعلى هذا فالمسؤول محذوف، أعني: المجرمين، والتقدير: يتساءلون المجرمينَ عنهم، أي: يسألون المجرمينَ عن أحوالهم، فغيِّر إلى ما في النظم الجليل، وقيل: ﴿يَتَّلُونَ ﴿ عَنِ الْمُجْرِمِينَ والمعنی علی ذلك، وحذف المسؤول لكونه غيرَ المسؤول عنه. وقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَرَ ﴾﴾ بيانٌ للتساؤل مِن غير حاجة إلى إضمار قول، أو هو مقدَّر بقول وقع حالاً مِن فاعل ((يتساءلون))، أي: يسألونهم قائلين: أيُّ شيءٍ أَدخلكم في سَقَر. وقيل: المسؤول غيرُ المجرمين كجماعة مِن الملائكة عليهم السلام، و((ما سلككم)) إلخ حكاية قول المسؤولين عنهم، أي: لمَّا سأل أصحابُ اليمين الملائكةَ عن حال المجرمين، قالوا لهم: نحن سألنا المجرمين عن ذلك، وقلنا لهم: ((ما سلككم في سقر)) إلى الآخِر، وكان يكفيهم أن يقولوا: حالهم كيتَ وكيتَ، لكن أتى بالجواب مفضَّلاً حسبما سألوه ليكون أثبتَ للصدق وأدلَّ على حقيقة الأمر، ففي الكلام حذف واختصار. (١) في (م): المتعدي، والمثبت موافق لمًا في تفسير أبي السعود ٩/ ٦١، والكلام منه. (٢) الكشاف ٤ / ١٨٧ بنحوه. سُورَة المهددِ ٨٢ الآية : ٤٣ - ٤٤ وجوِّز أن تكون صيغةُ التفاعل على حقيقتها، أي: يسأل بعضُهم بعضاً عن المجرمين، و((ما سلككم)) حكاية قول المسؤول عنهم أيضاً، ولا يخفى ما في اعتبار الحكاية من التكلّف، فليس ذاك بالوجه وإن كان الإيجاز نهج التنزيل والحذف كثيراً في كلامه تعالى الجليل. والظاهر أنَّ السؤال سؤالُ توبيخ وتحسير، وإلا فهم عالمون ما الذي أَدخلهم النارَ، ولو كانوا الأطفالَ فيما أظنُّ؛ لانكشاف الأمر ذلك اليوم. وروى عبد الله بنُ أحمد وجماعة عن ابنِ الزبير أنَّه يقرأ: ((يتساءلون عن المجرمين يا فلانُ ما سَلَكَكم))، ورويت عن عمر أيضاً (١)، وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن مسعود أنَّه قرأ: ((يا أيُّها الكفّار ما سَلَكَكم في سَقَر))(٢). ﴿قَالُواْ﴾ أي: المجرمون مجيبينَ للسائلين: ﴿لَ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ للصلاة ٤٣ الواجبة ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ أي: نعطيه ما يجب إعطاؤه، والمعنى على ٤٤ استمرار النفي لا نفي الاستمرار. واستُدلَّ بالآية على أنَّ الكفّار مخاطبون بفروع العبادات؛ لأنَّهم جعلوا عذابَهم لترك الصلاة، فلو لم يُخاطَبوا بها لم يُؤاخَذوا، وتفصيل المسألة في الأصول. وتعقّب هذا الاستدلال بأنَّه لا خلافَ في المؤاخذة في الآخِرة على تَرْكِ الاعتقاد، فيجوز أن يكون المعنى: من المعتقدين للصلاة ووجوبِها، فيكون العذاب على تَرْك الاعتقاد. وأيضاً ((المصلِّين)) يجوز أن يكون كنايةً عن المؤمنين. وأيضاً ذاك مِن كلام الكفرة، فيجوز كذبهم أو خطؤهم فيه؟ وأُجيبَ بأنَّ ذلك عدولٌ عن الظاهر يأباه قولُه تعالى: ((ولم نَكُ نُطعِم)) إلخ، والمقصود مِن حكاية السؤالِ والجوابِ التحذيرُ، فلو كان الجوابُ كذباً أو خطأً، لم يكن في ذِكْره فائدة. (١) الدر المنثور ٢٨٥/٦، ونسبه لعبد الرزاق [في التفسير ٣٣١/٢]، وعبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي داود في المصاحف [٢٨٩/١ و٣٦٢]، وابن المنذر وابن أبي حاتم. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦٥ بلفظ: ((يا أيها المرء ما سلكك))، والنحاس في إعراب القرآن ٧٣/٥ بلفظ: ((ما سلكك)) بالإفراد، وقال: وهذه القراءة على التفسير، والإسناد بها صحيح. (٢) الدر المنثور ٢٨٥/٦، وفضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٨٧. الآية : ٤٥ - ٤٧ ٨٣ سُوَرَّةُ المُدِ ﴾ أي: نشرع في الباطل مع الشارعين فيه، ٤٥ ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَيْضِينَ والخوض في الأصل ابتداءُ الدخول في الماء والمرور فيه، واستعماله في الشروع في الباطل مِن المجاز المُرسَل أو الاستعارة، على ما قرَّروه في المِشْفَر(١) ونحوه، وعن بعضهم أنَّه اسمٌ غالب في الشَّرِّ، وأكثر ما استعمل في القرآن بما يُذَمُّ الشروع فيه. وأُريد بالباطل ما لا ينبغي من القول والفعل، وعُدَّ من ذلك حكاية ما يَجري بين الزوجين في الخلوة مثلاً، وحكاية أحوال الفَسَقة بأقسامهم على وجه الالتذاذ والاستئناس بها، ونَقْل الحروب التي جرت بين الصحابة ﴿ه لغير غرض شرعيٍّ بل لمجرَّد أن يتوصَّل به إلى طعنٍ وتنقيص، والتكلُّم بالكلمة يُضحِكُ بها الرجلُ جلساءَه، سواء كانت مباحةً في نفسها أم لا، نعم التكلُّم بالكلمة المحرَّمة لذلك باطل على باطل. إلى غير ذلك ممَّا لا يُحصَى، وكأنَّ ذكر ((مع الخائضين)) إشارة إلى عدم اكتراثهم بالباطل ومبالاتهم به، فكأنَّهم قالوا: وكنا لا نبالي بباطل. ﴿وَكُنَا تُكَذِّبُ بِيَّوْمِ الّذِينِ ﴾﴾ أي: بيوم الجزاء، أَضافوه إلى الجزاء مع أنَّ فيه مِن الدواهي والأهوال ما لا غايةً له؛ لأنَّه أدهاها وأهولها، وأنَّهم ملابسوه، وقد مضت بقيَّة الدواهي، وتأخيرُ جنايتهم هذه مع كونها أعظمَ من الكُلِّ؛ لتفخيمها، كأنَّهم قالوا: وكنّا بعد ذلك كلِّه مكذّبين بيوم القيامة، ولبيان كون تكذيبهم به مقارناً لسائر جناياتهم المعدودة مستمرًّا إلى آخر عمرهم حسبما نطق به قولهم: ﴿حََّ أَتَنَا الْيَقِينُ ﴾﴾ أي: الموت ومقدِّماته، كما ذهب إليه جلُّ المفسّرين، وقال ابن عطيّة: اليقين عندي صحّة ما كانوا يكذِّبون به مِن الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخرة، وقول المفسّرين: هو الموت، متعقَّب عندي؛ لأنَّ نفسَ الموت يقينٌ عند الكافر وهو حيٍّ، فلم يريدوا باليقين إلا الشيء الذي كانوا يكذُّبون به وهم أحياء في الدنيا فتيقَّنوه بَعْدَ الموت(٢). انتهى. وفيه نظر! ثم الظاهر أنَّ مجموع ما ذكروه سببٌ لدخولِ مجموعهم النار، فلا يضرُّ في ذلك أنَّ مِن أهل النار مَن لم يكن وجب عليه إطعام مسكين، كفقراء الكَفَرة (١) المِشْفَر للبعير كالشفة لكَ، وقد يستعمل في الناس. القاموس (شفر). (٢) المحرر الوجيز ٣٩٩/٥. سُورَةُ المهذِ ٨٤ الآية : ٤٨ - ٥١ المعدَمين، وفي ((الكشاف))(١): يحتمل الكلام أن يكون دخولُ كلِّ منهم النارَ المجموع الأربعة، ويحتمل أن يكون دخولُ بعضهم لبعضها كأن يكون ذلك لمجرّد تَرْكِ الصلاة أو تَرْك الإطعام. وفيه دسيسةُ اعتزال، وهو تخليدُ مرتكبِ الكبيرة من المؤمنين - كتارك الصلاة - في النار وأنتَ تعلم أنَّ الآيةَ في الكفّار لا في أعمَّ منهم. ﴿فَمَا نَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ واشتُهر أنَّه من باب: لو شفعوا لهم جميعاً، فالكلام على الفَرَض، ٤٨ ولا ترى الضَّبَّ بها ينجحر (٢) وحَمْلُ التعريف على الاستغراق أبلغُ وأنسب بالمقام. لترتيب إنكار إعراضهم عن ٤٩ والفاء في قوله: ﴿فَا لَثْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ القرآن بغير سبب على ما قَبلها مِن موجبات الإقبال عليه والاتِّعاظ به مِن سوء حال المكذِّبين، و((معرضين)) حال لازمة من الضمير في الجارِّ الواقع خبراً لـ ((ما)) الاستفهاميَّة، أعني: ((لهم))، وهي المقصودة مِن الكلام، و((عن)) متعلِّقة بها، والتقديم للعناية مع رعاية الفاصلة، أي: فإذا كان حال المكذِّبين به على ما ذكر، فأيُّ شيءٍ حصل لهم معرضينَ عن القرآن، مع تعاضد موجبات الإقبال عليه، وتآخُذٍ الدواعي إلى الإيمان به. وجوّز أن يراد بالتذكرة ما يعمُّ القرآن، وما بعدُ يرجّح الأوَّلَ، وهو مصدر بمعنى التذكير أُطلق على ما ذكر مبالغة. حال من المستكن في ((معرضين)) ٥٠ وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ بطريق التداخل، والحُمر جمع حمار، والمراد به كما قال ابن عباس: حمار الوَحْش؛ لأنَّه بينهم مَثَلُ بالنفار وشدَّة الفرار، و((مستنفرة)) مِن استنفر بمعنى نَفَر، كعَجِب واسْتَعْجَب، كما قيل، والأحسن أن استَفْعَلَ للمبالغة؛ كأنَّ الحُمُرَ لشدَّة العَدْوِ تَطلُب النفارَ مِن نفسها، والمعنى: مشبَّهين بحُمُر نافرة جدًّا . أي: أسدٍ، وهي فعولة من القَسْر وهو القهر والغَلَبة، ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةِ (١) ٤ / ١٨٧. (٢) أي: لا ضبَّ بها حتى ينجحر، وينظر ما سلف ٢٣٧/٣. الآية : ٥١ ٨٥ سُورَةُ المُلكِ وأخرج ذلك ابنُ جرير وعبد بن حميد وغيرهما عن أبي هريرة(١)، وأخرجه ابن المنذر عن ابن عباس أيضاً، بيدَ أنَّه قال: هو بلسان العرب: الأسد، وبلسان الحبشة: قَسْورة(٢). وفي رواية أخرى عنه: إنها الرجال الرماة القُنَّص. وروي نحوه عن مجاهد وعكرمة وابنٍ جبير وعطاء بن أبي رباح. وفي رواية أخرى عنه أخرجها ابنُ عيينة في تفسيره أنَّه رِكْزُ الناسِ، أي: أصواتهم(٣). وعنه أيضاً: حبال الصيادين. وعن قتادة: النَّبْل. وقال ابنُ الأعرابي وثعلب: القسورة: أوَّل الليل. أي: فَرَّت مِن ظلمة الليل. وجمهور اللغويين على أنَّه الأسد. وأيَّاما كان فقد شُبِّهوا في إعراضهم عن القرآن واستماع ما فيه مِن المواعظ وشرادهم عنه بحُمُرٍ وحشيَّة جدَّت في نِفارها ممَّا أفزعها، وفي تشبيههم بالحُمُر مذمَّةٌ ظاهرةٌ وتهجينٌ لحالهم بيِّنٌ، كما في قوله سبحانه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، أو شهادة عليهم بالبَلَه وقلّة العقل. وقرأ الأعمش: ((حُمْر)) بإسكان الميم(٤). وقرأ نافع وابن عامر والمفضَّل عن عاصم: ((مُسْتَنْفَرة)) بفتح الفاء(٥)، أي: استنفرها فَزَعُها مِن القسورة، و((فَرَّت)) يناسب الكسر، فعن محمد بنِ سَلام، قال: سألتُ أبا سوَّار(٦) الغنويَّ وكان أعرابياً فصيحاً، فقلت: ((كأنَّهم حُمُر)) ماذا؟ فقال: مُسْتَنْفَرة طَرَدها قَسْورة. ففتح الفاء، فقلت: إنَّما هو ((فرَّت مِن قَسْورة))؟ قال: أفرَّت؟ قلت: نعم. قال: فمستنفِرة إذن. فكسر الفاء. (١) الدر المنثور ٢٨٦/٦، وتفسير الطبري ٤٥٩/٢٣. وزاد السيوطي نسبته إلى ابن المنذر أيضاً . (٢) الدر المنثور ٢٨٦/٦ لكن عزاه لابن أبي حاتم. وهو عند الطبري في التفسير ٤٦٠/٢٣. (٣) الدر المنثور ٢٨٦/٦، وزاد نسبتها لعبد الرزاق [في التفسير ٣٣٢/٢]، وابن المنذر. وهو عند الطبري في التفسير ٤٥٨/٢٣-٤٥٩. (٤) البحر المحيط ٣٨٠/٨. (٥) التيسير ص٢١٦، والنشر ٣٩٣/٢، عن نافع وابن عامر وأبي جعفر، والكلام من البحر ٣٨٠/٨. (٦) تحرفت في الأصل و(م) ومطبوع البحر (والكلام منه) ٨/ ٣٨٠ إلى: سرار. سُؤَدَّةُ المهددِ ٨٦ الآية : ٥٢ عطف على مقدَّر ٥٣ وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ آمْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْقَ صُحُفًا مُنَشَّرَةً يقتضيه المقام، كأنَّ قيل: لا يكتفون بتلك التذكرة ولا يَرْضَون بها، بل يريد كلُّ واحد منهم أن يُؤتَى قراطيسَ تُنشَر وتُقْرَأ، كالكتب التي يتكاتب بها. وجوّز أن يراد: كتباً كتبت في السماء ونزلت بها الملائكةُ ساعةَ كُتبت منشَّرة على أيديها غضَّة رطبة لم تُظْوَ بَعْدُ، وفيه بُعْدٌ. وذلك على الوجهين أنَّهم قالوا لرسول الله وَّهِ: إن سرَّك أن نتابعك، فَأْتِ كلَّ واحد منَّا بكُتب من السماء عنوانها من ربِّ العالمين إلى فلان بنِ فلان، نُؤمَر فيها باتِّباعك، فنزلت، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ ثُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبًا تَقْرَؤُهُ﴾ (١) [الإسراء: ٩٣] وقال: ﴿وَلَوْ نَزَّْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاِ فَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ٧]. وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر عن السُّدِّيِّ عن أبي صالح قال: قالوا: إن كان محمَّد صادقاً فليُصبح تحتَ رأسٍ كلِّ رجلٍ منَّا صحيفة فيها براءةٌ وأمنة مِن النار(٢). وقيل: كانوا يقولون: بَلَغنا أنَّ الرجل مِن بني إسرائيل كان يصبح مكتوباً على رأسه ذَنْبه وكفَّارته، فَأَتنا بِمِثْلِ ذلك. وهذا مِن الصحف المنشَّرة بمعزل إلا أن يُراد بالصُّحُف المنشرة الكتاباتُ الظاهرة المكشوفة، ونحوُه ما روي عن أبي صالح، فمآلهما إلى واحد، لاشتراكهما في أنَّ المنشرَ لم يَبْقَ على أصله وأنَّ لكلٍّ صحيفة مخصوصة به؛ إمَّا لخلاصه مِن الذنب، وإمَّا لوجه خلاصِه، فالمعوَّل عليه ما تقدَّم، وهو مروي عن الحسن وقتادة وابنٍ زید. وقرأ سعيد بن جبير: ((صُحْفاً)) بإسكان الحاء، ((مُنْشَرة)) بالتخفيف(٣)، على أنَّ أَنْشَر الصحف ونشرها واحد، كأَنزله ونَزَله، وفي ((البحر)): المحفوظ في الصحيفة والثوب: نَشَرَ، مخفَّفاً ثلاثياً، ويُقال في الميتِ: أَنْشَره اللهُ تعالى ونشره، ويقال: (١) البحر المحيط ٣٨١/٨، والأثر أورده بنحوه السيوطي في الدر المنثور ٢٨٦/٦ عن قتادة، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر، وهو عند الطبري في التفسير ٤٦١/٢٣ . (٢) الدر المنثور ٢٨٦/٦ وزاد نسبته لعبد بن حميد، ولم نقف عليه عند ابن جرير في التفسير. (٣) القراءات الشاذة ص١٦٥، والمحتسب ٣٤٠/٢، والبحر ٣٨١/٨، والكلام منه. الآية : ٥٣ - ٥٦ ٨٧ سُورَةُ المُدرِ أنشره الله تعالى فنشر هو، أي: أحياه فحَيِيَ(١). ردٌ عن إرادتهم تلك، وزَجْرٌ لهم عن اقتراح الآيات ﴿بَل لَّا يَخَافُونَ ﴾ فلذلك يُعرِضون عن التذكرة، لا لامتناع إيتاء الصحف وحصول ٥٣ اُلْآَخِرَةَ مقترحهم كما يزعمون. وقرأ أبو حيوة: ((تخافون)) بتاء الخطاب(٢)؛ التفاتاً. ﴿كَلَّ﴾ ردٌ لهم عن إعراضهم ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن، أو التذكرة السابقة في قوله تعالى: (فَمَا لَمْ عَنِ التَّذِكِرَةِ مُعْرِضِينَ)، وكذا الضمير الآتي، وذُكِّرَ لأنَّه بمعنى القرآن أو الذِّكْر ﴿يَذْكِرَةٌ ﴾ وحاز بسببه ٥٥ وأيُّ تذكرة ﴿فَمَنْ شَآءَ﴾ أن يَذْكُره ﴿ذَكَرَهُ. ٥٤ سعادة الدارين، والوقف على ((كلَّا)) على ما سمعت في الموضعين، وعلى ((منشَّرة)) و((الآخرة)) إن جُعلت - كما في الحواشي - بمعنى ((إلا)). ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ أي: بمجرَّد مشيئتهم للذِّكْر كما هو المفهوم مِن ظاهر قوله تعالى: (فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ) إذ لا تأثيرَ لمشيئة العبد وإرادته في أفعاله، وهو قوله سبحانه: ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللّهُ﴾ استثناء مفرَّغْ مِن أعمِّ العلل أو مِن أعمِّ الأحوال، أي: وما يذكرون بعلَّة مِن العلل أو في حال مِن الأحوال إلا بأن يشاء الله تعالى، أو حالَ أن يشاء اللهُ ذلك، وهذا تصريح بأنَّ أفعال العباد بمشيئة الله عزَّ وجل بالذات أو بالواسطة، ففيه ردٌّ على المعتزلة، وحَمْلُهم المشيئةَ على مشيئة القَسْر والإلجاء خروجٌ عن الظاهر مِن غير قسرٍ وإلجاء. وقرأ نافع وسلَّام ويعقوب: ((تَذْكُرون)) بتاء الخطاب التفاتاً، مع إسكان الذال(٣). وروي عن أبي حيوة: ((يَذََّّرون)) بياء الغيبة وشدِّ الذال(٤). وعن أبي جعفر: ((تَذَّكَّرون) بالتاء الفوقيَّ وإدغامها في الذال(٥). (١) البحر المحيط ٣١٨/٨. (٢) البحر المحيط ٣٨١/٨. (٣) التيسير ص٢١٦، والنشر ٣٩٣/٢ عن نافع، والكلام من البحر المحيط ٣٨١/٨. (٤) القراءات الشاذة ص ١٦٥، والبحر المحيط ٣٨١/٨. (٥) القراءات الشاذة ص ١٦٥، والبحر المحيط ٣٨١/٨. سُورَةُ المُصُدُورِ ٨٨ الآية : ٥٦ ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى﴾ حقيق بأن يُتَّقى عذابُه ويُؤمَن به ويُطاع، فالتقوى مصدر المبنيِّ حقيقٌ بأن يَغفر جلَّ وعلا لمن آمنَ به وأطاعه، ٥٦ للمفعول ﴿ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ فالمغفرة مصدر المبني للفاعل. وأخرج أحمد، والترمذي وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه، والنسائي وابن ماجه وخَلْق آخرون عن أنس: أنَّ رسول اللهِ وَّهِ قرأ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ نج﴾، فقال: ((قد قال ربُّكم: أنا أهلٌ أن أُنَّقى، فلا يُجعل معي إله، فمَن اْلَغْفِرَةِ اتَّقاني فلم يجعل معي إلهاً آخَر، فأنا أهلٌ أن أغفر له))(١). وأخرج ابنُ مردويه عن عبد الله بن دينار عن أبي هريرة وابنِ عمر وابن عباس مرفوعاً ما يَقْرُب مِن ذلك(٢). وفي حديث أخرجه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) عن الحسن قال: قال رسول الله قال: ((يقول الله تعالى: إنِّي لأجدني أستحي مِن عبدي یَرفُ یدیه إليَّ، ثم يردُّهما مِن غير مغفرة. قالت الملائكة: إلهنا ليس لذلك بأهل. قال الله تعالى: لكنِّ أهلُ التقوى وأهل المغفرة، أشهدكم أنِّي قد غفرتُ له))(٣). وكأنَّ الجملة لتحقيق الترهيب والترغيب اللذين أشعر بهما الكلام السابق كما لا يخفى على المتذكِّر. وعن بعضهم أنَّه لما سمع قولَه تعالى: (هُوَ أَهْلُ النّفْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)، قال: اللهمَّ اجعلني مِن أهل التقوى وأهل المغفرة. على أنَّ أوَّل الثاني كثاني الأوَّل مبنيًّا للفاعل، وثاني الثاني كأوَّل الأوَّل مبنيًّا للمفعول، وإلا فلا يحسن الدعاء وإن تكلّف لتصحيحه، فافهم والله تعالى أعلم. (١) أحمد (١٢٤٤٢)، والترمذي (٣٣٢٨)، والحاكم ٥٠٨/٢، والنسائي في الكبرى (١١٥٦٦)، وابن ماجه (٤٢٩٩). قال الترمذي: هذا حديث غريب، وسهيل (ابن أبي حزم أحد رجال الإسناد) ليس بالقوي في الحديث، قد تفرَّد بهذا الحديث عن ثابت. اهـ. ولم ترد في مطبوعه لفظة: حسن. ووردت في تحفة الأشراف ١٣٩/١، وتحفة الأحوذي ٢٤٨/٩، وتفسير ابن كثير عند هذه الآية. (٢) الدر المنثور ٦/ ٢٨٧. (٣) الدر المنثور ٢٨٧/٦، وهو في نوادر الأصول ص١٣٨ و٢٣٣ دون أن ينسبه للحسن. سُورَةُ القِيَامَةِ ويقال لها: سورة ((لا أقسم)) وهي مكِّيَّة من غير حكاية خلاف ولا استثناء. واختلف في عدد آيها؛ ففي الكوفيِّ أربعون، وفي غيره تسع وثلاثون، والخلاف في ﴿لِتَعْجَلَ بِهِهِ﴾ [الآية: ١٦]. ولمَّا قال سبحانه وتعالى في آخِر المدَّثِّر: ﴿كَلَّ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (®]) بعد ذكر الجثّة والنار، وكان عدم خوفهم إيَّاها لإنكارهم البعثَ، ذَكَرَ جلَّ وعلا في هذه السورة الدليل عليه بأتمٍّ وجه، ووصف يوم القيامة وأهواله وأحواله، ثم ذَكَر ما قَبْل ذلك مِن خروج الرُّوحِ مِن البَدَن، ثم ما قَبْلُ مِن مبدأ الخَلْق، على عكس الترتيب الواقعيّ، فقال عزَّ مِن قائل عظيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إدخال ((لا)) النافية صورةً على فِعْل القَسَم مستفيضٌ ﴿لَّ أُقْيِّمُ بَِوْمِ الْقِيَمَةِ في كلامهم وأشعارهم، قال امرؤ القيس: لا وأبيكِ ابنةَ العامري ي لا يدَّعي القومُ أنّي أَفِرُّ(١) وقول غُوَيَّةِ بنِ سُلْمِيٍّ يرئي: لِتَحْزُنَني فلا بِكِ ما أُبالي(٢) ألا نادتْ أمامةُ باحتمالٍ (١) سلف ٦/ ١١٧. (٢) سلف ٦/ ١١٧. الآية : ١ ٩٠ سُورَةُ القِيَامَيَّ وملخَّص ما ذهب إليه جارُ الله(١) في ذلك أنَّ ((لا)) هذه إذا وقعت في خِلال الكلام، كقوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] فهي صلة تزاد لتأكيد القَسَم، مِثْلُها في قوله تعالى: ﴿لَثَلَا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] لتأكيد العلم، وأنَّها إذا وقعت ابتداءً كما في هذه السورة وسورة البلد(٢) فهي للنفي؛ لأنَّ الصلة إنَّما تكون في وسط الكلام. ووَجْهُه أن إنشاء القَسَم يتضمَّن الإخبار عن تعظيم المقسَم به، فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية، والمراد أنَّهِ لا يَعظم بالقَسَم؛ لأنَّه في نفسه عظيم أَقسمَ به أوْ لا، ويترقَّى مِن هذا التعظيم إلى تأكيد المقسَم عليه، إذ المبالغة في تعظيم المقسَم به تتضمَّن المبالغة فيه، فما يختلج في بعض الخواطر مِن أنَّه يلزم أن يكون على هذا إخباراً لا إنشاء فلا يستحقُّ جواباً، وأنَّ المعنى على تعظيم المقسَم عليه لا المقسَم به، مدفوع. ووراء ذلك أقوال، فقيل: إنَّها لنفي الإقسام لوضوح الأمر. وقال الفرَّاء: لنفي كلام معهود قبل القَسَم وردِّه، فكأنَّهم هنا أنكروا البعث، فقيل: لا، أي: الأمر كذلك، ثم قيل: ((أقسم بيوم القيامة)). وقدح الإمامُ فيه بإعادة حرف النفي بَعْدُ(٣) . وقيل: إنَّها ليست ((لا))، وإنَّما اللام أشبعت فتحتها فظهر مِن ذلك الألف، والأصل: لأُقْسِمُ، كما قرأ به قنبل، وروي عن البزيِّ والحسنِ(٤)، وهي لام الابتداء عند بعضٍ، والأصل: لأَنَا أقسم، وحذف المبتدأ للعلم به، ولام التأكيد دخلت على الفعل المضارع، كما في: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيَِّهُمْ﴾ [النحل: ١٢٤] والأصل: إنِّي لأُقْسِم، عند بعض، ولام القَسَم ولم يصحبها نون التوكيد - لعدم (١) الكشاف ١٨٩/٤. (٢) في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [الآية: ١]. (٣) التفسير الكبير ٢١٥/٣٠. (٤) التيسير ص٢١٦، والنشر ٢٨٢/٢ بخلفٍ عن البزي، والمحتسب ٣٤١/٢، وتفسير البيضاوي ٨/ ٢٨٠ . الآية : ٢ ٩١ سُورَةُ القِيَامَةِّ لزوم ذلك، وإنَّما هو أغلبيٍّ على ما حكي عن سيبويه(١)، مع الاعتماد على المعنی ۔ عند آخرین. وقال الجمهور: إنَّها صلة، واختاره جار اللهِ في ((المفضَّل))(٢)، وما ذكر من الاختصاص غيرُ مسلّم؛ لأنَّ الزيادة إذا ثبتت في القَسَم فلا فرقَ بين أوَّل الكلام أو وسطه، لا أنَّه مسلَّم لكنَّ القرآنَ في حكم سورة واحدة مثَّصل بعضه ببعض؛ لأنَّ كونه كذلك بالنسبة إلى التناقض ونحوه، لا بالنسبة إلى مِثْل هذا الحكم، ثم فَهُمُ ما ذَكَرِه في توجيه النفي مِن اللفظ بعيدٌ، وحال سائر الأقوال غيرُ خفيٍّ، وقد مرَّ بعض الكلام في ذلك، فتذگَّر. على ذلك النمط، بيدَ أنَّه والكلام في قوله تعالى: ﴿وَلَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَامَةِ (@ قيل على قراءة: ((لأُقْسِم)) فيما قَبْل أنَّ المراد هنا النفي، على معنى: إنِّي لأَقسم بيوم القيامة لشرفِه، ولا أُقسم بالنفس اللوامة لخسَّتها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ما يقتضيه(٣)، وحكاه في ((البحر)) (٤) عن الحسن. وقال قتادة في هذه النفس: هي الفاجرة الجَشِعَة اللوَّامة لصاحبها على ما فاته مِن سعي الدنيا وأغراضها. وجاء نحوُه في رواية عن ابنِ عباس، والحقُّ أنَّه تفسيرٌ لا يناسب هذا المقام، ولذلك قيل: هي النفس المتَّقية التي تلوم النفوسَ يومَ القيامة على تقصيرهنَّ في التقوى، والمبالغة بكثرة المفعول. وقال مجاهد: هي التي تَلُوم نفسها على ما فات، وتَندم على الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْه، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه، فهي لم تزل لائمة وإن اجتهدت في الطاعات، فالمبالغة في الكيف باعتبار الدوام. وقيل: المراد بالنفس اللَّامة جنسُ النفسِ الشاملة للتقيَّة والفاجرة؛ لما روي أنَّهِوَه قال: ((ليس مِن نفس برَّة ولا فاجرة إلا وتلومُ نفسَها يومَ القيامة، إن عملت (١) ينظر الكتاب ٥١٨/٣. (٢) ١٣٦/٨ مع شرحه لابن يعيش. (٣) الدر المنثور ٢٨٧/٦، وتفسير الطبري ٢٣/ ٤٦٧-٤٦٨. (٤) ٨/ ٣٨٥. سُورَةُ القِيَامَةَّ ٩٢ الآية : ٢ خيراً قالت: كيف لَم أَزِدْ منه؟ وإن عملت شرًّا، قالت: ليتني قصرْتُ))(١)، وضمُّها إلى يوم القيامة؛ لأنَّ المقصودَ مِن إقامتها مُجَازاتُها وبَعْثُها فيه. وضعِّف بأنَّ هذا القَدْر مِن اللوم لا يكون مداراً للإعظام بالإقسام، وإن صدر عن النفس المؤمنة المسيئة، فكيف من الكافرة المندرجة تحت الجنس؟ وأجيبَ بأنَّ القَسَم بها حينئذٍ بقَطْع النظر عن الصفة، والنفسُ مِن حيث هي شريفةٌ؛ لأنَّها الروح التي هي مِن عظيم أمر الله عزَّ وجلَّ. وفيه أنَّه لا يَظهر لِذِكْر الوصف حينئذٍ فائدة. والإمام(٢) أوقف الخبرَ على ابنِ عباس، واعترضه بثلاثة أوجه(٣)، وأجاب عنها بحَمْل اللومِ على تمنِّي الزيادة وتمنِّي أن لم يكن ما وَقَع من المعصية واقعاً، وما ذكر مِن توجيه الضَّمِّ لا يخصُّ هذا الوجه كما لا يخفى. وقيل: المراد بها نفسُ آدم عليه السلام، فإنَّها لم تَزَل تلوم نفسَها على فعلها الذي خرجت به مِن الجنَّة. وأكثر الصوفيّة على أنَّ النفسَ اللوَّامة فوقَ الأمّارة وتحت المُظْمَئِنَّة، وعرَّفوا الأمارة: بأنَّها هي التي تميل إلى الطبيعة البدنيَّة، وتأمُر باللَّذات والشهوات الحسيَّة، وتجذب القلبَ إلى الجهة السفليَّة، وقالوا: هي مأوى الشرور ومنبع الأخلاق الذميمة . وعرَّفوا اللوَّامة: بأنَّها هي التي تنوَّرت بنور القلب قَدْر ما تنبّهت عن سِنَة الغفلة، فكلّما صدر عنها سيئة بحكم جبلَّتها الظلمانيَّة، أخذت تلوم نفسَها ونفرت عنها . وعرَّفوا المُظْمَئنَّة: بأنَّها التي تمَّ تنوُّرها بنور القلب حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة، وتخلَّقت بالأخلاق الحميدة، وسكنت عن منازعة الطبيعة. (١) لم نقف عليه مسنداً، بل ذكره الفراء في معاني القرآن ٢٠٨/٣، ونقله عنه الواحدي في الوسيط ٣٩٠/٤ ولم ينسبه لأحد. وذكره الرازي ٣٠/ ٢١٥ بنحوه موقوفاً على ابن عباس كما سیرد. (٢) في التفسير الكبير ٢١٥/٣٠ . (٣) وهو: السير والسلوك إلى ملك الملوك في التصوف للشيخ قاسم بن صلاح الدين الخاني الحلبي الصوفي المتوفى سنة (١١٠٩هـ). إيضاح المكنون ٢/ ٣٤. الآية : ٣ ٩٣ سُورَةُ القِيَامَةِّ ومنهم مَن قال في اللوَّامة: هي المطمئنَّة اللائمة للنفس الأمَّارة. ومنهم مَن قال: هي فوق المطمئنة، وهي التي ترشَّحت لتأديب غيرها. إلى غير ذلك. والمشهور عنهم تقسيم مراتِب النَّفْس إلى سبعٍ، منها هذه الثلاثة، وفي ((سير السلوك إلى مَلِكِ الملوك)»(١) كلام نفيس في ذلك فليراجعه مَن شاء. وجواب القَسَم ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿أَخْسَبُ آلْإِنسَانُ أَلَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ. ٣ وهو: ليُبْعثنَّ. وقيل: هو ((أيحسب)) إلخ، وقيل: ((بلى قادرين))، وكلاهما ليسا بشيء أصلاً، كَزَعْمٍ عدم الاحتياج إلى جواب؛ لأنَّ المرادَ نفيُّ الإقسام. والمراد بالإنسان الجنس، والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والتوبيخ علیه، و((أنْ)) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أي: أيحسب أنَّ الشأنَ لن نجمع بعد التفرُّق عظامَه، وحاصله: لِمَ يكون هذا الحسبانُ الفارغ عن الأمارة المنافي لحقِّ اليقين وصريحِه، والنسبة إلى الجنس؛ لأنَّ فيه مَن يحسب ذلك، بل لعلَّه الأكثرون. وجوِّز أن يكون التعريف للعهد، والمراد بالإنسان عديُّ بنُ أبي ربيعة خَتَنُ الأخنس بنِ شَرِيق، وهما اللَّذان كان النبيُّ وَّهِ يقول فيهما: («اللَّهمَّ اكفني جارَي السوء»، فقد روي أنَّه جاء إليه عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمَّد حدِّثني عن يوم القيامة متى يكون، وكيف يكون أمره؟ فَأَخبره رسولُ اللهِ وَّهِ، فقال: لو عانيتُ ذلك اليوم لم أُصدِّقْك يا محمَّد، ولم أومِن به، أوَ يجمع الله تعالى هذه العظام، فنزلت. وقيل: أبو جهل، فقد روي أنَّه كان يقول: أَيزعم محمَّد أن يجمعَ اللهُ تعالى هذه العظام بعد بلائِها وتفرُّقها فيعيدها خَلْقاً جديداً، فنزلت(٢). وليس كإرادة الجنس، وسببُ النزول لا يُعينه، وذِكْر العظام - وإن المعنى على إعادة الإنسان وجَمْع أجزائه المتفرِّقة - لما أنَّها قالب الخَلْقِ. (١) تفسير الثعلبي ٨٢/١٠، وأسباب النزول للواحدي ص ٤٧٧، والكشاف ٤/ ١٩٠، وتفسير البغوي ٤٢١/٤، وجاء في المصادر عدا تفسير الثعلبي: ولم أومن بك ... (٢) زاد المسير ٤١٦/٨، وتفسير الرازي ٢١٧/٣٠ عن ابن عباس ها، والكلام من البحر ٣٨٥/٨. سُورَةُ القِيَامَةَّ ٩٤ الآية : ٤ وقرأ قتادة: ((تُجْمَعَ)) بالتاء الفوقيَّة مبنيّاً للمفعول، ((عِظَامُهُ)) بالرفع على النيابة(١). ﴿َ﴾ أي: نجمعها بعد تفرُّقها ورجوعها رميماً ورفاتاً في بطون البحار وفسيحات القِفَار وحيثما كانت، حال كوننا ﴿قَدِرِينَ﴾ فـ ((قادرين)) حال مِن فاعل الفعل المقدَّر بعد (بلى))، وهو قول سيبويه(٢). وقيل: منصوب على أنَّه خبر ((كان))، أي: بلى كنّا قادرين في البَدْء أَفَلا نقدر في الإعادة. وهو كما ترى. وقيل: انتصب لأنَّه وقع في موضع نقدر، إذ التقدير: بلى نقدر، فلما وُضعَ موضع الفعل نُصبَ، حكاه مكِّيّ(٣)، وقال: إنَّه بعيد مِن الصواب يَلزم عليه نصبُ قائم في قولك: مررتُ برجلٍ قائم؛ لأنَّه في موضع: يقوم. فتأمَّل. وقرأ ابنُ أبي عبلة وابنُ السَّمَيْفع: ((قادرون))(٤) أي: نحن قادرون. ﴿وَ أَنْ تُسَوِىَ بَنَهُ, ®﴾ هي اسمُ جنس جمعي، واحده: بَنَانة، وفسَّرها الراغب بالأصابع، ثم قال: قيل: سُمِّيت بذلك لأنَّ بها صلاحَ الأحوال التي يمكن للإنسان أن يُبِنَّ بها ما يريد، أي: يقيم(٥). وغيره: بما صَغُرَ من عظام الأطراف كاليدين والرجلين، وفي ((القاموس)): البَنَان: الأصابع، أو أطرافها(٦). فالمعنى: نجمع العظامَ قادرين على تأليف جميعها وإعادتها إلى التركيب الأوَّل، وإلى (٧) ((أن نسوِّي)) أصابعه التي هي أطرافه وآخِر ما يتمُّ به خَلْقه. أو على ((أن نسوِّي)) ونَضُمَّ سُلَامَيَاته على صِغَرها ولطافتها بعضها إلى بعض، كما كانت أوَّلاً مِن غير نقصان ولا تفاوت، فكيف (٨) بكبار العظام وما ليس في الأطراف منها . (١) الكشاف ٤/ ١٩٠، والبحر ٣٨٥/٨. (٢) الكتاب ٣٤٦/١. (٣) في مشكل إعراب القرآن ٧٧٦/٢. (٤) الكشاف ٤/ ١٩٠، والبحر ٣٨٥/٨. (٥) المفردات (بنّ). (٦) القاموس (بنن). (٧) في الكشاف ٤/ ١٩٠ (والكلام منه): إلى، بدل: وإلى. (٨) في الأصل و(م): بكيف. والمثبت من الكشاف. الآية : ٤ ٩٥ سُورَةُ القِيَامَة وفي الحال المذكورة، أعني: ((قادرين على)) إلخ بعد الدلالة على التقييد تأكيدٌ لمعنى الفعل، لأنَّ الجمعَ مِن الأفعال التي لا بُدَّ فيها مِن القدرة، فإذا قيّد بالقدرة البالغة فقد أكّد، والوجه الأوّل مِن المعنى يدلُّ على تصوير الجمع، وأنَّه لا تفاوتَ بين الإعادة والبدءِ في الاشتمال على جميع الأجزاء التي كان بها قوام البَدَن أو كمالُه، والثاني يدلُّ على تحقيق الجمع التامِّ، فإنَّه إذا قَدَر على جَمْع الألطفِ الأبعدِ عادةً عن الإعادة، فعلى جَمْع غيرِه أقدرُ، ولعلَّه الأوفق بالمقام، ويُعلَم منهما نكتةُ تخصيصِ البَنَان بالذِّكر. وقيل: المعنى: بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نسوِّي أصابعَ يديه ورجليه بأن نجعلها مستويةً شيئاً واحداً كخفّ البعير وحافرِ الحمار، ولا نفرِّق بينها فلا يمكنه أن يعملَ بها شيئاً ممَّا يعمل بأصابعه المفرَّقة ذات المفاصل والأنامل مِن فنون الأعمال والبَسْط والقَبْض والتأتِّ لما يريد مِن الحوائج، وروي هذا عنِ ابنِ عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة والضحاك، ولعلَّ المراد: نجمعها ونحن قادرون على التسوية وقتَ الجَمْع، فالكلام يفيد المبالغة السابقة لكن مِن وجه آخَر، وهو أنَّه سبحانه إذا قَدَر على إعادته على وجه يتضمَّن تبديلَ بعضِ الأجزاء، فعلى الاحتذاء بالمثال الأوَّل في جميعه أقدر. وأبو حيَّان حكى هذا المعنى عن الجمهور، لكن قيَّد التسويةَ فيه بكونها في الدنيا، وقال: إنَّ في الكلام عليه توعُّداً، ثم تعقَّب ذلك بأنَّه خلافُ الظاهر المقصود مِن سوق الكلام(١)، والأمر كما قال لو كان كما فعل، فلا تغفل. ولا يخفى أنَّ في الإتيان بـ ((لا)) أوَّلاً، وحذفِ جوابِ القَسَم، والإتيان بقوله سبحانه: ((أيحسب))، ورعاية أسلوب: وثنا ياكٍ إنَّها إغريضُ(٢) في القَسَم بيوم البعث والمبعوث فيه، ثم إيثارٍ لفظ الحسبان، والإتيانِ بهمزة (١) البحر المحيط ٣٨٥/٨. (٢) البيت لأبي تمام، وسلف عند تفسير الآية (٣) من سورة الزخرف. ٠ سُورَةُ القِيَامَةَّ ٩٦ الآية : ٥. الإنكار مسنداً إلى الجنس وبحرف الإيجاب والحال بعدها = من المبالغات في تحقيق المطلوب وتفخيمِه وتهجينِ المُعرِض عن الاستعداد له ما تُبهر عجائبه. ثم الحُسْنُ كلُّ الحُسْنِ في ضمن حرفِ الإضراب في قوله سبحانه: ﴿بَلْ يُرِيدُ آلْإِنَنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾﴾ وهو عطف على ((أيحسب)) جيءَ به(١) للإضراب عن إنكار الحسبان إلى الإخبار عن حال الإنسان الحاسب بما هو أَدْخَلُ في اللوم والتوبيخ مِن الأوَّل، كأنَّه قيل: دَعْ تعنيفه فإنَّه أشظُ مِن ذلك، وأنَّى يَرتدِعُ وهو يريد ليدومَ على فجوره فيما بين يديه مِن الأوقات وفيما يستقبله مِن الزمان لا ينزع عنه، أو هو عطف على ((يحسب)) منسحباً عليه الاستفهام، أو على ((أيحسب)) مقدَّراً فيه ذلك، أي: بل أيُريد(٢)، جيءَ به زيادةً إنكار في إرادته هذه، وتنبيهاً على أنَّها أفظع مِن الأوَّل؛ للدلالة على أنَّ ذلك الحسبان بمجرَّده إرادة الفجور، كما تقول في تهديد جَمْعِ عَاتُوا في البلد: أَيحسبونَ أنْ لا يدخل الأمير، بل يريدون أن يتملَّكوا فيه! لم تقل هذا إلا وأنت مترقّ في الإنكار مُنْزِلٌ عَيْثهم منزلةَ إرادة التملُّك وعدم العِبْءِ بمكان الأمير. وإلى هذين الوجهين أشار جار الله(٣) على ما قرّر في ((الكشف))، والوجه الأوَّل أبلغ؛ لأنَّ هذا على الترقِّي، والأول إضراب عن الإنكار وإيهام أنَّ الأمر أطُّ مِن ذلك وأطمُّ، وفيهما إيماء إلى أنَّ ذلك الإنسان عالمٌ بوقوع الحشر، ولكنَّه مُتَغابٍ، واعتبر الدوام في ((ليفجر))؛ لأنَّه خبر عن حال الفاجر بأنَّه يريدُ ليفجرَ في المستقبل، على أنَّ حسبانه وإرادته هما عينُ الفجور، وقيل: لأنَّ (أمامه)) ظرفُ مكان استُعير هنا للزمان المستقبل فيفيد الاستمرار. وفي إعادة المُظْهَرِ ثانياً ما لا يَخفى مِن التهديد والنعي على قبيح ما ارتكبه، وأنَّ الإنسانيَّةَ تأبى هذا الحسبان والإرادة، وعودُ ضمير ((أمامه)) على هذا المظهَرِ هو الأظهر، وعن ابن عباس ما يقتضي عودَه على ((يوم القيامة))، والأوَّل هو الذي (١) قوله: به، ساقط من (م). (٢) قوله: أيريد، تحرف في (م) إلى: أريد. (٣) الكشاف ٤/ ١٩٠. الآية : ٦ - ٧ ٩٧ سُورَةُ القِيَامَةَّ يقتضيه كلامُ كثير من السلف لكنَّه ظاهر في عموم الفجور، قال مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسُّدِّيُّ في الآية: إنَّ الإنسان إنَّما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبداً قُدُماً راكباً رأسه ومطيعاً أَمَله ومسوِّفاً لتوبته. وهو حَسَن لا يأبى ذلك الإضراب، وفيه إشارة إلى أنَّ مفعول ((يريد)» محذوف دلَّ عليه (يفجر))، وقال بعضهم: هو منزَّل منزلة اللازم(١)، ومصدره مقدَّر بلام الاستغراق، أي : يُوقع جمیع إرادته لیفجر. وعن الخليل وسيبويه ومَن تبعهما في مثله: إنَّ الفعل مقدَّر بمصدر مرفوع بالابتداء، وليفعل خبر، فالتقدير هنا: بل إرادةُ الإنسان كائنةٌ ليفجر(٢) . ، أي: متى يكون، والجملة قيل: ﴿يَسْئَلُ﴾ سؤالَ استهزاء ﴿أَنَ يَوْمُ الْقِيَّمَةِ حال، وقيل: تفسير ((ليفجر))، وقيل: بدل منه. واختار المحقّقون أنَّه استئناف بيانيٌّ جِيْءَ به تعليلاً لإرادة الدوام على الفجور، إذ هو في معنى: لأنَّه أَنكر البعثَ واستهزأَ به، وفيه أنَّ مَن أنكر البعثَ لا محالةَ يرتكب أشدَّ الفجور، وطرف مِن قوله تعالى: ﴿هَيَّهَاتَ فَيَّْتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٦-٣٧]. تحيّر فَزَعاً، وأصله مِن بَرِقَ الرجلُ: إذا نَظَر إلى البرق فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ فِدُهشَ بصرُه، ومنه قول ذي الرُّمَّة: ولو أنَّ لقمانَ الحکیمَ تعرَّضتْ لعينَيْه ميٌّ سافراً كادَ يَبْرِقُ(٣) ونظيره: قَمِرَ الرجل: إذا نَظَر إلى القمر فدُهشَ بصرُه، وكذلك ذَهِبٌ وبَقِرَ للدَّهش مِن النظر إلى الذَّهَب والبَقَر، فهو استعارة أو مجاز مُرسَل؛ لاستعماله في لازمه أو في المطلق. وقرأ نافع وزيد بن ثابت وزيد بن عليٍّ وأبان عن عاصم وهارون ومحبوب (١) في (م): اللام. (٢) حاشية الشهاب ٨/ ٢٨١. (٣) ديوان ذي الرُّمَّة ١/ ٤٦١، وسافراً: يعني بارزة الوجه مسفرته. سُورَةُ القِيَامَيّ ٩٨٠ الآية : ٨ - ٩ كلاهما عن أبي عمرو وخَلْق آخرون: (بَرَقَ)) بفتح الراء (١)، فقيل: هي لغة في (بَرِق)) بالكسر، وقيل: هو مِن الْبَرِيق بمعنى: لَمَعَ من شدَّة شُخوصه. وقرأ أبو السَّمَّالِ: (بَلَقَ)) باللام عوض الراء(٢)، أي: انفتح وانفرج، يقال: بَلِقَ البابُ وأَبْلَقته وبَلَقته: فتحته، هذا قول أهل اللغة إلا الفرَّاء فإنَّه يقول: بَلَقه وأَبْلَقه: إذا أغلقه. وخظَّه ثعلب، وزعم بعضهم أنَّه مِن الأضداد. والظاهر أنَّ اللامَ فيه أصليَّة، وجوّز أن تكون بدلاً مِن الراء، فهما يتعاقبان في بعض الكَلِم نحو: نَثَر ونَثَل، و: وَجِرَ ووَجِلَ. ﴿وَخَسَفَ اَلْقَمَرُ ﴾﴾ ذَهَبَ ضوءُه، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن عليٍّ ويزيد بن قطيب: ((خُسِفَ القمرُ)) على البناء للمفعول(٣). ﴿وَيُعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ حيث يُطلعهما اللهُ تعالى مِن المغرب على ما روي عن ابنِ مسعود، ولا ينافيه الخسوف إذ ليس المرادُ به مصطلحَ أهل الهيئة، وهو ذهابُ نورِ القمر لتقابل النَِّّرين وحيلولةِ الأرض بينهما، بل ذهاب نورِهِ لتجلِّ خاصٍّ في ذلك اليوم، أو لاجتماعه مع الشمسِ وهو المحاقُ. وجوّز أن يكون الخسوف بالمعنى الاصطلاحيِّ ويعتبر في وَسَط الشهر مثلاً، ويعتبر الجمع في آخِره، إذ لا دلالة على اتحاد وقتَيْهما في النظم الجليل، وأنتَ تعلم أنَّ هذا خسوفٌ يزري بحال أهل الهيئة، ولا يكاد يخطر لهم ببال، كالجمع المذكور. وأخرج ابنُ جرير وابنُ المنذر عن عطاء بن يسار قال: يُجمعان ثم يُقذفان في البحر، فيكون نار الله الكبرى(٤). وتوسعةُ البحر أو تصغيرُهما ممَّا لا يُعجِزُ اللهَ عزَّ وجلَّ، وأحوال يوم القيامة على خلاف النمط الطبيعيِّ، وحوادثه أمورٌ وراءَ الطبيعة، فلا يقال: أين البحر مِن جِرْم القمر فضلاً عن جِرْم الشمس الذي هو بالنسبة إليها كالبعوضة بالنسبة إلى الفيل؟! ولا : كيف يُجمعان ويُقَذَفان؟! (١) التيسير ص ٢١٦، والنشر ٣٩٣/٢ عن نافع وأبي جعفر، والكلام من البحر ٣٨٥/٨. (٢) القراءات الشاذة ص ١٦٥، والبحر ٣٨٥/٨ والكلام وما بعده منه. (٣) الكشاف ١٩١/٤، والبحر ٣٨٦/٨. (٤) الدر المنثور ٢٨٨/٦، وتفسير الطبري ٤٨٢/٢٣. الآية : ١٠ ٩٩ سُورَةُ القِيَامَةَ وقيل: يُجمعان أسودَيْن مكوَّرين كأنَّهما ثوران عقيران في النار. وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه وابنِ عباس: يُجمعان ويُجعلان في نورِ الحجب . وقيل: يُجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العَرَقُ لشدَّة الحرِّ. وقيل: جُمعا في ذهاب الضوء، وروي عن مجاهد، وهو اختيار الفرَّاء والزجَّاج(١)، فالجمع مجازٌ عن التساوي صفةً، وفيه بُعْدٌ؛ إذ كان الظاهر عند إرادة ذلك أن يُقال من أوَّل الأمر: وخسفَ الشمس والقمر، ولا غبارَ في نسبة الخسوف إليهما لغةً، وكذا الكسوف. ولم يَلحق الفعلَ علامةُ التأنيث؛ لتقدُّمه وكون الشمس مؤثّئاً مجازيًّا، وفي مثله يجوز الأمران، وكأنَّ اختيارَ تَرْكِ الإلحاق؛ لرعاية حال القمر المعطوف، وقال الكسائيُّ: إنَّ التذكيرَ حُملَ على المعنى، والتقدير: جُمع النوران، أو: الضياءان، وليس بذاك. أي: الفِرار، يأساً ﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمٍَ﴾ يوم إذ تقع هذه الأمور: ﴿أَيْنَ اْغَرُّ منه، وجوِّز إبقاؤه على حقيقة الاستفهام لدهشته وتحیُّره. وقرأ الحسن ريحانةُ رسولِ الله وَّهِ والحسن بنُ زيد وابنُ عبَّاس ومجاهد وعكرمة وجماعة كثيرة: ((المَفِرُّ» بفتح الميم وكسر الفاء(٢)، اسم مكان قياسي مِن يَفِرُّ بالكسر، أي: أين موضع الفِرار، وجوّز أن يكون مصدراً أيضاً كالمرجع. وقرأ الحسن البَصْري: بكسر الميم وفتح الفاء(٣)، ونسبها ابنُ عطيَّة(٤) للزهريِّ، أي: الجيِّد الفِرار، وأكثر ما يُستعمل هذا الوزن في الآلات وفي صفات الخيل، ومنه قوله : (١) معاني القرآن للفراء ٢٠٩/٣، وللزجاج ٢٥٢/٥. (٢) القراءات الشاذة ص ١٦٥، والمحتسب ٣٤١/٢، والبحر ٣٨٦/٨. (٣) المحتسب ٣٤١/٢، والبحر ٣٨٦/٨. (٤) المحرر الوجيز ٤٠٣/٥ . سُورَةُ القِيَامَةَّ ١٠٠ الآية : ١١ - ١٢ مِكَرِّ مِفَرِّ مُقْيِلٍ مُذْبِرٍ مِعاً كَجُلمودٍ صخرٍ حظّه السيلُ مِن عَلٍ (١) واختلف في هذا اليوم، فالأكثرون على أنَّه يوم القيامة، وهو المنصور. وأخرج ابنُ المنذر وغيره عن مجاهد أنَّه قال: ((فإذا بَرقَ البصر)» عند الموت والاحتضار، (خَسَفَ القمرُ وجُمعَ الشمسُ والقمرُ))، أي: كُوِّرا يوم القيامة(٢). وجوّز أن يكون الأخيرانِ عند الموت أيضاً، ويفسَّر الخسوفُ بذهاب ضوء البَصَر منه، وجَمعُ الشمس والقمر باستتباع الروحِ حاسَّة البَصَر في الذهاب، والتعبير بالشمس عن الروح، وبالقمر عن حاسَّة البَصَر، على نهج الاستعارة، فإنَّ نورَ البَصَر بسبب الروح، كما أنَّ نورَ القمر بسبب الشمس، أو يفسّر الخسوفُ بما سمعتَ، وجَمْعُ الشمس والقمر بوصول الروحِ الإنسانيَّة إلى مَن كانت تقتبس منه نورَ العقل، وهم الأرواح القدسيَّة المنزَّهة عن النقائص، فالقمر مستعار للروح، والشمس لسكان حظيرة القُدُس والملأ الأعلى، لأنَّ الروحَ تقتبسُ منهم الأنوار اقتباسَ القَمَرِ مِن الشمس، ووجه الاتِّصال بما قَبْلُ على جَعْلِ الكُلِّ عند الموت أنَّه إذ ذاك ينكشفُ الأمر للإنسان، فيَعلمَ على أتمِّ وجه حقِّيَّةَ ما أُخبر به، وأنتَ تَعلم أنَّ هذا على عِلَّاته أقربُ إلى باب الإشارة على منزع الصوفيَّة، وإذا فُتْحَ هذا الباب فلا حَصْر فيما ذكر مِن الاحتمال عند ذوي الألباب. · ردع عن طلب المفرِّ وتمنِّيه ﴿لَا وَزَ ﴾﴾ لا مَلْجأ، وأصله الجَبَل المنيع، وقد كان مفرًّا في الغالب لِفرار العرب، واشتقاقه مِن الوِزْرِ وهو الثّقْل، ثم شاع وصار حقيقةً لكلِّ مَلْجأ مِن جبل أو حِصْن أو سلاح أو رجل أو غير ذلك، ومنه قوله: لَعَمْرُكَ مَا للفتى مِن وَزَرْ مِن الموتِ يُذْرِكِه والكِبَرُ(٣) أي: إليه جلَّ وعلا وحدَه استقرارُ العباد، أي: ﴿إِلَى رَبِكَ يَوْمِذٍ الَُْقَرُ (١) البيت لامرئ القيس، وسلف عند تفسير الآية (٤٢) من سورة إبراهيم. (٢) الدر المنثور ٢٨٨/٦ وزاد نسبته لعبد من حميد، واب جرير [في التفسير ٤٨٢/٢٣]. (٣) البيت أورده القرطبي في التفسير ٤١٤/٢١، وأو حيان في البحر المحيط ٣٨٢/٨، والسمين الحلبي في الدر المصون ٥٧٠/١٠،ولم ينسبره.