النص المفهرس

صفحات 61-80

الآية : ٢٠
٦١
سُورَةُ المُذُرِ
تزعمون أنَّ محمداً مجنونٌ، فهل رأيتموه يُختَق، وتقولون: إنَّه كاهن. فهل رأيتموه
قطُ يتكهَّن، وتزعمون أنَّه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعراً، وتزعمون أنَّه كذَّاب،
فهل جرَّبتم عليه شيئاً مِن الكذب. فقالوا في كلِّ ذلك: الَّهمَّ لا. ثمَّ قالوا: فما هو؟
ففكّر، فقال: ما هو إلا ساحر، أَمَا رأيتموه يفرِّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه،
وما الذي يقوله إلا سحرٌ يأثره عن مسيلمة. وعن أهل بابل: فَارْتَجَّ النادي فرحاً،
وتفرَّقوا معجبينَ بقوله، متعجِّبين منه(١).
ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ قَّذَّرَ ﴾﴾ تكريرٌ للمبالغة كما هو معتادُ مَن(٢) أُعجب غايةً
الإعجاب، والعطف بـ ((ثم)) للدلالة على تفاوت الرُّتبة، وأنَّ الثانية أبلغُ مِن الأولى،
فكأنَّه قيل: قُتلَ بنوعٍ مّا من القتل، لا بل قُتلَ بأشدِّه وأشدّه، ولذا ساغ العطف فيه
مع أنَّه تأكيد، ونحوُهُ ما في قوله:
سوى أنَّني قد قلتُ يا سَرْحَةُ اسْلَمي
وماليَ مِن ذَنْبٍ إليهم عَلمْتُه
ثلاثُ تحيَّاتٍ وإن لم تكلَّمي(٣)
أَلَا يا اسلمي ثم اسْلَمي ثُمَّتَ اسْلَمي
والإطراء في الإعجاب بتقديره يدلُّ على غاية التهكُّم به وبمَن فرح بمحصول
تفكيره.
وقال الراغب في ((غرَّة التنزيل)): كأنَّ الوليد بنَ المغيرة لما سُئلَ عن النبيِّ ◌ِيُّ
قدَّر ما أتى به مِن القرآن، فقال: إن قلنا: شاعر. كذَّبتنا العرب إذا عَرَضَتْ ما أتى به
على الشعر، وكان يقصدُ بهذا التقدير تكذيبَ الرسول ◌َّ بِضَرْب من الاحتيال،
فلذلك كان كلُّ تقدير مستحقًّا لعقوبة مِن الله تعالى هي كالقتل إهلاكاً له، فالأوَّل
لتقديره على الشعر، أي: أُهلك إهلاكَ المقتول كيف قدَّر، وقوله تعالى: (ثُمّ قُئِلَ كَفَ
قَدَّرَ) لتقديره الآخَر، فإنَّه قدَّر أيضاً وقال: فإنِ ادَّعينا أنَّ ما أتى به مِن كلام
الكَهَنة، كذَّبتنا العربُ إذا رَأَوْا هذا الكلام مخالفاً لكلام الكُھَّان، فهو في تقديره له
(١) تفسير البغوي ٤١٥/٤-٤١٦.
(٢) في حاشية الشهاب ٨/ ٢٧٥: ممن.
(٣) البيتان لحميد بن ثور الهلالي، وهما في ديوانه ص١٣٣، وورد فيه: بلى فاسلمي، بدل:
ألا يا اسلمي. والسرحة: أصلها شجرة من العضاه لا شوك لها، وهي هنا كناية عن المرأة.

:
سُورة المهرِ
٦١
الآية : ٢١
على كلام الكَهَنة مستحقٌّ مِن العقوبة لِمَا هو كالقتل إهلاكاً له، فجاء ذلك لهذا، فلم
يكن في الإعادة تكرار. والأوَّل هو ما ذهب إليه جارُ اللهِ، وجعل الدعاء
اعتراضاً(١)، وقال عليه الطيبيُّ: إنَّه ليس مِن الاعتراض المتعارَف الذي يُنْحَل لتزيين
الكلام وتقريره؛ لأنَّ الفاء مانعةٌ من ذلك، بل هو مِن كلام الغير، ووقع الفاء في
تضاعيف كلامِه، فأدخل بين الكلامين المتَّصلين على سبيل الحكاية، ثم قال: وهو
متعسّف، وإنَّما سَلَكه؛ لأنَّه جعل الدعاءين مِن كلام الغير، وأمَّا إذا جعلا مِن
كلام الله تعالى استهزاءً كما ذكر هو، أو دعاء عليه كما ذهب إليه الراغبُ، وعليه
تفسير الواحديِّ - على ما قال ونَقَلَ عن صاحب النظم: ((فقُتلَ كيف)) أي: عُذِّب
ولُعنَ كيف قدّر، كما يقال: لأَضربتَّه كيف صنع، أي: على أيِّ حال كانت
منه(٢) - لتكون الأفعال كلُّها متناسقةً مرتَّبةً على التفاوت في التعقيب والتراخي زماناً
ورُتبةً كما يقتضيه المقام = كان أحسنَ، وجاء النظم على السَّنن المألوف مِن التنزيل.
إلى آخر ما قال، وما تقدَّم أبعد مغزّى، والاعتراض مِن المتعارف، وهو يؤكِّد ما سيقَ
له الكلام أحسنَ تأكيد، والفاء غيرُ مانعة على ما نصَّ عليه جارُ الله(٣) وغيره، وجعل
مِن الاعتراض المقرون بها ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] ومنه قوله:
واعْلَم فعِلْمُ المرءِ ينفعُه أن سوفَ يأتي كلُّ ما قُدِرا(٤)
وقد حقّق أنَّه بالحقيقة نتيجةٌ وقعت بين أجزاء الكلام اهتماماً بشأنها فأفادت
فائدة الاعتراض وعدَّت منه، والاعتراض بين قولِه تعالى: ((إنَّه فَكَّر وقدَّر)) وقولِه
للعطف، و(ثمَّ)) فيه وفيما بعد على معناها الوضعيِّ وهو
سبحانه: ﴿ثُمَّ نَظَرَ
التراخي الزمانيُّ مع مُهلة، أي: ثمَّ فكّر في أمرِ القرآن مرَّة بعد أُخرى ﴿ثُمَّ عَبَرَ﴾
قطَّب وجهَه لمَّا لم يجد فيه مطعناً وضاقت عليه الحِيَلُ ولم يَدْرِ ماذا يقول.
وقيل: ثم نظر في وجوه القوم، ثم قّب وجهه.
(١) الكشاف ٤/ ١٨٣.
(٢) الوسيط ٣٨٣/٤.
(٣) الكشاف ٤/ ١٨٣.
(٤) سلف ٤٢٨/١ .

الآية : ٢٢ - ٢٥
٦٣
سُؤَّةُ المحذِ
وقيل: نظر إلى رسول الله وَله، ثم قطّب في وجهه عليه الصلاة والسلام.
﴿وَبَرَ ﴾﴾ أي: أَظهَر العبوسَ قَبْلَ أوانه، وفي غير وقته، فالبَسْر: الاستعجال
بالشيء، نحو: بَسَرَ الرجلُ الحاجةَ: طَلَبها في غير أوانها، وبَسَر الفحلُ الناقةَ:
ضَرَبَها قبل أن تُطلَب، وماءٌ بَسْرٌ: متناوَل مِن غديره قبل سكونه، وقيل للجُبْن(١)
الذي يُنكَأ قبل النُّصْج: بُسْرٌ، ومنه قيل لِمَا لم يُدرَك من الثمر: بُسْر، وبهذا فسَّره
الراغب هنا. وفسَّره بعضهم بأشدِّ العبوس، مِن بَسَر: إذا قبض ما بين عينيه كراهةً
للشيءٍ، واسودَّ وجهُه منه، ويستعمل بمعنى العبوس، ومنه قول توبة:
قد رابني منها صدودٌ رَأيته وإعراضُها عن حاجتي وبُسُورُها(٢)
وقولُ سعد: لمَّا أَسلمتُ راغمتني أمِّي فكانت تلقاني مرَّة بالبشر ومرَّة بالبَشْر.
فحينئذٍ يكون ذكر ((بَسَر)) كالتأكيد لـ ((عَبَس))، ولعلَّه مرادُ مَن قال: إنْباعُ له.
وأهل اليمن(٣) يقولون: بَسَر المركبُ وأبسر: إذا وقف. ولم أَرَ مَن جوَّز إرادة
ذلك هنا ولو على بُعْد، وفي النفس مِن ثبوت ذلك لغةً صحيحةً توقُّفٌ.
﴿ثُمَّ أَذَبَرَ﴾ عن الحقِّ، أو عن رسولِ اللهِ نَّه ﴿وَأَسْتَكْبَ
﴾ عن اتِّباعه ﴿فَقَالَ إِنْ
٢٣
هَذَآ إِلَّا بِرٌ يُؤْثِّرُ
٢٤
﴾ أي: يُروى ويُتعلَّم مِن سَحَرة بابل ونحوهم. وقيل: أي:
يختار ويرجّح على غيره مِن السحر. وليس بمختار.
والفاء للدلالة على أنَّ هذه الكلمة الحمقاء لما خطرت بباله تفوَّه بها من غير
تلعثم وتلبُّث، فهي للتعقيب مِن غير مهلة، ولا مخالفةً فيه لِمَا مرَّ من الرواية
کما لا يخفى.
كالتأكيد للجملة الأولى؛ لأنَّ المقصودَ
٢٥
وقوله ﴿إِنْ هَذَآ إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
منهما نفي كونه قرآناً ومِن كلام الله تعالى، وإن اختلفا معنّى، ولاعتبار الاتِّحاد في
المقصود لم يعطف عليها، وأطلق بعضُهم عليه التأكيد مِن غير تشبيه، والأمر
(١) كذا في الأصل و(م)، وفي المفردات (بسر): للقرح. والكلام منه، ولعلَّه هو الصواب.
(٢) ديوان توبة بن الحميِّر ص٣٤.
(٣) في (م): اليمين.

سُورَّة المصدِ
٦٤
الآية : ٢٦ - ٢٨
سهل. وفي وصف أشكاله التي تَشَكَّل بها حتى استنبطّ هذا القولَ السخيف استهزاءٌ
به، وإشارةٌ إلى أنَّه عن الحقِّ الأبلج بمعزل، ثم إنَّ الذي يظهر مِن تتبُّع أحوالِ
الوليد أنَّه إنما قال ذلك عناداً وحَمِيَّةً جاهليةً لا جهلاً بحقيقة الحال.
بدل مِن («سأُرهقه)» إلخ بدلَ اشتمالٍ؛ لاشتمال
(٢٦)
وقوله تعالى: ﴿سَأُمْلِيهِ سَقَّ (
السَّقَر على الشدائد وعلى الجبل من النار، والوصف الآتي لا ينافي الإبدال على
إرادة الجبل بناءً على أنَّ المراد به نحو ما في الحديث.
وقال أبو حيَّان: يظهر أنَّهما جملتان اعتقبت كلّ واحدة منهما على سبيل توعّد
العصيان الذي قبل كلِّ واحدة منهما، فتُوعِّد على كونه عنيداً لآيات الله تعالى
بإرهاق صعود، وعلى قوله: إنَّ القرآنَ سحرٌ يُؤْثَر. بإصلاء سَقَر (١). وفيه بحث
لا يخفى على مِن أحاط خبراً بما تقدَّم.
﴿وَمَّ أَذَرَكَ مَا سَقَرُ (®﴾ أي: أيُّ شيءٍ أَعلمك ما سَقَر؟ على أنَّ ((ما)) الأولى
مبتدأ، و((أدراك)) خبره، و((ما)) الثانية خبر، لأنَّها المفيدةُ لِمَا قُصِدَ إفادتُه مِن التهويل
والتفظيع، و((سقر)) مبتدأ، أي: أيُّ شيءٍ هي في وصفها، فإنَّ ((ما)) قد يطلب بها
الوصف، وإن كان الغالب أن يطلب بها الاسم والحقيقة.
﴾ بيانٌ لوصفها وحالها، فالجملةُ مفسِّرة أو
وقوله سبحانه: ﴿لَا نُبقِى وَلَا نَذَرُ (9َّ
مستأنفة مِن غير حاجة إلى جعلها خبرَ مبتدأٍ محذوف. وقيل: حال من ((سَقَر))
والعامل فيها معنى التعظيم، أي: أعظّمُ سَقَر وأهوِّلُ أمرها حالَ كونها
لا تُبقي .. إلخ. وليس بذاك.
أي: لا تبقي شيئاً يُلقَى فيها إلا أهلكته، وإذا هلك لم تَذَرْه هالكاً حتى يعادَ.
وقال ابن عباس: ((لا تبقي)): إذا أَخَذَتْ فيهم لم تُبْقِ منهم شيئاً، وإذا بُدِّلوا خلقاً
جديداً لم تَذَر أن تعاودهم سبيلَ العذاب الأوَّل. وروي نحوه عن الضحاك بزيادة:
ولكلِّ شيء فترةٌ وملالةٌ إلَّا جهنّم. وقيل: لا تُبقي على شيءٍ ولا تَدَعه مِن الهلاك،
بل كلُّ ما يُطرَح فيها هالك لا محالةً.
(١) البحر المحيط ٣٧٥/٨.

الآية : ٢٩
٦٥
سُورَةُ المُدرِ
وقال السُّدِّيُّ: لا تُبقي لهم لحماً ولا تَذَرُ عظماً. وهو دون ما تقدَّم.
﴾ قال ابن عباس ومجاهد وأبو رزين والجمهور: أي: مغيِّرة
﴿لَوَّاسَةٌ لِلْبَشِ
للبَشَرات مسوِّدة للجلود. وفي بعض الروايات عن بعض بزيادة: محرقة لها(١).
والمراد في الجملة، فـ ((لواحة)): مِن لَّحته الشمسُ: إذا سوَّدت ظاهره وأطرافه،
قال :
تقولُ ما لاحك يا مسافِرُ يا ابنةَ عمِّي لاحني الهواجِرُ(٢)
والبَشَر: جمع بَشَرة، وهي: ظاهر الجِلْد. وفي بعض الآثار: أنَّها تَلفحُ الجِلْد
لفحةً فتدعه أشدَّ سواداً من الليل. واعترض بأنَّه لا يصحُّ وصفها بتسويدها لظاهر
الجلود مع قوله سبحانه: (لَا نُقِى وَلَا نَذَرُ) الصريحِ في الإحراق؟
وأُجيب بأنَّها في أوَّل الملاقاة تسوِّده ثم تحرقه وتهلكه، أو الأوَّل حالها مع مِن
دخلها، وهذا حالها مع مَن يَقرُب منها. وأنتَ تعلم أنَّه إذا قيل: لا يحسن وصفها
بتسويد ظاهر الجلود بعد وصفها بأنَّها لا تُبقي ولا تَذَر، لم يحسن هذا الجواب،
وقد يُجاب حينئذٍ بأنَّ المراد ذِكْر أوصافها المهولة الفظيعة مِن غير قَصْدٍ إلى تَرَقِّ من
فظيعٍ إلى أفظع، وكونُها ((لوَّاحة)) وصفٌ مِن أوصافها، ولعلَّه باعتبار أوَّل الملاقاة،
وقبل الإهلاك، وفي ذِكْره من التفظيع ما فيه؛ لِمَا أنَّ في تسويد الجلود - مع قَطْع
النظر عمَّا فيه مِن الإيلام - تشويهاً للخَلْقِ ومُثْلَةً للشخص، فهو من قبيل التتميم،
وفي استلزام الإهلاك تسويدَ الجلود تردُّد، وإن قيل به، فتدبّر.
وجوِّز على تفسير ((لوَّاحة)) بما ذكر كون ((البَشَر)) اسم جنس بمعنى الناس،
ويرجع المعنى إلى ما تقدَّم.
وقال الحسن وابن كيسان والأصمُّ: ((لوَّاحة)) بناءُ مبالغةٍ مِن لاح إذا ظهر،
و(البَشَر)) بمعنى الناس، أي: تَظهر للناس لعِظَمها وهولها، كما قال تعالى: ﴿وَبُرْزَتِ
(١) ليست في (م).
(٢) الرجز في مجاز القرآن ٢٧٥/٢، والكشاف ١٨٣/٤، والقرطبي ٣٨٢/٢١، والبحر المحيط
٣٦٨/٨، والهواجر: جمع هاجرة، وهي شدة الحرِّ في منتصف النهار.

سُوَّةُ المُدرِ
٦٦
الآية : ٣٠ - ٣١
اَلْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦] وقد جاء أنَّها تظهر لهم مِن مسيرة خمس مئة عام.
ورفع ((لوَّاحة)) على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هي لوَّاحة.
وقرأ عطية العوفي وزيد بنُ عليٍّ والحسن وابن أبي عبلة: (لوَّاحةً)) بالنصب(١)
على الاختصاص للتهويل، أي أخصُّ، أو: أعني، وجوّز أن يكون حالاً مؤكّدة مِن
ضمير ((تبقي)) أو (تَذَر)) بناءً على زَعْم الاستلزام، وأن يكون حالاً مِن ((سقر))،
والعامل ما مرَّ.
الظاهرُ: مَلَكاً، أَلَا ترى العرب وهم الفصحاء كيف
﴿عَلَيْهَا نِسْعَةَ عَثَرَ
فهموا منه ذلك، فقد روي عن ابن عباس أنَّها لما نزلت: ((عليها تسعة عشر)) قال
أبو جهل لقريش: ثَكَلَتْكم أمَّهاتُكم! أَسمعُ أنَّ ابنَ أبي كبشة يُخبِركم أنَّ خَزَنةَ النار
تسعةَ عَشَر، وأنتم الدَّهْمِ، أَيعجزُ كلُّ عشرةٍ منكم أن يَبطشوا برجل منهم؟! فقال له
أبو الأشد بنُ أسيد بن كلدة الجمحي، وكان شديدَ البطش: أنَا أَكفيكم سبعةً عَشَر
فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله تعالى :
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصَْبَ النَّارِ إِلَّ مَلَتِكَةٌ﴾ أي: ما جعلناهم رجالاً من جنسكم يُطاقون،
وأنزل سبحانه في أبي جهل: ﴿أَوَْ لَكَ فَأَوْلَ جَ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥].
والظاهر أنَّ المراد بأصحاب النار هم التسعة عشر، ففيه وَضْعُ الظاهر موضعَ
الضمير، وكأنَّ ذلك لِمَا في هذا الظاهر مِن الإشارة إلى أنَّهم المدبِّرون لأمرها
القائمون بتعذيب أهلها، ما ليس في الضمير، وفي ذلك إيذان بأنَّ المراد بـ ((سَفَر))
النارُ مطلقاً لا طبقةٌ خاصَّةٌ منها، والجمهور على أنَّ المرادَ بهم النُّقَباء، فمعنى
كونهم عليها أنَّهم يتولَّون أمرَها وإليهم جماع زبانيتها، وإلا فقد جاء: ((يُؤْتَى بجهنّم
بومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف مَلَك يجرُّونها)»(٢).
وذهب بعضهم إلى أنَّ التمييز المحذوفَ: صنفٌ، وقيل: صفٍّ، والأصل:
عليها تسعة عشر صنفاً، أو: عليها تسعة عشر صفًّا، ويُبعده ما تقدَّم في رواية
(١) القراءات الشاذة ص١٦٤ عن أبي معاذ، والبحر المحيط ٣٨٢/٨ والكلام منه.
(٢) سلف عند تفسير الآية (٩١) من سورة الشعراء.

الآية : ٣١
٦٧
سُورَةُ المُلكِ
الحبر، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فإنَّ المتبادر أنَّ
افتتانهم باستقلالهم لهم واستبعادهم تولِّي تسعةَ عَشَر لتعذيب أكثر الثقلين
واستهزائهم بذلك، ومع تقدير الصنف أو الصَّفِّ لا يتسنَّى ذلك.
وقال غير واحد في تعليل جعلهم ملائكةً: ليخالفوا جنس المعذَّبين، فلا يَرِقُوا
لهم ولا يستروحوا إليهم، ولأنَّهم أقوى الخَلْقِ وأَقْوَمُهم بحقِّ الله تعالى وبالغضب له
سبحانه، وأشدُّهم بأساً، وفي الحديث: ((كأنَّ أعينَهم البرقُ، وكأنَّ أفواهَهم
الصياصي، يجرُّون أشعارهم، لهم مِثْلُ قوَّة الثَّقَلين، يُقبِلُ أحدُهم بالأمَّة من الناس
يَسوقهم، على رقبته جبلٌ حتى يَرمي بهم في النار، فيرمي بالجبل عليهم))(١)،
ولا يَبعد أن يكون في التنوين إشعار إلى عِظَمٍ أمرهم.
ومعنى قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ) إلى آخره على ما اختاره بعض الأجلَّة:
وما جعلنا عددَ أصحاب النار إلا العددَ الذي اقتضى فتنةَ الذين كفروا بالاستقلال
والاستهزاء وهو التسعة عَشَر، فكأنَّ الأصل: وما جعلنا عدَّتهم إلا تسعةَ عَشَر،
فعبّر بالأثر وهو فتنة الذين كفروا، عن المؤثِّر وهو خصوص التسعة عَشَر؛
لأنَّه - كما عُلِمَ - السببُ في افتتانهم، وقيل: ((إلَّا فتنة للذين)) بدل: إلا تسعة عَشَر،
تنبيهاً على أنَّ الأثر هنا لعدم انفكاكه عن مؤثِّره لتلازمهما كانا كشيءٍ واحد يُعبَّر
باسم أحدهما عن الآخر، ومعنى جَعْلِ عدَّتِهِم المطلقةِ العدَّةَ المخصوصةَ أن يخبر
عن عددِهم بأنَّه كذا، إذ الجعل لا يتعلَّق بالعدة، إنَّما يتعلَّق بالمعدود، فالمعنى:
أَخْبَرْنا أنَّ عدَّتهم تسعةَ عَشَر دون غيرها ﴿لِيَسْقَّقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ أي: ليكتسبوا
اليقينَ بنبوَّته وَ ﴿ وصِدْقِ القرآن، لأجل موافقة الذِّكرين(٢): ذكرهم في القرآن بهذا
العدد وفي الكتابَيْن كذلك، وهذا غيرُ جعلِ الملائكة على العدد المخصوص؛ لأنَّه
إيجاد ولا يصحُّ - على ما قال بعض المحقّقين - أن يجعل إيجادهم على الوصف
علَّةً للاستيقان المذكور؛ لأنَّه ليس إلا للموافقة، وتكلَّف بعضهم لتصحيحه بأنَّ
(١) الدر المنثور ٢٨٥/٦، وعزاه لابن مردويه، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف
ص ١٨٠ : لم أجده.
(٢) في (م): المذكورين.

سُورَةُ المهددِ
٦٨
الآية : ٣١
الإيجاد سببٌ للإخبار، والإخبار سبب للاستيقان، فهو سبب بَعيد له، والشيء
كما يُسنَد لسببه البعيد يُسنَد لسببه القريب، لكنَّه كما قال: لا يَحسُن ذلك.
وإنما احتيج إلى التأويل بالتعبير بالأثَر عن المؤثِّر، ولم يَبقَ الكلام على ظاهره؛
لأنَّ الجعلَ من دواخل المبتدأ والخبر، فما يترتَّب عليه يترتَّب باعتبار نسبة أحد
المفعولين إلى الآخر، كقولك: جعلت الفضَّةَ خاتماً لتزيِّن به، وكذلك: ما جعلتُ
الفضة إلَّا خاتماً لكذا، ولا معنى لترتُّب الاستيقان وما بعده على جعل عذَّتهم فتنةً
للكفَّار، ولا مدخلَ لافتتانهم بالعدد المخصوص في ذلك، وإنَّما الذي له مدخل
العدة بنفسها، أي: العدةُ باعتبار أنَّها العدة المخصوصة، والإخبار بها كما سمعت،
وليس ذلك تحريفاً لكتاب الله تعالى ولا مبنيًّا على رعاية مذهب باطل، كما توهّم
(١ من توهّم١). ومنهم مَن تكلَّف لأمر السببيَّة على الظاهر بما تمجّه الأسماع،
فلا نسوِّد به الرقاع.
وفي ((البحر)): (ليستيقن)) مفعول من أجله، وهو متعلِّق بـ ((جعلنا)) لا بـ ((فتنة))،
فليست الفتنة معلولةً للاستيقان، بل المعلولُ جَعْلُ العدَّةِ سببَ الفتنة(٢).
وفي ((الانتصاف)): يجوز أن يرجع قوله تعالى: ((ليستيقن)) إلى ما قبل
الاستثناء، أي: جعلنا عذَّتهم سباً لفتنة الكفّار ويقينِ المؤمنين(٣).
وذكر الإمام في ذلك وجهين، الثاني: ما قدَّمناه ممَّا اختاره بعضُ الأجلَّة،
والأوَّل: أنَّ التقدير: وما جعلنا عدَّتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقنَ الذين أوتوا
الكتاب، قال: وهذا كما يقال: فعلت كذا لتعظيمكَ ولتحقير عدوِّك، فالواو
العاطفة قد تُذكَر في هذا الموضع تارةً، وقد تحذف أُخرى(٤).
وقال بعض: إنَّه متعلِّق بمحذوف، أي: فعلنا ذلك ليستيقنَ .. إلخ. والكلُّ
كما ترى.
ـہہم
(١-١) ليست في (م).
(٢) البحر المحيط ٣٧٦/٨.
(٣) الانتصاف ١٨٤/٤.
(٤) التفسير الكبير ٢٠٥/٣٠-٢٠٦.

الآية : ٣١
٦٩
سُورَةُ المُذهِ
وحَمْلُ ((الذين أوتوا الكتاب)) على أهل الكتابين ممَّا ذهب إليه جمع، وقيل:
المراد بهم اليهود، فقد أخرج ابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه والبيهقي في ((البعث)) عن
البَراء: أنَّ رهطاً مِن اليهود سألوا رجلاً مِن أصحاب النبيِّ وََّ عن خَزَنة جهنّم،
فقال: اللهُ تعالى ورسولُهُ وَّهَ أعلم، فجاء فأخبرَ النبيَّي ◌َّهِ فنزل عليه ساعتئذٍ: ﴿عَلَهَا
تِسْعَةَ عَثَرَ﴾(١). وأخرج الترمذي وابن مردويه عن جابر قال: قال ناسٌ مِن اليهود
لأناس مِن أصحاب النبيِّ وَّ: هل يَعلَم نبيُّكم عددَ خَزَنة جهنّم؟ فأخبروا
رسولَ الله ◌َ فقال: هكذا وهكذا، في مرَّة: عشرة، وفي مرَّة: تسعة(٢). واستُشْعِرَ
مِن هذا أنَّ الآيةَ مدنيّة؛ لأنَّ اليهودَ إنَّما كانوا فيها، وهو استشعار ضعيف؛ لأنَّ
السؤالَ لصحابيٍّ، فلعلَّه كان مسافراً، فاجتمع بيهوديٍّ حيث كان، وأيضاً لا مانع إذ
ذاك مِن إتيان بعض اليهود نحو مَّة المكرّمة.
ثم إنَّ الخبرين لا يُعيِّنان حَمْلَ الموصول على اليهود كما لا يخفى، فالأَولى
إبقاء التعريف على الجنس وشمول الموصول للفريقين، أي: ليستيقنَ أهل الكتاب
مِن اليهود والنصارى.
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَنَا﴾ أي: يزداد إيمانهم كيفيَّةً بما رَأَوْا مِن تسليم أهل
الكتاب وتصديقهم أنَّه كذلك، أو كميَّة بانضمام إيمانهم بذلك إلى إيمانهم بسائر
ما أُنزل.
﴿وَلَا يَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ تأكيدٌ لِمّا قبله مِن الاستیقان وازدياد
الإيمان، ونفيٌّ لِمَا قد يعتري المستيقنَ مِن شبهةٍ مّا للغفلة عن بعض المقدِّمات أو
طريان ما يتوهّم كونه معارضاً في أوَّل وهلة، ولِمَا فيه مِن هذه الزيادة جاز عطفُه
على المؤكَّد بالواو؛ لتغايرهما في الجملة، وإنَّما لم يُنْظَم المؤمنون في سلْكِ أهل
الكتاب في نفي الارتياب حيث لم يُقَلْ: ولا يرتابوا؛ للتنبيه على تباين النفيَيْن
حالاً، فإنَّ انتقاءّ الارتياب مِن أهل الكتاب مقارِنٌ لِمَا ينافيه مِن الجحود، ومن
المؤمنين مقارِنٌ لِمَا يقتضيه مِن الإيمان، وكم بينهما!
(١) الدر المنثور ٢٨٣/٦-٢٨٤، والبعث والنشور (٥٠٩).
(٢) الدر المنثور ٢٨٤/٦، والترمذي (٣٣٢٧) وقال: هذا حديث غريب.

سُؤَةُ المُدِّ
٧٠
الآية : ٣١
وقيل: إنَّما لم يُقَل: ولا يرتابوا، بل قيل: ((ولا يرتاب)) إلخ؛ للتنصيص على
تأكيد الأمرين؛ لاحتمالِ عود الضمير في ذلك على المؤمنين فقط.
والتعبيرُ عن المؤمنين باسم الفاعل بعد ذِكْرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة
عن الحدوث؛ للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازديادهم ورسوخهم في ذلك.
﴿وَلِيَقُولَ الَِّينَ فِي قُلُوبِهِ فَرَهُ﴾ أي: شكٌّ أو نفاق، فيكون - بناء على أنَّ السورة
بتمامها مكِّية، والنفاق إنَّما حدث بالمدينة - إخباراً عمَّا سيحدث مِن المغيّيات بعد
الهجرة ﴿وَالْكَفِرُونَ﴾ المصرُّون على التكذيب ﴿مَاذَا أَرَدَ اللَّهُ بِهِذَا مَثَلًا﴾ أي: أيَّ شيءٍ
أراد الله تعالى، أو: ما الذي أراده الله تعالى بهذا العدد المستغرَب استغرابَ
المَثَل، وعلى الأوَّل ((ماذا)) منزَّلة منزلةَ اسم واحد للاستفهام في موضع نصب بـ :
أراد، وعلى الثاني: هي مؤلّفة من كلمة ((ما)) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا)) اسم
موصول خبره، والجملة بعدُ صلةٌ، والعائد فيها محذوف. و((مثلاً)) نصب على
التمييز، أو على الحال، كما في قوله تعالى: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾
[الأعراف: ٧٣].
والظاهر أنَّ ألفاظ هذه الجملة مِن المحكيِّ، وعَنَوا بالإشارة التحقير،
وغرضُهم نفيُ أن يكون ذلك مِن عند الله عزَّ وجلَّ على أبلغ وجه، لا الاستفهامُ
حقيقةً عن الحكمة، ولا القدحُ في اشتماله عليها، مع اعترافهم بصدور الإخبار
بذلك عنه تعالى، وجوّز أن يكون ((أرادَ الله)) مِن الحكاية، وهم قالوا: ماذا أريد؟
ونحوَه. وقيل: يجوز أن يكون المَثَل بمعناه الآخَر، وهو ما شبّه مَضْرِبُه بِمَوْرِدِهِ،
بأن يكونوا قد عدُّوه لاستغرابه مَثَلاً مضروباً، ونسبوه إليه عزَّ وجلَّ استهزاء
وتھگّماً.
وإفراد قوله بهذا التعليل(١) مع كونه مِن باب فتنتهم، قيل: للإشعار باستقلاله
في الشناعة. وفي ((الحواشي الشهابيَّة)): إنَّما أُعيدَ اللام فيه للفَرْق بين العلَّتين، إذ
(١) كذا وقعت العبارة في الأصل و(م)، والذي في تفسير أبي السعود ٩/ ٦٠: وإفراد قولهم هذا
بالتعليل. وهو الصواب.
.

الآية : ٣١
٧١
سُورَةُ المُحُدْرِ
مرجع الأولى الهداية المقصودة بالذات، ومرجع هذه الضلال المقصود بالعَرَض
الناشئٍ مِن سوء صنيع الضالِّين، وتعليلُ أفعاله تعالى بالحِكَم والمصالح جائز عند
المحقّقين، وجوِّز في هذه اللام - وكذا الأولى - كونها للعاقبة(١).
﴿كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ مَن يَنَاءُ﴾ ((ذلك)) إشارة إلى ما قبله مِن معنى الإضلال والهداية،
ومحلُّ الكاف في الأصل النصب على أنَّها صفةٌ لمصدر محذوف، وأصل التقدير:
يُضلُّ اللهُ مَن يشاء ﴿وَيَهْدِى مَن ◌ًَ﴾ إضلالاً وهدايةً كائنين مِثْلَ ما ذكر مِن الإضلال
والهداية، فحذف المصدر وأقيم وصفُه مقامَه، ثم قدِّم على الفعل لإفادة القَصْر،
فصار النظم: مِثْلَ ذلك الإضلال وتلك الهداية يضلُّ الله تعالى مَن يشاء إضلاله
لصَرْف اختياره حسَب استعداده السَّيِّئ إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله
تعالى الناطقة بالهدى، ويهدي مَن يشاء هدايته لصَرْفِ اختياره حسَب استعداده
الحسَن عند مشاهدة تلك الآيات إلى جانب الهدى، لا إضلالاً وهداية أدنى منهما،
ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما بعدُ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] على ما حقِّق في موضعه.
﴿وَمَا يَعْلَُّ جُنُدَ رَيِّكَ﴾ جمع: جند، اشتهر في العسكر اعتباراً بالغلظة مِن الجَنَّد،
أي: الأرض الغليظة التي فيها حجارة، ويقال لكلّ جَمْع، أي: وما يَعلمُ جموعَ
خَلْقه تعالى التي مِن جملتها الملائكة المذكورون على ما هم عليه ﴿إِلَّا مُؤْ﴾ عزَّ
وجلَّ، إذ لا سبيلَ لأحد إلى حَصْر الممكنات والوقوف على حقائقها وصفاتها ولو
إجمالاً، فضلاً عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها من كمٍّ وكيفٍ ونسبةٍ، وهو ردّ
لاستهزائهم بكون الخَزَنة تسعةَ عَشَر؛ لجهلهم وجهَ الحكمة في ذلك.
وقال مقاتل: هو جوابٌ لقول أبي جهل: أمَا لربِّ محمَّد أعوان إلا تسعةً
عَشَر؟! وحاصله أنَّه لما قلَّل الأعوان، أُجيب بأنَّهم لا يُحصَون كثرةً، إنَّما الموّلون
على النار هؤلاء المخصوصون، لا أنَّ المعنى: ما يَعلمُ بقوَّة بَطْشِ الملائكة إلَّا
هو، خلافاً للطيبيِّ فإنَّ اللفظ غيرُ ظاهر الدلالة على هذا المعنى.
(١) حاشية الشهاب ٨/ ٢٧٧.

سُورَةُ المحدّدِ
٧٢
الآية : ٣١
واختلف في أكثر جنود اللهِ عَزَّ وجلَّ، فقيل: الملائكة، لخبر: ((أَّتِ السماءِ
وحقَّ لها أنْ تَنِظَّ، ما فيها موضع قَدَم إلا وفيه مَلَك قائم أو راكع أو ساجد))(١).
وفي بعض الأخبار: أنَّ مخلوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مخلوقات البحر، والمجموع عُشْرُ
مخلوقات الجوِّ، والمجموع عُشْر ملائكة السماء الدنيا، والمجموع عُشْرُ ملائكة
السماء الثانية، وهكذا إلى السماء السابعة، والمجموع عُشر ملائكة الكرسيِّ،
والمجموع عُشْرُ الملائكة الحافِّين بالعرش، والمجموع أقلُّ قليل بالنسبة إلى
ما لا يعلمه إلا الله، وقيل: المجموع أقلُّ قليل بالنسبة إلى الملائكة المهيمين الذين
لا يعلم أحدَهم أنَّ الله تعالى خَلَق أحداً سواه، والمجموع أقلُّ قليل بالنسبة إلى
ما يعلمه سبحانه مِن مخلوقاته(٢).
وعن الأوزاعيِّ قال: قال موسى عليه السلام: يا ربِّ، مَن معكَ في السماء؟
قال: ملائكتي. قال: كم عدَّتهم؟ قال: اثنا عشر سِبْطاً. قال: كم عدَّة كلِّ سبط؟
قال: عدد التراب. وفي صحّة هذا نظر، وإن صحَّ فصدره مِن المتشابه.
وأنا لا أجزمُ بأكثريَّة صنف، فما يَعلمُ جنودَ ربِّك إلا هو، ولم يصحَّ عندي نصُّ
في ذلك، بَيْدَ أنَّه يغلب على الّنِّ أنَّ الأكثر الملائكةُ عليهم السلام، وهذه الآية
وأمثالها مِن الآيات والأخبار تُشجّع على القول باحتمال أن يكون في الأجرام
العلويَّة جنودٌ مِن جنود الله تعالى لا يَعلمُ حقائقها وأحوالها إلا هو عزَّ وجلَّ، ودائرةٌ
مِلْكِ الله جلَّ جلاله أعظم مِن أن يُحيط بها نطاق الحَصْر، أو يصل إلى مركزها
طائر الفِكْر، فأَنَّى وهيهات، ولو استغرقت القوى والأوقات.
هذا، واختلف في المخصِّص لهذا العدد - أعني ((تسعة عشر)) - فقيل: إنَّ
اختلاف النفوس البشريّة في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانيَّة الاثنتي عشرة،
يعني الحواسّ الخمسة الباطنة، والحواسّ الخمسة الظاهرة، والقوّة الباعثة كالغَضَبية
والشهويَّة، والقوَّة المحرِّكة، فهذه اثنتا عَشْرة، والطبيعيَّة السبع التي ثلاث منها
(١) سلف ٢ / ٨٧.
(٢) سلف عند تفسير الآية (٧) من سورة غافر.

الآية : ٣١
٧٣
سُؤَّةُ المصدرِ
مخدومة، وهي القوَّة النامية والغادية والمولِّدة، وأربع منها خادمة: وهي الهاضمة
والجاذبة والدافعة والماسكة. وهذا مع ابتنائه على الفلسفة لا يَكاد يتمُّ كما لا يَخفى
على مَن وقف على كتبها .
وقيل: إنَّ لجهنّم سبعَ دَرَكات، ستّ منها لأصناف الكفّار، وكلُّ صنف يُعذّب
بتَرْك الاعتقاد والإقرار والعمل أنواعاً مِن العذاب تناسبها، فبضرب السِّتِّ في
الثلاثة يحصل ثمانيةَ عَشَر، وعلى كلِّ نوع مَلَكٌ أو صنفٌ يتولَّاه، وواحدةٌ لعُصاة
الأمَّة يعذَّبون فيها بتَرْك العمل نوعاً يناسبه، ويتولَّاه مَلَك أو صنفٌ، وبذلك تتمُّ
التسعةَ عَشَر. وخصَّت ستٍّ منها بأصناف الكفار وواحدةٌ بأصناف الأُمَّة، ولم يجعل
تعذيب الكفّار في خمس منها، فيبقَ للمؤمنين اثنتان إحداهما لأهل الكبائر
والأخرى لأهل الصغائر، أو إحداهما للعصاة منهم والأخرى للعاصيات؛ لأنَّه
حيث أُعدَّت النار للكافرين أوَّلاً وبالذات ناسبَ أن يستغرقوها كليَّةً ويوزَّعوا على
جميع أماكنها بقَدْر ما يُمكن، لكن لمَّا تعلَّقت إرادته سبحانه بتعذيب عصاةِ الأمّة بها
أفرزت واحدة منها لهم.
وقيل: إنَّ الساعاتِ أربعٌ وعشرون، خمسة منها مصروفةٌ للصلاة، فلم يخلق
في مقابلتها زَبانية؛ لبركة الصلاة الشاملة لمن لم يصلِّ، فيبقى تسعة عشر.
وقيل: إنَّ لجهنَّم سَبْعَ دَرَكات، ستٍّ منها لأصناف الكفّار، وللاعتناء بأمر
عذابهم واستمراره ناسب أن يقومَ عليه ثلاثةٌ، واحدٌ في الوسط واثنان في الطرفين،
فهذه ثمانيةَ عَشَر، وواحدة منها لعصاة المؤمنين، ناسب أَمْرُ عذابهم أن يقوم عليه
واحد، وبه تتُّ التسعة عَشَر.
وقيل: إنَّ العدد على وجهين: قليل وهو مِن الواحد إلى التسعة، وكثير وهو من
العشرة إلى ما لا نهاية له، فجمع بين نهايةِ القليل وبداية الكثير. وقيل غير ذلك.
والذي مال إليه أكثر العلماء أنَّ ذلك ممَّا لا يعلم حكمته على التحقيق إلا الله
عزَّ وجلَّ، وهو كالمتشابه يُؤمَن به ويُفوّض عِلْمه إلى الله تعالى، وكلُّ ما ذكر ممَّا
لا يعوَّل عليه، كما لا يخفى على مَن وجَّه أدنى نَظَرِه إليه، والله تعالى الهادي
الصوب الصواب، والمتفضِّل على مَن شاء بعلم لا شكَّ معه ولا ارتياب.

سُورَة المهددِ
٧٤
الآية : ٣١
وقرأ أبو جعفر وطلحة بنُ سليمان: ((تسْعَةَ عْشَرَ)) بإسكان العين(١)، وهو لغة فيه
كراهةَ توالي الحركات فيما هو كاسمٍ واحد.
وقرأ أنس بنُ مالك وابنُ عباس وابنُ قطيب وإبراهيم بن قَتَّة: ((تِسْعَةُ)) بضمٌ
التاء(٢)، وهي حركة بناء عدل إليها عن الفتح لتوالي خمس فتحات، ولا يتوهّم أنَّها
حركة إعراب، وإلا لأعرب (عَشَرَ)).
وقرأ أنس أيضاً: ((تِسْعَةُ)) بالضمِّ ((أَعْشُرَ)) بالفتح(٣)، قال صاحب ((اللوامح)):
فيجوز أنَّه جمع العَشَرة على ((أَعْشُر))، ثم أجراه مجرى ((تسعة عشر)).
وعنه أيضاً: ((تسْعَةُ وعْشُرَ)) بالضمِّ وقلب الهمزة واواً خالصة(٤)؛ تخفيفاً، والتاء
فيهما مضمومة ضمةً بناء لِمَا سمعت آنفاً.
وعن سليمان بن فَتَّة - وهو أخو إبراهيم - أنَّه قرأ: ((تِسْعَةُ أَعْشُرٍ)) بضمِّ التاء ضمةً
إعراب، والإضافة إلى ((أَعْشُرٍ)) وجرِّه منوَّناً (٥)، وهو على ما قال صاحب
((اللوامح)): جمع عشرة، وقد صرَّح بأنَّ الملائكة على القراءة بهذا الجمع - معرباً
أو مبنيًّا - تسعون مَلَكاً. وقال الزمخشريُّ: جمع: عشير، مثل يمين وأَيْمُن(٦).
وروي عنه أنَّه قال: أي: تسعة مِن الملائكة، كلُّ واحد منهم عشير، فهم مع
أشياءهم تسعون، والعشير بمعنى العشر، فدلَّ على أنَّ النقباءَ تسعة. وتعقِّب بأنَّ
دلالته على هذا المعنى غيرُ واضحة. ولهذا قال ابنُ جِنِّي: لا وجهَ لتلك القراءة
إلا أن يعني ((تِسْعَةَ أَعْشُرٍ)) جمع العشير(٧)، وهم الأصدقاء، فليراجع.
(١) المحتسب ٣٣٨/٢، والبحر ٣٧٥/٨.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦٤، والمحتسب ٣٣٩/٢، والبحر ٣٧٥/٨، قال ابن خالويه: قال
ابن أبي حاتم: الصواب: تسعةُ اعْشَرَ.
(٣) تفسير القرطبي ٣٨٧/٢١، والبحر ٣٧٥/٨.
(٤) المحتسب ٣٣٩/٢، والبحر ٣٧٥/٨.
(٥) الكشاف ١٨٤/٤، والقرطبي ٣٨٨/٢١، والبحر ٣٧٦/٨.
(٦) الكشاف ١٨٤/٤ .
(٧) المحتسب ٣٣٩/٢.

الآية : ٣٢
٧٥
سُؤَدَّةُ المُذُرِ
إلا تذكرةٌ
٣١
﴿وَمَا هِىَ﴾ أي: سَقَرُ، كما يقتضيه كلام مجاهد ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ
لهم، والعطف قيل على قوله تعالى: ((سأصليه سَقَر))، و((ما جعلنا أصحاب النار))
إلى هنا اعتراض. ووَجْهُه أَنَّه لمَّا قيل: ((عليها تسعة عشر)) زيادةً في تهويل أمْرِ
جهنَّم عقّب بما يؤكِّد قوَّتهم وتسلُّطهم وتباينهم بالشِّدَّة عن سائر المخلوقات، ثم
بما يؤكّد الكميَّة، وما أَّد المؤكّد فهو مؤكّد أيضاً.
وقيل: الضمير للآيات الناطقة بأحوال سَقَر.
وقيل: لعدَّة خَزَنتها، والتذكير والعظة فيها مِن جهة أنَّ في خَلْقه تعالى ما هو
في غاية العظمة حتى يكون القليل منهم معذٍّباً ومُهْلِكاً لِمَا لا يُحصى دلالةً على أنَّه
عزَّ وجلَّ لا يُقدَر حقَّ قَدْره، ولا تُوصف عظمته، ولا تصل الأفكار إلى حرم
جلاله .
وقيل: الضمير للجنود. وقيل: لنار الدنيا، وهذا أضعف الأقوال،
وأقواها - على ما قيل - ما تقدّم.
وبين البشر هاهنا والبشر فيما سبق - أعني قوله تعالى: ((لوَّاحة للبشر)) على
تفسير الجمهور - تجنيسٌ تامٌّ لفظيٍّ وخطّيٌّ، وقلَّ مَن تذكَّر له.
﴿كَلَّا﴾ ردعٌ لِمَن أنكرها، وقيل: زجرٌ عن قول أبي جهل وأصحابِه أنَّهم
يقدرون على مقاومة خَزَنة جهنّم. وقيل: ردعٌ عن الاستهزاء بالعدَّة المخصوصة.
وقال الفرَّاء: هي صلة للقَسَم. وقدَّرها بعضهم بـ: حقًّا، وبعضهم بـ((ألا))
الاستفتاحيَّة، وقال الزمخشري: إنكارٌ - بعد أن جعلها سبحانه ذكرى - أن يكون لهم
ذكرى(١). وتعقّبه أبو حيَّان بأنَّه لا يسوغ في حقِّه تعالى أن يخبر أنَّها ذكرى للبشر،
ٹم ◌ُنکِر أن یکون لهم ذکری(٢).
وأجيب بأنَّه لا تناقضَ؛ لأنَّ معنى كونها ذكرى أن شأنها أن تكون مذكِّرةً لكلِّ
أحد، ومن لم يتذكَّر - لغلبة الشقاء عليه - لا يُعَدُّ من البشر ولا يُلتَفَت لعدم تذكُره،
(١) الكشاف ١٨٦/٤.
(٢) البحر المحيط ٣٧٨/٨.

سُورَة المهددِ
٧٦
الآية : ٣٣ - ٣٥
كما أنَّ حلاوة العسل لا يضرُّها كونها مُرَّةً في فم منحرفِ المزاج المحتاج إلى
العلاج.
وحالُ حُسْنِ الوقف على ((كلَّا)) وعدم حسنه هنا يُعلَم مِن النظر إلى المراد بها،
وصرَّح بعضهم بذلك، فقال: إن كانت متعلِّقة بالكلام السابق يحسن الوقف عليها،
وإن كانت متعلِّقة بالكلام اللاحق لا يَحسُن ذلك، أي: كما إذا كانت بمعنى ((أَلَا))
الاستفتاحيَّة، فالوقف حينئذ تامٌّ على ((للبشر))، ويستأنف ((كلَّا)).
وَأَيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴾﴾ أي: ولَّى، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد
وَالْغَيْرِ (
وعطاء وابنُ يعمر وأبو جعفر وشيبة وأبو الزناد وقتادة وعمر بنُ عبد العزيز والحسن
وطلحة والنحويَّان والابنان وأبو بكر: ((إذا)) ظرف زمان مستقبل، ((دَبَرَ)) بفتح
الدال(١)، وهو بمعنى أدبر المزيد، كـ: قبل وأَقبل، والمعروف المزيد، وحسَّن
الثلاثيَّ هنا مشاكلةُ أكثر الفواصل، وقيل: ((دَبَرَ)) مِن دَبَرَ الليلُ النهار: إذا خَلَفَه،
والتعبير بالماضي مع ((إذا)) التي للمستقبل للتحقيق، ويجوز أن يقال: إنَّها تقلبه
مستقبلاً .
وقرأ أبو رزين وأبو رجاء والأعمش ومطر ويونس بنُ عبيد، وهي رواية عن
الحسن وابن يعمر والسلمي وطلحة: ((إذا)» بالألف ((أدبر)) بالهمز(٢)، وكذا هو في
مصحف عبد الله وأُبَيِّ، وهو أنسب بقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَشْفَرَ
أي: أضاء
وانكشف على قراءة الجمهور، وقرأ ابن السميفع وعيسى بن الفضل: ((سَفَرَ))
ثلاثيًا(٣)، وفسِّر بطَرْح الظلمة عن وجهه.
جواب للقَسَم، وجوّز أن يكون (كلَّا)) ردعاً لمن يُنكِر
﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبرِّ ◌َّ
أن تكون إحدى الكبرى؛ لِمَا عُلمَ مِن أنَّ ((إنَّ) واللام مِن الكلام الإنكاري في
جواب منكِر مصرٍّ، وهذا تعليل لـ ((كلَّا))، والقَسَم معترِضٌ للتأكيد لا جواب له، أو
جوابه مقدَّر يدلُّ عليه ((كلَّا))، وفي التعليل نوعُ خفاء، فتأمَّل.
(١) التيسير ص٢١٦، والنشر ٣٩٣/٢، والبحر ٣٧٨/٨.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٠٤/٣، والبحر المحيط ٣٧٨/٨، والكلام منه.
(٣) المحرر الوجيز ٣٩٧/٥، وتفسير القرطبي ٣٩٢/٢١، والبحر المحيط ٣٧٧/٨.

الآية : ٣٥
٧٧
سُورَةُ المهددِ
وضمير ((إِنَّها)) لـ ((سقر))، و((الكُبَر)) جمع: الكُبرى، جعلت ألف التأنيث كتائها،
فكما جمعت فُعْلَة على فُعَل جمعت فُعْلَى عليها، ونظيرها: السوافي في جمع
السافِياء(١)، والقواصع في جمع القاصِعَاء(٢)، فإنَّ فاعلة تُجمَع على فواعل باطرادٍ،
لا فاعلاء، لكن حُمل فاعلاء على فاعلة؛ لاشتراك الألف والتاء في الدلالة على
التأنيث وضعاً، فجمع فيهما على فواعل، وقول ابن عطية: ((الكُبَر)) جمع:
كبيرةٌ (٣). وهمّ كما لا يخفى.
أي: إنَّ سَقَر لإحدى الدواهي الكُبَر، على معنى إنَّ البلايا الكبيرة كثيرةٌ،
و(سَقَر)) واحدة منها، قيل: فيكون في ذلك إشارة إلى أنَّ بلاءَهم غيرُ محصور فيها،
بل تحلُّ بهم بلايا غيرُ متناهية. أو: إنَّ البلايا الكبيرةَ كثيرةٌ، و((سَقَر)) مِن بينهنَّ
واحدة في العِظَم لا نظيرَ لها، وهذا كما يقال: فلانٌ أَحَدُ الأحدين، وهو واحد
الفضلاء، وهي إحدى النساء، وعلى هذا اقتصر الزمخشريُّ (٤)، ورجّح الأوَّل بأنَّه
أنسب بالمقام، ولعلَّه لِمَا تضمَّن مِن الإشارة.
وقيل: المعنى: إنَّها لإحدى دَرَكات النار الكُبَر السبع؛ لأنَّها جهنّم ولَظَى
والخُطَمَة وسَقَر والسعير والجحيم والهاوية. ونقل عن صاحب ((التيسير))، وليس
بذاك أيضاً.
وقيل: ضمير ((إنَّها)) يحتمل أن يكون للنذارة وأمر الآخرة؛ قال في ((البحر)):
فهو للحال والقصّة(٥). وقيل: هو للساعة، فيعود على غير مذكور.
وقرأ نصر بنُ عاصم وابنُ محيصن ووهب بنُ جرير عن ابن كثير: لـ ((إحْدَى
الكُبر)) بحذف همزة إحدى(٦)، وهو حذف لا ينقاس، وتخفيف مثل هذه الهمزة أن
تُجعَلَ بَيْنَ بَيْنَ.
(١) وهي: الغبار، أو ريح تحمل تراباً. القاموس (سفي).
(٢) وهو: جُخْر لليربوع يدخله. القاموس (قصع).
(٣) المحرر الوجيز ٣٩٧/٥.
(٤) الكشاف ١٨٦/٤.
(٥) البحر المحيط ٣٧٨/٨.
(٦) القراءات الشاذة ص١٦٥، والبحر المحيط ٣٧٨/٨.

الآية : ٣٦
٧٨
سُوَّةُ المُدُ
قيل: تمييز لـ ((إحدى الكُبَر)) على أنَّ ((نذيراً)) مصدر بمعنى
﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ
إنذاراً كالنكير بمعنى الإنكار، أي: إنَّها لإحدى الكبر إنذاراً، والمعنى على
ما سمعت عن الزمخشريِّ: إنَّها لأعظم الدواهي إنذاراً، وهو كما تقول: هي إحدى
النساء عفافاً. وقال الفرَّاء: هو مصدر نُصبَ بإضمار فعل، أي: أنذر إنذاراً(١).
وذهب غير واحد إلى أنَّه اسم فاعل بمعنى مُنذِرةً، فقال الزجَّاج: حال من
الضمير في ((إنَّها))(٢)، وفيه مجيءُ الحال مِن اسم ((إنَّ)، وقيل: حال مِن الضمير في
(لإحدى)). واختار أبو البقاء كونه حالاً ممَّا دلَّت عليه الجملة، والتقدير: عظمت
أو كَبُرَتْ نذيراً(٣)، وهو على ما قال أبو حيَّان: قولٌ لا بأس به (٤). وجوّزت هذه
الأوجه على مصدريَّته أيضاً بتأويله بالوصف، وقال النخَّاس: حذفت الهاء من
(نذيراً)) وإن كان للنار على معنى النسب، يعني ذات إنذار. وقد يقال في عدم
إلحاق الهاء فيه غيرُ ذلك ممَّا قيل في عدم إلحاقها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقال أبو رزين: المراد بالنذير هنا هو الله تعالى، فهو منصوب بإضمار فعل،
أي: ادْعُ نذيراً أو نحوه.
وقال ابن زيد: المراد به النبيُّ وَّ، قيل: فهو منصوب بإضمار فعل أيضاً،
أي: نادٍ، أو: بَلِّغ، أو: أَعلِن، وهو كما ترى، ولو جعل عليه حالاً مِن الضمير
المستتر في الفعل لكان أولى، وكذا لو جعل منادى، والكلام نظير قولك: إنَّ الأمر
كذا يا فلان، وقيل: إنَّه على هذا حال من ضمير ((قم)) أوَّل السورة، وفيه خَرْم
النظم الجليل، ولذا قيل: هو مِن بِدَع التفاسير.
وقرأ أُبَيِّ وابنُ أبي عبلة: ((نذيرٌ)) بالرفع، على أنَّه خبر بعد خبر لـ ((إنَّ)، أو خبرٌ
لمبتدأ محذوف، أي: هي نذير على ما هو المعوَّل عليه مِن أنَّه وصف النار، وأمَّا
(١) معاني القرآن ٣/ ٢٠٥ بنحوه، والكلام من البحر المحيط ٣٧٩/٨.
(٢) معاني القرآن ٢٤٩/٥.
(٣) الإملاء ٤٢٩/٤.
(٤) البحر المحيط ٣٧٩/٨.

الآية : ٣٧ - ٣٨
٧٩
سُوَّة المصدرِ
على القول بأنَّه وصف الله تعالى أو الرسول وَ ◌ّ﴿ فهو خبرٌ لمحذوف لا غير، أي:
هو نذير.
، الجارُّ والمجرور بدل من الجارِّ والمجرور
﴿لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَنَقَدَّمَ أَوْ يَتَمََّ (®))
فيما سبق، أعني: ((للبشر))، وضمير (شاءً)) للموصول، أي: نذيراً للمتمكّنين منكم
مِن السبق إلى الخير والتخلّف عنه. وقال الشُّدِّيُّ: أَنْ يتقدَّم إلى النار المتقدِّمِ ذِكْرُها
أو يتأخَّر عنها إلى الجنَّة. وقال الزجَّاج: أنْ يتقدَّم إلى المأمورات، أو يتأخّر عن
المنهيَّات(١). وفسَّر بعضُهم التقدُّم بالإيمان والتأخّر بالكفر. وقيل: ضمير
(شاء)) تعالى، أي: نذيراً لمن شاء الله تعالى منكم تقدُّمه أو تأخُره.
وجوّز أن يكون ((لمن)) خبراً مقدّماً، و((أن يتقدَّم أو يتأخّر)» مبتدأ، كقولك لِمَنْ
توضّأ أن يصلِّي. ومعناه: مطلَق لمَنْ شاء التقدُّم - أي: السبق إلى الخير - أو التأخّر،
أي: التخلُّف عنه، أن يتقدَّم أو يتأخَّر، فيكون كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ
فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. ولا يخفى أنَّ اللفظ يحتمله، لكنَّه بعيد جدًّا.
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَبِنَةُ (®﴾ مرهونة عند الله تعالى بكَسْبها، والرهينة مصدرٌ
بمعنى الرَّهْن، كالشتيمة بمعنى الشَّتْم، لا صفة، وإلا لقيل: رهين؛ لأنَّ فعيلاً
بمعنى مفعول لا يَدخله التاء، ويستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، ومنه قول
عبد الرحمن بنِ زيد، وقد قُتْلَ أبوه وعُرضَ عليه سَبْعِ دِيَاتٍ، فأبى أن يأخذها:
رهينة رَمْسٍ ذي تراب وجَنْدلٍ
أبعدَ الذي بالنَّعْفِ(٢) نَعْفٍ ◌ُوَيْكِبٍ
وبُقيَاي أنِّ جاهدٌ غير مؤتَلٍ (٣)
أُذكَّر بالبُقْيا على مَن أصابني
واختير على رهين مع موازنته لليمين وعدم احتياجه للتأويل؛ لأنَّ المصدر هنا
أبلغ، فهو أنسب بالمقام، فلا يلتفت للمناسبة اللفظيَّة فيه.
(١) معاني القرآن وإعرابه ٢٤٩/٥.
(٢) جاء في هامش الأصل: النعف: ما استقبلك من الوادي. انتهى منه.
(٣) جاء في هامش الأصل: هو من باب عتابه السيف. انتهى منه. والبيتان في الحماسة البصرية
٢١٧/١، والبيان والتبيين ٢٥٨/٣، والأغاني ١٠٤/٥، والرمس: القبر، والجندل:
الحجارة.

سُورَةُ المُذِ
٨٠
الآية : ٣٩ - ٤٠
وقيل: الهاء في ((رهينة)) للمبالغة. واختار أبو حيَّان(١) أنَّها ممَّا غلب عليه
الاسميَّة كالنطيحة، وإن كانت في الأصل فعيلاً بمعنى مفعول، وهو وجه أيضاً،
وادَّعى أنَّ التأنيثَ في البيت على معنى النفس.
﴿إِلَّ أَضْحَبَ أْتِينِ
﴾ وهم المسلمون المخلصون، كما قال الحسن وابنُ
٣٩
كيسان والضَّحَّاك، ورواه ابنُ المنذر عن ابنِ عبَّاس، فإنَّهم فاكُون رقابهم بما أَحسنوا
مِن أعمالهم، کما یَفُُّ الراهنُ رهنَه بأداء الدين.
وأخرج ابنُ المنذر وابنُ جرير وجماعة عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنَّهم
أطفال المسلمين(٢)، وأخرجوه أيضاً عن ابنِ عمر ﴿﴾(٣).
ونقل بعضهم عن ابن عباس أنَّهم الملائكة فإنَّهم غيرُ مرهونين بديون التكاليف
كالأطفال. وتعقّب بأن إطلاق النفس على المَلَك غيرُ معروف، وبأنَّهم لا يُوصفون
بالكسب أيضاً، على أنَّ الظاهر سباقاً وسياقاً أن يُراد بهم طائفةٌ من البشر
المكلَّفين، والكثير على تفسيرهم بما سمعتَ. وقيل: هم الذين سَبَقت لهم من الله
الحُسنى. وقيل: الذين كانوا عن يمين آدم عليه السلام يومَ الميثاقِ، وقيل: الذين
يُعطَون كتبهم بأيمانهم. ولا تَدافُع بين هذه الأقوال كما لا يخفى، والاستثناء على
ما تقدَّم - وكذا هذه الأقوال - مثَّصل، وأمَّا على قول الأمير كرَّم الله تعالی وجهه،
وما نقل عن ابنِ عمِّه، فقال أبو حيَّان: هو استثناء منقطع(٤). وقيل: يجوز الاتصال
والانقطاع بناءً على أنَّ الكسبَ مُطلَق العمل، أو ما هو تكليف، فلا تغفل.
﴿فِ جَّةٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتنوين للتعظيم، والجملة استئناف وقعَ جواباً
عن سؤال نشأ ممَّا قبله مِن استثناء ((أصحاب اليمين))، كأنَّه قيل: ما بالهم؟ فقيل:
هم في جنَّات لا يُكتَنَهُ كُنْهها ولا يُدرَك وصفُها .
(١) البحر المحيط ٣٧٩/٨.
(٢) الدر المنثور ٢٨٥/٦، وتفسير الطبري ٤٤٩/٢٣-٤٥٠، وهو عند ابن أبي شيبة ٢٨٥/١٣،
والحاكم ٥٠٧/٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٣) الدر المنثور ٢٨٥/٦، ونسبه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة [٣٢٥/١٣]، وابن المنذر.
(٤) البحر المحيط ٣٧٩/٨.