النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سُورَةُ المُذِ
شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أَرَ شيئاً، ونظرت خَلْفي فلم أَرَ شيئاً، فرفعتُ رأسي
فإذا المَلَك الذي جاءني بِحِراء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض فَجُئِئْتُ(١)
منه رُعْباً، فرجعتُ فقلتُ: دثِّروني. فدثَّروني، فنزلت: ﴿وَأََّا الْمُدَّثِّرُ ﴾ قُرْ فَلَّذِرْ
وَرَبِّكَ فَكِيْ﴾(٢). وفي رواية: ((فجئتُ أهلي، فقلتُ: زمِّلوني، زمِّلوني زمِّلوني،
فأنزل الله تعالى: ﴿بَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَهْجُرْ﴾(٣) = فإنَّ القصّة واحدة، ولو
كانت: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾ هي النازلةَ قَبْلُ فيها لذُكرت، نعم ظاهر هذا الخبر يقتضي أنَّ
﴿وَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ﴾ نزل قبل: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ والمروي في الصحيحين وغيرهما عن
عائشة أنَّ ذاك أوَّلُ ما نزل مِن القرآن(٤)، وهو الذي ذهب إليه أكثر الأمَّة حتى قال
بعضهم: هو الصحيح.
ولصحّة الخبرين احتاجوا للجواب، فنقل في ((الإتقان)) خمسةً أجوبة:
الأوَّل: أنَّ السؤال في حديث جابر كان عن نزول سورة كاملةٍ، فبيّن أنَّ سورة
((المدَّثِّر)) نزلت بكمالها قبل تمام سورة: ﴿أَقْرأْ﴾ فإنَّ أوَّل ما نزل منها صدرها.
الثاني: أنَّ مرادَ جابر بالأوَّلِيَّة أوَّليَّةٌ مخصوصة بما بعد فترة الوحي، لا أوَّلَيَّة
مطلقة .
الثالث: أنَّ المراد أوَّليّة مخصوصة بالأمر بالإنذار، وعبَّر بعضهم عن هذا
بقوله: أوَّل ما نزل للنبوَّة: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ وأوَّل ما نزل للرسالة: ﴿بَأَيُّهَا الْمُذَّرُ﴾.
الرابع: أنَّ المراد أوَّل ما نزل بسبب متقدِّم، وهو ما وقع مِن التدثَّر الناشِئ عن
الرُّعب، وأمَّا: ﴿اقْرأْ﴾ فنزلت ابتداءً بغير سبب متقدِّم.
(١) جاء في هامش الأصل: أي: ذعرت. انتهى منه.
(٢) أحمد (١٤٢٨٧)، والبخاري (٤٩٢٢) و(٤٩٢٣) و(٤٩٢٤)، ومسلم (١٦١): (٢٥٧)، وهو
عند الترمذي (٣٣٢٥) لكن من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله
مختصراً.
(٣) أخرجه البخاري (٤٩٢٥)، ومسلم (١٦١): (٢٥٦)، وهو عند أحمد (١٤٤٨٢) من حديث
جابر بن عبد الله
(٤) البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠)، وهو عند أحمد (٢٥٩٥٩).

الآية : ١
٤٢
سُورَةُ المصدرِ
الخامس: أنَّ جابراً استخرج ذلك باجتهاده، وليس هو مِن روايته، فيقدَّم عليه
ما روت عائشة
ثم قال: وأحسنُ هذه الأجوبة الأوَّلُ والأخيرُ(١). انتهى، وفيه نَظَر، فتأمَّل
ولا تغفل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿بَّهَا الْمُدَُّ ﴾﴾ أصله: المُتَدَثِّر، فأدغم، وهو على الأصل في حرف
أُبَيِّ (٢)، مِن تدثَّر: لَبِسَ الدِّثار - بكسر الدال - وهو ما فوق القميص الذي يلي البدنَ
ويُسمَّى شِعاراً؛ لاتِّصاله بالبشرة والشَّعَر، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:
((الأنصارُ شِعارٌ، والناسُ دِثارٌ))(٣). والتركيب على ما قيل دائر مع معنى السّتْر على
سبيل الشمول، كأنَّ الدثارَ سترٌ بالغ مكشوف، نودي وَِّ باسم مشتقٍّ مِن صفته التي
كان عليها؛ تأنيساً له وملاطفةً كما سمعتَ في ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّلُ﴾.
وتدثُّره عليه الصلاة والسلام لما سمعتَ آنفاً، وأخرج الطبراني وابن مردويه
بسندٍ ضعيف عن ابنِ عباس: أنَّ الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً، فلمَّا أكلوا،
قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فاختلفوا، ثم اجتمع رَأْيُهم على أنَّه سِحْر يُؤْثَر،
فبلغ ذلك النبيَّ نَّه فحزن وقنع رأسه وتدثَّر - أي: كما يفعل المغموم - فأنزل اللهُ
تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الْمُدَُّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلِرَبِكَ فَاصْبِرْ﴾ (٤).
وقيل: المراد بالمدَّثِّر: المتدثِّر بالنبوّة والكمالات النفسانية، على معنى:
المتحلّي بها والمتزيِّن بآثارها. وقيل: أطلق المدَّثِّر وأُريد به الغائب عن النظر، على
(١) الإتقان ٧٨/١-٧٩.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٦٥/٥، وتفسير الرازي ١٨٩/٣٠.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٤٧٠)، والبخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١)، من حديث عبد الله بن
زيد فـ
(٤) الدر المنثور ٢٨١/٦، والطبراني في الكبير (١١٢٥٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد
١٣١/٧: وفيه: إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك.

الآية : ١
٤٣
سُورَةُ المُدِ
الاستعارة والتشبيه، فهو نداء له بما كان عليه في غار حراء.
وقيل: الظاهر أن يُراد بالمدَّثِّر - وكذا بالمزَّمِّل - الكناية عن المستريح الفارغ؛
لأنَّه في أوَّل البعثة، فكأنَّه قيل له عليه الصلاة والسلام: قد مضى زمنُ الراحة
وجاءتك المتاعبُ مِن التكاليف وهداية الناس، وأنتَ تَعلمُ أنَّه لا ينافي إرادةَ
الحقيقة، وأمرُ التلطيف على حاله.
وقال بعض السادة: أي: يا أيُّها الساتر للحقيقة المحمديَّة بدِثار الصورة
الآدميَّة، أو: يا أيُّها الغائب عن أنظار الخليقة فلا يَعرِفك سوى الله تعالى على
الحقيقة، إلى غير ذلك من العبارات، والكلُّ إشارة إلى ما قالوا في الحقيقة
المحمديَّة مِن أنَّها حقيقةُ الحقائق التي لا يقف على كُنْهها أحدٌ مِن الخلائق، وعلى
لسانها قال مَن قال:
وإِنِّي وإن كنت ابنَ آدمَ صورةً فلي فيه معنًى شاهدٌ بأُبُوَّتي(١)
وأنَّها التعيُّن الأوَّل، وخازن السِّرِّ المقفل، وأنَّها وأنَّها، إلى أمور هيهات أن
يكون للعقل إليها منتهى :
في القُرْب والبُعْد منه غير مُنْفحمٍ
أعیی الوری نَهْمُ معناه فلیس یُرَی
صغيرةً وتُكِلُّ الظَّرْفَ مِن أَمَمٍ
كالشمس تَظهر للعينين مِن بُعد
قوم نيامُ تَسلَّوا عنه بالحُلُم
وكيف يُذْرِك في الدنيا حقيقته
وأنَّه خيرُ خَلْقِ اللهِ كلِّهِمِ (٢)
فَمَبْلغُ العِلْم فيه أنَّه بشرٌ
وقرأ عكرمة: ((المُدَثِّر)) بتخفيف الدال وتشديد الثاء المكسورة على زِنَة
الفاعل(٣)، وعنه أيضاً ((المُدَّثَّر)) بالتخفيف والتشديد على زِنَة المفعول(٤)، مِن دَّره،
وقال: دثِّرتَ هذا الأمر، وعُصبَ بكَ، أي: شُدَّ، والمعنى أنَّه المعوَّل عليه،
(١) سلف ٢/ ٨٥.
(٢) الأبيات للبوصيري من قصيدته المشهورة البردة ص٣٨-٣٩.
(٣) المحتسب ٣٣٥/٢، والبحر ٣٧٠/٨.
(٤) تفسير القرطبي ٣١٤/٢١، والبحر المحيط ٣٧٠/٨.

سُورَةُ المُدودِ
٤٤
الآية : ٢ - ٣
فالعظائم به منوطة، وأمورُ حلِّها وعَقْدِها به مربوطة، فكأنَّه قيل: يا من تُوقف أمورُ
الناس عليه؛ لأنَّه وسيلتهم عند الله عزَّ وجلَّ.
﴾ من مضجعك، أو: قم قيامَ عزمٍ وتصميم، وجعله أبو حيَّان(١) على هذا
المعنى مِن أفعال الشروع، كقولهم: قام زيدٌ يفعل كذا، وقوله:
على ما قامَ يَشْتِمُني لئيمٌ(٢)
و((قام)) بهذا المعنى من أخوات ((کاد)).
وتعقِّب بأنَّه لا يَخفى بُعْدُه هنا؛ لأنَّه استعمالٌ غيرُ مألوف، وورودُ الأمرِ منه
غيرُ معروف، مع احتياجه إلى تقدير الخبر فيه، وكلُّه تعشُّف.
أي: فافعل الإنذار، أو: أَحْدِثْهُ، فلا يُقصَد منذرٌ مخصوص،
﴿فَأَنذِرْ
وقيل: يُقدَّر المفعولُ خاصًّا - أي: فأنذر عشيرتك الأقربين - لمناسبته لابتداء الدعوة
في الواقع. وقيل: يُقدَّر عامًّا، أي: فأنذر جميعَ الناس لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ
إِلَّا كَافَّةُ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرً﴾ [سبأ: ٢٨] ولم يقل هنا: ((وبشِّر))؛ لأنَّه كان في
ابتداء النبوّة، والإنذار هو الغالب إذ ذاك، أو هو اكتفاء؛ لأنَّ الإنذار يلزمه التبشير.
وفي هذا الأمر بعد ذلك النداء إشارة عند بعض السادة إلى مقام الجَلْوة بعد
الخَلْوة، قالوا: وإليهما الإشارة أيضاً في حديث: ((كنتُ كنزاً مخفيًّا، فأحببتُ أن
أُعرفَ)) إلخ(٣).
﴿وَرَبَّكَ فَكَتِرْ (٣) واخصص ربَّك بالتكبير، وهو وصفه تعالى بالكبرياء والعظمة
اعتقاداً وقولاً، ويروى أنَّه لما نزل قال رسول الله وَّر: ((الله أكبر)) فكبّرت خديجةُ
وفرحت وأيقنت أنَّه الوحيُّ(٤)، وذلك لأنَّ الشيطانَ لا يَأمر بذلك، والأمر بالنسبة
إليه ◌َّ غنيٌّ عن الاستدلال.
(١) البحر المحيط ٣٧٠/٨.
(٢) صدر بيت لحسان، وهو في ديوانه ص٧٩، وعجزه:
كخنزيرِ تمرَّغ في رمادٍ
(٣) سلف ١٩٩/١ و٥١/٢٦.
(٤) أورده الزمخشري ١٨٠/٤، والرازي ١٩١/٣٠، والقرطبي ٣٥٨/٢١.

الآية : ٤
٤٥
سُورَةُ المصدرِ
وجوّز أن يُحمل على تكبير الصلاةِ، فقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال:
قلنا: يا رسول الله، كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة؟ فأنزل الله تعالى: (وَرَبَّكَ فَكَيِّزْ)
فأمرنا رسول الله وَلم أن نفتتحَ الصلاة بالتكبير(١). وأنتَ تعلم أنَّ نزول هذه الآية
كان حيث لا صلاة أصلاً، فهذا الخبر - إن صحَّ - مؤوَّل.
والفاء هنا وفيما بعدُ لإفادة معنى الشرط، فكأنَّه قيل: وما كان - أي: أيُّ شيءٍ
حَدَث ــ فلا تَدَع تكبيرَه عزَّ وجلَّ، فالفاء جزائيَّة، وهي لكونها - على ما قيل - مزحلقةً
لا يضرُّ عملُ ما بعدَها فيما قَبْلَها. وقيل: إنَّها دخلت في كلامهم على توقُّم شرط،
فلمَّا لم تكن في جواب شرط محقَّق، كانت في الحقيقة زائدةً، فلم يمتنع تقديمُ
معمول ما بعدَها عليها لذلك.
ثم إنَّ في ذكر هذه الجملة بعد الأمر السابق مقدَّمةً على سائر الجمل إشارةٌ إلى
مزيد الاهتمام بأمر التكبير، وإيماءٌ - على ما قيل - إلى أنَّ المقصود الأوليَّ مِن الأمر
بالقيام أن يكبِّرِ ربَّه عزَّ وجلَّ وينزِّهه مِن الشرك، فإنَّ أوَّل ما يجب معرفةُ الله تعالى، ثم
تنزيهه عمَّا لا يَليق بجنابه، والكلام عليه مِن باب: إياكِ أعني واسمعي يا جارة.
وقد يقال: لعلَّ ذِكْر هذه الجملة كذلك مسارعةٌ لتشجيعه عليه الصلاة والسلام
على الإنذار وعدم مبالاته بما سواه عزَّ وجلَّ، حيث تضمَّنت الإشارة إلى أنَّ
نواصي الخلائق بيده تعالى، وكلّ ما سواه مقهور تحت كبريائه تعالى وعظمته،
فلا ينبغي أن يرهب إلا منه ولا يرغب إلا فيه، فكأنَّه قيل: قم فأَنذر واخصص ربَّك
بالتكبير، فلا يصدنَّك شيء عن الإنذار، فتدبّر.
، تطهير الثياب كنايةٌ عن تطهير النفس عمَّا تُدمُّ به من الأفعال،
﴿وَثَابَكَ فَطَهِرْ
وتهذيبِها عمَّا يُستهجَنُ مِن الأحوال؛ لأنَّ مَن لا يرضى بنجاسة ما يماسّه، كيف
يرضى بنجاسة نفسه، يقال: فلانٌ طاهر الثياب نقيُّ الذيل والأردان: إذا وصف
بالنقاء مِن المعايب ومدانس الأخلاق، ويقال: فلان دَنِسُ الثياب، وكذا: دَسِم
الثياب: للغادر، ولمن قَبْحَ فعله، ومن الأوَّل قول الشاعر:
(١) الدر المنثور ٦/ ٢٨١، وهو عند ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٩٢/٥.

سُورَةُ المُصدِ
٤٦
الآية : ٤
ويَحْيَى ما يُلامُ بسوءِ خُلْقٍ
ويَحْيى طاهرُ الأثواب حُرُّ(١)
ومن الثاني قوله :
لاهُمَّ إنَّ عامرَ بنَ جَهْمٍ
أَوْذَمَ حجًّا في ثيابٍ دُسْم (٢)
وكلمات جمهورٍ السلف دائرةٌ على نحو هذا المعنى في هذه الآية الكريمة،
أخرج ابنُ جرير وغيره عن قتادة أنَّه قال فيها: يقول: طهِّرها من المعاصي، وهي
كلمةٌ عربيَّة كانت العرب إذا نَكَثَ الرجلُ ولم يَفِ بعهدٍ قالوا: إنَّ فلاناً لدَنِسُ
الثياب، وإذا وَفَى وأَصلح قالوا: إنَّ فلاناً لطاهِرُ الثياب(٣).
وأخرج ابنُ المنذر عن أبي مالك أنَّه قال فيها: عَنَى نفسَه (٤). وأخرج هو
وجماعة عن مجاهد أنَّه قال: أي: وعَمَلك فأصلح(٥). ونحوه عن أبي رزين
والسُّدِّيِّ، وأخرج هو أيضاً وجماعة منهم الحاكم وصحَّحه عن ابنِ عباس أنَّه قال:
(وثيابك فطهِّر)) أي: من الإثم(٦). وفي رواية: من الغَدْر(٧). أي: لا تكن غدَّاراً.
وفي رواية جماعة عن عكرمة: أنَّ ابنَ عباس سُئِلَ عن قوله تعالى: ((وثيابك
فطهِّر)) فقال: لا تَلبسها على غَدْرة ولا فَجْرة، ثم قال: أَلَا تسمعونَ قولَ غيلان بنِ
سَلَمة:
(١) هكذا أورده القرطبي في التفسير ٣٦٢/٢١، وأبو حيان في البحر المحيط ٣٧١/٨، ولم
ينسباه، وأورده المبرِّد في الكامل ١/ ٦١ بلفظ:
ومابي أن أكون أعيبُ يحيى ويحيى طاهرُ الأثوابِ بَرُّ
ونسبه لگُثير.
(٢) ذكره ابن قتيبة في المعاني الكبير ١/ ٤٨١، وابن منظور في اللسان (دسم) ولم ينسباه، قال
ابن منظور: يعني أنه حجَّ وهو متدنِّس بالذنوب. وأَوْذَمَ الحجَّ: أوجبه.
(٣) تفسير الطبري ٤٠٧/٢٣، والدر المنثور ٢٨١/٦ وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد
وابن المنذر.
(٤) الدر المنثور ٦/ ٢٨١.
(٥) الدر المنثور ٢٨١/٦، وهو عند الطبري ٤٠٨/٢٣ .
(٦) الدر المنثور ٢٨١/٦، والمستدرك ٥٠٦/٢، وهو عند الطبري ٤٠٧/٢٣.
(٧) الدر المنثور ٢٨١/٦، وعزاه لابن مردويه.

الآية : ٤
٤٧
سُؤَةُ المُدرِ
لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرة أَتقنَّعُ(١)
فإِنِّي بحَمْدِ اللهِ لا ثوبَ فاجرٍ
ونحوه عن الضحاك وابن جبير. وعن الحسن والقُرَظيّ(٢): أي: وخُلُقك
فحسِّن. وأنشدوا للكناية عن النَّفْس بالثياب قولَ عنترة:
فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطويلِ ثيابَهُ ليس الكريمُ على القَنا بمُحَرَّمِ (٣)
وفي رواية عن الحبر وابٍ جبير: أنَّه كنى بالثياب عن القلب، كما في قول
امرئ القيس :
فإِنْ تَكُ قد ساءَتْكِ مِنِّي خَلِيقةٌ فَسُلِّي ثيابي مِن ثيابِكِ تَنْسُلٍ(٤)
وقيل: كنَّى بها عن الجسم، كما في قول ليلى وقد ذَكَرتْ إبلاً ركبها قومٌ
وذهبوا بها :
رَمَوْها بأثواب خِفاف فلا تَرَى لها شَبَهاً إلا النَّعام المنقَّرا(٥)
وطهارة الجسم قد يراد بها أيضاً نحو ما تقدَّم.
ومناسبة هذه المعاني لمقام الدعوة ممَّا لا غبار عليه، وقيل على كون تطهيرٍ
الثياب كنايةً عمَّا مرَّ: يكون ذلك أمراً باستكمال القوَّة العمليَّة(٦) بعد الأمر
باستكمال القوَّة النظريَّة، والدعاء إليه.
وقيل: إنَّه أَمْرٌ له وَلّهِ بالتخلُّق بالأخلاق الحسنة الموجبة لقَبول الإنذار بعد أمرِه
(١) سلف ١٤/ ٥٥٠ .
(٢) في (م): والقرطبي. وهي غير واضحة في الأصل. والمثبت من تفسير البغوي ٤١٣/٤،
وتفسير القرطبي ٣٦١/٢١.
(٣) ديوان عنترة ص٢٦، وفيه: الأصم، بدل: الطويل، وهي نسخة بهامش الأصل.
(٤) ديوان امرئ القيس ص١٣.
(٥) البيت ذكره ابن قتيبة في المعاني الكبير ٤٨٦/١، والعسكري في الصناعتين ص٣٦٥،
وأبو حيان في البحر ٣٧١/٨، والكلام منه. وقال في شرح هذا البيت: أي: ركبوها فرموها
بأنفسهم .
(٦) في (م): العلمية، وهو تصحيف، والمثبت موافق لما في تفسير البيضاوي مع حاشية
الشهاب ٢٧٢/٨.

الآية : ٤
٤٨
سُورَةُ المحدثةِ
عليه الصلاة والسلام بتخصيصه ربَّه عزَّ وجلَّ بالتكبير الذي ربّما يوهم إباءَه خفض
الجناح لما سواه عزَّ وجلَّ واقتضاءه عدم المبالاة والاكتراث بمن كان، فضلاً عن
أعداء الله جلَّ وعلا، فكأنَّ ذِكْره لدَفْع ذلك التوهُم.
وقيل على تفسير ((المدَّثِّر)) بالمتدثِّر بالنبوّة والكمالات النفسانيَّة: المعنى: طهِّر
دثارات النبوّة وآثارها وأنوارها الساطعة مِن مشكاة ذاتك عمَّا يُدنِّسها من الحقد
والضجر وقلّة الصبر.
وقيل: الثيابُ كنايةٌ عن النساء، كما قال تعالى: ﴿هُنَّ لِيَاسُُ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]
وتطهير هنَّ من الخطايا والمعايب بالوعظ والتأديب، كما قال سبحانه: ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وقيل: تطهيرهنَّ اختيارُ المؤمنات العفائف منهنَّ. وقيل:
وطؤهنَّ في القُبُل لا في الدُّبُر، وفي الطهر لا في الحيض. حكاه ابنُ بحر، وأصل
القول فيما أَرى بعيدٌ عن السياق، ثم رأيتُ الفخرَ صرَّح بذلك(١).
وذهب جمع إلى أنَّ الثياب على حقيقتها، فقال محمد بن سيرين: أي: اغسلها
بالماء إن كانت متنجِّسة. وروي نحوه عن ابنِ زيد، وهو قول الشافعيِّ ◌َظ ◌ُه، ومِن
هنا ذهب غيرُ واحد إلى وجوب غسل النجاسة مِن ثياب المصلِّي، (٢ وقاسوا على
ذلك تطهير البدن منها، وكذا المكانِ بجامع المماسَّة على ما قرِّر في موضعه ٢)،
وأُمرَ وَلِ بذلك على ما روي عن ابنٍ زيد مخالفة للمشركين؛ لأنَّهم ما كانوا
يصونون ثيابَهم عن النجاسات.
وقيل: أُلقيَ عليهِ وَ﴿َ سَلَا شاةٍ، فشقَّ عليه، فرجع إلى بيته حزيناً فتدثَّر، فقيل
له: (يا أيُّها المدَّثِّر قم فأنذر)) ولا تمنعنك تلك السفاهة عن الإنذار، ((وربَّك فكبِّر))
عن أن لا ينتقمَ منهم، ((وثيابك فطهِّر)) عن تلك النجاسات والقاذورات.
وإرادةُ التطهير مِن النجاسة للصلاة بدون ملاحظة قصَّة، قيل: خلافُ الظاهر،
ولا تُناسِب الجملةُ عليها ما قبلها إلا على تقدير أن يرادَ بالتكبير التكبير للصلاة.
(١) التفسير الكبير ١٩٣/٣٠.
(٢-٢) ليست في (م).

الآية : ٤
٤٩
سُورَةُ المُلكِ
وبعضُ من فسَّر الثيابَ بالجسم جوَّز إبقاء التطهير على حقيقته، وقال: أُمرَ عليه
الصلاة والسلام بالتنظيف وقتَ الاستنجاء؛ لأنَّ العربَ ما كانوا ينظّفون أجسامهم
أيضاً عن النجاسة، وکان کثیرٌ منهم يبول على عقبه.
(١ وقال بعضٌ: الأَمْرُ لمطلق الطَّلَب، فإنَّ تطهيرَ ما ليس بطاهر من الثياب
واجبٌ في الصلاة ومحبوبٌ في غيرها١).
وقيل: تطهيرها: تقصيرها، وهو أيضاً أَمْرٌ له عليه الصلاة والسلام برفضٍ
عادات العرب المذمومة، فقد كانت عادتهم تطويلَ الثياب وجرَّهم الذيول على
سبيل الفَخْر والتكبُّر، قال الشاعر:
ثمَّ رَاحوا عَبَقُ المِسْكِ بهم يُلحِفونَ الأرضَ هُدَّابَ الأُزُرُ(٢)
وفي الحديث: ((إِزْرَةُ المؤمنِ إلى أنصافِ ساقَيْهِ، ولا جُناحَ عليه فيما بينه وبين
الكعبين، وما كان أسفلَ مِن ذلك ففي النار))(٣).
واستعمال التطهير في التقصير مجازٌ؛ للزومه له، فكثيراً ما يُفضي تطويلها إلى
جرِّ ذيولها على القاذورات. ومِن الناس مَن جعل التقصيرَ بعد إرادته مِن التطهير
كنايةً عن عدم التكبُّر والخُيَلاء، ويكون ذلك أمراً له بَّر بالتواضع والمداومة على
تَرْكِ جرِّ ذيول التكبُّر والخيلاء بعد أَمْره بتخصيص الكبرياء والعظمة به تعالى قولاً
واعتقاداً، فكأنَّه قيل: وربَّك فكِّر، وأنتَ لا تتكَبَّر؛ ليتسنَّى لك أَمْرُ الإنذار.
وبعضُ مَن يرى جوازَ الجمع بين الحقيقة والمجاز حَمَلَ التطهير على حقيقته
ومجازِهِ أعني التقصير، والتوصُّلُ إلى إرادة مثل ذلك عند مَن لا يرى جوازَ الجمع
سهْلٌ.
(١-١) جاءت هذه العبارة في الأصل بعد قوله السابق: على ما قرِّر في موضعه.
(٢) البيت لطرفة بن العبد، وهو في ديوانه ص ٥٥، ويلحفون الأرض: يُغْظُّون الأرض بجرٍ
ذيولهم عليها كِبْراً، والهُدَّاب: الخيوط التي تبقى في طرفي الثوب من عرضيه دون حاشيتيه.
(٣) أخرجه أحمد (١١٠١٠) و(١١٠٢٨)، وأبو داود (٤٠٩٣)، والنسائي في الكبرى (٩٦٣٢)،
عنه .
وابن ماجه (٣٥٧٣) عن أبي سعيد الخدري

الآية : ٥
٥٠
سُورَةُ المهدرِ
وجوِّز أن يُراد بالتطهير إزالة ما يُستَقذر مطلقاً سواء النجس أو غيره مِن
المستقذَر الطاهر، ومنه الأوساخ، فيكون ذلك أمراً له وَل بتنظيف ثيابه وإزالة
ما يكون فيها مِن وَسَخ وغيره مِن كُلِّ ما يُستقذَر فإنَّه منفِّر لا يَليقُ بمقام البعثة،
ويَستلزم هذا بالأَّولى تنظيفَ البَدَن مِن ذلك، ولذا كان وَّرِ أنظفَ الناس ثوباً وبَدَناً،
وربَّما يقال باستلزام ذلك بالأولى أيضاً الأمرَ بالتنزُّه عن المنفِّر القوليِّ والفعليِّ
كالفُحْش والفَظَاظة والغِلْظة، إلى غير ذلك، فلا تغفل.
· قال القتبيُّ: ((الرُّجْز)): العذاب(١)، وأصله الاضْطِراب،
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُزْ
وقد أُقيم مقامَ سببه المؤدِّي إليه مِن المآثم، فكأنَّه قيل: اهجر المآثمَ والمعاصيَ
المؤدِّية إلى العذاب، أو الكلام بتقدير مضاف، أي: أسبابَ الرجز، أو التجوُّز في
النسبة على ما قيل. ونحو هذا قول ابن عباس: الرُّجْز: السُّخْط. وفسَّر الحسن
الرُّجْزَ بالمعصية، والنخعيُّ بالإثم، وهو بيانٌ للمراد.
ولمَّا كان المخاطب بهذا الأمر هو النبيَّ بِّرِ وهو البَرِيُْ عن ذلك، كان مِن
باب: إياكِ أعني واسمعي. أو: المراد الدوام والثبات على هَجْر ذلك.
وقيل: ((الرُّجْز)) اسمٌ لصنمين إساف ونائلة، وقيل: للأصنام عموماً، وروي
ذلك عن مجاهد وعكرمة والزهريِّ، والكلام على ما سمعتَ آنفاً.
وقيل: ((الرُّجْز)) اسم للقبيح المستقذَر، و((الرُّجْزَ فاهجُر)) كلامٌ جامع في مكارم
الاخلاق، كأنَّه قيل: اهجر الجفاء والسَّفَه وكلَّ شيءٍ يقبح، ولا تَتخلَّق بأخلاق
هؤلاء المشركين. وعليه يحتمل أن يكون هذا أمراً بالثبات على تطهير الباطن بعد
الأمر بالثبات على تطهير الظاهر بقوله سبحانه: (وَثِيَابَكَ فَطَّفِرْ).
وقرأ الأكثرون ((الرِّجْزَ)) بكسر الراء (٢)، وهي لغة قريش، ومعنى المكسور
والمضموم واحد عند جمع، وعن مجاهد: أنَّ المضمومَ بمعنى الصَّنَم،
والمكسورَ بمعنى العذاب. وقيل: المكسور: النقائص والفجور، والمضموم:
(١) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٩٥.
(٢) التيسير ص٢١٧، والنشر ٣٩٣/٢، وقرأ حفص وأبو جعفر ويعقوب بضم الراء.

الآية : ٦
٥١
سُورَةُ المهددِ
إساف ونائلة. وفي كتاب الخليل: ((الرُّجْز)) بضمِّ الراء: عبادةُ الأوثان، وبكسرها:
العذابُ(١).
ومِن كلام السادة: أي: الدنيا فاتْرُك. وهو مبنيٌّ على أنَّه أُريد بالرّجز الصنم،
والدنيا مِن أعظم الأصنام التي حَالَ حبُّها بين العبد وبين مولاهُ، وعَبَدتُها أكثرُ مَن
عبدتِها، فإنَّها تُعبَد في البِيَعِ والكنائس والصوامع والمساجد وغير ذلك، أو: أُريد
بالرّجز القبيحُ المستقذَر، والدنيا عند العارف في غاية القُبْحِ والقَذَارة، فعن الأمير
كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه قال: الدنيا أحقرُ مِن ذراع خنزير ميِّتٍ بالَ عليها كلبٌ في
يدِ مجذومٍ. وقال الشافعيُّ :
وما هِيَ إلا جيفةٌ مستحيلةٌ عليها كلابٌ همُّهنَّ اجتذابها
وإنْ تَجتذبها حاربَتْكَ(٢) كلابها
فإنْ تَجْتنبها كنتَ سلماً لأهلها .
ويقال: كلُّ ما أَلهى عن الله عزَّ وجلَّ فهو رجزٌ يجب على طالب الله تعالى
هجرُه، إذ بهذا الهجر ينال الوصال، وبذلك القطع يَحصل الاتصال، ومِن أعظم
لاهٍ عن الله تعالى النفسُ، ومن هنا قيل: أي: نفسَك فخالفها، والكلام في كلِّ
ذلك من باب: إِيَّاكِ أعني. أو القصد فيه إلى الدوام والثبات كما تقدَّم.
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾﴾ أي: ولا تُعْطِ مستكثراً، أي: طالباً للكثير ممَّن تعطيه.
قاله ابن عباس، فهو نهي عن الاستغزار، وهو: أن يَهبَ شيئاً وهو يطمع أن
يتعوَّض مِن الموهوب له أكثرَ مِن الموهوب، وهذا جائز، ومنه الحديث الذي رواه
ابن أبي شيبة موقوفاً على شريح: المستغزر يُثاب مِن هبته(٣). والأصحُّ عند
الشافعية أنَّ النهيَ للتحريم، وأنَّه مِن خواصِّه عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ الله تعالى
اختار له عليه الصلاة والسلام أكملَ الصفات وأشرفَ الأخلاق، فامتنع عليه أن
يَهبَ لعوضٍ أكثر. وقيل: هو نهيُ تنزيه للكلِّ.
(١) العين ٦٦/٦ (رجز).
(٢) في (م): نازعتك. وهي نسخة بهامش الأصل.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٤٧٤-٤٧٥، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (١٦٥٢٣)، ووكيع في
أخبار القضاة ٣٥٧/٢، ووقع في مطبوع ابن أبي شيبة: المستعذب، بدل: المستغزر.

الآية : ٦
٥٢
سُوَّةُ المهددِ
أو: ولا تُعْطِ مستكثراً، أي: رائياً لِمَا تعطيه كثيراً، فالسين للوجدان لا للطلب
كما في الوجه الأوَّل الظاهر، والنهي عن ذلك؛ لأنَّه نوعُ إعجاب، وفيه بخلٌ
خفيٍّ.
وعن الحسن والربيع: لا تمنن بحسناتك على الله تعالى مستكثراً لها - أي:
رائياً إيّاها كثيرة - فتنقص عند الله عزَّ وجلَّ. وعَدَّ مِن استكثار الحسنات بعضُ
السادة رؤيةَ أنَّها حسنات، وعدمَ خشية الرَّدِّ، والغفلةَ عن كونها منه تعالى
حقيقةً.
وعن ابن زيد: لا تمنن بما أَعطاكَ اللهُ تعالى مِن النبوّة والقرآن مستكثراً به،
أي: طالباً كثيرَ الأجر مِن الناس.
وعن مجاهد: لا تَضعُّف عن عملك مستكثراً لطاعتك فتمنن، من قولهم: حَبْلٌ
مَنينٌ، أي: ضعيف. ويتضمَّن هذا المعنى ما أخرجه ابنُ مردويه عن ابن عباس أنَّه
قال: أي: لا تَقُلْ: قد دعوتُهم فلم يُقْبَل مِنِّي! عُدْ فادْعُهم.
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة: (تَسْتَكْثِرْ)) بسكون الراء(١)، وخرِّج على أنَّه جزم،
والفعل بدلٌ من ((تمنن)) المجزوم بـ ((لا)) الناهية، كأنَّه قيل: ولا تمنن لا تستكثر؛
لأنَّ مِن شأن المانِّ بما يُعطي أن يستكثره، أي: يراه كثيراً ويعتدَّ به، وهو بدلُ
اشتمال، وقيل: بدل كلٍّ مِن كلِّ على ادِّعاء(٢) الاتِّحاد، وفي ((الكشف)): الإبدال
مِن ((تمنن)) على أنَّ المنَّ هو الاعتداد بما أَعطى لا الإعطاء نفسه فيه لطيفة؛ لأنَّ
الاستكثار مقدِّمة المنِّ، فكأنَّه قيل: لا تستكثر فضلاً عن المَنِّ. وجوّز أن يكون
سكونَ وقفٍ حقيقةً، أو بإجراء الوصل مجراه، أو سكونَ تخفيف، على أنْ شبَّه
(ثِرْوَ))(٣) بـ ((عَضد))، فسأَّن الراء الواقعة بين الثاء وواو ((ولربِّك))، كما سكِّنت
الضاد، وليس بذاك، والجملة عليه في موضع الحال.
(١) القراءات الشاذة ص١٦٤، والمحتسب ٣٣٧/٢، والبحر ٣٧٢/٨.
(٢) تصحفت في (م) إلى: دعاء، والمثبت موافق لما في حاشية الشهاب ٢٧٢/٨.
(٣) أي: تأخذ بعضَ ((تستكثر)) وهو الثاء والراء، وحرف العطف من قوله تعالى: ((ولربِّك
فاصبر))، فتكون ((ثِرْوَ)) شبيهة بـ ((عضد)). الدر المصون ١٠/ ٥٣٧.

الآية : ٧
٥٣
سُورَةُ المُدْرِ
وقرأ الحسن أيضاً والأعمش: ((تستكثرَ)) بالنصب(١) على إضمار ((أنْ)) كقولهم:
مُرْهُ يَحْفِرَها، أي: أن يحفرها، وقوله:
أَلَا أيُّهذا الزاجري أَحْضُر الوغى
وأن أَشهدَ اللذاتِ هل أنتَ مُخْلِدي (٢).
في روايةٍ نَصْبٍ: أَحْضُرَ.
وقرأ ابن مسعود: ((أن تَسْتَكْثَرَ))(٣) بإظهار ((أنْ))، فالمنُّ بمعنى الإعطاء، والكلام
على إرادة التعليل، أي: ولا تُعْطِ لأجل أن تستَكثرَ، أي: تطلبَ الكثير ممَّن
تُعطيه، وأُيِّد به إرادةُ المعنى الأوَّل في قراءة الرفع، وجوَّز الزمخشريُّ في تلك
القراءة أن يكون الرفعُ لحذف ((أن)) وإبطالِ عملها (٤)، كما روي: أَحْضُرُ الوغى.
بالرفع. فالجملة حينئذ ليست حاليَّة. وتعقَّبه أبو حيَّان(٥) بأنَّه لا يجوز حَمْلُ القرآن
على ذلك، إذ لا يجوز ما ذكر إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحَّة معنى
الحال. ورُدَّ بأنَّ المخالف للقياس بقاءُ عملها بعد حذفها، وأمَّا الحذف والرفع
فلا محذورَ فيه، وقد أجازه النحاة، ومنه: تَسمعُ بالمعيدي خيرٌ مِن أن تراه.
قيل: على أذى المشركين، وقيل: على أداء الفرائض.
﴿وَلِرَیّكَ نَاصِر
وقال ابن زيد: على حرب الأحمر والأسود. وفيه بُعْدٌ؛ إذ لم يكن جهادٌ يومَ
نزولها. وعن النخعي: على عطيَّتك، كأنَّه وصله بما قبله، وجعله صبراً على العطاء
مِن غیر استكثار.
والوجه كما قال جارُ الله: أن يكون أمراً بنفس الفعل(٦). والمعنى: لقَصْدِ
جهته تعالى وجانبه عزَّ وجلَّ فاستعمل الصبر، فيتناول - لعدم تقدير المتعلّق المفيد
للعموم - كلّ مصبور عليه مصبور عنه، ويراد الصبر على أذى المشركين؛ لأنَّه فرد
(١) المحتسب ٣٣٧/٢، والبحر ٣٧٢/٨.
(٢) البيت لطرفة، وسلف ٢٧٧/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص١٦٤، والبحر ٣٧٢/٨.
(٤) الكشاف ٤/ ١٨١.
(٥) البحر المحيط ٣٧٢/٨.
(٦) الكشاف ٤/ ١٨١.

سُورَةُ الهُدِ
٥٤
الآية : ٨ - ١٠
من أفراد العامِّ لا لأنَّه وحده هو المراد، وعن ابنِ عباس: الصبر في القرآن على
ثلاثة أوجه: صبر على أداء الفرائض، وله ثلاثُ مئة درجة، وصبر عن محارم الله
تعالى وله ستُّ مئة درجة، وصبر على المصائب عند الصدمة الأولى وله تسعُ مئة
درجة. وذلك لشدَّته على النفس وعدم التمكُّن منه إلا بمزيد اليقين، ولذلك
قال ◌َله: ((أسألك من اليقين ما تهوِّن به عليَّ مصائب الدنيا))(١).
وذكروا أنَّ للصبر باعتبار حِكَمه أربعةً أقسام: فَرْض كالصبر عن المحظورات
وعلى أداء الواجبات، ونَفْل كالصبر عن المكروهات والصبر على المسنونات،
ومكروه كالصبر عن أداء المسنونات والصبر على فعل المكروهات، وحرام كالصبر
على من يقصد حريمَه بمحرَّم وترك التعرُّض له مع القدرة، إلى غير ذلك، وتمام
الكلام عليه في محلّه، وفضائل الصبر الشرعيّ المحمود مما لا تُحصى، ويكفي في
ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا يُؤَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقوله وَّر: قال الله
تعالى: ((إذا وجَّهت إلى عبدٍ مِن عبيدي مصيبةً في بَدَنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل
ذلك بصبرٍ جميل، استحييت يومَ القيامة أن أَنصبَ له ميزاناً، أو أَنشُر له ديواناً))(٢).
﴾ في الصُّور، وهو فاعول مِن النَّقْر بمعنى
﴿فَإِذَا نُقِرَ﴾ أي: نُفَخَ ﴿فِي النَّقُرِ (
التصويت، وأصله: القَرْع الذي هو سببه، ومنه مِنْقَار الطائر؛ لأنَّه يَقرَعُ به، ولهذه
السبيَّة تجوّز به عنه، وشاع ذلك وأُريد به النَّفْخُ؛ لأنَّه نوعٌ منه، والفاء للسبيَّة، كأنَّه
قيل: اصبر على أذاهم، فبينَ أيديهم يومٌ هائل يَلقَون فيه عاقبةَ أذاهم، وتَلقى عاقبة
صبرك عليه، والعامل في ((إذا)) ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَبِيُ جَ عَلَى
اَلْكَفِينَ﴾ فالمعنى: إذا نُقرَ في الناقور عَسُرَ الأمر على الكافرين، والفاء في هذا
للجزاء، و((ذلك)) إشارة إلى وقت النَّقْر المفهوم مِن ((فإذا نُقْرَ)) وما فيه من معنى البُعْد
مع قُرْب العهد لفظاً بالمشار إليه؛ للإيذان بُيُعْد منزلته في الهول والفظاعة، ومحلُّه
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٠٢)، والنسائي في الكبرى (١٠١٦١) عن ابن عمر ﴿يا، بلفظ: ((ومن
اليقين ما تهوِّن به علينا مصيبات الدنيا)). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦٠٧-٢٦٠٨، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٦٢) عن
أنس وه. قال العراقي في تخريج الإحياء ٤/ ٧٠: رواه ابن عدي من حديث أنس بسند
ضعيف .

الآية : ١٠
٥٥
◌ُوَّةُ المُذُرِ
الرفع على الابتداء، و((يومئذ)) قيل: بدل منه، مبنيٌّ على الفتح؛ لإضافته إلى غير
متمكّن، والخبر ((يومٌ عسير)) فكأنَّه قيل: فيومُ النَّقْر يومٌ عسير.
وجوِّز أن يكون ((يومئذٍ)) ظرفاً مستقرًّا لـ ((يوم عسير))، أي: صفة له، فلمَّا تقدَّم
عليه صار حالاً منه، والذي أجاز ذلك على ما في ((الكشاف)) أنَّ المعنى: فذلك
وَقْتَ النَّقْرِ وقوعُ يومٍ عسير؛ لأنَّ يوم القيامة يأتي ويقع حين يُنقَر في الناقور(١). فهو
على منوال: زمنَ الربيع العيدُ فيه، أي: وقوعُ العيد فيه، ومآلَه: فذلك الوقوعُ وقوع
يوم .. إلخ، وممَّا ذكر يُعلَم اندفاع ما يتوهّم مِن تقديم معمول المصدر أو معمول
ما في صلته على المصدر، إن جعل ظرفَ الوقوع المقدَّر، أو ظرفَ ((عسير))،
والتصريح بلفظ وقوع إبراز للمعنى وتفصٍّ عن جعل الزمان مظروفَ الزمان برجوعه
إلى الحدث، فتدبَّر. وظاهر صنيع ((الكشاف)) اختيار هذا الوجه، وكذا كلام
صاحب ((الكشف))؛ إذ قرَّره على أتمٍّ وجه، واذَّعى فيما سبق تعسُّفاً، نعم جوّز - عليه
الرحمة - أن يكون ((يومئذٍ)) معمولَ ما دلَّ عليه الجزاء أيضاً، كأنَّه قيل: فإذا نُقْرَ في
الناقور عَسُرَ الأمر على الكافرين يومئذٍ.
وأيَّاما كان فـ ((على الكافرين)) متعلِّق بـ ((عسير))، وقيل: بمحذوف هو صفة
لـ ((عسير))، أو حال مِن المستكن فيه، وأجاز أبو البقاء تعلُّقه بـ ((يسير)) في قوله
﴾(٢)، وهو الذي يقتضيه كلامُ قتادة، وتعقّبه أبو حيَّان بأنَّه
تعالى: ﴿غيرُ يَسِيرٍ
ينبغي أن لا يجوز؛ لأنَّ فيه تقديمَ معمولِ المضاف إليه على المضاف، وهو ممنوع
على الصحيح، وقد أجازه بعضهم في ((غير)) حملاً لها على ((لا)) فيقول: أنا بزيد
غیرُ راضٍ(٣).
وزعم الحوفيُّ أنَّ ((إذا)) متعلّقة بـ ((أنذر))، والفاء زائدة، وأراد أنَّها مفعول به
لـ ((أنذر))، كأنَّه قيل: قم فأنذرهم وقتَ النَّقْر في الناقور. وقوله تعالى: ((فذلك)) إلخ
جملة مستأنفة في موضع التعليل وهو كما ترى.
(١) الكشاف ١٨١/٤.
(٢) الإملاء ٤٢٨/٤.
(٣) البحر ٨/ ٣٧٢.

سُورة المهمِ
٥٦
الآية : ١٠
وجوّز أبو البقاء تخريجَ الآية على قول الأخفش بأن تكون ((إذا)) مبتداً، والخبر
((فذلك))، والفاء زائدة، وجعل ((يومئذ)) ظرفاً لـ ((ذلك))، ولا أظنُّك في مِرْيةٍ من أنَّه
كلام الأخفش.
وقال بعض الأجلَّة: إنَّ ((ذلك)) مبتدأ وهو إشارة إلى المصدر، أي: فذلك
النَّقْرُ، وهو العامل في ((يومئذ))، و((يوم عسير)) خبرُ المبتدأ، أو المضافُ مقدَّرٌ،
أي: فذلك النَّقْرُ في ذلك اليوم نقرُ يوم، وفيه تكلُّفٌ وعدولٌ عن الظاهر، مع أنَّ
عسرَ اليوم غيرُ مقصود بالإفادة عليه، وظاهر السياق قصده بالإفادة.
وجعل العلّامة الطيبيُّ هذه الآية مِن قبيل ما انَّحد فيه الشرط والجزاء، نحو:
(مَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله)) (١) إذ جعل الإشارةَ إلى
وقت الثَّقْر، وقال: إنَّ في ذلك مع ضمِّ التكرير دلالةٌ على التنبيه على الخَطْب
الجليل والأمر العظيم. وفيه نظر.
وفائدةُ قوله سبحانه: ((غيرُ يسير)) - أي: سهل - بعد قوله تعالى: ((عسير)) تأكيدُ
عسره على الكافرين، فهو يمنع أن يكون عسيراً عليهم مِن وجه دون وجه، ويُشعِر
بتيسُّره على المؤمنين، كأنَّه قيل: عسيرٌ على الكافرين غيرُ يسير عليهم كما هو يسيرٌ على
أضدادهم المؤمنين، ففيه جَمْعٌ بين وعيد الكافرين وزيادةٍ غيظهم، وبشارة المؤمنين
وتسليتهم، ولا يتوقَّف هذا على تعلُّق ((على الكافرين)) بـ ((يسير))، نعم الأمر عليه أظهرُ
كما لا يخفى. ثم مع هذا لا يخلو قلبُ المؤمن مِن الخوف؛ أخرج ابنُ سعد والحاكم
عن بهز بنِ حكيم قال: أَمَّنا زرارة بنُ أوفى فقرأ ((المدَّثِّر))، فلمَّا بلغ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّقُرِ﴾
خرَّ ميتاً، فكنتُ فيمن حَمَله(٢). وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن ابنٍ
عبَّاس، قال: لمَّا نزلت: ﴿فَإِذَا تُقِرَ فِ النَّقُورِ﴾، قال رسولُ اللهِوَلِ: (كيف أَنْعُم
وصاحبُ الصُّوْرِ قد التَقَمَ القَرْنَ وحَنَی جبهته یستمع متی يُؤمر)). قالوا: كيف نقول
يا رسولَ الله؟ قال: ((قولوا: حسبنا اللهُ ونِعْمَ الوكيل، وعلى الله توّلنا)»(٣).
(١) سلف ٢/ ٤١٢.
(٢) الدر المنثور ٢٨٢/٦، وطبقات ابن سعد ١٥٠/٧، ومستدرك الحاكم ٥٠٦/٢.
(٣) الدر المنثور ٢٨٢/٦، وسلف ١٥/ ٥٧٤ .

الآية : ١١ - ١٢
٥٧
سُورَةُ المُذِ
واختلف في أنَّ المراد بذلك الوقت يومُ النفخة الأولى، أو يومُ النفخة الثانية،
ورجّح أنَّه يوم الثانية؛ لأنَّه الذي يختصُّ عسرُه بالكافرين، وأمَّا وقتُ النفخة الأولى
فحُكْمُه الذي هو الإصعاق يعمُّ البَرَّ والفاجر، وهو على المشهور مختصٌّ بمن كان
حيًّا عند وقوع النفخة.
﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾﴾ نزلت في الوليد بن المغيرة المخزوميِّ كما روي
عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، بل قيل: كونها فيه متَّفق عليه، وهو يقتضي
أنَّ هذه السورة لم تنزل جملةً إذ لم يكن أمرُ الوليد وما اقتضى نزولَ الآية فيه في
بدء البعثة، فلا تغفل.
و((وحيداً)) حال إمَّا مِن الياء في ((ذرني)) وهو المرويُّ عن مجاهد، أي: ذرني
وحدي معه فأنا أغنيك في الانتقام عن كلٍّ منتقم، أو مِن التاء في ((خلقت))، أي:
خلقته وحدي لم يشركني في خَلْقه أحدٌ، فأنا أُهلكه لا أحتاجُ إلى ناصر في
إهلاكه، أو من الضمير المحذوف العائد على ((مَن)) على ما استظهره أبو حيَّان(١)،
أي: ومَن خَلقْته وحيداً فريداً لا مال له ولا ولدَ.
وجوّز أن يكون منصوباً بـ : أذمّ ونحوه، فقد كان الوليد يلقَّب في قومه بالوحيد،
فتهكّم الله تعالى به وبلَقَبه، أو صرفه عن الغَرَض الذي كانوا يؤمُّونه مِن مدحه والثناء
عليه إلى جهة ذمِّه وعيبه، فأراد سبحانه: وحيداً في الخُبث والشرارة، أو: وحيداً
عن أبيه؛ لأنَّه كان دَعِيًّا لم يُعرف نسبُه للمغيرة حقيقةً كما مرَّ في سورة ((نون))(٢).
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ, مَالًا مَّمْدُورًا (٣)﴾ مبسوطاً كثيراً، أو: ممدوداً بالنماء، مِن مّ
النهر، ومدَّه نهرٌ آخَرُ، وقيل: كان له الضرع والزرع والتجارة. وعن ابنِ عباس: هو
ما كان بين مكّة والطائف من الإبل والنَّعم والجِنان والعبيد. وقيل: كان له بستان
بالطائف لا تنقطعُ ثماره صيفاً وشتاءً. وقال النعمان بنُ بشير: المال الممدود: هو
الأرض؛ لأنَّها مدَّت. وعن عمر بن الخطاب ظُه: أنَّه المُستَغلُّ الذي يُجبَى شهراً
(١) في البحر المحيط ٣٧٣/٨.
(٢) عند تفسير الآية (١٣).

سُورَة المهددِ
٥٨
الآية : ١٣ - ١٥
بعد شهر، فهو ممدود لا ينقطع. وعن ابن عباس ومجاهد وابن جبير: كان له ألف
دينار. وعن قتادة: ستَّة آلاف دينار. وقيل: تسعة آلاف دينار. وعن سفيان الثوري
روايتان: أربعة آلاف دينار، وألف ألف دينار. وهذه الأقوال إن صحّت ليس المراد
بها تعيينَ المال الممدود، وأنَّه متى أُطلق يراد به ذلك، بل بيان أنَّه كان بالنسبة إلى
المحدّث عنه كذا.
حضوراً معه بمّة يتمتّع بمشاهدتهم لا يفارقونه للتصرُّف في
١٣
﴿وَبِيِنَ شُهُودًا (
عمل أو تجارة، لكونهم مَكْفيين لوفور نِعمهم وكثرة خَدَمهم. أو: حضوراً في
الأندية والمحافل لوجَاهتهم واعتبارهم. أو: تُسمَع شهاداتهم فيما يُتحاكم فيه.
واختلف في عددهم؛ فعن مجاهد أنَّهم عشرة، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: سبعة
كلُّهم رجال: الوليد بن الوليد وخالد وهشام - وقد أسلم هؤلاء الثلاثة - والعاص
وقيس وعَبد شمس وعُمارة، واختلفت الرواية فيه أنَّه قُتل يوم بدر أو قتله النجاشيُّ؛
لجناية نُسبت إليه في حَرَمِ المَلِكِ، والروايتان متَّفقتان على أنَّه قُتلَ كافراً، ورواية
الثعلبيِّ عن مقاتل إسلامَه لا تصحُّ، ونصَّ ابنُ حجر على أنَّ ذلك غَلَط(١)، وقد وقع
في هذا الغَلَط صاحبُ ((الكشّاف)) وتبعه فيه مَن تبعه، والعَجَب أيضاً أنَّهم لم يَذكروا
الوليد بنَ الوليد فيمَن أسلم، مع أنَّ المحدِّثين عن آخِرهم أَطبقوا على إسلامه.
: بسطتُ له الرياسةَ والجاه العريض، فأتممتُ عليه
﴿وَمَهَدتُّ لَهُ تَمِهِيدًا
١٤
نعمَتَي الجاه والمال، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا، وأصل التمهيد
التسويةُ والتهيئة، وتجوِّز به عن بسطة المال والجاه، وكان لكثرةٍ غناه ونضارة حاله
الرائقة في الأعين منظراً ومَخبراً يلقَّب بريحانة قريش، وكذا كانوا يلقِّبونه بالوحيد
بمعنى المنفرد باستحقاقِ الرياسة. وعن ابن عباس: وسَّعت له ما بين اليمن إلى
الشام. وعن مجاهد: مهَّدْت له المالَ بعضه فوق بعض، كما يُمهد الفراش.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴾﴾ على ما أدَّيته، وهو استبعاد واستنكار لطَّمَعه وحِرْصه،
إمَّا لأنَّه في غنّى تامٍّ لا مزيدَ على ما أوتي سعةً وكثرة، أو لأنَّه منافٍ لما هو عليه
(١) الإصابة ٢٤/٨، القسم الرابع من حرف العين.

الآية : ١٦ - ١٨
٥٩
سُورَةُ المصدرِ
مِن كفران النِّعم ومعاندة المُنعِم، وعن الحسن وغيره: أنَّه كان يقول: إن كان محمد
صادقاً، فما خُلِقَت الجنَّة إلا لي. واستعمال ((ثم)) للاستبعاد كثير، قيل: وهو غير
التفاوت الرتبي، بل عدّ الشيء بعيداً غير مناسب لما عطف عليه، كما تقول: تُسيء
إليَّ ثم ترجو إحساني. وكأن ذلك لتنزيل البُعد المعنويِّ منزلةَ البُعد الزمانيِّ.
رَدْعُ وزَجْر له عن طَمَعه الفارغ، وقَطْع لرجائه الخائب.
كَلَّ
جملة مستأنفة استئنافاً بيانيًّا لتعليل
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَِّئِنَا عَنِيدًا
ما قَبْل، كأنَّه قيل: لم زُجرَ عن طلب المزيد، وما وجهُ عدم لياقته، فقيل: إنَّه كان
معانداً لآيات المُنعِم، وهي دلائل توحيده أو الآيات القرآنيَّة، حيث قال فيها
ما قال، والمعاندة تناسب الإزالة وتمنع مِن الزيادة، قال مقاتل: ما زال الوليدُ بعد
نزول هذه الآية في نَقْصٍ من مالِه وولده حتى هَلَك.
سأُغشيه عَقَبَةً شاقَّةَ المَصْعد، وهو مَثَلٌ لمَا يلقى من
﴿سَأُرْفِقُهُ، صَعُودًا (٦).
العذاب الشاقِّ الصعب الذي لا يُطاق، شبَّه ما يسوقه الله تعالى له مِن المصائب
وأنواع المشاقِّ بتكليف الصُّعود في الجبال الوَعِرة الشاقَّة، وأطلق لفظه عليه على
سبيل الاستعارة التمثيليَّة، وروى أحمد والترمذيُّ والحاكم وصحَّحه وجماعة عن
أبي سعيد الخدريِّ مرفوعاً: ((الصَّعُود جبلٌ مِن نار يَصَّعَّد فيه سبعين خريفاً، ثم
يَهوي فيه كذلك أبداً)(١). وعنه وَّهِ: ((يُكلَّف أن يَصْعَدَ عقبةً في النار كلَّما وَضَع
عليها يدَه ذابت، وإذا رفعها عادت، وإذا وضع رِجْله ذابت فإذا رفعها عادت))(٢).
﴿إِنَّهُ، فَّكَّرَ وَقَدَّرَ ®﴾ تعليلٌ للوعيد واستحقاقه له، أو بيان لعنادِهِ لآياته عزَّ
وجلَّ، فيكون جملة مفسِّرة لذلك لا محلَّ لها من الإعراب، وما بينهما اعتراض.
وقيل: الجملة عليه بَدَل مِن قوله تعالى: (إِنَُّ كَانَ لِّيَئِنَا عَنِيدًا) أي: إنَّه فكّر ماذا يقول
في شأنِ القرآن، وقدَّر في نفسه ما يقول.
(١) الدر المنثور ٢٨٣/٦، وأحمد (١١٧١٢)، والترمذي (٢٥٧٦)، والحاكم ٢/ ٥٠٧ و٤ /٥٩٦.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٥٧٣)، والبيهقي في البعث والنشور (٥٣٩) وغيرهما. قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣١/٧: فيه عطية العوفي، وهو ضعيف.

سُورَةُ المصلِ
٦٠
الآية : ١٩
تعجيبٌ مِن تقديره وإصابته فيه المحزَّ، ورميه الغَرَض الذي
﴿فَقُئِلَ كَيْفَ قَدَرَ
كان ينتحيه قريش، فهو نظير: ﴿قَكَثَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] أو ثناءٌ
عليه تهُّماً على نحو: قاتله اللهُ ما أشجعه، أو حكايةٌ لِمَا كرَّروه على سبيل الدعاء
عند سماع كلمته الحمقاء، فالعرب تقول: قتله اللهُ ما أشجعه، وأخزاه اللهُ
ما أَشعره، يريدون أنَّه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يُحسَد ويَدعو علیه حاسدُه
بذلك، ومآلَه ـ على ما قيل - إلى الأوَّل وإن اختلف الوجه.
روي أنَّ الوليد بنَ المغيرة جاء إلى النبيِّ بَّهَ، فقرأ عليه القرآنَ، فكأنَّه رقَّ له،
فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: يا عمّ إنَّ قومك يريدون أن يجمعوا لكَ مالاً فيعطوكه،
فإنَّك أتيتَ محمداً لتصيبَ ممَّا عنده؟ قال: قد علمتْ قريش أنِّي مِن أكثرها مالاً.
قال: فقل فيه قولاً يَبلُغ قومَك أنَّك مُنكِر له وأنَّك كارهُ له. قال: وماذا أقول، فواللهِ
ما فيكم رجلٌ أعلمَ بالشعر منِّي لا بِرَجَزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجِنِّ، واللهِ
ما يشبه الذي يقول شيئاً مِن هذا، وواللهِ إنَّ لقوله الذي يقوله حلاوة، وإنَّ عليه
لَطَلاوة، وإِنَّه لمُثْمِرٌ أعلاه، مُغدِقٌ أسفلُه، وإنَّه ليعلو ولا يُعلى، وإنَّه ليحطم
ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومُك حتى تقولَ فيه. قال: دعني حتى أفكّر. فلمًّا
فَكَّر قال: ما هو إلا سحرٌ يُؤْثَر. فعجبوا بذلك(١).
وقال محيي السُّنَّة: لما نزل على النبيِّ نَّه ﴿حَمّ ◌َ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ
اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: ١-٢] إلى قوله تعالى: ﴿اَلْمَصِيرُ﴾ [الآية: ٤] قام النبيُّ وَّ في
المسجد والوليد قريبٌ منه يَسمع قراءتَه، فلمَّا فطنَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام
لاستماعه، أعاد القراءةَ، فانطلق الوليدُ إلى مجلس قومه بني مخزوم، فقال: واللهِ
لقد سمعتُ من محمَّد آنفاً كلاماً ما هو مِن كلام الإنس ولا مِن كلام الجِنِّ، إنَّ له
الحلاوة، وإنَّ عليه لَطَلاوة، وإنَّ أَعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدق، وإنَّه ليعلو
وما يُعلى. فقالت قريش: صَبَّأَ واللهِ الوليد، واللهِ لتَصْبأنَّ قريش كلُّهم. فقال
أبو جهل: أنا أَكفيكموه. فقعد إليه حزيناً وكلَّمه بما أَحماه، فقام فأتاهم، فقال:
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٠٦/٢-٥٠٧، والبيهقي في دلائل النبوة ١٩٨/٢ -١٩٩. قال
الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه.