النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ١٠ - ١١
٢١
سُورَةُ المُنَفِِّ
و: واللهِ لا زيدٌ في الدار ولا عمرٌو، ومنه يُعلَم أنَّ المسألة خلافيَّة بين هذين الإمامين.
وقرأ ابن عباس وعبد الله وأصحابه: ((ربُّ المشارق والمغارب)) بجمعهما(١)،
وقد تقدَّم الكلام في وجه الإفراد والجمع.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾﴾ لترتيب الأمر وموجبه على اختصاص
الألوهيَّة والربوبيَّة به عزَّ وجلَّ، و((وكيل)) فعيل بمعنى مفعول، أي: موكول إليه،
والمراد مِن اتِّخاذه سبحانه وكيلاً أن يعتمدَ عليه سبحانه ويُفوِّض كلَّ أمر إليه عزَّ
وجلَّ، وذُكر أنَّ مقام التوُّل فوق مقام التبتُل؛ لِمَا فيه من رفع الاختيار، وفيه دلالة
على غاية الحبِّ له تعالى، وأنشدوا :
ومنهله عَذْبٌ تَكَذَّرَ أم صفا
هواي له فرضٌ تَعظَّفَ أم جفا
فإن شاء أحياني وإن شاء أَتْلَفا(٢)
وكَلْتُ إلى المعشوق أمريَ كلَّه
ومِن كلام بعض السادة: مَن رضي بالله تعالى وكيلاً وجد إلى كلِّ خير سبيلاً .
﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ممَّا يؤلمك مِن الخرافات، كقولهم: يُفرِّق بين الحبيب
وحبيبه. على ما سمعت في بعض روايات أسباب النزول.
بأن تُجانبهم وتُداريهم ولا تكافئهم (٣)، وتَكِلَ
﴿وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًا خَمِيلًا (٥)
أمورهم إلى ربِّهم كما يُعرِب عنه قوله تعالى: ﴿وَذَرْنِ وَالْكَذِّبِينَ﴾ أي: خَلِّ بيني
وبينهم وكِلْ أمرَهم إليَّ فإنَّ فيَّ ما يفرغُ بالك ويجلي همَّك، ومرَّ في ﴿تْ﴾ تمام
الكلام في ذلك.
وجوِّز في ((المكذِّبين)) هنا أن يكونوا هم القائلين، ففيه وضع الظاهر موضعَ
المضمر، وسماً لهم بميسم الذَّمٌّ مع الإشارة إلى علَّة الوعيد، وجوِّز أن يكونوا
بعضَ القائلين، فهو على معنى: ذرني والمكذّبين منهم.
والآية قيل: نزلت في صناديد قريش المستهزئين، وقيل في المطعمين يوم بدر.
(١) الكشاف ١٧٧/٤، والبحر المحيط ٣٦٣/٨.
(٢) لم نقف عليها .
(٣) المكافأة: المجازاة على فعلهم وكفرهم. حاشية الشهاب ٢٦٦/٨.

سُورَةُ المُنَمِّن
٢٢
الآية : ١٢ - ١٣
﴿أُوْلِ النَّعْمَةِ﴾ أرباب التنقُّم وغَضارة العيش وكثرة المال والولد،
فالنَّعمة - بالفتح - التنقُّم، وأما بالكسر فهي الإنعام وما يُنْعَم به، وأما بالضَّمِّ فهي
المسرَّة.
﴿وَمَهَلْهُمْ قَلِيلًا ﴾﴾ أي: زماناً قليلاً وهو مدَّة الحياة الدنيا، وقيل: المدَّة
الباقية إلى يوم بدر. وأيًّا ما كان فـ ((قليلاً)) نصب على الظرفيَّة، وجوّز أن يكون
نصباً على المصدريَّة، أي: إمهالاً قليلاً، والتفعيل؛ لتكثير المفعول.
﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ جمع: نكل بكسر النون وفتحها، وهو القيدُ الثقيل، وقيل:
الشديد. وقال الكلبيُّ: الأنكال: الأغلال. والأوَّل أعرف في اللغة. وعن
الشعبيٍّ: لم تجعل الأنكال في أرجلهم خوفاً مِن هربهم، ولكن إذا أرادوا أن
یرتفعوا استفلت بهم.
والجملة تعليل لقوله تعالى: ((ذرني)) وما عطف عليه، فكأنَّه قيل: كِلْ أَمرَهم
إليَّ ومَهِّلهم قليلاً؛ لأنَّ عندي ما أنتقم به منهم أشدَّ الانتقام أنكالاً ﴿وَحِيمًا
١٢
ناراً شديدة الإيقاد ﴿وَطَعَامًا ذَا غُضَّةٍ﴾ ينشب في الحلوق، ولا يكاد يُساغ، كالضريع
والزَّقُّوم، وعن ابنِ عباس: شوك مِن نار يَعترضُ في حلوقهم لا يَخرج ولا ينزل.
﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا (٣) ونوعاً آخَر من العذاب مؤلماً لا يُقادر قَدْره ولا يَعرف كُنهه
إلا الله عزَّ وجلَّ، كما يشعر بذلك المقابلة والتنكير.
وما أعظم هذه الآية! فقد أخرج الإمام أحمد في ((الزهد))، وابن أبي داود في
((الشريعة))، وابن عدي في ((الكامل))، والبيهقي في ((الشعب)) من طريق حُمْران بنِ
أَعْيَن، عن أبي حرب بنِ الأسود أنَّ النبيَّ وَِّ سمع رجلاً يقرأ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَاً
أَنْكَالًا﴾ إلخ، فصعق (١)، وفي رواية: أنَّه عليه الصلاة والسلام نفسَه قرأ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَاً
أَنْكَالًا﴾ فلما بلغ: ((أليماً)) صعق(٢). وقال خالد بنُ حسان: أمسى عندنا الحسن
(١) الدر المنثور ٢٧٩/٦، والكامل لابن عدي ٢/ ٨٤٢، وشعب الإيمان للبيهقي (٩١٧)، ولم
نقف عليه بهذا السياق في مطبوع الزهد، وهو مرسل، وحمران بن أعين ضعيف.
(٢) أخرجه أحمد في الزهد ص٣٦، وهناد في الزهد أيضاً (٢٦٧)، والطبري في التفسير
٣٨٥/٢٣. والعلة فيه كسابقه.

الآية : ١٣
٢٣
سُورَةُ المُزَمِِّ
وهو صائم، فأتيته بطعام فعَرَضَتْ له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾ إلخ، فقال: ارفعه،
فلما كانت الليلة الثانية أَتيته بطعام فعَرَضت له أيضاً، فقال: ارفعه. وكذلك الليلة
الثالثة، فانطلق ابنُه إلى ثابت البناني ويزيد الضبيِّ ويحيى البكّاء فحدَّثهم بحديثه،
فجاؤوا معه فلم يزالوا به حتى شرب شربةً مِن سَوِيق(١).
وفي الحديث السابق - إذا صحَّ - ما يقيم العذرَ للصوفيّة ونحوِهم الذين يُصعَقُون
عند سماع بعض الآيات، ويُقْعِدُ (٢) إنكار عائشة ◌َؤُها - ومن وافقها - عليهم، اللَّهمَّ
إلا أن يقال: إنَّ الإنكار ليس إلا على مَن يَصدرُ منه ذلك اختياراً، وهو أهلٌ لأن
يُنكر عليه كما لا يخفى، أو يقال: صَعِقَ مِن الصَّعْق بسكون العين، وقد يحرّك:
غُشِيَ عليه، لا مِن الصَّعَق بالتحريك: شدَّة الصوت، وذلك ممَّا لم تنكره عائشة
ولا غيرها .
وللإمام في الآية كلام على نحوٍ كلام الصوفيّة، قال: اعْلَم أنَّه يُمكن حَمْلُ هذه
المراتب الأربعة على العقوبة الروحانيَّة، أمَّا الأنكال فهي عبارة عن بقاء النفس في
قيد التعلُّقات الجسمانيَّة والَّلذَّات البدنيّة، فإنها في الدنيا لمَّا اكتسبت مَلَكَةَ تلك
المحبَّة والرغبة، فبعد البَدَن يشتدُّ الحنين، مع أنَّ آلاتِ الكسب قد بطلت فصارت
تلك كالأنكال والقيود المانعة له مِن التخلُّص إلى عالم الروح والصفاء، ثم يتولَّد
من تلك القيود الروحانيَّة نيرانٌ روحانيَّة، فإنَّ شدّة ميلها إلى الأحوال البدنيّة وعدم
تمكّنها مِن الوصول إليها تُوجِب حُرْقة شديدة روحانيَّة كمن تشتدُّ رغبته في وجدان
شيءٍ ثم إنَّه لا يجده، فإنَّه يَحترق قلبه عليه، فذاك هو الجحيم، ثم إنَّه يتجرَّع غصّة
الحرمان وألم الفراق، فذاك هو المراد من قوله سبحانه: (وَطَعَامًا ذَا ثُمَّةٍ)، ثم إنَّه
بسبب هذه الأحوال بقي محروماً عن تجلِّي نور الله تعالى والانخراط في
سلك القُدْسيين، وذلك هو المراد بقوله عزَّ وجلَّ: (وَعَذَابًا أَلِيمًا)، وتنكير ((عذاباً))
(١) أخرجه أحمد في الزهد ص٣٤٦ من طريق صالح، عن خليد، عن صالح بن حسان، قال:
أمسى الحسن صائماً ... الخبر. وأخرجه أيضاً الواحدي في الوسيط ٣٧٦/٤ من طريق
صالح المري عن خليد بن حسان قال: أمسى الحسن صائماً .... الخبر.
(٢) في الأصل: ويقصد.

سُورَةُ المُتَمِِّ
٢٤
الآية : ١٤ - ١٥
يدلُّ على أنَّه أشدُّ ممَّا تقدَّم وأكمل، واعْلَم أنِّي لا أقول: المراد بالآية ما ذكرتُه
فقط، بل أقول: إنَّها تُفيد حصولَ المراتب الأربعة الجسمانيَّة وحصولَ المراتب
الأربعة الروحانيَّة، ولا يمتنع الحَمْل عليهما وإن كان اللفظ بالنسبة إلى المراتب
الجسمانيَّة حقيقةً، وبالنسبة إلى المراتب الروحانيَّة مجازاً، لكنَّه مجاز متعارَف
مشهور(١). انتهى.
وتُعقّب بأنَّه بالحمل عليهما يلزم الجمعُ بين الحقيقة والمجاز أو عموم المجاز
مِن غير قرينة، وليس في الكلام ما يدلُّ عليه بوجهٍ من الوجوه، وأنتَ تعلم أنَّ أكثرَ
باب الإشارة عند الصوفيّة مِن هذا القبيل.
وقوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ قيل: متعلِّق بـ ((ذرني))، وقيل: صفة
(عذاباً))، وقيل: متعلِّق بـ ((أليماً))، واختار جمعٌ أنَّه متعلِّق بالاستقرار الذي تعلَّق به
(لدينا))، أي: استقرَّ ذلك العذاب لدينا وظهر يوم تَضْطرب الأرض والجبال
وتتزلزل.
وقرأ زيد بن عليٍّ: (تُرْجَفُ)) مبنيًّا للمفعول(٢).
﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ﴾ مع صلابتها وارتفاعها ﴿كَتِيبًا﴾ رَمْلاً مجتمعاً، مِن كَثَب الشيءَ:
إذا جمعه، فكأنَّه في الأصل فعيل بمعنى مفعول، ثم غَلب حتى صار له حكم
الجوامد، والكلام على التشبيه البليغ، وقيل: لا مانعَ مِن أن تكون رملاً حقيقةً.
قيل: أي: رخواً ليِّناً إذا وَطِئَتْه القَدَمُ زلَّ مِن تحتها، وقيل:
مَمِيلًا ®﴾
منثوراً، مِن هِيْلَ هَيْلاً: إذا نُثرَ وأُسيل، وكونه ((كئيباً) باعتبار ما كان عليه قبل النثر،
فلا تنافيَ بين كونه مجتمِعاً ومنثوراً، وليس المراد أنَّه في قوَّة ذلك وصدده كما قيل.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ خطاب للمكذِّبين أُولي النَّعمة، سواء جعلوا القائلين أو
بعضَهم، ففيه التفاتٌ مِن الغيبة، وهو التفات جليلُ الموقع، أي: إنَّا أرسلنا إليكم
أيُّها المكذِّبون مِن أهل مكة ﴿رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْهُ﴾ يَشهد يوم القيامة بما صَدَرَ عنكم
(١) التفسير الكبير للرازي ١٨١/٣٠.
(٢) البحر المحيط ٨/ ٣٦٤.

الآية : ١٦ - ١٧
٢٥
سُورَةُ المُتَمِّل
15﴾ هو موسى عليه السلام، وعدم
مِن الكفر والعصيان ﴿كَ أَزْسَلْناً إِلَى فِرْعَونَ رَسُولاً
تعيينه؛ لعدم دخله في التشبيه، أو لأنَّه معلوم غنيٌّ عن البيان.
﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ المذكورَ الذي أرسلناه إليه، فالتعريف للعهد الذكري،
والكاف في محلِّ النصب على أنَّها صفةٌ لمصدر محذوف على تقدير اسمِيَّتها، أي:
إرسالاً مثل إرسالنا، أو الجارُّ والمجرور في موضع الصفة على تقدير حرفيتها،
أي: إرسالاً كائناً كما، والمعنى: أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم فعصيتموه
كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصاه. وفي إعادة ((فرعون)) و((الرسول)) مُظْهَرَيْن
تفظيع لشأن عصيانه، وأنَّ ذلك لكونه عصيان الرسول لا لكونه عصيان موسى، وفيه
أنَّ عصيان المخاطبين أفظعُ وأدخل في الذَّمِّ إذ زاد جلَّ وعلا لهذا الرسول وصفاً
آخرَ، أعني: ((شاهداً عليكم)»، وأدمج فيه أنهم لو آمنوا كانت الشهادة لهم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْتَهُ أَخْذًا وَبِلَا ﴾﴾ - أي: ثقيلاً رديء العُقْبى، مِن قولهم:
كَلَأْ وَبِيْلٌ: وَخِيمٌ لا يُسْتَمْرأ لثقله، والوَبِيْل أيضاً: العصا الضخمة، ومنه: الوابل:
للمطر العظيم فَظْره - خارجٌ عن التشبيه جِيءَ به لإيذان المخاطبين بأنَّهم مأخوذون
بمثل ذلك وأشدّ وأشدّ.
﴾ مرتَّب(١) على
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْمَلُ الْوِلْدَانَ شِيًا
الإرسال فالعصيان، و((يوماً)) مفعول به لـ ((تتقون))، إمَّا بتقدير مضاف، أي:
عذابَ - أو: هولَ - يوم، أو بدونه، إلا أنَّ المعنى عليه، وضمير ((يجعل)) لليوم،
والجملة صفته، والإسناد مجازيٌّ، وقال بعضٌ: الضمير تعالى، والإسناد حقيقيٌّ،
والجملة صفةٌ محذوفةُ الرابط، أي: يجعل فيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا لَا
تَجْزِى نَفْسُ﴾ [البقرة: ٤٨] وكان ظاهر الترتيب أن يقدَّم على قوله تعالى: ((كما أرسلنا))
إلا أنَّما أُخِّر إلى هنا زيادةً على زيادة في التهويل، فكأنَّه قيل: هَبُوا أنَّكم لا تُؤخَذون
في الدنيا أَخْذَةَ فرعون وأَضْرابِهِ، فكيف تَقُونَ أنفسَكم هولَ القيامة وما أُعِدَّ لكم مِن
الأنكال إن دمتُم على ما أنتم عليه ومُتُّم في الكفر.
(١) في (م): مراتب.

سِوَرَةُ المُتَمِّل
٢٦
الآية : ١٧
وفي قوله سبحانه: ((إِن كَفَرتُم)) وتقديره تقديرَ مشكوكٍ في وجوده ما يُنبّه على أنَّه
لا ينبغي أن يَبقى مع إرسال هذا الرسول لأحدٍ شبهةٌ تُبقيه في الكفر، فهو النور
المبين .
وجوّز أن يكون ((يوماً)) ظرفاً لـ ((تتَّقون))، على معنى: فكيف لكم بالتقوى في
يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا، والكلام حينئذٍ للحثِّ على الإقلاع مِن الكفر،
والتحذير عن مِثْلِ عاقبة آلِ فرعون قَبْلَ أن لا ينفعَ الندم.
وجوّز أيضاً أن ينتصب بـ ((كفرتم)) على تأويل: جحدتم، والمعنى: فكيف
يُرجى إقلاعكم عن الكفر واتِّقاء اللهِ تعالى وخشيتُه وأنتم جاحدونَ يومَ الجزاء،
كأنَّه لما قيل: ((يوم ترجف)) عقّب بقوله تعالى: ((فكيف تتقون)) الله ((إن كفرتم)) به،
فأعيد ذِكْر اليوم بصفة أُخرى زيادةً في التهويل، والوجه الأوَّل أَولى، قاله في
((الکشف)).
وقال العلامة الطيبيُّ في الوجه الأخير - أعني: انتصاب ((يوماً)) بـ ((كفرتم)) -: إنَّه
أوفقُ للتأليف، يعني: خوَّفناكم بالأنكال والجحيم، وأرسلنا إليكم رسولاً شاهداً
يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم، وأنذرناكم بما فعلنا بفرعونَ مِن العذاب الوبيل
والأَخْذِ الثقيل، فما نَجَعَ فيكم ذلك كلُّه ولا اتَّقيتم الله تعالى، فكيف تتَّقونه
وتخْشَونه إن جحدتم يومَ القيامة والجزاء، وفيه أنَّ مِلاك التقوى والخشية الإيمانُ
بيومِ القيامة. انتهى. ولا يخفى أنَّ جزالة المعنى ترجّح الأوَّل.
وذهب جمع إلى أنَّ الخطاب في: ((إنَّا أرسلنا إليكم)) عامُّ للأسود والأحمر،
فالظاهر أنَّه ليس مِن الالتفات في شيء.
وأيًّاما كان فجعل الولدان شيباً - أي: شيوخاً جمع: أشيب - قيل: حقيقة،
فتشيب الصبيان وتبيضُّ شُعورهم مِن شدَّة يوم القيامة، وذلك على ما أخرج ابنُ
المنذر عن ابن مسعود حين يقول الله تعالى لآدم عليه السلام: قُمْ فَأَخْرِج من ذُرَِّتك
بَعْثَ النار. فيقول: يا ربِّ، لا عِلْمَ لي إلَّ ما علَّمتني؟ فيقول الله عزَّ وجلَّ: أَخرِج
بَعْثَ النارِ مِن كلِّ ألف تسْعَ مئة وتسعةً وتسعين، فيُخرجون ويُساقون إلى النار سَوقاً

الآية : ١٨
٢٧
سُوَرَةُ المُنَمِِّ
مقرَّنين زُرْقاً كالِحِين، قال ابنُ مسعود: فإذا خرج بَعْثُ النار شابَ كلُّ وليد(١). وفي
حديث الطبراني وابنٍ مردويه عن ابنِ عباس نحو ذلك(٢).
وقيل: مَثَلٌ في شدَّة الهول مِن غير أن يكون هناك شَيْب بالفعل، فإنَّهم يقولون
في اليوم الشديد: يومٌ يُشَيِّب نواصي الأطفال. والأصل في ذلك أنَّ الهموم إذا
تفاقمت على المرء أَضْعَفتْ قواه وأَسرعتْ فيه الشيب، ومن هنا قيل: الشيب نوار
الهموم، وحديث البعث لا يأبى هذا.
وجوّز الزمخشريُّ(٣) أن يكون ذلك وصفاً لليوم بالُول، وأنَّ الأطفالَ يبلغون
فيه أوانَ الشيخوخةِ والشيب. وليس المراد به التقدير الحقيقيّ، بل وُصفَ بالطول
فقط على ما تَعارفوه، وإلا فهو أطولُ مِن ذاك وأطول، فلا اعتراضَ، لكنَّه مع هذا
لیس بذاك.
والظاهر عموم الولدان، وقال السُّدِّيُّ: هم هنا أولادُ الزنى. وقيل: هم أولاد
المشركين .
وقرأ زيد بنُ عليٍّ ((يَوْمَ)) بغير تنوين، ((نَجْعَلُ)) بالنون (٤)، فالظرف مضافٌ إلى
جملة نجعل .. إلخ.
﴿السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌ﴾ أي: منشقٌّ، وقُرئَ: ((مُتَفَطّر))(٥)، أي: مُتَشقِّق ﴿بِ.﴾ أي:
بذلك اليوم، والباء للآلة، مِثْلُها في قولك: فطرتُ العودَ بالقَدُوم فانفطر به، يعني
أنَّ السماء على عِظَمِها وإحكامها تَنفطِرُ بشدّة ذلك اليوم وهولِه كما ينفطر الشيءُ
مما يُفطّر به، فما ظنُّك بغيرها مِن الخلائق؟ وجوّز أن يُراد: السماءُ مُثقَلة به الآن
إثقالاً يؤدِّي إلى انفطارها؛ لعِظَمِه عليها وخشيتها مِن وقوعه، كقوله تعالى: ﴿نَقُلَتْ
(١) الدر المنثور ٢٧٩/٦.
(٢) الدر المنثور ٢٧٩/٦، والمعجم الكبير (١٢٠٣٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٧٠،
١٣٠ : فيه عثمان بن عطاء الخراساني، وهو ضعيف.
(٣) الكشاف ١٧٨/٤ .
(٤) البحر المحيط ٣٦٥/٨.
(٥) الكشاف ١٧٨/٤ .

سُورَةُ المُنَمِِّ
٢٨
الآية : ١٨
فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] فالكلام من باب التخييل، والانفطار كناية عن
المبالغة في ثِقَلِ ذلك اليوم، والمراد إفادة أنَّه الآن على هذا الوصف. والأوَّل أظهر
وأوفق لأكثر الآيات.
وكان الظاهر: السماء منفطرةٌ، بتأنيث الخبر؛ لأنَّ المشهور أنَّ السماء مؤنَّئة،
لكن اعتبر إجراء ذلك على موصوف مذكَّر فذُكِّر، أي: شيء منفطر به، والنكتةُ فيه
التنبيهُ على أنَّه تبدلَّت حقيقتُها وزال عنها اسمُها ورَسْمُها، ولم يَبْقَ منها إلا ما يُعبَّر
عنه بالشيء. وقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة والكسائي، وتبعهم منذر بنُ
سعيد: التذكير؛ لتأويل السماء بالسَّقف(١)، وكأنَّ النكتةَ فيه تذكيرُ معنى السقيفة
والإظلال ليكون أمرُ الانفطار أدهشَ وأهولَ.
وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: التقدير: ذات انفطار، كقولهم: امرأة مرضع، أي:
ذات رضاع، فجرى على طريق التسبُّب(٢)، وحكي عنه أيضاً أنَّ هذا مِن باب:
الجراد المنتشر، والشجر الأخضر، وأعجاز نَخْل مُنْقَعِر، يعني أنَّ السماء مِن باب
اسم الجنس الذي بينه وبين مفرده تاءُ التأنيث، وأنَّ مفرده: سماءة، واسم الجنس
يجوز فيه التذكير والتأنيث، فجاء ((منفطر)) على التذكير.
وقال الفرَّاء: ((السماء)) - يعني المظلَّة - تذكّر وتؤنَّث، فجاء ((منفطر)) على
التذكير، ومنه قول الشاعر:
فلو رَفَعَ السماءُ إليه قوماً لَحِقْنا بالسماءِ وبِالسَّحابِ (٣)
وعليه لا حاجةً إلى التأويل، وإنَّما تطلب نكتة اعتبار التذكير مع أنَّ الأكثر في
الاستعمال اعتبار التأنيث، ولعلَّها ظاهرة لمَن له أَدنى فهم، وحَمْل الباء في ((به))
على الآلة هو الأوفق لتهويل أمر ذلك اليوم، وجوّز حَمْلها على الظرفيَّة، أي:
السماءُ منفطٌ فيه .
(١) المحرر الوجيز ٣٨٩/٥، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ٢٧٤/٢.
(٢) البحر المحيط ٣٦٦/٨.
(٣) معاني القرآن ١٩٩/٣، والمذكَّر والمؤنَّث ص٣١، والبيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٣٣/١،
وفيه: الإله، بدل: السماء. و: مع السحاب، بدل: وبالسحاب.

الآية : ١٩ - ٢٠
٢٩
سُورَةُ المُنَمِّل
وعَودُ الضمير المجرور على اليوم هو الظاهر الذي عليه الجمهور، وقال
مجاهد: يعود على الله تعالى، أي: بأمره سبحانه وسلطانه عزَّ وجلَّ. فهو عنده
فإنَّه له تعالى لعِلْمه مِن السياق،
١٨
كالضمير في قوله تعالى: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا لـ
والمصدر مضاف إلى فاعله، ويجوز أن يكون لليوم كضمير ((به)) عند الجمهور،
والمصدر مضاف إلى مفعوله.
﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ إشارة إلى الآيات المنطوية على القوارع المذكورة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾
· بالتقرُّب إليه تعالى بالإيمان
أي: موعظة ﴿فَمَنْ شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِهِ، سَبِيلًا
والطاعة، فإنَّه المنهاجُ الموصِل إلى مرضاته عزَّ وجلَّ، ومفعول ((شاء)) محذوف،
والمعروف في مثله أن يقدَّر مِن جنس الجواب، أي: فمن شاء اتِّخاذ سبيل إلى ربِّه
تعالى اتَّخذ ... إلخ، وبعضُ قدَّره: الانِّعاظ؛ لمناسبة ما قَبْلُ، أي: فمن شاء
الانّعاظ اتَّخذ إلى ربِّه سبيلاً، والمراد: مَن نَوى أن يَحصُل له الاتِّعاظُ تقرَّب إليه
تعالى، لكن ذكر السبب وأُريد مسببه فهو الجزاء في الحقيقة، واختار في ((البحر))(١)
ما هو المعروف، وقال: إنَّ الكلام على معنى الوعد والوعيد.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَذْفَ مِنْ تُنِى أَلِ﴾ أي: زماناً أقلَّ منهما، استعمل فيه
الأدنى - وهو اسم تفضيل مِن دنا إذا قَرُب ـ لما أنَّ المسافة بين الشيئين إذا دَنَتْ قَلَّ
ما بينهما مِن الأحياز، فهو فيه مجاز مرسل؛ لأنَّ القُرْبَ يقتضي قلَّة الأحياز بين
الشيئين، فاستعمل في لازمه أو في مُطلَق القلّة، وجوّز اعتبار التشبيه بين القُرب
والقلَّة ليكون هناك استعارة، والإرسال أقرب.
وقرأ الحسن وشيبة وأبو حيوة وابن السميفع وهشام، وابن مجاهد عن
قنبل - فيما ذكر صاحب ((الكامل)) - ((ثُلْثَي)) بإسكان اللام(٢)، وجاء ذلك عن نافع
وابن عامر فيما ذكر صاحب ((اللوامح)).
﴿وَنِصْفَهُ وَثَلُهُ﴾ بالنصب عطفاً على ((أدنى))، كأنَّه قيل: يعلم أنَّكَ تقوم مِن الليل
أقلَّ مِن ثلثيه وتقوم نصفه وتقوم ثلثه.
(١) ٣٦٦/٨.
(٢) التيسير ص٢١٦، والنشر ٢١٧/٢ عن هشام، والكلام من البحر المحيط ٣٦٦/٨.

سُورَةُ المُنَمِّل
٣٠
الآية : ٢٠
وقرأ العربيَّن ونافع: ((ونِصْفِه وثُلُثِهِ)) بالجرِّ(١) عطفاً على ((ثلثي الليل))، أي:
تقوم أقلّ من الثلثين وأقلَّ من النصف وأقلَّ من الثلث، والأوَّل مطابق لكون التخيير
فيما مرَّ بين قيام النصف بتمامِه وبين قيام الناقص منه وهو الثلث، وبين قيام الزائد
عليه وهو الأدنى مِن الثلثين، والثاني مطابق لكون التخيير بين النصف وهو أدنى مِن
الثلثين، وبين الثلث وهو أدنى من النصف، وبين الربع وهو أدنى من الثلث، كذا
قال غير واحد، فلا تغفل، واستشكل الأمر بأنَّ التفاوت بين القراءتين ظاهر،
فكيف وجه صحّة عِلْم الله تعالى لمدلولهما وهما لا يجتمعان؟
وأجيب بأنَّ ذلك بحسب الأوقات، فوقع كلّ في وقت، فكانا معلومين له
تعالی.
واستشكل أيضاً هذا المقام على تقدير كون الأمر وارداً بالأكثر، بأنَّه يلزم: إمّا
مخالفة النبيِّ وَّ لِمَا أُمَرَ به، أو اجتهاده والخطأ في موافقة الأمر. وكلاهما غير
صحيح؛ أمَّا الأوَّل فظاهر لا سيَّما على كون الأمر للوجوب، وأمَّا الثاني فلأنَّ مَن
جوَّز اجتهادَه عليه الصلاة والسلام والخطأً فيه، يقول: إنَّه لا يُقَرُّ عليه الصلاة
والسلام على الخطأ؟
وأجيب بالتزام أنَّ الأمر وارد بالأقلّ، لكنَّهم زادوا حذراً مِن الوقوع في
المخالفة وكان يشقُّ عليهم، وعِلْم الله سبحانه أنَّهم لو لم يأخذوا بالأشقِّ وقعوا في
المخالفة فنسخ سبحانه الأمر، كذا قيل، فتأمَّل فالمقام بَعْدُ محتاج إليه.
وقرأ ابن كثير في رواية شبل: ((وتُلْثه)) بإسكان اللام(٢).
﴿وَطَاءِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ عطف على الضمير المستتر في (تقوم))، وحسَّنه الفصلُ
بينهما، أي: وتقوم معك طائفةٌ من أصحابك.
﴿وَلَّهُ يُقَدِّرُ اَلَّلَ وَاَلنََّرَ﴾ لا يَعلَمُ مقاديرَ ساعاتهما كما هي إلا الله تعالى،
فإنَّ تقديمَ اسمِه تعالى مبتدأً مبنيًّا عليه ((يُقدِّر)) دالٌّ على الاختصاص على
(١) التيسير ص٢١٦، والنشر ٣٩٣/٢، والبحر المحيط ٣٦٦/٨ والكلام منه.
(٢) السبعة لابن مجاهد ص٦٥٨، والقراءات الشاذة ص ١٦٤، والبحر المحيط ٣٦٦/٨.
:

الآية : ٢٠
٣١
سُورَةُ المُنَّمِلِ
ما ذهب إليه جارُ الله (١)، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنَ تُخْصُوءُ﴾ فإنَّ الضمير
المصدر ((يُقدِّر)) لا للقيام المفهوم مِن الكلام، والمعنى: عَلِمَ أنَّ الشأنَ لن
تقدروا على تقدير الأوقات، ولن تستطيعوا ضَبْطَ الساعات، ولا يتأتَّى لكم
حسابها بالتعديل والتسوية، إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط، وذلك شاقّ
عليكم بالغ منكم(٢).
﴿فَنَبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بالترخيص في تَرْكِ القيام المقدَّر، ورفع التَِّعةِ عنكم في
تَرْكه، فالكلام على الاستعارة حيث شبَّه الترخيصَ بقبول التوبة في رَفْعِ التبعة،
واستعمل اللفظ الشائع في المشبّه به في المشبّه، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ
وَعَفَا عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وزعم بعضهم أنَّه على ما يتبادر منه، فقال:
فيه دليلٌ على أنَّه كان فيهم مَن تَرَك بعضَ ما أُمر به، وليس بشيء.
﴿فَقْرَءُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ أي: فصلُّوا ما تيسّر لكم مِن صلاة الليل، عبّر عن
الصلاة بالقراءة كما عبّر عنها بسائر أركانها. وقيل: الكلام على حقيقته مِن طَلَب
قراءة القرآن بعينها. وفيه بُعْدٌ عن مقتضى السياق.
ومن ذهب إلى الأوَّل قال: إنَّ الله تعالى افترض قيامَ مقدارٍ معيَّن مِن الليل في
قوله سبحانه: (فُرِ الَِّلَ) إلخ، ثم نُسَخَ بقيام مقدارٍ مّا منه في قوله سبحانه: (فَنَابَ
عَلَيْكُمْ فَقْرَهُوأ) الآية، فالأمر في الموضعين للوجوب، إلا أنَّ الواجب أوَّلاً كان معيَّناً
مِن معيَّنات، وثانياً كان بعضاً مطلقاً ثم نُسخَ وجوبُ القيام على الأمَّة مطلقاً
بالصلوات الخمس. ومَن ذهب إلى الثاني قال: إنَّ الله تعالى رخّص لهم في ترك
جميع القيام وأَمَرَ بقراءة شيءٍ مِن القرآن ليلاً، فكأنَّه قيل: فتاب عليكم ورخَّص في
التَّرْك فاقرؤوا ما تيسّر مِن القرآن إن شَقَّ عليكم القيامُ، فإنَّ هذا لا يشقُّ وتنالونَ
بهذه القراءة ثوابَ القيام، وصرَّح جمع أنَّ ((فاقرؤوا)) على هذا أمرُ ندبٍ بخلافه
على الأوَّل.
(١) الكشاف ٤/ ١٧٨ -١٧٩.
(٢) جاء في هامش الأصل: لا يخفى أن يستفاد من هذا التفسير الاستدلال على صحة التكليف
بما لا يطاق، ليس بشيء. انتهى منه.

سُورَةُ المُتَمِّل
٣٢
الآية : ٢٠
هذا، واعلم أنَّهم اختلفوا في أَمْرِ التهجُّد؛ فعن مقاتل وابنٍ كيسان أنَّه كان
فرضاً بمَّة قَبْلَ أن تُفرَض الصلوات الخمس ثم نُسخَ بهنَّ إلا ما تطوَّعوا به، ورواه
البخاريُّ ومسلم في حديث جابر(١).
وروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والدارمي وابنُ ماجه والنسائيُّ عن سعد بنِ
هشام قال: قلت لعائشةً: يا أمَّ المؤمنين أَنْبِئيني عن خُلُقِ رسولِ اللهِ وََّ؟ قالت:
ألستَ تَقرأُ القرآنَ؟ قلت: بلى. قالت: فإنَّ خُلُقَ نبيِّ اللهِ تعالى القرآنُ. قال:
فَهَمَمْتُ أن أقومَ ولا أسأل أحداً عن شيء حتى أموتَ، ثم بدا لي فقلت: أنْبِئيني
عن قيام رسولِ الله وَ﴿؟ فقالت: ألستَ تَقرأُ: ((يا أيُّها المزمِّل)»؟ قلتُ: بلى.
قالت: فإنَّ اللهَ تعالى افترض قيامَ الليل في أوَّل هذه السورة، فقام نبيُّ الله وأصحابه
حَوْلاً، وأمسك اللهُ تعالى خاتمتها اثني عَشَر شهراً في السماء حتى أنزلَ اللهُ تعالى
في آخِر السورة التخفيفَ، وصار قيامُ الليل تطوُّعاً(٢). وفي رواية عنها: إنَّه دام
ذلك ثمانية أشهر (٣). وعن قتادة: دام عاماً أو عامين.
وعن بعضهم أنَّه كان واجباً وإنما وقع التخيير في المقدار، ثم نُسَ بعد عشر
(١) لم نقف عليه في الصحيحين من حديث جابر، بل أورده المقريزي في مختصر قيام الليل
ص٧ عن جابر بلفظ: أن النبيَّ نَّه بعثهم في جيش وأمَّر عليهم أبا عبيدة، وقد كان كُتب
عليهم قيامُ الليل، فكانوا يقومون حتى انتفخت أقدامهم، فأصابهم في ذلك الوجه جوع
شديد، قال: ووضع الله عنهم قيام الليل. وأصل الخبر عند البخاري (٢٤٨٣)، ومسلم
(١٩٣٥) دون ذكر قيام الليل، ونقل المقريزي في مختصر قيام الليل ص٩-١٠ عن المروزي
قوله: كيف يجوز أن تكون الصلوات الخمس نَسخت قيام الليل، والصلوات الخمس
مفروضات في أول الإسلام والنبيُّ ◌َّه بمكة فرضت عليه ليلة أسري به، والأخبار التي
ذكرناها تدل على أن قوله تعالى: ((فاقرؤوا ما تيسر من القرآن)) إنما نزل بالمدينة ... وفي
حديث جابر أن النبي ◌َّ بعثهم في الجيش، وقد كان كُتب عليهم قيامُ الليل، وبعثة الجيوش
لم يكن إلا بعد قدوم النبي ◌َّ﴿ المدينة؟! إلى آخر كلامه. وينظر حديث جابر في مجمع
الزوائد ٢٥١/٢.
(٢) أحمد (٢٤٢٦٩)، ومسلم (٧٤٦)، وأبو داود (١٣٤٢)، والدارمي (١٤٧٥)، وابن ماجه
(١١٩١) و(١٣٣٥)، والنسائي في المجتبى ٢١٨/٣.
(٣) أخرجه الطبري في التفسير ٣٥٩/٢٣ - ٣٦٠، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٢٧٦/٦ وزاد
نسبته لابن أبي حاتم أيضاً.
١

الآية : ٢٠
٣٣
سُورَةُ الْقُزَمِّكَ
سنين، وكان الرجل - كما قال الكلبيُّ - يقوم حتى يصبحَ مخافةً أن لا يحفظَ ما بين
النصف والثلث والثلثين.
وقيل: كان نفلاً، بدليل التخيير في المقدار، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَلِ فَتَهَجَّدْ
بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] حكاه غير واحد وبحثوا فيه، لكنْ قال الإمام صاحب
(الكشف)): لم يُرِد هذا القائل أنَّ التخييرَ ينافي الوجوبَ، بل استدلَّ بالاستقراء وأنَّ
الفرائضَ لها أوقات محدودة متَّسعةً كانت أو ضيِّقةً، لم يُفوَّض التحديد إلى رأي
الفاعل، وهو دليل حسن، وأمَّا القائل بالفَرْضيَّة فقد نظر إلى اللفظ دون الدليل
الخارجي، ولكلٍّ وجه، وأمَّا قوله: ولقوله تعالى: (وَمِنَ الَّلِ) إلخ فالاستدلال بأنَّه
فسَّر (نَافِلَةً لَّكَ) بأنَّ معناه: زائدة على الفرائض لك خاصَّة دون غيرك؛ لأنَّها تطوّع
لهم، وهذا القائل لا يمنع الوجوبَ في حقّه عليه الصلاة والسلام وإنَّما يمنعه في
حقِّ غيرِهِ وَّهِ، والآية تدلُّ عليه، فلا نظر فيه. ثم إنَّه لمَّا ذكر سبحانه في تلك
السورة: (وَمِنَ الَّتْلِ) أي: خصَّ بعضَ الليل دون توقيت، وهاهنا وقَّت - جلَّ
وعلا - ودلَّ على مشاركةِ الأمَّة له عليه الصلاة والسلام قولُه تعالى: (وَطَيِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ
مَعَكَّ) نزّل ما ثَمَّ على الوجوب عليه بَّهِ خاصَّة، وهاهنا على التنقّل في حقِّه وحقٌ
الأمَّة، وهذا قول سديد إلا أنَّ قولَه تعالى: (عَلِمَ أَن لَّنْ تُخُصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكٌ) يؤيِّد
الأوَّل. انتهى.
وعنى بالأوَّل القولَ بالفَرْضيَّة عليه عليه الصلاة والسلام وعلى الأمَّة، وظواهر
الآثار الكثيرة تَشهدُ له، لكن في ((البحر)) أنَّ قولَه تعالى: (وَطَيِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَلَّ) دليل
على أنَّه لم يكن فرضاً على الجميع، إذ لو كان فرضاً عليهم لكان التركيب: والذين
معك، إلا إن اعتقد أنَّه كان منهم من يقوم في بيته، ومنهم من يقوم معه، فيمكن إذ
ذاك الفَرْضيّة في حقِّ الجميع(١). انتهى.
وأنت تَعلمُ أنَّه لا يتعيَّن كون ((من)) تبعيضيَّة، بل تحتمل أن تكون بيانيَّة، ومن
يقول بالفَرْضيَّة على الكُلِّ صدرَ الإسلام يَحملها على ذلك دون البعضيَّة باعتبار
المعيَّة، فإنَّها ليست بذاك، والله تعالى أعلم.
(١) البحر المحيط ٣٦٦/٨.

سُؤَدَّةُ المُتَمِّل
٣٤
الآية : ٢٠
وأفادت الآية على القول الأخير في قوله سبحانه: ((فاقرؤوا)) إلخ نَذْبَ قراءةٍ
شيء مِن القرآن ليلاً، وفي بعض الآثار: من قرأ مئة آية في ليلة لم يحاجَّه القرآن.
وفي بعضها: من قرأ مئة آية كتب من القانتين. وفي بعض: خمسين آية(١).
والمعوَّل عليه مِن القولين فيه القولُ الأوَّل، وقد سمعتَ أنَّ الأمرَ عليه
للإيجاب، وأنَّه كان يجب قيام شيء مِن الليل ثم نُسخَ وجوبه عن الأمَّة بوجوب
الصلوات الخمس، فهو اليوم في حقِّ الأمَّة سُنَّة. وفي ((البحر)) بعد تفسير فاقرؤوا))
بـ: صلُّوا، وحكاية ما قيل مِن النَّسْخ: وهذا الأمر عند الجمهور أَمْر إباحة، وقال
الحسن وابن سيرين: قيام الليل فرضٌ ولو قَدْرَ حَلْبٍ شاة. وقال ابن جبير
وجماعة: هو فرض لا بُدَّ منه ولو بمقدار خمسين آية (٢). انتهى.
وظاهر سياقه أنَّ هؤلاء قائلون بوجوبه اليوم وأنَّه لم يُنسَخ الوجوبُ مُطلَقاً،
وإنَّما نُسخَ وجوبٌ معيَّن، وهذا خلافُ المعروف، فعن ابنِ عباس: سَقَطَ قيامُ الليل
عن أصحاب رسولِ اللهِ وَ ل﴿ وصار تطوُّعاً وبقي ذلك فرضاً على رسول الله عليه
الصلاة والسلام. وأظنُّ الأمر غنيًّا عن الاستدلال، فَلْنَظْرِ بساطَ القِيل والقال، نعم
كان السلف الصالح يُثابرون على القيام مُثابرتهم على فرائضٍ الاسلام؛ لما في ذلك
من الخَلْوة بالحبيب والأُنس به، وهو القريب مِن غير رقيب، نسأل الله تعالى أن
يوفِّقنا كما وقَّقهم، ويَمُنَّ علينا كما مَنَّ عليهم.
ـَّ استدلَّ بقوله تعالى: (فَقْرَءُوأَ مَا
بقي ها هنا بحث وهو أنَّ الإمامَ أبا حنيفة ز
تَبَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ) على أنَّ الفَرْضَ في الصلاة مُطلَق القراءة لا الفاتحة بخصوصِها،
وهو ظاهرٌ على القول بأنَّه عَبَّر فيه عن الصلاة بركنها وهو القراءة، كما عبّر عنها
بالسجود والقيام والركوع في مواضعَ، وقدّر ما تيسّر بآية على ما حكاه عنه
الماورديُّ(٣)، وبثلث على ما حكاه عنه ابن العربي(٤)، والمسألة مقرَّرة في الفروع.
(١) تنظر هذه الروايات في عمل اليوم والليلة لابن السني (٦٧١) و(٦٧٢)، والأذكار ص ٩٣.
(٢) البحر المحيط ٣٦٧/٨.
(٣) النكت والعيون ٦/ ١٣٣.
(٤) أحكام القرآن ٤/ ١٨٧١ .

الآية : ٢٠
٣٥
سُورَةُ المُنَمِلِ
وَخَصَّ الشافعيّ ومالك ((ما تيسّر)) بالفاتحة، واحتجُوا على وجوب قراءتها في
الصلاة بحجج كثيرة:
منها ما نقل أبو حامد الإسفراييني عن ابن المنذر بإسناده عن أبي هريرة عنه
عليه الصلاة والسلام: ((لا تجزئ صلاة لا يُقْرَأ فيها بفاتحة الكتاب))(١).
ومنها ما روي أيضاً عن أبي هريرة عنه نَّهِ: ((كلُّ صلاةٍ لم يُقرَأ فيها بفاتحة
الكتاب فهي خداج فهي خداج)»(٢) أي: نقصان؛ للمبالغة، أو: ذو نقصان.
واعتُرض بأنَّ النقصانَ لا يدلُّ على عدم الجواز. وأُجيب بأنَّه يدلُّ؛ لأنَّ التكليفَ
بالصلاة قائمٌ، والأصل في الثابت البقاءُ، خالفناه عند الإتيان بها على صفة
الكمال، فعند النقصان وجب أن يَبقى على الأصل، ولا يَخرُجَ عن العهدة، وأكّد
بقول أبي حنيفة بعدم جواز صوم يوم العيد قضاءً عن رمضان مع صحَّة الصوم فيه
عنده، مستدلا عليه بأنَّ الواجب عليه الصومُ الكامل، والصوم في هذا اليوم ناقصٌ
فلا يُفيد الخروجَ عن العهدة.
ومنها قوله ◌َله: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))(٣) وهو ظاهر في المقصود، إذ
التقدير: لا صلاةَ صحيحةٌ إلَّا بها، واعتُرض بجواز أن يكون التقدير: لا صلاةً
كاملةٌ، فإنَّه لمَّا امتنع نفي مسمَّى الصلاة لثبوته دون الفاتحة لم يكن بُدٌّ مِن صَرْفه
إلى حُكْمٍ مِن أحكامها، وليس الصَّرْف إلى الصحة أَولى مِن الصرف إلى الكمال.
وأجيب بأنَّا لا نُسلِّم امتناع دخول النفي على مسمَّاها؛ لأنَّ الفاتحةَ إذا كانت
جزءاً من ماهية الصلاة، تنتفي الماهية عند عدم قراءتها، فيصحُّ دخوله على
مسمَّاها، وإنَّما يمتنع لو ثبت أنَّها ليست جزءاً منها، وهو أوَّل المسألة، سلَّمناه لكن
لا نُسلِّم أنَّ صَرْفه إلى الصِّحَّة ليس أولى مِن صرفه إلى الكمال، بل هو أولى، لأنَّ
الحمل على المجاز الأقرب عند تعذُّر الحمل على الحقيقة أولى، بل واجب
(١) الأوسط لابن المنذر (١٢٩٩)، وهو بهذا اللفظ عند ابن خزيمة في صحيحه (٤٩٠)، وابن
حبان في صحيحه (١٧٨٩).
(٢) أخرجه مسلم (٣٩٥) (٤١)، وهو عند أحمد (٧٢٩١).
(٣) أخرجه مسلم (٣٩٤)، وهو عند أحمد (٢٢٦٧٧) من حديث عبادة بن الصامت

سُورَةُ المُتَمِِّ
٣٦
الآية : ٢٠
بالإجماع، ولا شكَّ أنَّ الموجود الذي لا يكون صحيحاً أقربُ إلى المعدوم مِن
الموجود الذي لا يكون كاملاً، ولأنَّ الأصل بقاءُ ما كان - وهو التكليف - على
ما كان، ولأنَّ جانبَ الحرمة أرجحُ؛ لأنَّه أحوط.
ومنها أنَّ الصلاةَ بدون الفاتحة تُوجِب فواتَ الفضيلة الزائدة مِن غير ضرورة؛
للإجماع على أنَّ الصلاةَ معها أفضلُ، فلا يجوز المصير إليه؛ لأنَّه قبيح عرفاً،
فيكون قبيحاً شرعاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما رآه المسلمونَ حسناً فهو
عند الله حَسَن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح))(١).
ومنها أنَّ قراءتها تُوجِب الخروجَ عن العهدة بيقين فتكون أحوطَ، فوجب القول
بوجوبها لنصِّ: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))(٢)، وللمعقول؛ وهو دَفْع ضرر
الخوف عن النفس، فإنَّه واجب، وكونُ اعتقاد الوجوب يُورِث الخوفَ لجواز كوننا
مخطئين معارَضٌ باعتقاد عَدَمه، فيتقابلان، وأمَّا في العمل فالقراءة لا تُوجِب
الخوفَ وتَرْكُها يُوجبه، فالأحوط القراءةُ. إلى غير ذلك.
وأجاب ساداتنا الحنفيَّة بما أجابوا واستدلُّوا على أنَّ الواجبَ ما تيسّر مِن
القرآن لا الفاتحة بخصوصها بأمور:
منها ما روى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أنَّه قال: أَمَرني رسولُ اللهِ وَلـ
أَنْ أَخرُجَ وأنادي: ((لا صلاةَ إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب))(٣). ودُفع بأنَّه معارض
بما نُقل عن أبي هريرة أنَّه قال: أَمَرني رسولُ الله ◌َّ ر أن أَخرج وأنادي: ((لا صلاة
إلا بفاتحة الكتاب))(٤)، وبأنَّه يجوز أن يكون المراد مِن قوله: ((ولو بفاتحة
(١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٦٥/٤، وفي إسناده سليمان بن عمرو النخعي، وهو
متروك كما قال البخاري. الميزان ٢١٦/٢. وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (٤٥٢)
وقال: هذا الحديث إنما يعرف من كلام ابن مسعود. اهـ. وأخرجه موقوفاً على ابن مسعود
أحمد (٣٦٠٠)، والبزار (١٣٠ - كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (٨٥٨٢). قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧٧-١٧٨ : رجاله موثوقون.
(٢) أخرجه سيف بن عمر في كتاب ((وفاة النبيِّ وَّة)) من حديث ابن مسعود رضيُه، كما ذكر ابن
كثير في تحفة الطالب (٣٤٤) و(٣٤٥) وقال: إسناده غريب جدًّا، وهو مأثور عن عبد الله بن
مسعود بسند جيِّد. اهـ. والموقوف عند أحمد (٣٦٠٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٨١٩).
(٤) أخرجه أبو داود (٨٢٠)، وهو عند أحمد (٩٥٢٩).

الآية : ٢٠
٣٧
سُؤَةُ المُنَفِِّ
الكتاب)). هو أنَّه لو اقتصر على الفاتحة لكفى، ويجب الحمل عليه جمعاً بين
الأدلَّة، وفيه تعسُّف، ولعلَّ الأَولى في الجواب جواز كون المراد: ولو بفاتحة
الكتاب. ما هو السابق إلى الفهم مِن قول القائل: لا حياة إلا بقوت ولو الخبز كلَّ
يوم أوقيَّة. وهو أنَّ هذا القدر لا بُدَّ منه، وعليه يصير الحديث مِن أدلَّة الوجوب.
ومنها أنَّه لو وجبت الفاتحة لصدق قولنا: كلَّما وجبت القراءة وجبت الفاتحة،
ومعناه: مقدِّمة صادقة وهي أنَّه لو لم تجب الفاتحة لوجبت القراءة؛ لوجوب مُطلَق
القراءة بالإجماع، فتنتج المقدِّمتان: لو لم تجب الفاتحة لوجبت الفاتحة، وهو باطل.
وأجيب بمنع الصغرى، أي: لا نُسلِّم صِدْقَ قولنا: لو لم تجب الفاتحة لوجبت
القراءة، لأنَّ عدمَ وجوب الفاتحة محالٌ، والمحال جاز أن يستلزم المحالَ وهو
رفع وجوب مُطلَق القراءة الثابت بالإجماع، سلَّمناها، لكن لا نُسلِّم استحالة قولنا:
لو لم تجب الفاتحة لوجبت الفاتحة، لما ذُكرَ آنفاً، وجعل بعض القياس حجّة على
الحنفيَّة؛ لأنَّ كلَّ ما استلزم عدمُه وجودَه، ثبت وجودُه ضرورةً، ورُدَّ بأنَّ هذا
إنَّما يلزم لو كانت الملازمةُ - وهي قولنا: لو لم تجب الفاتحة لوجبت - ثابتةً في
نفس الأمر، وليس كذلك، بل هي ثابتة على تقدير وجوب قراءة الفاتحة، فلهذا
لا يصير حجّة عليهم، وتمام الكلام على ذلك في موضعه.
وأنتَ تعلم أنَّه على القول الثاني في الآية لا يظهر الاستدلالُ بها على فَرْضيّة
مُطلَق القراءة في الصلاة، إذ ليس فيها عليه أكثر مِن الأَمْر بقراءة شيء مِن القرآن - قلَّ
أو کثر - بدل ما افترض عليهم مِن صلاة الليل، فليتنبه.
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُ مَرْضَىٌ﴾ استئناف مبيِّن لحكمةٍ أخرى غيرِ ما تقدَّم
مِن عسرة إحصاء تقدير الأوقات، مقتضيةٍ للترخيص والتخفيف، أي: عَلِمَ أنَّ الشأن
سيكون منكم مرضى ﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ﴾ يسافرون فيها للتجارة ﴿يَبْتَغُونَ مِن
فَضْلِ اللهِ﴾ وهو الرِّبْح، وقد عمّم ابتغاءَ الفَضْل لتحصيل العلم، والجملة في موضع
الحال ﴿وَءَاخَرُونَ يُقَِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني المجاهدين، وفي قَرْنِ المسافرين لابتغاء
فَضْل الله تعالى بهم إشارةٌ إلى أنَّهم نحوهم في الأجر، أخرج سعيد بن منصور،
والبيهقي في ((شعب الإيمان))، وغيرهما عن عمر ◌ُه قال: ما مِن حال يأتيني عليه

سُؤَةُ المُنَمِِّ
٣٨
الآية : ٢٠
الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحبّ إليَّ مِن أن يأتيني وأنا بين شعبتي جَبَل ألتمس
مِن فضل الله تعالى، وتلا هذه الآية: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ﴾ إلخ(١).
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسولُ اللهِ وَل ◌ّى: (ما مِن جالبٍ
يَجلِبُ طعاماً إلى بلد من بلدان المسلمين فيبيعه بسِعْرِ يومِه إلّا كانت منزلته عند الله،
ثم قرأ رسولُ الله ◌ِّهِ: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَِلُونَ فِى
سَيْلِ آَلِِّ﴾))(٢).
والمراد أنَّه عزَّ وجلَّ عَلِمَ أن سيكون مِن المؤمنين من يشقُّ عليه القيام، كما عَلِمَ
سبحانه عُسْرَ إحصاء تقدير الأوقات، وإذا كان الأمرُ كما ذكرَ وتعاضدت مقتضيات
الترخيص: ﴿فَقْرَهُوا مَا تَبَشَّرَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن مِن غير تحمُّل المشاقِّ ﴿وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوةَ﴾ أي: المفروضة ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ كذلك، وعلى هذا أكثر المفسِّرين، والظاهر
أنَّهم عَنَوا بالصلاة المفروضة الصلوات الخمس، وبالزكاة المفروضة أختها
المعروفة، واستُشكل بأنَّ السورة مِن أوائل ما نَزَلَ بمَّة ولم تُفرَض الصلوات
الخمس إلا بعد الإسراء، والزكاة إنَّما فُرضَت بالمدينة؟ وأُجيبَ بأنَّ الذاهبَ إلى
ذلك يجعل هذه الآيات مدنيّة.
وقيل: إنَّ الزكاةَ فُرضَت بمَّة مِن غير تعيين للأنصباء، والذي فُرضَ بالمدينة
تعيين الأنصباء، فيمكن أن يراد بالزكاة الزكاة المفروضة في الجملة، فلا مانعَ عن
كون الآيات مكِّيَّة، لكنْ يُلتزم كونُها نزلت بعد الإسراء، وحملها على صلاة الليل
السابقة - حيث كانت مفروضة - ينافي الترخيصَ.
وقيل: يجوز أن تكون الآية مما تأخّر حكمه عن نزوله. وليس بذاك.
﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أريد به الإنفاقات في سُبُل الخيرات، أو أداءُ الزكاة
على أحسن الوجوه وأنفعها للفقراء.
(١) الدر المنثور ٦/ ٢٨٠، وهو في الشعب (١٢٥٦)، وأورد له ابن حجر في تخريج أحاديث
الكشاف ص١٧٩ ثلاثة أسانيد، وعزا الأول للثعلبي وضعَّفه، والثاني لابن معبد في الطاعة
والمعصية، والثالث للبيهقي في الشعب.
(٢) الدر المنثور ٦/ ٢٨٠، وضعَّفه العراقي في المغني عن حمل الأسفار ٧٣/٢ (بهامش الإحياء).

الآية : ٢٠
٣٩
سُورَةُ المُزَمِّل
وَمَا نُقَدِعُواْ لِأَفْسِكُ مِنْ خَيْرٍ﴾ أيِّ خيرٍ كان ممَّا ذُكر وممَّا لم يذكر ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ
هُوَ خَّا وَأَعْظَمَ أَغْأَ﴾ أي: مِن الذي تؤخِّرونه إلى الوصية عند الموت، و((خيراً)) ثاني
مفعولَي ((تجدوه))، و((هو)) تأكيد لضمير ((تجدوه) وإن كان بصورة المرفوع والمؤَّد
منصوب؛ لأنَّ ((هو)) يستعار لتأكيد المجرور والمنصوب، كما ذكره الرضيُّ، أو
ضمير فصل وإن لم يقع بين معرفتَيْن، فإنَّ: أفعل مِن، في حكم المعرفة، ولذا
يمتنع من حرف التعريف كالعَلَم، وجوَّز أبو البقاء البدليَّة مِن ضمير ((تجدوه))(١)،
ووهَّمه أبو حيَّان(٣) بأنَّ الواجب عليها: إِيَّاه.
وقرأ أبو السَّمَّال - باللام - العدوي، وأبو السماك - بالكاف ـ الغنوي،
وأبو السميفع: ((هو خيرٌ وأعظمُ)) برفعهما(٣) على الابتداء والخبر، وجعل الجملة
في موضع المفعول الثاني، قال أبو زيد: هي لغة بني تميم يرفعونَ ما بعد الفاصلة،
يقولون: كان زيدٌ هو العاقلُ، بالرفع، وعليه قول قيس بنِ ذريح :
تَحِنُّ إلى لُبنى وأنتَ تركتَها وكنتَ عليها بالمَلَا أنتَ أقدرُ(٤)
فقد قال أبو عمرو الجرميُّ: أنشده سيبويه شاهداً للرفع والقوافي مرفوعة،
ويروى: أقدرا .
﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّه﴾ في كافَّة أحوالكم، فإنَّ الإنسان قلَّما يخلو مما يعدُّ تفريطاً
بالنسبة إليه، وَعَدَّ مِن ذلك الصوفيَّةُ رؤيةَ العابد عبادته، قيل: ولهذه الإشارة أمر
بالاستغفار بعد الأوامر السابقة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقراض الحَسَن.
فيغفرُ سبحانه ذنبَ مَن استغفره ويرحمه عزَّ وجلَّ، وفي
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (
حذف المعمول دلالةٌ على العموم، وتفصيل الكلام فيه معلوم.
نسأل الله تعالى عظيمَ مغفرته ورحمته لنا ولوالدينا ولكافَّة مؤمني بَرِيَّته بحرمة
سيِّد خليقته وسَنَد أهل صفوته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وشيعته.
(١) الإملاء ٤ / ٤٢٧.
(٢) البحر المحيط ٣٦٧/٨.
(٣) القراءات الشاذة ص١٦٤، والبحر المحيط ٣٦٧/٨ دون ذكر أبي السماك الغنوي.
(٤) البحر المحيط ٣٦٧/٨، والبيت سلف عند تفسير الآية (٧٦) من سورة الزخرف.

سُورَةُ المُدُورِ
مكِّيَّة، قال ابنُ عطيّة: بإجماع(١). وفي ((التحرير)): قال مقاتل: إلَّا آيَةً وهي:
﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَهُ﴾ إلخ [الآية: ٣١](٢)، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يُشعِر بأنَّ
قوله تعالى: ﴿عَلَا تِسْعَةَ عَثَرَ﴾ [الآية: ٣٠] مدنيٌّ بما فيه.
وآيُّها ستُّ وخمسون في العراقيّ والمدنيِّ الأوَّل، وخمس وخمسون في الشاميِّ
والمدنيِّ الأخير على ما فصّل في محلِّه.
وهي متواخية مع السورة قبلها في الافتتاح بنداء النبيِّ وَّ، وصَدْرُ
كليهما نازل - على المشهور - في قصَّة واحدة، وبُدنت تلك بالأمر بقيام الليل وهو
عبادة خاصَّة، وهذه بالأمر بالإنذار، وفيه مِن تكميل الغير ما فيه.
وروى أمية الأزديُّ عن جابر بنٍ زيد - وهو من علماء التابعين بالقرآن - أنَّ
(المُدَّثِّر)) نزلت عَقِبَ ((المُزَّمِّل)). وأخرجه ابنُ الضُّرَيْس عن ابنِ عباس(٣)، وجعلوا
ذلك مِن أسباب وَضْعِها بعدها. والظاهر ضعف هذا القول؛ فقد أخرج أحمد
والبخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وجماعة عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بنَ
عبد الرحمن عن أوَّل ما نزل مِن القرآن؟ فقال: ﴿بَأَيُّهَا الْمُذَّيِّرُ﴾. قلت: يقولون:
﴿اقْرَأْ بِأَسِْ رَبِّكَ اَلَِّ خَلَقَ﴾؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بنَ عبد الله عن ذلك وقلتُ
له مِثْلَ ما قلتَ، فقال جابر: لا أحدِّثك إلا ما حدَّثنا رسولُ اللهِ وَِّ، قال:
((جاورتُ بِحِراء، فلما قضيتُ جواري هبطتُ، فنُوديت فنظرتُ عن يميني فلم أَرَ
(١) المحرر الوجيز ٣٩٢/٥.
(٢) البحر المحيط ٣٧٠/٨.
(٣) فضائل القرآن (٣).