النص المفهرس

صفحات 1-20

نُزوع الدخَاني
في
تَفيِي القُرآر العَظِيمُ والِسُنْ المَشَاوِيُ
تأليف
شِهَابُ الرِّنْ أَبِ مَ الثَّناء
◌َجٌمُود ◌َيْنِ عَبْدُاللَّه الآلوسيْ الْبَعْدَادِيْ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقَ هَذَا الجزء
المَعْتُالكريم أكرتين
سَاهُمْ في تحقيقه
إدريس الجنَائِيُ
سَمخير البرزنجي
المجلد الثامن والعشرورى
مؤسسة الرسالة

-

تُوعُ النََّابِى
في
تَفِي القُرآن العَظِيم والسَّنْ المثَان
(٢٨)

جَمِيعُ الحُقُوق محفوظَة لِلنّاشِرُ
الطّبعة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنَّشْرِ وَالتّوزيع
بيروت - وعلى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُؤَدَّةُ المُنَّمِِّ
مكِّيَّة كلُّها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن
عباس وقتادة - كما ذكر الماورديُّ(١) - إلَّا آيتين منها: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾
[الآية: ١٠] والتي تليها. وحكى في ((البحر))(٢) عن الجمهور أنَّها مكِّيَّة إلَّا قوله
تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْدَمُ﴾ [الآية: ٢٠] إلى آخرها، وتعقَّبه الجلال السيوطيُّ بعد أنْ
نقل الاستثناء عن حكاية ابنِ الفرس بقوله: ويردُّه ما أخرجه الحاكم عن عائشةً
أنَّ ذلك نزل بعد نزول صدر السورة بسَنَة، وذلك حين فُرضَ قيامُ الليل في أوَّل
الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس(٣). وسيأتي - إن شاء الله تعالى - ما يتعلَّق
بذلك.
وآيُها ثماني عشرة آية في المدني الأخير، وتسع عشرة في البصري، وعشرون
فيما عداهما .
ولمَّا ختم سبحانه سورة الجِنِّ بذِكْر الرسل عليهم الصلاة والسلام افتتح عزَّ
وجلَّ هذه بما يتعلَّق بخاتمهم عليه وعليهم الصلاة والسلام وهو وجهٌ في المناسبة.
وفي («تناسق الدرر)»: لا يخفى اتِّصال أوَّلها: ﴿فِ الَّتِلَ﴾ إلخ بقوله تعالى في
آخر تلك: ﴿وَأَنَّهُ لَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الآية: ١٩] وبقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ
[الآية ١٨] (٤)
لِلّهِ﴾
(١) النكت والعيون ٦/ ١٢٤.
(٢) ٣٦٠/٨.
(٣) الإتقان ١/ ٥٢.
(٤) تناسق الدرر للسيوطي ص٨٩.

وَرَةُ المُتَمِّل
٦
الآية : ١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
، أي: المُتَزَمِّل، مِن تَزَمَّل بثيابه: إذا تلفَّف بها، فأدغم التاء
﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ
في الزاي، وقد قرأ أُبَيُّ على الأصل(١)، وعكرمة: ((المُزَمِّل)) بتخفيف الزاي وكسر
الميم (٢)، أي: المُزَمِّل جسمَه أو نفسَه، وبعض السلف: ((المُزَمَّل)) بالتخفيف وفتح
الميم(٣) اسم مفعول، ولا تَدافُع بين القراءات؛ فإنَّه عليه الصلاة والسلام هو زمَّل
نفسَه الكريمة مِن غير شبهة، لكن إذا نظر إلى أنَّ كلَّ أفعاله مِن الله تعالى فقد زمَّله
غيرُه، ولا حاجةً إلى أن يقال: إنَّه وَيه زمَّل نفسه أوَّلاً، ثم نام فزمَّله غيره، أو: إنَّه
زمَّله غيرُه أوَّلاً، ثم سقط عنه ما زُمِّل به فزمَّل هو نفسه.
والجمهور على أنَّه وَّه لما جاءه الملَك في غار حراء وحاوره بما حاوره، رجع
إلى خديجة رضيّا فقال: زمِّلوني زمِّلوني. فنزلت: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وعلى إثرها نزلت:
﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾ .
وأخرج البزار والطبراني في ((الأوسط)) وأبو نعيم في ((الدلائل)) عن جابر نظُه،
قال: لما اجتمعت قريش في دار الندوة، فقالوا: سَمُّوا هذا الرجل اسماً تَصْدُر
الناس عنه. فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس
بمجنون. قالوا: ساحر. قالوا: ليس بساحر. قالوا: يُفرِّق بين الحبيب وحبيبه.
فتفرَّق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبيَّ وَّ فتزمَّل في ثيابه وتدثَّر فيها، فأتاه
جبريل عليه السلام فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾، ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ﴾ (٤).
(١) القراءات الشاذة ص١٦٤، والبحر المحيط ٣٦٠/٨.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٦٣، والمحتسب ٣٣٥/٢، والبحر المحيط ٣٦٠/٨.
(٣) تفسير القرطبي ٣١٤/٢١، والبحر المحيط ٣٦٠/٨.
(٤) الدر المنثور ٢٧٦/٦، والبزار (٢٢٧٦ - كشف الأستار)، والأوسط للطبراني (٢٠٩٦)،
ولم نقف عليه بهذا اللفظ في مطبوع الدلائل.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٣٠ : فيه: معلى بن عبد الرحمن الواسطي، وهو كذاب.

الآية : ١
٧
سُورَةُ الْمُنَفِِّ
ونداؤه عليه الصلاة والسلام بذلك تأنيسٌ له وملاطفة على عادة العرب في
اشتقاق اسم للمخاطب مِن صفته التي هو عليها، كقوله وَل﴿ لعليٍّ كرَّم الله تعالى
وجهه حين غاضَبَ فاطمةَ رُّ، فأتاه وهو نائم وقد لصقَ بجِنْبه التراب: ((قُمْ
أبا تُراب))(١) قصداً لرَفْع الحجاب وطَيِّ بساط العتاب، وتنشيطاً له ليتلقَّى ما يَردُ
عليه بلا كسل:
وكلُّ ما يفعل المحبوبُ محبوبُ(٢)
وزعم الزمخشري أنَّه عليه الصلاة والسلام نُوديَ بذلك؛ تهجيناً للحالة التي
عليها من التزمُّل في قطيفةٍ واستعدادِه للاستثقال في النوم، كما يفعل مَن لا يهمه
أمر ولا يَعْنيه شأنٌ(٣). إلى آخر ما قال ممَّا ينادى عليه - كما قال الأكثرون - بسوء
الأدب، ووافقه في بعضه مَن وافقه. وقال صاحب ((الكشف)): أراد أنَّه عليه الصلاة
والسلام وُصفَ بما هو متلبِّس به يُذكِّره تقاعده، فهو من لطيف العتاب الممزوج
بمحضٍ الرأفة، ولينشطه ويجعله مستعدًّا لما وعده تعالى بقوله سبحانه: (إِنَّا سَتُلْقِى
عَلَيْكَ قَوْلًا تَقِيلًا) ولا يربأ برسول الله وََّ عن مثلِ هذا النداء، فقد خوطب بما هو
أشدُّ في قوله تعالى: ﴿عَسَ وَتَوَ﴾ [عبس: ١] ومثل هذا من خطاب الإدلال والترؤُّف
لا يتقاعد ما في ضمنه من البِرِّ والتقريب عمَّا في ضمن: ﴿يَأَيُّهَا النَُّ﴾، ﴿يَأَيُّهَا
الرَّسُولُ﴾ من التعظيم والترحيب. انتهى.
ولا يخفى أنَّه لا يندفع به سوءُ أدب الزمخشريِّ في تعبيرِه، فإنه تعالی وإن كان
له أن يخاطبَ حبيبه بما شاء، لكنَّا نحن لا نَجرؤ على ما عامله سبحانه به، بل
يَلزمنا الأدب والتعظيم لجنابه الكريم، ولو خاطب بعضُ الرعايا الوزيرَ بما خاطبه
به السلطانُ، طردَه الحجَّاب، وربَّما كان العقابُ هو الجوابَ.
(١) أخرجه البخاري (٤٤١)، ومسلم (٢٤٠٩) من حديث سهل بن سعد
(٢) عجز بيت للمهيار الديلمي، وهو في المدهش لابن الجوزي ص٢٧٦، وصدره:
أرضى وأسخط أو أرضى تلوُّنه
(٣) الكشاف ٤/ ١٧٤.

سُورَةُ الْتَمِّل
٨
الآية : ١
وقيل: كان ◌َله متزمِّلاً بمِرْطِ لعائشة ﴿يا يُصلِّي، فنوديَ بذلك ثناءً عليه
وتحسيناً لحاله التي كان عليها. ولا يأباه الأمرُ بالقيام بَعْدُ، إمَّا لأنَّه أمرٌ بالمداومة
على ذلك والمواظبة عليه، أو تعليم له عليه الصلاة والسلام وبيان لمقدارٍ ما يقوم
على ما قيل. نعم أورد عليه أنَّ السورةَ مِن أوائل ما نزل بمكّة، ورسول الله وَه
إنَّمَا بَنَى على عائشة ﴿ّا بالمدينة، مع أنَّ الأخبار الصحيحة متضافرةٌ بأنَّ النداء
المذكور كان وهو عليه الصلاة والسلام في بيت خديجة رؤوثًا، ويعلم منه حال
ما روي عن عائشة أنَّها سُئلت: ما كان تزميله بِّهِ؟ قالت: كان مِرْطاً طوله أربع
عشرة ذراعاً، نصفه عليَّ وأنا نائمة، ونصفه عليه وهو يُصلِّي، وكان سَدَاه شَعَراً،
ولُحْمَتُه وَبَراً.
وتكلَّف صاحب ((الكشف)) فقال: الجواب أنَّه عليه الصلاة والسلام عَقَّد في
مكّة(١)، فلعلَّ المِرْطَ بعد العقد صار إليه وَّه، نعم دلَّ على أنَّه بعد وفاة
خديجة، إنَّما الإشكال في قول عائشة: نصفه عليَّ .. إلخ، وجوابه: أنَّه يمكن
أن يكون قد باتَ وَله في بيت الصِّدِّيق ◌َّه ذات ليلة، وكان المِرْطُ على عائشة
وهي طفلة، والباقي لطوله على النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فحَكَت ذلك أمُّ
المؤمنين، إذ لا دلالةً على أنَّها حكاية ما بعد البناء، فهذا ما يتكلَّف لصحّة هذا
القول. انتهى.
وأنتَ تعلم أنَّ هذا الحديث لم يقع في الكتب الصحيحة، كما قاله ابنُ
حجر (٢)، بل هو مخالف لها، ومثل هذه الاحتمالات لا يكتفى بها، بل قال
أبو حیَّان: إنّه كذب صريحٌ(٣).
وعن قتادة: كان وَّ﴿ قد تزمَّل في ثيابه للصلاة واستعدَّ لها، فنودي بـ ((يا أيُّها
المزمِّل)) على معنى: يا أيُّها المستعدُّ للعبادة. وقال عكرمة: المعنى: يا أيُّها المزمِّل
للنبوّة وأعبائِها .
(١) جاء في هامش الأصل: قبل الهجرة بثلاث سنين، فلا تغفل. انتهى منه.
(٢) في تخريج أحاديث الكشاف ص١٧٨ .
(٣) البحر المحيط ٣٦٠/٨.

الآية : ٢ - ٤
٩
سُورَةُ المُتَمِّن
والزِّمْل كالحِمْل لفظاً ومعنّى، ويقال: ازدَمَله، أي: احتمله. وفيه تشبيهُ إجراءٍ
مراسم النبوّة بتحمُّل الحِمْل الثقيل؛ لما فيهما من المشقّة. وجوّز أن يكون كنايةً عن
المتثاقِل؛ لعدم التمرُّن، وأورد عليه نحو ما أُورد على وجه الزمخشريِّ، ومع صحّة
المعنى الحقيقي واعتضاده بالأحاديث الصحيحة لا حاجةً إلى غيره، كما قيل.
الَِّلَ﴾ أي: قم إلى الصلاة، وقيل: داوم عليها. وأيًّا ما كان فمعمول ((قم))
مقدَّر، و((الليلَ)) منصوبٌ على الظرفيَّة، وجوّز أن يكون منصوباً على التوسُّع
والإسناد المجازيّ، ونسب هذا إلى الكوفيين، وما قَبْلُ(١) إلى البصريين، وقيل:
القيام مستعارٌ للصلاة، ومعنى ((قم): صَلِّ، فلا تقدير.
وقرأ أبو السمَّال بضمِّ الميم؛ إتباعاً لحركة القاف، وقرئ بفتحها(٢)؛ طلباً
للتخفيف، والكسر في قراءة الجمهور على أصل التقاء الساكنين.
﴿إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ استثناء من ((الليل))، وقوله تعالى: ﴿نَصِفَهُ﴾ بدلٌ من ((قليلاً))
بدل الكُلِّ، والضمير للَّيل، وفي هذا الإبدال رَفْعُ الإبهام، وفي الإتيان بقليل ما يدلُّ
على أنَّ النصفَ المغمورَ بذِكْر الله تعالى بمنزلة الكُلِّ، والنصف الفارغ وإن ساواه
في الكميَّة لا يُساويه في التحقيق.
﴿أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ﴾ عطف على الأمر السابق، والضمير المجرور للَّيل أيضاً مقيّداً
بالاستثناء؛ لأنَّه الذي سيق له الكلام، وقيل: للنصف(٣)؛ لقُربه ﴿قَلِلَا ﴾﴾﴾ أي:
نقصاً قليلاً، أو: مقداراً قليلاً، بحيث لا ينحظُ عن نصفِ النصف.
﴿أَوْ زِدّ عَلَيْهِ﴾ عطف كما سبق، وكذا الكلام في الضمير، ولا يختلف المعنى
على القولين فيه، وهو تخييره وَّه بين أن يقومَ نصفَ الليل، أو أقلَّ مِن النصف، أو
أكثر (٤)، بيد أنَّه رجّح الأوَّل بأنَّ فيه جَعْلَ معيارِ النقص والزيادةِ النصفَ المقارنَ
للقيام، وهو أولى مِن جعله النصف العاري منه بالكليّة وإن تساويا كميَّةً، وجعل
(١) في (م): وما قيل.
(٢) القراءات الشاذة ص١٦٤، والمحتسب ٣٣٥/٢، والبحر المحيط ٣٦٠/٨.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٦٤، والبحر المحيط ٣٦٠/٨.
(٤) جاء في هامش الأصل: بمقدار ما تنبسط به النفس وتنشط للتهجد. انتهى منه.

سُورَةُ المُنَمِّل
١٠
الآية : ٤
بعضهم (١) الإبدال من الليل الباقي بعد الثنيا، والضميرين له، وقال في الإبدال مِن
((قليل)) ليس بسديد. لهذا، ولأنَّ الحقيقَ بالاعتناء الذي يُنبئُ عنه الإبدال هو الجزء
الباقي بعد الثنيا المقارنُ للقيام، لا الجزءُ المخرج العاري عنه. ولا يخفى أنَّه على
طرف الثمام.
وكذا اعترض أبو حيَّان(٢) ذلك الإبدال بقوله: إنَّ ضمير ((نصفه)) حينئذٍ إمَّا أن
يعود على المبدَل منه، أو على المستثنى منه وهو ((الليل))، لا جائزٌ أن يعودَ على
المبدَل منه؛ لأنَّه يكون استثناءً مجهول من مجهول، إذ التقدير: إلا قليلاً نصف
القليل، وهذا لا يصحُّ له معنّى البتة، ولا جائز أن يعودَ على المستثنى منه؛ لأنَّه
يلغو فيه الاستثناء، إذ لو قيل: قم الليل نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه، أفاد
معناه على وجهٍ أَخْصَرَ وأوضح، وأبعد عن الإلباس.
وفيه: أنَّا نختار الثاني، وما زعمه مِن اللَّغْويَّة قد أشرنا إلى دفعه، وأوضحه
بعضُ الأجلَّة بقوله: إنَّ فيه تنبيهاً على تخفيف القيام وتسهيله؛ لأنَّ قلَّة أحد النصفين
تلازمُ قلَّة الآخَر، وتنبيهاً على تفاوت ما شغل بالطاعة وما خلا منها لإشعاره(٣) بأنَّ
البعضَ المشغول بمنزلة الكُلِّ، مع ما في ذلك مِن البيان بعد الإبهام، الداعي
للتمگُّن في الذهن وزيادة التشويق.
وتعقّب السمينُ الشِّقَّ الأوَّل أيضاً بأنَّ قوله: استثناء مجهولٍ من مجهول، غيرُ
صحيح؛ لأنَّ الليل معلوم، وكذا بعضُه مِن النصف وما دونَه وما فوقه، ولا ضيرَ في
استثناء المجهول مِن المعلوم، نحو: ﴿فَشَرِيبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٢٤٩] بل
لا ضيرَ في إبدال مجهولٍ من مجهول كـ : جاءني جماعةٌ بعضهم مشاة (٤). ومع هذا
المعوَّلُ عليه ما سلف.
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٥٠/٩.
(٢) البحر المحيط ٣٦١/٨.
(٣) في الأصل: لإشعار، وفي (م): الإشعار، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٦٣/٨، والكلام
منه .
(٤) حاشية الشهاب ٢٦٣/٨، وينظر الدر المصون ٥١٣/١٠-٥١٤.

الآية : ٤
١١
سُورَةُ المُزَمِّل
وجوّز أن يكون ((نصفه)) بدلاً مِن ((الليل)) بدل بعضٍ مِن كُلِّ، والاستثناء منه،
والكلام على نيَّة التقديم والتأخير، والأصل: قُم نصفَ الليل إلا قليلاً، وضمير
(منه)) و((عليه)) للأقلِّ من النصف المفهوم مِن مجموع المستثنى والمستثنى(١) منه،
فكأنَّه قيل: قُم أقلَّ مِن نصفِ الليل، بأنْ تقوم ثلثَ الليل، أو انقص مِن ذلك الأقلِّ
قليلاً، بأنْ تقومَ ربعَ الليل، أو زد على ذلك الأقلِّ بأنْ تقومَ النصفَ، فالتخيير على
هذا بين الأقلِّ مِن النصف والأقلِّ مِن الأقلِّ والأزيد منه وهو النصف بعينه، ومآله
إلى التخيير بين النصف والثلث والربع، فالفرق بين هذا الوجه وما ذُكر قَبْلُ مثلُ
الصبح ظاهر.
وفي ((الكشاف)) ما يفهم منه - على ما قيل - أنَّ التخيير فيما وراء النصف (٢).
أي: فيما يقلُّ عن النصف ويزيد على الثلث، فلا يبلغ بالزيادة النصف ولا بالنقصان
الثلث.
قال في ((الكشف)): وإنَّما جعل الزيادة دون النصفِ، والنقصانَ فوقَ الثلث؛
لأنَّهما لو بلغا إلى الكسر الصحيح لكان الأشبه أن يُذكّرا بصريح اسمَيْهما، وأيضاً
إيثار القلَّة ثانياً دليل على التقريب مِن ذلك الأقلِّ، وما انتهى إلى كسر صحيح
فليس بناقص قليل في ذوق هذا المقام، وكذا القول في جانب الزيادة، كيف
وقد بنى الأمرَ على كونه أقلَّ مِن النصف. انتهى. وهو وجه متكلَّف،
ونحوُه - فيما أرى - ما سمعتَ قبيله. وظاهر كلام بعضهم أنَّ ذِكْر الثلث والربع
والنصف فيه على سبيل التمثيل، لا أنَّ الأقلَّ والأنقص والأزيد محصورات
فیما ذکر.
وجوّز أيضاً كون الكلام على نيَّة التقديم والتأخير كما مرَّ آنفاً، لكن مع جعل
الضميرين للنصف لا للأقلِّ منه كما في ذلك، والمعنى: التخيير بين أمرين: بين أن
يقوم عليه الصلاة والسلام أقلَّ مِن نصف الليل على البتِّ، وبين أن يختارَ أحدَ
الأمرَيْن وهما النقصان مِن النصف والزيادةُ عليه، فكأنَّه قيل: قُم أقلَّ مِن نصف
(١) قوله: والمستثنى، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٦٤/٨.
(٢) الكشاف ٤/ ١٧٥ .
٠

سُورَةُ المُنَّمِِّ
١٢
الآية : ٤
الليل على البتِّ، أو انقص مِن النصف، أو زد عليه تخييراً، قيل: وللاعتناء بشأن
الأقلِّ - لأنَّه الأصلُ الواجب - كُرِّر، على نحو: أَكرم إمَّا زيداً وإمَّا زيداً أو عَمْراً.
وتعقِّب بأنَّ فيه تكلُّفاً؛ لأنَّ تقديم الاستثناء على البدل ظاهر في أنَّ البدل مِن
الحاصل بعد الاستثناء؛ لأنَّ في تقدير تأخير الاستثناء عدولاً عن الأصل من غير
دليل، ولأنَّ الظاهر على هذا رجوعُ الضميرين إلى النصف بعد الاستثناء - لأنَّه
السابق - لا النصفِ المطلق، وأيضاً الظاهر أنَّ النقصانَ رخصةٌ؛ لأنَّ(١) الزيادة
نفل، والاعتناء بشأن العزيمة أولى. ثم فيه أنَّه لا يجوز قيامُ النصف، ويردُّه القراءةُ
الثابتة في السبعة: ((إنَّ ربَّك يَعلم أنَّك تقومُ أدنى مِن ثلثي الليل ونصفِه وثلثه))
بالجرِّ(٢)، فإن استدل مِن جواز الأقلِّ على جوازه لمفهوم الموافقة، لزم أن يلغو
التعرُّض للزيادة على النصف لذلك أيضاً، ولا يخفى أن بعضَ هذا يَرِدُ على الوجه
المارِّ آنفاً .
واعتُرض قوله: الظاهر أنَّ النقصانَ رخصةٌ. بأنَّه محلُّ نظر، إذ الظاهر أنَّه مِن
قبيل: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ﴾ [القصص: ٢٧] فالتخيير ليس على حقيقته.
وفيه بحث.
وجوّز أيضاً كون الإبدال مِن ((قليلاً)) كما قدَّمنا أوَّلاً لكن مع جَعْلِ ((قليلاً))
الثاني بمعنى نصفِ النصف وهو الربع، وضمير ((عليه)) لهذا القليل، وجَعْلِ المزيد
على هذا القليل - أعني: الربع - نصفَ الربع، كأنَّه قيل: قم نصفَ الليل، أو انقص
مِن النصف قليلاً نصفَه، أو زد على هذا القليل قليلاً نصفَه، ومآله: قم نصفَ
الليل، أو نصفَ نصفه، أو زد على نصف النصف نصفَ نصفِ النصف، فيكون
التخييرُ فيما إذا كان الليلُّ ستَّ عشرة ساعة مثلاً بين قيام ثماني ساعات وأربعٍ
وستّ. ولا يخفى أنَّ الإطلاقَ في: ((أو زد عليه)) ظاهر الإشعار بأنَّه غيرُ مقيَّدٌ
بـ ((قليلاً))، إذ لو كان للاستغناء لاكتفي في: ((أوِ انْقُص)) إلخ بالأوَّل أيضاً، ومِن هنا
قيل: يجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمَّة للثلث، فيكون التخيير بين النصف
(١) كذا في الأصل و(م): لأن، وفي حاشية الشهاب ٢٦٤/٨: لا أن.
(٢) التيسير ص٢١٦، والنشر ٣٩٣/٢. ونصب الفاء والثاء قراءة الكوفيين وابن كثير.

الآية : ٤
١٣
سُورَةُ المُتَمِِّ
والثلث والربع، وفيه أنَّ جعلها تتمَّة الثلث لا دليلَ عليه سوى موافقة القراءة بالجرِّ
في ((نصفِه وثلثه)) بَعْدُ.
وجوَّز الإمام أن يُراد بـ ((قليلاً)) في قوله تعالى: ((إلا قليلاً)) الثلث، وقال: إنَّ
(نصفه)) على حذف حرف العطف، فكأنه قيل: [قم] ثلثي الليل، أو: قم نصفه أو
انقص مِن النصف، أو زد عليه(١). وأطال في بيان ذلك، والذبِّ عنه، ومع ذلك
لا يَخفى حاله. وذَكَر أيضاً وجهاً ثانياً لا يَخفى أمره على مَن أحاط بما تقدَّم خبراً،
نعم تفسيره القليل بالثلث مرويٌّ عن الكلبي ومقاتل، وعن وهب بن منبه تفسيره
بما دون المِعْشار والسدس، وهو على ما قدَّمنا نصف، واستدلَّ به من قال بجواز
استثناء النصف وما فوقَه على ما فصِّل في الأصول.
وقال التبريزيُّ: الأَمْرُ بالقيام والتخييرُ في الزيادة والنقصان وقع على الثلثين مِن
آخِر الليل؛ لأنَّ الثلث الأوَّل وقتُ العَتمَة، والاستثناءُ واردٌ على المأمور به، فكأنَّه
قيل: قُم ثلثي الليل إلا قليلاً، ثم جعل ((نصفه)) بدلاً من ((قليلاً))، فصار القليل
مفسَّراً بالنصف من الثلثين، وهو قليلٌ على ما تقدَّم، أو انقص منه، أي: من
المأمور به، وهو قيام الثلثين قليلاً، أي: ما دون نصفه، أو زد عليه، فكان التخيير
في الزيادة والنقصان واقعاً على الثلثين. انتهى. وهو كما ترى!
وقيل: الاستثناء من أعداد الليل لا مِن أجزائه، فإنَّ تعريفه للاستغراق، إذ
لا عهدَ فيه، والضمير راجع إليه باعتبار الأجزاء على أنَّ هناك استخداماً أو شبهه،
والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه والزائد عليه. وهو بمكان مِن البُعْد.
وبالجملة قد أكثر المفسِّرون الكلام في هذه الآية حتی ذکروا ما لا ينبغي تخريجُ
كلام الله تعالى العزيز عليه، وأظهر الوجوه عندي، وأَبعدُها عن التكلُّف، وأليقُها
بجزالة التنزيل، هو ما ذكرناه أوَّلاً ، والله تعالى أعلم بما في كتابه الجليل الجزيل،
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلَّق بالأمر في قوله سبحانه: (قُرِ الَّْلَ) إلخ.
(١) التفسير الكبير ١٧٢/٣٠-١٧٣، وما سلف بين حاصرتين منه، واستدل الإمام لهذا القول
بما سيأتي من قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَُّ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِنْ تُلُّى أَلِ﴾ .

سُورَةُ المُنَمِِّ
١٤
الآية : ٥
﴿وَرَتَّلِ الْقُرْءَانَ﴾ أي: في أثناء ما ذُكرَ من القيام، أي: اقرَأُهُ على تُؤَدةٍ وتمهُّل
وتبيينٍ حروف
بليغاً بحيث يتمكَّن السامع مِن عدِّها، مِن قولهم: ثَغْرٌ
وتَرْتِيلًا
رَتْلٌ بسكون التاء، ورَتِلٌ بكسرها: إذا كان مفلَّجاً لم تَّصل أسنانه بعضها ببعض.
وأخرج العسكريُّ في ((المواعظ)) عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه: أنَّ رسولَ اللهِ وَله
سُئلَ عن هذه الآية، فقال: ((بيِّنْه تبييناً، ولا تَنْثره نَثر الدَّقَل، ولا تَهذّه هذَّ الشعر،
قِفُوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوبَ، ولا يكن هَمّ أحدكم آخِر السورة))(١).
﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ﴾ أي: سنوحي إليك، وإيثار الإلقاء عليه؛ لقوله تعالى ﴿قَوْلًا
ثَقِيلًا ﴾﴾ وهو القرآن العظيم، فإنَّه لِمَا فيه من التكاليف الشاقَّة ثقيلٌ على المكلَّفين
سيَّما على الرسول وَّر فإنَّه عليه الصلاة والسلام مأمور بتحمُّلها وتحميلها للأمَّة.
وهذه الجملة المؤكَّدة معترضةٌ بين الأمر بالقيام وتعليله الآتي؛ لتسهيل ما كُلِّفه عليه
الصلاة والسلام مِن القيام، كأنَّه قيل: إنَّه سيردُ عليك في الوحي المنزل عليك(٢)
تكاليف شاقَّة، هذا بالنسبة إليها سهلٌ، فلا تُبالِ بهذه المشقّة وتمرَّن بها لما بعدها،
وأدخل بعضهم في الاعتراض جملة ((ورتِّل)) إلخ، وتعقِّب بأنَّه لا وجه له.
وقيل: معنى كونه ((ثقيلاً)) أنَّه رصينٌ؛ لإحكام مبانيه ومتانة معانيه، والمراد أنَّه
راجحٌ على ما عداه لفظاً ومعنّى، لكن تجوِّز بالثقيل عن الراجح؛ لأنَّ الراجح مِن
شأنه أن يكون كذلك. وفي معناه ما قيل: المراد كلامٌ له وزنٌ ورجحانٌ لیس
بالسَّفْساف. وقيل: معناه أنَّه ثقيل على المتأمِّل فيه؛ لافتقاره إلى مزيد تصفيةٍ للسِّرِّ
وتجريد للنظر، فالثقيل مجازٌ عن الشاقِّ.
وقيل: ثقيلٌ في الميزان، والثِّقَل إمَّا حقيقة أو مجاز عن كثرةٍ ثوابٍ قارئه.
وقال أبو العالية والقرطبيُّ: ثقله على الكفّار والمنافقين بإعجازه ووعيده(٣).
(١) الدر المنثور ٦/ ٢٧٧، ولم نقف عليه عند غيره، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥٢١/٢، والآجري
في أخلاق حملة القرآن وأهله (١) عن ابن مسعود موقوفاً. والهذ: سرعة القراءة بغير تأمُّل.
وقوله: نثر الدقل، أي: كما يتساقط الرطب الرديء اليابس من العِذْق إذا هُزَّ.
(٢) ليست في (م).
(٣) البحر ٦٢/٨، وقوله: القرطبي، كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر، ومطبوع المحرر
=

الآية : ٥
١٥
سُورَةُ المُنَّمِِّ
وقيل: ثقيلٌ تلقِّيه، يعني يثقل عليه وَّ [نزوله](١) والوحي به بواسطة المَلَك،
فإنَّه كان يُوحى إليه عليه الصلاة والسلام على أنحاء، منها: أن لا يتمثَّل له المَلَك
ويخاطبه، بل يَعرِض له عليه الصلاة والسلام [حالٌ](٢) كالغشي؛ لشدّة انجذاب
روحه الشريفة للمَلأ الأعلى، بحيث يَسمع ما يُوحى به إليه ويشاهده ويحسُّه هو عليه
الصلاة والسلام دون مَن معه، وفي هذه الحالة كان يحسُّ في بدنه ثِقَلاً حتى كادت
فَخِذُه وَِّ أن ترضَّ فخذَ زيد بنِ ثابت وقد كانت عليها، وهو يُوحى إليه(٣).
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابنُ جرير وابنُ نصر والحاكم وصحَّحه عن
عائشة أنَّ النبيَّ وَلّهو كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جِرانها فما تستطيع
أن تتحرَّك حتى يُسرَّى عنه، وتَلَتْ: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلًا ﴾﴾(٤).
وروى الشيخان ومالك والترمذيُّ والنسائيُّ عنها أنَّها قالت: ولقد رأيتُه يَنزلُ
عليه الوحي في اليوم الشديد البَرْد فيُفْصِمُ عنه وإنَّ جبينَه ليَتَفصَّد عَرَقاً (٥).
وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون ((ثقيلاً)) صفةً لمصدرٍ حُذف، فأُقيم مقامه،
وانتصب انتصابه، أي: إلقاءً ثقيلاً، وليس صفة ((قولاً)).
وقيل: ذلك كناية عن بقائه على وجه الدهر؛ لأنَّ الثقيلَ مِن شأنه أن يبقى في
مكانه .
= الوجيز ٣٨٧/٥، ولعل الصواب: القرظي. وجاء في تفسير البغوي ٤٠٨/٤، والقرطبي
٣٢٤/٢١: قال أبو العالية: ثقيل بالوعد والوعيد والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب:
ثقيل على المنافقين.
(١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٦٥/٨.
(٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٦٥/٨.
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٩٢) عن زيد بن ثابت څ ضمن حديث طويل.
(٤) الدر المنثور ٢٧٨/٦، وهو عند أحمد (٢٤٨٦٨)، والحاكم ٥٠٥/٢ عن عائشة ﴿تا، وعند
الطبري في التفسير ٣٦٥/٢٣ عن هشام بن عروة، عن أبيه، مرسلاً. قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٢٥٧/٨: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. اهـ. والجران: الصدر.
(٥) البخاري (٢)، ومسلم (٢٣٣٣)، ومالك ٢٠٢/١-٢٠٣، والترمذي (٣٦٣٤)، والنسائي في
المجتبى ١٤٧/٢-١٤٩.

الآية : ٦
١٦
سُورَّةُ المُتَمِِّ
وقيل: ثِقَله باعتبار ثِقَل حروفِه حقيقةً في اللوح المحفوظ، فعن بعضهم أنَّ كلَّ
حرف مِن القرآن في اللوح أعظمُ مِن جبل قاف، وأنَّ الملائكةَ لو اجتمعت على
الحرف أن يُقِلُّوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل عليه السلام - وهو مَلَك اللَّوح - فيرفعه
ويقلّه بإذن الله تعالى لا بقوَّته، ولكن اللهَ عزَّ وجلَّ طوَّقه ذلك. وهذا ممَّا يحتاج إلى
نقل صحيح عن الصادق عليه الصلاة والسلام، ولا أظنُّ وجودَه.
والجملة - قيل على معظم هذه الأوجه - مستأنفةٌ للتعليل؛ فإنَّ التهجُّد يُعِدُّ
النَّفْسَ لأنْ تُعالجَ ثِقَله، فتأمَّل.
واستدلَّ بالآية على أنَّه لا ينبغي أن يقال: سورة خفيفة؛ لما أنَّ الله تعالى سمَّى
فيها القرآنَ كلَّه قولاً ثقيلاً، وهذا من باب الاحتياط كما لا يخفى.
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ أََّلِ﴾ أي: إنَّ النَّفْس التي تنشأ مِن مضجِعها إلى العبادة، أي:
تنهض، مِن نَشَأ مِن مكانه ونَشَر: إذا نهض، وأنشد قوله:
نَشَأْنا إلى خُوصٍ بَرَى نَيَّها السُّرَى وَأَشْرف منها مُشْرِفاتِ القَماحِدِ(١)
وظاهرُ كلام اللغويين أنَّ نَشَأَ بهذا المعنى لغةٌ عربيّة، وقال الكرمانيُّ في ((شرح
البخاريِ)): هي لغة حبشيَّة عرَّبوها(٢). وأخرج جماعة نحوه عن ابن عباس وابن
مسعود(٣)، وحكاه أبو حيَّان عن ابن جبير وابن زيد، وجعل ((ناشئة)) جمع: ناشئ،
فكأنَّه أراد النفوس الناشئة، أي: القائمة، ووجه الإفراد ظاهر، والإضافة إمَّا بمعنى
(في))، أو على نحو: سِيْدُ غضاً. وهذا أبلغ.
(١) البيت في الكشاف ١٧٦/٤، وتفسير البيضاوي ٢٦٥/٦، والبحر المحيط ٣٦٣/٨،
وحاشية الشهاب ٢٦٥/٨ وقال: البيت لا أعرف صاحبه، وقوله: نشأنا: بمعنى قمنا
ونهضنا. وخوص: جمع خوصاء وهي الناقة الغائرة العينين من الهزال. ويرى: بمعنى
أذهب، ونيّها: شحمها، والقماحد: جمع قَمَحْدُوة، وهي ما خلف الرأس. يقول: قمنا
إلى نياق هزلت من كثرة السير. اهـ. والبيت ذكره أبو البقاء الكفوي في الكليات ص٥٠٥
بلفظ :
نشأنا على حرف برى متنها السُّرى وألصق منها لابتيها القماحد
(٢) حاشية الشهاب ٢٦٥/٨، وكلام الكرماني في شرح البخاري ١٩٥/٦.
(٣) الدر المنثور ٢٧٨/٦.

الآية : ٦
١٧
سُورَةُ المُنَفِِّ
أو: إنَّ قيام الليل، على أنَّ الناشئة مصدر نشأ بمعنى قام كالعاقبة، وإسنادها
إلى الليل مجاز، كما يقال: قام ليله وصام نهاره. وخصَّ مجاهد هذا القيام بالقيام
مِن النوم، وكذا عائشة، ومنعت أن يُراد مُطلَقُ القيام، وكأنَّ ذلك بسبب أنَّ الإضافة
إلى الليل في قولهم: قيام الليل، تُفهِم القيام مِن النوم فيه، أو القيام وقت النوم،
لمن قال: اللیل کلّه.
أو: إنَّ العبادة التي تنشأ - أي: تَحدُث - بالليل، على أنَّ الإضافة
اختصاصيَّة، أو بمعنى ((في))، أو على نحو: ﴿مَكْرُ اَلَيْلِ﴾ [سبأ: ٣٣].
وقال ابن جبير وابن زيد وجماعة: ناشئةُ الليلِ: ساعاتُه؛ لأنَّها تَنشأ، أي:
تَحدُث واحدةً بعد واحدة، أي: متعاقبةً، والإضافة عليه اختصاصيَّة. أو: ساعاته
الأُوَل، من نَشَأ: إذا ابتدأ. وقال الكسائيُّ: ناشئتُه: أوَّلُه. وقريب منه ما روي
عن ابنِ عمر وأنس بنِ مالك وعليٍّ بنِ الحسين ظّ: هي ما بين المغرب
والعشاء.
﴿هِىَ أَشَدُّ وَطَا﴾ أي: هي خاصَّة دون ناشئة النهار أشدُّ مواطأة، يُواطئُ قلبُها
لسانَها إن أُريد بالناشئة النفسُ المتهجِّدة، أو: يواطئُ فيها قلبُ القائم لسانَه إن أُريد
بها القيام أو العبادة أو الساعات، والإسناد على الأوَّل حقيقيٍّ، وعلى هذا
مجازيٌّ، واعتبار الاستعارة المكنيَّة ليس بذاك، أو أشدُّ موافقة لما يُراد من
الإخلاص، فلا مجاز على جميع المعاني.
وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد والعربيَّان: ((وِطَاءً)) بكسر الواو وفتح الطاء
ممدوداً (١)، على أنَّه مصدر وَاطَأْ وِطَاءً كقاتل قِتالاً .
وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكَّة بكسر الواو وسكون الطاء والهمز مقصوراً (٢)،
وقرأ ابن محيصن بفتح الواو ممدوداً (٣).
(١) البحر المحيط ٣٦٢/٨.
(٢) التيسير ص٢١٦، والنشر ٣٩٣/٢، والبحر المحيط ٣٦٣/٨.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٦٤، والبحر المحيط ٣٦٣/٨.

سُورَةُ المُنَمِّل
١٨
الآية : ٧
﴾ أي: وأسدُ(١) مقالاً، أو: أثبتُ قراءةً لحضور القلب وهدوء
﴿وَأَقْوُمُ قِلًا
الأصوات، و((قيلاً)) عليهما مصدر، لكنَّه على الأوَّل عامٌّ للأذكار والأدعية، وعلى
الثاني مخصوص بالقراءة، ونصبه ونصب ((وطأ)) على التمييز.
وأخرج ابنُ جرير وغيره عن أنس بنِ مالك أنَّه قرأ: ((وأَصْوبُ قيلاً))، فقال له
رجل: إنَّا نقرؤها: ((وأقوم قيلاً))؟ فقال: إنَّ أصْوب وأَقْوم وأهْيا وأشباه هذا
واحد(٢).
· أي: تقلُّباً وتصرُّفاً في مهماتك واشتغالاً
﴿إِنَّ لَكَ فِ النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً (®
بشواغلك، فلا تستطيع أن تتفرَّغ للعبادة فعليك بها في الليل.
وأصل السَّبْحِ: المَرُّ السريع في الماء، فاستعير للذهاب مطلقاً كما قاله
الراغب(٣)، وأنشدوا قول الشاعر:
أباحوا لكم شَرْقَ البلاد وغربها
ففيها لكم يا صاحِ سَبْحٌ مِن السَّبْحَ (٤)
وهذا بيانٌ للداعي الخارجي إلى قيام الليل بعد بيان ما في نفسه مِن الداعي.
وقيل: أي: إنَّ لك في النهار فراغاً وسَعَةً لنومك وتصرُّفك في حوائجك.
وقيل: إنْ فاتك مِن الليل شيء فَلَكَ في النهار فراغ تَقدِر على تداركه فيه،
فالسَّبْحِ الفراغُ، وهو مستعمل في ذلك لغة أيضاً، لكنَّ الأوَّل أوفق لمعنى قولهم:
سبح في الماء، وأنسب للمقام، ثم إنَّ الكلام على هذا إمَّا تتميم للعلَّة يهوّن عليه
أنَّ النهار يصلح للاستراحة فليغتنم الليلَ للعبادة وليشكر أنْ لم يُكلَّف
استيعابهما بالعبادة، أو تأكيد للاحتفاظ به، بأنَّه إن فات لا بُدَّ مِن تداركه بالنهار،
ففيه متَّسع لذلك، وفيه تلويح إلى معنى: ﴿جَعَلَ اٌلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ﴾ [الفرقان: ٦٢].
(١) القراءات الشاذة ص١٦٤، والبحر المحيط ٣٦٣/٨.
(٢) تفسير الطبري ٣٧٣/٢٣، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٤٠٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد ٩/ ٤،
والقراءة في المحتسب ٣٣٦/٢، والكشاف ١٧٦/٤ .
(٣) المفردات (سبح).
(٤) البحر المحيط ٣٦٣/٨.

الآية : ٨
١٩
سُورَةُ المُنَمِِّ
وقرأ ابن يعمر وعكرمة وابن أبي عبلة: ((سَبْخاً)) بالخاء المعجمة (١)، أي:
تفرُّقَ قلب بالشواغل، مستعارٌ مِن سبخ الصوفِ: وهو نفشه(٢) ونَشْر أجزائه.
وقال غير واحد: خفَّة من التكاليف. قال الأصمعيُّ: يقال: سبَّخ اللهُ تعالى عنك
الحمَّى: خفَّفها. وفي الحديث: ((لا تُسبِّخي بدعائك))(٣)، أي: لا تخفِّفي، ومنه
قوله :
إذا قدَّر الرحمنُ شيئاً فكائنٌ(٤)
فَسَبِّخْ عليكَ الهَمَّ واعْلَم بأنَّه
وقيل: السبخ: المَدُّ، يقال: سبِّخي قطنك، أي: مُدِّيْه، ويقال لقِطَع القطن:
سبائخ، الواحدة: سَبخة، ومنه قول الأخطل يصف قُنَّاصاً وكلاباً :
فَأَرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ الترابَ كما يُذْرِي سبائخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوتار (٥)
وقال صاحب ((اللوامح)): إنَّ ابنَ يعمر وعكرمةَ فسَّرا ((سبخاً)) بالمعجمة بعد أن
قرأا به فقالا: معناه: نوماً، أي: ينام بالنهار ليستعينَ به على قيام الليل، وقد
تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنَّهما فسَّراها فلا نتجاوز عنه(٦). اهـ. ولعلَّ
ذلك تفسير باللازم.
﴿وَآذگُرٍ آسم ريّ﴾ أي: وَدُمْ علی ذِكْره تعالى ليلاً ونهاراً على أيِّ وجه كان مِن
تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك، وفسّر الأمر بالدوام؛ لأنَّه
عليه الصلاة والسلام لم ينسه تعالى حتى يُؤمَر بذِكْره سبحانه، والمراد الدوام
(١) القراءات الشاذة ص١٦٤، والبحر المحيط ٣٦٣/٨.
(٢) في (م): نقشه.
(٣) أخرجه أبو داود (١٤٩٧)، وأحمد (٢٤١٨٣) عن عائشة رضيُها، بلفظ: ((لا تُسبِّخي عنه)»،
وفي إسناده حبيب بن أبي ثابت، قال عنه العقيلي في الضعفاء ٢٦٣/١: له أحاديث لا يتابع
عليها. وذكر منها هذا الحديث.
وهو عند ابن سلام في غريب الحديث ٣٣/١، وابن الأثير في النهاية (سبخ) بلفظ:
«لا ◌ُسبّخي عنه بدعائك علیه)).
(٤) البيت ذكره الجوهري في الصحاح، وابن منظور في اللسان (سبخ).
(٥) ديوان الأخطل ص١١٥ .
(٦) البحر المحيط ٣٦٣/٨.

الآية : ٩
٢٠
سُؤَدَّةُ المُتَمِِّ
العرفيُّ لا الحقيقيُّ، لعدم إمكانه، ولأنَّ مقتضى السياق أنَّ هذا تعميم بعد
التخصيص، كان المعنى على ما سمعت مِن اعتبار ليلاً ونهاراً.
﴿وَبَّلْ إِلَيْهِ﴾ أي: وانقطع إليه تعالى بالعبادة، وجرِّد نفسك عمَّا سواه عزَّ
وجلَّ، واستغرق في مراقبته سبحانه، وكأنَّ هذا أمر بما يتعلَّق بالباطن بعد الأمر
بما يتعلَّق بالظاهر، ولتأكيد ذلك قال سبحانه: ﴿تَبْتِيلًا ﴾﴾ ونصبه بـ ((تبتَّل)) لتضمُّنه
معنى بَتل، على ما قيل، وقد تقدَّم الكلام في تحقيق ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ
أَنْبَتَكُم مِّنَ اْأَرَضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] فتذكَّر فما في العهد مِن قدم، وكيفما كان الأمر
ففيه مراعاة الفواصل.
﴿َبُّ الْشْرِقِ وَالْغْرِبِ﴾ مرفوع على المدح. وقيل: على الابتداء، خبره: ﴿لَّ إِلَهَ
إلَّا هُوَ﴾ وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿هَا: ((رَبَّ)) بالنصب(١) على الاختصاص والمدح، وهو
يؤيِّد الأوَّل، وقرأ الأخوان وابنُ عامر وأبو بكر ويعقوب: ((رَبِّ)) بالجرِّ(٢) على أنَّه
بدل من ((ربِّك))، وقيل: على إضمار حرف القَسَم، وجوابه: ((لا إله إلا هو))، وفيه
حذف حرف القَسَم مِن غير ما يسدُّ مسدَّه وإبقاءُ عمله، وهو ضعيف جدًّا كما بيِّن
في العربية، وقد نقل هذا عن ابن عباس، وتعقَّبه أبو حيَّان بقوله: لعلَّه لا يصحُ
عنه؛ إذ فيه إضمار الجارِّ في القَسَم، ولا يجوز عند البصريين إلا في لفظة الجلالة
الكريمة نحو: اللهِ لأفعلنَّ كذا، ولا قياسَ عليه، ولأنَّ الجملة المنفيَّة في جواب
القَسَم إذا كانت اسميَّة تُنفى بـ ((ما)) لا غير، ولا تنفى بـ ((لا)) إلا الجملة المصدَّرة
بمضارع كثيراً وبماضٍ في معناه قليلاً(٣). انتهى. وظاهر كلام ابن مالك في
(التسهيل))(٤) إطلاق وقوع الجملة المنفيَّة جواباً للقَسَم. وقال في ((شرح الكافية)):
إنَّ الجملة الاسميّة تقع جواباً للقَسَم مصدَّرة بـ ((لا)) النافية، لكن يجب تكرارها إذا
تقدَّم خبرها أو كان المبتدأ معرفة، نحو: واللهِ لا في الدارِ رجلٌ ولا امرأةٌ،
(١) الإملاء ٤/، والبحر المحيط ٣٦٣/٨.
(٢) التيسير ص٢١٦، والنشر ٣٩٣/٢.
(٣) البحر المحيط ٣٦٤/٨.
(٤) ص١٥٢ .